ابتزاز امريكي للسودان ( عبد الباري عطوان )

الكاتب : arab   المشاهدات : 438   الردود : 0    ‏2003-10-24
      مشاركة رقم : 1    ‏2003-10-24
  1. arab

    arab عضو نشيط

    التسجيل :
    ‏2002-03-27
    المشاركات:
    359
    الإعجاب :
    0
    تجاوز كولن باول وزير الخارجية الامريكي كل الاعراف الدبلوماسية والاخلاقية عندما تجرأ علي الحكومة السودانية، وطالبها باغلاق مكاتب حركتي حماس و الجهاد الاسلامي الفلسطينيتين في الخرطوم. وقد احسنت الحكومة السودانية صنعاً عندما رفضت هذا الطلب الوقح الذي يشكل تدخلاً في شأن سيادي سوداني محض.
    انه أمر مؤسف ان يتحول باول الي وزير خارجية الدولة العبرية، ويتولي المهام لخدمة مصالحها الارهابية، وتحسين وجهها الدموي في مختلف انحاء العالم، وهو الذي يعلم جيدا ان حكومتها هي التي نسفت خريطة الطريق التي تتبناها حكومته، وتواصل كل يوم مجازرها ضد شعب اعزل محاصر مجوع، مستخدمة طائرات امريكية الصنع في الاغارة علي مدنه ومخيماته وقراه، تقتل اطفاله، وتنسف بيوته وتحرق محاصيله، وتحتل اراضيه.
    كولن باول ذهب الي السودان من اجل رعاية اتفاق سلام، يضع حداً للنزيف الدموي، ويفرض رأي اقلية جنوبية علي اكثرية اسلامية، ولم يذهب الي هناك من أجل الحاق اهانات اكبر بالحكومة السودانية التي استسلمت بالكامل للضغوط الامريكية وقدمت كل التنازلات المطلوبة، وربما غير المطلوبة، في لحظة ضعف تاريخية، ووجود اقلية من السياسيين الانتهازيين في صفوفها، انقلبوا بسرعة البرق من جهاديين متشددين الي متأمركين لا هم لهم غير انقاذ انفسهم والابقاء علي مصالحهم ومناصبهم.
    انه الابتزاز الامريكي ـ الصهيوني في ابشع صوره واشكاله، ابتزاز يؤكد صحة ما قاله، وتمسك به، الدكتور مهاتير محمد، رئيس وزراء ماليزيا، حول سيطرة الاسرائيليين علي مقدرات العالم، وتوظيف القوة الامريكية العملاقة لاذلال العرب والمسلمين.
    فحركتا حماس و الجهاد لا تشكلان اي خطر علي الولايات المتحدة الامريكية ومصالحها في المنطقة، ولم تمارسا اي عمل عسكري خارج الاراضي الفلسطينية المحتلة، فلماذا يتحول وزير الخارجية الامريكي الي صائد الساحرات ويتبني المكارثية الجديدة هذه، التي تركز علي محاربة كل مقاومة عربية واسلامية مشروعة لتحرير اراض مغتصبة، والرد وبوسائل شبه بدائية علي العدوان المستمر علي شعب صغير اعزل؟!
    وزير الخارجية الامريكي لم يطالب باغلاق مكاتب منظمات صهيونية عنصرية حاقدة داخل بلاده، ولم يطالب باغلاق سفارة اسرائيل، وهي التي تنتهك القانون الدولي، وتقيم سورا عنصريا كريها يكرس العداء، ويثبت الطائفية الدينية، ويمنع التعايش.
    كنا نتوقع من كولن باول، الذي يملك جينات تحمل تراثاً ثقيلاً من الاضطهاد العنصري والمقاومة المشروعة لكل اشكال الظلم والقهر والتفرقة التي عاني منها اجداده علي يد المستوطنين البيض، كنا نتوقع منه ان ينحاز الي الفقراء المضطهدين المحاصرين في غزة والضفة الغربية، وان يكون رسولاً لهم، وصوتاً ناطقاً باسمهم، ومدفعية ثقيلة في وجه مضطهديهم، ولكنه للأسف لم يفعل ولن يفعل!
    كنا نتوقع من كولن باول وهو الأسمر الذي وصل الي منصبه هذا بسبب الديمقراطية والمساواة والعدالة والتعايش الاثني والديني والثقافي في اطار دولة القانون، كنا نتوقع منه ان يعارض العنصرية الدينية السائدة حالياً في الدولة العبرية، وان يطالب بوضع حد للاضطهاد العنصري للفلسطينيين، مسيحيين ومسلمين، علي ايدي دعاة الديمقراطية الوحيدة في المنطقة!
    كنا نريد من كولن باول ان يطالب اسرائيل بالشيء نفسه الذي يطالب به الحكومة السودانية حاليا، اي الغاء الهوية الدينية للدولة، وتكريس التعايش بين مختلف الديانات والثقافات، بين العرب والجنوبيين، بين المسيحيين والمسلمين، بين المتدينين وغير المتدينين، ولكنه لم يفعل، لأن الدولة العبرية فوق كل القيم والاعراف والقوانين الوضعية والالهية.
    الضغوط الامريكية هي فقط علي العرب والمسلمين، والدعم كل الدعم هو لمن يقف في المعسكر المقابل لهم، سواء في جنوب السودان، او الهند، او في الشرق الاوسط.
    فعندما يشترط باول اغلاق مكاتب حماس و الجهاد لرفع اسم السودان من قائمة الدول الراعية للارهاب، فان هذا هو ارخص انواع الابتزاز، لانه يكشف عن استكبار ما بعده استكبار، وخضوع امريكا بالكامل للنفوذ الاسرائيلي.
    فوزير الخارجية الامريكي يعلم جيداً ان مكاتب حماس و الجهاد في السودان وسورية ولبنان مجرد واجهات، لا تقوم بأي دور حقيقي. فالسودان ومنذ ابعاد الشيخ اسامة بن لادن زعيم تنظيم القاعدة، وتسليم كارلوس لفرنسا، دخل بيت الطاعة الامريكي، وتنصل من هويته الجهادية، وادار ظهره لتاريخه القصير جداً في محاربة الاستعمار الامريكي.
    كولن باول بمثل هذه المطالب التعجيزية يصغر نفسه، وحكومته، ويجعلها الأكثر كراهية في العالمين العربي والاسلامي، ويخلق البيئة الأنسب والأخصب لتحول هذه الكراهية الي ارهاب وعنف دمويين، يهددان استقرار العالم بأسره.
    فبسبب هذه السياسات الامريكية الغبية الحاقدة، قصيرة النظر، المتبنية بالكامل للارهاب الاسرائيلي، والمبررة له، تستعيد حركة طالبان قوتها وتعيد القاعدة تجميع صفوفها، وتتصاعد شراسة المقاومة الاسلامية والعربية في العراق، وتتحول معاداة الأمركة الي عقيدة جديدة تجتاح العالم بأسره، وتحل محل عقائد انقرضت مثل الشيوعية وغيرها.
     

مشاركة هذه الصفحة