أصناف الناس في رمضان

الكاتب : الصقر الجارح   المشاهدات : 247   الردود : 0    ‏2003-10-26
      مشاركة رقم : 1    ‏2003-10-26
  1. الصقر الجارح

    الصقر الجارح قلم فضي

    التسجيل :
    ‏2003-04-18
    المشاركات:
    2,647
    الإعجاب :
    1
    هي مع أصناف الناس في رمضان ، والناس في رمضان على صنفين أو في استقبالهم لرمضان على صنفين : الصنف الأول: من الناس من يفرحون بهذا الشهر ويسرون بقدومه وذلك لأسباب أولا لأنهم عودوا أنفسهم على الصيام ولهذا تجدون في السنة النبوية مثلا استحباب صيام أيام كثيرة كالاثنين والخميس وأيام البيض ويوم عرفة لغير الحاج ويوم عاشوراء مع يوم قبله أو يوم بعده ، وصيام شعبان وغير ذلك من الأشياء التي شرعها النبي صلى الله عليه وسلم لأمته حتى يعتادوا الصيام ولا يصبح الصيام غريبا عليهم ولذلك تجدون أن الذي يصوم النفل على الأقل يصوم أيام البيض مثلا لا يستثقل صيام رمضان بل يعتبر صيام رمضان بالنسبة له أمرا طبيعيا لا تكلف فيه ولا ثقل لكن الإنسان الذي لا يصوم لا ستا من شوال ولا أيام البيض ولا غيرها فإنه يحسب لرمضان حسابا ويجد فيه شيئا من الثقل والمشقة لأنه لم يعود نفسه على الصيام.

    ولذلك ينقل عن السلف رضي الله عنهم من ذلك شيء عجيب يروى (أن قوما من السلف باعوا جارية لهم - أمة باعوها - فاشتراها رجل فلما أقبل رمضان بدأ يتهيأ بألوان المطعومات والمشروبات ، لاستقبال شهر رمضان كما يصنع الناس في هذا الزمان فقالت لهم لماذا تصنعون هذا ؟ قالوا : نصنعه لاستقبال رمضان قالت : وأنتم لا تصومون إلا في رمضان ، والله لقد جئت من قوم السنة عندهم كأنها رمضان لا حاجة لي إليكم ردوني إليهم فرجعت إلى سيدها الأول) ويروى أن الحسن بن صالح وكان من الزهاد العباد الورعين الأتقياء كان يقوم الليل هو وأخوه وأمه أثلاثا يقوم هو ثلث ويقوم أخوه ثلثا آخر وتقوم أمه الثلث الباقي فلما ماتت أمه تناصف هو وأخوه الليل فصار يقوم نصفه ويقوم أخوه النصف الآخر فلما مات أخوه نقل عنه أنه كان يقوم الليل كله ، قيل (إن الحسن بن صالح هذا باع أمة له فلما انتصف الليل عند سيدها الجديد قامت في وسط الدار وصاحت يا قوم الصلاة الصلاة فقاموا فزعين وقالوا : هل طلع الفجر ؟ قالت : وأنتم لا تصلون إلا المكتوبة وأنتم لا تصلون إلا المكتوبة ، فلما أصبحت رجعت إلى سيدها وقالت : لقد بعتني على قوم سوء ، بعتني على قوم لا يصلون إلا الفريضة ولا يصومون إلا الفريضة لا حاجة لي إليهم ردوني ردوني فردها) .


    إذًا إذا اعتاد الإنسان على الصيام لم يجد في صيام رمضان ثقل ولا مشقة وهذا من أسباب فرح المؤمنين بشهر الصوم حيث يصومون فيه شهرا كاملا ويوافقهم الناس كلهم على صيام هذا الشهر ، الأمر الثالث من أسباب رغبتهم فيه وفرحهم به أنهم يعرفون أن الامتناع من اللذات في هذه الدنيا سبب لحصولها في الدار الآخرة فإن امتناع الصائم عن الأكل والشرب والجماع وسائر المفطرات في نهار رمضان طاعة لله عز وجل يكون سببا في حصوله على ألوان الملذات في الجنة فلقوة يقينهم في ذلك يفرحون بهذا الشهر الكريم والعكس بالعكس فإن الإنسان الذي يقبل على الملذات المحرمة في الدنيا يكون هذا سببا في حرمانه منها يوم القيامة ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح : من شرب الخمر في الدنيا لم يشربها في الآخرة من شرب الخمر في الدنيا لم يشربها في الآخرة وقد ورد في حديث آخر أيضا : من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة وإنما لم يشرب الخمر في الآخرة يعني وإن دخل الجنة عقابا له على تمتعه بخمرة الدنيا وهي خمرة محرمة حرم الله على عباده المؤمنين أن يتعاطوها ، السبب الثالث أنهم يدركون أن هذا الشهر من أعظم مواسم الطاعات والتنافس في القربات وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ .

    ويعلمون أن الله عز وجل يجري فيه من الأجور ما لا يجري في غيره من الشهور ولذلك يفرحون بقدومه فرح الغائب بقدوم غائبه وحبيبه وهؤلاء لا شك هم المؤمنون الصادقون نسأل الله أن يجعلنا منهم وفي مقابل ذلك تجد طائفة أخرى من الناس يستثقلون هذا الشهر الكريم ويستعظمون نزوله بهم إذا نزل فهو كالضيف الثقيل ثم يعدون أيامه وساعاته ولياليه وهم يعيشون على أعصابهم ويفرحون بكل يوم يمضي وليلة تفوت حتى إذا قرب العيد بدأت قلوبهم ترفرف فرحا بقرب خروج هذا الشهر وذلك لأنهم لم يقدروه حق قدره أولا هم اعتادوا على اللذات ، اعتادوا على الشهوات من التوسع في المأكل والمشرب والملبس والمنكح وغيرها فضلا عن اللذات المحرمة فوجدوا في هذا الشهر مانعا وقيدا يحبسهم ويحول بينهم وبين لذاتهم فاستثقلوه واستطالوا أيامه ولياليه .وثانيا: فإنهم قوم عظم تقصيرهم في الطاعات حتى إن منهم من لا يؤدي الصلاة ومنهم من يقصر كثيرا في حقوق الله فإذا جاء هذا الشهر التزموا ببعض العبادات فوجدت كثيرا من الناكثين القاسطين المقصرين بدءوا يترددون على المساجد ويشهدون الجمع ويشهدون الجمع والجماعات إلى غير ذلك فيستثقلون هذا الشهر لأنهم يلتزمون فيه ببعض الطاعات التي قصروا فيها في غيره ، ولذلك يذكر المؤرخون يذكر ابن رجب وغيره: أن ولدا لهارون الرشيد كان غلاما سفيها فلما أقبل رمضان ضاق به ذرعا وبدأ يقول : دعاني شهر الصوم لا كان من شهر ولا صمت شهرا بعده آخر الدهر.

    فلو كان يعديني الأنام بقوة على الشهر
    لاستـعديـت قومي علـى الشهر


    يعني يدعو على رمضان ويقول عسى ألا أصوم شهرا بعده آخر الدهر ولو كان يمكن أن نستعين بالناس على هذا الشهر لأتغلب عليه لاستعنت بهم قال : فأصيب بمرض الصرع ، فكان يصرع في اليوم عدة مرات وما زال كذلك حتى مات قبل أن يصوم رمضان الآخر بعد ما قال ما قال ، وهكذا الذين يستثقلون رمضان لأنهم سيفارقون فيه مألوفهم من الشهوات ويلتزمون ببعض العبادات إضافة إلى ضعف يقينهم بما أعد الله تبارك وتعالى للمؤمنين فإنهم لا يدركون فضل هذا الشهر ولا يتصورون عظمة الأجر المكتوب لهم فلا يجدون فيه من اللذة والفرح والسرور ما يجده أصحاب الإيمان .

    من خطب الشيخ سلمان العودة
     

مشاركة هذه الصفحة