أهم وثيقه كتبها جارالله عمر قبل إنفجار حرب94م بثلاثين يوما !!!

الكاتب : المندفع   المشاهدات : 1,244   الردود : 14    ‏2003-11-03
      مشاركة رقم : 1    ‏2003-11-03
  1. المندفع

    المندفع عضو نشيط

    التسجيل :
    ‏2003-07-31
    المشاركات:
    269
    الإعجاب :
    0
    لم يكن نمطياً داخل المؤسسة الحزبية التي ينتمي اليها.. لم يكن يهاب أو يتحفظ أو يراوح في النقاشات والقضايا المصيرية التي تثار داخل الحزب الاشتراكي.. كان واضحاً ومختلفاً يؤمن بثقافة الحوار ويرى في الاختلاف فضيلة تعزز من الحزب وتوسع من الديمقراطية في حياته الداخلية.. وتراكم دروس ومعطيات في اهمية النقد والتقييم وحق ابداء الرأي واشهار التنوع.

    موقع «جارالله عمر» ينشر وثيقة موجهة من الشهيد جارالله عمر.. الى الأمين العام للحزب الاشتراكي آنذاك الأستاذ علي سالم البيض.. وفي لحظة فارقة ومصيرية من راهن الوطن ومستقبل الوحدة.. انه جارالله.. وضوحاً وصدقاً.. جرأة وإقداماً.

    فالوثيقة التي تحمل عنوان «أبعاد الأزمة الراهنة ومصير الوطن».. محطة أخرى.. من خط نضالي صاعد خاضه وصنع تفاصيل مشاهده المفكر الوطني الشهيد جارالله.. منذ الصبا وحتى الشهادة، مع الإشارة الى ان كل ماورد في الوثائق المنشورة يجب ان تقرأ في سياقها الزمني ومحيطها السياسي.. وعدم إسقاطها بالضرورة على راهن اليوم.. وهنا تكبر وتسمو قدرات الشهيد في تجديد القراءات لواقع سياسي مضطرب ومتحرك على الدوام.



    -------------------------------------------------------------------

    «وطن أو لا وطن»

    وثيقة حساسة وناقدة حول الأزمة والحرب

    الأخ/ الأمين العام، نائب رئيس مجلس الرئاسة.. المحترم

    الأخ/ الأمين العام المساعد، عضو مجلس الرئاسة.. المحترم

    الأخ/ رئيس هيئة سكرتارية اللجنة المركزية.. المحترم

    الأخوة/ أعضاء المكتب السياسي.. المحترمون

    لقد رأيت منذ عودتنا من عمّان بعد التوقيع على وثيقة العهد والاتفاق يوم 20 فبراير 1994، أن الأزمة التي تعيش فيها بلادنا تحتم علينا القيام بتبادل واسع لوجهات النظر؛ إما من خلال مناقشة واسعة ومستفيضة - وهو أمر غير متاح في الظروف الحالية - أو عبر التقدم بوجهات نظر مكتوبة.. لا لأن الحزب الاشتراكي اليمني أحد الأطراف الأساسية المؤثرة في عملية الصراع الراهن في الساحة اليمنية فحسب، بل ولأن ما ستؤدي اليه الأزمة من نتائج سوف تؤثر حتماً على مصير الوطن ومستقبله ربما لعدة عقود.. وليس من المبالغة القول بأن مصير وحياة الاجيال اليمنية التي ستلي هذا الجيل، ستكون رهناً بالقرارات التي نستطيع أو لا نستطيع اتخاذها في هذه الأيام غير العادية، إن لم نقل أن مستقبل الاشياء والناس والافكار والمثل في اليمن بما في ذلك مُثُل الحرية والديمقراطية وتعددية الأحزاب بل وبقاء الوطن ذاته رهناً بما سنفعله في غضون الأشهر القليلة القادمة.

    ولذلك فان الحزب الاشتراكي اليمني اذا أصاب فسوف يكون منقِذاً، وإن هو أخطأ هذه المرة فلن يكون ذلك من قبيل الأخطاء العادية المألوفة القابلة للتصحيح من خلال وقفة نقدية، بل هو في مستوى الأخطاء التاريخية الكبرى التي لا يمكن اصلاحها.. واذا تعرض مصير الوطن للخطر فان مسؤوليتنا التاريخية ستكون جسيمة.. ومن المشكوك فيه ان نظل حزباً على قيد الحياة.

    وأصارحكم القول - أيها الاخوة - بأنني قضيت وقتاً غير يسير للتفكير حيال القيام بهذا النوع من كتابة الرسائل ذات الطابع النظري نوعاً ما، في وقت تتفاقم فيه الأزمة وتتجه خلاله كافة العقول والأسماع الى متابعة حقائق الوضع اليومي التي تتغير لحظة بلحظة وترغم صُنّاع القرار السياسي في ان يصبوا همهم الأول في ملاحقة المعلومات والمواقف الجديدة والتعاطي معها وتوقع ما سيحدث والاستعداد لمواجهته.

    ويكمن السبب الأهم لترددي عن كتابة هذه الرسالة في الخشية من أنها قد تؤدي الى عكس الهدف الذي توخيته منها وان تثير قدراً من الحساسية والفرقة في وقت عصيب نحتاج فيه الى التماسك والوحدة، لكي لا يؤدي ذلك الى اضعاف موقفنا التفاوضي واغراء الطرف الآخر في المزيد من التصلب السياسي، بل واستسهال الإقدام على مغامرة عسكرية تحت طائلة الوهم بافتقار الحزب الى وحدة الموقف.. سيما مع كل ما يسود الجو الحالى من شائعات وتسريبات صحفية، هي عبارة عن حرب نفسية حقيقية تهدف الى النيل من معنويات اعضاء الحزب وأنصاره.

    بيد أنني وقد حاولت أن أزن السلب والايجاب في هذا الأمر رجحت خيار التقدم اليكم بهذه الرسالة تحت الحاح الرغبة في الاسهام في تصويب رؤيتنا السياسية لتتواءم والنقلة النوعية التي شهدتها الأزمة السياسية بعد التوقيع على وثيقة العهد والاتفاق ولقاءات عمان، الأمر الذي يفرض علينا بالضرورة الاصغاء المتعمق لكل الآراء والاجتهادات والتحلي بالصبر والأناة تجاه الرأي الآخر خصوصاً وان الأزمة الحالية غير مألوفة في تاريخنا، ثم إنها على درجة كبيرة من التعقيد والشمولية وقد خلقت ظروفاً بالغة القسوة وتسببت في العديد من المخاوف العامة والخاصة ودفعت كل شخص تقريباً من السياسي الى ربة البيت الى التفكير بآثارها عليه وعلى ابنائه الآن وفي المستقبل.. وليس من المستغرب ان تخالج المرءالعديد من الخواطر والأوهام والآراء المختلفة، ومن الضروري لقيادة الحزب ان تكون على دراية بذلك..

    واعتقد ان تجنب مناقشة موضوعات الخلاف - إن وجدت - هي أكثر خطورة على وحدة الحزب من تبادل النقد والمصارحة الرفاقية.. لأن الحزب الاشتراكي اليمني يمتلك مخزوناً من خبرات وتجارب الاختلاف والتباين وما كان يتلو ذلك من وقفات نقدية كانت تؤدي بهذا القدر أو ذاك الى استعادة عافيته الفكرية والتنظيمية وامتلاك حصيلة مناسبة من الدروس التي تساعد على تجنب تكرار اخطاء الأمس، فصار الحزب على قدر من التحصن والنضج السياسي وامتلك حداً لا بأس به من التطورالديمقراطي والمؤسسي في حياته الداخلية يسمح بالاختلاف والتباين لاستنباط الوسائل واقتراح السبل التي تخدم الوصول الى الهدف بأقل قدر من الخسائر.

    وطالما أننا في الحزب الاشتراكي اليمني قد أفلحنا الى حد كبير في تجاوز المرض الشرقي المزمن الذي كان يحدو ببعض ذوي الرأي المختلف الى تصنيف مخالفيهم ووضعهم في خانات الحد الأقصى التي توجب الاتهام والادانة، فان الحاجة تدعو الى تبادل وجهات النظر بدون توجس ليس من قبيل الترف النظري بل:

    ( أ ) من قبيل ممارسة النقد قبل ارتكاب الأخطاء لمنع وقوعها، لا بعد ان تقع، وخلق الأرضية المناسبة التي تساعد على تقويم وتصويب أدائنا السياسي واتخاذ القرارات التي تحول دون نجاح الطرف الآخر في جرنا الى المجابهة النهائية بالوسائل والشروط وعلى الساحة التي يختارها.. فالخط السياسي الأصوب هو الذي يفرض نفسه على مجرى الصراع وأطرافه.

    (ب) لأننا نشكل جماعة سياسية في اتحاد طوعي لمئات الآلاف من الاعضاء الذين توحدوا حول فكرة معينة يترجمها برنامجنا السياسي الذي يُعْد العقد الاجتماعي بين أناس أتوا من منابع ومشارب مختلفة.. ومن المسلم به أن الانتماءالوطني ووحدة الأرض والانسان في اليمن على أساس من الديمقراطية والعدل والتساوي في حقوق وواجبات المواطنة ليست محل اختلاف بين صفوف الحزب الاشتراكي اليمني، غير أن من البديهي ان تنشأ تباينات في وجهات النظر حيال شروط وسبل تحقيق هذه المهمات الوطنية الكبرى ولابد من استقصائها.

    (جـ) بهدف تعزيز قناعات الأعضاء بالمبادىء والافكار والتطلعات التي توحدوا على أساسها.. ونفي ما يكون قد علق في الأذهان من تساؤلات ذاتية من جراء النشاطات السياسية والاعلامية الأخرى وخلق أعلى قدر من اليقين تجاه العقد الاجتماعي الذي تأسست على أساسه جماعتهم.

    ( د ) تدلنا خبرات الماضي ان أي تجاهل لأي قدر من التباين في وجهات النظر إبان الأزمات ذات الطابع المصيري خشية الاختلاف، يفقد أي حزب ميزات العقل الجماعي وقد يؤدي الى عواقب خطيرة تؤدي الى الهزيمة وتقوض وحدته في نهاية المطاف.. وبديهي ان إدارة أي حزب للمعارك السياسية بنجاح يؤدي دائماً الى تعزيز وحدته، وأن الفشل يفضي دوماً الى التنازع على المسؤولية ثم التنصل عنها، فالانقسام والتمزق..

    لهذه الأسباب كلها رأيت - أيها الاخوة - أن أتقدم بوجهة النظر هذه الى المكتب السياسي للحزب الاشتراكي اليمني دون أن أجزم قط بأنها تطابق الحقيقة كلياً أو أنها مبرأة من القصور والرؤية الذاتية للأشياء أو الظروف الشخصية المحيطة بي كإنسان.

    تطورات الأزمة وما بلغته من أبعاد

    عندما بدأت الأزمة السياسية الراهنة التي يعيشها وطننا تخرج الى العلن، تباينت ردود الفعل حيالها بين الدهشة والاستغراب، والتفهم المحدود.. غير أن قدراً كبيراً من ردود الفعل تلك تميزت بالميل الى اعتبارها مجرد اختلاف عابر حيال المستقبل الدستوري للبلاد، دون ان نستثني من ذلك أغلبية قيادات وقواعد الحزب الاشتراكي اليمني.

    بيد أن طرح النقاط الثمانية عشر (18) الشهيرة من قبل قيادة الحزب الاشتراكي اليمني عملت على التأصيل النظري للأزمة وتأطيرها برنامجياً وأبرزت أساسها الموضوعي وخلقت اصطفافات واسعة في الأوساط السياسية والشعبية من جراء الاستقطاب الحاد الذي ساد سياسياً وشعبياً من النقاط وضدها.. بعد أن وحدت الموقف القيادي في الحزب كما رصت صفوفه القاعدية حولها.. وما كان لذلك أن يحدث لولا أن المشكلات الاجتماعية والسياسية المزمنة كانت كامنة تحت السطح الذي كان يبدو عليه الهدوءالظاهري وقد تجاوب الناس مع الحزب الاشتراكي اليمني لأن النقاط الـ(18) قد أفلحت تماماً في مخاطبة وجدانهم وألمحت الى مصالحهم الحقيقية المفتقدة، كما تضمنت مقترحات للكيفية التي يمكن بواسطتها حل العديد من التناقضات الاجتماعية والسياسية المزمنة التي ظلت تتراكم عقوداً من الزمن وتكبت بالقوة المرة تلو الأخرى.. وجاءت خطابات الأخ على سالم البيض من موقعه كأمين عام للحزب ونائب لرئيس مجلس الرئاسة، التي أصغى لها الناس على نطاق واسع، لتحدث تحولاً جذرياً في وعيهم وتجدد الأمل في التغيير المأمول الذي تأخر عن زمنه، ولتعطِي المعنى الحقيقي لدولة الوحدة.. بقدر ما أظهرت ان تأخر ظهور الأزمة يعود في المقام الأول الى جملة من العوائق الاجتماعية والسياسية الكابحة وخصوصاً انعدام حرية التعبير والافتقار الى الزعامة القائدة للتغيير.. وقد جاء الرجل الذي رفع الغطاء عن البركان الذي كان يضطرم في إناء مغطى بقشرة خفيفة من الأفراح والمناسبات الشكلية والضجيج الاعلامي المتسم بالديماغوجية. وصار الوضع كما قال الشاعر محمد محمود الزبيري:

    «إن الأنين الذي كنا نردده سراً غدا صيحة تصغي لها الأمم»

    فطفق الناس يجاهرون بالرغبة في تحقيق ما كانوا يأملون فيه على أثر قيام الدولة اليمنية الموحدة في 22 مايو 1990.

    وكانت تلك أول علامات التبدل الملحوظ في المزاج الشعبي وفي موازين القوى على الساحة اليمنية كلها.. الأمر الذي عكس نفسه ايجابياً على الأداء السياسي لقيادة الحزب الاشتراكي بما عزز من ثقة لديه بنفسها وبخطها السياسي وساعدها على ادارة الأزمة بمهارة وبنفس طويل غير معهود.. كان من أولى ثمارها دعوة اللجنة المركزية التي تميزت بالجرأة الى توسيع نطاق الحوار والتحرر تماماً من عقدة النتائج التي أفضت اليها انتخابات 27 أبريل 1993، وعدم الخشية من استخدام الطرف الآخر لأكثريته البرلمانية لاقصاء الحزب من الائتلاف أو ارغامه على العودة مكتوفاً الى حظيرة الحوار الثلاثي وتقديم التنازلات غير المبررة، مثلما كان الحال عند تقدم الحكومة الى مجلس النواب ببيان الثقة.. لأن الأمر -هذه المرة- قد اختلف تماماً فصار نزاعاً على قضايا اليمن وبناء الدولة وليس اختلافاً على اقتسام الغنيمة وتوزيع المناصب الوزارية.. وقد مثلت عملية الانتقال بالحوار من دهاليز الائتلاف الثلاثي الى الحوار الموسع وما تلى ذلك من علنية في طرح وجهات النظر حول الأزمة وأسبابها، التحول النوعي الثاني في مجرى الأزمة ذاتها وفي وعي الناس لموضوعية الأزمة والعوامل التي أدت اليها على الصعيدين الداخلي والخارجي.. وفتح الباب أمام نشوء شرعية جديدة موازية هي الشرعية السياسية والشعبية التي تنامى دورها تدريجياً بما يكفي لمنع الطرف الآخر من استخدام البرلمان ولو مؤقتاً لاصدار بيانات الادانة الكيفية وتوجيه أعماله خارج مهماته الرئيسية في الرقابة والتشريع، والحيلولة دون نجاح جملة من التحركات الاعلامية والسياسية كما حدث في (الجند) لافشال لجنة حوار القوى السياسية واعادة المسألة برمتها الى مقاعد الائتلاف غير المتكافئة وحسمها بصوتين ضد صوت واحد.. وقد تعزز هذا الموقف الشعبي بسياسة النفس الطويل والصبر الجميل من قبل قيادات الحزب الاشتراكي وعدم الاستجابات العاطفية للاستفزازات المتعمدة أو الصدفية، مثل اعتراض أطقم الشرطة العسكرية عند مدخل صنعاء لموكب الأخ رئىس الوزراء الذي كان لبقائه في صنعاء واستمراره في تسيير أعمال الحكومة في مناخات مفعمة بالريب، أثر ايجايي على الرأي العام الداخلي والخارجي، الذي نظر الى بقاء رئيس الحكومة في العاصمة بوصفه تعبيراً عملياً عن سياسة الحزب الاشتراكي اليمني في الابقاء على أكبر قدر ممكن من الروابط الوحدوية وعدم خلق الاسباب التي تؤدي الى القطيعة وفشل الحوار.

    وقد وفرت هذه التطورات والافعال الشروط الضرورية للانتقال بالحوار السياسي وبالأزمة ذاتها الى المحطة الثالثة الأكثر أهمية وعمقاً، والتي شهدت صياغة وثيقة العهد والاتفاق في ظروف بدت أكثر توازناً وأكثر مواتاة للحوار الموضوعي العقلاني واضطرار المؤتمر والاصلاح للتخلي عن مناوراتهما والكف عن اختزال الأزمة بالخلاف بين الرئىس والنائب أو بين الحزب والمؤتمر والاعتراف بطابعها الوطني العام وأن لها ما يكفي من الاسباب الموضوعية التي ينبغي الاعتراف بها وتشخيصها بصورة واقعية تمهيداً للبحث عن اقتراحات وحلول عملية تخرج البلاد من هذه الأزمة وعدم الابقاء على الاسباب التي من شأنها ان تنتج أزمات أخرى في المستقبل.

    ولأن الوثيقة تتحدث عن نفسها فإننا لا ينبغي أن نستطرد في الشرح والتحليل لوثيقة غنية بهما إذ لا معنى لتبيان البيّن. بيد أن من الواجب القول أن وثيقة العهد والاتفاق قد تطرقت باستقصاء دقيق الى طرح وتحليل العديد من المشكلات الاجتماعية والسياسية التي ظل الحديث عنها محرماً بصورة قطعية فضلاً على الاعتراف بها وحلها على مدى مئات السنين.

    ومهما كانت درجة إحاطة وثيقة العهد والاتفاق بالمشكلات والتناقضات التي أعاقت سير حركة المجتمع اليمني الى الأمام، وأياً كان خط المقترحات التي تضمنتها في التنفيذ، فإن مستقبل اليمن ونهضته ستعتمد قبل كل شيء على مدى قدرة القوى والأحزاب والشخصيات المؤثرة في الساحة اليمنية على التفريق بين أسباب وموضوعات التنافس الحزبي العادي التي تقتضي العملية الديمقراطية الاختلاف حولها والاجتهاد في تقديم الحلول والبرامج المتعارضة لحلها وبين القضايا السياسية الذي يتعين الاتفاق حولها وحلها بروح التفاهم والاتفاق الوطني كشرط لابد منه لاخراج اليمن من وضعها المزري الذي شكلت أمثاله أسباباً للسقوط والانهيار، ووضع هذه القضايا في سياقها التاريخي وخارج المناورات السياسية وفوق كل ربح أو خسارة.. ويكمن المدخل الشرعي والوحيد الى ذلك بادراك هذه القوى مجتمعة لحقيقة الأمر والتخلي عن سياسة الكيد ومغالطة النفس والأخذ بحكمة سقراط الشهيرة التي تجمع بين البساطة والعمق في آن واحد ألا وهي (اعرف نفسك)، والدخول مباشرة في تحليل واستقصاء التناقضات العميقة التي اكتنفت حياة المجتمع اليمني طوال تاريخه المعاصر وجعلته في مؤخرة دول الجامعة العربية ثقافياً واجتماعياً واقتصادياً.. والاتفاق بعد ذلك على حلها بطريقة سلمية وعن طريق التدرج وادراك أنها ما لم تحل سلمياً فقد تعصف باليمن وتدفع به الى صراعات دموية لا تحمد عقباها.. حتى ولو أفلحنا في تنفيذ الجزء الأكبر من وثيقة العهد والاتفاق.

    وأبرز هذه التناقضات والاشكالات - كما أرى - يمكن ايجازها في:

    1 - المركزية واللامركزية.. وقد سبق الحديث عنها وأفاضت الوثيقة في اقتراح الحلول اللازمة لحلها..

    2 - عدم تحقق اندماج وطني حقيقي وسوق وطنية موحدة، وما يترتب على ذلك من تباينات اجتماعية وسياسية ومعيشية والافتقار الى الانسجام الوطني وضعف روح الانتماء والتكالب على البحث عن متكآت مناطقية أو قبلية أو مذهبية والاستناد اليها وصولاً الى العمل والوظيفة، الى المشروع وغير المشروع. وبرغم أن هذه الحالة التي نعيشها اليوم صفة ملازمة لتطور الشعوب في مرحلة تاريخية معينة، إلا إنها في اليمن اتسمت بالركود وحالت بعض السياسات الخاطئة دون تجاوزها بطريقة موضوعية وتاريخية.. وازداد الأمر تعقيداً بتجاهل الزعامات السياسية الرسمية والحزبية لجملة من العوامل التي تغذي هذا الركود وتعيد انتاج التناقضات حيناً بعد آخر.. وأهم تلك العوامل ذات الطابع التناقضي: التباين الثقافي والمعرفي والمعيشي السائد بين سكان أقسام البلاد الجغرافية المختلفة، الذي أفضى الى بروز ظاهرة التطورات غير المتوازنة لهذه الأقسام في مجالات التنمية الاقتصادية والثقافية وأفرز حالة من الانقسام الاجتماعي الظاهر.. فبينما يتجه سكان المناطق الزراعية والسهول نحو العمل الانتاجي والخدمي ويحصل أبناؤهم على قدر أعلى من التعليم والصحة يعزف سكان المناطق الأخرى عن العمل ولا يقبل أبناؤهم على التعليم، ويتجهون بدلاً من ذلك الى احتراف حمل السلاح والوجاهة الشكلية والالتحاق بالجندية والتطلع الى المراكز الوظيفية السهلة في الجهازين المدني والعسكري.. مما يؤدي بالنتيجة الى احساس القسم الأول بالاضطهاد وعدم المساواة تجاه شغل المناصب السياسية والعسكرية والتعرض للابتزاز المادي.. ويشعر القسم الآخر بالشح والحاجة وعدم المساواة في المستوى المعيشي.

    وبصرف النظر عما ترتديه هذه الحالة التناقضية من تعبيرات مذهبية أو فئوية أو حزبية فإن أساسها واحد (كما سبقت الاشارة اليه) وسيبقى الأمر كذلك ما لم يعترف الساسة بهذه الحقيقة ويمتلكون الشجاعة على معالجتها بروح الاخلاص للوطن ومستقبله، باتباع سياسة للاصلاح الجذري في ميادين التنمية والثقافة والسياسة.. تؤدي الى فرص متكافئة لجميع أبناء الوطن دون النظر الى مكان الميلاد بما في ذلك الحق في شغل أي منصب سياسي إذا توفرت الكفاءة الذاتية.

    3 - التناقض الناشىء عن العلاقة بين السلطة والثروة، الذي استفحل في السنوات الأخيرة بسبب تحول السلطة الى معبر سهل للحصول على الثروة مما أدى الى تميزرجال الدولة بمستويات معيشية باذخة، مقابل الفقر والبطالة المتزايدة في صفوف الاغلبية، وما نتج عنه من كره متبادل بين الحاكم والمحكوم وتكالب غير معتاد على السلطة والاستماتة على البقاء في المناصب القيادية بأي ثمن، حتى صار التجديد في اليمن أمراً عسير المنال، وهو ما ينذر بعواصف محتملة، ولن يحل هذا التناقض إلا اذا تمكن الآباء المؤسسون في هذا الجيل على تحقيق الفصل بين الثروة والسلطة، عن طريق جملة من الاجراءات الدستورية والقانونية والتنفيذية بصورة عملية، ابتداءً من فتح الباب لتداول سلمي وحقيقي للسلطة بحيث يصبح من حق أي مواطن كفء من المهرة الى صعدة، أن يشغل أعلى المناصب بما في ذلك رئاسة الدولة، واقتصار الحق في شغل هذا المنصب على دورة واحدة غير قابلة للتجديد إلا بعد فترات زمنية متباعدة.. وتحديد المدد الزمنية لشغل المناصب القيادية العسكرية والمدنية العليا بسقف زمني معين حتى يكون من الميسور اجراء سنة الله في خلقه في التعاقد والتجديد بصورة تلقائية سلمية.. والتحديد الصارم لصلاحيات كبار مسؤولي الدولة في الصرف من المال العام ووضعها عند سقف معين ليصبح الصرف بعدها (إذا دعت الضرورة) من صلاحيات المؤسسات.. وجعل مرتباتهم وتصرفاتهم وأموالهم معروفة للجمهور، وأن يقدم شاغلو المناصب العليا ما يسمى (بالذمة المالية) واعتبار السرية في هذا الشأن جناية.. إضافة الى تحريم الهبات من أراضي وممتلكات الدولة إلا بقرار من المؤسسات كمجلس الوزراء مثلاً.

    وأحسب أن واحداً من الأسباب التي ساعدت على أن يكون التداول السلمي للسلطة ممكناً في البلدان المتقدمة يكمن في حقيقة ان مرتب رؤساء بعض الشركات في بعض البلدان أعلى من مرتب رئيس الدولة بفارق كبير.. والناس هناك يغتنون لكي يصلوا الى السلطة ولا يصلون الى السلطة ليغتنوا.

    4 - الارتباط بين السلطة والعصبية العشائرية أو المذهبية أو الجغرافية.. إذ لابد من فك هذا الارتباط المعيق، ولا يعني ذلك تحريم شغل المناصب في السلطة على أبناء هذه القبيلة أو المذهب أو المنطقة أو تلك بل عن طريق تغيير الشروط غير المكتوبة لشغل المناصب العليا في الدولة باضفاء الطابع المدني عليها وجعل الكفاءة والشعبية شروطاً تؤهل للوصول الى هذه المناصب بدلاً من القوة، وإعلاء الانتماء السياسي والحزبي على الانتماء العشائري أو المذهبي أو الانتساب الى المؤسسة العسكرية.. فالسلطة قوة بحد ذاتها وهي تحتاج الى الحكمة والثقافة والعقلانية لترشيد استخدامها وليس الى قوة اضافية.

    5 - التناقض الديمغرافي الذي يتجلى في الازدحام والتكدس للسكان في مساحات محدودة ومعينة من البلاد وبقاءمناطق واسعة خالية إلا من تجمعات سكان ضئيلة كالمهرة وحضرموت وشبوة ومارب والجوف.. ومن الطبيعي ان الحل الأمثل لهذه القضية التناقضية سوف يتم تلقائياً من خلال التطور الاقتصادي وحاجات المجتمع للتنقل والتجارة والاستثمار والعمالة كما حدث في العالم.. بيد أن من واجب الساسة استيعاب هذه الوضعية واتخاذ القرارات السياسية والتنموية التي تسهل حدوث مثل هذا التغيير الضروري بسهولة وانسياب طبيعي، وفي المقدمة من ذلك توفير الشروط اللازمة للاندماج الوطني والتساوي في الحقوق والواجبات دون اعتبار لمحل السكن أو طبيعة المهنة..إن التسريع بهذه العملية وجعلها ممنهجة نوعاً ما سوف يساعد على حل العديد من المشكلات الاجتماعية والتنموية ويخلق قدراً لا بأس به من التوازن السكاني اللازم للنهوض الاقتصادي والثقافي ويعزز من الانسجام والروابط الاجتماعية والحد من حركة الهجرة غير الاعتيادية من الريف الى المدينة والتكدس السكاني المصطنع فيها وما نجم عنه من أزمات في العمل والصحة والتعليم وانتشار الجريمة.

    التوقيع النهائي على وثيقة العهد والاتفاق.. مرحلة ما بعد عمّان:

    لقد أكدت الأزمة السياسية التي تمر بها بلادنا على أن حزبنا كان ولم يزل قادراً على تجديد نفسه واستحضار ميراثه النضالى لمواجهة التحديات غير المألوفة، والاضطلاع بدور قيادي في التعبير عن مصالح الناس رغم تغير الظروف على نحو غير متوقع. ولعل وثيقة العهد والاتفاق شاهد على حسن أدائه واحتفاظه بزمام المبادرة في موضوع تأطير المشكلات الاجتماعية والسياسية، التي أراد الآخرون اضفاء الطابع الشخصي عليها، في جملة من البرامج التي تتضمن التشخيص ومقترحات العمل كما في الوثيقة، والأهم من ذلك كله النجاح الذي أحرزه الحزب الاشتراكي اليمني في الانتقال بالخلاف من اطاره الثنائي الذي كان يبدو كما لو أنه مجرد نزاع بين الحزب والمؤتمر على نسب النفوذ في السلطة الى الشارع السياسي والجماهيري، واضفاء الطابع الشعبي عليه بوصفه خلافاً برنامجياً بين من يريدون بناءالدولة والرافضين له.. وهي المرة الأولى منذ أمد بعيد الذي تمكن الحزب الاشتراكي اليمني من خلق حالة من التطابق الموضوعي بين الشعارات التي يرفعها وبين المصالح العليا للغالبية العظمى من الناس، بين الداعين الى التجديد والتحديث واقامة النظام المؤسسي وأولئك الذين يرغبون في الحفاظ على المؤسسات التقليدية العتيقة التي تعيق الشروع في ارساء دعائم المشروع الحضاري، من خلال اقامة نواة لحامليه الأساسيين (الدولة الحديثة والمجتمع المدني). غير أن التعثر الذي صاحب التوقيع على وثيقة العهد والاتفاق في عمان يوم 20 فبراير 1994، وما تلى ذلك من خيبة أمل شعبية ازاء فرص التوصل الى حل مناسب للأزمة الراهنة في اليمن، يطرح تساؤلات جدية حول المستقبل ومدى قدرتنا على استعادة زمام المبادرة وتوفير الشروط الضرورية لاعادة عجلة القطار السياسي للسير على قضبان الحل السلمي وتجنب مخاطر الحرب أو مراوحة الأزمة مكانها، بالتطبيق العملي للوثيقة ولو بصورة جزئية.. إن تحديد حجم الفشل ونسبة النجاح المتوقعة أمر مرهون بتطورات المستقبل وبموازين القوى السياسية التي ستنشأ خلاله، ومهما يكن الذي يحدث في ظل الأوضاع الراهنة فإن وثيفة العهد والاتفاق التي لا سباقة لها في تاريخ اليمن ستظل تشكل المرجعية التاريخية الوحيدة التي يعود اليها جميع الفرقاءحينما تنسد أمامه السبل الأخرى وتحين لحظة الحوار الجدي، إنها المرجعية الوحيدة لكل عقد اجتماعي جديد يراد صياغته. ومهما اقتضت الظروف السياسية والاجتماعية المتغيرة في المستقبل ادخال بعض التعديلات الجزئية عليها ستبقى في مجملها في مستوى طموحات وآمال اليمنيين حتى مطلع الألف القادم على الأقل باعتبارها وثيقة التأسيس الأولى للمجتمع الجديد ولدولة حديثة وديمقراطية. واليوم ونحن في خضم الأزمة التي تعيشها بلادنا فإن مهمتنا الأساسية تكمن في الحيلولة دون وصولها الى نقطة اللاحركة بانهاء حالة المراوحة التي يمر بها الحوار السياسي في لجنة حوار القوى السياسية.. فلئن كان المؤتمر الشعبي وتجمع الاصلاح قد فشلا في تجميد نشاط اللجنة حتى الآن تمهيداً لالغائها فإننا وبقية أطراف الحوارلم نفلح في تفعيل عمل اللجنة والانتقال بها نوعياً حتى تكون محور القرار السياسي، مثلما كانت حتى 18 يناير الماضي.. ونقطة البدء التي بوسعها اعادة تفعيل دور ونشاط لجنة الحوار يكمن في استغلال وتنظيم ومتابعة الحركة الجماهيرية المتنامية ممثلة بعمليات الاعتصام الشعبي التي أخذت في الانتشار في معظم المحافظات، والتي من شأنها اعادة الزخم الى الشارع اليمني والالتفاف حول لجنة الحوار كعامل ضاغط يمنع المحاولات الجارية لتهميشها.. ومن أجل ذلك يتعين على الحزب الاشتراكي اليمني أن يساند وبدون تحفظ هذه العملية الشعبية وأن يحافظ في الوقت ذاته عليها كحركة عامة والحيلولة دون

    تحزيبها أو تجيير نشاطاتها لهذا الطرف الحزبي أو ذاك حتى لا تتعرض للانقسام والتلاشي في النهاية.. كما لابد من تقييم سريع لما جرى منذ 20 فبراير كحد كان يفترض ان ينتقل به الصراع السياسي من مرحلة البحث عن حل للأزمة الوطنية الى بداية تطبيق هذا الحل بعد أن استطاعت القوى الوطنية وفي المقدمة الحزب الاشتراكي اليمني - والالتفاف الشعبي الواسع والتأييد العربي والدولي أن يجعل من وثيقة العهد والاتفاق الورقة الوطنية الأولى والمقياس غير المختلف(بفتح اللام) عليه لتقييم المواقف السياسية للأحزاب والشخصيات السياسية في اليمن.. والهدف من هذا التقييم السريع والموجز معرفة طبيعة ردود فعل الرأي العام في الداخل والخارج والقوى السياسية اليمنية بالذات إزاء ما حدث من تعثر والأسباب التي تقف خلفه وتأثير ذلك على مسار الصراع السياسي وعلى أوراق طاولة الحوار ومدى الامكانية المتوفرة لتحريك الأوضاع بالاتجاه الذي يخدم هدفنا بتنفيذ وثيقة العهد والاتفاق التي اكتسبت شرعية شعبية وتأييداً عربياً ودولياً لم يكن متوقعاً من قبل، ويتعين على حزبنا ادراك مغأى هذا التأييد والالتفاف حول الوثيقة وأن يحرص دائماً على التحرك في نطاق هذه الشرعية وعدم الابتعاد عنها، مثلما كان منذ منتصف هذا القرن قادراً على تجديد شرعيته شعبياً في كل مرحلة تطلبت مثل هذا التجديد.

    ولا ريب أن جملة من الأسباب تقف خلف تعثر وربما فشل لقاء عمان لا تتعلق بطرف بعينه بل تشترك فيه كل الاطراف وخصوصاً المؤتمر والحزب اللذين ذهبا الى عمان في رحلة يغلب عليها عليها الطابع الدعائي والرغبة في تسجيل المواقف السياسيةكل ضد الآخر كامتداد للصراع الذي كان يجري طوال الأشهر الستة الماضية، دون ان يكون أي منهما قد سلح نفسه بموقف سياسي تفاوضي محدد يعرف خلاله ما هو حجم التنازلات التي هو على استعداد لتقديمها وما الذي سيحرز من مكاسب، ربما لأن احداً منهما لم يكن على دراية بموازين القوى السائدة على الأرض.. ناهيك عما صاحب الأيام التي سبقت التوقيع من مناخات متوترة سياسياً واعلامياً وعسكرياً وتفاقم أزمة الثقة التي كادت تبلغ درجة القطيعة لولا بقاء شعرة معاوية المتمثلة بلجنة الحوار والوساطات الخارجية.. ولأننا معنيون بالمراجعة النقدية لموقفنا وتحديد سلبياتنا وعدم اغفال ما يتميز به أداء الطرف الآخر، فإنني أعتقد ان دراية المؤتمر الشعبي أو ادراكه لموقفه كان على درجة من الوضوح وكانت حركته أكثر فعالية في الأيام القليلة التي سبقت التوقيع وأثنائه.. أفضل مما هو الحال لدى قيادة الحزب الاشتراكي.. الموقف الذي يتلخص في القبول التكتيكي للوثيقة مؤقتاً على أمل احداث انفراج سياسي جزئى للتخلص من الضغوط الداخلية والخارجية ممايعطي مجالاً أوسع للمناورة والبحث عن ذرائع للامتناع عن تطبيق الوثيقة في وقت لاحق دون تحمل المسؤولية مثلما يفعل الآن.. وقد استخدم لذلك اسلوب التأكيد المستمر على الربط بين التنفيذ واجتماع الهيئات الذي كان يعرف سلفاً أنه لن يتم بالطريقة التي يريدها، بسبب موقف الحزب المعلن تجاه هذه المسألة الذي أملته الظروف الأمنية غير الطبيعية. وأحسب أن الحاح المؤتمر أثناء اجتماعات عمان على العودة الفورية المشتركة الى صنعاء وتسريبه الفكرة الى الصحف كان مجرد رسالة اعلامية وسياسية لاقتناع الآخرين بصحة موقفه واحراج الحزب ودفعه الى الرفض العلني للمقترح وليس لتحقيق الفكرة بصورة عملية.. وفي كل الاحوال فأن تكتيك المؤتمر الأساسي كان ولم يزل يقوم على المناورة للزمن والرهان على ان تقادم الازمة دون حل سوف يخلق مللاً في الشارع اليمني والرغبة في الخروج منها بأي صورة كانت أونسيانها كلياً، فضلاً عن التراجع المتوقع للاهتمام الخارجي بها والانصراف الى سواها من المشكلات السياسية الأكبر التي تشغل مراكز التأثير السياسي في العالم.

    وبرغم أن وفد الحزب الاشتراكي اليمني قدم الى عمان وبيده وحده مشروعاً يتضمن جملة من الآراء والمقترحات لما بعد التوقيع إلا أنه جاء متأخراً ولم نحسن التمهيد له، كما لم نمتلك بدائل أخرى في حالة الرفض المتوقع بعدما استقر في الأذهان تفرد الحزب في التقدم بمقترحات مكتوبة.. إن أجواء الاستعجال المنفعل والحماس غير المدرك للتوقيع على الوثيقة الذي غلب على مواقف معظم الاطراف السياسية والاتهامات المتبادلة بعدم الرغبة في التوقيع عليها والضغط الشعبي والوهم الذي ساد لدى الناس وحتي بعض القادة السيايسين - بما فيهم اعضاء في لجنة الحوار - بأن مجرد التوقيع على الوثيقة سوف يشكل شفاء لكل جوانب الأزمة. وقد جعل لجنة الحوار تستعجل في تحديد المواعيد بالتوقيع أكثر من مرة دون ان تكون قد انجزت المهام التي كان يجب البت فيها لضمان مباشرة تفنيذ الوثيقة بعد التوقيع عليها، بل وصل الأمر الى وضع الطرف المطالب بالتحضير الجيد للتوقيع، موضع الشك في موقفه من الوثيقة بكاملها.. وكاد موقف الحزب الاشتراكي اليمني أن يتأثر سلباً أمام الشعب وفي الخارج لو أنه استمر لوحده في المطالبة لاستكمال التحضير قبل التوقيع وخصوصاً في ظل المتابعة الدولية لموعد التوقيع أو المصالحة اليمنية كما عبرت عنه وسائل الاعلام العالمية.

    وجاءت الأحداث العسكرية في محافظة أبين صبيحة 21 فبراير 1994 التي تسببت فيها العفوية وعدم التنبه لحساسية الموقف من جانبنا التي خدمت قصد موقف قيادة المؤتمر المسبق في جعل المحافظات الجنوبية والشرقية نقطة البدء لأي صراع مسلح قد ينشأ، لتصل بلقاء عمان الى درجة تقترب من الفشل. ورغم ان اليمنيين يتحملون المسؤولية الرئىسية فيما انتهى اليه لقاء عمان، إلا ان الجانب المضيف قد أسهم في ذلك الى هذا الحد أو ذاك. ذلك أن عدم ادراك الجانب الاردني لطبيعة وخلفيات المشكلة في اليمن بصورة عميقة قد أثر سلباً على النتائج التي أسفرت عنها لقاءات عمان ولا سيما مراهنته أكثر مما ينبغي على ما بدا وكأنه ثقة مشتركة من قبل الاطراف اليمنية بالملك وأن النتائج مضمونة مائة بالمائة.. ودون شك فإن الاخلاص والدوافع القومية في مساعدة اليمنيين على الخروج من مأزق الأزمة كانت تقف خلف موقف الملك الحسين كعامل رئيسي، بيد أن العقدة التي خلفتها أزمة الخليج وتلهف الاخوة/ الاردنيين لاحراز مكاسب سياسية تعادل الخسائر التي ترتبت على تلك الحرب، بما في ذلك اعادة تسجيل سابقة لحل الازمات العربية عربياً بعد فشل الجامعة العربية الشهير في اغسطس 1990، قد أضفت على الموقف الاردني شيئاً من عدم التأني، الاستعجال والحماس بقدر غيرضروري لاستضافة اللقاء في عمان في سباق مع غيرها من العواصم العربية وبالذات القاهرة دون التأكد سلفاً من استكمال التحضيروالحدود التي تقف عندها مطالب طرفي الأزمة.. وحينما برزت تعقيدات الموقف في الساعات الأخيرة من عشية يوم التوقيع وأثنائه أصيب الجانب الاردني بقدر كبير من الارباك إن لم نقل الصدمة مما أفقده القدرة الضرورية على المناورة والتدخل والبحث عن مقترحات وآراء غير مفكر بها أو غير معتادة لانقاذ الموقف.

    الموقف السياسي الخارجي بعد فشل لقاءات عمّان

    على الصعيد العربي

    يمكن القول بأن الموقف العربي تجاه الأزمة اليمنية شعبياً ورسمياً لم يتغير كثيراً قبل التوقيع على وثيقة العهد والاتفاق في عمان وبعده.. فبينما يتفهم موقف الحزب الاشتراكي اليمني تجاه قضايا الأمن وبناء الدولة الحديثة، فقد كان في معظمه أكثرتعاطفاً مع المؤتمر الشعبي بسبب الانطباع الذي خلق لدى الجماهير العربية بأن الانفصال إذا تم سيكون من جانب الحزب الاشتراكي اليمني.. ثم أن هذه الجماهير لا ترى في أية صعوبات مبرراً كافياً للتراجع عن الوحدةاليمنية، التي رأت فيها بعض العزاء والتعويض عما لحق بها من الهزائم وخيبات الأمل المعتاد بما في ذلك فشل محاولات الوحدات العربية المتكررة.

    وكان الموقف الرسمي العربي يتراوح بين الحياد أو عدم الاهتمام لدى بعض الدول العربية وبين التعاطف مع الحزب ومناهضة الرئىس على عبدالله صالح - باستثناء الموقف القطري الذي يتعاطف مع الرئيس بوضوح - إلا أن تغييراً ملحوظاً قد طرأ على مواقف بعض الدول العربية تجاه أطراف الأزمة في اليمن وأبرز ما في هذا التغيير، التحول في مواقف مصر والامارات العربية وسوريا التي استقبلت الرئيس في زيارات رسمية وبشكل علني على عكس الممانعة السابقة، بل وأبدت مصر ودولة الامارات الرغبة في القيام بدور الوسيط، مما يشكل انفراجاً في طوق العزلة الذي كان مضروباً حول المؤتمر الشعبي والرئىس بالذات.. ويبدو أن اعلان الرئىس استعداده لتسليم الارهابين المصريين وتوقيع اتفاقية أمنية ثنائية مع القاهرة ورغبة مصر في العودة لتوسيع دورها على المسرح العربي، قد أعاد الموقف المصري الى درجة من التوازن عند نقطة وسط بين طرفي الصراع في اليمن.. وحينما أعلنت مصر استعدادها للوساطة وأبدت الجامعة العربية الاهتمام بالأزمة من جديد فإن ذلك قد استفز الجانب الاردني، واعتبر أن مصر تعمل على النجاح فيما فشل فيه الاردن، بخلفية تنطوي على قدر من التنافس المشوب بالكبرياء، أي ان الاردن حاول أن يغتصب دوراً ليس له.. ويبدو أن وزارة الخارجية في صنعاء قد حققت بعض النجاح في الايحاء للجانب الاردني بأن ادخال مصر والجامعة العربية الى الحلبة من جديد عائد الى رغبة الحزب الاشتراكي اليمني وحده في التحرك خارج وثيقة العهد والاتفاق الموقعة في عمان، الأمر الذي اضاف أسباباً جديدة لحالة الفتور في العلاقة بيننا وبين الجانب الاردني بجانب الاشكالات البروتوكولية وما أعتبره الاردنيون تصلباً من جانبنا برفض مقترح الملك حسين في العودة المشتركة الى صنعاء باعتبار ذلك عملاً رمزياً لنجاحه، على الرغم من تفهمه لمطالب الحزب الأمنية وتلكؤ الطرف الآخر في حسم هذه المسألة.. واجمالاً، فبينما لم يخسر الحزب الاشتراكي اليمني كثيراً على الصعيد العربي فإن وضع الرئيس على عبدالله صالح والمؤتمر الشعبي قد تحسن نوعاً ما.. فبعض الابواب التي كانت موصدة قد فتحت أمامه للتحرك وطرح وجهة نظره على الأقل تجاه الأزمة، وربما يكون هذا الاحساس بالتغيير لصالحهم هو الذي حدى بوزير الخارجية الطلب الى السفراء في صنعاء عدم التعامل مع الحزب الاشتراكي اليمني إلا عبر وزارة الخارجية، دون اكتراث لما قد يسببه هذا التصرف في احراج وردود أفعال غير ملائمة بالنسبة لليمن ولأصدقائها، وربما لم يدرك أن هذا النوع من التصرف قد يؤدي الى عكس ما يريده المؤتمر وهو تدويل الأزمة خصوصا وأن بعض الدول العربية والاسلامية لن تقبل هذا الطلب بسهولة.

    على المستوى الدولي

    الأمر لا يختلف إلا من بعض الوجوه فيما يتعلق بالموقف الدولي تجاه الوضع في اليمن، لاسيما تلك الدول التي تمسك بمفاتيح التأثير على القرار في العالم وبالذات الولايات المتحدة الامريكية ودول الاتحاد الاوروبي وروسيا الى حد ما، التي أخذت تظهر اهتماماً متزايداً بالأوضاع السياسية خارج كتلتها السابقة.

    ويتلخص الموقف الامريكي - الاوروبي بعد التوقيع على الوثيقة وظهور مؤشرات احتمال صدام عسكري، في عدة نقاط:

    1 - بقاء الأساسيات في الموقف السياسي السابق المعلن ولكن مع تبديل الأولويات من خلال التركيز على منع الصدام المسلح.

    2 - التعبير بين حين وآخر عن رأيهم في أن موقف الحزب أضحى أقل مرونة وأمْيَل الى التشدد في المضمار السياسي وفي الوصول الى حل وسط من خلال رفضه غير المعلل بما يكفي لاجتماع الهيئات، وبالمقابل يرون أن المؤتمر الشعبي أميل الى الرغبة في الصدام المسلح.

    3 - يلاحظ ان الدبلوماسية الاوروبية - الامريكية - والأخيرة بالذات - عملت بشكل منسق على تكثيف الاتصالات بطرفي الحزب والمؤتمر لمنع نشوب الحرب، ومارست ضغوطاً كبيرة على الطرفين لضبط النفس عن طريق التبصير بمخاطر الحرب التي على حد تعبير السفير الامريكي «اذا نشبت فقد تطول عشر سنوات أو أكثر وستكون على شكل حرب خنادق مثلما كان الحال عليه في الحرب العالمية الأولى».. وقد رفض السفير الامريكي إثر أحداث 21 فبراير في محافظة أبين طلب الرئىس على عبدالله صالح ادانة الحزب الاشتراكي اليمني باعتباره المتسبب في إثارة التوتر العسكري لأنه كان يرى أن موقفاً كهذا يحول دون مواصلة الاتصال بالطرفين، ولأن كل طرف قد اسهم بقصد في الفعل ورد الفعل الذي أوصل الازمة الى حافة الحرب، وقد عبر صراحة أمامنا بأنه لم تكن ثمة حاجة لتحريك لواء الوحدة وارسال المدرعات في الوقت الذي تم فيه ذلك ولكنه حرص بالمقابل - كما تأكد من مصادر موثوقة - على إبلاغ الرئيس بأن عدم تنفيذ مقترحات اللجنة العسكرية المشتركة - كما وعد الرئيس نفسه - يطرح علامة سؤال هامة حول المصداقية، أو أن هناك مراكز قوى في الجيش لا تأتمر بأوامره، وأنهاتفعل ما تريد.

    وقد كان للموقف الامريكي هذا بالاضافة الى موقف الجانب الاردني والعماني في اللجنة العسكرية المشتركة وضغط الرأي العام أبلغ الأثر في قبول مقترحات اللجنة العسكرية المشتركة وتنفيذها ولو بصورة جزئية ومترددة.

    وبايجاز فإن الموقف الامريكي الاوروبي لم يزل يتسم بالحياد الفعال وأن كان قد تأثر الى هذا الحد أو ذاك بحقائق الوضع العسكري والسياسي الذي نشأ اثناء وبعد التوقيع على الوثيقة في عمان.

    ناهيك عن تأثير دور العاصمة والرئاسة والسيطرة شبه التامة للطرف الآخر على أجهزة وزارة الخارجية التي تعد ولاشك وسيلة مهمة للتأثير على السلك الدبلوماسي، من خلال الاحتكاك الدائم بممثلي الدول الاجنبية وايصال المعلومات التي يرونها داعمة لوجهة نظرهم في الوقت المناسب.. ولكن المصالح تبقى هي العامل الحاسم في تحديد المواقف، ولعلها هي التي أملت على الجانب الاوروبي - الامريكي القيام بالمزيد من التحرك والاتصال بالاطراف المختلفة والضغط لوقف التصعيد وعدم المبادأة للقيام بأعمال عسكرية، ولكنهم لم يصلوا الى درجة تقديم الضمانات للطرف الذي يأخذ موقفاً دفاعياً أو الانذار باتخاذ اجراءات عقابية ضد الطرف الذي يثبت أنه المعتدي، باستثناء تلميح السفيرالامريكي الى ان حكومته تفكربالسبل التي من شأنها وقف توريد الاسلحة الى اليمن من بلدان اوروبا الشرقية بالذات.

    ورغم ان تجربة التدخل في الصومال والمخزون النفسي لدى الامريكيين من جراء حرب فيتنام يجعل الغرب أكثر حذراً من اعلان تبني سياسات فعلية للتدخل،، إلا أن مصالحهم هنا تختلف كلياً عن الصومال. فاليمن الدولة النفطية المحتملة والمجاورة لبحيرة النفط في الجزيرة والخليج والتي تتمتع بموقع استراتيجي هام، قد تملي عليهم في يوم ما تغيير هذه السياسة.. ولا شك أن هناك ارتباطاً وثيقاً بين هذه المصالح وتأكيد سفراء هذه الدول المستمر على تأييدهم للوحدة اليمنية واستمرار التعددية السياسية والتأييد الرسمي لوثيقة العهد والاتفاق ومعارضة اللجوء الى العنف والحرب، وبيدهم من الوسائل ما يلحق الضرر بأي طرف يرون في سياسته ما يؤثر على مصالحهم في المنطقة.. وينبغي استحضار عواقب السياسة التي اتبعتها حركة (يونيتا) في انجولا، وهي السياسة التي جعلتها خارج الشرعية الرسمية والدولية وفي مواجهة أصدقائها السابقين.. ويجب أن ندرك أن اقرار الغرب الضمني لتفرد الحزب في ادارة مناطق نفوذه والاحتفاظ بجيشه الخاص وعدم حماسهم لاستخدام الاكثرية البرلمانية ضده، يشكل سابقة تخالف المعايير التي يعتمدها في هذا الشأن تجاه أطراف متصارعة في دولة يعترف بسيادتها الموحدة، الأمر الذي ينم عن تفهم استثنائي لمطالب الحزب الأمنية وبناءدولة حديثة ورغبته في التحديث فضلاً عن مراعاته للتعقيدات التي اكتنفت اقامة الوحدة وعمر دولتها القصيرة وبالمقابل لابد أن نعي بأن الغرب الذي يعبر عن قلقه من تأثير الحالة الأمنية المتردية في اليمن على الأمن الاقليمي والعربي يتفهم الصعوبات الاجتماعية والسياسية للأوضاع في بعض المحافظات الشمالية التي سمحت بانتشار ظاهرة السلاح بصورة علنية وحاجة الرئيس على عبدالله صالح لتأييد بعض مراكز التأثير بين أوساط القبائل والجيش، بالاضافة الى ما يجري في الجزائر ومصر من صراع بين الدولة والاصوليين الأمر الذي يدفع الغرب الى توخي الحذر من الضغط على الرئيس لاتخاذ اجراءات صارمة ضد المتطرفين في الجهاد، بل والتعبير عن الرضاء تجاه السياسة البرجماتية التي يتبعها الرئىس تجاه الظاهرة الأصولية، واشراك المعتدلين منهم في الحكم بدلاً من اضافة دولة عربية اخرى الى بؤر التوتر القائمة حالياً في الشرق الأوسط.

    إن الموقف الغربي الراهن الذي يتسم بتفهم جانب من مطالب كل طرف وبالحياد المتوازن لن يظل بلا حدود وغير مشروط، ففي حالة اقدام أي من طرفي الأزمة على المجازفة باتباع سياسات تؤدي الى التصادم مع الحقائق التي بنى عليها الغرب موقفه كالدعوة للحرب أو الانفصال أو اعتماد سياسة تفاوضية متصلبة، فإن هذا الموقف قابل للتغيير.

    ان موقف الغرب الاجمالى من الأزمة اليمنية تعبير عن التقاء مصالحة مع طرفي الأزمة عند نقطة معينة.. واذا ما حدث افتراق بين مصالح الغرب وموقف أي من طرفي الأزمة في اليمن فإنه سيتخلى عن موقف الحياد المتوازن ويقف في مواجهة الطرف الذي يرى في سياسته سلوكاً مناهضاً للاستقرار الذي يهدد مصالحه على الصعيدين المحلي والاقليمي..

    ردود الأفعال على فشل لقاءات عمّان والمستجدات السياسية على الساحة اليمنية

    لا شك أننا ندرك جميعاً ان تفاقم الوضع العسكري بعد فشل لقاء عمّان والذي بلغ درجة توقع انفجار الحرب بين يوم وآخر قد انتقل بالأزمة على الصعيد الداخلي شعبياً وسياسياً الى طور آخر.. إن نزوع بعض قيادات المؤتمر للقيام بمغامرة عسكرية في محاولة لاستباق الآثار التي توقعتها من زيارات وفود الحزب الاشتراكي اليمني لبعض البلدان العربية وبالذات الخليج وتكييف عملها السياسي والدعائي للترويج للانفصال المزعوم، كاد يبدل طبيعة الأزمة عن طريق جلب أنظار الناس الى جانبها العسكري وارغام الساسة والمواطنين في اليمن على تركيز جهودهم لمنع الحرب.. وأمست الوثيقة والقضايا التي تضمنتها تحتل موقعاً ثانوياً ومجرد ورقة دعائىة يستخدمها الجميع بالتساوي دون أن يكون في مقدرة الآخرين - بما في ذلك القريبين من موقف الحزب - التمييز بين الزعم والحقيقة. فالشارع اليمني الذي كان يطالب بتنفيذ وثيقة العهد والاتفاق في المقام الأول بوصفها وسيلة للاصلاح والتغيير الجذري أخذ يرفع شعار منع الحرب والانفصال أولاً وتنفيذ الوثيقة ثانياً، وربما ليس لما تضمنته من قضايا بل على أمل انها - أي الوثيقة - تحول دون حدوث أحد الشرين أو كليهما.

    في مضمارمواقف الاحزاب والشخصيات السياسية الممثلة في لجنة الحوار فاننا اذا ما استثنينا موقف الاصلاح الذي اعادته الأزمة الى التحالف الأكيد مع قيادة المؤتمر الشعبي الى درجة يصعب التمييز بين موقفيهما، فإن معظم اعضاء لجنة الحوار كانوا يقفون وبشكل متزايد الى جانب التوصل الى وثيقة العهد والاتفاق بالشكل الذي أخرجت فيه في النهاية، الأمر الذي كان ينظر اليه من قبل الاصلاح والمؤتمر على أنه انحياز غير معلن لوجهة نظر الحزب الاشتراكي اليمني. وبصرف النظر عن مدى صحة هذا الانطباع فإنه لا يمكن اغفال الاهمية القصوى التي ارتدتها عملية توسيع لجنة الحوار لجهة تعديل الميزان السياسي الذي كان مختلاً حينما كان الحوار مقتصراً على اطراف الائتلاف لغير صالح التوصل الى حل متوازن، الأمر الذي لم يؤدِ فقط الى اخراج العملية السياسية من نطاق مؤسسات الائتلاف التي يتفوق فيها الطرف الآخر الى العلن، ووضع الناس في صورتها، بل وأدى الى توصل لجنة الحوار الى نتيجة ملموسة في ظروف مواتية وفي وقت أسرع مما كان متوقعاً.. ولو لم تبادر اللجنة المركزية الى تبني الدعوة لتوسيع نطاق المشاركة في الحوار لكان الوضع مختلفاً تماماً.. غير أنه لا ينبغي الاعتقاد بأن ذلك الموقف سيظل باقياً على حاله دون تغير، ولاسيما في حال اخفاق قيادة الحزب الاشتراكي اليمني في تطوير خطابها السياسي وتقديمه الى هذه القوى بطريقة مقبولة لديها وبما يتناسب والمرحلة الحالية.. إذ تدل بعض المؤشرات الأولية على ان مواقف اطراف المعارضة في (اتحاد القوى الوطنية وتكتل المعارضة والبعث) بعد التوقيع على وثيقة العهد في عمان، آخذة في التغيير ولو بصورة طفيفة وبدرجات متفاوتة من حزب الى آخر، وهوما لا ينبغي اغفاله.. مع أن ممثلي تلك القوى والأحزاب لم يطرحوا موقفاً رسمياً بهذا الصدد وبرغم شجبهم لتلكوء ممثلي الاصلاح والمؤتمر في لجنة الحوار عن المناقشة اثناء اجتماعاتها في عدن أواخر فبراير الماضي، إلا أن جملة من الملاحظات والتساؤلات المتفرقة هنا وهناك تشير الى ظهور بوادر الشك وعدم الرضى حيال موقف الحزب أيضاً ولاسيما افتقاره للمرونة أثناء التوقيع في عمان واسهامه في خلق مناخ اتسم بالتوتر ولا يشكل أرضية مناسبة للتفاوض.. والأهم من ذلك التساؤل الذي يتنامى تجاه موقف الحزب الحقيقي من الوثيقة، خاصة في ضوء انتشار بعض الشائعات والأخبار الصحفية والسرية المنسوبة الى مصادر قريبة من الحزب تشير الى أن الحزب الاشتراكي اليمني ما برح متمسكاً بالدعوة الى الفدرالية بل والكونفدرالية أحياناً، وعدم نفي تلك الأنباء، مما تسبب في التساؤل وأضر بمصداقية الحزب وعلاقاته التحالفية وفتح الباب أمام احتمالات التغيير في موقف أحزاب (تكتل المعارضة وحزب البعث واتحاد القوى الوطنية).. وبصرف النظر عما اذا كانت تلك التسريبات الصحفية من قبيل الرسائل المفتوحة الى قيادة الاصلاح والمؤتمروتحذيرها من مغبة الاقدام على مغامرة عسكرية، أو انها بمثابة اطلاق بالونات الاختبار والمناورة في اطار العملية التفاوضية الجارية، فان وجهها الآخر يقرأ بطريقة سلبية من قبل حلفائنا وجماهير الشعب بل ويضع اعضاء الحزب وانصاره في موقف دفاعي، مما يرجح الجانب السلبي في هذا النوع من العمل السياسي والاعلامي غير المحسوب تأثيره على ميزان القوى السياسي الحساس القابل للتغيير لدى ارتكاب أية أخطاء تكتيكية وفي أية لحظة على نحو يصعب اصلاحه.. ويدل على صحة هذا الاستنتاج ما انتهى اليه الشيخ سنان أبولحوم والعميد مجاهد أبوشوارب، اللذان لهما وزناً شعبياً واجتماعياً لا يمكن اغفاله ولا ينبغي التقليل من أهمية البيان الذي اصدراه وتأثيره على الرأي العام خصوصاً وأن موقفهما حيادي ويدل على اخلاصهما للحل السلمي المتوازن، ولكن كان رفضهما للحرب يعد بالمقياس العام مكسباً للحزب الاشتراكي وكل أنصارالسلام وخسارة على الطرف الآخر، فإن البيان يمثل بوضوح إدانة مشتركة للمؤتمر والحزب على السواء، سيما وقد أشار البيان في واحدة من أهم فقراته الى أن الحرب والانفصال واقعان لا محالة، وكأنهما يقولان أن الرئىس على عبدالله صالح يتحمل مسؤولية الدعوة والعمل الى الحرب التي ستدفع الحزب الاشتراكي اليمني الى اعلان الرغبة في الانفصال، وبالطبع فإن موقف الرجلين الآن قد تعدل بعض الشيء باتجاه تحميل الرئيس والشيخ عبدالله الأحمر مسؤولية أكبر في عدم حل الأزمة السياسية.. بيد أن الفضل في ذلك لا يعود الى سلامة خطابنا السياسي بل الى الرد الانفعالى من قبل الطرف الآخر بسبب معلوماته غير الدقيقة عن الأسباب التي حدت بهما الى اصدار بيانهما الشهير والسفر الى الخارج فوراً.. فالرئيس يعتقد أن البيان قد صيغ في عدن وأرسل بالفاكس الى صنعاء وأن هناك تنسيقاً مع الحزب الاشتراكي اليمني من نوع ما، الأمر الذي يؤكده تكرار اذاعة البيان من عدن في اليوم التالي، ولذلك أخذ الشيخ عبدالله الأحمر يهاجمهما بشكل صريح في الصحافة ويفعل الرئيس نفس الشيء ولكن في مجالسه وليس في الصحافة.. والاستنتاج الذي نود الوصول اليه هو أن علي الحزب بذل المزيد من العناية والانتباه الى ما يمكن أن يطرأ على موقف القوى والشخصيات السياسية التي تتبنى الحلول الوسط من تغيير يؤثر سلباً على مسيرة الحل السلمي المتوازن اذا لم يثبت مصداقية ووضوح خطه السياسي، الأمر الذي قد يسحب نفسه الى صفوف الحزب وأنصاره إن لم يكن قد بدأ ذلك بالفعل.. وهناك حملة اعلامية نفسية توجه يومياً لاعضاء الحزب وأنصاره في عدد من المحافظات ولبعض القوى السياسية والشخصيات المتعاطفة معه ولسان حالها يقول: إن شعار الفيدرالية والكونفدرالية مجرد تمهيد للانفصال الفعلى وأنكم ستتركون هنا وأظهركم الى الحائط واذا لم يكن لديكم استعداد لارتياد السجون والتشرد في الجبال والتعرض للاهمال والازدراء السياسي مقابل الدفاع عن قضية خاسرة فإن عليكم تحديد موقفكم اليوم قبل الغد، وكل من يبادر فسيكون له فضل السبق وخير (البر) عاجله.. ومما يدل على أن الطرف الآخر يعمل على تنفيذ توجهاته هذه، بصورة عملية الانذار الذي وجه الى عدد من اعضاء المكتب السياسي وقيادات حزب الحق والتنظيم الوحدوي الناصري المتواجدين في صنعاء بالرحيل وإلا فإن حياتهم في خطر، والاتصالات التي جرت مع بعض الشخصيات القيادية في بعض منظمات الحزب الاشتراكي اليمني (في العاصمة صنعاء وحجة وإب وغيرها) من قبل عناصر قيادية عليا في المؤتمر الشعبي، وما صاحب ذلك من تهديدات وضغوط لدفعهم لأخذ موقف ضد الحزب أو مغادرة المحافظات واغلاق المقرات، والأخطر من ذلك اعطاء أوامر للوحدات العسكرية بالتعامل مع من اسموهم بـ«المخربين» مباشرة وهو ما يعني باللغة العسكرية «الأمر بالقتل» وقد يكون هذا السلوك مجرد عودة للاساليب القديمة في مناخ أزمة جديدة وليس فيه ما يدعو للاستغراب، وأن يدافع المرء عن الموقف السياسي الذي يتبناه ويدفع ثمن قناعاته معاناة وتضحية، أمر بديهي ومطلوب في جميع الحالات، غير أن كل انسان له الحق في المطالبة بالحصول على وضوح تام للفكرة التي يُدعى للتضحية تحت رايتها وتفسير المواقف المختلفة المتعلقة بها، وعلى القيادة واجب العمل في ازالة أي تشويش أو غموض قد يلحق بها ضد الاعضاء والانصار والحلفاء على السواء لأي سبب كان بما في ذلك نشاطات الخصم السياسية والاعلامية والنفسية التي تستهدف هز المعنويات تجاه الفكرة التي يدافع الآخرون من أجلها.. وحينما نتحدث عن موازين القوى السياسية فإنه ينبغي أن ندرك بأننا إذا خسرنا تعاطف القوى السياسية والآلاف من جماهير الشعب التي أثرت ايجاباً وبشكل ملموس على الميزان السياسي العام فإن الكلام عن الحفاظ على الميزان الحالى ناهيك عن تعديله بشكل أفضل سيغدو مجرد أضغاث أحلام إن لم يكن لغواً لا معنى له، ولسوف يضعف الطابع الوطني العام للصراع ليرتدي بدلاً من ذلك طابعاً شمالياً جنوبياً، وبصورة سافرة، الأمر الذي لم ترده قيادة الحزب ولا تفكر فيه بالتأكيد، وليس لصالحها بأن تفعل ذلك.. غير أن عليها ان تمنع حدوثه، سيما ونحن نعرف أن المؤتمر الشعبي يتمتع بتحالف سياسي افضل اعتماداً على الاصلاح وبآلة دعائية وسياسية قوية، بالاضافة الى اغلبيتها في هيئات الائتلاف التشريعية والتنفيذية، والأخطرمن ذلك كله ما يمتاز به الاصلاح من مقدرة على توظيف الدين الاسلامي الحنيف في عملية الصراع السياسي وتجنيد الآلاف للقيام بأعمال الاغتيالات وممارسة كل أشكال العنف والمشاغبة على أكثر من صعيد، وامكانية الاصلاح والمؤتمر معاً في اثارة النعرات القبلية، ولدى الطرفين مقدرة ديماغوجية كبيرة في استخدام الشعارات الوطنية والدينية ضد خصومهما.. وفي الصراعات والحروب يصبح كل شيء مشروعاً من أجل هزيمة الخصم.. وعلينا أن ندرك أن العامل الخارجي غير المواتي نوعاً ما للاصلاح والمؤتمر الآن لا يمكن إلا أن يتأثر بطبيعة الموازين السياسية على أرض الصراع.

    ومن هنا تنبع أهمية التمسك بالتحالفات التي نجح الحزب في اقامتها الى هذا الحد أو ذاك، بل والعمل مجدداً على نسج علاقات سياسية وتفاهم قدر المستطاع مع المعتدلين من المؤتمر الشعبي وتجمع الاصلاح.. ومن أجل أن يتحقق ذلك على الوجه الأكمل يتعين علينا إدراك أن طبيعة خطابنا السياسي ودرجة وضوحه ومصداقيتنا السياسية والاعلامية التي تراعي مصالح الآخرين ووجهات نظرهم هي وحدها الكفيلة بالحفاظ على المستويات الراهنة في العمل السياسي وتطويرها الى أعلى.

    والسبيل الوحيد لازالة ما حدث من تشويش ذهني لدى الآخرين تجاه مواقف الحزب السياسية وأهدافه النهائىة بعد لقاء عمان، يكمن في المقام الأول في الاعلان مجدداً وبجميع الوسائل بما في ذلك من خلال الهيئات القيادية في الحزب وفي مؤسسات الدولة ولجنة الحوار وعلى الملأ التزام الحزب الاشتراكي اليمني الصارم والقطعي بالحفاظ على الدولة اليمنية الموحدة والتمسك الأكيد بوثيقة العهد والاتفاق كوسيلة لتنظيم هذه الدولة واعادة بنائها وتحديثها.. والتخلي عن أي مقترحات خارجها والنفي أولاً بأول لما ينسب الى الحزب من أنباء صحفية غير صحيحة تشير الى أن له مطالب جديدة خارج وثيقة العهد والاتفاق، بما في ذلك الفيدرالية.. رغم أننا على صعيد المناقشة الداخلية في الحزب نعتقد بأن التعبير عن أية مواقف، بما في ذلك مقترح الفيدرالية- يعد حقاً مشروعاً من حيث المبدأ، ومن حق أي شخص أن يجتهد برأيه.

    فالفيدرالية من الوجهة الدستورية والقانونية هي بمثابة عملية تنظيمية وادارية داخلية للدولة المتحدة وهي تقترن وتصاحب دائماً الوحدة وليس الانفصال أي ان لها طبيعة وحدوية كما نعرف عن العديد من الأمثلة في العالم، واقتراحها ليس كفراً بواحاً أو خيانة وطنية، كما ذهب البعض، ولكن مقترحات من هذا القبيل لم يجر تبنيها من قبل أية هيئة حزبية بصورة رسمية كما أنها سابقة للوثيقة، والوثيقة تجب ما قبلها، سيما وأن الحزب قد أعلن التزامه غير مرة بوثيقة العهد والاتفاق بوصفها العقد الاجتماعي الجديد ووثيقة التوافق السياسي والاجتماعي الوطني النهائية، وكما أكدت على ذلك خطابات وتصريحات الأخ الأمين العام وقيادات الحزب الأخرى. ناهيك عن أن وثيقة العهدوالاتفاق قد ارتكزت في معظمها على النقاط الثماني عشرة (18) التي تقدم بها الحزب وتمت صياغتها النهائية والتوقيع الأولي عليها في عدن تحت رئاسة الأخ المهندس حيدر أبوبكر العطاس عضو المكتب السياسي للحزب رئيس الوزراء الذي يعد المرجع الروحي) لذلك الميثاق، بكفاءته وصبره ومقدرته على الحوار المقنع.. إن من شأن أي تصريح ولوتلميحاً الى أية أفكار خارج هذه الوثيقة أن يضعف مصداقيتنا ويزرع بذور الشك بين أعضاءحزبنا وأنصاره وحلفائه وجماهير الشعب وأمام العالم حول أهدافنا النهائية، وفيما إذا كنا نعرف ما نريد بالضبط؟!!

    ثم أن اعادة طرح فكرة الفيدرالية من جديد من قبل طرف أساسي موقع على وثيقة العهد والاتفاق يسقط الوثيقة نهائىاً دون أن يكون ثمة بديل لها، ويؤدي الى تحقيق حلم الطرف الآخر بفض لجنة الحوار عملياً. وهو بالنسبة لاعضاء الحزب بمثابة سلاح دعائي بيد الخصوم السياسيين لاضعاف معنوياتهم وهو بالنسبة للحلفاء انهاء عملي للبرنامج المشترك كما أنه بالنسبة لخصومنا السياسيين التي ارغمتنا الجغرافيا والوطن المشترك على العيش في سفينة واحدة تخلياً صريحاً عن العقد الاجتماعي المشترك، وليس بوسع المرءان يختار خصومه ولا الوطن الذي يعيش فيه.. واذا كان المقصود بالفيدرالية أن تكون بين الشمال والجنوب فستنظر اليها جماهير الشعب المتعاطفة مع الحزب في المحافظات الشمالية التي تشوش وعيها تجاه هذا المصطلح وصارت ترى فيه شكلاً من اشكال الانفصال، على أنه ببساطةوفي أحسن الاحوال تخلياً عنهم ونكوصاً من قبل الحزب عن القيام بمسؤولياته الوطنية تجاه الناس الذين عانوا ويعانون من القمع والاضطهاد واللامساواة.. وعلى ذلك ينبغي حسم هذا الموضوع بدون ترد دقبل فوات الأوان وقبل أن يحدث الخلل الذي لا يمكن اصلاحه.. أما الكونفدرالية فأعتقد أن الحديث عنها مجرد مزحة ثقيلة على النفس والعقل، لأنها تعني الحد الأعلى للعلاقات السياسية بين دولتين مستقلتين ذات سيادة، وفي ظلها لا وجود لوطن يمني موحد، وهو أمرمرفوض من قبل الغالبية الساحقة من المواطنين اليمنيين عموماً لتناقضه مع مصالحهم وتطلعاتهم الآن وفي المستقبل.. ونحن إذ نتفهم نفور مواطنينا في المحافظات الجنوبية والشرقية مما رأوه هيمنة والحاقاً واخلالاً بالأمن وعدم الاعتراف بالتنوع الاجتماعي من قبل عقليات ما برحت مشبعة بالقيم العشائرية وبالروح العصبوية التي تعود جذورها الى عقلية العصور الوسطى، ندرك تماماً ان هذا المزاح الذي تكون في ظل هذه الممارسات الخاطئة اثناء الفترة الانتقالية مؤقت وسيتغير باتجاه ايجابي.. ومن واجب الحزب الاشتراكي اليمني أن يضاعف من دوره الوطني لترشيد وعي الناس بما لديه من أفق استراتيجي وتبيان أن السياسة الخاطئة من قبل القيادة السياسية لدولة الوحدة التي عجزت عن جعل الوحدة خادمة لمصالح الناس وليس نافية لها، هي المسؤولة عن السلبيات التي حدثت وليس الوحدة في حد ذاتها التي هي دون شك مطابقة لمصالح الناس وعواطفهم معاً.. ومن نافلة القول أن عدداً من المؤشرات المتزايدة تحملنا على الاعتقاد بأن حالات الغضب التي تملكت بعض مواطنينا في المحافظات الجنوبية والشرقية تجاه دولة الوحدة آخذة في التراجع ولم تعد تتنامى كما كان الحال عليه قبل أشهر بسبب الجهد السياسي الذي بذل من قبل قيادات الحزب الاشتراكي اليمني في أوساط السكان والتأكيد الثابت من خلال بياناته وتصريحات قياداته والأمين العام بالذات على قضية الوحدة بوصفها قضية لايمكن العودة عنها، وأن الأمر محل الاختلاف والنقاش ليس الوحدةذاتها بقدرما يتعلق الأمر بالوسائل التي تعزز من بناء دولتها وتكسبها الحصانة والافضلية وازالة الاخطاء التي تلحق الضرر بقيمتها المعنوية وتضعف من الآمال المعلقة عليها.. بالاضافة الى أن الاشهر التي شهدتها الأزمة السياسية وما صاحبها من توتر وصعوبات في التواصل بين محافظات البلاد المختلفة، قد أظهر بجلاء مدى الضرر الذي لحق بمصالح الناس على مختلف شرائحهم الاجتماعية ومشاربهم السياسية، وكمثال فإن اشكالات التوقف أمام نقاط التفتيش والآثار السلبية التي مست كل الشؤون الحياتية للناس كالتجارة والعمالة والاستثمار والروابط العائلية والشخصية والسياحة الداخلية وحالة عدم الاستقرار العام، قد أعادت الى الوعي الشعبي قدراً لا بأس به من التوازن والتفكير في التكلفة الباهظة التي سيدفعها المواطن في حالة الانقسام والتشرد والحروب قياساً الى المعاناة المحدودة ا لتي تسببت فيها الأزمة الراهنة وما أدت اليه من تعثر في مؤسسات العمل

    وتعطل في المصالح العامة، ولقد أخذ الكثير من مواطني بلادنا عموماً يدركون أن الصبر على المكاره وتحمل المشاق والمعاناة في ظل الوحدة أيسر بكثير مما قد يحدث في ظل التشرد، والانقسام، فيوم واحد من القطيعة بين شمال وجنوب الوطن يكفي لالحاق الضرر بمصالح عشرات الآلاف من الناس.. واذا كان اقامة دولة الوحدة قد تسبب في العديد من المعاناة لدى قسم من السكان فهوفي المقابل قد أنشأالعديد من المصالح لدى قسم آخر منه.. وقد لا يكون القياس أو المفاضلة بين الأمرين متاحاً في الوقت الراهن، أي أن هناك من مواطني بلادنا من لا يمكنهم ادراك فضائل الوحدة وأهمية المصالح التي انشأتها إلا في حالة تعرضها للخطر، وكما يقول كثير عزه:

    وما كنت أدري قبل عزة ما البكاء ولا موجعات القلب حتى تولتِ

    ولا شك أن قيادة الحزب الاشتراكي اليمني التي تحملت العديد من المخاطر في أمنها الشخصي والعائلي من أجل بقاء الدولة اليمنية موحدة لاتتحمل أي قدر من المسؤولية بالتسبب بنشوء الوعي السلبي الآني لدى بعض فئات السكان تجاه الوحدة اليمنية ولم تتسبب في نشوء الأزمة، خصوصاً وان قيادة الحزب قد حذرت غير مرة من مغبة تجاهل الطرف الآخر لعواقب الحالة الأمنية غير الطبيعية واهمال مؤسسات الدولة اليمنية الحديثة.. فالطرف الآخر وحده يتحمل كامل المسؤولية فيما حدث خصوصاً لجهة عدم اعترافه بالزمن الجديد وفشله في ادراك المتغيرات الديمغرافية والجغرافية والاجتماعية والسياسية المترتبة على قيام الوحدة اليمنية في 22 مايو 1990 والمسؤوليات الداخلية والخارجية المنوطة بدولتها.

    غير أن الأزمة وقد بلغت بالأوضاع حداً يهدد مصير الوطن ويضع مستقبله في نطاق المجهول، تستدعي من الحزب الاشتراكي اليمني أن يدرك من جديد مسؤولياته التاريخية تجاه ما قد يحدث وتحتم عليه التضحية من جديد ولو عن طريق القيام بجملة من الاجراءات والأفعال العملية التي مهما انطوت على قدر من المغامرة المحسوبة فإن مردودها على المدى البعيد سيكون في مستوى انقاذ الوطن.

    إستخلاصات ورؤى

    ومما تقدم نستطيع أن نستخلص جملةمن الحقائق التي أفرزتها الأزمة بكل تعقيداتها وما انتهى اليه الحوار بصياغة وثيقة العهد والاتفاق على النحو التالي:

    أولاً : لقد أظهرت الأزمة بجلاء أن القيادة السياسية في اليمن على تباين درجات المسؤولية - قد فشلت في ادراك المعطيات التي أفرزتها عملية التوحيد الوطني في 22 مايو 1990 وعجزت بالتالى على أن تكون في مستوى التصدي للتحديات التي فرضها قيام الدولة الجديدة والنهوض بالدور المنوط بها لاجراء التحولات التي كانت تستلزمها تلك العملية الوطنية الكبرى وإن المشروع الجديد الذي لعبت دوراً ريادياً في تأسيسه كان أكبر من طاقتها الذهنية والعملية والاستعداد للتضحية من أجل تطويره، بل إنها أخفقت في اتخاذ الاجراءات اللازمة لمنع الأخطاء التي أساءت للمشروع الجديد.. واذالم تستطع هذه القيادة التعاطي بجدية مع الزمن الجديد وتحقيق المتطلبات التي يفرضها، فإن شروط البقاء تظل محل شك، وبالتالى فإن جميع الاحتمالات في المستقبل تبقى قائمة بما في ذلك احتمال تعرض الكيان الوطني الموحد لمخاطر جدية.

    ثانياً : لقد أفلحت لجنة الحوار من خلال وثيقة العهد والاتفاق في تشخيص المعضلات التي تعاني منها اليمن بصورة ملموسة بما تضمنت من الرؤى والمقترحات التي تشكل في مجملها المخرج التاريخي الوحيد للمأزق التاريخي المعترف به.

    ثالثاً : أظهرت الأزمة بكل ما صاحبها من اهتمام داخلي وخارجي وبما انطوت عليه من توترات سياسية وعسكرية واستعصاء في الوصول الى حل عملي مقبول لدى جميع الاطراف، أن الدولة اليمنية الموحدة حقيقة وطنية سياسية وجغرافية واقتصادية قائمة وعامل استقرار اقليمي، يصعب تغييرها لما لذلك من أضرار على مصالح جميع الاطراف داخلياً وخارجياً.. وإن عودة اليمن الى ما قبل 22 مايو 1990 (الى دولتين في شطرين يعترفان ببعضهما ويعترف العالم بهما) مسألة تنعدم شروطها، إن لم تكن غير ممكنة.. فالتاريخ لا يكرر نفسه وإلا يكون مأساة في الأولى وهزلياً في الثانية.

    رابعاً : إن حالات التجمد التي رافقت المرحلة الانتقالية وعدم الشروع في بناء مؤسسات الدولة الجديدة وخيبات الأمل الشعبي لم تهيء الأرضية المناسبة لأزمة وطنية عامة فحسب، بل وخلقت مناخاً شعبياً قابلاً نوعاً ما لاعادة انتاج العديد من الوقائع السياسية والادارية على الأرض في حالات شبيهة في بعض الأوجه لما كان عليه الوضع قبل التوحيد، بما في ذلك وجود ادارتين وسلطتين واقعتين في دولة واحدة، وفي الوقت الذي لا يمكن عودة الأوضاع الى ما كانت عليه من قبل فإن الحل الأمثل لهذا التطور السلبي يكمن في الاعتراف به والاتفاق المشترك على الكف عن خلق المزيد من الوقائع الجديدة والانتقال بعد ذلك الى معالجة المسألة برمتها عن طريق استيعاب الحقائق الجديدة ووضعها في اطار قانوني ودستوري جديد بتطبيق نظام الحكم المحلي بأسرع ما يمكن.

    خامساً : إن تطورات الأزمة السياسية كانت أسرع بكثيرمن حركة الاطراف المعنية بها على نحو فاق جميع التوقعات ومن شأن استمرار هذه الأزمة دون حل فعلى ان يضيف عناصر دفع أخرى بتصاعدها لتغدو في حالة من التنافر مع ارادة وأهداف جميع الأطراف، بشكل يخرجها من نطاق السيطرة، وفي وضع يتجاوزالحدود التي كان الحل عندها ممكناً.. ويبدو أن الاطراف المتصارعة في اليمن الآن - بما فيها الحزب الاشتراكي - في وضع من يركب على قارب تعصف به الأمواج من كل جاانب ودفة القيادة على وشك الافلات من يد الربان الذي لم يعد لديه سوى القدر الضئيل من رؤية الهدف.

    سادساً : لقد بلغت الأزمة مرحلة الذروة ولم يبق سوى الحل أو الانتقال بها الى مرحلة التفجير القصوى، وفي اللغة الصينية ترسم كلمة أزمة باتجاهين أحدهما يؤشرالى الحل والآخر الى احتمال الصدام، وهناك جملة من المعطيات التي تملي على صانع القرار السياسي اختيار أحدهما ومنع حدوث الآخر ومن تلك المعطيات طبيعة الموازين القائمة والتوقع المحسوب للخسائر والمكاسب التي تترتب على الأخذ بهذا الخيار أو ذاك، فضلاً عن طبيعة الاستراتيجية التي يرسمها كلٌّ من طرفي الصراع لنفسه.. ولما كانت استراتيجية الحزب الاشتراكي اليمني لا تقوم على نفي الآخر ولا تستهدف تحطيم ارادته فإن عليه أن يتأكد ما اذا كانت الأزمة الراهنة قد أقنعت الطرف الآخر باستحالة تحقيق استراتيجيته في تحطيم ارادة الحزب والغائه وارغامه على لعب دور الشريك الضعيف على الاقل.. وفي هذه الحالة يتوجب أن يبادر الحزب من جديد للتقدم بخطوات فعلية: سياسية واجرائية ودعوة الآخرين لفعل الشيء ذاته على قاعدة وثيقة العهد والاتفاق والتنازلات المتبادلة.. ومهما كانت صعوبات التنفيذ فليس أمامنا سوى العمل بسياسة (خذ وطالب) فهذا النوع من العمل السياسي وإن لم يحقق مطالب الحزب كاملة فإنه يتلاءم مع استراتيجيته الوحدوية والسلمية ويخدم مصالح الشعب على أكمل وجه.

    سابعاً : لقد برهنت وقائع الأزمة السياسية على ان الحزب الاشتراكي اليمني قد احرز منذ البداية نجاحات طيبة في أدائه السياسي والاعلامي وتعاطى مع الأزمة باسلوب جديد مكنه من الاضطلاع بدور رئيسي في ادارتها والانتقال بها من طور الى آخر حسب مقتضيات الظروف المتغيرة ولم يكن من قبيل الصدفة أن يتفرد بتقديم الاطروحات النظرية والمقترحات العملية حتى اليوم الـ18 من يناير 1994 الذي شهد الانتهاء من صياغة وتوقيع وثيقة العهد والاتفاق بصورة أولية وهو ما جعله في موقع هجومي، عكس المؤتمر والاصلاح اللذين اتبعا في مراحل الأزمة الثلاث السابقة للوثيقة سياسة غير مفهومة للآخرين اتسمت بالإرتباك والتردد دوالانتقال من الاصرار على نفي وجود الأزمة الى الاعتراف بها، مما افقدهما تعاطف الرأي العام في الداخل والخارج.

    ثامناً : لقد شكلت عملية التوقيع على الوثيقة بلقاء عمّان حداً فاصلاً بين مرحلتين بالنسبة لسياسة الحزب الاشتراكي اليمني.. اتسمت الأولى بالنجاح شبه التام ودشنت الثانية بداية الاخفاق والتراجع وافلات زمام المبادرة السياسية من يديه، وأخذت مواقفه في نظر الآخرين تتسم بالضبابية والارتباك واتباع سياسة رد الفعل وليس الفعل الملموس، بينما تحسن وضع الطرف الآخر سياسياً واعلامياً الى هذا الحد أو ذاك.. وبذلك انتقل الحزب من موقف الهجوم السياسي والاعلامي الى الدفاع الذي تجلى بجملة من الوقائع ومنها:

    1 - نجاح الطرف الآخر في حملات التشكيك والهجوم الاعلامي وزرع حالات الشك في الأوساط السياسية والاجتماعية المختلفة تجاه موقف الحزب من الوثيقة ومدى صلاحيتها للحل بالايحاء أن للحزب مطالب خارجها.. والأهم من ذلك النجاح الذي أحرزه المؤتمر والاصلاح في التأثير على قسم من الناس بأن الوحدة اليمنية وليس التغيير والتحديث وبناء الدولة هي محل الخلاف الحقيقي، الأمر الذي ساعد على كبح تطور حركة الاعتصام الجماهيري وارتباك الوعي الشعبي العام تجاه الازمة وأفضى الى اخراج بعض الشرائح الشعبية من حلبة الصراع ودفعها الى الانكفاء أو الحياد السلبي ووضع لجنة الحوار في موضع أضعف وخلق التساؤلات حول امكانية بقائها من عدمه.

    2 - لقد أفضى الزمن الطويل الذي مرت به الأزمة دون حل يلوح في الأفق، وما صاحبها من تردي ظاهر في معيشة الناس وتنامي حالة الخوف الذاتي من المجهول، الى تغير المزاج الجماهيري باتجاه سلبي وتنامت بين صفوف الناس روح الملل واللامبالاة الى درجة القرف من متابعة أخبار الأزمة وأخذت الرغبة في الخروج من الأزمة بأي ثمن تسيطر على مشاعر الناس بما في ذلك اعضاءالحزب وانصارهم، مما يضعف من قوة ضغط الرأي العام لتنفيذ الوثيقة في المستقبل.

    تاسعاً: بالرغم من انعدام التقاليد والوسائل المناسبة لقياس الرأي وعدم توفر احصائية يعتمد عليها في هذا الشأن إلا أن جملة من المؤشرات توحي بأن نسبة كبيرة من سكان البلاد تكاد تجمع على تأييد القضايا التالية: (الرفض للحرب - تأييد الوحدة ورفض الانفصال - توفير الأمن والاستقرار للناس - اعتبار وثيقة العهد والاتفاق المخرج الجديد المناسب في الأزمة).

    عاشراً : في ظل المعطيات المشار اليها آنفاً فإن من الضررة بمكان ان تقوم قيادة الحزب بمراجعة الموقف السياسي الراهن بكل تفاصيله والقاء نظرة فاحصة على الاوضاع العامة داخلياً وخارجياً والاعتراف بأن السياسة التي اتبعها الحزب الاشتراكي اليمني حتى 20 فبراير 1994 قد أدت دورها بنجاح، ولكنها لم تعد صالحة للمرحلة الجديدة وينبغي الأخذ باستراتيجية أخرى مختلفة تماماً.. وتشكل القرارات التي اتخذها المكتب السياسي في اجتماعه الأخير والمقترحات التي تقدم بها الاخوان (ياسين وحيدر) اساساً مناسباً للاستراتيجية الجديدة التي ستشكل في حال تطبيقها اعادة الحزب الى موقف الهجوم السياسي والمبادر الأول للخروج من الطريق المسدود.. ومنها اعادة الجزء الرئيسي من الكوادر الى العاصمة ووضع حد لحالات الانكفاء والانسحاب غير المحسوب التي وضعت الحزب في حالة حصار محكم في مساحات ضيقة من البلاد، وتنامي القطيعة مع نسبة كبرة من ابناء الشعب بطريقة سمحت للطرف الآخر بنقل المعركة الى معاقل الحزب الرئيسية. واذا كانت مقاطعتنا لاجتماعات الهيئات التي نجحت في مراحلها الأولى في لفت انتباه الناس الى القضية الأمنية، فإن استمرار مثل هذه المقاطعة لم يعد مفهوماً أو مبرراً لدى الرأي العام بل واعضاء الحزب وأنصاره، وبالتالى فقد اصبح غير مفيد سياسياً ناهيك عن ما اتاحه ذلك من فرص للطرف الآخر لاتخاذ جملة من القرارات السياسية والادارية وصرف المال العام التي يعتبرها شرعية بحجة ان «السلطة لا تقبل الفراغ» وإن المؤسسات الحكومية لابد أن تؤدي دورها حتى لا تتعطل المصالح العامة للناس. وبالمقابل فإن بوسع الطرف الآخر أن يطعن بشرعية القرارات التي اتخذناها تحت الحاح الضرورة كما حدث في موضوع تكليف الأخ محمد علي أحمد للقيام بأعمال محافظ محافظة أبين.

    اتخذناها تحت الحاح الضرورة كما حدث في موضوع تكليف الأخ محمد علي أحمد للقيام بأعمال محافظ محافظة أبين.

    أحد عشر: لقد أظهر الطرف الآخر ضيقاً متزايداً من الأزمة السياسية ويرغب في الخروج منها بأي ثمن ولو من خلال الاقدام على خوض معركة عسكرية واسعة أو محدودة، مما يوجب على الحزب الاشتراكي أن يفعل كل شيء لمنع قيام الحرب مهما كانت محدودة خصوصاً وأن هناك جملة من المؤشرات والبراهين التي لا تخطئها العين على ان الجناح العسكري المتطرف في المؤتمر الشعبي العام قد نجح الى حد كبير في فرض سيطرته على القرار السياسي وهو لا يحتاج إلا الى بعض الذرائع مهما كانت تافهة لجر البلاد بأسرها الى حرب لا تبقي ولا تذر وإذا افلح في تحقيق مسعاه هذا فان طبيعة الأزمة بكاملها سوف تتبدل بصورة جذرية وسوف تخلق جملة من الحقائق التي تؤثر على مختلف المواقف وتقلبها رأساً على عقب، بما في ذلك المنطق التفاوضي وموضوعات التفاوض ذاتها.. فبدلاً من الحوار الجاري حالياً حول بناء دولة الوحدة اليمنية والشروط اللازمة لشراكة متكافئة نوعاً ما، فان الوقائع الناشئة عن الصدام المسلح ستفرض نفسها على الطاولة والانصراف الى ترتيب الهدنة المؤقتة وربما الاتفاق على قطيعة آمنة ومضمونة لبعض الوقت وهو أمر ضعيف الاحتمال.. ذلك ان الحرب بقدر ما ستجعل العودة الى وحدة حقيقية ومقبولة أمراً عسير المنال بقدرما سيؤدي الانفصال حتى وان كان سلمياً ومغطى بمظلة دولية وعربية، باعثاً على عدم الاستقرار الدائم إن لم يشكل مدخلاً مؤكداً الى سلسلة من حروب الاستنزاف الصغيرة والكبيرة بين الشطرين وفي كل شطر على حده..ومن الافضل لنا ولليمن أن نتفاوض على تنازلات متبادلة قبل الحرب وليس بعدها كما هو حال الاخوة في الصومال.. وأحسب أن الحزب الاشتراكي يمتلك من دروس وخبرات الماضي ما يكفي لارغام الطرف الآخر على عدم جرنا الى خلق واقع يصعب تغييره سلماً أو حرباً.. إننا ندرك على وجه اليقين بأن النتائج والترتيبات التي تتمخض عن أزمة ما تزرع في ذات الوقت البذرات الأولى لازمات واحداث لاحقة.. واذا ما بلغت اليمن مرحلة الانفصال أو الاحتراب فان عدوى الانقسامات والصراعات المريرة على السلطة سوف تنتقل من منطقة الى أخرى على نحو أفقي ورأسي خصوصاً في ظل غياب المقدسات التي كانت تجعلها ممنوعة.

    إن السنوات الأربع التي انصرمت وما شهدت من متغيرات قد أشاعت عدداً من القيم الجديدة وأسقطت أخرى تماماً وخلقت أوضاعاً اجتماعية وثقافية غير مسبوقة تتميز بأولوية المصالح المادية وتراجع المثل العليا وتقدم الأنا والذات على سواهما من الاحلام والطموحات العامة، ولعل اختفاء التحديات الكبرى وتغلب المنفعة على الفكرة يخلق قابلية تلقائية وسلسلة لا نهائية من الحروب والعداوات الصغيرة والتمزق في مسلسل لا ينتهي عند حد كما رأيناه بأم أعيينا في العديد من بلدان العالم الثالث، التي شهدت هذا النوع من الصراعات وفي ظل هبوط قيمي كبير.

    اثنا عشر: إن اشارة السفير الامريكي الى طبيعة الحرب التي قد تنشب في اليمن، وأسباب تعثر اللجنة العسكرية في محور البيضاءمكيراس وتلقي الرئيس معلومات رسمية غير صحيحة عن ما حدث في أبين خلال تواجده في عمان وعدم اطلاع قيادة الحزب الاشتراكي اليمني على ما حدث حتى ظهر 21 فبراير 1994 تحمل المرء على الاعتقاد بأن الحرب قد تنشب بالصدفة بتنامي الفعل ورد الفعل، خصوصاً في ظل مناخ مفعم بالمخاوف المتبادلة والاحساس باللاأمن. والحرب ان هي نشبت - لا سمح الله - ستأخذ اتجاهات ونتائج مروعة لا يمكن التكهن باحتمالاتها، لأنها سترتدي طابعاً مزدوجاً وتجمع بين خصائص الحرب النظامية والحرب الاهلية مما يرشحها للبقاءفترات زمنية أطول من سائر الحروب التي شهدتها اليمن.. وهي حرب بلامجد مثل كل الحروب العشائرية التي يدافع فيها كل طرف عن الحمى وليس عن الوطن أو الفكرة، وستؤدي حتماً الى تفتيت الوطن الى مجموعة من الكيانات والسلطنات الصغيرة وتحول الجيش اليمني الى مليشيات محلية. وعلى الحزب الاشتراكي اليمني أن يعمل كل ما في وسعه للحيلولة دون حدوثها وتعزيزقراره السلمي الصائب باتباع سياسة دفاعية وعدم المبادءة بالحرب، في جملة من الاجراءات والتحركات السياسية لاقناع الطرف الآخر بعدم جدوى الحرب واستحالة كسبها من أي طرف ومنها الخطوات التالية:

    1 - اليقظة التامة واعادة جاهزية الوحدات والتخاطب مع الضباط والجنود بصراحة ووضوح، وبحقيقة أننا لن نقودهم الى حرب أخرى ولن نكون سبباً في صدام مسلح، وان مهمتهم الأساسية هي الدفاع، وان الغرض من اليقظة والاستعداد تستهدف الحرص على منع الطرف الآخر من الاقدام على الحرب.

    2 - اصدار تعليمات صارمة الى جميع القادة بتجنب القيام بأية افعال أو تحركات من شأنها اعطاء ذرائع للطرف الآخر أو الاحساس بعدم الأمن، وفتح قنوات مختلفة للاتصال السريع بين القيادات العسكرية من الطرفين لتطويق أية حالة طارئة قد تنشأ بالصدفة أو لسوء فهم.

    3 - ابلاغ وجهات نظرنا هذه بوضوح للرأي العام في الداخل والخارج وللطرف الآخر ايضاً.

    4 - اظهار الحد الأعلى من المرونة وحسن النوايا والتقدم بمقترحات فعلية تسهم في حلحلة الوضع السياسي وتنفيذ وثيقة العهد والاتفاق.. وعدم وضع الطرف الآخر تحت طائلة الضغط السياسي المتشدد، حتى لا تضعه في زاوية فيشعر بأن الحرب هي المخرج الوحيد من المأزق السياسي الذي لا آفاق له.

    وغني عن القول أن هذا النوع من السلوك السياسي المرن والاجرائي سوف يقطع الطريق على العناصر العسكرية المغامرة في الطرف الآخر وأولئك الذين اعتادوا على مواسم الاغتناء من الحروب، ويفسح المجال أمام العناصر المعتدلة للتعبير عن وجهات نظرها السلمية والتأثير ايجاباً في القرار.

    ثلاثةعشر: ظهور مؤشرات لبداية تراجع في مصداقية الحزب عند الآخرين.. لقد برزت في الآونة الأخيرة جملة من الظواهر التي تنبىء باحتمال تراجع مصداقية الحزب الاشتراكي اليمني لدى الرأي العام في المضمار السياسي والاعلامي، وفي مجال حقوق الانسان بشكل يتناقض مع ما توطد في الحزب وعرف عنه من مصداقية في القول والفعل وربط محكم بين السياسة - بما هي شأن عام يعكس توازن مصالح فئات المجتمع ويؤثر فيها - وبين الاخلاق، بين القول والعمل، ذلك التلازم المحكم الذي بدونه تنحط السياسة وتتعرض للافلاس. لقد ارتفعت مكانة وسمعة الحزب الاشتراكي في نظر الجمهور مقابل تدني مكانة بعض القوى السياسية التي تمارس السياسة بعيداً عن الأخلاق، والتي لا ترى فيها سوى وسيلة مبتذلة لتمويل اهدافها المبيتة واستغفال الجمهور، بالرغم من ان الممارسة العملية سرعان ما تفضح بعدئذ النوايا الحقيقية لتلك القوى. والشاعر يقول

    ومهما تكن عند امرىء من خليقة وإن خالها تخفى عن الناس تُعلِم

    ذلك ما ينبغي على الحزب ان يربأ بنفسه عنه وأن لا يسمح بالانزلاق اليه مهما تعرض للافتراءات بفعل الأزمة وتعقيداتها.. وللبرهان على ما ذهبنا اليه ينبغي لفت الانتباه الى أن الحزب الاشتراكي سبق ان أكد غير مرة التزامه الصارم بتنفيذ ما تصل اليه لجنة الحوار من قرارات في حال الاختلاف.. بيد أن هذا الالتزام قد تعرض للخرق في بعض الحالات ومنها عدم تنفيذ قرار لجنة الحوار الذي قضى باجتماع اللجنة الأمنية في تعز ليوم واحد والانتقال بعدها الى عدن وذلك في أواخر يناير 1994.. وكان التنصل الثاني الأبرز عدم تنفيذنا الشق الثاني من قرار اللجنة والخاص باجتماع مجلس الرئاسة في صنعاء الذي كان مقرراً عقده يوم الاثنين 1994/3/28.. وغني عن القول بأن المقابلة التي اجراها التلفزيون مع عناصر قيل انها تعرضت للتعذيب في عدن برغم ما اظهر على العملية من صنعة وتلفيق - قد ألحق ضرراً كبيراً بسمعة الحزب الاشتراكي داخليا ًوخارجياً، خصوصاً وأننا لم نبادر الى اجراء تحقيق فوري وعلني ومن طرف واحد لتعريف الرأي العام بحقيقة ما حدث.. ولابد من العمل لاستعادة مكانة وسمعة الحزب السابقتين في المصداقية السياسية واحترام حقوق الانسان من خلال اجراءات ملموسة، ليس بهدف استعادة تعاطف الرأي العام الداخلي والخارجي وحسب بل ولكي لا يتعرض ممثلو الحزب في لجنة الحوار للمزيد من الاحراجات وضآلة الشأن على الطاولة.

    اربعة عشر : حول الاوضاع الناجمة عن التعبئة الخاطئة.. لقد أدت تجربة الحياة العملية غير المريحة لكوادر الحزب في العاصمة صنعاء منذ قيام الوحدة اليمنية وما صاحبها من اعتداءات أمنية وتصرفات تعكس روح الهيمنة العشائرية والاستئثار والضيق بالآخر تجاه كوادر الحزب الى ردات فعل نفسية احساساً بالضيم وعدم التكافؤ، وبخاصة أثر تطور الأزمة وانسحاب كادرات الحزب الى عدن.. لقد أفرزت تلك المعاناة نوعاً من الخطاب السياسي والدعائي التعبوي الخاطىء، وغير المقصود الذي اتسم أحياناً ببعض سمات رد الفعل الذي أدى اليه كالحديث عن المناطقية والجهوية والتفاخر بالكيانية الصغيرة.

    ردات الفعل العفوية تلك لابد من السعي الجاد لوضع حد حاسم لها عن طريق القيام بحملة سياسية منظمة تعيد تقديم الحزب لنفسه من جديد بوصفه حزباً لليمن، متجاوزاً كل العصبيات المذهبية والجغرافية، حتى لا يؤدي الحال الى خسران الحزب لواحدة من نقاط التفوق التاريخي التي ميزته عن سواه ومثلت جوهر رسالته التحديثية الى ابناء اليمن من صعدة الى المهرة.. وحتى لايجد الحزب نفسه كذلك في وضع غير مشرف وغير لائق بتاريخه، ويكون بذلك مثله مثل تلك القوى التي وضعها التاريخ في ذلك الموضع الذي لا تحسد عليه، ويخسر مشروعه الوطني المتفتح على الآخر، وينساق دون وعي الى تبني المشاريع الاصغر شأناً والأشد ضيقاً وعصبية والتي يعرف الناس جميعاً ان الحزب هو من تصدى لها منذ ان اجترحت القيادة العامة للجبهة القومية معجزتها المجيدة في اقامة الدولة والمجتمع الموحدين على انقاض 22 امارة وسلطنة ومشيخة في جنوب الوطن وهو الشرط التاريخي الذي كان من المستحيل أن تتوحد اليمن في 22 مايو 1990 دون تحققه.

    ان ترشيد وعي الناس تجاه عملية الوحدة واضفاء الطابع العقلاني عليها، وأهمية تعبئة اعضاء الحزب وانصاره التي أملتها الحاجة الى التماسك واكتساب المقدرة على التصدي لأية مغامرة، يحتم على الحزب في ذات الوقت التنبه الى الأعراض الناجمة عن محدودية الوعي العادي على التحكم بالحدود التي تقف عندها تلك التعبئة، وما قد يؤدي اليه الافراط في هذا الأمر من مسايرة للخطاب الآخر، والحاق الضرر بوحدة الحزب والمجتمع معاً، بما يعنيه ذلك من التداعيات والانهيارات المحتملة سلبياً وبصورة متسلسلة افقياً وعمودياً، بحيث يصعب بعد ذلك السيطرة عليها ولجمها.

    ومن الأهمية بمكان أن يجري التصدي لهذه الظواهر قبل ان تحتل مواقع هامة في اذهان الرأي العام الشعبي وقبل ان تكتسب مناعة تستعصي على العلاج، ومن ثم الارتداد بالوعي الشعبي الى مرحلة ما قبل الـ30 من نوفمبر 1967.

    وفي هذه اللحظات الصعبة بالذات يتعين على الحزب الاشتراكي اليمني ان يضمِّن من جديد خطابه التعبوي الداخلي ما يبرر وجوده كقوة للتوحيد والتحديث والاندماج الاجتماعي، بما هو حامل للمشروع الحضاري الأكثر تعبيراً عن روح العصر، ومصالح الفئات الاجتماعية المختلفة الآن وفي المستقبل. ويجب ان نعمل كل شيء لكي لا نُدفع الى خطأ تاريخي لا يمكن تداركه، ويكون له ما بعده.

    بعض المقترحات في الجانب السياسي

    أولاً : الموافقة على المقترحات التي تقدم بها الاخوان أبوبكر العطاس والدكتور ياسين سعيد نعمان، وتحويلها الى برنامج عمل يومي، وان يشتق من مجموع الاوراق المعروضة على المكتب السياسي جملة من المبادرات السياسية المحدودة التي تغطي كل ما يتعلق بتنفيذ وثيقة العهد والاتفاق للاشهر الستة القادمة، وتتضمن بديلي الحد الأدنى والأعلى. والتأكيد من جديد على أهمية القبول بمقترحات الحل الوسط التي تتقدم بها المعارضة حينما تتصعب المفاوضات.

    على أنه من الضروري أن يتم عملنا بقدر من الوضوح والفاعلية، والتفاهم التام حول حدود التنازلات بطريقة لا تسمح بنشوء أي غموض أو تباين بين المكتب السياسي، وممثلي الحزب في لجنة الحوار والحكومة ومجلس الرئاسة. وينبغي ان نتحرك خطوة أخرى الى الأمام فيما يتعلق باجتماع مجلس الرئاسة سيما بعد تحقق اجتماع الحكومة في عدن، والقرارات التي أصدرها مجلس النواب في دورته الأخيرة حول الوثيقة، حتي لا نضع انفسنا مرة أخرى في موقف دفاعي.

    ثانياً : اعادة تصحيح الخلل الذي شاب خطابنا السياسي والاعلامي في الآونة الأخيرة بهدف تصليب وحدة الحزب الداخلية والحفاظ على تحالفاتنا السياسية، وتوسيعها، وضمان استمرارية التعاطف الخارجي الذي حظي به الحزب طوال فترة الأزمة وذلك عن طريق اخراج قضية الوحدة ووثيقة العهد والاتفاق من منطقة الخلاف بيننا وبين المؤتمر، وحصر المعركة السياسية في القضايا الاجرائية والقانونية والادارية التي تتعلق بتنفيذ الوثيقة بما في ذلك قضية الأمن التي يدرك الجميع بأن المؤتمر الشعبي لن يفي بها، إلا في حدود معينة.. كما يتعين علينا القبول مؤقتاً بخطوات التنفيذ الجزئية التي من شأنها ولا شك ان تفتح الابواب للتنفيذ الكامل في نهاية المطاف، لأن كل تنفيذ مهما كان محدوداً سيخلق ظروفاً تساعد على تحقيق خطوات أكثر جذرية وتكاملاً، والاستفادة من كل التباينات التي قد تنشأ في أوساط الطرف الآخر عن طريق ابداء قدر اكبر من التفاهم والمرونة مع عناصره.

    ثالثاً : ولما كانت الخطوات الاعلامية والسياسية التي قام بها الطرف الآخر لاضعاف عملية الاعتصامات الشعبية بانشاء لجان الدفاع عن الوحدة المقابلة لها، قد أفلحت بعض الشيء في احداث انقسام بين صفوف المواطنين، فان من المتوقع ان يواصل اتباع نفس الاساليب للتشويش على عملية تنفيذ الوثيقة، بهدف خلق حالة من التشويش والاضطراب في اذهان الناس حول الجانب الذي يتحمل مسؤولية عرقلة التنفيذ دون سواه.. ولذلك يتعين على الحزب أن يشرع من الآن في تنسيق خطواته مع المعارضة ولو في حدود معينة، بهدف الاتفاق على القيام بأعمال شعبية سلمية مشتركة في الأوساط الشعبية، والمنظمات الجماهيرية، والقبلية، وكذلك في البرلمان وبين أوساط علماء الدين بما في ذلك المبادرة الى دعوة الشيخ سنان أبولحوم والعميد مجاهد أبوشوارب للعودة الى العمل ضمن لجنة الحوار.

    رابعاً : لوضع هذا المقترح موضع التنفيذ ينبغي تشكيل لجنة مصغرة ودائمة من المكتب السياسي واللجنة المركزية واعضاء مجلس النواب، تتولى وضع وتنفيذ الخطوط العريضة لهذه السياسة، وتقديم التقارير الدورية عنها الى المكتب السياسي.

    خامساً : إن انتقال الأزمة الى مرحلة التنفيذ وما يقتضي ذلك من الاجتماعات المتوقعة لهيئات الدولة المختلفة سيؤدي بالضرورة الى عودة بعض الاتصالات بين قيادتي الحزب والمؤتمر ومن المتوقع آن تلوح قيادة المؤتمر باستعدادها لتنفيذ بعض ماورد في الوثيقة مقابل عودة الحوار الثنائي بين القيادتين وربما الثلاثي.. إما من قبيل ابداء حسن النية والجدية في التنفيذ، وإما بهدف اخراج العملية مرة أخرى من نطاق الحوار وتحييد المعارضة أو بهدف تحقيق الأمرين معاً، وقد يكون من الواقعية التعاطي مع هذا النوع من المبادرات عن طريق القبول بها شريطة أن لا تكون بديلاً للحوار الموسع، ولا من وراء ظهر لجنة الحوار، وإنما تكون بمثابة التمهيد المسبق للاتفاق على بعض الاجراءات ضمن مجلس الوزراء مثلاً، وعرضها على لجنة الحوار، على أن تقوم قيادة الحزب باعلام حلفائه والتشاور المسبق معهم دون أدنى قدر من الاحساس بالحرج أو المواربة.

    سادساً : يتعين على قيادة الحزب الاشتراكي اليمني أن توقف من جانبها اتخاذ المزيد من الاجراءات الادارية التي قد تضاعف من حالة القطيعة الراهنة بين الطرفين وعلى المستوى الشعبي.. وأن تجري بالمقابل مسحاً شاملاً لكل ما أقدم عليه الطرف الآخر من تعيينات أو أي اجراءات أخرى، وتبادر الى الاحتجاج على ذلك، مع وضع القوى السياسية ولجنة الحوار سلفاً في صورة تلك الاحتجاجات لأننا إذا لم نثر هذه القضية فسيبادر الطرف الآخر الى اثارتها.

    ولابد في نهاية المطاف من التوصل الى حلول وسط في هذا الشأن بما في ذلك استصدار قرارات رسمية باعادة تعيين بعض عناصر الحزب القيادية في المحافظات وادارات الأمن على صعيد المحافظات الشمالية، والمشاركة في ادارة محافظة شبوة وقيادة الشرطة فيها وكذا في محافظة أبين.

    سابعاً: مقابل اتباع الحزب للمرونة وسياسة النفس الطويل فيما يتعلق بالقضية الأمنية عن طريق القبول بالتدرج والحلول الوسط، والعودة المتدرجة للكادر الى صنعاء والمشاركة في اجتماع الهيئات يتعين وضع قائمة من المطالب التي يتعين الحصول عليها من الطرف الآخر، كما سبق طرحها على المكتب السياسي.. بما في ذلك استصدار قرار جمهوري بجعل عدن عاصمة شتوية، وتكليف الحكومة بتوفير المستلزمات التي تجعلها صالحة لأداء دورها كعاصمة، ابتداءً من اكتوبر القادم، لما لذلك من أهمية وتأثير على التوازن السياسي والاجتماعي، وتكريماً لعدن وتشريفاً للدور الكفاحي لأبنائها.

    بعض المقترحات في الجانب الحزبي

    لقد شكل القرار الذي اتخذه المكتب السياسي لاعادة بعض اعضائه القياديين وغيرهم، الذين انقطعوا عن ممارسة دورهم في صفوفه، وما سبقها من حوارات بناءة شكل ذلك القرار خطوة عملية مهمة على طريق تنفيذ التوجهات الصائبة التي أقرتها اللجنة المركزية من قبل وسيسهم ذلك ولا ريب في تعزيز وحدة الحزب وزيادة فاعليته بين اوساط الجماهير.

    ولكي تكتسب هذه الاجراءات طابع الاستمرارية والمنهجية، ينبغي أن يتواصل الحوار مع الآخرين بصرف النظر عن طبيعة العلاقة مع المؤتمر الشعبي العام، وأن يُعلم بأن هذه السياسة ثابتة، ولم تملها الظروف الراهنة على الحزب، حتى نخرجها من نطاق الفعل ورد الفعل المتوقع من قبله ضد اعضاء الحزب في المحافظات الشمالية، والضغط عليهم لأخذ مواقف معينة.

    2 - يتوجب على المكتب السياسي أن يقدم الى اللجنة المركزية مقترحاً بالغاء قرارات الفصل والطرد السابقة، وأن يظل الباب مفتوحاً لكل من يريد استعادة وضعه السابق بصورة طوعية، ومواصلة التعامل الطبيعي مع اولئك الذين لا يرغبون في العودة الى الحزب على اعتبار أن ذلك حق لهم، وأن العودة الى الحزب كالانتماء اليه، عملية حرة وطوعية.

    3 - تكليف بعض القانونيين المتضلعين في مجال الفكر الدستوري والقانوني دراسة مدى المشروعية القانونية لاقدام الحزب على اتخاذ قرار بالغاء كافة الاحكام القضائية السابقة ضد خصومه السياسيين ودراسة ما سيترتب على ذلك من آثار سياسية وغيرها سلباً وايجاباً.

    4 - لقد كثر اللغط حول افتقار الحزب الى برنامج سياسي مقر، وتأجيل عقد المؤتمر أكثر من مرة، وقد يكون من المناسب التفكير في حل هذه المسألة خلال الأشهر القليلة القادمة خصوصاً اذا ما حدث استرخاء في حالة التوتر السياسي الراهن.. والعمل منذ الآن على اعداد برنامج سياسي مركز ومختصر يعتمد الى هذا الحد أو ذاك على تنفيذ ما ورد في وثيقة العهد والاتفاق.

    5 - على صعيد عمل هيئات الحزب القيادية.. في ظل الأزمة الراهنة والسبل التنظيمية والادارية التي يتعين على الحزب اتباعها لمواجهة الحالة الاستثنائية الراهنة التي فرضتها الضرورة الأمنية، والحاجة الى اتخاذ قرارات سياسية سريعة من ناحية واضفاء الطابع الشامل على عمل الحزب التنظيمي، وتوفير الديمقراطية والمشاركة في عمل الهيئات من ناحية أخرى، نقترح دعوة اللجنة المركزية والهيئة البرلمانية وسكرتاريات منظمات الحزب لعقد دورة استثنائىة لمناقشة الأوضاع السياسية الراهنة والقضايا التنظيمية العاجلة والخروج بموقف واضح وموحد تجاه جميع القضايا محل النقاش ويكون ذلك بمثابة تدشين العمل الحزبي السياسي في المرحلة الجديدة باستراتيجية وأفق واضحين..

    أيها الاخوة...

    وفي الأخير على الحزب الاشتراكي اليمني ان يدرك أن الخيارات تضيق أكثر فأكثر والوقت يمضي بسرعة فائقة.. ودون شك فإن قسماً من الطرف الآخر غير مهتم بما سيكون عليه حال اليمن طالما وأنه يستطيع الأبقاء على مصالحه مهما كانت النتائج.. ولابد للحزب الاشتراكي اليمني أن يسمو فوق الجراح ويتجاوز باصرار واعٍ جميع الاستفزازات والتخلي عن مجرد القيام بدور (الادعاء العام) حيال المشاكل التي يعاني منها الوطن والمسؤولين عنه، والانخراط مباشرة في الحل السياسي بصورة فاعلة وبمسؤولية كاملة تجاه مستقبل الشعب ومصير الوطن.

    أيها الاخوة ....

    لقد حاولت هذه الرسالة قراءة الأوضاع السياسية الراهنة بصورة مجردة والنأي عن لغة الهجاء والمدح الأثيرة لدينا نحن العرب، وإن لم تخلُ من العاطفة بسبب طبيعة الموضوع الذي تعالجه (وطن أو لا وطن..) فبدون أن يكون لليمنيين وطن موحد وديمقراطي، لا يبقى ثمة مجال للحديث عن بناء دولة المؤسسات والنظام والقانون ولا عن الازدهار والمعاصرة والتحديث..

    فبالوطن الموحد تُحفظ الكرامة وفي سبيله تهون جميع التضحيات..

    والله من وراء القصد

    أخوكم/ جارالله عمر

    عضو المكتب السياسي للحزب الاشتراكي اليمني

    30 مارس 1994






















     
  2.   مشاركة رقم : 2    ‏2003-11-03
  3. آصف بن برخيا

    آصف بن برخيا مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2003-03-24
    المشاركات:
    15,668
    الإعجاب :
    0
    لم اقراء منها الا مقتطفات فقط لطولها

    تحياتي لك ايها المندفع

    ورحم الله الشهيد الغالي جارالله عمر
    وجعله في في الفردوس الاعلى اللهم امين امين امين
     
  4.   مشاركة رقم : 3    ‏2003-11-05
  5. المندفع

    المندفع عضو نشيط

    التسجيل :
    ‏2003-07-31
    المشاركات:
    269
    الإعجاب :
    0
    نص مقتبس من رسالة : اصف بن برخيا


    أتمنى من كل الاخوان إن يقرأو هذه الوثيقه الهامه
    لكي يعرفوا من هو جار الله عمر الذي قتلوه غدرا
    الاسلاميين المتطرفون المنتمين للتيار الساخن الارهابي
    في حزبي الفساد والهلاك على الساحه < المؤتمر والاصلاح >..

    أتمنى إن يكلفوا أنفسهم دقائق بقرآة فكر
    جارالله عمر في أصعب وأشد الضروف والمراحل التي مر بها
    الحزب والوطن حتى يتعرفوا على تفاصيل لم ولن
    تكن في حساباتهم وتصوراتهم للشهيد البطل وفكره
    ومساعيه وطموحه وأحلامه ورجولته التي كانت مُثيره
    ولمعرفة مدى مساحة الرأي داخل الاشتراىكي وهيئاته..
    إن جار الله رجل من أولئك القلائل الذين تفانوا
    وضحوا بكل غالي ونفيس لأجل اليمن حتى برؤسهم ..
    نسأل الله للشهيد الجنه وللاشتراكي التقدم والسداد
    ولليمن كل خير ..
    سلااااام
    ::::::
     
  6.   مشاركة رقم : 4    ‏2003-11-05
  7. الشاحذي

    الشاحذي مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2003-04-16
    المشاركات:
    18,231
    الإعجاب :
    9
    هل تعتقد أننا سنقرأ فتح القدير أم فتح الباري .. ؟؟؟

    رحم الله جار الله عمر وجميع أموات المسلمين في هذا الشهر الفضيل ..

    أما المتطرفون , فقد فرخوا نتيجة لهذا الفكر المضاد يا أخينا المندفع , سبحان الله تطالبوننا بالانفتاح وأنتم أشد انغلاقاً ...
    وسع صدرك .


    والسلام عليكم ..
     
  8.   مشاركة رقم : 5    ‏2003-11-05
  9. ابو عهد الشعيبي

    ابو عهد الشعيبي قلم ذهبي

    التسجيل :
    ‏2003-05-15
    المشاركات:
    7,602
    الإعجاب :
    0
    بارك الله فيك أخي الكريم
    ونسأل الله لجارالله الجنه ,.
    ولأنفسنا السداد والهدايه والسير على درب الصديقين والنبيين والصالحين والاخيار ..

    المخلص أبوعهد
     
  10.   مشاركة رقم : 6    ‏2003-11-05
  11. البرقُ اليماني

    البرقُ اليماني قلم ماسي

    التسجيل :
    ‏2002-05-05
    المشاركات:
    11,474
    الإعجاب :
    0
    نص مقتبس من رسالة : alshahidi
    [color=0000FF]نعم رحم الله جار الله عمر وأسأل الله أن يغفر له, ولكن شلة الرفاق يتاجرون الآن بقضية جار الله عمر على الطريقة الاشتراكية فهم من أشطر الناس في هذه النوعية من التجارة!!

    أتمنى لو كانت تجارتهم تلك في شيء مفيد, تفيدنا وتفيد وطننا.

    نسأل الله العفو والعافية والمعافاة الدائمة.
    [/color]
     
  12.   مشاركة رقم : 7    ‏2003-11-05
  13. المندفع

    المندفع عضو نشيط

    التسجيل :
    ‏2003-07-31
    المشاركات:
    269
    الإعجاب :
    0
    نص مقتبس من رسالة : alshahidi
    يا سبحان الله إلى هذا الحد وصلة فيك السخريه
    أليس جارالله من القلائل الذين ماتوا على المبادئ
    اليس جارالله من القلائل الذين ماتوا على الحق ياشهيدي
    كُنت أود لو إنك تقرأ هذه الوثيقه كامله
    إنت بالذات ، فأنا متأكد إنك ستعرف من الحقائق
    الكثير أفضل لك من قيلت وقال والتعبئه الخاطئه من الحاقدين ..

    ومازال أملي بإن تقرا وتأتيني في حوار من قلب الموضوع
    سلاااام
    :::::
     
  14.   مشاركة رقم : 8    ‏2003-11-05
  15. المندفع

    المندفع عضو نشيط

    التسجيل :
    ‏2003-07-31
    المشاركات:
    269
    الإعجاب :
    0
    نص مقتبس من رسالة : البرقُ اليماني
    البوق اليماني ..
    إنت وكما يقول المثل ..
    القلم عليك مرفوع
    ورحم الله جارالله عمر ..
    سلاااام
    :::::
     
  16.   مشاركة رقم : 9    ‏2003-11-06
  17. المريسي مهدي

    المريسي مهدي عضو فعّال

    التسجيل :
    ‏2003-06-11
    المشاركات:
    526
    الإعجاب :
    0
    [color=0000FF]الشهيد البطل جارالله عمر في هذه الرسالة يحث ويقول للقيادة في الحزب ان تحاول قدر الامكان استغلال الضروف الموضوعية لصالح الحزب والحفاظ على الوحدة باي ثمن كان .كون جارالله عمر من الشمال ومن الطائفة الزيدية فهو يريد ان يتحقق شيئ للغالبية العضمى من الناس والذين يعيشون في ذيل الامم بسبب سياسات الائمة ومن بعدهم الظباط السفهان .وقد جأت الوحدة لصالح حكام الشمال وعلى حساب الشعب في الجنوب .

    عندما قرأت رسالته تذكرت الشهيد البطل على عبدالمغني وهو من منطقة خبان وهي قريبة من المنطقة التي ينتمي اليها جارالله عمر .حيث كان القائد الفعلي لانقلاب 26 سبتمبر وبسبب انه وطني وشريف فلم يضع حوله الحراسات والهالة والهيلمان ولكنه ذهب للدفاع عن ((الثورة )) وسقط شهيدا بعد اسابيع من قيامها ولايستبعد ان من دبر عملية اغتياله هم من قادة الانقلاب الاخرين .لعدم رغبتهم في وجود اناس متحضرين واحرار مثله او مثل جارالله عمر .

    هذان الزعيمان والشهيدان اتيا من بيئة انا اعرف اهلها انهم اناس محترمون ويريدون التغيير والتحديث والتطوير ، وكانت عندهما وعند اهل المنطقة الوسطى وبعض المتعلمين من زيود رداع من بني السلامي وغيرهم رغبة في النهوض ، لكنه اجهض باغتيال علي عبدالمغني ، وحرب 94 والتي دمرت الركيزة التي ممكن ان يتكيء عليها التغيير .

    لقد نجحت القبائل الهمجية من ذمار شمالا حتى حدود السعودية ومعهم المتطرفين الاشرار في احباط كل ذلك وهم لايريدون التغيير ويعادون المدنية والحضارة .لقد احبطت احلام تلك الطيور وتم دفن جهود وتضحيات اجيال والسبب التخلف ووجود اناس يدافعون عنه .

    لقد كانا نجمان مضيئان في بيئة تحب الظلام وتعيش عليه .[/color]
     
  18.   مشاركة رقم : 10    ‏2003-11-06
  19. ibnalyemen

    ibnalyemen علي احمد بانافع مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2001-09-15
    المشاركات:
    20,907
    الإعجاب :
    702
    اخي المندفع الحزب الاشتراكي نقض عهده مع الله سبحانه وتعالى وترك الاسلام والدين الاسلامي ونهج الشيوعية مبداء وملة وتكرر نقض العهد مع رفاق الدرب السئ فمتى سيكون لهؤلاء ذمة او عهد؟؟
     

مشاركة هذه الصفحة