الوحدة اليمنية وحرب 94 الدراسة كاملة

الكاتب : المريسي مهدي   المشاهدات : 2,971   الردود : 3    ‏2003-10-24
      مشاركة رقم : 1    ‏2003-10-24
  1. المريسي مهدي

    المريسي مهدي عضو فعّال

    التسجيل :
    ‏2003-06-11
    المشاركات:
    526
    الإعجاب :
    0
    بسم الله الرحمن الرحيم

    هذه هي الدراسة كاملة لقصة الوحدة وحرب 1994 يمكنكم خزنها ومن ثم مطالعتها وقت الحاجة ،واذ وجدتوا خطاء فربما حصل وقت النسخ لكم تحياتي .واليك طريقة حفظ الملف حسب (الانترنت اكسبلورر ) اولا تنقر على ملف وهو في الجهة العلياء اليمنى من المتصفح اذا كنت تستخدم النسخة العربية، واذا كان متصفحك بالانجليزي انقر على file في الجهة العلياء اليسرى من المتصفح ثم انقر على احفظ باسم او save as .وستضهر لك نافذة عنوانها save web page as وفي اسفلها ثلاث خانات الخانة الاولى هي اسم الملف File Name اذا اردت استخدامه هو فسيكون اسمه كالاتي :"المجلس اليمني الوحدة اليمنية وحرب 94 الدراسة كاملة ." في الخانة الثانية نوع الملف الذي تريد خزنه Save As Type وهنالك اربعة خيارات لك اما ان تخزنه على الاساس المفترض ،وهو Web Page,complete(htm,html) سيخزن الملف على شكل صفحة انترنت والجهاز سيخلق مجلدا لخزن الصور والترويسة واي ملفات ثانوية اخرى ، وهذه الطريقة تأخذ حجما كبيرا وتجزاء الملف وليست مستحبة .والافضل النقر على السهم المؤشر الى الاسفل ومن ثم اختيار شكل اخر والذي يريد حفظ الملف كما هو يمكنه اختيار هذا الشكل Web Archive,single file وهو يأخذ حجما اكبرا ولكن الملف يضل كما هو ومثلما تطالعه في المواقع .اما الشكل الثالث فيمسى Web Page ,HTML only هذا الشكل يحتفظ بصفحة الانترنت ولكنه يحذف الصور وبعض العناوين والتي هي صور ، وحجمه يكون متوسطا .اما الشكل الرابع والاخير فيسمى ملف نصوص Text File ويمكن اختياره وهو يحفظ الملف كنص مثلما تكتب في الدفتر او محرر النصوص .اما الخانة الاخيرة فهي عن اللغة دعها مثلما هي .!

    الوحدة اليمنية والحرب الأهلية (1994)
    مقدمة
    إن التاريخ القديم والحديث لدولة اليمن، غني بكثير من الأحداث التاريخية المهمة، التي تستحق أن نتوقف عندها، لنتأمل حقائقها بالدراسة العميقة المتأنية.

    وباستعراض التاريخ القديم لدولة اليمن قبل الإسلام، نجد أنه لم تكن هناك دولة موحدة، بل تعددت الممالك والدول، وحدثت صراعات دامية وحروب طاحنة بينهما. كما تعرضت لغزوات أتت من العراق، وبلاد فارس، وشرق أفريقيا، واليونان، والرومان، ومن داخل الجزيرة العربية نفسها. وقد أحدثت هذه الغزوات والحملات العسكرية، بالغ الأثر في الاقتصاد اليمني، واعاقت تطوره، وأدت إلى صراعات داخلية، بين فئات الشعب اليمني. وفي هذه الحقبة التاريخية، كانت هناك دول في الشمال، وأخرى في الجنوب، وكانت هناك محاولات لإقامة تحالفات شبيهه بالاتحاد، وكان هدفها، مطامع السيطرة على مناطق أخرى وتقاسمها، ولذلك انتهت هذه المحاولات بالفشل، بعد أن دبت الخلافات بين هذه الدول، على اقتسام الغنائم. ولذلك نجد أن كل الدول والحكومات التي حكمت اليمن، لا تزيد عن كونها سلطة مركزية، حكمت المناطق التي استطاعت إخضاعها، والسيطرة عليها بالقوة العسكرية المسلحة، وإن كانت ثمة طموحات دائمة لدى الأطراف اليمنية، في إيجاد سلطة مركزية واحدة تحكم البلاد وتوحدها، ولكن هذه الطموحات، كانت تواجهها الكثير من المصاعب، والخلافات القبلية، إضافة إلى تدخل عدد من العوامل الخارجية، التي عرقلت مسيرة التطور التاريخي للشعب اليمني نحو الوحدة، وأعاقته لفترة زمنية طويلة.

    ومن خلال تتبع التطور التاريخي للحياة السياسية، والاجتماعية، وواقع الأحداث، التي مرت بها اليمن، في عصر الخلافة الإسلامية، وأثناء الاحتلال العثماني في الشمال، والاستعمار البريطاني في الجنوب، لم تعرف اليمن نظام الدولة الموحدة، وإن كانت هناك محاولات جادة لتوحيد شطري اليمن، مرة بالسعي للوحدة عن طريق التحالفات بين التنظيمات القائمة، ومرات بالسعي لفرض الوحدة بالقوة المسلحة، خاصة في عهد "عامر بن عبد الوهاب"، وعهد الإمام "يحيى حميد الدين"، وغيرها من المحاولات، التي لم يكتب لها النجاح.

    وقد كانت الوحدة اليمنية هدفاً نبيلاً سعى الشطران لتحقيقه، وأصبحت الوحدة هاجس كافة أبناء الشعب اليمني في الشطرين. وعلى الرغم من صياغة دستور دولة الوحدة عام 1981، إلا أن ذلك لم يدفع إلى بلورة التكامل المنشود، نحو إيجاد صيغة اقتصادية وسياسية واجتماعية موحدة.

    ففي عام 1990، أُعْلِنَتْ الوحدة بين شطري اليمن، وكانت أشبه بالصفقة التجارية، حيث عقدت بين شخصين يمثلان حزبين، وصفها السياسيون بأنها ذروة الارتجال الفردي، حيث انفرد "علي سالم البيض" و"علي عبدالله صالح" باتخاذ قرار الوحدة، ولم تشارك الهيئات السياسية في اتخاذ القرار، بل لم يشارك فيه أي من الأحزاب، وإنما كان إجراء اتخذه زعيما الحزبين. وتفاعلت الأحداث من هذه النقطة، وهذا قلل من الشكل الدستوري، والشرعي، والقانوني للدولة الجديدة. كما كان له تأثيره في الصدى النفسي لدى الرأي العام، وبين أفراد الشعب اليمني. وخلال الفترة الانتقالية، برزت الكثير من المشاكل، التي ما لبثت أن تطورت إلى خلافات، وتدهور الوضع الاقتصادي، وانتشر الفساد الإداري، ثم جاءت الانتخابات وفاز الحزب الاشتراكي في الجنوب، بينما فاز حزبي المؤتمر الشعبي العام، والتجمع اليمني للإصلاح في الشمال، وثمة مقولة شهيرة في اليمن تقول: إن اليمن الجنوبية أرض بلا شعب، وإن اليمن الشّمالي شعب بلا أرض، وهنا حدث خلل في توازن الدولة، وبرز هذا الخلل في التعديل الدستوري، الذي أقره مجلس النواب في دولة الوحدة، في 5 أغسطس عام 1993. فالتعديلات الدستورية تجاوزت كل ما أتفق عليه، في اتفاق التنسيق نحو الدمج، الذي وقعه كل من: "على عبدالله صالح"، و "علي سالم البيض". وكانت الصفقة الجديدة، بين حزب المؤتمر الشعبي العام، وحزب التجمع اليمني للإصلاح، وهما حليفان دائمان بحكم النشأة والتكوين، الأمر الذي أدى إلى تفاقم الخلافات، وبدأت تتسم بطابع دموي.

    كان الجيش إحدى المؤسسات المهمة في دولة الوحدة، والتي لم يتم دمجها، وإنما اكتُفي بنشر عدد ثلاث فرق شمالية في الجنوب، ونشر عدد ثلاثة ألوية جنوبية في الشمال، واستطاعت الفرق الشمالية في الجنوب، أن تتحرك وتناور عندما بدأت الاشتباكات، نظراً لطبيعة المناطق التي تتمركز بها، بينما حوصرت الألويه الجنوبية في الشمال بين مناطق جبلية، وإقطاعيات قبلية، تصعب المناورة فيها، أو الوصول إليها، وإمدادها، وبالتالي قطعت طرق إمدادها بالمؤن والذخائر، وتركت لتواجه مصيرها المحتوم. ومع بدء القتال، دخلت الوحدة اليمنية منعطفاً حاداً وخطيراً، واشتعلت الحرب الأهلية، لتكون حرباً شاملة، براً وبحراً وجواً، ليعم الدمار الشطرين الشقيقين، وازدادت ضراوة الحرب بعد إعلان الشطر الجنوبي انفصاله، في يوم 21 مايو 1994، تحت اسم "جمهورية اليمن الديموقراطية". وزادت حدة القتال، وكثّف الشماليون من هجماتهم على المحاور المختلفة، تجاه عدن العاصمة السياسية لليمن الجنوبية، وتم حصارها. ولم تهدأ طبول الحرب، إلاّ بعد سقوط عدن، في 7 يوليه 1994، وتم إعادة فرض الوحدة مرة أخرى بين الشطرين الشقيقين بالقوة الجبرية، بعد أن تركت الحرب آثاراً اقتصادية مدمرة، تثقل كاهل البلاد. وقدرت الخسائر المادية بمليارات الدولارات، إضافة إلى الخسائر البشرية، والمعنوية، التي أوغلت في صدور الشعب اليمني.

    الباب الأول
    الوحدة اليمنية
    "إنجازها، وتداعياتها"
    عام:

    لعل قضية الوحدة وكيفية تحقيقها، وإنهاء حالة التشطير، والتجزئة، التي ورثها الشعب اليمني، من حكم الإمامة في الشمال، وحكم الاستعمار في الجنوب، كانت في مقدمة الهموم الوطنية للشعب اليمني في الشطرين.

    وإيماناً بأن قوة اليمن وعزته تتركز في وحدة شطري اليمن، جرت محاولات عديدة، بعد استقلال الشطر الجنوبي، لتوحيد شطري اليمن، لكن هذه المحاولات باءت بالفشل، لكثرة الانقلابات في شطري اليمن، وعدم الاستقرار السياسي بهما.

    ومهما تكن عوامل الالتقاء، التي تجمع بين الشطرين، أو الشعبين، في الشمال والجنوب، وتحتم ضرورة دمجهما في يمن واحد، فإن الواقع يقول، إن الأوضاع السياسية، والقبلية، المذهبية، التي سبقت استقلال كل منها، وطريقة حصولهما على الاستقلال، ثم ما أنجزه كل منها، منذ (ثورة 1962) في الشمال، واستقلال اليمن الجنوبي عام 1967، بعد كفاح مسلح استمر قرابة الخمسة أعوام، قد أوجدت اختلافات واسعة بين طبيعة النظامين، وتفاوت في درجة التطور الاقتصادي، والسياسي والاجتماعي في كليهما.

    ومن ثم، فإن المدخل الموضوعي لتقويم الوحدة اليمنية، وما تلاها من خلافات، تطورت إلى صراع مسلح، هو رصد أهم التطورات السياسية، والاجتماعية، والعسكرية، التي مرت بشطري اليمن، وإرتباطها بطبيعة البيئة الاجتماعية لشعب اليمن، وتفاعلاته السياسية مع الأحداث، خاصة تلك الأحداث، التي مهدت لقيام الوحدة بين الشطرين، وكذا الصراع السياسي والأيديولوجي، الذي سبق قيام دولة الوحدة، وما تلاها، والذي مهد للحرب الأهلية.

    الفصل الأول
    التطور السياسي والاجتماعي والعسكري في اليمن
    القسم الأول: التطور السياسي والاجتماعي والعسكري، في اليمن الشمالي
    1. الموقع الجغرافي

    أ .
    يقصد باليمن الشمالي، تلك المنطقة الواقعة في الجنوب الغربي لشبه الجزيرة العربية. وتبلغ مساحته 195 ألف كيلومتر مربع، وعدد سكانها حوالي ثلاثة عشرة ملايين نسمة، ويحده من الشمال المملكة العربية السعودية، ومن الجنوب والشرق اليمن الجنوبي، ومن الغرب البحر الأحمر، وطول الساحل الغربي، حتى باب المندب جنوباً، 450 كيلومتر.

    ب.
    واليمن الشمالي إحدى الدول، التي تقع على خط المواصلات البحري، لنقل النفط عبر البحر الأحمر، شمالاً إلى أوربا، عن طريق قناة السويس، أو جنوباً إلى آسيا وأستراليا وسواحل جنوب أفريقيا، عبر مضيق باب المندب. وقد حدثت عدة تطورات مهمة في منطقة الشرق الأوسط، نتيجة للحروب والأزمات، التي جرت في المنطقة، والتي تسببت، في إنشاء العديد من خطوط الأنابيب، لتغير من وضع خطوط المواصلات بالنسبة للمنابع الرئيسية لخطوط النفط في المنطقة، وبذلك أكتسب مضيق باب المندب أهمية أكبر.


    2. تطورات النظام السياسي

    عرف اليمن الشمالي النظام الملكي، منذ نشأة المملكة المتوكلية اليمنية، وحتى قيام انقلاب 26 سبتمبر 1962، وأُسْتُغِل الدين كأداة بيد القابضين على السلطة، لتبرير شرعية الهيمنة، وكوسيلة لتثبيت النظام الاقتصادي، والاجتماعي القائم، وهكذا فُسِّرت عدم طاعة الإمام، بأنها تعني معصية الله، وخروجاً على تعاليم الدين. فالإمام يحي، ومن بعده الإمام أحمد، حمل كل منهما لقب أمير المؤمنين، ليوهما الناس، أن سلطاتهما السياسية والدينية، تستمد أصولها من المبادئ القرآنية والتقاليد النبوية الشريفة.

    * وقد تطور النظام السياسي في اليمن الشمالي كالآتي:

    أ .
    نشأت المملكة المتوكلية اليمنية، بعد إنهاء الحرب العالمية الأولى عام 1918، كدولة مستقلة معترف بها دولياً، بزعامة الإمام يحيى محمد المنصور حميد الدين، الذي نجح في توحيدها، بمساندة القوى الشيعية الزيدية. وفي 23 يوليه 1923، وبموجب معاهدة لوزان أعترف العثمانيون باستقلالها، كما اعترفت بها عصبة الأمم المتحدة.

    ب.
    اشتد الصراع بين اليمن وبريطانيا، بسبب عدم اعتراف اليمن بالحماية البريطانية على اليمن الجنوبي، إلى أن أبرمت معاهدة 1353 هـ"1934م"، التي بموجبها اعترفت بريطانيا باستقلال اليمن في حدودها الشمالية، "التي كانت قائمة قبل وحدة الشطرين"، وذلك في مقابل تنازل الإمام يحيى عن عدن، لبريطانيا.

    جـ.
    تميزت فترة حكم الإمام يحيى، بالصراع على السلطة، والعنف، والعزلة التي فرضها على البلاد، حتى اغتيل عام 1948. فتولى الحكم الإمام أحمد حميد الدين، وواجهته مشكلة الحدود مع اليمن الجنوبية، وطالب باليمن الجنوبي من بريطانيا، وأجرى بشأنها عدة مفاوضات، ولكنها لم تنته إلى شيء. وفي شهر أبريل 1956، عُقدت اتفاقية الدفاع المشترك "اتفاقية جدة" بين مصر،والمملكة العربية السعودية، والمملكة المتوكلية اليمنية.

    وفي شهر فبراير عام 1958، انضمت المملكة المتوكلية اليمنية، إلى دولة الوحدة بين مصر وسورية. وعلى الرغم من التناقض الكلي بين الدول الثلاث، فقد اعتبر جمال عبدالناصر، دخول اليمن بمثابة انتصار لشعار الوحدة العربية، وخطوة أولية نحو إجراء تغييرات أساسية، في طبيعة نظام الحكم القائم في اليمن. أما الإمام أحمد، فقد كانت نيته من الاتحاد، تهدف إلى تخفيف حدة النقمة الشعبية ضد حكمه، والحد من نشاط المعارضة اليمنية، والحصول على الدعم المادي والمعنوي، في صراعه ضد بريطانيا على اليمن الجنوبي.
    وبعد انسحاب سورية من دولة الوحدة، كتب الإمام أحمد قصيدة، انتقد فيها النظام الاشتراكي، وإجراءات التأميم في مصر، معتبراً أنها ضد مبادئ الدين الإسلامي، وتعاليمه، الأمر الذي جعل عبد الناصر يعلن إنهاء عضوية اليمن في اتحاد الدول العربية في 16 ديسمبر 1961م.

    د.
    في عام 1959، تمرد شيوخ قبائل حاشد، على الإمام أحمد، الذي كان في زيارة إلى إيطاليا، فعاد إلى اليمن، وأخمد التمرد، الذي أصيب فيه الملك بجراح.

    هـ.
    في 19 سبتمبر 1962، توفي الإمام أحمد، وخلفه في الإمامة ابنه محمد البدر، الذي لم يدم حكمه سوى ثمانية أيام، حيث قامت مجموعة من الضباط، بقيادة العقيد عبدالله السّلال، بانقلاب عسكري، في 26 سبتمبر 1962، نجح في الإطاحة بالإمام البدر، الذي هرب من العاصمة صنعاء. وأُعلن النّظام الجمهوري، كما أعلنت مبادئ وأهداف الثورة. وانتُخب المشير عبدالله السلال رئيساً لمجلس قيادة الثورة، ورئيساً للجمهورية اليمنية.

    و.
    وعلى أثر ذلك تفجّرت الأحداث، وأدت إلى اندلاع حرب أهلية، بين النظام الملكي، الذي تؤيده وتدعمه المملكة العربية السعودية، وبين النظام الجمهوري، المؤيد والمدّعم من جمهورية مصر العربية. واستمر هذا الصراع حتى انسحاب القوات المصرية من اليمن عام 1967، بناء على اتفاق قمة الخرطوم.

    ز.
    وفي 5 نوفمبر عام 1967، حدث انقلاب بقيادة كبار الضباط، وزعماء القبائل والمعارضة، وبتعاون عناصر تنتمي إلى حزب البعث العربي الاشتراكي. وأُقصي السلال، الذي لجأ إلى بغداد، وتولى السلطة مجلس رئاسي من ثلاثة شخصيات، برئاسة القاضي عبدالرحمن الإيرياني. وعُيّن الشيخ الأحمر، شيخ مشايخ حاشد، رئيساً لمجلس الشورى، وهو مجلس برلماني بالتعيين، واستمر القتال مع الملكيين في اليمن، حتى عام 1969م.

    ح.
    في عام 1970، تم اتفاق مصالحة بين الجمهوريين والملكيين، دخلت بمقتضاه شخصيات ملكية في الحكومة والبرلمان، وشُكل المجلس الجمهوري من الطائفتين "الزيدية والشافعية". وتقرر منح الشّوافع منصب نائب رئيس الجمهورية، أو رئاسة مجلس الوزراء، وأن يكون الرئيس منتمياً إلى الطائفة الشيعية الزيدية. وفي (آذار) مارس 1970، اعترفت المملكة العربية السعودية، بالنظام اليمني الجمهوري. وفي 28 ديسمبر 1970، صدر دستور الجمهورية العربية اليمنية.

    ط.
    في 13 يونيه عام 1974، حدث انقلاب عسكري قام به المقدم إبراهيم الحمدي، ضد عبدالرحمن الإيرياني، وتولى على أثره الحمدي السلطة.

    ي.
    في أكتوبر 1977، اغتيل الحمدي، وتولى العقيد أحمد حسين الغشمي السلطة، وهو من رؤساء قبيلة همدان.

    ك.
    في يونيه عام 1978، اغتيل الغشمي نتيجة انفجار حقيبة ملغومة، وتولى العقيد علي عبدالله صالح الحكم، وأصبح رئيساً للجمهورية. وينتمي الرئيس علي عبدالله صالح إلى قبيلة سنحان، وهي إحدى قبائل حاشد. وفي عام 1981، حدثت محاولة انقلاب فاشلة ضده.


    3. التطور الاجتماعي، وأثره على أنظمة الحكم في اليمن الشمالي

    حفل تاريخ اليمن بالأحداث تبعاً لدور القبائل. فالقبيلة في كثير من المجتمعات، وتعد ظاهرة تاريخية تجاوزها الزمن، ولكنها لا تزال في المجتمع اليمني، من الظواهر الحية والمؤثرة في الحياة الاجتماعية. وقد عجز الشطر الشمالي عن التخلص من القبيلة، التي تعوق عمليات التحديث والتطوير. ولا تزال كل قبيلة، تتمتع بسيادتها، وتملك أراضيها، وأسواقها الخاصة. وقد لعبت القبائل الرئيسية في اليمن دوراً رئيسياً، في تزايد حدة الصراع بين الشطرين.

    * وبالنظر إلى المجتمع اليمني، نستخلص الآتي:

    أ. التقسيم الطائفي في الحياة الاجتماعية

    على الرغم من أن الأغلبية السّاحقة من اليمنيين مسلمون، إلا أنهم ينقسمون مذهبياً إلى طائفتين على قدم المساواة تقريباً، وهما الطائفة الشّيعية، والطائفة الشّافعية. وهذا الانشقاق الطائفي في مجتمع اليمن الشمالي، ازدادت فجوته عن طريق العوامل الجغرافية والاقتصادية، التي أدت إلى اختلافات اجتماعية وسياسية أزلية بين الطائفتين، وكان لها انعكاساتها، على الصراعات التي شهدتها المنطقة:

    (1) الطائفة الشيعية الزّيدية:

    (أ)
    ظهر المذهب الشيعي الزيدي في اليمن، في عام 898 م، على يد يحيى بن الحسين بن القاسم، الملقب بالرسي، الذي جاء إلى اليمن واستقر في صعدة، وأُخذت له البيعة، ولقب بالإمام الهادي إلى الحق. والمذهب الزيدي هو مذهب الإمام زيد بن علي زين العابدين بن الحسين بن علي بن أبي طالب، والزيدية فرقة شيعية كبيرة، وأتباعها في اليمن كثيرون. وكان يحيى بن الحسين، أول إمام زيدي حكم اليمن. ومعظم الأئمة في اليمن، هم من أولاده وأحفاده، وعددهم تسعة وخمسون إماماً.

    استطاع الأئمة الزّيود تعميم المذهب الشيعي، على معظم أنحاء اليمن الشّمالي، مستغلين نفوذهم الديني، والمالي والاجتماعي. ويمكن القول، إن دولة الأئمة ظلت راسخة الأقدام في المنطقة الشمالية من اليمن، منذ قيام الهادي في صعده، حتى ثورة 26 سبتمبر عام 1962م. أما المناطق الأخرى، في جنوب اليمن الشّمالي، وفي اليمن الجنوبي وحضرموت، فقد ظلت موصدة أمام نفوذ الأئمة، على الرغم مما بذلوه من جهد وطاقة، في سبيل سياستهم التّوسعية، إلا في بعض السنوات القلائل، التي استطاعوا الوصول فيها إلى هذه المناطق.

    (ب)
    تمثل الطائفة الشيعية ما بين 50% ـ 54%، من سكان اليمن الشمالي، الذين يُقدر تعدادهم بنحو 13 مليون نسمة. ويسكنون المناطق الجبلية المرتفعة، شمالي اليمن، وفي سهل تهامة، وكذا في بعض المناطق الصحراوية الشرقية في الجوف. وجميع هذه المناطق فقيرة اقتصادياً، على خلاف الصورة في المنطقة الجنوبية، الممتدة من صنعاء إلى منطقة الحدود مع اليمن الجنوبي، والتي يقطنها الشّوافع. فهذه المناطق، تنزل عليها كميات وفيرة من الأمطار الموسمية، ومن ثم، تتمتع بوفرة في الإنتاج الزراعي.

    ويستأثر الشّيعة الزيود، بالمناصب الرئيسية في الدوله، وقد اقتصرت الإمامة عليهم، وكان الأئمة يعتمدون عليهم، في مد حكمهم إلى الأماكن الأكثر إنتاجاً، في الغرب والجنوب، وذلك على حساب قبائل أهل السنة من الشّوافع. وقد حاول الأئمة، التحكم المباشر في قبائل الشيعة الزيدية، ولكنهم فشلوا، وفي النهاية اضطر الأئمة إلى استخدام أسلوب الإقناع، مستغلين كيانهم الديني ومنزلتهم الرفيعة، كي يستطيعوا حشد القبائل، ومشاركتهم، في الحملات العسكرية. وكانوا يهرعون إلى تلبية نداء الحرب المقدسة، ضد غير الزيديين. وبعد الإطاحة بالإمام محمد البدر عام 1962، تحرك الزيديون بسرعة، لاحتكار النفوذ في الحكومة، والجيش، في الجمهورية الوليدة، وحرمان الشّافعية من المناصب الرئيسية.


    (2) الطائفة السّنية الشّافعية:

    يتبعون مذهب الإمام الشّافعي، وهو مذهب شرعي للسنة النبوية الشريفة، وتتساوى طائفتهم في العدد تقريباً مع الزيود. وتقيم هذه الطائفة في الجنوب "محافظات أب، وتعز، والحديدة، سهل تهامة، والسواحل الجنوبية"، وهذه المناطق غنية، وأفضل اقتصادياً، ولهذا السبب كانت المناطق الشّافعية، أهدافاً مغرية للنفوذ الأجنبي، كما كان الشّوافع يتعرضون للاضطهاد من قبل الأئمة، الذين حطموا نفوذهم، وألزموا عدداً منهم، التحول إلى المذهب الشيعي الزيدي، وفرضوا ضرائب باهظة عليهم، وعينوا المسؤولين الحكوميين في المناطق الشّافعية من الزيديين. وقد انحصر الشوافع، في الطبقة المتوسطة "التجار والمثقفين"، وكان ذلك يعني ، بالطبع، تعارضهم الفكري مع نظام الإمامة، ويفسر تأييدهم المطلق للثورة، ومشاركتهم فيها منذ البداية. ومن هنا تولدت المقاومة لحكم الأئمة، وكانت مركزة في المناطق الشافعية، التي تكونت فيها مجموعات تؤمن بأفكار حديثة، تؤيد وجود حكومة دستورية، ومؤسسات نيابية. وانضم لهؤلاء الشّوافع، بعض الشيعة الزّيود الذين اعترضوا على الحكم المطلق للأئمة. وعلى الرغم من ذلك، ظل الشوافع محرومين من المناصب الرئيسية، حتى بعد قيام الثورة اليمنية، وحتى عام 1970. وبعد عام 1975، مُنح منصب رئيس الوزراء للشّوافع، وشغله عبدالعزيز عبدالغني من عام 1975 إلى عام 1980. وظل منصب الرئاسة حكراً على الزيديين، حتى بعد الوحدة مع اليمن الجنوبي.

    ب. التقسيم القبلي وتأثيره في الحياة الاجتماعية:

    (1)
    يشكل التكتل القبلي، أهم العوامل البشرية، المؤثرة في توزيع السكان باليمن الشمالي، فالقبلية هي الوحدة الأساسية للمجتمع اليمني، خارج المدن، والنظام القبلي هو الدعامة الأساسية، التي يرتكز عليها ذلك المجتمع، إذ تمثل القبائل ما يقرب من 80% من تعداد السكان. وتقدر بعض المصادر، عدد القبائل التي تقطن الهضبة الوسطى، بـ 141 قبيلة، وتلك التي تقطن سهل تهامة بـ 27 قبيلة، كما تقدر كبريات هذه القبائل بعشرين قبيلة، أهمها حاشد وبكيل والزرانيق.

    وبإستثناء القبائل، التي تعيش في الهضبة الشرقية، حيث تحيا حياة البداوة والتنقل، فإن بقية قبائل اليمن، تحيا حياة استقرار، لارتباطها بالزراعة وتربية الماشية، في ظل نظمها الخاصة، بعيدة عن سلطة الحكومة المركزية. وقد ساعد اعتماد نظام الحكم على القبائل كقوة عسكرية، في استمرار النظام القبلي، وصعوبة التخلص منه.

    (2)
    وتعد قبيلتا حاشد، وبكيل، أكبر قبيلتين في اليمن الشمالي، بل هما أكبر اتحادين للقبائل الشيعية في الجزيرة العربية، وربما في الوطن العربي. وتشير بعض المصادر، إلى أن منطقة قبائل حاشد، تمتد من عمران إلى صعده شمالاً، والجوف شرقاً، بينما تمتد منطقة بكيل شمال منطقة حاشد وشرقها، من وادي مور غرباً، إلى الجوف شرقاً.

    وقد أصبحت قبيلتا حاشد، وبكيل حصناً للحكام الزيديين، ويشار إليهما في التاريخ الشيعي على أنهما أجنحة الأئمة. وبينما تُعد قبيلة حاشد متساوية عدداً، مع قبيلة بكيل، إلاّ أن الأولى، أكثر تماسكاً، فيما يختص بالسياسات القبلية، ويرجع ذلك، إلى كونها تتضمن عدداً أقل من القبائل، كما يعزى تضامنها، إلى قوة شيخ مشايخها، الذي نجح في تنظيم قبائلها. وقد أعدم الإمام أحمد، أحد مشايخ قبيلة حاشد عام 1959.

    وقد كان لموقف قبيلتي حاشد وبكيل، المؤيد للثورة اليمنية، والموالي للجمهورية، الأثر الكبير في مدّ انتشار القوات الجمهورية، إلى المناطق، التي تقطنها تلك القبائل "المنطقة الوسطى والشمالية والجوف"،وذلك خلال فترة الصراع بين الجمهوريين والملكيين. كما لعبت القبيلتان، دوراً رئيسياً في تزايد حدة الصراع بين شطري اليمن، وكان لنشاطهما أثر كبير أثناء إدارة أعمال القتال، بعد اندلاع الحرب الأهلية.

    وقد تولى الشيخ عبدالله الأحمر، شيخ مشايخ قبائل حاشد، رئاسة مجلس النواب، عقب أول انتخابات بعد الوحدة. كما أن وجود القبائل القوية في اليمن الشمالي، وعدم وجودها في اليمن الجنوبي، عامل له أهمية كبرى في الصراع، لأن تعداد القبائل الشيعية في الشمال ضعف تعداد القبائل الشافعية في الجنوب. وقد شكّلت هذه الانقسامات القبلية المتداخلة، بين الشعب اليمني، قضية اجتماعية وأمنية معقدة.


    4. تطور القوات المسلحة، وتأثيرها على الحياة السياسية في اليمن الشمالي

    أ. الجيش في عهد الأئمة:

    يرجع بدء تكوين الجيش اليمني، إلى ما بعد الحرب العالمية الأولى، حين رأى الإمام يحيى بن المنصور حميد الدين، ضرورة تكوين جيش نظامي، يسمح له بمد سلطانه إلى كل البلاد، بعد هزيمة الجيش التركي وخروجه من اليمن. ولمّا كان الوالي التركي قد قرر تسليم أسلحة قواته إلى الإمام، فقد وجدها الإمام فرصة طيبة، لتكوين ذلك الجيش، حتى يمكنه قمع ثورات القبائل المتمردة، من ناحية، وجمع الضرائب والزكاة، من ناحية أخرى.

    ولتكوين هذا الجيش، استعان الإمام يحيى ببعض الخبراء الأتراك، وأوكل إليهم مهمة تنظيم الوحدات العسكرية، وفرض التجنيد الإجباري، بناء على تجاربهم، ووفق نظامهم العسكري، فبدأ في عام 1919، بتشكيل الجيش، وتأسست كلية عسكرية، لإعداد الضباط اليمنيين، إلاّ أن ذلك الجيش، تعرض لهزيمتين في الثلاثينيات، الأولى من القوات السعودية في الشّمال، والثانية من القوات البريطانية في الجنوب، فأستبدل الإمام الخبراء الأتراك، بخبراء سوريين، أوصوا بتسريح تلك القوات، التي تفشت فيها الفوضى والرشوة، وتكوين جيش جديد، من أبناء القبائل، الذين لم يسبق لهم الخدمة العسكرية. وقد اقتنع الإمام يحيى بفكرة إنشاء جيش جديد، إلاّ أنه لم يوافق على تسريح الجيش القديم، الذي بقى إلى جانب القوات الجديدة، التي سميت بالجيش الدفاعي، "أو ميليشيات الإمام".

    ولم يكتف الإمام بهذين الجيشين، فشكل جيشاً ثالثاً، من أبناء القبائل المتطّوعين، الذين لا يرغبون في الخدمة العسكرية المستمرة في الجيش، وأطلق عليه "الجيش البراني". وكان يشترط على أفراد هذا الجيش، شراء أسلحتهم وذخيرتهم، وكان هذا الجيش، أكثر ولاءً للإمام، وأشد بطشاً بالمواطنين. وعلى الرغم من تكوين هذه الجيوش الثلاثة، فقد ظل تدريبها، وكافة شؤونها، في غاية التواضع، فضلاً عن افتقارها إلى الأسلحة الحديثة. وكان الإمام هو القائد الأعلى للقوات اليمنية، فضلاً عن كونه وزيراً للدفاع. كما وافق الإمام على إرسال بعثات عسكرية إلى الخارج، في دورات تدريبية، شملت مصر والعراق والاتحاد السوفيتي، وكان طبيعياً، أن يتصرف هؤلاء الضباط، ويحتكوا بالأفكار العصرية والتقدمية، التي لم يعرفوها في اليمن، مما شكل صدمة كبيرة لهم، مقارنة بأحوال اليمن، الذي لا يزال في ظلمات القرون الوسطى.

    وعلى الرغم من ضعف الجيش عدداً وعدة، فإنه ظهر على المسرح السياسي أكثر من مرة في المواقف الآتية:

    (1)
    أسهم بعض الضباط في انقلاب عام 1948، ولعب الجيش دوراً ريادياً بجانب زعماء حركة المعارضة اليمنية، على الرغم من فشل الانقلاب.

    (2)
    شارك عدد من الضباط، بقيادة المقدم أحمد الثلايا، في انقلاب عام 1955 الفاشل.

    (3)
    ظهر دور الضباط الأحرار، عند محاولة القضاء على الإمام أحمد في الحديدة، عام 1962.

    (4)
    شارك العقيدان عبدالله السلال، وحسن العمري، في ثورة 26 سبتمبر عام 1962، التي لاقت ترحيباً جماهيرياً واسعاً، وأسقطت النظام الإمامي، وأعلنت قيام الجمهورية، ودخل اليمن الشمالي مرحلة جديدة منذ ذلك التاريخ.


    ب. الجيش في العهد الجمهوري:

    تُوّج نضال الشعب اليمني وحركاته الوطنية، باندلاع ثورة السادس والعشرين من سبتمبر، عام 1962، تحت قيادة تنظيم الضباط الأحرار. وقد كانت إحدى المهام المباشرة للنظام الجديد، بناء جيش وطني قوي، لحماية البلاد، والدفاع عن مكاسب الثورة، لذلك سارعت الجماهير للانخراط في صفوف الجيش، من أجل الدفاع عن الثورة.

    أُسند منصبا رئيس الجمهورية، القائد العام للقوات المسلحة، إلى المشير "عبدالله السلال"، وتولى كبار الضباط، مثل الجائفي، والعمري، والخولاني، وغيرهم، مناصب مهمة في المجلس التنفيذي، وبقية المؤسسات.

    وظهر الجيش مرة أخرى، على المسرح السياسي عام 1968، عندما حدثت المواجهة، بين صغار الضباط في الجيش، من جهة، وكانوا يدعمون النظام الجمهوري، وكبار الضباط والشيوخ، المنادين بضرورة عودة أصدقائهم الملكيين، ومشاركتهم السلطة، من جهة أخرى. وقد تمكن التحالف الأخير، نتيجة للأخطاء ، التي ارتكبتها عناصر الكفاح الوطني، من صغار الضباط "بعث ـ قوميين ـ عرب ـ ماركسيين ـ ناصريين". من استبعاد صغار الضباط، وتصفية أنصارهم وقصف مقر الاتحاد العام لعمال اليمن، وسرح الوطنيون من مناصبهم، وبدأت طوابير من الملكيين، تصل صنعاء، وتسلموا مناصب في قمة السلطة، وتم استبعاد الفريق حسن العمري من الجيش، ومن المناصب الأخرى، وتم تعيين المقدم محمد الإيرياني بدلاً منه عام 1971. وكانت قيادة الجيش الفعلية بيد المقدم إبراهيم الحمدي، الذي قاد انقلاباً في 13 يونيه 1974، وسيطر على مقاليد الحكم، ولكنه اغتيل عام 1977، وتولى السلطة المقدم أحمد حسن الغشمي، الذي قتل أيضاً نتيجة انفجار حقيبة ملغومة، وانتخب بعده علي عبدالله صالح، الرئيس الحالي.


    القسم الثاني: التطور السياسي والاجتماعي والعسكري في اليمن الجنوبي.
    1. الموقع الجغرافي

    أ.
    اليمن الجنوبي هو المنطقة الواقعة، جنوب غرب الجزيرة العربية، وتشمل أراضي حضرموت، والمهرة المتاخمة لسلطنة عُمَان شرقاً، حتى باب المندب غرباً، وتتكون من ست محافظات، هي، عدن، ولحج، وأبين، وشبوه، وحضرموت، والمهره. ومساحتها حوالي 333 ألف كيلومتر مربع، وعدد سكانها ثلاثة ملايين نسمة، ويحدها من الشمال المملكة العربية السعودية واليمن الشمالي، ومن الغرب مضيق باب المندب، ومن الجنوب خليج عدن وبحر العرب، ومن الشرق سلطنة عُمان، ويتبع اليمن الجنوبي عدد من الجزر، أهمها جزيرة سوقطرى، وهي أكبر الجزر اليمنية، وتقع على مسافة 510 كيلومتر من الساحل اليمني في البحر العربي، وتبلغ مساحتها 650 كم2.

    ب.
    إن الأهمية الجيوبوليتيكية لليمن الجنوبي، جلبت المتاعب والحروب لسكان اليمن، منذ فترات ما قبل التاريخ. وقد اجتمعت العوامل الجغرافية، والتاريخية، لتقسيم اليمن الجنوبي إلى ثلاث مناطق، من الناحية الاقتصادية، والاجتماعية، وهي:

    (1)
    حضرموت "منطقة زراعية".

    (2)
    منطقة المرتفعات.

    (3)
    العاصمة عدن "من أهم الموانئ نظراً لموقعها الإستراتيجي، الذي يتحكم في طرق المواصلات البحرية للعالم". وفي أثناء الاحتلال اتخذت بريطانيا منها مركزاً تجارياً وعسكرياً، وغدت قاعد بريطانية عسكرية مهمة، منذ عام 1839م. وفي عام 1936، ألحقت عدن بإدارة المستعمرات في لندن، بعد أن كانت تابعة، لإدارة الهند.




    2. تطور حركات التحرير في اليمن الجنوبي

    تطور حركات التحرير قبل جلاء البريطانيين، عن جنوب اليمن:

    أ.
    احتلت القوات البريطانية جزيرة بريم عام 1214هـ، 1799م. وفي عام 1255هـ/1839م احتلت هذه القوات مدينة عدن، بعد مقاومة محلية عنيفة. وأخذت بريطانيا توسّع حدود منطقة استعمارها بشكل تدريجي

    ب.
    في عام 1378هـ /1958م، وبدعم من بريطانيا ومؤازرتها، انضمت ست سلطنات في اتحاد فيما بينها، ثم تتابع انضمام السلطنات والمشيخات والإمارات، وأخيراً انضمت إليه مستعمرة عدن عام 1382هـ/1962م، وسمّي التكوين السياسي الاتحادي، باسم "اتحاد الجنوب العربي".

    جـ.
    تشكلت في نهاية الأربعينيات وبداية الخمسينيات، بعض الأحزاب والمنظمات المناهضة للاستعمار البريطاني، بدءًا من الجمعية الإسلامية، وإنتهاء بحزب الشعب الاشتراكي، "حوالي 8 أحزاب ومنظمات"، وقد فشلت هذه المنظمات في تحقيق برامجها وأهدافها، إلا أن الجامع المشترك لكل هذه المنظمات، هو الإيمان بالكفاح المسلّح، ضد الاستعمار البريطاني.

    د.
    كانت مختلف الظروف الخارجية، والداخلية، تدفع حركة التحرر الوطني اليمنية، نحو إنشاء تنظيم سياسي، يقود النضال التحرري الوطني، ضد الاستعمار البريطاني، فبعد أن فشلت جميع المبادرات السّلمية، الهادفة إلى تحقيق الجلاء المنشود، سعى المناضلون، إلى تكوين تنظيم سياسي، يقود نضال الجماهير، من أجل تحرير البلاد، وكان هذا التنظيم هو جبهة التحرير القومية، بقيادة قحطان الشعبي، التي تأسست بعد مفاوضات طويلة، في صنعاء عام 1963، بين العديد من التيارات السياسية الوطنية. وعُقد مؤتمرها الأول في صنعاء في مايو 1963، وسمي بالمؤتمر الشعبي العام، وقد حددت إحدى وثائق التنظيم، للوصول إلى الغاية المنشودة، أن تعمل الجبهة على:

    (1)
    وحدة العقيدة والرأي.

    (2)
    توفير تنظيم سليم، يحقق وحدة العمل، ويوفر للحركة الثورية، قاعدة شعبية مرتبطة، يسهل تعبئتها، وتحريكها.

    (3)
    الإيمان بالعمل العلمي المخطط، والمدروس، الذي يتفاعل مع الواقع، ويقود إلى الغايات، والأهداف.

    وقد شمل نشاط جبهة التحرير القومية، كل مناطق اليمن الجنوبي، كما أصبحت تمثل القطاع الأعظم من الجماهير، وحققت نجاحات عسكرية، والتفت حولها الجماهير، وفي 14 أكتوبر 1963، انطلقت الثورة المسلحة، من جبال ردفان والضالع، المتاخمة للحدود مع الشمال، ضد الوجود البريطاني في الجنوب.


    هـ.
    وفي شهر يناير 1966، قامت قوى الكفاح المسّلح، بتكوين منظمة جديدة، منافسة للجبهة القومية. فشُكلت جبهة تحرير الجنوب اليمني المحتل، بقيادة عبدالقوي مكاوي، وتألفت من حزب الشعب الاشتراكي، ورابطة الجنوب العربي، وهيئة تحرير الجنوب، وقد كانت للجبهة في إحدى المراحل معسكرات للتدريب قرب تعز، واحتضنت الأنظمة العربية هذه المنظمة الجديدة، وقدمت لها كل العون العسكري، والمادي، والإعلامي.

    و.
    ما لبثت قوات التحرير أن خاضت هجوماً مكثفاً، على كل مراكز الجبهة القومية، واحتدم الصراع بين الجبهتين، وراح ضحيته الكثير من المناضلين من الطرفين، واستمر القتال حتى أول أغسطس 1966، ووجهت الجامعة العربية، وإذاعة القاهرة نداءاتها لوقف القتال، ودعتهما إلى الدخول في مفاوضات. فوقعت اتفاقية الإسكندرية، حول توحيد الجبهتين في جبهة موحدة، وتلي ذلك خلافات داخلية واسعة، استمرت حتى 14 أكتوبر 1966، ثم اندلع القتال فجأة بين الجبهتين، وكانت النتيجة لصالح جبهة التحرير القومية، بقيادة قحطان الشعبي، وانطلاقاً من ذلك، اعترفت بريطانيا رسمياً بها، ودعتها لإجراء مفاوضات، في جنيف، ابتداء من 20 نوفمبر 1967، وتحقق الاستقلال في 30 نوفمبر 1967، بعد رحيل القوات البريطانية، وأُعلن عن قيام جمهورية اليمن الديموقراطية الشعبية، جمهورية عربية مستقلة.


    3. الوضع السياسي في العهد الجمهوري

    أ.
    انتزعت جماهير الشعب اليمني، تحت قيادة الجبهة القومية، الاستقلال السياسي، بعد رحلة نضال مسلح، دامت أكثر من أربع سنوات. وبوصول الجبهة إلى السلطة، في 30 نوفمبر 1967، استطاعت فرض سيطرتها وبدأت مرحلة الإصلاح والتحرر الاقتصادي، والاجتماعي. وظهر خلاف جديد بين جناح اليمين وسياسته الإصلاحية، وجناح الأغلبية أو اليسار. وقد أدى هذا الخلاف إلى عقد المؤتمر العام الرابع، في الفترة من 8 إلى 12 مارس 1968، وانتهي المؤتمر بتبني أُطروحات اليسار.

    وبعد المؤتمر، حدث صراع جديد، بين الأجنحة، وفي 20 مارس قام الجيش بقيادة قحطان الشعبي بانقلاب عسكري، سيطر على الإذاعة ونزلت قواتهم في الشوارع، وقاموا بحملة اعتقالات في أوساط الجبهة القومية، وعناصر وطنية أخرى، واستطاع هذا الجناح السيطرة على السلطة، حتى يونيه 1969.

    ب.
    وفي 22 يونيه عام 1969، استطاع يسار الجبهة القومية، بدعم من الجماهير الشعبية، وجيش التحرير الشعبي، والفدائيين، الوصول إلى السلطة، ووضع قحطان الشعبي تحت الإقامة الجبرية، وتولى السلطة سالم رُبَيّع علي، وتولى رئاسة الوزراء محمد علي هيثم، ثم علي ناصر محمد، الذي كان يشغل منصب وزير الدفاع أيضاً. وبدأت حركة إصلاحات سياسية، واجتماعية، واقتصادية جديدة، وتم وضع الدستور، وتشكيل مجلس الشعب. وفي 2 يونيه 1972، انعقد المؤتمر الخامس للحزب بعد أن عمق مفهوم الاشتراكية والديموقراطية، وأصبحت بذلك الماركسية اللينينية، أيديولوجية ليسار الجبهة القومية، والحزب الاشتراكي فيما بعد.

    جـ.
    وفي 26 يونيه عام 1978، قامت حركة انقلابية، ضد الرئيس سالم ربيع وجماعته، وتركزت السلطة، في يد عبدالفتاح إسماعيل، الأمين العام للجبهة القومية، رئيساً للدولة الجديدة، وتولى علي ناصر محمد رئاسة الحكومة. وفي 14 أكتوبر من العام نفسه، عقد المؤتمر الأول في العهد الاشتراكي الجديد، الذي انتهى بإعلان تأسيس الحزب الاشتراكي، كما عدل الدستور في 31 أكتوبر من العام نفسه، وقام النظام الجديد بتقديم الدعم العسكري لإثيوبيا في حربها ضد الصومال، في إقليم أوجادين.

    د.
    وفي عام 1980، جرت خلافات حزبية انتهت بإبعاد عبدالفتاح إسماعيل، إلى موسكو، وتولى الرئاسة علي ناصر محمد، الذي وقّع اتفاقية تعاون مع ليبيا واثيوبيا، في العام نفسه، وفي عام 1982، وقّعت اتفاقية حدودية مع سلطنة عُمان، لتنهي بذلك 15 عاماً من القطيعة، بين الدولتين.

    إلاّ أن الأمور في اليمن الجنوبي ظلت مضطربة، مما أثر على الوضع الاقتصادي في البلاد، واتفق المتشددون، على إحضار عبدالفتاح إسماعيل من موسكو. وفي فبراير عام 1985، نجحوا في إعادته من المنفى، بعد عزل علي ناصر محمد، وفي يناير عام 1986م، حدث صراع بين فريق إسماعيل، وفريق علي ناصر، أدى إلى حرب أهلية، انتصرت فيها قوات إسماعيل، وقاست عدن من دمار شديد، وقتل حوالي عشرة آلاف مدني، وتم إجلاء (4500) أجنبي، وهرب علي ناصر إلى إثيوبيا، ثم استقر في سورية فيما بعد. وفي العام نفسه جرت تصفيات دموية، في صراع على الحكم في عدن، قُتل فيها عبدالفتاح إسماعيل، ونجح على أثر ذلك علي سالم البيض، ومجموعته أبو بكر العطاس، وسالم صالح محمد، في تولي مقاليد الحكم في عدن.


    4. التطور الاجتماعي وتأثيره على نظام الحكم

    أ.
    لم يكن للطائفية وجود في المجتمع اليمني الجنوبي، نظراً لأن جميع من به، شافعيون من أهل السنة. وكانو على خصومة دائمة مع الأئمة الشيعيين، في اليمن الشمالي. أما تطوره اجتماعياً، فقد كان مختلفاً كذلك، ويرجع الاختلاف إلى خبرة الجنوبيين، التي أمضت 180 عاماً مع الاستعمار البريطاني، مما أدى إلى تكوين منطقة مدنية كبيرة في عدن، إضافة إلى فرض نفوذ الدولة المركزية على القبائل، في المنطقة الخلفية للساحل. وقد أسفر الضعف القبلي، وكذا توجهات القيادة السياسية، نحو توسيع المنطقة المدنية الحديثة في عدن، إلى وجود سلطة حاكمة، تعتمد على نظام الحزب الواحد، تفرض حكمها بالقوة، والذي أصبح بعد إزدياد نجاحه، يشدد قبضته بعنف على المجتمع.

    ب.
    ولقد كان للتغيرات الاجتماعية، درجة أهمية التغيرات السياسية نفسها في عدن، وكان ذلك بسبب الازدهار الاقتصادي بميناء عدن. فكثير من العمال القادمين من داخل اليمن، تجمعوا حول الكيانات الاقتصادية، مثل معامل تكرير البترول البريطانية، إذ كانت نسبة العمالة اليمنية في عدن، في هذه الفترة 18%، من إجمالي نسبة السكان في اليمن الجنوبية. وكان هؤلاء العمال، بعيدين عن التأثيرات القبلية، وعرضة للاتجاهات الفكرية في المدينة، لذا كان من السهل قيادتهم بواسطة زعماء العمال، الذين لديهم ميول سياسية. كما حدث بعض الانفتاح على العالم الخارجي، حيث افتُتحت محطة التليفزيون في عدن في سبتمبر 1964، كما انخرطت المرأة اليمنية الجنوبية في ميدان العمل والتعليم، والدفاع عن الوطن. حيث بلغ عدد النساء العاملات في عدن، 1281 من مجموع 64 ألف، وذلك في عام 1965.


    5. الوضع الاجتماعي بعد الاستقلال

    أ.
    لم يكن للقبائل تأثير يذكر في اليمن الجنوبي، عكس ما هو عليه في اليمن الشمالي. ومع ذلك فقد استُغلت القبائل من قبل النظام، في المراحل الأولى للاستقلال، من أجل تثبيت النظام القائم، كما أن السلاطين وشيوخ القبائل، جعلوا من الحروب، والخلافات القبلية، وسيلة للاستيلاء على الأراضي الزراعية الخصبة، وتعزيز نفوذهم المادي والسياسي، وأياً ما كانت طبيعة النفوذ، والولاء القبلي، واختلافه من منطقة إلى أخرى، فإنه لا يزال حقيقة ملموسة في المجتمع اليمني المعاصر.

    فإذا كانت القبيلة، قد عبرت عن نفسها بصورة باهتة، في مرحلة ما بعد استقلال الجنوب، إلا أن التكتلات القبلية ظهرت بشكل مقيت في المرحلة اللاحقة، وبعد مرحلة طويلة من العمل الحزبي، والالتزام بالفكر الاشتراكي. وكانت المحصلة النهائية، وجود مجتمع قبلي ماركسي شيوعي، ارتبطت فيه الإيديولوجية بالروابط القبلية.

    ب.
    منذ عام 1969 فصاعداً، لم تشهد الحياة الاجتماعية في اليمن الجنوبي، أي نوع من الاستقرار السياسي، أو الاجتماعي، بسبب التنافس المرير، الذي حدث بين الفصائل المختلفة لجبهة التحرير الوطنية.

    جـ.
    من الصعب تلخيص التغيرات الاجتماعية والسياسية في اليمن الجنوبي، في هذه الفترة، خاصة، تلك التي حدثت في علاقات جمهورية اليمن الديموقراطية، مع سلطنة عُمان، عندما ساندت الثورة الشيوعية في إقليم ظفار العُماني. وانعكست هذه المساندة، على الأوضاع الداخلية في اليمن الديمقراطي، حيث كانت النتيجة تآمراً مستمرا،ً وعنيفاً، دائراً بين ثلاثة من القادة، هم: سالم رُبَيّع علي، ودكتور عبدالفتاح إسماعيل، وعلي ناصر محمد. واستمر هذا الصراع، ما يقرب من العشرين عاماً، حتى وصول علي سالم البيض للسلطة، وبداية مسيرة الوحدة بين الشطرين.


    6. القوات المسلحة ودورها في الحياة السياسية في الجنوب

    أ.
    بدأت السلطات البريطانية، في الجنوب، تكوين وحدات من الجيش، في مستعمرة عدن، منذ عام 1928. كما شُكل حرس قبلي، لدعم السلاطين والأمراء، في مناطقهم، وكذلك تكون حرس حكومي، لمرافقة الضباط البريطانيين وحمايتهم، أثناء تحركاتهم، بين الإمارات والسلطنات، ووحدات نظامية أخرى، مثل جيش لحج، وحضرموت. وقد شاركت هذه الوحدات، بجانب القوات البريطانية، في قمع الانتفاضات، والنزاع بين القبائل. كما استُخدمت في النزاع بين بريطانيا، ونظام الإمامة في اليمن الشمالي، حول مسألة الحدود ومناطق النفوذ.

    ب.
    عقب قيام الاتحاد، بين سلطنات الجنوب، وإماراته، عملت السلطات البريطانية، على تجميع الوحدات، التي تكوّن منها جيش اتحاد الجنوب العربي. وأدى قيام ثورة السادس والعشرين من سبتمبر في الشمال، وانطلاقة الكفاح المسلح في الجنوب، إلى دفع السلطات البريطانية إلى الإسراع في استكمال بناء هذا الجيش، وأغدقت عليه الأموال، والمزايا والامتيازات، الأمر الذي جعل النظام الجديد، يواجه مشكلة خطيرة، منذ اليوم الأول للاستقلال، حيث وجد نفسه أمام جيش ناتج عن تركة استعمارية، سُخر له الجانب الأساسي، من ميزانية الدولة. فقد بلغت ميزانية الجيش عام 1967، حوالي 14 مليون ريال يمني من الميزانية العامة، في بلد كان في أَمَسِّ الحاجة إلى التطور الاقتصادي. وإدراكاً لهذه المشكلة الخطيرة، التي تهدد مستقبل الدولة، والنظام، طالب يسار الجبهة القومية، بضرورة تصفية هذا الجيش، وإعادة بناء جيش وفق أسس جديدة.

    جـ.
    بعد أن نجح يسار الجبهه القوميةفي انتزاع السلطة، في 22 يونيه 1969، بدأت الحركة، في تصحيح الأخطاء، التي قام بها اليمينيون، مبتدئة بالمجال العسكري، حيث صفي الجيش من العناصر الانقلابية. وأصبح جهاز الدفاع الوطني، يتكون بعد الحركة التصحيحية، من الجيش الشعبي، والشرطة الشعبية، والمليشيات المرتبطة بالنظام الحاكم، التي تستمد جذورها من الجماهير الكادحة، التي قدمت التضحية، وخاضت النضال المسلح، ليس من أجل إعلان الاستقلال فحسب، بل لمواصلة التحولات اللاحقة كذلك.

    د.
    أكد الحزب الاشتراكي اليمني، على أهمية تحويل المؤسسات العسكرية، من أداة لقمع الشعب، إلى أداة للدفاع عن مكاسب الثورة، وتطوير هذه المؤسسات، وتحويلها إلى قوة تحمي الثورة بأمانة، وترتبط ارتباطاً وثيقاً بالجماهير، وتشترك بفاعلية في الإنتاج، وفي الحياة السياسية، والاجتماعية. وانطلاقاً من هذه السياسة، لم تقتصر مهمة الجيش على الدفاع عن الوطن فحسب، بل والمساهمة في بنائه. ولذا نراه يشارك في الأعمال الزراعية، والإنشائية، بجانب العمال والفلاحين، في مختلف مواقع العمل، خاصة خلال المرحلة التي تلت 22 يونيه 1969.

    أما فيما يتعلق بالمليشيات الشعبية، فقد كونت عام 1971م، وتعتبر أكثر ارتباطاً بالحزب، وكانت الأهداف الرئيسية، من وراء تكوين هذه المليشيات هي:
    (1)
    الوقوف أمام أي محاولة انقلابية، تُقْدِم عليها عناصر مغامِرة، في القوات المسلحة.

    (2)
    أن تتمكن القوى الأساسية، المستفيدة من الثورة، من أن تدافع عنها، وتحمي مكاسبها.

    (3)
    أن تعطي أهمية قصوى للتركيب الطبقي، والتثقيف الأيديولوجي، والتوعية السياسية للقوات المسلحة، لكي تضطلع بالدور الجديد، وجعلها تحت قيادة الحزب وإشرافه.




    الفصل الثاني
    مراحل الوحدة اليمنية
    القسم الأول: مسيرة الوحدة اليمنية حتى إعلان الوحدة الاندماجية في 22 مايو 1990.
    عام

    استمرت سياسة التعايش السلمي، بين جمهوريتي اليمن، أكثر من أربع سنوات بعد الاستقلال. لكن التحولات السياسية، والاجتماعية، التي شهدها الواقع اليمني، خلال هذه الفترة، وانعكاس ما يحدث في أحد الشطرين، على الشطر الآخر، إضافة إلى التدخل الشيوعي في اليمن الجنوبي، وعدم الاستقرار السياسي، في اليمن الشمالي، أدت كل هذه العوامل مجتمعة إلى توتر الأوضاع بينهما، ثم نشوب النزاع المسلح، في سبتمبر 1972، في مناطق الحدود. غير أن القوى المحبة لوحدة الشعب اليمني وتقدمه، سارعت إلى تطويق هذه الحرب، فكان الاحتكام إلى العقل، وتم قبول لجنة الوساطة، التي بعثتها جامعة الدول العربية، واتفق الطرفان على وقف العمليات العسكرية، ثم أُعلن في القاهرة، عن اتفاقية الوحدة الأولى بين شطري اليمن، التي وقعها رئيسا الوزراء في كلتا الجمهوريتين، وبدأت مسيرة الوحدة، اعتباراً من هذا التاريخ.

    تعثرت خطوات الوحدة، وكانت تتلكأ لفترات زمنية طويلة، وشابها التخوف والتوتر والحذر لبعض الوقت. ولكن الإحساس بالمسؤولية، عن سلامة أرض اليمن، ومستقبل أجياله، والرغبة في إحلال دعائم السلام في ربوعه، والحرص على تصفية المشاكل بين الشطرين، وحماية المكتسبات، التي حققها الشعب اليمني، بنضاله الطويل، خّرجت فكرة إقامة وحدة، بين شطري اليمن. وبدأت مسيرة الوحدة، وبشكل جاد، على الرغم من العقبات والمشاكل، التي ما أن تخمد أو تنتهي، حتى تعود للظهور من جديد.

    وكانت البداية اتفاق تعز، في نوفمبر 1970، الداعي إلى إقامة اتحاد فيدرالي بين الشطرين، ثم اتفاقية القاهرة في 13 سبتمبر 1972، وانتهاءاً باتفاقية صنعاء في 4 مايو 1988، وما تلاها من مفاوضات واتفاقات، وكان من نتائجها إعلان الوحدة الاندماجية في 22 مايو "آيار" عام 1990.

    * مراحل مشروع الوحدة "من عام 1968 حتى عام 1990".

    مرت الوحدة اليمنية بمراحل عديدة، ظهرت خلالها أوجه اتفاق واختلاف، وتجاوزت ذلك، إلى صراعات أدت إلى حروب محدودة بين الطرفين. وتوالت أحداث مسيرة الوحدة كالآتي:

    1.
    بدأت توجهات البلدين، إلى الوحدة، بعد أن نالت اليمن الجنوبي استقلالها في عام 1967. ففي عام 1967، وبعد انسحاب القوات المصرية من اليمن الشمالي، استمر القتال بين الجمهوريين والملكيين حتى أواخر عام 1969، وخلال هذه الفترة، وبالتحديد في عام 1968، أرسل قحطان الشعبي رئيس جمهورية اليمن الجنوبية في هذا الوقت، فصائل من جبهة التحرير القومية، للقتال في صف الجمهوريين، ضد الملكيين في اليمن الشمالية.

    ولما كانت جبهة التحرير القومي، تعُد نفسها حركة عربية، غير مرتبطة بحدود مصطنعة ومرحلية، فقد أعلنت أنها ضد أي مفاوضات تجرى مع الملكيين خلافاً لموقف بعض القادة الشماليين، المتعاطفين مع الملكيين في ذلك الوقت. وقامت الجبهة في معسكراتها بالقرب من الحديدة، وتعز، وبرعاية من جمهورية مصر، بالتوسع وأضطلعت بدور قيادي في تنظيم ميليشيات قوة المقاومة الشعبية، التي كانت قد شكلت في اليمن الشمالي، من أجل الدفاع ضد الهجمات الملكية المحتملة. وأعلن الرئيس قحطان الشعبي أن بلاده، تتوافق وتتعاطف تماماً مع اليمن الجمهوري. وقد تأكد ذلك بطريقة عملية، في فبراير 1968، عندما اتحدت وحدتان، من قوات جيش اليمن الجنوبي، مع عناصر من ميليشيات المقاومة الشعبية، وفصائل من الجيش الجمهوري الشمالي، في الهجوم على رجال القبائل الملكية، على حدود إمارة بيحان، ونقاط أخرى عبر الحدود المشتركة.

    وفي الوقت ذاته، اشتركت وحدات جنوبية في الحديدة، مع وحدات من الجيش الجمهوري الشمالي، في اختراق طريق الحديدة ـ صنعاء، وحطمت طوق حصار الملكيين، على صنعاء لتضع نهاية لحصار صنعاء، الذي استمر سبعون يوماً.

    وحينما اتضح أن الملكيين لن يتمكنو من اجتياح أراضي الجمهوريين، استعاد الزعماء الجمهوريون ومؤيدوهم ثقتهم السابقة بأنفسهم. ومع استمرار تدفق الأسلحة السوفيتية، وتطور الجيش اليمني وتوسعه، إلى الحد الذي أصبح فيه أكثر كفاءة، بدأ حسن العمري يتتشكك في ولاء عناصر معينة من ميليشيات قوة المقاومة الشعبية، مدركاً أن العقلية الطموحة لجبهة التحريرالقومية، تتطلع لسيطرة بعيدة المدى، ولكي يوازن ذلك المد المتصاعد، حث جبهة تحرير جنوب اليمن المحتل، الواهية خائرة القوى، على أن تواصل نشاطها في اليمن مرة ثانية، وهو ما أفقده شعبيته في صفوف جبهة التحرير القومية.

    وبعدما استقر الموقف في صنعاء، اتخذ حسن العمري الترتيبات لزيارة كل من مصر، والصين، وطار فعلاً إلى القاهرة، ومن دون أن يواصل زيارته للصين، رجع فجأة ليحبط في الوقت المناسب، مؤامرة دبرتها جبهة التحرير القومية، للاستيلاء على شحنات كبيرة من الأسلحة السوفيتية، تشتمل على 50 دبابة، كان يجري انزالها في مدينة الحديدة. وقد دار صراع بين قوات حكومة العمري، مع عناصر جبهة التحرير القومية، وميليشيات المقاومة الشعبية، إنتهى لصالح الجيش النظامي اليمني الشمالي، وتم القبض على الكثيرين من أعضاء جبهة التحرير القومية، وميليشيات المقاومة الشعبية، ولكن تم إطلاق سراح معظمهم فيما بعد، نظراً لكونهم جميعاً من الشوافع، حتى لا تتسع فجوة الصراع الطائفي داخل البلاد وفي اليمن الجنوبية كان الرئيس قحطان الشعبي يواجه متاعب مع المتطرفين اليساريين، من أعضاء جبهة التحرير القومية.

    وعلى الرغم من أن الرئيس قحطان الشعبي، بدا وكأنه يتمتع بسلطة واسعة، أكثر من ذي قبل، فقد ظلت أجزاء من اليمن الجنوبية، في أيدي الجناح اليساري المتطرف لجبهة التحرير القومية. وجرت انتفاضات، وشقاقات، في ذلك البلد، الذي ظهر حديثاً إلى حيز الوجود. وكان ارتكاز حسن العمري المتصدع، على جبهة التحرير القومية في اليمن، في الوقت الذي سمح بنشاطات مناهضة لها، يقوم بها عبدالله الأصنج ـ قائد جبهة تحرير جنوب اليمن المحتل ـ التي تعمل من تعز، قد أدى إلى فتور، العلاقات، بين اليمن الشمالي واليمن الجنوبي.

    وبدا أن المحادثات، التي دارت بين ممثلين عن كل من البلدين قد تخفف من حدة التوتر، وقد حاول السوفيت جاهدين التوصل إلى مصالحة بين كل من جبهة التحرير القومية وجبهة تحرير جنوب اليمن المحتل، غير أن العداوات بينهما قد تزايدت.

    2.
    وفي عام 1972، نشب قتال بين البلدين، في شكل حرب محدودة، وذلك عندما تكونت في اليمن الشمالي، جبهة التحرير، بقيادة عبدالله الأصنج، والمنشقين عن الجبهة القومية، وأعضاء رابطة أبناء الجنوب العربي، بقيادة محمد علي الجفري، وشيخان الحبشي، وسالم الصافي. وظلت هذه الجبهة، تعمل من أراضي الشمال لمدة عام كامل. ومن ناحية أخرى، استضاف الشمال، المجموعات العسكرية، التي هربت من الجنوب، بقيادة عشال، وأحمد صالح بن الأحمر. وأقامت هذه المجموعات معسكرات للتدريب في اليمن الشمالي. وقد أزعج هذا النشاط حكام عدن، وعدّوه وعوة لدخول الحرب، وبالفعل اندلعت شرارة الحرب، وتمكنت القوات الجنوبية من دخول محافظة البيضاء الحدودية، التي تقع شرق اليمن الشمالي، والمقابلة لمنطقة مكيراس الجنوبية. لكن الجهود سارعت بإحتواء الأزمة وتهدئة الأمور، التي عقد على إِثرها اجتماع القاهرة، في سبتمبر 1972.

    3.
    اتفاقية القاهرة 13 سبتمبر 1972:

    أ.
    اجتمع وفدا الشطرين في القاهرة، برئاسة كل من علي ناصر محمد، رئيس وزراء الشطر الجنوبي، ومحسن أحمد العيني، رئيس مجلس وزراء الشطر الشمالي، مع لجنة التوفيق العربية المشّكلة بقرار مجلس جامعة الدول العربية الرقم (2961)، لتسوية الخلافات، والاتفاق على قيام دولة الوحدة.

    ب.
    وقبل التطرق إلى اتفاقية القاهرة، نشير بإيجاز، إلى المشاريع، التي تقدم بها كل طرف، على حدة، لكونها تعكس طبيعة الوحدة، ورغبة كل طرف فيها. فالمشروع المقدم من اليمن الجنوبي يؤكد على وحدة الشعب والأرض، بوصفها القاعدة، التي قامت عليها الحضارة اليمنية القديمة، وترتبط بمصير الشعب اليمني، وطموحاته، في التقدم والحضارة. وأوضح أن اليمن، لا تعني تلك الأراضي الواقعة تحت سيادة الشطرين، بل كل المناطق، والجزر، التي تعتبر تاريخياً وجغرافياً، جزءاً لا يتجزأ من أراضي اليمن الطبيعية، وأن الطريق المؤدي للوحدة، لا يمكن أن يكون إلا طريقاً سِلْمياً ديمقراطياً، واعتبر فتح الحدود بين شطري اليمن، وإيقاف الأعمال العسكرية، والحملات الإعلامية، وإيجاد أسس للتعاون والتنسيق بين الشطرين، مقدمات أولية، وضرورية من أجل تهيئة الظروف الملائمة، لبناء دولة الوحدة.

    واقترح المشروع، كخطوة أولى لتحقيق الوحدة، تشكيل مجلس يمني أعلى، مكون من رئيس المجلس الجمهوري وأعضاءه في الشمال، ومجلس الرئاسة في اليمن الجنوبي، توكل إليه مهمة اتخاذ الإجراءات الأساسية، لتوحيد السياسة الحكومية، في الشطرين، في مختلف الجوانب، وكذلك تشكيل لجنة دستورية، تقوم بإعداد دستور اليمن الموحد، ولجان فنية أخرى، لتوحيد السياسة الخارجية، والتعليمية، والثقافية، والاقتصادية، والعسكرية، والتشريعية.

    جـ.
    أما مشروع اليمن الشمالي، فقد أكد بدوره على وحدة اليمن، باعتبارها حقيقة ثابتة، وأكد على أن الانفصال، والتجزئة تحت أي أسم أو شعار حالة طارئة، وأشار إلى وحدوية ثورة السادس والعشرين من سبتمبر، التي جعلت تحقيق الوحدة اليمنية في مقدمة أهدافها ثم جاءت ثورة الرابع عشر من أكتوبر 1963 التي تمثلت في انطلاق الكفاح المسلح عام 1963، لتحرير اليمن الجنوبي من الاستعمار، امتداداً لها، وبالتالي فقد كان يفترض قيام الوحدة، فور استقلال اليمن الجنوبي مباشرة، من الاحتلال البريطاني.

    وطالب المشروع، بضرورة الإعلان، عن الوحدة الفورية الشاملة، معتبراً تأخيرها تعميقاً للانفصال، واستمراراً للتجزئة، وتقدم الوفد، بتصور عام، عن شكل الوحدة، وطبيعة نظامها، ووسائل تحقيقها وإقترح الآتي:

    (1)
    تشكيل لجان عمل، لإعداد خطة، لتوحيد الكيانات القائمة، ودمج مختلف مؤسسات الدولة، في الشطرين في مؤسسة واحدة.

    (2)
    تعد اللجنة الدستورية، دستور يتم عرضه على المؤسسات التشريعية، في كلا الشطرين، ليتم إقراره، والمصادقة عليه.

    (3)
    بعد إقرار الدستور، تقدم حكومتا الشطرين استقالتهما، وتعهد إدارة شؤون البلاد، إلى حكومة واحدة مؤقتة للشطرين كليهما، وتتولى هذه الحكومة تنظيم حوار، حول الدستور، قبل طرحه للإستفتاء العام.


    على أن تتم كل هذه الأعمال، والإجراءات، خلال فترة زمنية، لا تزيد عن شهرين.

    د.
    ومن خلال هذه المشاريع، نلاحظ أن الجانبين بالرغم من تأكيدهما على وحدة الشعب، والأرض، وإيمانهما بضرورة قيام الوحدة، تقدماً بمنهجين متعارضين، ففي الوقت الذي عدّ فيه المشروع المقدم من الجنوب، تهيئة الظروف المناسبة لقيام دولة الوحدة، إجراء أساسياً، لا يمكن من دونه، أن تكون الوحدة، سوى ضرب من الخيال، تمسك الشطر الشّمالي، بمنظور مثالي للوحدة، متجاوزاً التّركة الثقيلة، التي خلّفها النظام الاستعماري، والحكم الإمامي، في الشطر الشمالي، ومتجاهلاً التعارض القائم بين النظامين، رافعاً في الأفق، شعار الوحدة الفورية والشّاملة، التي يجب إنجازها خلال شهرين. لكن هذا التعارض الواضح، لم يمنع الطرفين، من التوصل إلى اتفاق يرضيهما، على الرغم من إيمانهما بصعوبة تطبيقه، إن لم يكن استحالته. فقد تم التوقيع على اتفاقية القاهرة، في 28 أكتوبر 1972، التي أنهت حالة الحرب، على الرغم من تجاوزها للواقع الموضوعي، وطبيعة الأنظمة القائمة بين شطري اليمن.

    هـ.
    نصّت مواد اتفاقية القاهرة ، على دمج الدولتين في دولة واحدة، وتكوين حكومة واحدة، وإنشاء مختلف مؤسسات الدولة، بشكل موحد، ديمقراطياً، يقوم على مبدأ الانتخاب الحر المباشر، من قبل الشطرين. وأوكل إلى اللجنة الدستورية، مهمة إعداد مشروع دستور الدولة الموحدة، خلال فترة زمنية لا تتجاوز العام، ليتم طرحه فيما بعد على المؤسسات التشريعية، القائمة في كل من الشطرين، للموافقة عليه قبل أن يطرح للاستفتاء العام، خلال فترة لا تتجاوز ستة أشهر. وأكدت مواد الاتفاقية، على أن الدستور، سوف يكفل الحريات الفردية العامة، وحقوق المواطنين، السياسية، والنقابية، والمهنية، ويضمن منجزات ثورتي 26 سبتمبر، و14 أكتوبر، ونصت على تشكيل سبع لجان فنية متخصصة، لإعداد المشاريع، وخطط دمج مؤسسات الدولة القائمة في الشطرين.

    وقد جاء في المادة الثالثة من الاتفاقية، أن يضمن دستور الوحدة، كفالة ممارسة الحريات الشخصية، والسياسية، للجماهيرعامة، ولمختلف مؤسساتها، ومنظماتها الوطنية، والمهنية، والنقابية. وفسّر الشطران هذه المادة، على أنها تسمح لجبهات المعارضة، ممارسة نشاطها العلني داخل البلاد.

    وهكذا، كان واضحاً، أن مثل هذه المواد، على الرغم من أهميتها، بعيدة عن الواقع، ويصعب على النظامين العمل بها، والسماح بتطبيقها، الأمر الذي جعل رجل الشارع، في كلا الشطرين، يشكك في مصداقية الاتفاقية، لكون الجميع، يدركون أن قيام الوحدة اليمنية، في ظل وجود نظامين متعارضين، وأمام التركة الثقيلة، التي خلفتها تراكمات الماضي، وخلال فترة زمنية، لا تتجاوز العام، لا تعدو أن تكون شعاراً، رفعه تجار الحرب، الذين لا يهمهم توحيد اليمن، ولا مصلحة الشعب.



    4. بيان طرابلس 28 نوفمبر 1972:

    أ.
    تطبيقاً لاتفاقية القاهرة، التي اكدت في مادتها الرابعة، على ضرورة اجتماع رئيسي الشطرين، بعد شهرين من تاريخ التوقيع عليها، فقد اجتمع القاضي عبدالرحمن الإيرياني، وسالم ربيع علي، بحضور الرئيس الليبي، العقيد معمر القذافي، في طرابلس، خلال الفترة من 21 إلى 28 نوفمبر 1972م، لمناقشة الأوضاع اليمنية، واتخاذ الإجراءات الضرورية للإسراع في تنفيذ بنود الاتفاقية.

    ب.
    وقد انتهى اللقاء بصدور بيان طرابلس، في 28 نوفمبر 1972م، وقد تقدم أثناء هذا الاجتماع، كلا الرئيسين، ببعض المبادئ والأسس، التي تتلائم مع أيديولوجيته وقناعته، فسالم ربيع علي، انطلق من أيديولوجية الحزب الحاكم "الشيوعية"، وردد شعار الوحدة البروليتارية. والقاضي الإيرياني اعتمد على الدبلوماسية، ورفع شعار الوحدة الإسلامية "الشيعية الزيدية"، واستطاعت لغة الأخير، أن تفرض نفسها عند إعلان البيان الختامي.

    ونصّت المادة الرابعة من البيان، على "أن الإسلام دين الدولة، وتؤكد الجمهورية اليمنية على القيم الروحية، وتتخذ الشريعة الإسلامية، المصدر الرئيسي للتشريع"، لكن كانت هناك عبارات أخرى فضفاضة، فقد نصت (المادة الأولى) على: أن "تهدف الدولة إلى تحقيق الاشتراكية، مستلهمة الطراز الإسلامي العربي، وقيمة الإنسانية، وظروف المجتمع اليمني، بتطبيق العدالة الاجتماعية، التي تحظر أي شكل من أشكال الاستغلال. وتعمل الدولة، عن طريق إقامة علاقات اشتراكية، في المجتمع، على تحقيق كفاية في الإنتاج، وعدالة في التوزيع، بهدف تذويب الفوارق سلمياً بين الطبقات".

    وقد جاء التأكيد على هذه الاشتراكية، على الرغم من أن النظام في الشمال لم يكن يؤمن بأي نوع من أنواع الاشتراكية، وأن النظام في الجنوب لا يؤمن إلاّ بالاشتراكية العملية.

    أما (المادة التاسعة)، فقد نصت على: "إنشاء تنظيم سياسي موحد، يضم جميع فئات الشعب المنتجة، صاحبة المصلحة في الثورة، للعمل ضد التخلف، ومخلفات العهد الإمامي والاستعماري، وضد الاستعمار القديم والجديد، والصهيونية، وتشكيل لجنة لوضع النظام الأساسي، ولوائحه، على هدى النظام الخاص، بإقامة الاتحاد الاشتراكي العربي في "الجمهورية الليبية".

    أُدخلت هذه المواد، بعباراتها الفضفاضة، على الرغم من الحظر القائم في اليمن الشمالي، لكل الأحزاب السياسية التي تعتنق الفكر الاشتراكي، وعلى الرغم من وجود تنظيم سياسي في اليمن الجنوبي، ينطلق في إيديولوجيته، وتنظيمه، من مبادئ الماركسية اللينينية.

    أما قضية الأراضي المتنازع عليها، بين اليمن الشمالي، والمملكة العربية السعودية، فقد اتُفق، على إحالتها إلى لجنة دستور دولة الوحدة، حيث نصت المادة العاشرة، على أن يحدد دستور الجمهورية اليمنية الموحدة حدودها.

    جـ.
    وهكذا، استمرت اتفاقية الوحدة، حبراً على ورق، كما كان متوقعاً لها. ولعل التصريح، الذي أدلى به الأمين العام، للتنظيم السياسي "الجبهة القومية" عبدالفتاح إسماعيل، يقدم الدليل الواضح، لمثالية هذه الاتفاقية، وابتعادها عن الواقع العملي، حيث قال: "إن الوحدة اليمنية ليست شعاراً للاستهلاك الداخلي، بل ضرورة تفرضها الأحداث، التي مر بها شعبنا اليمني، لكن مفهومنا للوحدة، يختلف عن مفاهيم الأنظمة العربية "الرجعية"، التي لا تأخذ في الحسبان مصالح شعوبها".

    "فالوحدة لا يمكن أن تُفرض بالقوة، وفق المفاهيم التي تفرضها القوى "الرجعية" والإمبريالية في المنطقة، فهذه القوى، مرفوضة من قبل شعبنا، والوحدة اليمنية، هي مسألة وطنية، تهم جماهير الشعب اليمني، ولا بد من أن تعكس مصالح هذه الجماهير الكادحة، في شمال الوطن وجنوبه".


    5. لقاء الجزائر 4 سبتمبر 1973م:

    التقى رئيسا اليمن آنذاك، عبدالرحمن الإيرياني، وسالم ربيع في الجزائر، واستعرضا سير أعمال اللجان المشتركة، المنبثقة عن اتفاقية القاهرة، وبيان طرابلس، حيث وجدا أن المدة الزمنية، التي حددت، غير كافية لتُنجز هذه اللجان أعمالها، وأكدا حرصهما الشديد، على تنفيذ الاتفاق، واستمرار اللجان المشتركة، في أعمالها إلى النهاية.

    واتفق الرئيسان، على وجوب توفير المناخ الملائم لهذه اللجان المشتركة، حتى تُنجز أعمالها، وذلك عن طريق إيقاف التدريب ونشاط العناصر المخربة، في كل أنحاء اليمن، وعدم السماح بنشاطها تحت أي أسم، وعدم مدها بالسلاح، أو تدريب عصاباتها، أو تشجيعها، وإغلاق معسكراتها. والتقت وجهة نظر الرئيسين، حول وجوب الانصراف الكامل، إلى بناء البلد، وتطويره، في كلا الشطرين.


    . لقاء تعز ـ الحديدة 10 ـ 12 نوفمبر 1973م:

    بعد اصدار بيان الجزائر، الذي وضع حداً للعنف، والتسلل على الحدود، بين شطري اليمن، التقى رئيسا الدولتين، واتفقا على عدم منح أي قواعد للمجموعات المتورطة، في أعمال عدائية، ضد أي من الدولتين. ودفع إجراءات الوحدة للأمام، التي تأجلت، بعد اغتيال محمد علي عثمان، وهو من أهل السنة الشوافع، الذي اغتالته، عناصر من منظمة المقاومة الثورية في اليمن الشمالي. وقد أدى اغتياله إلى استياء شعبي، في أوساط أهل السنة الشوافع، الأمر الذي خلق بعض التوترات، والعنف، وطبقاً لأحد التقارير صدر الأمر، في يونيه 1973، بالقبض على ثلاثة آلاف شخص، وإعدام 36 شخصاً على الأقل، وتم حظر التجول في كل من صنعاء وتعز.

    فبعد عودة الوئام بين الطرفين، زار رئيس اليمن الجنوبي، في يوم 10 نوفمبر 1973م، اليمن الشمالي، على رأس وفد كبير، من مسؤولين مدنيين وعسكريين. واستقبله رئيس اليمن الشمالي، عبد الرحمن الإيرياني، وعقد الرئيسان اجتماعين مغلقين، في تعز، ناقشا خلالهما تطورات الوحدة، على ضوء لقاء الجزائر. واتفقا حول بعض القضايا المطروحة، خاصة أهمية إيجاد صيغ مشتركة، على صعيد الاقتصاد الوطني، تمّكن من اتخاذ خطوات مشتركة، تخدم في الأساس، الشعب اليمني، وترفع من مستواه المعيشي. وزار الرئيسان، والوفد المرافق لهما، مدينة الحديدة، وعقدا اجتماعاً مشتركاً فيها، ناقشا خلاله أعمال اللجان المشتركة، المنبثقة عن بيان طرابلس، واستمع الرئيسان، إلى تقرير مفصل من الممثلين الشخصيين عنهما، وكلف الرئيسان ممثليهما، أن يمضيا قدماً في العمل بموجب جداول زمنية، يتفقان عليها، وحسب ما تقتضيه مصلحة الشعب اليمني، وظروف البلدين، على أن يعرضا عليهما كل ما قد يعترض طريقهما، أو طريق اللجان المشتركة من مصاعب، للعمل على تذليلها، إيماناً منهما بضخامة المسؤولية التاريخية. ووقع الرئيسان على بيان مشترك، بهذا الشأن في ختام الزيارة.

    7.
    بعد لقاء تعز ـ الحديدة، حدثت بعض التطورات في اليمن الشمالي، وظهرت خلافات، بين اتجاه يمثله رئيس الدولة، القاضي الإيرياني، الذي يدعو إلى سياسة مرنة مع اليمن الجنوبي، واتجاه مخالف، لرئيس الحكومة القاضي عبدالله الحجري، الذي يعادي بشدة، القادة الماركسيين، والملحدين في عدن، والمطالب بفرض الوحدة بالقوة. وكان هذا الاتجاه مدعوماًمن القبائل، ومن الشيخ عبدالله الأحمر رئيس مجلس الشورى. وكان من نتائج هذا الخلاف، قدم رئيس الوزراء عبد الله الحجري، في فبراير 1974م، استقالته وتعين من بعده حسن مكي رئيساً للحكومة بدلاً عنه.

    وفي 13 يونيه 1974م، انتهى التوتر بين الأطراف المتصارعة، بالاستقالة الجماعية للإيرياني، والأحمر، الذي يشغل رئيس مجلس الشورى، ونائبه سنان أبو لحوم، من مناصبهم الحكومية، حيث قدم الثلاثة استقالاتهم، لنائب القائد العام للقوات المسلحة، إبراهيم الحمدي. ووافق الحمدي على استقالاتهم، على أن يمارس سلطات رئيس الدولة، ورئيس لمجلس القيادة العسكرية، المكون من سبعة أفراد، وبذلك استأثر الجيش بالسلطة، وعطل مجلس الشورى، وعلق الدستور، وقد أدى هذا الانقلاب، إلى إنهاء سبع سنوات من الحكم المدني وبدء فترة حكومة عسكرية.

    كان واضحاً، أن الأوضاع السائدة، في شطري اليمن، ستؤدي إلى مواجهة عسكرية جديدة، بين شمال اليمن وجنوبه، خاصة أن دعاة الوحدة الفورية بقوة السلاح، لم يتخلوا عن أسلحتهم بعد. وقد أدى ذلك إلى خروج التناقض الموجود، في قمة السلطة، من إطاره الخفي، إلى الإطار العلني، حيث قدم الحجري، استقالة حكومته في شهر فبراير 1974م، فحققت الحركة الوطنية، بمجمل فصائلها انتصاراً جديداً، ضد الجناح الداعي للحرب، الذي لحقت به هزيمة أخرى نتيجة لانقلاب 13 يونيه 1974م، ووصول المقدم إبراهيم الحمدي، إلى قمة السلطة. وأسهم هذا الانقلاب، أو الحركة التصحيحية، حسب تسمية قادته، في إبعاد الحرب، لصالح أتباع الحل السلمي، وتنشيط عمل لجان الوحدة.

    8.
    وفي فبراير عام 1977، وقع اتفاق قعطبة بين الشطرين بحضور أحمد حسين الغشمي، نائب القائد العام للقوات المسلحة، لإقامة مجلس أعلى مشترك، يضم الرئيسين ووزراء الدفاع والخارجية والاقتصاد والتخطيط، على أن يجتمع كل ستة أشهر. ولكنه كان واضحاً، أن اختفاء لغة الحرب، بإبعاد مشايخ القبائل، وتجار الحرب من السلطة، لم يكن إلا إجراءاً مؤقتاً، فكثير من العناصر المنادية بالحرب، ظلت تعزز مركزها في السلطة، وتعد نفسها للاستيلاء كلياً على مقادير السلطة السياسية، والعسكرية.

    9.
    وأخيراً، تمكن الجناح الرجعي، من الاستيلاء على السلطة، بانقلاب 11 أكتوبر 1977م، وأغتيل المقدم الحمدي، ونصّب العقيد أحمد حسين الغشمي، في قمة السلطة، بدعم واضح من مشايخ القبائل، وكل القوى المؤيدة للحرب، وشكل مجلساً إستشارياً جديداً، طغي عليه زعماء القبائل والطبقة البرجوازية الناهضة، غير أنه، لم يكن في استطاعة هذه القوى، أن تدخل في الحرب مباشرة مع الجنوب. فالغشمي، لم يكن في حالة تمكنه من إعلان الحرب، تحت شعار الوحدة الفورية، وكان عليه أن يقوي سلطته، ويواجه الاستياء الشعبي، ضد حكمه، إضافة إلى المعارضة الواضحة، التي أعلنتها ضده بعض وحدات القوات المسلحة، التي كانت مرتبطة بشخص المقدم الحمدي.

    10.
    وفي شهر يونيه 1978م، أغتيل الغشمي، في ظروف غامضة، نتيجة إنفجار حقيبة ملغومة. واتهمت صنعَاء، رئيس اليمن الجنوبي، بوقوفه وراء مؤامرة الاغتيال، فأدت الحادثة، والاتهامات التي أعقبتها حدوث خلافات ونزاعات، داخل الفريق الحاكم في اليمن الجنوبي، بين رئيس الدولة سالم ربيع، وهو من أنصار التعاون مع البلدان المحافظة، وغير متحمس للإجراءات الاشتراكية، من جهه، وخصمه عبدالفتاح إسماعيل ذي الفكر الماركسي اللينيني، وتطور النزاع، إلى معارك في شوارع العاصمة، بين مؤيدي الطرفين. وانتهى الموقف لصالح عبدالفتاح إسماعيل، واعتُقل سالم ربيع وتم إعدامه. واعتلى عبدالفتاح إسماعيل السلطة، وفي أكتوبر 1978، أسس الحزب الاشتراكي اليمني الجديد، المرتكز على الاشتراكية العلمية، والذي هيمن على كل مؤسسات الدولة.

    11.
    كما تسبب الحادث في توتر العلاقات بين الشطرين، ووقعت حوادث حدودية، وصلت إلى مواجهات مسلحة في شهر فبراير 1979. وكان على رأس الشطر الشمالي علي عبدالله صالح، الرئيس الحالي، بينما كان عبدالفتاح إسماعيل رئيساً للشطر الجنوبي. ويمكن ايجاز أسباب هذه الحرب في سببين:

    أ. السبب الأول:

    يقتضي العودة إلى الخلف قليلاً، حيث كانت الأجواء مهيأة للوحدة قبل هذه الحرب، بفترة قصيرة، عندما كان إبراهيم الحمدي يحكم الشّمال، وسالم ربيع يحكم الجنوب، ثم قتل إبراهيم الحمدي فجأة، وخلفه الرئيس أحمد حسين الغشمي الذي اكمل الاتصالات مع سالم ربيع، إلى أن حدث بينهما الاتصال الشهير، الذي اتفق فيه سالم ربيع، مع الغشمي، على ارسال مبعوث خاص له إلى صنعاء، يحمل أوراقاً سيطلعه عليها، بخصوص الخلافات بين البلدين. وكان مطلب سالم ربيع أن يلتقي الغشمي بالمبعوث وحده، وبالفعل ذهب المبعوث، وفور أن وقف يفتح حقيبته، أمام الرئيس الغشمي، انفجرت الحقيبة، ومات كلاهما، المبعوث والرئيس.

    وقد استغل خصوم الرئيس الجنوبي سالم ربيع ـ وهم عبدالفتاح إسماعيل وعلي ناصر وعلي عنتر ـ هذا الحادث وعزلوا سالم ربيع عن السّلُطة، وأعدموه عام 1978. وقد أدى هذا الحادث، إلى تعكير العلاقات بين الشطرين، خاصة مع استمرار وجود المعسكرات، التي تضم العسكريين المنشقين عن الجنوب في الشمال.

    ب. السبب الثاني:

    يكْمُن في إيواء عدن ـ بالمقابل ـ معارضي الشمال، مثل حزب حوشي. وقد أدى ذلك إلى اندلاع المعارك بين الجنوب والشمال، واستخدام كل شطر الجماعات المعارضة للمشاركة في الحرب، ضد الشطر الذي تنتمي إليه. واقتحم جيش الجنوب مناطق في الشمال، ولكن سرعان ما طوقت المعارك على إثر تدخل سوريا والعراق والأردن، حيث اتفق على وقف إطلاق النار، في الأول من مارس. وسارعت الجامعة العربية بالتدخل، وعقدت دورة استثنائية في الكويت، خلال الفترة من 4 ـ 6 مارس 1979م، واتفق أثناؤها، على تشكيل لجنة لمراقبة وقف إطلاق النار، وكذلك الإعداد لاجتماع بين رئيسي الشطرين. ثم قامت الكويت بعملية المصالحة الشهيرة على أرضها، بين الرئيسين علي عبدالله صالح، وعبدالفتاح إسماعيل.

    12.
    إعلان الكويت 28 مارس 1979م:

    كان للكويت، دور كبير في احتواء الاشتباكات، بين الشطرين، ودعت القيادتين إلى مائدة المفاوضات. وفي 28 مارس 1979م، اجتمع الرئيس علي عبدالله صالح، مع الرئيس عبدالفتاح إسماعيل، وتم الاتفاق أثناء هذا الاجتماع، على تنشيط عمل لجان الوحدة، وفق اتفاقية القاهرة، وبيان طرابلس. ووقع الرئيسان على بيان مشترك، نصّت بنوده الخمسة، على الآتي:

    أ.
    أن تقوم اللجنة الدستورية، بإعداد مشروع دستور دولة الوحدة، في فترة لا تتجاوز أربعة أشهر.

    ب.
    عند انتهاء اللجنة من أعمالها، يعقد الرئيسان لقاء، لإقرار الصورة النهائية، لمشروع الدستور الدائم لدولة الوحدة، ودعوة كل منهما لمجلس الشعب في الشطرين، للانعقاد خلال مدة يتفق عليها الرئيسان، لإقرار الصياغة النهائية لمشروع دستور دولة الوحدة.

    جـ.
    يقوم رئيسا الشطرين، بعد ذلك، بتشكيل لجنة وزارية، للإشراف على الاستفتاء العام، على مشروع الدستور، وانتخاب سلطة تشريعية موحدة، على أن تنتهي اللجنة من أعمالها، خلال مدة أقصاها، ستة أشهر من تاريخ تشكيلها.

    د.
    يُقر الرئيسان بالتقيد والالتزام الكامل، بالمضمون، والأحكام، الواردة في اتفاقية القاهرة، وبيان طرابلس، وقرارات مجلس الجامعة العربية، وتنفيذ القرارات، والتوصيات، التي توصلت إليها لجان الوحدة.

    هـ.
    يتولى رئيسا الشطرين، متابعة إنجاز عمل اللجنة الدستورية، في الموعد المحدد، ونتائج أعمال اللجان الأخري، من خلال تنظيم لقاءات دورية، في اليمن كل شهر.


    وأيا ما كان التفاؤل من هذا البيان، فإن أهم إيجابياته تكمن في إيقاف الحرب، واتباع أسلوب الحوار السلمي، من أجل إنجاز الوحدة، وتحقيق آمال الجماهير اليمنية، في شمال اليمن وجنوبه.

    13.
    لقاء صنعاء 2 ـ 4 أكتوبر 1979م:

    استمرت مفاوضات الوحدة، بين جمهوريتي اليمن، واستكملت لجنة إعداد الدستور، الخاص بالدولة الموحدة، معظم أعمالها، في شهر أكتوبر عام 1979، ووافق الجنوب اليمني، أثناء زيارة رئيس الوزراء، علي ناصر محمد، إلى صنعاء في أوائل أكتوبر 1979، على تمديد المهلة المحددة، في اتفاقية الكويت. وصرح علي عبدالله صالح في ديسمبر 1979، أن مباحثات الوحدة بين الشطرين، أنجزت الكثير من النجاحات، وأن العملية الجارية، صوب الوحدة اليوم، تدخل مرحلة التنفيذ للخطوات العملية، في ضوء خطة واضحة.

    وأعلن عن موافقة الجمهورية العربية اليمنية، وجمهورية اليمن الديموقراطية، في بيان رسمي، صدر عن اجتماعات اللجنة المشتركة، بين البلدين في صنعاء، التي استمرت يومين، على تشكيل وزارة خارجية مشتركة بموجب اتفاق ضم لعام 1979، كما تم الاتفاق على الخطوط الرئيسية للسياسة الخارجية لليمن الموحد.

    وفي أكتوبر 1979، وقعت اليمن الجنوبي، اتفاقية صداقة وتعاون، مع الاتحاد السوفيتي لمدة عشرين عام.

    14.
    اتفاقية عدن 3 مايو 1980:

    في أعقاب عزل عبدالفتاح إسماعيل، رئيس اليمن الجنوبي، في 21 أبريل 1980، وإبعاده إلى موسكو، وتولى السلطة علي ناصر محمد، الذي كان رئيساً للحكومة منذ عام 1971، تزايدت خطوات اللقاءات عالية المستوى بين جمهورتي اليمن، حيث إسْتُقْبِلْ عبدالعزيز عبدالغني، رئيس وزراء اليمن الشمالي، الذي زار عدن.وأكد البيان الصادر في نهاية الزيارة، على الحاجة إلى التنسيق في ميدان التنمية الاقتصادية، ثم وقعا اتفاقية اقتصادية، اتفق فيها على الآتي:

    أولاً:
    في قطاع الصناعة والمعادن:

    أ. بناء مصنع، لتموين شطري اليمن بالبوتاجاز.
    ب. تكرير متطلبات الشمال، من المنتجات النفطية، في مصقاة عدن.
    جـ. إقامة المشاريع المشتركة، في مجال التكرير، والبتروكيماويات.
    د. التنسيق بين الشطرين، فيما يتعلق بالتنقيب عن المعادن.
    هـ. إقامة مختبر مركزي، لأغراض التنقيب عن المعادن.

    ثانياً:
    في قطاع المواصلات:

    أ. إنشاء شركة يمنية مشتركة، للنقل البري.
    ب. إنشاء شركة يمنية مشتركة، للنقل البحري.

    ثالثاً:
    في قطاع المصارف والاحصاء والسياحة:

    أ.
    زيادة دور الجهاز المصرفي، لخدمة التبادل التجاري، بين الشطرين، وتكليف البنوك المركزية متابعة ذلك.

    ب.
    توحيد الإحصائيات بين الشطرين.

    جـ.
    الاستفادة من الشركات، السياحية العربية، والأجنبية.




    15. بيان قمة صنعاء في 13 يونيه 1980:

    اجتمع علي ناصر محمد، الرئيس الجنوبي، مع علي عبدالله صالح، الرئيس الشمالي، في صنعاء. فسادت قضايا الاقتصاد، والتجارة، والأمن، والنواحي الثقافية، المناقشات، التي دارت بين الرئيسين. وتعهد علي ناصر محمد، في هذا اللقاء، بتخفيض العون الجنوبي، للجبهة الوطنية الديموقراطية في الشمال، التي جاء رد فعلها، على هذا الالتزام، بضم مقاتليها على الحدود، إلى الجمهورية العربية اليمنية. وبدءاً من صيف ذلك العام، حتى ديسمبر، اشتبكت قوات الجيش النظامي لليمن الشمالي، والقوات القبلية، التابعة للجبهة الإسلامية، ضد اتباع الجبهة الوطنية الديموقراطية وانصارها، في سلسلة من المواجهات المسلحة.

    وفي 19 أغسطس 1981، انضمت اليمن الجنوبية إلى زميلاتها من حليفات السوفييت حيث وقع علي ناصر محمد، والرئيس الليبي العقيد معمر القذافي، والرئيس الإثيوبي منجستو مريام، معاهدة تعاون في المجالات السياسية، والاقتصادية، والعسكرية. وجاءت أولى ردود الفعل على هذه المعاهدة من وزارة الخارجية المصرية، حيث اعتبرت أن موسكو تعمل على تطويق شمال شرقي أفريقيا.

    16. لقاء قمة تعز في سبتمبر 1981:

    استند لقاء قمة تعز، إلى ما تمخضت عنه اللقاءات والمشاورات المستمرة، بين قيادتي شطري اليمن، من اتفاق قمة صنعاء، في 13 يونيه 1980، وتعجيل خطوات تحقيق الوحدة، والاتفاق على تشكيل هيئات وحدودية. وانتقد البيان، الوجود الأمريكي في المنطقة، بعد أن تفاوضت الولايات المتحدة الأمريكية، بشأن الحصول على تسهيلات في المنطقة، مع سلطنة عُمان، وردت اليمن، بإعادة تنشيط مساندتها، لما يسمى بالجبهة الشعبية لتحرير عُمان، واتفق على مشروع دستور موحد. وفي 30 ديسمبر 1981، انتهت اللجنة الدستورية المشتركة من إعداد مشروع دستور دولة الوحدة، وتم إقراره والتوقيع عليه. وفي خلال عام 1982، حدثت اشتباكات بين قوات الشطرين، حول أجزاء من محافظة شبوه الغنية بالنفط.

    وفي نوفمبر 1982، و"بوساطة الكويت"، وقعت اليمن الجنوبية مع سلطنة عُمان، اتفاقاً ينهي 15 عاماً من القطيعة بينهما. وفي الأشهر الأولى من عام 1983، تحركت اليمن الجنوبية على جبهة دول الصمود والتحدي. فزار ياسر عرفات عدن، كما قام علي ناصر محمد بزيارات إلى ليبيا، والجزائر، وسوريا.

    17. لقاء صنعاء في الفترة من 15 إلى 20 أغسطس 1983:

    التقى الرئيسان، علي عبدالله صالح، وعلي ناصر محمد، واستعرضا ما حققته لجان الوحدة، تنفيذاً لاتفاقياتهما المبرمة بين الشطرين. وأعرب الرئيسان، عن ارتياحهما لما تم تحقيقه من خطوات، خاصة ما قامت به المؤسسات التجارية المشتركة، في مجالات السياحة والنقل، وما تم تحقيقه خلال دورة المجلس اليمني الأعلى، وفي مقدمتها الوحدة، والتقدم والتطور الاجتماعي والاقتصادي.

    18. لقاء قمة عدن في الفترة 15 ـ 17 فبراير 1984:

    التقى الرئيسان، علي عبدالله صالح، وعلي ناصر محمد، واتفقا على متابعة الجهود، من أجل الوحدة بين الجمهوريتين، وتعزيز استقرار اليمن بشطريه، من خلال اللجان المشتركة، أو بالتعاون المباشر بين المؤسسات، والوزارات، والأجهزة المركزية الأخرى، في الجمهوريتين، وتسهيل انتقال المواطنين، بين الشطرين، بالبطاقة الشخصية.

    وبعد استعراض مجالات التنسيق، بين الطرفين، على صعيد السياسة الخارجية، أعلن الرئيسان ارتياحهما، لاستمرار تمسك الجمهوريتين بسياسة عدم الانحياز، وتاييدهما لكافة الجهود، التي تبذل في سبيل تقوية حركة عدم الانحياز، وشمول دورها في كافة المجالات الدولية، خاصة في ميدان الحفاظ على السلام، وتخفيف التوتر في العلاقات الدولية.

    وثمة نقطتان أساسيتان في علاقات اليمن الشمالية الخارجية، الأولى توقيع بروتوكولين ماليين مع فرنسا، أثناء زيارة علي صالح لباريس في أبريل 1984، والثانية توقيع معاهدة صداقة وتعاون مع الاتحاد السوفيتي، أثناء زيارة علي صالح لموسكو في أكتوبر 1984.

    19.
    عام 1984، زار علي عبدالله صالح "جمهورية اليمن الديموقراطية"، تخوفاً من الوضع المتفجر بين شطري اليمن، إثر إكتشاف النفط بكميات تجارية، على الحدود بين الشطرين.


    20. لقاء صنعاء في 29 ديسمبر 1985:

    في اطار التمهيد، لانعقاد اللجنة الوزارية المشتركة، بين الشطرين، لمناقشة مختلف القضايا والأنشطة الوحدوية المشتركة، كان لقاء صنعاء، استكمالاً لمناقشة الموضوعات بجداول أعمالها، وكذلك إعداد مشروع البيان الصحفي، عن نتائج اجتماع الدورة الثالثة للجنة الوزارية المشتركة، التي عقدت في صنعاء 10 ـ 12 ديسمبر 1985، وإعداد الترتيبات لدورتها التالية. وقد أصدرت اللجنة الوزارية المشتركة، عدة قرارات وتوصيات.

    21.
    في 13 يناير 1986، تفجرت الأزمة داخل الحزب الاشتراكي في عدن، في شكل حرب أهلية، وتصفيات حزبية دموية، ذهب ضحيتها ما لا يقل عن عشرة آلاف مواطن، وحصدت أكثر من قائد سياسي بارز، منهم عبدالفتاح إسماعيل، الذي كان قد عاد من روسيا عام 1985، ويخسر علي ناصر محمد السلطة، ويفر إلى الخارج. وينزح عدد كبير من السياسيين، والعسكريين، والمواطنين، إلى الشطر الشمالي، ويتولى الحكم مجموعة علي سالم البيض وأبو بكر العطاس، وسالم صالح محمد.

    وقد أدى ذلك إلى تداعي المؤسسات الاقتصادية، وعانى اليمن الجنوبي أزمة اقتصادية خانقة نتيجة تقلص الدعم السوفيتي عقب سياسة البروسترويكا، كما لم يكن الوفاق داخل الحزب الاشتراكي في أحسن حالاته، مما جعل الحزب يشعر بأهمية خيار الوحدة، لإنقاذ ما يمكن إنقاذه.

    22.
    وفي عام 1988، كانت أزمة النظام في اليمن الشمالي، قد بلغت مداها،في الجوانب الاقتصادية والسياسية، داخلياً، وإقليمياً، وانتشر القتال بين القبائل في مناطق متعددة، ولم تستطع الدولة، بسبب هويتها القبلية أن تؤثر فيها، فقد أحصيت في البلاد، في تلك الفترة، خمس وعشرون منطقة اقتتال قبلي، وبدا للنظام في اليمن الشمالي، أن الفرصة باتت سانحة، مع تفاقم الحكم في الجنوب، التعجيل في فرض الوحدة.


    23. لقاء تعز أبريل 1988:

    عقد لقاء القمة بين الرئيسين، وأكدا في هذا اللقاء، على أهمية المشروعات الإستثمارية المشتركة للثروات الطبيعية، بين الطرفين، في محافظتي مأرب الشمالية، وشبوة الجنوبية، خاصة النفط، وأن تستكمل الخطوط العملية الخاصة بتنفيذه.

    24. اتفاقية صنعاء 4 مايو 1988:

    تلاحقت مؤشرات بداية عصر الوحدة، حيث اتفقت قيادتا الشطرين، ممثلة في الرئيس علي عبدالله صالح، وعلي سالم البيض، على متابعة الخطوات الوحدوية، وإبرام اتفاقية للتكامل الاقتصادي بين الشطرين، وسحب قوات الطرفين من مناطق الحدود. ووقع الرئيسان على اتفاقية صنعاء.

    25. قيام الوحدة اليمنية:

    أ.
    بعد أن أبرم الرئيسان علي عبدالله صالح، وعلي سالم البيض، اتفاقية صنعاء، في 4 مايو 1988، لإنشاء مشروعات استثمارية مشتركة للثروة النفطية، في محافظتي شبوه ومأرب، واتفقا على سحب قوات الطرفين، من مناطق الحدود بين البلدين، تفادياً لأي مواجهة عسكرية، بين الشطرين. تلاحقت مؤشرات الوحدة، عندما اعتمدت في عدن، في 28 يونيه 1988، عدة قرارات خاصة بإلغاء جميع القيود، على تنقل الأفراد بين الشطرين عبر الحدود، وإلغاء الرسوم والضرائب المتعلقة بحركة مرور السيارات، والبضائع، الأمر الذي بعث الحياة في جسد "لجنة التنظيم السياسي الموحد"، المنبثقة عن اتفاق طرابلس، بين صنعاء وعدن في عام1972.

    ب.
    وفي 30 نوفمبر 1989، بدأت مفاوضات الوحدة بين الشطرين. وطُرحت خيارات الفيدرالية، والكونفدرالية، أو توحيد الوزارت تدريجياً، وتقدمت لجنة التنظيم السياسي الموحد، بأربع صيغ توحيدية، هي:

    (1)
    دمج الحزبين الحاكمين، في شطري البلاد، وهما الحزب الاشتراكي "الجنوبي"، والمؤتمر الشعبي العام الشمالي.

    (2)
    السماح بقيام أحزاب أخرى، إلى جانب الحزبين المذكورين.

    (3)
    حل الحزبين الرئيسيين، في شطري البلاد، وإعداد الأرضية لبروز قوى سياسية جديدة.

    (4)
    تأسيس جبهة عريضة، تضم التيارات السّياسية.





    واستمرت المشاورات، بين الحزبين الحاكمين في الشّطرين، حتى شهر مايو 1990، حيث توصلا، إلى إقامة حكومة واحدة، في يمنٍ وحد، إلى جانب السماح بقيام أحزاب أخرى، وهذا ما تحقق في 22 مايو 1990، بالتوقيع على إعلان قيام الوحدة الاندماجية بين الشطرين، حيث فاجأ علي سالم البيض، الأمين العام للحزب الاشتراكي، القيادات الأخرى في الحزب، بالموافقة على الوحدة الاندماجية، أثناء وجود الرئيس علي عبدالله صالح، في عدن، ووقعا عليها. وأُعلنت دولة الوحدة، على الرغم من معارضة عناصر عديدة في الحزب الاشتراكي.

    وحُددت فترة انتقالية مدتها حوالي 30 شهراً، للوصول إلى حكومة اتحادية اندماجية واحدة.




    اليمن الشمالي

    القسم الثاني: جمهورية اليمن الموحدة:
    تأسست الجمهورية اليمنية في 22 مايو (آيار) عام 1990، عن اتحاد الشطر الشمالي، الذي كان يسمى "الجمهورية العربية اليمنية"، والشطر الجنوبي، الذي كان يسمى "جمهورية اليمن الديموقراطية الشعبية"، اتحاداً اندماجياً، وهي الآن دولة واحدة مساحتها 528 ألف كم مربع، ولها حدود مشتركة مع المملكة العربية السعودية طولها حوالي 1458كم، ومع عمان بطول 288كم، ولها شواطئ على البحر الأحمر طولها 1906كم، وتسيطر على باب المندب، المنفذ الجنوبي الشرقي للبحر الأحمر، وتضم جزيرة سوقطري الإستراتيجية في خليج عدن، إضافة إلى أكثر من 112 جزيرة يمنية في البحر الأحمر، أكبرها جزيرة كمران وحنيش الكبرى والصغرى، وزقرو الزبير، والطير. وتوجد علامات حدودية بينها، وبين المملكة العربية السعودية، وعلى الخط الإداري مع سلطنة عُمان. وعدد سكان اليمن 16.6 مليون نسمة، حسب تقديرات عام 1996، معظمهم في الشطر الشمالي، ويبلغ معدل النمو السكاني 3.2 %، وحوالي 90 % من السكان عرب، وحوالي 8 % أفارقة، و2 % من الهنود، والأصول الأخرى القريبة من اليمن، مثل الصومال. وفي الشمال يوجد خليط من المسلمين الشيعة والسنة، ولكن الكثير من زعماء القبائل الكبيرة، مثل حاشد وبكيل من الشيعة الزيدية، وهم يسيطرون على الحكومة. والرئيس الحالي لليمن، علي عبدالله صالح من الشيعة الزيدية، أما الجنوب فجميعهم مسلمون سنة، مع وجود بعض المسيحيين وأكثر من نصف اليمن الموحد من السنيين الشوافع.
    يتأثر أمن البحر الأحمر، بالموقع الجيوبوليتيكي لليمن، الذي يقع على البوابة الجنوبية للبحر الأحمر، والذي يؤدي عبر مضيق المندب، إلى بحر العرب، ومنه إلى الخليج العربي، والمحيط الهندي، وشرق آسيا، وجنوب القارة الأفريقية، ومن ثم فإن الأمن القومي العربي يتأثر بالأمن القومي لليمن، حيث يشكل البحر الأحمر الحزام الأمني لشبه الجزيرة العربية من الجهة الغربية، كما يشكل مضيق باب المندب، الاتجاه الأمني الجنوبي لقناة السويس، ولذلك فإن اليمن القوي الموحد، أفضل للدول العربية، من يمن ضعيف، مقسم إلى عدة دول، ومن مصلحة الدول العربية، أن يكون هناك استقرار دائم في اليمن.
    الأسس السياسية لبناء دولة الوحدة وتوزيع السلطة:
    أ.
    نصت المادة الأولى من الدستور اليمني، على أن الجمهورية اليمنية دولة مستقلة ذات سيادة، وهي وحدة لا تتجزأ، ولا يجوز التنازل عن أي جزء منها، والشعب اليمني جزء من الأمة العربية والعالم الإسلامي، وأن الإسلام دين الدولة، واللغة العربية لغتها الرسمية، وأن الشرعية الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع، والشعب مالك السلطة ومصدرها، ويمارسها بشكل مباشر عن طريق الاستفتاء، والانتخابات العامة، كما يزاولها بطريقة غير مباشرة، عن طريق الهيئات التشريعية، والتنفيذية، والقضائية، والمجالس المحلية المنتخبة. وتؤكد الدولة العمل بميثاق الأمم المتحدة، والإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وميثاق الجامعة العربية، وقواعد القانون الدولي المعترف بها بصورة عامة، وحدد الدستور الأسس الاقتصادية، والأسس الاجتماعية، وأسس الدفاع الوطني، وحقوق المواطنين الأساسية وواجباتهم.

    ب.
    كان تعداد السكان في اليمن الشمالي، حوالي أحد عشر مليون نسمة، إلى جانب مليوني مغترب، في مقابل حوالي 2.5 مليون نسمة في اليمن الجنوبي، التي تشكل في الوقت نفسه، أكثر من ثلثي مساحة اليمن الموحد. كما كان لليمن الشمالي قوات مسلحة، لم تَعانِ من صدمة الحرب الأهلية، ولديها معظم احتياطي البترول بالدولة، وفي الوقت نفسه، عكست الحكومة، توازناً حذراً بين الشمال والجنوب، فقد أصبح علي عبدالله صالح، أول رئيس لدولة الوحدة، في الوقت، الذي أصبح فيه علي سالم البيض، نائباً للرئيس، وتشكل مجلس الرئاسة الحاكم، من ثلاثة أعضاء من الشمال، وثلاثة أعضاء من الجنوب، كما ضم مجلس الوزراء، عشرين وزيراً من الشمال، وتسعة عشر وزيراً من الجنوب.

    جـ.
    أما فيما يتعلق بالسّلطة التشريعية، فقد تم التمييز بين نوعين من مؤسسات الدولة؛ النوع الأول، المؤسسات المركزية، والنوع الثاني، مؤسسات الحكم المحلي، وبالنسبة للمؤسسات المركزية، فقد تمثلت في مجلس النواب، باعتباره الهيئة التشريعية، ومجلس الشورى، الذي تم استحداثه، ويتكون من عدد متساو من الأعضاء، يمثلون وحدات الحكم المحلي، يتم انتخابهم من قبل مجالس المخاليف "المقاطعات"، وأن تكون له صلاحيات إبداء الرأي، في القوانين الأساسية، وبشكل خاص، ما يتعلق بالحكم المحلي والميزانيات، والمعاهدات، وقضايا الحدود، ويشارك مجلس النواب، في انتخابات أعضاء مجلس رئاسة الدولة، وأن يتولى انتخاب أعضاء المجلس الإعلامي، وأعضاء المحكمة العليا للجمهورية.

    د.
    تمثلت السلطة التنفيذية، في رئيس الجمهورية، وهو رئيس الدولة، ويتم انتخابه وفقاً للدستور، ويكون له نائب، ومدة تعيين رئيس الجمهورية، خمس سنوات شمسية، ابتداء من تاريخ تأدية اليمين، وهو القائد الأعلى للقوات المسلحة. ويعين رئيس الجمهورية، مجلس استشاري، من الكفاءات والخبرات الوطنية، المتوفرة في مختلف المناطق اليمنية.

    هـ.
    يحكم اليمن مجلس رئاسة مكون من خمسة أعضاء، يدعوه للاجتماع رئيس الجمهورية. ويتم اختيار مجلس الرئاسة، من قبل مجلس النواب المنتخب من الشعب. ويتم اختيار المجلس كل أربع سنوات، عن طريق الاقتراع السري.

    و.
    يتولى مجلس الوزراء سلطة الإشراف، والرقابة، والتوجيه، لأعمال الوحدات الإدارية، من أجل تحقيق التنسيق والترابط والتكامل، بين عمل الأجهزة المركزية، والمحلية للدولة. وتعمل وزارة الإدارة المحلية، وأجهزة السلطة المحلية في المحافظات، بكل إدارتها، وأجهزتها المختلفة، بمبدأ مركزية التخطيط، لا مركزية التنفيذ، من خلال تطبيق نظام اللامركزية في الإدارة المالية على المستويات المختلفة، وفي الأنشطة المختلفة.

    ز.
    تتكون الجمهورية اليمنية من سبعة عشرة محافظة، تنقسم كل محافظة إلى عدة مديريات، تشتمل كل مديرية على عدة عزل، تتكون كل عزلة من عدة قرى. ويتم انتخاب مسؤول في كل عزلة يسمى العاقل، ويكون مسؤولاً أمام المديرية، فيما يخص القرى من قضايا اقتصادية واجتماعية وسياسية، وينفذ ما يوكل إلية من مسؤوليات، من قبل مسؤول المديرية.

    ح.
    يُعَيَّن بقرار جمهوري، محافظ بدرجة وزير لكل محافظة. ويعتبر المسؤول الأول في المحافظة. ويمثل المحافظ السلطة التنفيذية. والمحافظون محاسَبون ومسؤولون أمام مجلس الوزراء. ولكل محافظة وكيل بدرجة وكيل وزارة، ينوب عن المحافظ في حالة غيابه، ويعاونه في ممارسة اختصاصاته في حدود القوانين، والنظم، واللوائح النافذة، وفي حدود تفويض المحافظ، والإشراف على الجوانب الإدارية والمالية.

    ينشأ في كل محافظة مجلس تنفيذي، يرأسه المحافظ، ويضم في عضويته، رؤساء فروع ومكاتب الوزارات، والمصالح في المحافظة، ومدير أمن المحافظة، ومدير عام ديوان المحافظة، ومدير عام شؤون المجالس المحلية بديوان المحافظة. ويستثنى القضاء، بإعتباره سلطة مستقلة.

    ط.
    لكل مديرية مدير، ويعتبر المسؤول الأول بها، ويمثل السلطة التنفيذية في إدارة المديرية، تحت إشراف المحافظ، ويقدم تقاريره إليه، ولا يغادر عمله إلاّ بإذن منه، ويرتبط به مدير أمن المديرية.

    ويرأس المدير العام للمديرية مجلس تنفيذي، ويضم في عضويته مديري فروع للوزارات والمصالح، كما يضم سكرتير المديرية كمقرر.

    وينوب عن المدير العام في أعمال الرئاسة، مدير أمن المديرية، ويتألف مجلس محلي لكل مديرية، ويتم انتخاب أعضائه عن طريق الاقتراع السري، ويكون انتخابهم حراً، وعاماً، ومباشراً، ومتساوياً، من قِبل المواطنين في المديرية.

    ي.
    وقد بلغ عدد الموظفين في دولة الوحدة، حوالي 350 ألف موظف، وشكل الجنوبيين الغالبية الساحقة، في عدد الوظائف بعد الوحدة، أكثر من ربع مليون، في مختلف الوزرات، والأجهزة، والمؤسسات، على الرغم من أن عدد المواطنين في الشطر الجنوبي، لم يكن يتجاوز 2.5 مليون نسمة، في مقابل 13 مليون نسمة في الشمال.





    قوبلت الوحدة بمعارضة شديدة، من عناصر عديدة، داخل الحزب الاشتراكي، ثم بدأ مسلسل الاغتيالات ضد الأعضاء المعارضين، وراح ضحيته أكثر من 155 شخصاً. وبرزت المشاكل السياسية بين الطرفين، التي ما لبثت أن تحولت إلى صراع سياسي، بظهور أحزاب جديدة ومتعددة، شُكِّلتْ لمنافسة الحزب الاشتراكي والقضاء عليه. وجرت محاولات لرأب الصدع، ولم تنجح، وتفاقمت المشاكل السياسية، والاقتصادية، وتحولت الوحدة إلى صراع بين الأطراف الرئيسية، ساندتها، وأججتها الأصولية والقبلية.
    وتثير مواقف علي سالم البيض، من إعلان الوحدة الاندماجية، بطريقة مفاجأة، الكثير من التساؤلات والريبة.
    مهما تكن عوامل الالتقاء، التي تجمع الشطرين أو الشعبين، في الشمال والجنوب، وتحتم ضرورة دمجهما في "يمنٍ واحد"، فإن الواقع يقول، إن الأوضاع السياسية، والقبلية، والمذهبية، التي سبقت استقلال كل منها، وطريقة حصولهما على الاستقلال، ثم ما أنجزه كل منهما، منذ ثورة سبتمبر 1962، في الشمال، واستقلال اليمن الجنوبي بالكفاح المسلح عام 1967، قد أوجدت اختلافات واسعة بين طبيعة النظامين، وتفاوت في درجة التطور الاقتصادي، والسياسي، والاجتماعي، في كليهما.
    لقد عجز الشطر الشّمالي، عن التخلص من القبلية الشّديدة، التي كانت تعوق عمليات التحديث والتطوير فيه. أما في الجنوب، فإن ما أُنْجز فيه على طريق التحرر الاقتصادي، تقدم بخطوات عنه في الشمال. وكانت السّلطة المركزية في الجنوب، تُحكم بحزب سياسي، وتبسط سيطرتها على كافة أرجاء البلاد، في حين ما زالت السّلطة في الشّمال، غير قادرة على تكوين تنظيم سياسي، يدعم وجودها ويحميها من تقلبات الأوضاع القبلية. وقد حالت هذه الاختلافات، دون تقارب النظامين.
    عصفت الأزمة السياسية باليمن، عقب قيام الوحدة مباشرة، في الثاني والعشرين من مايو 1990، وكأنها نوع من التهديد الجاد لتلك الوحدة الوليدة. فبدا أن قطيعة جدية تفصل بين الحزبين الحاكمين، "حزب المؤتمر، والحزب الاشتراكي"، وأن أزمة مستعصية تلوح في الأفق. وبسبب طبيعة المطالب والاعتراضات، التي طرحها الطرفان المعنيان في وجه بعضهما، وتبادل الاتهامات من كلا الجانبين، باتت الحلول السياسية لهذه الأزمة غير ممكنة. وتعثرت جهود الوساطة الداخلية والخارجية، لتكشف عن عمق الخلافات بين شطري اليمن. وتؤكد أن الوحدة اليمينة، لم تكن سوى شعار، وأن ثمة خللاً في إدراك القادة اليمنيين لمفهوم الوحدة، مما جعلها قابلة للنقض، عند اختلاف مصالح الطرفين.
    وقد بدأ الصراع السياسي بخلاف، على تطبيق بنود اتفاقيات الوحدة، ثم انتقل إلى خلاف على مواد الدستور، وخلافات وتناقضات أخرى متعددة. وبناء على ذلك، يمكن التعّرف على أسباب فشل الوحدة، من خلال استعراض الدوافع، التي أدت إلى تداعيات أزمة الوحدة، التي انتهت بنشوب الصراع المسلح بين الشطرين.

    القسم الأول: خريطة التعددية السياسية والفكرية، "الأحزاب السياسية وتوجهاتها":
    1.
    لعبت الأحزاب السياسية في اليمن، الدور الرئيسي في إزكاء الصراع، ونشوب الحرب الأهلية، نظراً لاختلاف التوجهات السياسية لكل حزب، على الرغم من التوقيع على وثيقة التحالف الثلاثي، التي أُعلنت في أول أغسطس 1993، والاشتراك في حكومة ائتلافية واحدة.

    2.
    توالى الإعلان عن تأسيس الأحزاب السياسية، في اليمن، منذ قيام دولة الوحدة، في "مايو 1990"، التي أقر دستورها التعددية الحزبية، ونظّم قانون الأحزاب تلك التعددية، واكتسبت كلمة "الحزبية"، مدلولاً وطنياً، بعد أن كانت، ولسنوات طويلة، في اليمنين سابقاً، رمزاً للخيانة والخروج، على النظام والوطنية.

    وبعد عامين تقريباً من قيام الوحدة، وصل عدد الأحزاب المعترف بها رسمياً، إلى ستة وأربعين حزباً، "ولكل حزب جريدته الخاصة"، في بلد لا يزيد عدد سكانه عن 16.5 مليون نسمة. وكان عدد تلك الأحزاب يتغير بالزيادة، أو النقصان، نتيجة عمليات التحالف، والاندماج، والانشقاق، التي تمر بها الخريطة الحزبية.

    وتتكون الخريطة الحزبية، من قسمين أساسيين، يضم أولهما حزبي السلطة الحاكمة، وهما "حزب المؤتمر الشعبي العام، وأمينه العام هو الرئيس علي عبدالله صالح، والحزب الاشتراكي اليمني، وأمينه العام هو علي سالم البيض. ويضم "القسم الثاني" كافة الأحزاب الشعبية، والإسلامية، وأهمها حزب التجمع اليمني للإصلاح"، والناصرية، والبعثية.

    ولا تتطابق خريطة التعددية الحزبية فكرياً وسياسياً، إلا تطابقاً جزئياً. وكان الانقسام الرئيسي في الخريطة الفكرية والسياسية، ينحصر بين التوجهات الإسلامية، من ناحية، والتوجهات العلمانية، من ناحية اخرى، لبناء الدولة، وتطوير المجتمع. والتوجهات الإسلامية لا تنفرد بها الأحزاب الإسلامية فقط، "مثل حزب التجمع اليمني للإصلاح"، بل إن حزب المؤتمر الشعبي، الذي حكم اليمن الشمالي سابقاً، والمشارك في الحكم الموحد حالياً، يحمل هو الآخر جانباً كبيراً من التوجهات والأهداف الإسلامية، على الرغم من أنه يضم بين صفوفه بعض العلمانيين، خاصة أولئك، الذين انشقوا على الحزب الاشتراكي اليمني الجنوبي.

    3.
    وقد أدى ظهور العديد من الأحزاب، وخاصة المعارضة منها، إلى سرعة الغليان السياسي. في إيجاز نستعرض أهم الأحزاب السياسية وتوجهاتها:
    أ. حزب المؤتمر الشعبي العام "شمالي" :

    (1)
    تأسس رسمياً في أغسطس 1982، بعد انتهاء الحوار السياسي للقوى الفاعلة في المجتمع، ضمن ما كان يسمى بلجنة الحوار الوطني. وفي بداية تأسيسه، ضم بين صفوفه كافة القوى السياسية الفاعلة، والكثير من الفصائل الدينية، والقبلية الشيعية الزيدية، وشكّل الإخوان المسلمون، والبعثيون الموالون للعراق، والناصريون، أهم القوى بداخله. وقد أصبح هذا الحزب أكبر وأقوى الأحزاب السياسية، بعد الوحدة.

    (2)
    يتولى أمانة الحزب الرئيس علي عبدالله صالح، الذي تحالف مع العناصر البعثية، ومكنّهم من السيطرة على الحزب، عن طريق تعيينهم في المناصب الرئيسية، وذلك لمواجهة الحزب الاشتراكي الجنوبي، صاحب التجربة الحزبية الطويلة، والكوادر السياسية المحترفة.

    ومنذ إعلان الوحدة، التحقت بالحزب مجموعة من المنشقين، عن الحزب الاشتراكي الجنوبي، وهي التي تسيطر على قيادة حزب المؤتمر، في معظم محافظات الشطر الجنوبي.

    وَتُوِّجَ ذلك، بتعيين أربعة شخصيات يمنية جنوبية، وهم من أشد خصوم الحزب الاشتراكي، في عضوية اللجنة العامة للحزب. وإلى جانب هذا، فإن قيادة الحزب تضم مجموعة يطلق عليها "التكنوقراط" بقيادة عبدالكريم الإيرياني، وعبد العزيز عبد الغني. وبسبب تلك التناقضات في تكوين حزب المؤتمر الشعبي، فَقَدَ الحزب الكثير من صبغته الإسلامية، مما أدى إلى خروج قيادات إسلامية بارزة منه، التحقت بحزب الإصلاح.

    (3)
    كان للتوجه الإسلامي لحزب المؤتمر، قبل الوحدة، المشاركة الفعالة في صياغة التوجهات الإسلامية لنظام الحكم، وهو ما ظهر بوضوح في الدستور الدائم لليمن الشمالي، وفي الميثاق الوطني للمؤتمر الشعبي العام.

    (4)
    يتلخص البرنامج المعلن للحزب، بأنه الأجدر بثقة الجماهير، لكونه أكثر قدرة على تلمس معاناتها وآمالها. وأعلن الحزب عن هويته الإسلامية دون تعصب، وتبنى سياسة اقتصادية متوازنة، وسياسة خارجية معتدلة، وقوامها: تقوية العلاقات مع الولايات المتحدة الأمريكية، والاحتفاظ بعلاقات جيدة مع شركات البترول العالمية، والمؤسسات الاقتصادية الدولية، والعمل على تنمية الثورة النفطية واستغلالها، وتوسيع قاعدة التعليم، وتدعيم القوات المسلحة، والأمن، وتطويرهم ـ وإعادة بناء سد مأرب التاريخي. كما وعد بحل المشاكل الاقتصادية، والمعيشية، للمواطن اليمني، من خلال معالجة المشاكل التموينية، وزيادة الإيرادات، ووضع سياسة نقدية واضحة، وتشجيع ودعم الصناعات الحرفية، التي تعتمد على العمالة الكثيفة. وعلى صعيد الأمن وعد الحزب، بمحاربة الجريمة، وظواهر الثأر، والإرهاب، والعنف السياسي، والرشوة والفساد. وقدم الحزب نفسه للشعب اليمني لتحمل مسؤولياته، على أساس برنامج، وصفه بانه بعيد عن المزايدات الكلامية، والشعارات المضللة.


    ب. الحزب الاشتراكي اليمني "جنوبي":

    (1)
    نشأ عام 1958 كفرع من جبهة القوميين العرب، ومر بمراحل متعددة، وصراعات بين الأجنحة القومية، والماركسية، المكونة له.

    وفي عام 1969، حسم الماركسيون الصراع لصالحهم، وفي أكتوبر 1978، تغير اسم الحزب من "الحزب الشيوعي"، إلى اسمه الحالي "الاشتراكي". ولكنه لم يتمكن من التخلص من تاريخه، وحظي بتأييد ضعيف في الشمال بعد الوحدة، وكانت أعنف أزمة تعرض لها الحزب، هي التصفيات الدموية، التي تفجرت في 13 يناير 1986، وأخذت شكل حرب أهلية، جعلت البلد على حافة الانهيار.

    وكانت الوحدة بين شطري اليمن، بمثابة طوق النجاة للحزب الاشتراكي، حيث جاءت في الوقت، الذي اندثرت فيه النظم الاشتراكية، التي يعتنق الحزب مبادئها، في أوربا الشرقية.

    ومنذ إعلان الوحدة، التحقت مجموعات من المنشقين، عن الحزب الاشتراكي الجنوبي، بالمؤتمر الشعبي العام، وفي مقدمتهم القيادات العليا الموالية للرئيس السابق، علي ناصر محمد، التي سيطرت على قيادة حزب المؤتمر، في معظم محافظات الشطر الجنوبي. ثم تُوج ذلك بتعيين أربعة أشخاص، من أشد خصوم الحزب الاشتراكي، في عضوية اللجنة العامة لحزب المؤتمر، وهم القادة الذين تزعموا جناح علي ناصر محمد، في أحداث يناير 1986، الدامية في الجنوب.

    (2)
    يشارك الحزب الاشتراكي، حزب المؤتمر الشعبي في إدارة السلطة، ولكنه أقدم منه من حيث النشأة، وأكثر تمرساً في العمل السياسي، والتوجه الإعلامي والدعائي.

    (3)
    يقدم الحزب الاشتراكي نفسه، على أنه حزب التحديث والعلمانية في اليمن، والوحيد القادر على مواجهة التيار الإسلامي. ومع أن الحزب، يتمتع بخبرات تنظيمية طويلة، إلاّ أنه يعاني من مشاكل الصراع والانشقاق، وهو صاحب تجربة فاشلة في الحكم، وحيث مارس السلطة بدكتاتورية بوليسية مطلقة، لا تزال تفعل فعلها السيئ في نفوس اليمنيين. وحاول طوال حكمه، إدخال الأفكار الشيوعية في التعليم، والإعلام، والثقافة، والزراعة، والتصريح بالخمور.

    (4)
    وعلى الرغم من إيمان الحزب الاشتراكي بالماركسية اللينينية، إلاّ أنه يحاول اتباع سياسة واقعية، بغض النظر عن الشعارات التي يرفعها، وذلك منذ نهاية الثمانينات. وقد أدت هذه السياسة إلى تطوير علاقاته بدول الغرب، وخاصة بريطانيا، والولايات المتحدة الأمريكية.

    (5)
    ويتلخص برنامج الحزب في العمل، على تقوية المؤسسات الدستورية، وتوسيع الممارسات الديموقراطية، وتحقيق الوحدة الوطنية الكاملة، والاندماج الاجتماعي، واحترام مصالح طبقاته وفئاته، وصيانة السّلام الاجتماعي، واستكمال بناء الدولة اليمنية، وضرورة تحديد الأسعار، للمواد الغذائية الأساسية والدواء، وتطبيق قانون الضمان الاجتماعي، وعدالة الأجور، وتنظيم العلاقة، بين ملاك الأراضي والمستأجرين.


    جـ. الأحزاب والتنظيمات الإسلامية السياسية:

    تقتصر على أربعة أحزاب رئيسية، هي:

    (1) حزب التجمع اليمني للإصلاح"شمالي":

    أ.
    هو أكبر الأحزاب السياسية، التي تمثل الاتجاه الإسلامي، في اليمن الموحد. تأسس في 4 أبريل 1980، ويتزعمه عبدالله بن حسين الأحمر، من الشيعة الزيدية، وشيخ مشايخ حاشد. وظل يمارس نشاطه في الشّطر الشّمالي، حتى تم الاعتراف به رسمياً، بعد صدور دستور الوحدة، وأصبح ثاني أكبر حزب بعد حزب المؤتمر. وهو ينطلق في رؤيته من إيمانه بالإسلام، كمنهج حياة. ويدعو منذ قيامه إلى وحدة اليمن، وكان يدعو دوماً، إلى إزالة الحكم الشيوعي من اليمن. ويشكّل الإخوان المسلمون الجناح الرئيسي داخل الحزب. ويضم ضمن قياداته العالم الإسلامي الشيخ عبد المجيد الزنداني، وهم ينتمون فكرياً، لمدرسة الإخوان بمصر، ولكنهم متأثرون في تجربتهم الحزبية، بتجربة الجبهة القومية الإسلامية في السودان، بقيادة حسن الترابي.

    ب.
    أوجز رئيس الحزب برنامج حزبه الإسلامي، في إصلاح الأوضاع المتردية، بصدق الالتزام بشرع الله، وتطبيق أحكامه، وتمكين الشعب من اختيار حكامه، واستيعاب تعدد الرأي، وتنظيم عملية التداول السلمي للسلطة، ويؤكد على الآتي:

    التمسك بأحكام الشريعة الإسلامية، في كل شؤون الحياة بمختلف مجالاتها.
    إصلاح الدستور، لتصبح مبادئه وأهدافه، منبثقة من شريعة الإسلام.
    الحفاظ على أهداف الثورة، والنّظام الجمهوري الشّورى، والدفاع عن سيادة البلاد واستقلالها.
    العمل على تعميق وترسيخ الوحدة اليمنية، والسعي لتحقيق الوحدة العربية والإسلامية الشاملة.
    العمل على إصلاح المجتمع اليمني، والحفاظ على قيمه الإسلامية، وإزالة أشكال التخلف، وإتاحة حرية الرأي والتفكير، والبعد عن سياسة القمع والترهيب، والحفاظ على حقوق الإنسان، التي كفلتها الشّريعة الإسلامية.
    بناء القوات المسلحة، والأمن، وأفراد الشعب، وتربيتهم تربية إيمانية، لإحياء روح الجهاد والفداء.
    إقامة اقتصاد وطني قوي، نابع من الشريعة، وفق رؤية عصرية تحقق الاكتفاء الذاتي، والاستفادة المثلى من عائدات النفط، والثروات المعدنية.
    إصلاح القضاء، وتطوير أساليبه، بما يكفل استقلاله ونزاهته، وتيسير إجراءات التقاضي للمواطنين جميعاً.
    السعي إلى إلغاء قوانين التأميمات، والمصادرات، وإعادة ممتلكات المواطنين إلى أصحابها الشرعيين، ورفض الحزبية الضيقة، والطائفية، والمطالبة بمنع حمل السلاح في كافة المدن اليمنية، والتخلص من المعاملات الربوية، واستبدالها بالمعاملات المصرفية الإسلامية.



    (2) اتحاد القوى الشعبية اليمنية:

    يؤكد أن الإسلام، هو هوية اليمن، وحضارتها، ويلتزم بتحقيق سيادة الشّرعية، والقانون، وتحقيق اللامركزية، والمشاركة الشعبية، عن طريق مجلس الشورى، وتعزيز الديموقراطية.


    (3) حزب الحق:

    يؤكد في برنامجه، على واجبه الديني، في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بمفهومه الشامل، في مختلف مجالات الحياة السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والتأكيد على مطابقة القوانين لأحكام الشريعة الإسلامية، وبناء الدولة ومؤسساتها، بما يتفق ومبدأ الشورى في الإسلام، والمطالبة بإعادة النظر في قانون الانتخابات، واستقلال القضاء، والدعوة إلى الاهتمام بالمرأة، ورعايتها وتعليمها.


    (4) حزب رابطة أبناء اليمن في "الجنوب":

    يقوده عبدالرحمن الجفري، ويرى هذا الحزب، عدم شرعية استفتاء الدستور، وينُادي بانتخابات عامة. ويؤكد، التزامه بالعقيدة الإسلامية، والفكر الإسلامي، والتراث اليمني العربي، ولا يدعي أنه حزب ديني، ولن يكون كذلك، وهو يرفض التعصب، ويطالب بالتطبيق الحديث للديموقراطية، الانفتاح، والتطور والتحديث، من دون التنازل عن هويته وتاريخه العريق. وهو يؤمن بالعقيدة الإسلامية نهجاً، وفكراً، وسلوكاً، وممارسة، والفصل بين السلطات الثلاث، وانتماء الشعب اليمني إلى الأمة العربية، والأمة الإسلامية، واحترام الحريات العامة، وحقوق الإنسان، الاجتماعية، والسياسية، والدستورية، وارتباط اليمن بالمجتمع الدولي، دون ما تفريط، وبحقوقه والتزامه بالشرعية الدولية.


    د. الأحزاب الناصرية:

    وهي ثلاثة أحزاب تمارس نشاطها على الساحة اليمنية:

    (1) التنظيم الوحدوي الشعبي الناصري:

    وعد الناخبين، بتكريس قيم الحرية، والعدل، والتسامح، كما أكدها الدين الإسلامي الحنيف، رافضاً كل أشكال الاستعباد، والظلم، والتعصب المذهبي، والطائفي، والالتزام بممارسة الديموقراطية، لبناء المجتمع الحديث، القائم على المؤسسات الدستورية الراسخة، التي تعمق نظام التعددية الحزبية، والتداول السلمي للسلطة. كما أكد على أنه يناضل من أجل بناء الدولة اليمنية الحديثة، الحرة، المسلمة، العربية.

    (2) تنظيم التصحيح الشعبي الناصري:

    ركز في برنامجه الانتخابي، على عشرة مهام، أبرزها تقوية المؤسسات الدستورية، وترسيخ الممارسة الديموقراطية، وتوسيعها، وتطبيق نظام الحكم المحلي، والتصحيح المالي، والإداري، وتطوير تجربة التعاون الأهلي، وفرض سيادة النظام، والقانون، على الجميع، واحترام مصالح فئاته، وشرائحه، والتعايش الأخوي بينهما، وصيانة السّلام الاجتماعي، واستكمال بناء أجهزة الدولة ومؤسساتها والقضاء على الفساد المالي، والإداري، وصيانة المال العام، وتوظيفه لصالح المجتمع، واعتماد مبدأ الانتخاب، بالنسبة للمجالس المحلية، بما في ذلك انتخاب المحافظين، ومديري المديريات، ومنحهم الصلاحيات، التي تمكنهم من ممارسة أعمالهم.

    (3) الحزب الناصري الديمقراطي:

    أكد في برنامجه الانتخابي، اعتماد الأساليب الديموقراطية السلمية، في نضاله، من أجل تحقيق الديموقراطية، القائمة على التعددية الحزبية، والتداول السلمي للسلطة، ولا ديموقراطية من دون عدالة اجتماعية.

    هـ.حزب البعث العربي الاشتراكي:

    أكد أنه يخوض هذا المعترك موطداً نفسه، للمشاركة في تحمل المسؤولية، في بناء دولة المؤسسات، وتحقيق الطفرة النوعية التي ينشدها الشعب، وهو يعتبر السلطة وسيلة لخدمة الشعب، وكل المؤسسات المنبثقة عنها أدوات، وليست غاية، وأكد في برنامجه الانتخابي، أنه لا يعد بالمعجزات، لكنه يعد بالنضال الدؤوب، والعمل الجاد من أجل دولة النظام، والمؤسسة الدستورية بصلاحيتها الكاملة، على أساس أنها الضمان الوحيد لحماية الديموقراطية، وإرساء قواعد المجتمع اليمني الحديث.

    و.حزب التجمع الوحدوي اليمني:

    أعلن في برنامجه الانتخابي، أنه يرى في انتخاب مجلس النواب، بداية تجربة ديموقراطية، تستحق خوضها بالوعي الكامل، والضمير الوطني الحي، ووعد الحزب، أنه يقف "بصدق الإيمان مع الوحدة، والديموقراطية، والمساواة مع كل المرشحين الشرفاء"، وأكد أنه سيلتزم بالنزاهة، في خوض المعركة الانتخابية.





    القسم الثاني: العلاقة بين الحزبين الحاكمين ومواقفهم من الأزمة السياسية:
    بعد إعلان الوحدة، اقتسم الحزبان ـ "المؤتمر الشعبي والحزب الاشتراكي" ـ السلطة فيما بينهما. وقد أكسبتهما الظروف، التي تمت فيها الوحدة وضعاً متميزاً، جعل الوحدة ذاتها، تبدو وكأنها بين هذين الحزبين، ومن ثم، فإن مصير الوحدة أصبح متوقفاً، على الاتفاق أو الخلاف بينهما.

    وقد استمرت العلاقة بين الحزبين جيدة، طوال العام الأول للوحدة، ثم بدأ الخلاف يظهر بينهما، حول الكثير من القضايا السياسية، والمسائل التنظيمية. وبدأت تظهر جذور ورواسب العداوة التاريخية بين الحزبين، واختلاف تجربة كل منهما في الحكم، وكذا الولاءات الإقليمية "شمال وجنوب" والقبلية. إضافة إلى تأثير بعض العوامل الخارجية، ممن كان يقلقهم قيام دولة الوحدة، والتوجه الديموقراطي فيها.

    * وقد دارت الخلافات بين الحزبين، حول المسائل والقضايا الرئيسية التالية:

    فشل حزب المؤتمر، بصفته الطرف الأكبر والقوى، في بلورة سياسة استيعاب ومشاركة، الحزب الاشتراكي. وبدت سياسته أقرب إلى الضم والاحتواء، ومحاولة الإجهاز عليه. وظهرت هذه السياسة في صورة السعي للسيطرة، على مقدرات المحافظات الجنوبية سياسياً واقتصادياً. ومن ناحية أخرى، أنفق النظام الحاكم بوفرة في الشمال، وأهملت المحافظات الجنوبية، خاصة العاصمة السابقة عدن، التي كان من المتفق عليه، عند إعلان الوحدة، تحويلها إلى منطقة حرة، أو عاصمة اقتصادية وتجارية، لدولة الوحدة.
    كما لم تفلح صنعاء في وقف تدهور الأحوال المعيشية للمواطنين، خاصة في الجنوب، في الوقت الذي يسهم فيه الجنوبيين بالنصيب الأوفر في موازنة الدولة الموحدة، حيث تصل مساهمتهم في الموازنة العامة، بنحو الثلثين.
    صيغة الوحدة:
    كان حزب المؤتمر، يرى أن صيغة الوحدة، التي أقرها الطرفان هي الصيغة المثلى، وأن أي تغيير فيها، لا بد من أن يستند على رأي الأغلبية، التي ستكون في جميع الأحوال "شمالية".
    أما الحزب الاشتراكي، فكان يرى ضرورة مراجعة صيغة الوحدة بصفة دورية، للوقوف على أخطاء التجربة، من خلال الممارسات الفعلية، وأن الحوار بين الأطراف هو الوسيلة المثلى، للتوصل إلى اتفاق سياسي. وعارض الحزب الاشتراكي، الاحتكام إلى المؤسسات الدستورية الشرعية، نظراً لسيطرة حزب المؤتمر، على الأغلبية الساحقة من مقاعد هذه المؤسسات، ويرى أن الاحتكام إليها، هو إفراغ الديموقراطية من محتواها، تحت ستار الأغلبية.
    طرح الحزب الاشتراكي، خيار اللامركزية المالية والإدارية، لحسم المشّكلات الخاصة بكل محافظة على حدة، نظراً لعجز الحكومة عن إدارة دفة البلاد. ثم تحول خيار اللامركزية فيما بعد، إلى خيار الفيدرالية، التي تعني استقلالاً أكبر للأقاليم، داخل دولة الوحدة.
    وقد عارض حزب المؤتمر، خيار اللامركزية، والفيدرالية، باعتبارهما خياران انفصاليان، ويعدان تراجعاً عن مسيرة الوحدة. كما رأى، حزب المؤتمر، أن تحقيق الوحدة، إنجاز شخصي لقائد الحزب، الرئيس علي عبدالله صالح، ومن ثم فإنه يحرص على استمرارها، وعدم انهيارها. ولذا، فإن حزب المؤتمر، يتمسك بالرجوع إلى المؤسسات الدستورية الشرعية، في حال أي خلاف، وأن مناقشة أي اتفاق خارجها، يعد تهميشاً للشّرعية والديموقراطية.
    دمج القوات المسلحة:
    تسبب الخلاف حوله، في الأزمة الأولى في يناير 1992، إذ يشترط الحزب الاشتراكي لإتمام الدمج، تقليص حجم الحرس الجمهوري إلى حد كبير، وإخراج قواته الموجودة في العاصمة، وهو ما رفضه الرئيس علي عبدالله صالح.
    النقابات العمالية والمهنية:
    يسيطر الاشتراكيون على معظم هيئاتها، في المحافظات الجنوبية والشرقية. وقد سعت قيادات حزب المؤتمر، إلى تحريض العمال ضد قيادات نقاباتهم من الاشتراكيين. كما بدأ حزب المؤتمر في تشكيل بعض النقابات، والمنظمات، ليواجه بها النقابات الاشتراكية.
    حدوث اختراقات أمنية "اغتيالات"، وجهت مباشرة ضد قيادات الحزب الاشتراكي، والتنظيمات القريبة منه، راح ضحيتها حوالي (155) شخصاً، وتراخت السلطات في تقديم المتهمين للعدالة، مراعاة للعادات القبلية. وقد عمّقت هذه الممارسات من أزمة عدم الثقة، بين طرفي الأزمة.
    مسألة التحالفات، والحملات الصحفية المتبادلة:
    بدأ كل حزب في التحالف مع المنشقين، عن الحزب الآخر. فحزب المؤتمر يرحب بالمنشقين عن الحزب الاشتراكي، والعكس. كما تحالف الاشتراكيون مع الأحزاب، التي يتزعمها عدد من شيوخ القبائل المعارضة للرئيس عبدالله صالح، والشيخ عبدالله الأحمر. كما تبنى الحزب الاشتراكي الدعوة لعصيان مدني في محافظة تعز، لإحراج الرئيس علي عبدالله صالح، وإثبات ضعف شعبيته في إحدى أهم المدن اليمنية. وقد حدد يوم 17 يوليه 1991، والذي يوافق الذكرى الثالثة عشرة لتولي الرئيس الحكم موعداً للعصيان. كما حرص كل من الحزبين على إبراز مساوئ الآخر، من خلال صحفهم.
    القسم الثالث: الخلاف حول دستور دولة الوحدة:
    1.
    صيغ دستور الوحدة، في نهاية عام 1981:
    تضمن الدستور العديد من المواد، التي لم تعد متوافقة مع ما مربه الشطران، طوال الأعوام المتصلة، وحتى قيام الوحدة، الأمر الذي أوجد حالة انفصام بين الواقع العملي، من جهة، ومواد الدستور، من جهة أخرى، ولا سيما تلك المواد، التي تعلقت بالوضع الاقتصادي، والاجتماعي لدولة الوحدة. وعلى الرغم من ذلك، فقد جرى الاستفتاء والموافقة على الدستور، يومي 15، 16 مايو 1991، وبذلك توثق الارتباط بين الوحدة والديموقراطية بدرجة أكبر، إلاّ أنه ثار جدل حاد، حول دستور الوحدة، بين الاتجاه الإسلامي، بجماعاته وعلمائه من ناحية، والاتجاه العلماني، وحزبه الاشتراكي من ناحية أخرى. وباتساع دائرة هذا الجدل، وتعدد أبعاده وامتداده، أصبح يمثل تهديداً لإكمال عملية الوحدة ذاتها. وقد بات واضحاً أن التجربة اليمنية، وهي في طريقها لتأسيس سلطة شرعية موحدة، تجمع بين نظامين مختلفين، اجتماعياً واقتصادياً وسياسياً، تواجه الكثير من التحديات والعقبات.

    وعلى الرغم من أنّ الإعلان عن قيام دولة الوحدة، كان في مايو 1990، ثم جرى الاستفتاء على دستور الوحدة والموافقة عليه في منتصف مايو 1991، وإلاّ أنّ الجدل حول هذا الدستور، كان قائماً قبل الاستفتاء، وظل مستمراً بعده. وذلك أنّ هذا الدستور، كان يتعلق بالفترة الانتقالية، ومن المفترض أن ينتهي العمل به بنهاية هذه الفترة، التي كان محدداً لها "نهاية عام 1992"، وكان المطلوب بعد ذلك، صياغة جديدة لدستور دولة الوحدة.

    2.
    الجدل حول الإطار الدستوري:

    أ. آراء الاتجاه الإسلامي:

    (1)
    انتقد الاتجاه الإسلامي، بزعامة العلماء، خاصة حزب التجمع اليمني للإصلاح، أكبر الأحزاب الإسلامية، دستور الوحدة، لأنه، حسب رأيهم، يشتمل على نصوص تتعارض مع الشريعة الإسلامية، وتتناقض مع أحكام القرآن والسنة النبوية. وسجل العلماء ملاحظاتهم على الدستور، في رسالة وجهوها إلى كل من رئيس الجمهورية، ورئيس مجلس الشورى. وفي تلك الرسالة أكدوا، على تمسكهم بالوحدة، وأشادوا بالدستور السابق لليمن الشمالي، والمكاسب التي حققها، في المجالات الاجتماعية والتربوية والتشريعية، وقالوا إن إقرار مشروع دستور الوحدة، من دون تعديله معناه إهدار كل تلك المكاسب، وغرس جذور العلمانية.

    ثم أوردوا في رسالتهم الملاحظات التالية، مدعمة بالنصوص والأدلة:

    (أ)
    أغفل الدستور هوية اليمن العربية الإسلامية، وألغى هيمنة الشريعة الإسلامية على القوانين، والعلاقات الاقتصادية.

    (ب)
    تضمن الدستور نصوصاً، تؤدي إلى الإشراك بالله، في الحاكمية والتحليل والتحريم.

    (ج)
    ألغى الدستور الفوارق بين الرجل والمرأة، في النص القائل، إن المواطنين جميعاً متساوون في الحقوق والواجبات، ولا يُفَرّق بينهم، بأسباب الجنس والعقيدة.

    (د)
    لم ينص الدستور على الدفاع عن الدين والوطن، وألغى فريضة الزكاة، والحدود، والقصاص، ولم يشترط الإسلام فيمن يتولى ولاية عامة، كما لم يُقِمْ للمقومات الدينية، والأخلاقية، والوطنية، في بناء الأسرة، وزناً.

    (هـ)
    أباح المشرّع، الحريات الشخصية من دون قيود شرعية، وألغى ضمانات حفظ الدماء، والأعراض، والحريات والأموال.

    (و)
    كذلك انتقد العلماء في رسالتهم، المادة التي تسوي بين المسلمين والكافرين، واستنتجوا من ذلك، أن لكل الكافرين والمرتدين أن ينظموا أنفسهم في أحزاب، وينشروا كفرهم، وأفكارهم المعادية للإسلام.

    وختم العلماء رسالتهم بالعبارة: "إن أوضح سمة، اتسم بها مشروع الدستور، انه يؤسس العلمانية اللادينية في هذا البلد العريق في إسلامه".


    (2)
    ومع ازدياد ضغوط العلماء، والأحزاب الإسلامية، وتصعيد مطالبهم بتعديل مشروع الدستور، أصدر مجلس الرئاسة بقيادة علي عبدالله صالح، بياناً جاء فيه، عدم جواز وجود أي نص في الدستور، يتعارض وأحكام الشريعة الإسلامية. وكان الهدف من ذلك البيان آنذاك، هو طمأنة الإسلاميين وتهدئة الأوضاع، ريثما يتم الاستفتاء على الدستور. إلاّ أن، الشيخ عبدالله الأحمر بن حسين الأحمر، رئيس حزب الإصلاح، وقيادات الحزب، طالبوا بوضع البيان الصادر من الرئاسة، كمقدمة لمشروع الدستور، قبل التصويت عليه، بينما رأت بعض الفئات المثقفة "جمعيات رجال الأعمال، والمهندسين، والمحامين، ورابطة الأدباء، ورابطة الفنانين"، أن البيان يعد خضوعاً، لما وصفوه بقوى التخلف. وقد رفض مجلس الرئاسة مطالب العلماء، وقيادات حزب الإصلاح، من جعل البيان مقدمة للدستور. ومن ثمّ نظم حزب الإصلاح مسيرة جماهيرية سلمية ضخمة، للمطالبة بتعديل مواد الدستور. ولمّا لم يستجب مجلس الرئاسة لمطالبهم، أصدر العلماء فتواهم، التي توجب مقاطعة الاستفتاء على مشروع الدستور، والاستمرار في المطالبة بتعديله، ليتوافق مع كتاب الله والسنة، والنص فيه على أن يكون كتاب الله، وسنة رسوله، فوق الدستور والقانون.

    (3)
    حاول خصوم الاتجاه الإسلامي، الربط بين مطالبهم ـ آنفة الذكر ـ بتعديل الدستور، ومسألة الوحدة، وتصوير تلك المطالب على أنها تعني "رفض الوحدة"،بين شطري اليمن، على الرغم من تأكيد الاتجاه الإسلامي ـ بعلمائه وأحزابه ـ على أن تعديل الدستور لا صلة له بمسألة الوحدة، بل إن تأييد الإسلاميين للوحدة ليس فيه مجال للشك، خاصة وأن "الوحدة فريضة شرعية توجبها محكمات النصوص، التي تحث على الجماعة والائتلاف، وضرورة يقتضيها الواقع العملي الذي لا مجال فيه للدويلات الصغيرة. ويظل الاختلاف القائم بين الإسلاميين، وغيرهم، في هذا الأساس المقترح لدولة الوحدة، وهل هو الإسلام أم العلمانية أم هو مزيج مهلهل من هذا وذاك؟. وأوجز الشيخ عبدالمجيد الزنداني "أحد قادة حزب الإصلاح، والعالم المعروف"، هذه المعركة حول الدستور فقال: "إن حقيقة المعركة أن هناك قوماً يريدون الوحدة لا دينية، وآخرين يريدونها إسلامية، والعلمانيون شريحة صغيرة جداً في الشّمال والجنوب، أما المسلمون فهم الشعب اليمني في الشمال والجنوب"، وقال أيضاً: "نحن نطالب بالحرية، وأن نحتكم للقضاء إذا اختلفنا، وألا يستخدموا الإرهاب، وأن يعطوا الشعب المسلم حريته، ليقول رأيه، وأن الطرح الذي فرضه علينا الحزب الاشتراكي اليمني في الجنوب، وبعض الأحزاب الاشتراكية في الشمال، يقول: اتركوا حكم الله لتكونوا مهيئين للاتحاد معنا، ونحن نعتبر ذلك ردة، لأن طاعة المسلم، لمن لا يحكم بشرع الله، تساوي ألا يُبقى للمسلم ولا ركعة صلاة واحدة، وإذا كانوا يفهمون أن عدم تفريطنا في الإسلام، يساوي مقولة أننا لا نريد الوحدة، فهذا شيء نحتاج فيه إلى محكمة، وعقلاء يفهمون ويقضون". وقد أعلن حزب التجمع للإصلاح برنامجه الانتخابي، تحت شعار: "أوضاع نصلحها ، وشريعة تحكمنا، وعلمانية نرفضها".


    ب.آراء العلمانيون من قادة ومثقفي الأحزاب الاشتراكية "خاصة الحزب الاشتراكي":

    أصّر العلمانيون من جانبهم، على ضرورة بناء دولة الوحدة، على أساس علماني ، دون الالتزام بأحكام الشريعة الإسلامية، ويرى العلمانيون أن مشروع الدستور، رغم أنه محل اعتراض ونقد من الإسلاميين، إلا أنه غير علماني بما فيه الكفاية.


    القسم الرابع: الجدل حول قانون الانتخابات:
    1.
    استبشر الشعب اليمني خيراً بالوحدة، لأن تحقيقها، يُنهي الصراع السياسي بين شطري اليمن، ويتوجه بعد هذا التاريخ صوب التحديث، وبناء الدولة اليمنية المنشودة. إلاّ أن تقاسم الحكم بين حزبين، كانا ينفردان في حكم شطري البلاد، المؤتمر الشعبي العام في الشمال، والحزب الاشتراكي في الجنوب، واختلاف أساليب الإدارة ونقل الموروث الاجتماعي، جعل منأشهر الوحدة (30 شهراً) فترة انتقالية، المقصود منها التهيئة للانتقال إلى الشرعية الدستورية، لكن عدم المقدرة على الوفاء بكل التزامات الوحدة، وإزالة مظاهر التشطير، وصعوبة إجراء الانتخابات النيابية، بانتهاء الفترة الانتقالية في 21 نوفمبر 1992، تسبب في تمديد الفترة الانتقالية إلى 35 شهراً، وإعلان يوم السابع والعشرين من (نيسان) أبريل 1993، موعداً لإجراء أول انتخابات في تاريخ اليمن، على أساس التعددية الحزبية، التي شكلت منعطفاً مهماً في التجربة اليمنية برمتها. وفور إجراء الانتخابات، انتقلت الوحدة اليمنية إلى الشرعية الدستورية الدائمة.

    2.
    في مايو 1992، أقر مجلس النواب قانون الانتخابات، الذي أعدته لجنة حكومية مشكلة من وزارة الشؤون القانونية، والعدل، والأوقاف، والإرشاد. وقد تضمنت نصوصه، تنظم إجراءات العملية الانتخابية، وتقسيم الجمهورية إلى 301 دائرة انتخابية متساوية، وشروط الترشيح، وإقرار مبدأ تكافؤ الفرص للمرشحين، وتشكيل لجنة عليا للانتخابات، من عدد لا يقل عن خمسة أعضاء، ولا يزيد عن سبعة.

    وقد دار جدل طويل، بين الأحزاب والهيئات السياسية المختلفة، حول قانون تنظيم العملية الانتخابية. واتهمت أغلبية الأحزاب الحكومة، بأنها قدمت لمجلس النواب مشروعاً آخر، غير الذي تم الاتفاق عليه.

    وأيدّ اليمن الشمالي الانتخابات بقوة، واهتمام زائد، لأن تعداده السكاني 13 مليون نسمة، في مقابل حوالي 3 مليون نسبة في الجنوب.

    وتتلخص الخلافات حول المشروع، في الآتي:

    أ.
    نظراً لارتفاع نسبة الأمية في اليمن إلى حوالي 56%، فقد سبق الاتفاق على استخدام الألوان، والعلامات، في البطاقات الانتخابية، واستعانة الأمي بشخص يختاره هو، للمساعدة في اختيار مرشحيه. كما اتفقت الأحزاب، على ضرورة استقالة رئيس الوزراء، والوزراء، الذين يرشحون أنفسهم، كما اقترحوا تجميد المال العام في الدعاية، وألا تُسيء الدعاية إلى أي طرف. إلاَ أن المسائل التي اتفق عليها لم تدرج في القانون.

    ب.
    انتقدت القوى السياسية المادة الخاصة، بعدد أعضاء اللجنة العامة للانتخابات، لعدم كفاية عددها، لتمثيل كافة الأحزاب.

    جـ.
    أضافت الحكومة قيداً جديداً، لم يُتفق عليه، وهو إلزام المرشح بأن يُزَكيه من 300 شخص، حتى يكون ترشيحه صحيحاً.

    د.
    لم يتم تطبيق قانون الأحزاب السياسية، الذي يحتم ابتعاد العسكريين عن الأحزاب.


    3.
    وأدت الخلافات بين الحزبين الحاكمين، وإضافة إلى التوتر الأمني، إلى عدم الالتزام بما ورد بالقانون حرفياً، والالتفاف حول بعض مواده. وعلى الرغم من الجدل الدائر، والتحفظات التي عبّرت عنها الأحزاب السياسية، والكثير من النواب، إلاّ أن القانون وُوفق عليه في منتصف مايو 1992، وصدر في 8 يونيه 1992. ونظراً لريبة القوى السياسية والأحزاب، من نزاهة الحكومة، في إشرافها على الانتخابات، طالبت الأولى بحكومة ائتلاف وطني، تنهي اقتسام السلطة بين الحزبين الحاكمين، ولكن شيئاً من ذلك لم يتحقق. ولكن أدت الضغوط إلى صدور قرار من مجلس الرئاسة، بزيادة أعضاء اللجنة العليا للانتخابات، لتتألف من 17 عضواً، برئاسة القاضي عبدالكريم الإيرياني. واقترحت اللجنة تأجيل موعد الانتخابات إلى 18 فبراير 1993، تمّ تأجيلها مرة أخرى إلى 27 أبريل 1993.

    4.
    نتائج الانتخابات الرسمية:

    أ.
    فتحت اللجنة العليا للانتخابات، باب الترشيح لعضوية مجلس النواب، لمدة عشرة أيام، بدءاً من 28 (آذار) مارس 1993.

    وقد بلغ عدد المرشحين 4781 مرشحاً حزبياً، توزعوا على 19 حزباً وتنظيماً، بينهم حزب المؤتمر الشعبي العام 290 مرشحاً، والحزب الاشتراكي 288 مرشحاً، والتجمع اليمني للإصلاح 246 مرشحاً، وحزب البعث العربي الاشتراكي 160 مرشحاً، والتنظيم الوحدوي الشعبي الناصري 96 مرشحاً، وحزب رابطة أبناء اليمن 90 مرشحاً، وحزب الحق 62 مرشحاً، واتحاد القوى الشعبية 24 مرشحاً، والتجمع الوحدوي اليمني 13 مرشحاً. وتنافس في المعركة الانتخابية خمسون امرأة، بينهم 16 مرشحة حزبية.

    ب.
    نتائج الانتخابات:

    (1)
    يتضح من نتائج الانتخابات الرسمية، أن حزب المؤتمر الشعبي العام، حصل على 121 مقعداً، يليه التجمع اليمني للإصلاح، الذي حصل على 62 مقعداً، ثم الحزب الاشتراكي، الذي حصل على 56 مقعداً، والأحزاب الثلاثة مجتمعة حصلت على 239 مقعداً، أي ما نسبته 80%، من جملة مقاعد مجلس النواب اليمني، في حين حصل المستقلون على 49 مقعداً، أي ما نسبته 16%، أما الأحزاب الخمسة الباقية الفائزة، فقد حصلت على 13، مقعداً بنسبة 4%.

    (2)
    أعلنت وزارة الخارجية اليمنية، النتائج النهائية للانتخابات في 10 (آيار) مايو 1993. وقد حصل المؤتمر الشعبي العام، على عدد أصوات إجمالي قدره 640.237 صوتاً، من جملة الأصوات، التي أعطيت إلى مرشحي الأحزاب، أي ما نسبته 40%، ويليه الحزب الاشتراكي اليمني، بعدد أصوات 414.045 صوتاً بنسبة 26.5%، يليه التجمع اليمني للإصلاح بعدد أصوات 380.625 صوتاً، بنسبة 24%، وتشاركت الأحزاب الأخرى الفائزة في نسبة الـ 9.5% الباقية.

    (3)
    أفرزت نتائج أول انتخابات، في ظل الوحدة اليمنية، نوعاً من التوازن السياسي بين القوى الثلاث الكبرى الفائزة، الأمر الذي قاد عملياً إلى تشكيل الائتلاف الثلاثي الحاكم.

    (4)
    أسفرت نتائج الانتخابات، عن نتائج، اعتبرها المحللون، بمثابة نقطة تحول، في اتجاه تفجير الأزمة السياسية في اليمن. فقد أدت إلى اختلال التوازن النسبي الذي كان قائماً قبل الانتخابات، حيث ستختفي الثنائية، التي انطبعت في الحياة السياسية في اليمن، منذ عام 1990، لتفسح المجال، لمشاركة ثلاثية، بدخول حزب التجمع اليمني للإصلاح، طرفاً في المعادلة السياسية، وسيشارك في اقتسام الحقائب الوزارية، ولم يكن ذلك في صالح الحزب الاشتراكي، الذي كان ينظر إلى حزب الإصلاح، وحزب المؤتمر، على أنهما طرف واحد يمثل الشطر الشمالي. وقد يستتبع ذلك تقليص نصيب الحزب الاشتراكي. في المناصب العليا في السلطة، وفي الحكومة الجديدة، وكذلك تضاؤل وزنه في البرلمان اليمني. وقد أدت تلك المستجدات، إلى حدوث تناقض، بين وضع الحزب الاشتراكي الكاسح، والمسيطر على الشطر الجنوبي، وبين الدور المحدود، الذي أصبح يمثله، ولم يعد يجد في استمرار الوحدة مكسباً له، بل، على العكس من ذلك، وجد فيها خسارة فادحة.

    وقد علق الدكتور عبدالكريم الإيرياني، على نتائج الانتخابات بقوله: "إن المنافسة الحقيقية كانت بين حزب المؤتمر وحزب التجمع للإصلاح، وليس بين المؤتمر والاشتراكي، كما كان يشاع".




    القسم الخامس: الوضع العسكري لدولة الوحدة:
    1.
    إن الإنفاق العسكري، والتسليح، قبل الوحدة، لليمن الشمالي واليمن الجنوبي، لا يعدو كونه تَذْكِرَةّ للعنف والضياع. فقد كلا الدولتين الكثير من مواردهما المتواضعة، والمحدودة على شراء الأسلحة، أكثر مما يحتمل اقتصادهما.

    2.
    واستطاعت الجمهورية العربية اليمنية "اليمن الشمالي"، أن تبني قوة عسكرية أكبر، من جمهورية اليمن الديموقراطية "اليمن الجنوبي"، التي كانت دولة اشتراكية. فقد تمكنت الأولى من استغلال تطرف جمهورية اليمن الشعبية الاشتراكية، للحصول على معونة من الدول الغربية.

    وقد كان إنفاقها العسكري، يمثل ما بين 7 ـ 13%، من إجمالي الناتج القومي، 22 ـ 39 % من الإنفاق الحكومي.

    أما اليمن الجنوبية، فكانت جميع أسلحتها ومعداتها العسكرية، تأتي من الكتلة الشرقية، وكان الإنفاق العسكري فيها يمثل من 14 ـ 21 % من الناتج القومي، و 22 ـ 37% من الإنفاق الحكومي المركزي، ولكن قد يكون الاتحاد السوفيتي قد تحمل معظم تكلفة تشغيل القوات المسلحة لديها.

    3.
    إن معظم هذا الإنفاق العسكري، وواردات السلاح، لم يوظف بأسلوب رشيد، فلم يشكل اليمن الجنوبي قوات نظامية عسكرية فعّالة، وكان معظم قادتها الكبار يهتمون بالسياسة، بدلاً من القيادة العسكرية، وكثيراً ما حصلت على أسلحة، أكثر مما يمكنها استخدامه، وقد عانت كثيراً من الصراعات الداخلية، التي كانت تصل حدتها إلى حرب أهلية.

    أما اليمن الشمالي فقد كانت أحسن حالاً، ولكنها لم تتمكن من استيعاب كامل المعدات، التي سبق أن حصلت عليها من الاتحاد السوفيتي، ولم تحصل على معدات كافية، أو تدريب جيد، أو دعم عسكري كاف من الغرب، لبناء قوات مسلحة حديثة.

    ومع ذلك، فإن البناء العسكري للدولتين، أوجد في اليمن الموحدة ترسانة من الأسلحة لا بأس بها، حيث بلغ الإنفاق العسكري على التسليح، حوالي 100 مليون دولار عام 1990، و106 مليون دولار عام 1991.

    4.
    لم تدمج القوات المسلحة، في قوة واحدة قبل الحرب، بمعنى أن تكون الوحدات العسكرية مكونة من شماليين وجنوبيين، على حد سواء، أي من وعاء تجنيدي واحد. وإنما جرى الاكتفاء بسحب بعض اللواءات الجنوبية الضاربة، ودفعها إلى المحافظات الشمالية، ووضعها في مناطق شمالي العاصمة صنعاء وشرقها في مناطق جبلية، يصعب الوصول إليها وإمدادها بالمؤن والذخائر.

    في حين توجهت ثلاث فرق شمالية إلى الجنوب، ووضعت في مناطق مفتوحة، بالقرب من بعضها، بشكل يجعل طرق إمدادها سهلة، ويتوفر لديها حرية المناورة، والتعاون فيما بينهما.

    وقد دفعت الوحدات من كلا الشطرين، إلى الشطر الآخر كاملة، كمظهر من مظاهر الوحدة، في حين أن كلا منهما مضى إلى الآخر، حاملاً معه عقائده العسكرية وتوجهاته، التي تختلف تماماً عن الآخر، ونظراً لوجود وحدة بين الشطرين، فلن توجد ـ من ثم ـ خطوط عسكرية للمواجهة بينهما.

    5.
    ويعود هذا الوضع، إلى ظروف قيام الوحدة بين شطري اليمن، حيث استحوذت أوضاع القوات المسلحة، على الأسبقية الأولى، في الترتيب للوحدة، إلاّ أن هذا الاهتمام، لم ينعكس في صورة اتفاقات دقيقة وشاملة، لأوضاع تلك القوات، عقب استكمال الوحدة. واقتصرت الاتفاقيات الفعلية، التي توصل إليها الطرفان، الشمالي والجنوبي، بشأن القوات المسلحة، على تنفيذ صيغة لتبادل الوحدات، بما يساعد على إلغاء خطر تلك القوات على الوحدة بين الشطرين، والحيلولة دون عودة الصراع المسلح. وتحركت القوات المتبادلة بالفعل، في 20 مايو 1990، أي قبل إعلان الوحدة بيومين، إلى مناطق تمركزها الجديدة، وجاءت مناطق التمركز، في الأغلب، في محافظات ما كان يسمى بـ (الأطراف)، أي المناطق الواقعة قرب الحدود الشطرية السابقة.

    وقد كان من المفترض، أن تمثل عملية تبادل الوحدات، خطوة أولية، على طريق توحيد القوات المسلحة، بين الشطرين. فقد كان من المقرر، بموجب اتفاقات الوحدة، أن يجري توحيد الجيشين، وذلك في إطار توحيد الوزارات، والمؤسسات الحكومية، بين الشطرين، إلاّ أن التوحيد، اقتصر، حتى فترة ما قبل اندلاع الصراع المسلح، على الأجهزة، والإدارات القيادية، في وزارة الدفاع، والقيادات المرتبطة بها ارتباطاً مباشراً. وقد أفرزت هذه الوضعية الغريبة عدداً من الصعوبات، والمعوقات السياسية والفنية. فمن الناحية السياسية، امتنعت القيادة السياسية، في دولة الوحدة، عن استخدام سلطاتها الدستورية، في تنفيذ خطط دمج القوات المسلحة، التي تقدمت بها وزارة الدفاع. وتشير بعض التحليلات، إلى أن هذا الامتناع، كان عائداً إلى أن عملية الدمج والتوحيد، كانت ستؤدي إلى حرمان بعض العناصر العسكرية النافذة، لا سيما تلك المنتمية، إلى بيت الأحمر في الشمال، من مواصلة السيطرة على القوات المسلحة الشمالية، علاوة على إمكانية افتضاح التجاوزات، والاختلاسات العديدة، التي يتردد حدوثها، في صفوف تلك القوات.

    أما من الناحية الفنية، فقد كانت عملية التوحيد، بحد ذاتها، شديدة التعقيد، من حيث اتساع نطاق الإجراءات، التي كان يتوجب القيام بها، لاستكمال هذه العملية. ذلك لأنها كانت تقتضي، إعادة تنظيم القوات أولاً، لضمان تحقيق التماثل، في التنظيم والتشكيل بين قوات الشطرين، إضافة إلى أن عملية التوحيد، كانت تجابه إشكالية الانتماء الحزبي، داخل القوات المسلحة، التي كانت تؤثر بالضرورة، على حياد المؤسسة العسكرية، في الخلافات السياسية، وعلى الرغم من أن قانوني الأحزاب، وخدمة الدفاع الوطني، اللذين صدرا في أكتوبر 1991، حاولا تحريم الحزبية، في أوساط الأمن والقوات المسلحة، إلاّ أنه لم يكن لهما تأثير فعّال، سواء في تنفيذ الهدف المباشر، الرامي إلى أبعاد المؤسسة العسكرية عن حلبة التفاعلات السياسية، أو في دفع عملية التوحيد، وإعادة التنظيم، في صفوف القوات المسلحة.




    القسم السادس: تفاقم الأزمة الاقتصادية
    ارتكز نجاح الوحدة اقتصادياً، على ما ينتجه الاقتصاد المندمج، من وفورات اقتصادية كبيرة، ومن ثم فقد ارتبط نجاح تحقيق الوحدة، بتزايد الطموحات الاقتصادية، التي تحطمت على صخرة الأزمة الاقتصادية، حيث تدهورت الأوضاع الاقتصادية، للأسباب التالية:

    أدت الأزمة السّياسية في اليمن الموحد، إلى تفاقم التدهور في الاقتصاد اليمني، حتى تعذر على الحكومة، الاتفاق على وضع ميزانية الدولة الموحدة، للسنة الثانية على التوالي، إذ أصيبت ميزانية عام 1993، بعجز بلغ 35.3 % "وفقاً للأرقام الرسمية"، وقد أدى هذا التدهور في معدلات الأداء الاقتصادي لدولة الوحدة، إلى ازدياد مشاكل الشطرين، التي كانوا يعانون منها قبل الوحدة، وأهمها تراجع معدلات النمو في الدخل القومي، وانخفاض حصيلة الدولة من العملات الأجنبية. فقد ورثت دولة الوحدة قطاعاً عاماً، يتميز بالأداء الهزيل، واعتماد معظم مؤسساته على الدعم الحكومي، والاحتكار. إلاّ أن دولة الوحدة، لم تلتفت بسرعة إلى الاهتمام بمعالجة تلك الاختلالات الاقتصادية، وانشغلت بالنزاعات الشخصية على السلطة والنفوذ. وإذا كان الجنوبيون قد عانوا من الشّح الاشتراكي، فإذا بهم يواجهون بصدمة الرأسمالية الشمالية، فأحسوا انهم ليسوا المستفيدين من الوحدة، وطالبوا بنصيب متوازن لهم، مما دفع الرئاسة إلى خوض مواجهة مع الشعب، الذي يطالب بالإسراع في إتمام مشروعات البنية الأساسية، التي تحتاج لسنين طويلة.
    إن ظهور خريطة نفطية جديدة، بفعل أعمال التنقيب، التي تمت خلال سنوات الوحدة، جعلت كل طرف يعيد النظر في حساباته الوحدوية. فمن المعروف أن ثروة النفط، تتركز في محافظتي حضرموت وشبوة، ويتم تصدير حوالي 150 ـ 170 ألف برميل يومياً، تدر حوالي 600 ـ 700 مليون دولار في العام. وقد طالب المؤتمر الشعبي بتخصيص جزء من موارد النفط، في حدود 10%، بحيث تكون خارج الموازنة العامة للدولة، وتخصص لمصاريف الرئيس، وهو ما كان محلاً للرفض، من القوى الأخرى.
    وهكذا كانت المشاكل الاقتصادية مسؤولة، إلى حد كبير، عن تعميق الخلافات بين الشمال والجنوب، وإحساس الجنوبيين بأن الموارد الشحيحة تهدر، وأن الجنوب، بما فيه من ميناء عدن وثرة نفطية ضخمة، لا يحصل على نصيبه العادل، من هذه الموارد.
    عجز حكومة الوحدة عن تمويل مشروع التكامل الاقتصادي، لعدم توافر الاستثمارات اللازمة، نتيجة المشاكل، التي برزت خلال الفترة الانتقالية، وأدت إلى ضياع الميزة الابتدائية من الوحدة، التي كان من الممكن أن تحل المشاكل الاقتصادية للدولتين.
    كان اقتصاد اليمن الجنوبي، مُدَمْراً نتيجة للحرب الأهلية التي وقعت خلال عام 1986، وعدم خبرته في السيطرة على اقتصاديات السوق. وكان اقتصادها ينمو بمعدل 2 ـ 3 % فقط، منذ منتصف السبعينات، والنتيجة أن النمو الاقتصادي، انخفض بشدة إلى مادون معدل النمو السكاني، الذي كان يزيد عن 3%.
    بدأ مستوى المعيشة ينخفض باستمرار، وأصبح اليمن الموحد من الدول ذوات أعلى نسبة دين إلى نصيب الفرد في الشرق الأوسط. فقد واجه بدءاَ من عام 1992، صعوبات اقتصادية هائلة، نتيجة لأزمة الخليج الثانية 1990 ـ 1991، التي كبحت عملية البناء الاقتصادي في اليمن الموحد. وتجلى ذلك في ارتفاع حاد في أسعار السلع بلغت أكثر من 400 %، وفي الارتفاع الكبير للغاية في أسعار العملات الأجنبية، مقابل العملة الوطنية، فضلاً عن اعتماد اليمن على الخارج، في سد معظم حاجاته الغذائية مما يفتح الباب، للتأثير على التجربة من القوى الخارجية.
    وصلت البطالة نحو مليونين من اليمنيين، وهو رقم كبير، قياساً إلى عدد السكان. وكان وراء تضخم هذه الموجه، اليمنيون المهاجرون من المملكة العربية السعودية عام 1990، (تشير التقديرات إلى أن عددهم يراوح ما بين 800 ألف إلى مليون شخص) واللاجئون اليمنيون الوافدون من شرق إفريقيا، وخصوصاً من الصومال هرباً من الحرب.
    توقفت التحويلات المالية، التي كانت تمثل دعماً مهماً للاقتصاد اليمني، من العاملين بالخارج، في الوقت الذي أوقفت فيه دول الخليج العربي، كل أشكال المعونة المالية لليمن، رداً على تأييد صنعاء للعراق، في حرب الخليج الثانية. وبدت عدن كأنها الضحية الاقتصادية لعملية التوحيد، على الرغم من معاودة مصفاتها النفطية لنشاطها أواخر عام 1991.
    يضاف إلى ذلك، الأعباء، التي فرضها تخلف البنية التقليدية للمجتمع اليمني، ولا سيما في الشمال، على الوضع الاقتصادي المتفاقم (هناك نحو 20 ألف يمني ينتمون إلى قبائل يمنية، يتقاضون رواتب شهرية من الجيش اليمني، ولا يؤدون أي عمل).
    وفي شهر ديسمبر 1993، تدهورت قيمة العملة اليمنية، من حوالي 52 ريالاً مقابل الدولار، إلى أكثر من 65 ريالاً مقابل الدولار، ثم تحسنت قليلاً، ثم عادت للتدهور مرة أخرى.
    قدمت اليمن للأمم المتحدة، فاتورة قيمتها 1.6 مليار دولار، نصيبها في الآثار الناتجة عن حرب الخليج الثانية، ولكنها لم تحظ بتأييد. وقد بدأت تواجه مستقبلاً، يحتمل ألا يسمح له بعودة العمال اليمنيين، إلى المملكة العربية السعودية.
    تُوَفر الحقول النفطية، المكتشفة حديثاً، في مأرب، وشبوة، إنتاجاً جيداً، وأصبح النفط أمل اليمن الوحيد في التطور الاقتصادي، وكان النفط قد اكتشف في حوض مأرب عام 1984، في الشّطر الشمالي، وبدأ التصدير عام 1987، وبحلول عام 1992، كان احتياطي النفط اليمني المؤكد، أكثر من 4 مليارات برميل، واحتياطي الغاز 7000 مليار قدم مكعب.
    وفرت الحقول النفطية المكتشفة، الكثير من الوظائف لأبناء الشعب اليمني. كما وفرت جزء من العملة الصعبة، التي تحتاجها البلاد، في المبادلات التجارية، ولكن ذلك لم يسهم أبداً في تخفيف الديون المتراكمة على اليمن، التي بلغت نحو 8 مليار دولار، أي ما يعادل دخلها القومي تقريباً "والذي يصل إلى 7.122 مليار دولار"، بينما تبلغ أقساط الديون سنوياً 900 مليون دولار، الأمر الذي اقتضى طلب إعادة جدولة الديون.
    تسبب الاعتماد على النفط، في خلق مشكلات جديدة لليمن الموحد. فلقد أدى التنقيب عن النفط في المناطق الحدودية، بين اليمن بشطريه، ودول الجوار، إلى صدامات مع المملكة العربية السعودية، وسلطنة عُمان، حول حقوق الحفر في مناطق الحدود، في أواخر الثمانينات. واستمرت الصدامات مع المملكة العربية السعودية، بينما تمكن الشطر الجنوبي، من الاتفاق على تسوية الخلافات مع سلطنة عُمان. وقد أرسلت المملكة العربية السعودية، خطابات إلى ست شركات نفط في اليمن، ادعت فيها أن 12 من 20 امتيازاً، منحتها اليمن لشركات النفط تعمل في منطقة متنازع عليها، وأن السعودية تؤكد حقوقها. وقد أثر ذلك في عمليات الاستكشاف لشركات النفط البريطانية (BP)، وشركة فيليبس.
    وحاولت الحكومة اتخاذ بعض التدابير، لمواجهة تفاقم الأزمة الاقتصادية، ومن ذلك، فرضها إجراءات صارمة للتقشف، منها تخفيض عدد سفارتها في الخارج، وإلغاء تعاقداتها مع عشرات الآلاف من المدرسين العرب، وإحلال اليمنيين العائدين محلهم، وتقليل الإنفاق الحكومي، الناشئ عن تضخم الجهاز الإداري، الذي يضم 82.000 موظف في محافظات الشمال، و 270.000 موظف مدني في محافظات الجنوب. وتشير الأرقام إلى أن العجز في الأجور والمرتبات وصل إلى 53 %، من إجمالي العجز العام، الذي بلغ 15 بليون ريال في ميزانية الدولة. وعلى الرغم من ذلك، كانت المشاكل الاقتصادية، من أهم العوامل المؤثرة على تجربة الوحدة اليمنية.
    القسم السابع: تحديات الوحدة اليمنية
    1.
    التحديات الأمنية: "الاغتيالات وأعمال العنف"

    أ.
    إذا كان مناخ الوحدة اليمنية، والتحول الديمقراطي، قد سمح ـ كما رأينا أنفاً ـ بممارسة العديد من الحريات، التي كانت محظورة من قبل، إلا أنه لم يستطع أن يكبح جماح العنف والاغتيالات السياسية، التي تتنافى مع إقرار الحريات، والممارسة الديموقراطية الصحيحة لها، خاصة وأن حمل السلاح في المجتمع اليمني، يُعد أمراً عادياً، بل له تقاليده وعاداته المتأصلة في التجمعات القبلية، التي هي بمثابة الوحدات الأساسية، في تكوين المجتمع وتنظيمه.

    ب.
    وقد تزامنت أعمال العنف، والاغتيالات السياسية في اليمن، مع المرحلة الانتقالية، التي مرت بها البلاد. وقبل أن تُجرى أول انتخابات في عهد الوحدة، وفي ظل تعدد الأحزاب، وقعت أعمال شغب وتخريب واغتيالات سياسية، متعددة خلال هذه الفترة، إذ بلغ عدد حالات الاغتيالات السياسية خلال عامي "1991 ـ 1992"، سبعة عشر حالة اغتيال، وثماني حالات شغب وعنف.

    جـ.
    ولعل أهم ما يلاحظ بشأن تلك الاغتيالات، أن أغلبها كان يستهدف رموز الحزب الاشتراكي، وأن الجناة لم يتم التعرف عليهم. وفي تصريح لأحد المسؤولين اليمنيين قال: إن الإخلال بالأمن هو نتيجة حماية القبائل للخارجين على القانون، كما أنه نتيجة لعادات الثأر. وبينما يؤكد الحزب الاشتراكي ـ دوماً ـ أنه مستهدف، من قِبل القوى السياسية الأخرى المناوئة له، يؤكد الشيخ عبدالله الأحمر، رئيس التجمع اليمني للإصلاح، أن تلك الاغتيالات إنما هي تصفية داخلية في صفوف الحزب الاشتراكي نفسه. وقد احتلت المسألة الأمنية حيزاً في الاجتماعات الحزبية، التي أصدرت البيانات ونظمت المسيرات، لإدانة العنف السياسي.


    2.
    التحدي الخارجي:

    أ.
    طوال فترة الأزمة اليمنية، تبادل أطرافها الاتهامات بالاستعانة بقوى خارجية، وأن هذه القوى هي، دائماً، مصدر التهديد الرئيسي. ويفسر بعضهم ذلك بنظرية "ساكني الجبال"، التي تقول إن المجتمعات الجبلية يسكنها، في الغالب، هاجس العدو المتربص خلف الجبال، باعتبار أنها غير قادرة على النظر، إلى الأفق البعيد.

    إلاّ أن هذا لا يجب أن يذهب بنا، إلى حد نفي دور الأطراف الخارجية، سواء الإقليمية، أو الدولية. فهناك قوى إقليمية، أبدت تحفظها، منذ البداية، على الوحدة اليمنية، فقد واجهت اليمن الموحد، أزمة حقيقية في بداية عهدها، بسبب موقفها من أزمة الخليج، إذ ترتب على ذلك فتور علاقتها بدول الخليج، وعودة حوالي مليون مهاجر يمني، كانوا يعملون بتلك الدول، وطالبت بعض الأحزاب اليمنية بضرورة تحسين العلاقات مع دول الخليج عامة، والمملكة العربية السعودية بصفة خاصة، نظراً لوجود مشكلة حدودية بين البلدين.

    ب.
    إن الشكل الآخذ في التبلور، للتحالفات والسياسات الإقليمية، يجعل من الأزمة اليمنية وكأنها امتداد لحرب الخليج، أو هي فصل جديد فيها. فإضافة إلى الأسباب التي تجعل قوى معينة، غير راغبة في ميلاد "يمن" متحد وكبير، فلا شك أن هناك تصميماً على ألا تجد الأطراف، التي هُزمت في حرب الخليج، فرصة لأن تعوض تلك الهزيمة على أرض اليمن. والحديث عن الدعم العراقي ـ الإيراني ـ السوداني لليمن الشمالي، يوازيه حديث عن دعم خليجي للجنوب، ربما يتجاوز اللهجة، التي تحدث بها مجلس التعاون الخليجي عن الأزمة.

    جـ.
    أما على المستوى الدولي، فقد ظهر في البداية، أن ثمة تأييداً أمريكياً أوروبياً للاستقرار في اليمن، لكن كان هذا التأييد "مصلحياً" وليس "مبدئياً". فقد كان المطلوب هو توفير مناخ للاستثمارات، وكانت الولايات المتحدة الأمريكية، ترى أن نجاح الوحدة في مجتمع قبلي، يمثل نموذجاً يمكن أن يحتذى به، في بلدان أخرى.


    3.
    التحديات الاجتماعية المتمثلة، في القيم التقليدية والتكوينات القبلية:

    أ.
    هي أعقد التحديات، التي واجهت الوحدة اليمنية، والتحول إلى الديموقراطية. ذلك أنّ "القبيلة" تمثل وحدة التنظيم الأساسية، في البناء الاجتماعي لليمن، مع بعض الاختلافات بين شمال البلاد وجنوبها، الأمر الذي دفع بعض قادة الأحزاب، إلى التأكيد على أهمية دور القبيلة في الحياة اليمنية، والقول إنّ تجاهلها هو تجاهل لخصوصية المجتمع اليمني. وجاءت أحداث عام 91/92، لتؤكد صعود دور القبيلة في الحياة السياسية للبلاد، ومن ذلك: أن اتفاق ترسيم الحدود، بين اليمن وسلطنة عُمان، لم يتم إلا بعد موافقة قبائل المهرة اليمنية، التي تقطن في المنطقة الحدودية موضع الخلاف. ومن ذلك أيضاً، أن رئيس حزب التجمع اليمني للإصلاح ( الشيخ الأحمر)، هو شيخ مشايخ قبائل حاشد، وأن معظم قوة حزبه، هي من قوة قبائل حاشد وبكيل، الأمر الذي يدعو إلى التساؤل حول العلاقة، بين القبيلة والحزب؟ وهل يمكن تجاهلها؟ وفي أي اتجاه تسير؟

    ب.
    ومن ناحية أخرى، يشير آخرون إلى تمتع القبائل بدرجة كبيرة، من الاستقلال النسبي عن الدولة، بحيث أنها تستطيع تكوين جيش محارب، يصعب على الدولة السيطرة عليه. ومن هنا كانت تثار بعض المخاوف، من احتمال قيام مواجهة مسلحة بين أحزاب قبلية، وكمثال على ذلك الاحتمال، تلك الاتهامات المتبادلة، بين الحزب الاشتراكي اليمني، وحزب التجمع اليمني للإصلاح، فكل منهما يتهم الأخر بتكوين ميلشيات مسلحة خاصة به. وكان ملفتاً للنظر أن يذكر علي سالم البيض، نائب رئيس الدولة، وأمين الحزب الاشتراكي أنه لا حاجة لحزبه بتكوين ميلشيات، لأنه ممثل في الجيش، وفي كل الأجهزة الأمنية.

    وقد كان ذلك نذير خطر، في حالة إذا ما وجد أي حزب قبلي نفسه خارج السلطة، فما الذي يمنعه، آنذاك، من اللجوء إلى السلاح، للحفاظ على موقعه في السلطة؟

    جـ.
    وكنتيجة إلى التكوينات والتقاليد القبلية، وتأثيرها على تطورات الحرب الأهلية، اتضح أن الحرب لم تكن حرب شمالية جنوبية فحسب، بل تفرعت إلى أكثر من محور. فهناك حروب شمالية ـ شمالية، وجنوبية ـ جنوبية، ذلك أن ثمة أسباب عديدة، يمكن أن يختلف عليها اليمنيون، ليؤدي الأمر إلى حد الاقتتال، والتطاحن بالسلاح، وهذا موجود داخل كل شطر. ففي الشمال، هناك الصراع التقليدي بين القبائل الرئيسية، وأبرزه الخلاف الأكثر حدة بين قبائل حشاد وبكيل، فأبناء بكيل هم الأكثر عدداً، لكنهم أقل تنظيماً وولاء لشيوخهم، على خلاف آل حاشد الأقل من الناحية العددية، ولكنهم أكثر تنظيماً وولاء للمشايخ، ولهذا تجد منهم أصحاب المراكز الحساسة والهامة. وينتمي الرئيس علي عبدالله صالح إلى قبيلة سنحان، وهي إحدى قبائل حاشد. كما أن الشيخ عبدالله الأحمر، رئيس مجلس النواب، هو شيخ مشايخ قبائل حاشد، وأبرز الأمثلة على دلالة هذه الخلافات الشمالية، ما حدث أثناء الاشتباكات، التي وقعت في مدينة عمران، حيث انضمت بعض قبائل بكيل الشمالية، وأعلنت ميلها للحزب الاشتراكي. ووقفت إلى جانب قواته، بأن قطعت الطريق على إمدادات اللواء الأول مدرع الشمالي، وآوت الجنود الفارين من اللواء الثالث مدرع الجنوبي. وفي الجنوب أيضاً، هناك أسباب التمايز الكافية لإثارة نار الخلافات، فأغلب قيادات الجيش من ثلاث فئات هي، ردفان (75% من القيادات العسكرية)، والضالع، ويافع، وتنتمي هذه الفئات إلى سلطنة لحج، التي تحولت بعد الاستقلال إلى محافظة لحج. كما أن ثمة ثأر قديم بين قادة الاشتراكي الحاليين، وبعض أبناء الشعب في عدة محافظات جنوبية، وهذا الثأر يعود إلى أحداث يناير 1986، حيث أسفرت الخلافات داخل أجنحة القيادة في الجنوب، عن مقتل حوالي 25 ألف يمني جنوبي. وقد استغل الكثيرون فرصة اندلاع الصراع المسلح لتصفية الخلافات مما خلق عدة محاور للصراع.





    القسم الثامن: تطورات أزمة الوحدة اليمنية وأسبابها
    واجه اليمن الموحد، أزمات سياسية، واجتماعية، واقتصادية، منذ اليوم الأول للوحدة عام 1990، بدت فيها أزمة الوحدة اليمنية، وكأنها أزمة داخلية في الأساس، قابلة لأن تكون أزمة إقليمية وربما دولية أيضاً. وتعود جذور الأزمة اليمنية، إلى ثلاثة عوامل، يصعب الفصل بينهما، أولاهما: الطريقة، التي تم بها إنجاز الوحدة، والتي امتدت آثارها إلى فترة ما بعد الوحدة، وثانيهما: مجمل القضايا التي تفجرت، وعبّرت عملياً عن أوجه القصور، التي صاحبت إنجاز الوحدة، والاختلافات الكبيرة في رؤى الحزبين الكبيرين حزب المؤتمر الشعبي، والحزب الاشتراكي، لسبل حل تلك المشكلات والقضايا، وثالثهما هشاشة البناء المؤسس للوحدة.
    وفي ضوء ذلك، نستعرض في إيجاز عوامل وأسباب أزمة الوحدة اليمنية:

    أولاً: العامل الأول:

    الطريقة التي تمت بها عملية انجاز الوحدة "فترة ما قبل الوحدة":

    يمكن أن نشير إلى عدة عوامل جوهرية، ارتبطت بهذه العملية، وكان لها آثارها العديدة، سلباً وإيجاباً، على أداء الدولة الموحدة، في الفترة الانتقالية، التي استمرت 35 شهراً، وهذه العوامل هي:

    1.
    الطابع التراكمي، الذي تجلى في إعادة إحياء كل الوثائق، التي تم التوصل إليها من قبل، بشأن الوحدة بين الشطرين، منذ عام 1972، وحتى اتخاذ قرار الوحدة الاندماجية، في 30 نوفمبر 1989، والمعروف باتفاق عدن. ومع ذلك كانت هناك نقطة ضعف رئيسية، تمثلت في عدم صياغة برنامج سياسي، يحدد المهام المطلوب أداؤها في ظل الوحدة، ويراعى فيه مجمل التغيرات الهيكلية، التي لحقت بالشطرين سياسياً، واجتماعياً، خلال الفترة من عام 1972 وحتى عام 1989، ويحدد الأدوار، التي يُفترض أن تقوم بها المؤسسات السياسية، والشعبية، أثناء الفترة الانتقالية. وارتبط بهذه النقطة أيضاً، وجود ثغرات في دستور الوحدة، الذي صيغ في نهاية عام 1981، (كما سبق ذكره).

    2.
    الدور المحوري، الذي لعبه كل من المؤتمر الشعبي العام، والحزب الاشتراكي في إنجاز الوحدة وإتمامها، وهو ما قاد إلى عدة نتائج سلبية، كان من أبرزها غياب المشاركة الفعلية، والمباشرة، من قِبَلْ القوى السياسية الأخرى، في اتخاذ القرارات المتعلقة بالوحدة، وحدوث نوع من تقاسم السلطة بين الحزبين الحاكمين، في الشطرين سابقاً، على النحو الذي آثار انتقادات، وأوجه قصور عديدة فيما بعد، تجلت جميعها في الفترة الانتقالية.

    3.
    الإسراع في إعلان الوحدة، قبل موعدها المحدد في اتفاق عدن بستة أشهر، أي أن المرحلة، بين اتفاق عدن وإعلان الوحدة، قد اختزلت، وترتب على هذا، أن ظّل واقع التشطير محسوساً.

    4.
    وإذا كانت الوحدة هي عملية اجتماعية، تهدف لتحقيق الانصهار القومي، والانسجام الاجتماعي، فإنها لا يمكن أن تتم بقرار إداري، أو سياسي، ولكنها تتطلب فترة طويلة نسبياً، وتخضع، بحكم طبيعتها، لتفاعلات داخلية، لإبعاد عناصر وأسباب الاختلاف والتباين، وتأكيد عناصر الاتفاق والتشابه، وهو ما لم يسع القادة اليمنيون لاستيعابه. فقد ركزت مشاريع الوحدة اليمنية منذ عام 1972، على الأبنية السياسية، والشكل الدستوري، من دون الاهتمام بالجوانب الاجتماعية، التي تتطلبها عملية الوحدة والاندماج، خاصة في ضوء التنافر الحاد، الذي يشهده اليمن، إذ تمت الوحدة بين نظامين اجتماعيين وسياسيين متباينين في نواح عديدة. فقد قدمت الدولة في الجنوب، تجربة فريدة في العالم العربي من حيث تبنيها للماركسية اللينينية، كأيديولوجية رسمية للدولة، وحاولت دفع مشروعها الأيديولوجي للأمام، وقدمته النخبة الحاكمة، التي قادت الكفاح من أجل الاستقلال، كأساس لشرعية الدولة، في حين أنه لم تخرج الدولة في الشمال، عن إطار الدولة التقليدية، ذات النزعة التحديثية. ولذلك لم تستطع الوحدة بلورة واقع جديد، يصبح محل إجماع من الجميع. فلم تتفاعل قيم ودوافع الوحدة مع الواقع اليمني، ولم يستطع أحد النظامين استيعاب الآخر، في منظومة تفاعلاته السياسية والاجتماعية، ومن ثم غاب مفهوم الصالح العام، والولاء القومي، وغلبت الأصوات المتشددة، على الأصوات المعتدلة، التي كانت تختفي وسط تبادل الاتهامات، والحرب الكلامية، التي تحولت إلى حرب مسلحة، بين شطري اليمن.


    ثانيا: العامل الثاني:

    القضايا والتطورات، التي تفجرت بعد الوحدة وأسبابها:
    شهدت فترة ما بعد الوحدة تطورات وخبرات، منها ما هو إيجابي، ومنها ما هو سلبي، يمثل بالفعل جذور الأزمة السياسية اليمنية، التي أدت إلى الحرب الأهلية:

    1.
    فالخبرات الإيجابية تمثلت في:

    أ.
    استمرار دولة الوحدة على الرغم مما واجهته من صراعات ومشكلات، وعقبات داخلية وخارجية.

    ب.
    شهدت اليمن في ظل دستور الوحدة، طفرة في التوجه الديمقراطي، تمثل في:

    (1)
    ظهور العديد من الأحزاب والتنظيمات السياسية، وعلى الرغم من الدور الذي لعبته التعددية الحزبية في تطور الصراعات الداخلية، نتيجة تعدد اتجاهاتها وتوجهاتها، إلا أنها كانت تمثل بداية جيدة، للممارسة الديموقراطية.

    (2)
    إجراء الاستفتاءات والانتخابات، يشكل ظاهرة صحية، أتاحت للشعب اليمني حرية التعبير عن رأيه، في القضايا، التي تؤثر على مسيرة حياته.

    (3)
    شهدت اليمن، طفرة كبيرة في ظهور الصحف والمجلات الحزبية والمستقلة، التي وصل عددها إلى حوالي مائة (صحيفة ومجلة)، منها اثنان وعشرون صحيفة ومجلة حكومية.

    (4)
    رصد مظاهر حرية التعبير، والممارسات العملية لها، من خلال المناقشات، وحرية النقد، على صفحات الجرائد، والسماح بالإضرابات، والمسيرات، والاعتصامات، والمؤتمرات.



    2.
    أما الاخفاقات وأوجه القصور والسلبيات فكانت على النحو التالي:


    أ. العجز عن استيعاب مفاهيم الوحدة:

    تُعد الوحدة عملية اجتماعية، تتضمن تفاعل عناصر مختلفة عن بعضها، بهدف دمجهما، إلاّ أنه بالنظر إلى تجربة الوحدة اليمنية، نجد أن التعامل معها تم، باعتبارها مسألة إجرائية، يمكن نقضها من أي من طرفيها، حالما تغيرت حساباته ومصالحه. كما عدوها حاصل جمع الشطرين، كل منهما يحاول فرض نموذجه على الآخر، دون أن ترتقي النظرة إلى الوحدة، على أنها محاولة تحقيق دمج حقيقي، لمؤسسات دولة الوحدة، بل على العكس، ظل كل طرف محافظاً على مظاهر قوته ونفوذه، من ناحية، وإعاقة الجهود الرامية إلى دمج المؤسسات، من ناحية أخرى.
    من المفارقات، التي تبدو غريبة للوهلة الأولى، أن تجربتي الصّدام المسلح، بين شطري اليمن عامي 1972، 1979، قد انتهيتا بإعلان اتفاق للوحدة، يؤكد بشدة على ضرورة الوحدة بالنسبة لشطري اليمن. في حين أن الصراع المسلح قد اندلع بين الشطرين، في الذكرى الرابعة، لإعلان اتفاق الوحدة في مايو 1994. وعلى الرغم من كون قضية الوحدة، هي أحد الأهداف المشتركة، لقيادات صنعاء وعدن، منذ أن نالت الأخيرة استقلالها، عن الاستعمار البريطاني، منذ 25 عاماً، إلا أن كليهما، ظل يتفهم الوحدة، قياساً على توجهاته، الأمر الذي نتج عنه سيل متدفق من التعبئة، والتعبئة المضادة، لمواطني الشطرين، إزاء الآخر، مما ولد نوعاً من انعدام الثقة والتربص بالآخر.
    دلت الأحداث في اليمن، على أن قادة الشمال، كانوا يرون الوحدة، داخل مبدأ الوحدة فحسب، أو وفقاً للتعبير اليمني في ملصقات حزب التجمع اليمني للإصلاح "الوحدة وبس"، وكانوا يرون، أن تحقيق الوحدة بأي وسيلة يعد عملاً تاريخياً، حتى وإن كانت التضحيات كبيرة، وشملت جثث كل الشعب اليمني. وكانت الوحدة بالنسبة لهم، وسيلة للتخلص من أزماتهم الداخلية، وكذا لبسط سلطانهم على مناطق، يعتبرونها خارجة عليهم، وتأكيداً لمكانة اليمن في المنطقة.
    أما الجنوبيين، فكانت الوحدة بالنسبة لهم، معبر لتجاوز الخوف من صراعاتهم الداخلية، ومن العزلة الدولية، والإقليمية، خاصة بعد زوال الاتحاد السوفيتي.

    ثالثاً: العامل الثالث:

    هشاشة البناء المؤسسي للوحدة:

    تفاعلت العديد من العوامل، سواء الكامنة في البيئة اليمنية، قبل الوحدة، أو المتواكبة مع تجربة الوحدة، والديموقراطية، لتأسيس مقومات الخلاف، وعرقلة محاولة الاندماج القومي، بين شطري اليمن، ومن ذلك اختلاف التجارب السياسية، والوطنية، طوال فترة الانفصال بين الشطرين، في ظل قيم واتجاهات سياسية، تُكَرّس العداء، والصراع والشك، إلى جانب النزعات الانفصالية للقوى المحلية، والرغبة في الحفاظ على مصالحها القبلية، على حساب المصلحة القومية، فإضافة إلى بعض أوجه القصور، التي شابت عملية الوحدة، وعدم دمج المؤسسات، واختلال التوازن السياسي، بين القوى السياسية، وتنامي روح العداء، وعدم الثقة، وتبادل الاتهامات، وتغليب المصالح الشخصية، من جانب القادة اليمنيين، هذه العوامل وغيرها، أسهمت في إيصال التجربة الوحدوية، إلى أزمة سياسية، لم تفلح معها محاولات التسوية السلمية، ليُفْتَحْ المجال أمام الصراع المسلح. وتنحصر أهم العوامل التي أدت إلى هشاشة بناء الوحدة اليمنية، في الآتي:

    اتسمت الوحدة اليمنية بالضعف المؤسسي الشديد، حيث بدأ ذلك بدستور مؤقت، وضع بسرعة فائقة، وركز السلطة كلها في يد رئيس الجمهورية، بما في ذلك تكوين السلطة التشريعية، في دولة الوحدة.
    تعثر استكمال دمج العديد من المؤسسات الحيوية بدولة الوحدة، وإن ما تم توحيده منها، لم يدمج بالمعنى الحقيقي، نتيجة لعدم دمجها بشكل تدريجي، ومنظم، يراعي مصالح جميع الأطراف وطموحاتها، ويأخذ الطابع الحضاري المنسق، وبقيت هذه المؤسسات على حالها، وأصبحت مجرد واجهة شكلية، تخفي وراءها، واقع تشطيري، حال من دون حدوث تطور حقيقي على أرض الواقع، في سبيل إنتاج كيان يمني موحد.
    كان من أشد الجوانب خطورة وسلبية، عدم توحيد مؤسستي الجيش والأمن، وهذا يعني أن الوحدة اليمنية كانت في حقيقتها، دون المستوى الفيدرالي.
    قصر مدة الفترة الانتقالية، ولم تتسع لعمليات ترسيخ حسن النوايا، والتفاهم المشترك بين الأنظمة السابقة في الشمال والجنوب، واستمر لكليهما نهجه السياسي الخاص به.
    غياب، أو ضعف التمثيل الحقيقي للتيارات السياسية، في المؤسسات المختلفة، وأجهزة الدولة، حيث أعقب إعلان الوحدة، اتفاق بين الحزبين الكبيرين، على تقاسم السلطة على كافة مستوياتها، والدمج بين المجلسين النيابيين في الشمال والجنوب، وكلاهما لم يكن منتخباً بشكل ديموقراطي، مما أدى إلى وضع بذرة الأزمة.
    إن الدستور اليمني، الذي وضع خصيصاَ لدولة الوحدة، وأُقِرّ في استفتاء رسمي، ينص على قدر كبير من اللامركزية، إلاّ أن حكومة دولة الوحدة تجاهلت في واقع الأمر ذلك، وتجاهلت تقاسم السلطة، وأصبحت القضية الرئيسية في الصراع، هي مطالبة القادة الجنوبيين في اليمن، بإصلاحات دستورية، لضمان الحقوق المتفق عليها، لتعطي الجنوب مزايا اقتصادية، وسياسية أفضل، في إطار الدولة الموحدة، حيث كان الهدف المركزي في فكر الجنوب هو تقاسم السلطة، وليس استحواذ الشمال عليها، ونظراً لعدم التكافؤ بين الشطرين، في المساحة، وعدد السكان، والموارد الاقتصادية، حيث إن أكثر من ثلثي المساحة في الجنوب، وأكثر من ثلثي الموارد الاقتصادية في الجنوب أيضاً، وفي المقابل فإن الشطر الشمالي لديه أكثر من ثلثي السكان، لأجل هذا، نشبت الأزمة، وتفاعلت، حتى وصلت إلى قمة الصراع السياسي، الذي انفجر إلى صراع عسكري.
    وقد ترددت وسط ذروة الأحداث، المقولة التي تشير إلى أن الشمال يسعى للهيمنة على الجنوب، على أساس أن الجنوب أرض بلا شعب، وأن الجنوب فرع من الأصل، تم استقطاعه، ولا بد أن يعود إلى الأصل.
    وهنا ظهرت معضلة العلاقة غير المتكافأة بين طرفي الوحدة، من حيث عناصر القوة الشاملة، فقد خشي الجنوبيون من هيمنة الشماليين على ثروتهم النفطية، كما رفض علي عبدالله صالح، أن يشكل الحزب الاشتراكي قيداً على إرادته وقراراته.
    عدم التكافؤ في القوة البشرية، حققت ميزة للشطر الشمالي. فعلى سبيل المثال فإن الشطر الشمالي ذو الثلاث عشر ملايين نسمة، يستطيع، في أي انتخابات رئاسية، أن يضمن منصب الرئيس بسهولة، في مواجهة الجنوب ذو المليونين والنصف من النسمة، كما أنه في أي انتخابات يمكن تحقيق الأغلبية للشمال بسهولة، مما جعل الجنوبيين يعتقدوا أنهم دخلوا الوحدة بلا دور أو تأثير.
    تصاعد الأزمة الاقتصادية، وتراكم الأعباء على الشريحة العظمى من أبناء اليمن.
    الفشل في تطبيق مبدأ الأخذ بالأفضل في تجربة الشطرين، وتعميمه على نطاق الدولة الموحدة، وكان ما حدث هو عكس ذلك، إذ انتقلت العديد من السلوكيات السلبية في مجال قانون الأسرة، والأحوال الشخصية، وحمل السلاح، أو عادة مضغ القات، وغياب الانضباط الإداري والأمني، وغياب الرقابة، من المحافظات الشمالية إلى الجنوبية رغم خبرة الأخيرة في هذه المجالات.
    غموض بعض الجوانب السياسية للقيادة العليا في دولة الوحدة، مثل عدم وضوح الاتجاهات التي ستسير فيها دولة الوحدة، ففي الوقت الذي تم فيه تشكيل قيادة عسكرية واحدة، فلقد احتفظ كل طرف، بقواته المسلحة، وخطوطه الجوية، كما استمرت نظم الجمارك، على الرغم من الاتفاق على إلغائها، ولكل منهم نظم قضائية مختلفة، واحتفظ كل منهم بعاداته، فالشماليين الذين لم يظهر انهم يقلعون عن مخدر القات، عارضوا بشدة بيع الخمور وتصنيعها في الشطر الجنوبي، وبدأ المنفيون بالخارج من الشطر الجنوبي، يلتمسون إعادة أملاكهم وأراضيهم، التي استولت عليها الجمهورية السابقة، وسرعان ما أبطلت قوانين حماية حقوق المرأة، في المساواة الوظيفية، والمعاملة المتساوية مع الرجل، في الطلاق واختيار الزوج، التي كانت قد أصدرتها جمهورية اليمن الديموقراطية، في الوقت الذي سارت فيه تساؤلات حول حقوق المرأة القانونية في الميراث والملكية.
    ضعف مستوى التطور السياسي، حيث ارتبط تفجر الأزمات السياسية بمواقف الأشخاص، وليس لأسباب موضوعية، وفي هذا السياق فإن الصدام بين الرئيس اليمني، ونائبه، قد اظهر المرارات المتبادلة بين الشمال والجنوب، وانعكس ذلك على أداء المؤسسات في دولة الوحدة، وخاصة المؤسسة العسكرية، حيث ظهر بوضوح، أن الطرفين قد عجزا عن أحداث تطور سياسي حقيقي، يتجاوز الولاء للأشخاص، إلى الولاء لدولة الوحدة.
    أزمة الثقة التي يعاني منها كلا الحزبين الكبيران، حيث سادت حالة من عدم الثقة بين طرفي الخلاف، وتراكمت في اتجاه فقدان الثقة كشكل متبادل، حيث لم تعد وعود كل طرف كافية لحل الزمة، وإنما كل طرف يطالب بضمانات محددة زمنياً لتنفيذ هذه الوعود.
    أدى الطابع القبلي للمجتمع اليمني، إلى استناد طرفي الأزمة، إلى وزنه القبلي، وعدم تقديم تنازلات من أجل تجاوز الأزمة.
    كانت الإدارات الحكومية وغير الحكومية في اليمن، تعاني حالة من الفساد الوظيفي والفوضى، وقد أدى ذلك إلى تفاقم الأزمة في اليمن.




    الباب الثاني
    تطورات الأزمة وتأجيج الصراع نحو الحرب الأهلية
    الفصل الأول
    تطور الموقف السياسي والعسكري، وتوقيع وثيقة العهد والاتفاق
    عام:

    تصاعدت الأزمة السياسية، في اليمن الموحد، بشكل تدريجي عبر مراحل مختلفة، إلى أن وصلت إلى مرحلة الانفجار. وكانت الأزمة في جوهرها، أزمة ثقة، وتتسم بدرجة عالية من سوء الإدارة، وحالة الفوضى التي يعاني منها النظام السياسي،في معالجة الأزمات اليومية. وذلك أن جذور الأزمة، تعود إلى الفترة الانتقالية، التي أعقبت إعلان الوحدة اليمنية، وما واكبها من مشكلات، لم يتغلب عليها في حينه، مما جعلها تتمدد وتتشعب. وبدت الأزمة، للوهلة الأولى، كأنها تهديد جاد للوحدة.

    وفيما يلي تسلسل للأحداث والتطورات السياسية، حتى توقيع وثيقة العهد والاتفاق.

    القسم الأول: بوادر الأزمة بعد إعلان الوحدة وحتى نهاية يوليه عام 1993
    بعد إعلان الوحدة، استمرت العلاقة بين الشطرين مستقرة طوال العام الأول للوحدة، ثم بدأ الخلاف يظهر بينهما حول بعض القضايا السياسية والمسائل التنظيمية، إضافة إلى الولاءات الإقليمية "شمال وجنوب"، وقد دارت الأحداث خلال تلك الفترة، على النحو التالي:

    1. شهر يناير 1992

    ظهر خلاف حول دمج القوات المسلحة. ووضع الحزب الاشتراكي شروطاً لعملية الدمج، منها تقليص حجم الحرس الجمهوري، وإخراج القوات الموجودة منه داخل العاصمة، وهو ما رفضه علي عبدالله صالح.

    2. شهر مارس 1992

    في إطار سعي الحزبين الحاكمين، لاحتواء الخلافات بينهما، توصلا في مارس 1992، الموافق رمضان 1412، إلى ميثاق عمل ينص على الآتي:

    أ.
    النهج الشوري الديمقراطي التعددي، المرتكز على أهداف الثورة اليمنية، ومبادئها، هو أساس النّظام السياسي لليمن، والشرعية الانتخابية هي أساس تداول السلطة.

    ب.
    الالتزام بالدستور، والتقيد الكامل بقواعده، وأحكامه، وضمان الحقوق الدستورية للمواطنين.

    جـ.
    عدم رفع شعارات تدعو للديكتاتورية الحزبية، أو الترويج لأي أفكار شمولية، واحترام دور العلم والعبادة، وتحريم استخدامها في الصراع السياسي.

    د.
    الامتناع عن إنشاء تشكيلات عسكرية، أو فرق إرهابية، أو حمل السّلاح، أو التحريض على استخدامه.


    3. من أبريل إلى يونيه 1992

    الاعتكاف الأول للأمين العام للحزب الاشتراكي، علي سالم البيض، في عدن، على أثر سلسلة الاغتيالات، التي جرت ضد قيادات الحزب الاشتراكي، وراح ضحيتها حوالي 155 شخصاً. وقد كانت بدايتها في شهر سبتمبر عام 1991، بمقتل المهندس حسن الحريبي، أحد قيادات التجمع الوحدوي في اليمن، وفي الوقت نفسه، اتخذ من الاعتكاف تعبيراً عن اعتراضه، على تأجيل الانتخابات البرلمانية، مرتين متتاليتين.

    4. وفي 8 يونيه 1992

    صدر قانون الانتخابات العامة، واشتمل على ثمانية أبواب، نظمت الحق الانتخابي وشروطه. وعلى الرغم من كونه مطلب مهم للأحزاب، إلا أنها التفت حول بعض مواده، ولم تلتزم بها حرفياً بسبب الخلافات بين الحزبين الحاكمين. ولزيادة احتمال فشل الحزب الاشتراكي، إذا ما خاض الانتخابات بمفرده، فقد طالب الحزب، باتفاق بشأن الانتخابات العامة، وتحديد نصيب كل من الحزبين الحاكمين في السلطة. كما اقترح قادة الحزب الاشتراكي، خوض الانتخابات بقائمة موحدة، أو دمج الحزبين في حزب واحد، في مقابل موافقة الحزب، على تعديل الدستور، بحيث يتم إلغاء مجلس الرئاسة الجماعي، الذي يرأسه علي عبدالله صالح، واستحداث منصب رئيس الجمهورية، وهو ما كان يتوافق مع رغبة الرئيس صالح.

    5. يوم 12 سبتمبر 1992

    نتيجة للصراعات السياسية، وتردي حالة البلاد، التي ظهرت من خلال:

    أ.
    المسيرات، والمظاهرات، والاجتماعات، والمؤتمرات، التي بدأت في 9 أكتوبر سنة 1991، وكان آخرها في 12 مايو سنة 1992، "والتي بلغ عددها 11 مسيرة واجتماعاً"، عبّرت عن الاحتجاج على تردي الحالة الأمنية، والعنف، والإرهاب السياسي، والاغتيالات السياسية، وتردي الظروف السياسية والأوضاع الاقتصادية.

    ب.
    الأزمة التي وقعت بين الحزبين الحاكمين، بشأن الانتخابات والكثير من القضايا، ومنها دمج القوات المسلحة، وعدم تطبيق قانون الأحزاب السياسية، الذي يحتم ابتعاد العسكريين عن الأحداث، وضرورة استقالة رئيس الوزراء، والوزراء الذين يرشحون أنفسهم، وهو الأمر الذي كان يجب حدوثه، منذ 31 ديسمبر 1991.


    طُرحت فكرة عقد مؤتمر وطني، كوسيلة لحل الخلافات، بين الرئيس علي عبدالله صالح، ونائبه علي سالم البيض، وكصيغة للحوار حول قضايا ومشكلات اليمن، في غمار عملية التّحول الديمقراطي والوحدة، وكان الهدف الأساسي من عقد مثل هذا المؤتمر، هو بلورة وثيقة سياسية، تلتزم بها الأحزاب جميعاً، سواء تلك التي ستأتي بها الانتخابات إلى الحكم، أو التي ستبتعد عنه.

    ولكن طرأت بعض الأحداث، وظهرت عوامل أخرى، تمثلت في وساطات بين الطرفين، أنهت الأزمة ولم ينعقد المؤتمر الوطني. وكان الحزبان الحاكمان، كلمّا عادت فكرة المؤتمر إلى الظهور، يطرحان أفكاراً بديلة، مثل عقد مائدة مستديرة، بما يعنيه ذلك من محدودية العدد المشارك، ومن ثم استبعاد بعض الأطراف، أو عقد مؤتمر جماهيري، بما يعنيه من نتائج غير ملزمة، وهي اقتراحات استهدفت المحافظة على الوضع المتميز للحزبين، وتجنب تأثير الأحزاب الأخرى على توازن السلطة بينهما.

    ومع قرب نهاية المرحلة الانتقالية، والاستعداد لإجراء الانتخابات، زاد الإلحاح من قبل الأحزاب الأخرى، ما عدا الحزبين الحاكمين، من أجل عقد المؤتمر الوطني. وبالفعل، تم تشكيل لجنة تحضيرية للمؤتمر، برئاسة عبدالرحمن الجفري، رئيس حزب رابطة أبناء اليمن.

    وقد روعي في تشكيل تلك اللجنة، أن تضم ممثلين من مختلف الأحزاب، والتنظيمات السياسية الكبيرة، بغرض تأمين إسهامها جميعاً في أعمال المؤتمر. واستطاعت اللجنة التغلب على مشاكل كثيرة، كانت تعترض انعقاد المؤتمر. ولكن الحزبين الحاكمين طفقا يثيران مشكلات كثيرة حول تسمية المؤتمر، هل يسمى (مؤتمر وطني) أم (مؤتمر الأحزاب والمنظمات الاجتماعية)، أم (اللقاء الوطني). ودل ذلك على استمرار فتور الحزبين لعقد المؤتمر، بل إنهما دعَّما فكرة عقد مؤتمر مواز له، تقرر عقده في منتصف أغسطس 1992، ولكن الخلافات أجلته إلى منتصف سبتمبر.

    وقد انعقد أخيراً المؤتمر الوطني، وبدأ أعماله في 12 سبتمبر 1992 (15 ربيع الأول 1314) في المركز الثقافي في صنعاء، بحضور ممثلي الأطراف، والقوى السياسية، والاجتماعية، وعدد من علماء الإسلام، وأعضاء من مجلس النواب، في حين تغيب الحزب الاشتراكي، على الرغم من اشتراكه في أعمال اللجنة لمدة ثلاثة أشهر، معلناً بذلك تضامنه مع شريكه في الحكم حزب المؤتمر الشعبي، الذي لم يشارك في التحضير للمؤتمر الوطني، وآثر المشاركة في التحضير لمؤتمر الأحزاب والتنظيمات الجماهيرية، الذي كان من المفترض عقده في الوقت، الذي ينعقد فيه المؤتمر الوطني.

    6. ربيع عام 1993

    شهد الاعتكاف الثاني، لأمين الحزب الاشتراكي، علي سالم البيض، في عدن وحضرموت، احتجاجاً على الوضع، الذي آلت إليه الوحدة اليمنية، والذي انتهى بعد الاتفاق على موعد أول انتخابات تعددية في دولة الوحدة، في 27 أبريل سنة 1993، عقب تأجيلها مرتين.

    7. في 27 أبريل 1993

    أ.
    أجريت الانتخابات النيابية، التي كان محدداً لها 22 نوفمبر 1992، ثم تأجلت إلى 18 فبراير 1993، ولم تنفذ إلا في 27 أبريل من العام نفسه، وكان من نتيجة تأجيل الانتخابات، وتسيير سلطات الدولة في فترة التمديد، أن صدر بيان سياسي وإعلان دستوري، بشأن تطبيق الدستور على المؤسسات الدستورية، وهيئات الدولة.

    وفي ظل تلك الأجواء المتوترة، استمر تبادل الاتهامات بين الأحزاب المتنافسة، بالتزوير، والتلاعب، والتباطؤ المتعمد في فرز الأصوات. وقد وقعت صدامات مسلحة، تزامنت مع فرز نتائج الانتخابات، راح ضحيتها أربعة أشخاص، وجرح خمسة آخرون. كما تعرض موكب الشيخ محمد ناجي الشايف، نجل زعيم قبائل بكيل، الذي فاز في الانتخابات، لكمين أثناء توجهه إلى صنعاء، كان من نتائجه مقتل أربعة، وجُرح أربعة آخرين.

    ب.
    ظهرت نتائج الانتخابات، التي دلت على اكتساح حزب المؤتمر الشعبي العام، الذي يرأسه علي صالح، وقد فاز بـ 121 مقعداً. كما برز على أرض الواقع حزب التجمع للإصلاح، الذي يتزعمه الشيخ عبدالله الأحمر. من ثم أفرزت الانتخابات واقعاً جديداً، ووضعت نهاية لتحالف الأمر الواقع، "التحالف الثنائي"، بين الحزبين الحاكمين: "حزب المؤتمر الشعبي العام، والحزب الاشتراكي". وأظهرت أن ذلك التحالف، فرضته الظروف خلال الفترة الانتقالية، التي انتهت بانتخابات 27 أبريل 1993. وقد أكد حزب المؤتمر التزامه بالاستمرار، في ترسيخ دعائم الوحدة الوطنية.

    جـ.
    وعلى الجانب الآخر، أكد الحزب الاشتراكي، على لسان الأمين العام المساعد للحزب، أهمية وجود حزب المؤتمر الشعبي، والحزب الاشتراكي، في السلطة، في إطار كتلة برلمانية واحدة، كما اتُفق سلفاً، وأن ذلك هو الطريق الصحيح، لكي تستمر الأوضاع في اتجاه يمكن أن يحافظ على مسار الوحدة، باعتبار أن الحزبين، هم اللذان حققا الوحدة. وبغض النظر عما أفرزته الانتخابات، فقد اجتمعت الآراء، على أنها بداية مشجعة، إلى يَمَن يٍنهض بديموقراطية حقيقية، كما وصفتها صحيفة السفير اللبنانية.

    د.
    بدأت القوى الرئيسية الثلاث، التي أفرزتها الانتخابات، "حزب المؤتمر الشعبي، والحزب الاشتراكي، والتجمع الوطني للإصلاح، مفاوضاتهم على شكل الحكومة الائتلافية، التي تضم كل الاتجاهات السياسية، من الإسلاميين، إلى الماركسيين السابقين.


    8. في 11 مايو 1993

    اتفق الحزبان، اللذان حكما شطري اليمن الشمالي والجنوبي، منذ الوحدة، قبل ثلاث سنوات، على الاندماج في حزب سياسي واحد، يتمتع بالغالبية المطلقة، في مجلس النواب المنتخب. وجاء في بيان لهما، أن الرئيس علي عبدالله صالح، الذي يتزعم حزب المؤتمر الشعبي العام، ونائب الرئيس علي سالم البيض، زعيم الحزب الاشتراكي اليمني، وقعا معاً في 10 مايو 1993، الاتفاق على دمج الحزبين. وأشار الحزبان، إلى أن اندماجهما سيبدأ بتأليف كتلة موحدة في البرلمان، وإقامة تنسيق بينهما وثيق وراسخ، توصلاً إلى قيام تنظيم سياسي واحد.

    9. في 16 مايو 1993

    فاز الشيخ عبدالله بن حسين الأحمر، أمين عام حزب التجمع اليمني للإصلاح، برئاسة مجلس النواب اليمني الجديد، والذي أكد على أن تعديل الدستور، سيكون من أولويات عمل المجلس، وأنه سيسعى إلى تحسين العلاقات، مع المملكة العربية السعودية، والدول الخليجية الأخرى، ومع الولايات المتحدة الأمريكية. وقد انتخب في نفس الوقت ثلاثة مساعدين لرئيس المجلس، يمثلون حزب المؤتمر الشعبي، والحزب الاشتراكي، وحزب البعث.

    10. في 20 مايو 1993

    قدّم رئيس الوزراء، حيدر أبو بكر العطاس، استقالته إلى مجلس الرئاسة اليمني، وقرر مجلس النواب تكليف مجلس الرئاسة، ممارسة صلاحياته، ومهامه الدستورية كاملة، حتى يُبت في المطالب المتعلقة بتعديل الدستور.

    11. في 24 مايو 1993: "الأزمة السياسية"

    أ.
    تصاعدت الأزمة السياسية التي عصفت باليمن، فبعد توقيع الاتفاق على دمج الحزبين، المؤتمر الشعبي والاشتراكي في 10 مايو، أُعلن في 24 مايو، عن الوثيقة الثلاثية ، التي وقعتها الأحزاب الثلاثة "المؤتمر، الاشتراكي، الإصلاح". وعقب ذلك تفاعلت الأحداث، وأخذت منحناً آخر، إذ تباينت مقولات الوثيقة الثلاثية، السياسية والإدارية، مع وثيقة العاشر من مايو، وتلا ذلك إعلان الحزب الاشتراكي، أن النص المعلن في الوثيقة تم تحريفه، خلافاً لِما اتفق عليه، وبدت الأزمة كأنها بين طرفين: الأول هو الحزب الاشتراكي، والثاني كل من "المؤتمر" و "الإصلاح". لكنها في الواقع، كانت بين الحزب الاشتراكي، والمؤتمر الشعبي العام، الذي سرعان ما تُرجم على أنهما الواجهة السياسية، للجنوب وللشمال. وعلى الرغم من ذلك، يمكن القول، إن الأزمة السياسية بين الحزبين الاشتراكي والمؤتمر الشعبي العام، تتمحور حول نقطتين أساسيتين، تتعلق أولاهما بفكرة مجلس الشورى، والأخرى بهيكلية مجلس الرئاسة.

    ب.
    طالب الحزب الاشتراكي بقيام مجلس شورى (مجلس شيوخ)، مواز ومكمل للمجلس النيابي، وهو ما أقرته الوثيقة الثنائية، وتجاوزته الوثيقة الثلاثية. وترى أوساط الحزب الاشتراكي، أن هذا المطلب ينطلق من اقتناع مفاده، أن وجود مجلس شورى، من شأنه خلق توازن من نوع ما، مع مجلس النواب الحالي. فبموجب الدستور المطبق، تم انتخاب أعضاء مجلس النواب، على أساس تقسيم البلاد دوائر انتخابية متساوية، من حيث العدد السكاني. وقد سبب تفاوت الكثافة السكانية، بين ما كان يُعرف بالشطرين الشمالي والجنوبي، أن النسبة بينهما كانت خمسة إلى واحد، لمصلحة الشمال، ولهذا، فإن إقامة مجلس الشورى من شأنه أن يصحح عدم التوازن، بمساواة الشطرين في التمثيل داخل المجلس. وعلى مستوى مجلس رئاسة الدولة، يرى الحزب الاشتراكي، أن التمسك بمبدأ وجود نائب رئيس (وهو ما أقرته الوثيقة الثنائية)، ينطلق هو الآخر، من ضرورة المحافظة على مقولة التوازن داخل مؤسسات الدولة. أما عن الجدل القانوني في شأن منصب نائب الرئيس، يمكن القول إن الدستور، على الرغم من أنه لم ينص صراحة، على وجود هذا المنصب (إشارة إلى المادتين 83 و 84)، إلاّ أنه، في الوقت نفسه، لم ينص على انتفائه، من هنا تكون الإباحة هي الأصل. وفي سياق الجدل القانوني ذاته، يرى الاشتراكيون، أن منصب نائب الرئيس، يمكن إرجاع جذوره القانونية، إلى اتفاق الوحدة بين الشطرين، الشمالي والجنوبي، وتحديداً إلى المادة الثانية منه، التي أوضحت طريقة تشكيل مجلس رئاسة الجمهورية، وانتخاب رئيس ونائب للرئيس. وبذلك أعادت أزمة الثقة بين الحزبين الحاكمين، أجواء الانقسام إلى أذهان اليمنيين.


    12. في 30 مايو 1993: "تشكيل الحكومة اليمنية"

    في 23 مايو، كلف الرئيس علي عبدالله صالح، حيدر أبو بكر العطاس، رئيس الحكومة المستقيل، بتأليف الحكومة الجديدة، بعد مشاورات مع الأحزاب، إلا أن خطوات تشكيل الحكومة تعثرت، بعد الخلافات المستحكمة بين الحزب الاشتراكي وحزب الإصلاح، على تولي المناصب الوزارية. وقد رجحّت بعض المصادر، احتمال التراجع عن التكليف السابق للعطاس بتشكيل الحكومة، وإسناد هذه المهمة إلى الرئيس اليمني الجنوبي السابق، علي ناصر محمد، الموجود في دمشق. وحمّل الرئيس اليمني، نائبه علي سالم البيض، وحزبه الاشتراكي، مسؤولية تأخر تشكيل الحكومة الجديدة. وفي يوم 29 مايو، اتُفق على تشكيل الحكومة، التي أعلن عن تشكيلها في 30 مايو 1993.

    13. في 11 يوليه 1993

    أ.
    تعثر الحوار الجاري حول التعديل الدستوري، بين الأحزاب اليمنية الثلاثة المؤتلفة، أمام ثلاث قضايا رئيسية:

    (1)
    الآلية التي سيتم بها تغيير شكل رئاسة الدولة، من مجلس رئاسة، إلى رئيس جمهورية، وما يرتبط بها من أمور، مثل وضع نائب الرئيس.

    (2)
    طرح الحزب الاشتراكي، فكرة منع الرئيس ونائبه، مزاولة أي نشاط حزبي.

    (3)
    أسلوب تحقيق، نظام الحكم المحلي.



    ب.
    ونتيجة للعقبات، التي واجهت الحوار حول مشروع التعديلات الدستورية، الذي وصل إلى طريق مسدود، فتح مجلس النواب اليمني باب الترشيح، لعضوية مجلس الرئاسة الجديد، للجمهورية اليمنية، على أن تأخذ مسألة تعديل الدستور، الوقت الكافي لمناقشتها.





    القسم الثاني: تطور الأزمة والاعتكاف الثالث للبيض، والدعوة إلى الفيدرالية
    الفترة من أغسطس 1993 حتى نوفمبر 1993

    1. في 2 أغسطس 1993

    حازت حكومة العطاس على ثقة مجلس النواب، بعد اتفاق الأحزاب الثلاثة على التعديلات الدستورية، فيما يتعلق بالقضايا الثلاث موضع الخلاف. وتحدد موعد إقرار التعديلات قبل يوم 4 أكتوبر 1993 وهو الموعد النهائي لانتخاب أعضاء مجلس الرئاسة، وشددت التعديلات على انتخاب رئيس الجمهورية من الشعب، وأن تكون المنافسة بين شخصين على الأقل.

    2. في 11 أغسطس 1993

    عاد الخلاف مرة أخرى بشأن التعديلات الدستورية. وأعلن الحزب الاشتراكي، عبر ممثليه في الاجتماع المشترك، أن وثيقة مشروع التعديلات، ليست هي المتفق عليها، وأن الحزب غير موافق على هذه التعديلات، ولم يوقع عليها، وأنها أحيلت إلى مجلس النواب من دون علم المكتب السياسي للحزب.

    وفي مواجهة ما حدث، أعلن حزبي المؤتمر، والتجمع للإصلاح، وقوفهم أمام تراجع الحزب الاشتراكي، واتفقوا على أنهم سيدفعون، من خلال كتلتيهما النيابيتين، بترشيحات لمجلس الرئاسة، بغية انتخاب مجلس جديد، قبل الرابع من أكتوبر 1993، وخلال ذلك طُرحت فكرة ترشيح علي ناصر محمد، الرئيس السابق لليمن الجنوبي، والموجود بدمشق، لعضوية مجلس الرئاسة.

    3. في 19 أغسطس 1993

    أ.
    وقع الاعتكاف الثالث لنائب الرئيس اليمني، علي سالم البيض، في عدن، بعد عودته من الولايات المتحدة الأمريكية في رحلة علاج. وكان الاعتكاف هذه المرة، تعبيراً عن الشعور بالغبن، حيث لم يحصل الشطر الجنوبي، ما يوازي إسهامه في الوحدة، وكذلك كرد فعل لما اعتبره تهميشاً لدوره كشريك رئيسي في صنع الوحدة، وتقليصاً لصلاحياته.

    ب.
    شهدت العاصمة اليمنية صنعاء، إعلان مولد التكتل الوطني للمعارضة، السابق الاتفاق على تشكيله، من خمسة أحزاب معارضة، هي: حزب رابطة أبناء اليمن، وحزب الحق، وحزب التجمع الوحدوي اليمني، والتنظيم الوحدوي الشعبي الناصري، واتحاد القوى الشعبية. وأصدر التكتل، بياناً عرض فيه الأهداف العامة للتكتل.

    جـ.
    أدلى علي سالم البيض، بحديث إلى "إذاعة الشرق" في باريس، قال فيه: "إن الوحدة كانت حدثاً تاريخياً في نضال الشعب اليمني، وشعبنا يتفاعل مع هذا الحدث، ويتمسك بهذه الوحدة، ولا شك أن هناك مشاكل كبيرة تعترضها، ولكن علينا نحن أن نبني المؤسسات الديموقراطية لحمايتها، وهناك الآن استعدادات للانتخابات المحلية، كخطوة جديدة على طريق الديموقراطية الطويل"، وأكد "أن التعديلات التي نطالب بها (الحزب الاشتراكي)، لا تعنينا وإنما تعني الشعب، وكل الأحزاب، وبالتالي فهي مطروحة للهيئات، فإذا كانت هذه التعديلات ستأتي بالإصلاح الديمقراطي، فأهلاً وسهلاً، أما إذا كانت لحل شيء آني وعابر، فنحن لا نقبل بها، والحزب الاشتراكي، لا يهمه شكل الرئاسة ولا الرئاسة، ويهمه فقط الإصلاحات الديموقراطية"، ونفى وجود خلافات إيديولوجية، في صفوف الائتلاف الحاكم.

    د.
    محضر اتفاق أحزاب الائتلاف اليمني:
    تنفيذاً لاتفاق الائتلاف الثلاثي، عُقدت اجتماعات عدة للقيادات العليا للأحزاب المؤتلفة، لمناقشة قضايا الاختلاف في التعديل الدستوري، وتوصلت في النهاية إلى الآتي:

    (1)
    الاتفاق على الصيغة الدستورية لمشروع التعديلات، التي تعكس الأهداف والمبادئ والاعتبارات، التي أقرّ مجلس النواب، مبدأ التعديل في ضوئها.

    (2)
    التزاماً بالشرعية الدستورية، وترسيخاً للممارسة الديموقراطية، حيث إن الإقرار النهائي للتعديلات الدستورية، أمر يخص مجلس النواب وفقاً للدستور، تم الاتفاق بين الأطراف المؤتلفة، على التنسيق البرلماني بين الكتل البرلمانية، بما يكفل إنجاح الإصلاحات الدستورية، الذي يعتبر ضرورة وطنية تقتضيها المصلحة الوطنية العليا، وفي ضوء ذلك، تلتزم قيادة كل طرف، بتبني مشروع الإصلاحات الدستورية، كل مع كتله البرلمانية، وعقد اجتماع معها لشرحها، وتكوين القناعة بها، إلى جانب التنسيق بين الكتل البرلمانية الثلاث، وبقية أعضاء مجلس النواب، وتوسيع قاعدة المشاركة في مناقشة التعديلات، وتوضيحها، وإجراء الحوار حولها مع الأحزاب، والتنظيمات السياسية الأخرى، والمنظمات الجماهيرية والشخصيات المستقلة.

    (3)
    الاتفاق على تشكيل لجنة لرعاية الائتلاف، من قيادات الأحزاب المؤتلفة، وتتكون من رؤساء الأحزاب الثلاثة، وأربعة أعضاء قياديين عن كل حزب.



    5. في 15 سبتمبر 1993

    اجتمعت لجنة تمثل الأحزاب المؤتلفة في الحكم، للتشاور في التعديلات الدستورية. وطرح الحزب الاشتراكي تعديلاً جديداً، بخصوص شكل رئاسة الدولة، على أساس انتخاب رئيس الجمهورية ونائبه في قائمة واحدة، أو يعين الرئيس نائباً له، بعد أن يكون قد سماه قبل الانتخابات، وفي هذه الحالة، تكون لنائب الرئيس صلاحيات الرئيس حتى نهاية ولايته، في حال فراغ المنصب، لأي سبب من الأسباب. أما فيما يخص الحكم المحلي، فطرح الاشتراكي ضرورة تحديد موعد لانتخاب المحافظين، في نص دستوري.

    6. في 16 سبتمبر 1993

    زار علي سالم البيض، محافظة أبين، وألقى خطاباً جاء فيه: إن المشروع الحضاري لدولة الوحدة لم يتحقق، ودعا في كلمته، إلى المكاشفة العلنية، والصدق في عمل القيادة السياسية، بدل المراوغة والضحك على الجماهير. وقد دعا حزب المؤتمر الشعبي، إلى اتخاذ موقف حاسم وسريع، من خطابات نائب الرئيس علي سالم البيض.

    كما عُقدت عدة اجتماعات في صنعاء، ضمت عدداً من أعضاء مجلس النواب، والشخصيات العامة، تمهيداً لقيام تجمع سياسي جديد، تحت اسم "التجمع اليمني للإنقاذ"، ويستهدف البحث عن الوسائل الكفيلة لإخراج البلاد من الأزمة السياسية.

    7. في 6 أكتوبر 1993

    كشفت زيارة السلطان العماني، قابوس بن سعيد، لليمن، التي انتهت قبل يوم واحد من موعدها، عمق الخلاف القائم بين الحزبين الحاكمين، المؤتمر الشعبي بقيادة علي عبدالله صالح، والحزب الاشتراكي، بقيادة نائب الرئيس علي سالم البيض. وقد كان مقرراً أن يزور السلطان قابوس، عدن، العاصمة الاقتصادية لليمن، حيث يعتكف البيض. لكن إشكالات سياسية وبروتوكولية، حالت دون إتمام الزيارة، وتركز الإشكال الأول حول إخراج الزيارة، إذ كان البرنامج الرسمي، ينص على أن يزور السلطان قابوس، عدن ثم يعود إلى صنعاء، ليغادر منها إلى بلاده، لكن ارتؤي بعد مداولات، أن يعلن عن توقفه في عدن، في طريق عودته إلى مسقط. وظهر إشكال جديد عندما أصرّ البيض، على إجراء استقبال رسمي كبير للسلطان، فرفض الجانب العماني، الذي احتج على أنه لا يمكن استقبال السلطان رسمياً، مرتين في بلد واحد. وبعد حل هذه النقطة، وقبيل وصول قابوس، وردت في صنعاء معلومات تفيد، أن صور صالح التي علقت في شوارع عدن، بمناسبة الزيارة، انتزعت، وحلت بدلاً منها صور البيض، فقرر السلطان قابوس اختصار زيارته، والعودة إلى بلاده. وظل الخلاف كما هو بين صالح والبيض حول التعديلات الدستورية، وتقاسم السلطة بين الحزبين الممثلين للشمال والجنوب.

    8. في 11 أكتوبر 1993

    انتخب مجلس النواب اليمني، مجلس الرئاسة الجديد في البلاد، المؤلف من خمسة أعضاء، بينهم الرئيس اليمني علي عبدالله صالح، ونائبه السيد علي سالم البيض، وعضو حزب الإصلاح، الشيخ عبدالمجيد الزنداني، والأمين العام المساعد لحزب المؤتمر الشعبي، عبدالعزيز عبدالغني، والأمين العام المساعد للحزب الاشتراكي، سالم صالح محمد.

    9. في 13 أكتوبر 1993

    أجل مجلس النواب اليمني، جلسة أداء أعضاء مجلس الرئاسة اليمين الدستورية، بسبب استمرار الأزمة السياسية القائمة بين الحزبين الرئيسيين، المؤتمر الشعبي العام، بقيادة الرئيس علي عبدالله صالح، والاشتراكي، بقيادة نائب الرئيس علي سالم البيض، ومواصلة الأخير اعتكافه في عدن.

    10. في 14 أكتوبر 1993

    أكّد نائب رئيس مجلس الرئاسة، السيد علي سالم البيض، أنه لن يحضر إلى صنعاء لأداء اليمين الدستورية، فيما جابت سيارات تابعة للحزب الاشتراكي، في 13 و 14 أكتوبر 1993، شوارع عدن ومدن الجنوب الرئيسية، وهي تحمل مكبرات للصوت تبث أناشيد ثورية جنوبية قديمة. وفي مقابلة مع صحيفة "صوت العمال العدنية"، الناطقة باسم الحزب الاشتراكي، نقلتها وكالة "فرانس برس"، برر البيض رفضه حضور الجلسة، بقوله "إن صنعاء تشكل ترسانة أسلحة، واستمرار هذا الوضع يعني إبقاءنا مقيدين، وأن نتقاتل في ما بيننا". وشدد على أنه "لا يريد الذهاب إلى صنعاء لأداء اليمين، وليمارس الكذب على الناس مرة ثانية وصرح أنه غير قادر على تحمل المسؤولية، في ظل الأوضاع الراهنة، التي لم ولن تمكنه من عمل شيء، منذ اليوم الأول للوحدة".

    11. في 16 أكتوبر 1993

    أ.
    أدى أربعة من أعضاء مجلس الرئاسة اليمني الخمسة، اليمين الدستورية أمام مجلس النواب، في غياب النائب السابق لرئيس الجمهورية، علي سالم البيض، الذي قاطع الجلسة احتجاجاً. وجدد أعضاء مجلس الرئاسة الحاضرون، انتخاب الرئيس اليمني علي عبدالله صالح، رئيساً لمجلس الرئاسة، في حين فقد البيض تلقائياً منصب نائب الرئيس، الذي لا ينص عليه الدستور الحالي، والذي كان أسند إليه بموجب اتفاق الوحدة الانتقالي.

    ب.
    بعث النائب السابق لرئيس الجمهورية، علي سالم البيض، المعتكف في عدن منذ 19 أغسطس الماضي، رسالة إلى مجلس النواب اليمني، يعتذر فيها عن عدم حضوره. وقال البيض في رسالته التي تليت أمام النواب، إن "الجميع يعرف الأسباب، التي دعت إلى عدم حضوري". وفي مقابلة نشرتها صحيفة "الشرق الأوسط"، أشار البيض، إلى أنه سيواصل اعتكافه في عدن، لأن لا فائدة للحوار مع صنعاء. وقال "أنا مضطر للجوء إلى الاعتكاف، لأن الحوار لم يعد ينفع، وحتى الاتفاقات المكتوبة لم تنفذ، وأنا لا أستطيع أن أكون شكلاً في الرئاسة أو أجلس للزينة والمجاملة".


    12. في 18 أكتوبر 1993

    نقلت صحيفة "يمن تايمس"، عن نائب رئيس مجلس الرئاسة، والأمين العام للحزب الاشتراكي، السيد علي سالم البيض، أنه لن يعود عن اعتكافه، ما لم يأخذ الرئيس صالح برنامجه الإصلاحي في الاعتبار. وينص هذا البرنامج، المكون من 18 نقطة، على إقامة لا مركزية إدارية ومالية، ونقل السلطات إلى المحافظات، ومنحها صلاحيات واسعة، واتخاذ خطوات عملية لتصحيح أوضاع القضاء، وفرض قيود على الإنفاق الحكومي، ومكافحة الفساد، والرشوة، والتسيب الإداري، والأمني، وإخراج الثكنات العسكرية من المدن وخصوصاً من صنعاء.

    13. في 19 أكتوبر 1993

    طرح التكتل الوطني للمعارضة اليمنية، مشروعاً من 16 بنداً، هُدِفَ منه معالجة الأزمة السياسية الخطيرة التي تشهدها اليمن. ووصف المشروع، بأنه المعالجة الحقيقية، التي تمنع استمرار الأزمة السياسية وتكرارها، وتنزع الفتيل القابل لتفجيرها.

    14. في 23 أكتوبر 1993

    صرحت مصادر أمنية، تنتمي إلى الحزب الاشتراكي اليمني، أن "الجهاز الأمني الخاص بحراسة أعضاء قيادة الاشتراكي، كشف مخططاً، أُعد بعناية كبيرة، يستهدف التصفية الجسدية لعدد من قادة الحزب وكوادره، في مقدمهم علي سالم البيض، نائب رئيس مجلس الرئاسة، والأمين العام للحزب الاشتراكي، وسالم صالح محمد، عضو مجلس الرئاسة، والأمين العام المساعد للاشتراكي، والعميد هيثم قاسم طاهر، وزير الدفاع وعضو المكتب السياسي للحزب"، وتوقع أن "يمتد المخطط، إلى اغتيال عناصر قيادية، في المؤتمر الشعبي العام، والتجمع اليمني للإصلاح، وذلك بهدف إيجاد فتنة بين أحزاب الائتلاف الثلاثة، تؤدي إلى تمزيق الائتلاف، وإدخال البلاد في صراعات سياسية، ودموية، تحول اليمن إلى صومال آخر". وقد نفى وزير الداخلية اليمني، السيد يحي المتوكل، ما جاء في هذا التصريح.

    15. في 26 أكتوبر 1993

    أكد نائب الرئيس اليمني، والأمين العام للحزب الاشتراكي، السيد علي سالم البيض، المعتكف في عدن منذ 19 أغسطس الماضي، بسبب خلافه مع الرئيس اليمني علي عبدالله صالح، على طريقة إدارة البلاد، أنه لن يعود عن اعتكافه، في الوقت الحاضر.

    وكرر البيض، في مقابلة مع صحيفة "الأهرام"، المصرية، نشرتها صحيفة "عدن" اليمنية الناطقة باسم الحزب الاشتراكي، تمسكه بشروطه للعودة عن اعتكافه، وقال "لن اذهب إلى صنعاء، فأنا لا يمكن أن أؤدي يميناً، تضاف إلى يميني الأولى".

    ويأخذ البيض وحزبه علي الرئيس، علي عبدالله صالح، والمقربين منه، وضع يدهم على أجهزة الدولة، والعجز عن إجراء إصلاحات جذرية، يطالب بها صندوق النقد الدولي، لإخراج اليمن من التردي الاقتصادي.

    16. في 29 أكتوبر 1993

    أ.
    حذر الأمين العام للحزب الاشتراكي، علي سالم البيض، من أن وحدة اليمن "في خطر، إذا لم نُقِمْ دولتها، ونعطها مضمونها الوطني والديموقراطيً، وشدد البيض على "أن لا أمن في دولة الوحدة"، محذراً من أن الوضع صعب، إلى درجة قد لا تعود معه البلاد حتى إلى كيانين، إذ إن الجنوب وحده، كان يتألف من 22 مشيخة وسلطنة، وأن وحدة دولة الجنوب، كانت وحدة على طريق توحيد اليمن كله". واتهم البيض "أن من في يده الآلية في السلطة، يحول دون اتخاذ إجراءات"، وأضاف أنه يؤدي اليمين الدستورية "إذا رأى إمكانية لجدولة زمنية (للنقاط الـ 18 التي طرحها)، لإجراءات عملية، واستعداداً للتغيير في العقلية".

    ب.
    أفاد مصدر أمني في عدن، أن اثنين من أبناء علي سالم البيض، هما نايف (24 عاماً)، الذي أنهى دراسته طياراً مدنياً، ونيوف (22 عاماً) الذي يدرس الحقوق في جامعة عدن، تعرضا لوابل كثيف من الرصاص، لدى خروجهما مع ابن خالتهما كامل عبدالحامد (23 عاماً)، من منزل أحد أصدقائهم، في حي المنصورة، الساعة الواحدة والنصف، فجر الجمعة 29 أكتوبر 1993. وأضاف أن نايف ونيوف انبطحا أرضاً، خلف بعض السيارات، لدى سماعهما إطلاق الرصاص، في حين قُتل كامل فوراً بعد إصابته بأكثر من ثلاثين طلقة في رأسه، وأنحاء جسمه. وأكد مصدر مسؤول في الحزب الاشتراكي، أن ثمة "دوافع سياسية"، وراء محاولة الاغتيال، التي اعتبرها "رسالة موجهة إلى البيض، بسبب صلابة موقفه"، في الخلاف مع الرئيس صالح، على برنامج الإصلاح السياسي والاقتصادي.


    17. في 31 أكتوبر 1993

    اتهم الأمين العام للحزب الاشتراكي، علي سالم البيض، "عناصر في الحكم" بمحاولة الاغتيال الفاشلة، التي تعرض لها نجلاه، فجر الجمعة 29 أكتوبر 1993، وأكد أن هذا الحادث، لن يثنيه عن مطالبه الثمانية عشر، التي اشترط تحقيقها للعودة عن اعتكافه السياسي. ونقل ناطق تعليقاً باسم البيض، على حادث اغتيال ابن شقيقته، ومحاولة اغتيال نجليه نايف ونيوف، جاء فيه أنه "فوجئ بتدهور الموقف إلى هذا الحد". وقال "إن عناصر في الحكم، خططت ما حدث ودبرته، و"أن هذا يزيد احتمالات فشل الوحدة، إذا استمرت الأوضاع الراهنة كما هي".

    وتحولت مراسم تشييع ابن شقيقة الأمين العام للحزب الاشتراكي، علي سالم البيض، إلى تظاهرة شعبية في عدن، شارك فيها نحو مائة ألف شخص، دعماً للزعيم الاشتراكي. ورفع المتظاهرون أعلام الحزب الاشتراكي، وصوراً للبيض، ورددوا شعارات معادية لـ "أعداء الحزب الاشتراكي"، وغاب عن المراسم، التي حضرها البيض، أي مسؤول رفيع المستوى، من حزبي المؤتمر الشعبي، والتجمع اليمني للإصلاح، وكان المؤتمر الشعبي وجه برقية تعزية، في حين لم يقدم التجمع للإصلاح التعازي.

    18. في 1 نوفمبر 1993

    اعتبر الرئيس اليمني علي عبدالله صالح، أن بعض النقاط التي يطرحها الحزب الاشتراكي اليمني، "تمثل مطالب هامشية وغير حقيقية، وهي تأتي فقط، في إطار المماحكات السياسية، بين الأحزاب وحذر من أنه " إذا لزم الأمر لإيضاح بعض الحقائق، فإننا سنوضحها بالأدلة والوثائق، وفي الوقت المناسب". واعتبر أن "من المبالغة القول إن الوحدة في خطر".

    وفي الوقت نفسه قال البيض: "نحن صابرون منذ أكثر من ثلاث سنوات، من أجل الاستقرار، نحن نتصرف بمسؤولية، ولن نعرض الوحدة للخطر"، وأضاف "إن اليمن لن يقع في الفخ، الذي يريده له أعداء الوحدة".

    وكان البيض يرد على أقوال نسبتها إليه صحيفة "الأهرام" المصرية، مفادها أن اليمن الجنوبي سيحمل السلاح، "إذا أراد المسؤولون في صنعاء إعادة الهيمنة مرة أخرى". وأكد البيض أن هذه الأقوال "مدسوسة" وهي " تآمر على وحدة اليمن".

    وكرر البيض نداءه إلى أجهزة الأمن اليمنية، "للقبض على مرتكبي الجرائم، بداية من مقتل الحريبي، إلى آخر عمل إجرامي ضد نجليه". وأضاف البيض " إن الوقت قد حان للدخول في إجراءات ملموسة، ولن يُسْتتب الأمن والاستقرار، إلا بإلقاء القبض على مرتكبي الجرائم". وأوضح أنّ على الحكومة بعد ذلك، أن تعالج مشاكل اليمنيين طبقاً للنقاط الـ 18 التي طرحناها، أي برنامج الإصلاح الذي قدمه سالم البيض، والذي ينص على اللامركزية الاقتصادية، ويرهن البيض عودته إلى صنعاء، بالموافقة على هذا البرنامج.

    وأكد البيض أن الجيش لم يتوحد، ولو أن هناك موقفاً ونية صادقة فسيتوحد، ولكن يبدو أن النية غير واردة، وأن وجود جيشين لا يشكل خطراً على البلاد.

    19. في 5 نوفمبر 1993

    أ.
    اتهم الحزب الاشتراكي اليمني الرئيس علي عبد الله صالح، بأنه لم يقبل تقويم نتائج الانتخابات العامة "لصالح الوحدة حتى الآن". وقدم الحزب مشروعاً من ثلاث نقاط لمعالجة الأزمة، يتمثل في ما يأتي:

    (1)
    إزالة الأعمال التي أضرت بالوحدة، خصوصاً إلغاء المؤسسة العسكرية والاقتصادية، وإصدار عملة تحل محل الدينار والـريـال، ووقف "الممارسات والأعمال التأديبية"، ضد المنتمين إلى الحزب الاشتراكي اليمني.

    (2)
    إحداث تعديلات دستورية، لضمان إزالة مخاوف الضم، والانفصال، وتحديد وظائف مجالس الحكم المحلي، والمجلس الاستشاري، والمجلس الوطني، وتأكيد مبدأ الفصل بين السلطات، واعتماد نظام القائمة النسبية في الانتخابات، والأخذ بالنظام الرئاسي.

    (3)
    استعادة هيبة الدولة، بإيجاد الأمن، والقبض على المتهمين في الاغتيالات والتفجيرات، ومعالجة قضايا الثأر القبلي، وتطبيق اللامركزية، والتقيد بموازنة الدولة، ووضع خطة للتنمية والاستثمار.


    ب.
    أوضح مصدر سياسي يمني بارز، أن خطوة حاسمة، في اتجاه تجميد الأزمة عند حدود معينة، اتخذت بعد تشكيل لجنة عسكرية تضم العميد يحيى المتوكل، وزير الداخلية، من حزب المؤتمر، والعميد هيثم قاسم طاهر، وزير الدفاع، من الحزب الاشتراكي، بهدف إعادة الأوضاع إلى طبيعتها، بعدما ظهرت نقاط عسكرية في أماكن لم يكن يفترض أن تظهر فيها، خصوصاً على طول الطريق البرية الممتدة من صنعاء إلى عدن. وقال المصدر: "إن الهدف الأساسي للجنة، هو إعادة الوضع إلى ما كان عليه، قبل اندلاع الأزمة السياسية، التي ظهرت إلى العلن، مع اعتكاف سالم البيض في عدن".

    جـ.
    أعلن علي سالم البيض، استعداده للحوار مع الرئيس علي عبد الله صالح، لإنهاء الأزمة السياسية. وقال البيض " إنّ حزبه يرحب ببحث أي نقاط من شأنها، أن تسهم في حل قضايا الشعب الوطنية، والانتقال إلى خطوات عملية ملموسة، تعطي الأمل للخروج من الدوامة، ومسلسل المتاعب، والمغالطات، التي لا تمت للحوار والسياسة بصلة". وأضاف البيض "إن الحوار هو الطرح للقضايا، والوصول إلى القاسم المشترك فيها، وبدء التنفيذ". داعياً الشعب اليمني إلى "الالتفاف صفاً واحداً ، لنقول نعم لدولة النظام والقانون، ولا للفوضى والإرهاب"، وتطرق البيض إلى محاولة اغتيال نجليه قائلاً: "لا خوف على الوحدة، إلاّ من استمرار الفوضى".





    20. في 7 نوفمبر 1993

    بدأت لجنة برلمانية يمنية خاصة، محادثات مع مسؤولين سياسيين وعسكريين، سعياً إلى إخراج البلاد من الأزمة السياسية، التي أصابت المؤسسات الحاكمة بالشلل. وقالت صحيفة "الثورة" الرسمية، إن اللجنة النيابية، ستلتقي رئيس الوزراء اليمني، حيدر أبو بكر العطاس، ووزير الدفاع، هيثم قاسم طاهر، ووزير الداخلية، يحيى محمد المتوكل، ووزير الإعلام، حسن اللوزي، ورئيس هيئة أركان القوات المسلحة، العميد عبد الملك البستاني. وأوضحت أن محادثات اللجنة، التي ألفها مجلس النواب اليمني، ستتناول إزالة النقاط، وكل المظاهر العسكرية المستحدثة، ووقف المهاترات الإعلامية، والتصريحات الصحافية، تجنباً لكل ما من شأنه تصعيد الأزمة". وحذر المجلس في بيان أصدره، من أن أي محاولة تمس وحدة البلاد، ستعتبر خيانة عظمى، مشيراً إلى أنه ينبغي إبعاد القوات المسلحة، وقوى الأمن، عن الصراعات السياسية، والولاءات الحزبية، وأعلن أنه في حال " انعقاد دائم" إلى حين تسوية الأزمة.

    21. في 9 نوفمبر 1993

    حذر نائب الرئيس اليمني علي سالم البيض، من أن الوحدة والديموقراطية تتداعيان في اليمن. ودعا إلى مبادرة لإزالة العقبات، واتهم في كلمة أمام اللجنة المركزية، للحزب الاشتراكي اليمني، الذي يتزعمه، قوى لم يذكرها بالاسم، بمحاولة استغلال القوات المسلحة، وأجهزة الأمن، لتحقيق مصالحها الخاصة. كما اتهم دوائر لم يحددها، بالتلاعب بالعملة اليمنية. وقال "إن هذه الأفاعيل الشيطانية" مرفوضة تماماً. وأكد استعداد حزبه "للبحث عن حلول ومخارج للأزمة في اليمن، ودعا إلى حوار ديموقراطي، سواء في صف الائتلاف الحكومي، أو مع تكتل المعارضة، أو مع اليمنيين الذين باتوا معنيين بالوضع الحالي، والعمل باستمرار لاستبعاد الضغط غير المشروع".

    وفي إشارة إلى الرئيس علي عبد الله صالح، قال البيض: "إن الذين يعملون على تكريس إلغاء الآخرين، هم الذين يعرضون الوحدة للخطر، ولم يعد مقبولاً، أن يلغي طرف طرفاً آخر، ولن نقبل بهذا، وأن الحزب الاشتراكي اليمني، ظل طوال هذه المدة، يقبل بمرارة الاغتيالات، وأعمال العنف، والإرهاب، التي واجهته، وكان دائماً يدفن شهداءه، وهو يقول لن ننجرّ إلى الفخ".

    22. أحداث يومي 10، 11 نوفمبر 1993

    أ.
    أفادت مصادر رسمية في صنعاء، أن الرئيس اليمني علي عبد الله صالح، أبلغ نائبه علي سالم البيض، أن كل نقاط الخلاف قابلة للنقاش، شرط عدم التخلي عن الوحدة، أو الإضرار بالديموقراطية، وأنه ينبغي الامتناع عن أعمال العنف بكل أشكاله، سواء بالفعل أو بالتلميح، كونها ثوابت لا يمكن التخلي عنها.

    وأفادت الوكالة اليمنية للأنباء "سبأ"، أن الرئيس اليمني أمر بإزالة نقاط التفتيش التي أقامها الجيش منذ تفجير الأزمة، استجابة لمطالب الحزب الاشتراكي، وقالت إن مجلس النواب اليمني، طلب من صالح منع تحرك القوات المسلحة من موقع إلى آخر،" لتهدئة الأوضاع" الناجمة عن النزاع، بين قادة الشمال وقادة الجنوب. وذكرت أن مجلس النواب، الذي رصد تحركات عسكرية أخيراً، تمكن من "إزالة" الظواهر العسكرية المستحدثة، التي أقامها الجيش في المنطقة الوسطى.

    ب.
    أكدت مصادر يمنية موثوق بها، أن تحركات عسكرية سجلت في الأيام الأخيرة في اليمن، في إطار الأزمة التي تشهدها البلاد. وقالت إن قوات جنوبية متمركزة في عمران، شمالي صنعاء، تراجعت نحو جنوب البلاد، في حين سُجل انتشار واسع لنحو عشرة آلاف جندي من القوات الشمالية، في منطقتي تعز، وإب، على طريق عدن ـ صنعاء، وأن تعزيزات عسكرية من الطرفين، أرسلت إلى منطقة قعطبة، التي كانت نقطة عبور بين شطري البلاد الشمالي والجنوبي، قبل توحيدهما في أيار 1990. وتحدثت مصادر عن حركة نزوح لمواطنين من أصول جنوبية، من الشمال، شملت عدداً كبيراً من المدرسين، والموظفين، الذين انتقلوا بحراً إلى عدن، والمناطق الجنوبية، تحسباً لأي تطورات.

    جـ.
    اتهم الحزب الاشتراكي اليمني قوى شمالية، لم يذكرها بالاسم، أنها تعتبر الوحدة، التي تحققت قبل ثلاث سنوات، بين اليمن الشمالية المحافظة، واليمن الجنوبية الماركسية، مجرد انضمام الجنوب إلى الوطن الأم، دونما حاجة إلى تغيير في الشمال. ولاحظ أن هذه القوى ترفض الاعتراف بالواقع الجديد، للجمهورية اليمنية الموحدة، وتتمسك بأدوات الجمهورية العربية اليمنية (الشمالية سابقاً)، في إدارة النظام الجديد، وتعمل على تصفية الأدوات الأخرى، التي نشأت في الجنوب قبل الوحدة، وذكر أنه في المرحلة الانتقالية لتحقيق الوحدة، دأب حزب المؤتمر على ترويج فلسفته على أنها الصحيحة، وعلى الجنوبيين أن يقبلوها كما هي، ورافقت ذلك حملة اغتيالات، استهدفت أعضاء في الحزب الاشتراكي، كان آخرهم أبناء البيض. وتحدث عن استخدام أموال حكومية في الانتخابات العامة، التي أجريت في (نيسان) أبريل الماضي، لضمان الأكثرية في مجلس النواب الجديد.

    وفي أول رد فعل للمؤتمر الشعبي العام، على البيان الاشتراكي، أكد عضو اللجنة العامة للمكتب السياسي لحزب المؤتمر، عبد السلام العنسي أن "المؤتمر الشعبي يأسف أشد الأسف، لهذه التطورات السلبية لتداعيات الأزمة السياسية اليمنية الراهنة، معتبراً أن البيان الصادر عن الحزب الاشتراكي، ساهم عن عمد في صب الزيت على النار، لتأجيج الأزمة، والوصول بها إلى طريق مسدود، وقال "إن البيان يشكل أعنف تصعيد يقوم به الحزب الاشتراكي، منذ بداية الأزمة، وجاء مخيباً لآمال الناس، وتوقعات المراقبين السياسيين، في انفراج الأزمة، وحلها، خصوصاً بعد توجه أعضاء مجلس الوزراء إلى عدن، بناء على طلب المهندس حيدر أبو بكر العطاس. وأضاف "لقد بات من الواضح، أن إستراتيجية الحزب الاشتراكي، في تعامله مع الأزمة السياسية، التي افتعلت منذ عودة الأخ البيض إلى عدن من رحلته العلاجية في الخارج، كانت ترمي إلى شل فعالية مجلس الرئاسة ودوره، وتعطيل نشاط الحكومة، والإيماء بأن أي متغيرات تعني هيمنة شطر على آخر، والالتفاف على شرعية مجلس النواب، والخوف من فقدان الامتيازات، التي يحظى بها الاشتراكيون تحت مختلف الحجج، والعمل على إملاء شروط، لضمان البقاء في السلطة مع كل مرحلة..".


    23. في 12 نوفمبر 1993

    تعهدت القوات المسلحة اليمنية، الوقوف على الحياد في الأزمة السياسية الراهنة، فيما توقع رئيس مجلس النواب اليمني، عبدالله الأحمر، عودة نائب الرئيس اليمني علي سالم البيض إلى صنعاء قريباً. ووصفت صحيفة "26 سبتمبر"، الناطقة باسم القوات المسلحة، الأنباء عن انتشار الجيش في أنحاء مختلفة في البلاد، بأنها "ملفقة ولا أساس لها ". وأكدت أن جميع رجال القوات المسلحة، ملتزمون الحياد التام في الأزمة السياسية، الناجمة عن خلاف الرئيس اليمني علي عبد الله صالح ونائبه. وقالت صحيفة " الثورة" الرسمية، إن الموقف الأميركي، الذي دعا إلى حل سياسي للأزمة، اسْتُقْبِل بارتياح بالغ وتقدير عميق، في الدوائر الشعبية والرسمية اليمنية. وجاء في افتتاحية الصحيفة، أن أهم جانب من الناحية السياسية في الموقف الأميركي، هو وقوفه إلى جانب الوحدة، وتدعيم الديموقراطية والاستقرار السياسي.

    24. في 13 نوفمبر 1993

    أفادت مصادر سياسية موثوقة في صنعاء، أن العميد مجاهد أبو شوارب، نائب رئيس مجلس الوزراء، توجه إلى عدن، حاملاً مبادرة جديدة، في إطار محاولته الرامية إلى تطويق الأزمة السياسية في البلاد. وتتلخص المبادرة في اقتراح لعقد لقاء مباشر، بين رئيس مجلس الرئاسة، علي عبدالله صالح، والأمين العام للحزب الاشتراكي، علي سالم البيض. وأفادت المصادر نفسها، أن علي صالح قبل مقترحات أبو شوارب، وأبدى استعداداً كاملاً للقاء البيض.

    25. في 14 نوفمبر 1993

    أ.
    عقدت الحكومة اليمنية جلسة استثنائية في عدن، وشكلت لجنة برئاسة رئيس الوزراء، حيدر أبو بكر العطاس، لتهيئة الظروف الملائمة لمعاودة الحوار بين الرئيس ونائبه، ومتابعة تطورات الأزمة السياسية الراهنة، والعمل على إزالة كل آثارها ومظاهرها. ودعت الحكومة إلى "إزالة التراسانات العسكرية غير الضرورية، لضمان الأمن في المدن الكبرى، وهو أحد شروط علي سالم البيض للعودة إلى صنعاء. وكلفت وزير الدفاع، العميد هيثم قاسم طاهر، تأليف لجنة لإزالة نقاط التفتيش، التي أقيمت أخيراً، وإعادة الوحدات العسكرية بأسلحتها، إلى مواقعها الأساسية قبل الأزمة، ومنع أي تعزيزات عسكرية جديدة، وشدد المجلس على وزير الداخلية والمدعي العام، مواصلة التحقيق مع المتهمين في الاغتيالات الأخيرة، واعتقال الفارين.

    ب.
    وصلت مديرة مكتب شبه الجزيرة العربية، في وزارة الخارجية الأمريكية، مارجريت دين، إلى صنعاء، للعمل على إقناع المسؤولين اليمنيين، بضرورة حل الأزمة السياسية، بين الشماليين والجنوبيين. وصرّح ناطق باسم السفارة الأمريكية، أن دين ستلتقي مسؤولين، وسياسيين يمنيين، من كل الأحزاب، وأوضحت أن واشنطن لا تقوم بوساطة لحل الأزمة، وأن الزيارة مقررة منذ وقت طويل. وأضاف، أن الديبلوماسية الأميركية ستناقش الأزمة، وكررت تأييد الولايات المتحدة الأمريكية لوحدة اليمن، والديموقراطية، والاقتصاد الحر. وذكرت المصادر الديبلوماسية، أن ديبلوماسيين أميركيين، أجروا اتصالات مع صالح في صنعاء، والبيض في عدن، في شأن الأزمة، ودعوا إلى ضبط النفس، والحوار، لتجنب أي نوع من العنف.


    26. في 15 نوفمبر 1993

    ذكرت صحيفة "السفير" اللبنانية، أن مصادر سياسية يمنية قالت، إنه تمت مصادرة ست سيارات، محملة بقذائف صاروخية، وذخائر دبابات، متوجهة من صنعاء، في طريقها إلى مناطق مختلفة، من محافظة البيضاء في الجنوب، لتسليمها إلى لواء العمالقة الموالي للرئيس، والمتمركز في مدينة رداع. وقد قبض على السيارات المذكورة في مدينة رداع، من قبل لواء باصهيب الجنوبي، ويدور خلاف حول تسليم حمولة تلك السيارات، ويطالب فريق بتسليمها لقيادة الحرس الجمهوري، التابعة للرئيس صالح، بينما يطالب آخرون، بتسليمها إلى اللجنة المشكلة من قبل مجلس الوزراء. وأشارت المصادر، إلى أن تنقل هذه الشاحنات، يأتي مخالفاً لطبيعة التوجيهات، والأوامر الصادرة عن رئيس مجلس الوزراء، ووزارة الدفاع، بعدم تحريك الأسلحة، والمعدات، والقوى البشرية.

    27. في 16 نوفمبر 1993

    أ.
    أعلن وزير الخارجية اليمني محمد سالم باسندوه، بعد محادثات أجراها مع الرئيس المصري حسني مبارك في القاهرة، أن الأزمة السياسية في اليمن، في طريقها إلى الحل. وقال "إن الأزمة هي الثمن الذي كان علينا سداده، في مقابل اختيارنا النهج الديموقراطي".

    ب.
    أكد رئيس مجلس الوزراء اليمني، حيدر أبو بكر العطاس، أن "حكومته لا تستطيع العمل في ظل استمرار أجواء الأزمة السياسية، بين الرئيس اليمني علي عبدالله صالح، ونائبه علي سالم البيض"، وأضاف أنه "سيطلع البرلمان على ما بذلته الحكومة من جهود لإنهاء الأزمة، وقال إن "الحكومة خسرت كثيراً بسبب الأزمة واستمرارها، بشكل يهدد وحدة البلاد، ومسيرتها الديموقراطية، مؤكداً أن "هناك بوادر طبية ومشجعة لحلها". ودعا الجميع إلى "حوار وطني مسؤول، من شأنه الحفاظ على الوحدة والديموقراطية، وتجنيب البلاد كارثة الانفصال أو الانقسام".


    28. في 17 نوفمبر 1993

    توقعت مصادر سياسية في صنعاء، تفاقم الأزمة السياسية بين شمال اليمن وجنوبه، بعد الهجوم المسلح على منزل ابن نائب الرئيس اليمني عدنان البيض، مما عزز شكوك نائب الرئيس اليمني، وزعيم الحزب الاشتراكي اليمني، علي سالم البيض، حيال مسؤولي الشمال، وخصوصاً الرئيس علي عبدالله صالح، وحزبه المؤتمر الشعبي العام.

    29. في 18 نوفمبر 1993

    أ.
    قدم الحزب الاشتراكي اليمني، أربعة اقتراحات، "توصلاً إلى إنهاء الأزمة السياسية" في البلاد. وأعلن مسؤول رفيع في الحزب الاشتراكي، أنه ينبغي أن يسبق الحوار "إعادة الوحدات العسكرية إلى مواقعها، قبل نشوب الأزمة، ومنع أي تعزيزات عسكرية بشرية ومادية". وأضاف أن الحزب طالب "بتوسع آلية الحوار، باشتراك أوسع للقوى السياسية والتنظيمات النقابية، والمهنية، والشخصيات الوطنية في الائتلاف الحاكم". واقترح الحزب أيضاً، "البحث في الأسباب والخلفيات للأزمة السياسية، التي رافقت الوحدة منذ قيامها، في 22 (أيار) مايو 1990، وتفاقمت أخيراً بشكل أثار قلقلاً جدياً على مستقبل البلاد، الأمر الذي يحتم علينا جميعاً العمل على إيجاد الحلول والمعالجات، التي تؤمن مستقبل الوحدة، وتعزز مسيرة الديموقراطية". وأوضح ضرورة "توصل الحوار إلى الاتفاق على وثيقة وطنية شاملة، تتضمن الحلول والمعالجات، مع إجراءات عملية للتنفيذ، يوقعها أمناء المؤتمر الشعبي العام، والحزب الاشتراكي، والتجمع اليمني للإصلاح، وقادة القوى والمنظمات، والشخصيات المشاركة في الحوار".

    ب.
    أفادت مصادر موثوق بها في صنعاء، وعدن، أن وحدات عسكرية من الجنوب، غادرت ثكنها، بعد ظهر الأربعاء 17 نوفمبر 1993، متوجهة نحو الشمال، وقالت إن عدداً "من الدبابات والمدافع" الثقيلة وكتيبة صواريخ، من معسكّري صلاح الدين، والعند، شوهدت متجهة نحو الشمال، لتعزيز الوحدات الجنوبية في مناطق الأطراف" أي الخط الفاصل بين شطري البلاد.

    وتحدثت عن اشتباك وقع يوم 17 نوفمبر 1993، بين القوات الجنوبية، التي انتشرت في المنطقة والأهالي، مما دفع وزير الدفاع العميد هيثم قاسم طاهر، إلى التوجه إلى المنطقة، لتهدئة الأوضاع. وذكرت المصادر أن الحكومة ألفت أخيراً لجنة عسكرية، برئاسة مساعد رئيس الأركان، العقيد علي محمد صلاح، لمعالجة الأوضاع العسكرية الناجمة عن الأزمة، وقد توجهت إلى المنطقة التي توقفت فيها الدبابات، سعياً إلى إعادتها إلى ثكنها. وقد أثارت هذه التحركات قلقاً شديداً في الأوساط السياسية والعسكرية، في صنعاء.


    30. في 19 نوفمبر 1993

    نشرت صحيفة "22 مايو" الأسبوعية، اقتراحاً للمؤتمر الشعبي العام، يتعلق بالآلية الخاصة بالحوار للخروج من الأزمة. وتضمنت المبادرة، التي نقلها العميد مجاهد أبو شوارب، نائب رئيس الوزراء، ثلاث آليات للحوار:

    أ. الخيار الأول:

    يتمثل في عقد جلسة مشتركة لمجلس الرئاسة، ومجلس الوزراء اللذين يضمان أعضاء من المؤتمر، والاشتراكي، والتجمع اليمني للإصلاح، للبحث في مطالب الطرفين، والاتفاق على موقف موحد، في شأن الإصلاح الاقتصادي والسياسي، وعلى جدول زمني لتنفيذه.

    ب. الخيار الثاني:

    عقد اجتماع لأجهزة صنع القرار السياسي، لأحزاب الائتلاف الثلاثة، للاتفاق على المسائل نفسها.

    جـ. الخيار الثالث:

    الاحتكام إلى الآلية الشرعية، بإحالة المسألة برمتها، إلى مجلس النواب، ليقرر ما يراه فيها.

    31. في 20 نوفمبر 1993

    قالت مصادر سياسية عربية في صنعاء، إن اجتماعاً عقد في دمشق يوم 19 نوفمبر 1993، بين الرئيس اليمني السابق، علي ناصر محمد، ووزير الخارجية اليمني، محمد سالم باسندوه، وذلك في إطار الجهود المبذولة لتسوية الأزمة اليمنية. وقالت إن الاجتماع يأتي بعدما التقى علي ناصر، عبدالله غانم، وزير العدل اليمني، الذي زار دمشق أخيراً، وهو ينتمي إلى حزب المؤتمر الشعبي العام. وصرح ناصر محمد، الذي أطيح به، في (كانون الثاني) يناير 1986، أن محادثاته مع المسؤولين اليمنيين، تناولت سبل إنهاء الأزمة، وأكد لهم استعداده للوساطة لنزع فتيل الأزمة، وبدء حوار سياسي، لإخراج البلاد من الطريق المسدود.

    32. يوم 21 نوفمبر 1993

    أ.
    أوردت وكالة الأنباء اليمنية (سبأ)، أن واشنطن أبدت قلقها لاستمرار الأزمة السياسية في اليمن، نتيجة الخلاف المستفحل، بين الرئيس اليمني علي عبدالله صالح، ونائبه علي سالم البيض. وقالت إن السفير الأميركي في صنعاء، أرثر هيوز، نقل إلى الرئيس اليمني، رسالة من الإدارة الأميركية، تضمنت "قلق الولايات المتحدة لاستمرار الخلافات السياسية، وتأثيرها على الاستقرار في البلاد، وحّذرت من أن "أي فشل لتجربة الوحدة والديموقراطية في اليمن، ستكون لها نتائج وأبعاد سلبية على المنطقة، وخصوصاً على الشعب اليمني".

    ب.
    أصدرت "جبهة المعارضة المتحدة"، التي تضم أحزاب المعارضة الصغيرة في اليمن، بعد اجتماعها بالرئيس اليمني ليلاً، بياناً قالت فيه: إن الرئيس صالح مستعد للقاء نائبه علي سالم البيض، في منطقة وسط، تقع بين صنعاء عاصمة الشمال، وعدن عاصمة الجنوب، وأنه وافق على إجراء "حوار وطني" لمناقشة الأزمة. وتوقعت الجبهة عقده في مدينة مكيراس، الواقعة على الحدود بين شطري اليمن. ورد الحزب الاشتراكي على مبادرة الرئيس اليمني، مقترحاً إجراء حوار "موسع" لحل الأزمة، بمشاركة النقابات، واتحادات مهنية، وشخصيات سياسية، وأن يوقع زعماء الائتلاف الثلاثة، في ختام الحوار اتفاقاً يكون ملزماً لجميع المشاركين.

    جـ.
    تحدثت أنباء يمنية، عن اتخاذ قوات تابعة للشطر الجنوبي، مواقع دفاعية لها في التلال المحيطة بمرفأ عدن، وقالت مصادر عسكرية في عدن،، إن القوات وضعت في حالة تأهب قصوى، وانتشرت على التلال، تحسباً لهجوم محتمل تشُنه القوات اليمنية الشمالية. وكانت سلطات الشمال، قد سحبت اللواء المدرع الثاني الشمالي من الجنوب، بعد أن حاول التحرك من منطقة تمركزه.


    33. في 23 نوفمبر 1993

    أ.
    أفاد مسؤول في حزب المؤتمر الشعبي العام، أن الحزب وافق على اقتراح الحزب الاشتراكي اليمني، توسيع قاعدة الحوار الوطني، الرامي إلى تسوية الأزمة، التي تهدد وحدة البلاد. وأوضح أن الحزب، اقترح أن ينضم إلى مساعي التسوية، نحو 60 شخصية نقابية، وسياسية، من شمال البلاد، وجنوبها، بينها رئيس اليمن الجنوبية السابق علي ناصر محمد، وأول رئيس لليمن الشمالية، المشير عبدالله السلال.

    ب.
    أوردت وكالة الأنباء اليمنية "سبأ"، أن السلطات اليمنية أصدرت بطاقات شخصية "موحدة"، للمرة الأولى منذ توحيد البلاد. وقال وزير الداخلية اليمني، إن "عملية إصدار البطاقات الشخصية الموحدة، تعُد خطوة من الخطوات الإيجابية، في استكمال اللبنات الوحدوية.


    34. في 25 نوفمبر 1993

    لمّح عضو مجلس الرئاسة اليمني، نائب رئيس الحزب الاشتراكي اليمني، سالم صالح محمد، للمرة الأولى، إلى احتمال انهيار الوحدة اليمنية، وقال إن الانفصال إلى مناطق تتمتع بحكم ذاتي في إطار فيدرالية أو كونفيدرالية، قد يسوي الفوضى السياسية في البلاد. واعتبر أن الانفصال سيكون حتمياً، إذا لم تستجب صنعاء لمقترحات عدن، الخاصة بالإصلاحات السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية. وقال: "إننا نؤمن بحل مثل هذه المشاكل عبر الحوار، لا نريد أن نلغي أحداً، ولا أن يلغينا أحد" وانتقد هيمنة الشمال على الاقتصاد اليمني، وكذلك المساعي لفرض قوانين إسلامية، مشيراً إلى أن هذا الأمر أثبت وجود فوارق ذهنية في اليمن.

    35. في 27 نوفمبر 1993

    أ.
    أعلن مصدر رسمي يمني، أن الحكومة البريطانية، وجهت إلى الرئيس اليمني علي عبدالله صالح، رسالة تتعلق بالأزمة السياسية في اليمن، موضحاً أن بريطانيا تؤيد تسوية الخلاف بالتفاوض. وأضاف أن مساعد وكيل الخارجية البريطانية، مارك اليوت، الذي يزور صنعاء، سلّم الرسالة إلى رئيس الوزراء، حيدر أبو بكر العطاس.

    ب.
    رَدّ عبدالعزيز عبدالغني، عضو مجلس الرئاسة، والأمين العام المساعد لحزب المؤتمر، بعنف، على دعوة الحزب الاشتراكي اليمني، إلى البحث عن صيغة فيدرالية تكون بديلاً للوحدة الاندماجية.


    36. في يومي 28، 29 نوفمبر 1993

    أ.
    أعلن مصدر رسمي في صنعاء، تأجيل مؤتمر "الحوار الوطني"، بين الأحزاب والقوى السياسية في اليمن، إلى "أجل غير مسمى". لحين استيضاح الآراء السابق إعلانها، بشأن الفيدرالية.

    ب.
    كرر عضو مجلس الرئاسة اليمني، والأمين العام المساعد للحزب الاشتراكي، سالم صالح محمد، دعوته إلى إقامة "نظام فيدرالي"، وتقسيم البلاد إلى أقاليم، تتمتع بصلاحيات التنمية والأمن الداخلي"، في تراجع واضح عن خيار الوحدة الاندماجية، المطبق منذ (أيار) مايو 1990، وقال إن الحزب الاشتراكي، مع "تطبيق الفيدرالية، لكنه يرفض أي حلول انفصالية خارج إطار الوحدة، كما يرفض الكونفدرالية، التي تحتفظ فيها الدول الأعضاء بسيادتها الكاملة. ورأى أن في الإمكان، "الاستفادة من تجارب الشعوب الأخرى، كتجربة دولة الإمارات العربية المتحدة، أو باكستان، أو الولايات المتحدة". وأوضح أن الحزب يرمي إلى "توسيع مشاركة الشعب، في السلطة والحكم، تعزيزاً للديموقراطية، وهو يرى ذلك من خلال إعادة تنظيم البلاد إدارياً، إلى ثلاثة أو أربعة أقاليم، بحيث يتمتع كل إقليم بالصلاحيات المتعلقة بشؤون التنمية، والأمن الداخلي، في إطار الدولة الموحدة، وفي ظل وجود حكومة واحدة لليمن كلها"، ويشمل هذا التنظيم "توزيع الثروة بشكل عادل، وكذلك السكان، والجغرافيا، والمنافذ البحرية، ليكون هناك تنافس بين هذه الأقاليم على بناء البلاد وتطويرها".

    وقد صرح بعض المراقبين بأنه كان لافتاً للنظر، دعوة الأمين العام المساعد للحزب الاشتراكي، إلى نظام فيدرالي، بين ثلاثة أو أربعة أقاليم، بما يعني أنه تراجع عن حدود التشطير السابق، مما يظهر ما وصلت إليه التجربة الحالية للوحدة من أخطاء، قد لا تنحصر أخطارها، في العودة لحالة التشطير السابقة، ولكنها قد تصل إلى أبعد من ذلك، لتطول وحدة كل شطر، ويتحول اليمن، إلى أكثر من دولة أو كيان.




    القسم الثالث: ذروة الأزمة السياسية
    تطور الأحداث خلال الفترة من أول ديسمبر 1993، حتى 16 يناير سنة 1994.

    تصاعدت الأزمة السياسية، بين حزبي المؤتمر، والاشتراكي. واستمر البيض في اعتكافه بعدن، مقاطعاً النشاطات الرسمية في صنعاء، بعدما قدم خطة الإصلاح السياسي والإداري، المتضمنة ثمانية عشر بنداً، من ضمنها تطبيق نظام حكم جديد يقوم على اللامركزية، وسحب القوات المسلحة من المدن، والنقاط الأخرى المستحدثة، شرطاً لإنهاء المواجهة السياسية. وقد تطورت الأحداث على النحو التالي:

    1. في 1 ديسمبر 1993

    حمل الحزب الاشتراكي اليمني بعنف، على شريكه في الائتلاف الثلاثي الحاكم، حزب المؤتمر الشعبي العام، واتهمه بتجسيد "رغبة حقيقية في الانفصال"، و"تجميد مسيرة الوحدة " في البلاد. وأبدى مسؤول في المكتب السياسي للحزب الاشتراكي دهشته، في بيان نشرته صحيفة "النهار" اللبنانية، عن الضجة التي افتعلها البعض، حيال دعوة الأمين العام المساعد للحزب، عضو مجلس الرئاسة اليمني، سالم صالح محمد، إلى إقامة نظام فيدرالي في البلاد، ووصفها بأنها "ضجة مفتعلة"، وصرح بأن الأوضاع المتدهورة الحالية في البلاد، لا تعبر عن اندماجية، أو فيدرالية، وأن الوضع الحالي، تجمدت عنده مسيرة الوحدة، إلى ما دون الفيدرالية، خاصة بعد تحرك قوات شمالية إلى نقاط، كانت تتمركز فيها، أثناء ما قبل الوحدة، لتعلن حمايتها للجزء الشمالي. وفي اليوم التالي، رد حزب المؤتمر الشعبي العام بعنف، على ما صرح به المسؤول في الحزب الاشتراكي.

    2. في 3 ديسمبر 1993

    جدد المؤتمر الشعبي العام، الذي يتزعمه الرئيس علي عبدالله صالح، رفضه "كل البدائل الانفصالية"، للوحدة في اليمن. واتهم الحزب الاشتراكي، بتصعيد الأزمة التي باتت تهدد الوحدة. وقال المتحدث باسم المؤتمر، في بيان صادر في صنعاء، إن "حزب المؤتمر الشعبي يؤكد مجدداً، أنه مع الوحدة والديموقراطية، ويرفض كل البدائل الانفصالية، التي تطرح من قبل الحزب الاشتراكي اليمني، بزعامة علي سالم البيض، أو أي قوى سياسية أخرى، للوحدة اليمنية التي تحققت في 22 (أيار) مايو 1990". واتهم الحزب الاشتراكي بتصعيد وتيرة الأزمة السياسية في البلاد، عبر وسائله الإعلامية.

    3. في 5 ديسمبر 1993

    أعلن الرئيس اليمني علي عبدالله صالح، قبوله خطة الإصلاحات التي قدمها الحزب الاشتراكي اليمني، الذي يتزعمه نائبه علي سالم البيض، الرامية إلى إنهاء الأزمة السياسية في البلاد. وصرح أنه يقبل من طرف واحد، النقاط الثمانية عشرة، التي تقدم بها الحزب الاشتراكي. كما صرح بأن الدستور لا ينص على وجود نائب للرئيس، إلا أننا انتخبنا نائباً للرئيس، خلافاً للدستور، واستجابة لفكرة طرحت، باعتبارها تحقق المصلحة الوطنية العليا.

    وأبدى الرئيس، علي عبدالله صالح، استعداده للقاء نائبه، علي سالم البيض، في عدن، شرط أن يؤدي اليمين الدستورية أمام مجلس النواب في صنعاء، بصفته نائباً للرئيس. وكانت صحيفة "الخليج" الإماراتية، نقلت عن ناطق باسم الزعيم الاشتراكي، أن البيض مستعد لإنهاء اعتكافه، والعودة إلى العاصمة لممارسة مهامه، إذا قبل حزب المؤتمر، تنفيذ ثلاث نقاط من خطته الإصلاحية، وهي إقرار اللامركزية، والسيطرة على الأمن، ونقل المعسكرات من المدن الرئيسية. أما بقية النقاط فتناقش لاحقاً.

    4. في 6 ديسمبر 1993

    صرح مصدر مسؤول، في المركز الإعلامي الخاص بالحزب الاشتراكي اليمني في عدن، أن الأزمة السياسية ما زالت في التفاعل، وأخذت طوراً أكثر خطورة، إذ ما زال التوتر العسكري قائماً، وأعلنت حالة الاستعداد القتالي، منذ فجر الجمعة 3 ديسمبر 1993، في صفوف القوات الشمالية.

    5. في 7 ديسمبر 1993

    اقترح البيض، الانسحاب من الحكم هو والرئيس علي عبدالله صالح، من أجل وضع حد للأزمة السياسية، التي تتخبط فيها البلاد. وقال في حديث نشرته صحيفة "الخليج" الإماراتية: "لم يبق أمامنا إلا خطوة واحدة نقوم بها، وهي أن ننسحب أنا وعلي عبدالله صالح، بدلاً من أن نتقاتل ونتصارع"، وأعاد إعلان اقتراحه الخاص بصيغه الاتحاد الفيدرالي، بديلاً عن الوحدة الاندماجية الحالية. وأعلن، أنه يرفض الضم، ويطالب بمواطنة متساوية. وكرر البيض، أن كل اتفاقات الوحدة، لم تنفذ بشكل صحيح، وأكثرها ظل مجمداً. وأضاف: "نحن وقعنا معاً الوحدة، ولكن عندما ذهبنا إلى صنعاء، وقعنا في قبضة جهاز السلطة في اليمن الشمالي، وأياً كانت رغباتنا ونياتنا، لا نستطيع تحمل هذه القبضة، وأقر أن قبولنا ذلك كان خطأ، لأننا لم نستطيع إيجاد حل، والتوصل إلى بدائل أفضل، وكثير من البلدان، التي توحدت، فكرت في نظام جديد".

    6. في 10 ديسمبر 1993

    اتهم الحزب الاشتراكي اليمني، حزب المؤتمر الشعبي العام، بوضع قوات الشطر الشمالي السابق في حالة تأهب قصوى، وإعادة تشكيل حرس الحدود بين الشطرين، وذلك بعد يوم واحد من ترحيب الحزب الاشتراكي، بقبول الرئيس اليمني برنامجه الإصلاحي. ونفي ما تردد عن أن الزعماء الجنوبيين، أمروا القوات الموالية لهم بالاستعداد.

    7. في 14 ديسمبر 1993

    استجاب المؤتمر الشعبي العام لدعوة المعارضة، إلى استئناف الحوار في موعد أقصاه السبت 18 ديسمبر 1993، وقال متحدث باسم المؤتمر، إنه يؤيد المقترحات، التي تضمنها بيان التكتل الوطني للمعارضة، ويوافق على أن يكون السبت 18 ديسمبر، هو الموعد النهائي لاستئناف الحوار.

    8. في 17 ديسمبر 1993

    أعلن الحزب الاشتراكي، أن قوة عسكرية شمالية، أوقفت موكب رئيس الوزراء حيدر أبو بكر العطاس، ومنعته من دخول العاصمة صنعاء، حيث من المتوقع، أن يعاود الحوار السياسي في شأن الخلافات القائمة، بين الشماليين والجنوبيين، وأشار الحزب الاشتراكي في بيان له، صدر في عدن، إلى أن مجموعة من العسكريين الشماليين المسلحين، بقيادة العقيد محمد يحيى الهواري، الذي ينتمي إلى القبيلة نفسها، التي ينتمي إليها الرئيس علي عبدالله صالح، اعترضت موكب العطاس، وأجرى العطاس اتصالات مع المسؤولين في صنعاء، قبل الحصول على إذن بدخول العاصمة.

    9. في 19 ديسمبر 1993

    اتهم الحزب الاشتراكي، شريكه في الائتلاف الحاكم، حزب المؤتمر الشعبي العام، بتصعيد الأزمة السياسية،التي تشهدها البلاد، تصعيداً خطيراً، اتخذ شكل جر السفراء، والبعثات الدبلوماسية اليمنية في الخارج، إلى الخوض في الأزمة السياسية، وحثهم على تبني المواقف المؤيدة لحزب المؤتمر. وأوضح أن ذلك يتم عبر توجيه الدائرة العامة لحزب المؤتمر، تعليمات صارمة إلى السفراء اليمنيين في الخارج، بتقديم معلومات مؤيدة للحزب، إلى المسؤولين في البلدان المعتمدين لديها، وفقاً لما يصل إليهم من معلومات من غرفة عمليات الحزب، وليس من وزارة الخارجية.

    10. في 27 ديسمبر 1993

    وافق كل من الرئيس علي عبدالله صالح، ونائبه علي سالم البيض، على عقد اجتماع بينهما لإنهاء الأزمة السياسية، بناء على وساطة قامت بها مجموعة من المشايخ اليمنية. واشترط علي سالم البيض، أن يسبق الاجتماع تنفيذ المطالب الثمانية عشر التي تقدم بها حزبه، فيما أبدى الرئيس صالح استعداده للقاء البيض، من دون شرط مسبق، مقترحاً عقد اللقاء في التاسع من الشهر المقبل.

    11. في 30 ديسمبر 1993

    أكدت منظمة مناضلي الثورة اليمنية والدفاع عن الوحدة، في بيانها الختامي، عقب اجتماعها في عدن، برئاسة أول رئيس لليمن، المشير عبدالله لسلال، أن الأزمة السياسية الراهنة لم تكن وليدة اللحظة، بل تستمد جذورها، منذ الأيام الأولى للوحدة، التي تحققت في 22 (أيار) مايو 1990، خصوصاً في ظل عدم استكمال توحيد القوات المسلحة، وتهميش اتفاق الوحدة. وطالبت المنظمة بضرورة تكليف هيئة الرئاسة بأكملها، ومجلس الدفاع الوطني، بإعداد مشروع لدمج القوات المسلحة، والأمن كل على حدة، ومشروع يجعل مهمة القوات المسلحة الأولى حماية السيادة الوطنية، والابتعاد تماماً عن التدخل في القضايا، خارج اختصاصاتها.

    12. الفترة من 1 يناير إلى 7 يناير 1994

    أ.
    فشلت جهود اللجنة العسكرية المشكلة لبحث دمج الجيشين، في التوصل إلى اتفاق، تحت ضغط الشروط، التي تقدم بها الجنوبين، والتي تطالب بحل الحرس الجمهوري، التابع للرئيس علي صالح، ويقدر عدده بنحو ثلاثين ألف جندي، مزودين بأحدث الأسلحة.

    ب.
    وشهدت مدن اليمن الرئيسية، "صنعاء وتعز وحضرموت" مظاهرات شعبية، احتجاجاً على ارتفاع الأسعار، إثر تدهور العملة الوطنية بنسبة 12% خلال أسبوع، وإزاء توتر الموقف، أغلقت معظم المتاجر، في المدن الرئيسية، أبوابها.

    جـ.
    وأعلنت وزارة الدفاع اليمنية، العثور على جثث خمسة ضباط في مدينة ردفان، القريبة من الحدود، التي كانت تفصل الشطرين قبل الوحدة. وينتمي الضباط القتلى إلى حاميات للجيش، متمركزة في محافظة لحج شمال عدن.


    13. الفترة من 9 يناير إلى 17 يناير 1994

    أ.
    في 10 يناير 1994، أطلق مسلحون النار على منزل علي سالم البيض، نائب رئيس مجلس الرئاسة اليمني، بمدينة عدن، ولم يسفر الحادث عن وقوع أي إصابات أو خسائر بشرية، وقد أدى الحادث إلى ازدياد حدة الأزمة السياسية في اليمن.

    ب.
    وفي 11 يناير، ناشدت جامعة الدول العربية، "كل القوى الوطنية اليمنية، مواصلة الحوار، وتحقيق المصالحة، حفاظاً على وحدة البلاد"، وأبدى الأمين العام للجامعة، الدكتور عصمت عبدالمجيد، في اتصال هاتفي بالرئيس اليمني وبنائبه، استعداد الجامعة "للقيام بأي جهود أو مسعى لتقريب وجهات النظر، لتمكين اليمن من تجاوز التحديات التي تواجهها، نتيجة استمرار الأزمة السياسية الراهنة".

    وإزاء تبادل الاتهامات بين حزبي صالح والبيض، انسحبت أحزاب المعارضة من لجنة الحوار، وأعلنت عدم جدوى الحوار، بعد أن انتهك صالح والبيض تعهداتهما، بوقف الحرب الكلامية.

    جـ.
    وفي 13 يناير، حذّر المؤتمر الشعبي العام في اليمن، من إمكانية نشوب حرب أهلية، إذا فشلت جهود الوساطة، وصرح أن الأزمة تصاعدت إلى درجة تهدد حياة الأمة، ومواطنيها، وتنذر بإشعال نيران حرب أهلية، من شأنها، حتماً، أن تؤدي إلى الدمار التام. كما صرح أن "رائحة النفط غير الطيبة، هي السبب في هبوب ريح الانفصال على اليمن". ورأى أن "الحل الفيديرالي الذي يدعو إليه الاشتراكيون، والهادف إلى تقسيم البلاد إلى دويلات صغيرة، سيتيح للراديكاليين وضع أيديهم على هذه الثروة النفطية"، وعد المصدر الإصلاحات السياسية، والاقتصادية التي يطالب بها علي سالم البيض لحل الأزمة القائمة "ليست سوى ذرائع مخادعة".

    د .
    وفي 14 يناير، دعا علماء الدين في اليمن، إلى عقد مؤتمر عام، تتمثل فيه جميع المحافظات، ويقرر فيه الشعب مصيره في الأزمة السياسية. كما أوضحوا في بيان أصدروه في مدينة الجند قرب تعز(300 كلم جنوبي صنعاء)، أنهم كلفوا الشيخ عبد المجيد عزيز الزنداني، عضو مجلس الرئاسة، والقاضي محمد إسماعيل الحجي، رئيس المحكمة العليا، بتشكيل لجنة لتحديد موعد عقد المؤتمر العام، ومكان انعقاده. وطالب العلماء بضرورة التزام طرفي الأزمة، بالانصياع إلى حكم الشرع، ومنطق العقل عبر الحوار، لحل المشاكل سلمياً، في إطار المؤسسات الشرعية. ودعوا الحكومة إلى "القيام بالمهام المناطة بها.

    ورفض علي سالم البيض، حضور اللقاء، واشترط لحضوره، البدء في تنفيذ النقاط الثمانية عشرة، التي قدمها الحزب، كحلول عملية للأزمة الراهنة.

    هـ.
    في يومي 16، 17 يناير 1994:

    (1)
    أعلن علماء يمنيون جنوبيون اجتمعوا في عدن، في خطوة يبدو أنها تأتي رداً على تجمع علماء يمنيين شماليين، في مدينة الجند الأسبوع الماضي، أن لقاء الرئيس علي عبدالله صالح، ونائبه علي سالم البيض، مرغوب ومطلوب، ولكنه ليس شرطاً في الوقت الحاضر، ويجب أن يلي اللقاء الاتفاق على النقاط التي ستتم المصالحة على أساسها، ورأوا أن الأزمة الحالية في اليمن، ليست أزمة أحزاب، ولا أشخاص، بقدر ما هي أزمة الوطن والأمة. وشدد العلماء، الذين اجتمعوا في عدن، على "ضرورة مواصلة الحوار الصادق والواسع، عبر لجنة الحوار المنبثقة عن القوى السياسية في الساحة، دون عرقلة لجهودها"، وكان لقاء الجند قد دعا، إلى عقد مؤتمر يمني عام، تتمثل فيه جميع المحافظات، و"يقرر فيه الشعب مصيره". واختار "علماء عدن" لجنة لمتابعة لقاء الرئيس اليمني ونائبه، يرأسها العلامة عبد الرحمن عبدالله بكير، فيما كان "علماء الجند" قد كلفوا عضو مجلس الرئاسة الشيخ عبد المجيد الزنداني، ورئيس المحكمة العليا القاضي محمد إسماعيل الحجي، تشكيل لجنة لتحديد موعد عقد المؤتمر العام، ومكان انعقاده.

    ورأى مؤتمر عدن أن سبب الأزمة، هو الخروج عن الصالح العام للوطن، والأمة، وفساد النفوس والإدارة، ومهادنة الفساد والسكوت على الأخطاء، وترحيلها ومراكمتها. وطالب مؤتمر عدن، باحترام ست نقاط، أبرزها الحفاظ على وحدة الأمة أرضاً وشعباً، ومساواة الجميع في الحقوق والواجبات، قولاً وممارسة. وشدد على أنّ الثروة العامة، ملكً للأمة، لا يجوز تهديدها، وأنّ السلطة والمال العام أمانة لا يجوز استخدامها بطرق غير مشروعة. وشدد مؤتمر عدن، على ضرورة مواصلة أعمال لجنة الحوار الوطني، مطالباً الرئيس ونائبه، "بالالتزام بالتنفيذ المباشر للقرارات والمعالجات، التي تخرج بها لجنة الحوار، أولاً بأول، من دون مماطلة أو تحايل عليها". ورأى أن مشروع لقاء المصالحة، يجب أن يتضمن النقاط، التي تؤدي إلى استتباب الأمن في البلاد، ومعاقبة المجرمين، أياً كانوا، والحرص على المال العام وتقريب العلماء.

    (2)
    أكدت مصادر دبلوماسية غربية في لندن، أن التحركات العسكرية لطرفي الأزمة، المؤتمر الشعبي العام، والحزب الاشتراكي في اليمن، لم تعد مجرد عرض عضلات، واتهامات فقط، بل أصبحت حقيقة واقعة، تحدثت عنها تقارير أجنبية، وشهود عيان. ففي حين أمرت صنعاء لواء "العمالقة"، بالانسحاب من الجنوب إلى الشمال، قامت قوات جنوبية بالانتشار على المرتفعات الجبلية، في منطقة البيضاء، لمنع انسحاب اللواء. في وقت أعلن فيه الحزب الاشتراكي في بيان لمكتبه السياسي، أن قواته مستعدة للدفاع عن عدن، في وجه ما سمي "بالمسيرة"، التي قرر حزب المؤتمر الشعبي العام، إطلاقها باتجاه الجنوب السابق.

    (3)
    أعلن الحزب الاشتراكي، أن القيادة في صنعاء، أعادت نشر قواتها حول عاصمة الشمال، خاصة اللواء الثاني صاعقة. وأكد انتشار قوات تابعة للاشتراكي، في أبين، والبيضاء الشمالية، لمواجهة تحرك لواء العمالقة، مشيراً إلى أن قواته استطاعت حصر لواء العمالقة، في حدود المناطق، التي يوجد فيها، وسجل الحزب الاشتراكي على قيادة صنعاء، تحريك قوات، أيضاً، من صنعاء والحديدة، باتجاه محاورتعز، ومأرب، وآب، وكذلك إدخال كميات ضخمة من الأسلحة، من منافذ سرية إلى حضرموت، وشبوة، وتوزيعها على المواطنين هناك.

    (4)
    على الصعيد السياسي بدأ مندوب اليمن في الأمم المتحدة عبدالله الأشطل، وساطة بين الرئيس اليمني، ونائبه، وقد وصف الأشطل وساطته بأنها إيجابية.

    (5)
    قدم وزير التخطيط اليمني، عبد الكريم الإيرياني، استقالته من الحكومة، رداً على أمر أصدره رئيس الحكومة أبو بكر العطاس، يقضي بوقف خطة بدأها الإيرياني، لإجراء إحصاء عام في اليمن، ورفض الإيرياني سحب استقالته، قبل تراجع العطاس عن قراره، الذي اعتبره الإيرياني يصب في مجرى التشطير والتقسيم.




    القسم الرابع: التوصل إلى "وثيقة العهد والاتفاق"، والتوقيع عليها في المملكة الأردنية الهاشمية.
    الفترة من 18 يناير إلى 20 فبراير 1994
    1. وثيقة العهد والاتفاق:

    أ.
    في 18 يناير 1994، توصّلت لجنة الحوار الوطني في اليمن، إلى اتفاق لتسوية الأزمة السياسية، بين الرئيس اليمني ونائبه. وبثت إذاعة عدن أن القوى السياسية الرئيسية في البلاد، وقعت بالأحرف الأولى، في احتفال رسمي في عدن، الاتفاق الذي يُنهي أعمال لجنة الحوار، المكلفة بتسوية الأزمة السياسية. وأوضحت أن رئيس الوزراء، حيدر أبو بكر العطاس، وقع وثيقة الاتفاق عن الحزب الاشتراكي، ووزير التخطيط والتنمية عبدالكريم الإيرياني، عن حزب المؤتمر الشعبي، ونائب رئيس الوزراء، عبدالوهاب الآنسي، عن حزب التجمع اليمني للإصلاح، ومسؤولين عن أحزاب المعارضة. وألّفت لجنة الحوار لجنة من أعضائها، كلفتها التحضير لاحتفال توقيع الاتفاق، بين الرئيس ونائبه. كما سُتوقع الوثيقة، التي سميت "وثيقة العهد والاتفاق"، في حضور ممثلين لجميع القوى السياسية في البلاد، ومندوبين من الدول التي توسطت لتسوية الأزمة. وأشير إلى أن هذه الوثيقة، تلبي في جزء منها مطالب الجنوبيين، خصوصاً تلك المتعلقة باللامركزية الإدارية، وإنشاء مجلس استشاري، ووضع ترتيبات لدمج القوات المسلحة.

    وقد أكدت وكالة الأنباء اليمنية "سبأ"، ما بثته إذاعة عدن. وقالت إن القوى السياسية الرئيسية في البلاد، أبرمت اتفاقاً لتسوية الأزمة المتفاقمة. ونصت الوثيقة على انسحاب القوات، المنتشرة على الحدود السابقة لشطري البلاد، "في مهلة أسبوع"؛ ودمج القوات المسلحة في غضون أربعة أشهر، وسحب الوحدات العسكرية المتمركزة في المدن، وعلى الطرق الرئيسية في البلاد، التي كان وجودها وراء أعمال استفزازية، بين الشماليين والجنوبيين. ودعت السلطات إلى تنظيم حمل السلاح، واعتقال منفذي الاعتداءات ذات الطابع السياسي، التي شهدتها البلاد منذ إعلان الوحدة.

    ووصف العطاس توقيع الاتفاق بالأحرف الأولى، بأنه "حدث عظيم" لأنه "تضمن أُسساً حقيقية للوحدة، لم يتضمنها اتفاق الوحدة نفسه".

    ب.
    تمثل الوثيقة رؤية شاملة لبناء مؤسسات الدولة اليمنية الموحدة، والقضايا التي أثيرت قبل التوقيع، وتمثل بعضها نقاط خلاف رئيسية، تركت دون حل، وظهرت آثارها فيما بعد، على جهود تطبيق الوثيقة. وهي على النحو التالي:

    (1)
    مسألة الضمانات، التي يطالب الحزب الاشتراكي الاتفاق عليها، قبل التوقيع، بصورة مفصلة، وشكلت هذه الضمانات، ثلاثة جوانب هي:

    (أ)
    تقديم ضمانات بالأمن الشخصي، لقيادات الحزب، خاصة الأمين العام للحزب، ورئيس الحكومة، عندما يعودون إلى صنعاء، لممارسة أعباء عملهم، ضمن أجهزة الدولة المختلفة.

    (ب)
    ضمانات تتعلق بآليات تنفيذ المبادئ، التي تضمنتها الوثيقة.

    (جـ)
    معرفة حدود ودور بعض الأطراف الخارجية، التي ستُدعى للتوقيع على الوثيقة، وإلى أي مدى يمكن أن تشكل جزءاً من ضمان التطبيق الدقيق للوثيقة، في المستقبل.


    (2)
    مكان التوقيع على الوثيقة، على الرغم من الاتفاق المبدئي، الذي انتهت إليه لجنة الحوار، بأن يكون التوقيع خارج اليمن، تفادياً لوقوع احتكاكات بين الأطراف العسكرية، والتجمعات الأمنية، التي ستكون مصاحبة لكل طرف. وتم اختيار المملكة الأردنية الهاشمية، بمشاركة جمهورية مصر العربية، والمملكة العربية السعودية، وجامعة الدول العربية، والولايات المتحدة الأمريكية، والاتحاد الأوروبي. ولكن المؤتمر الشعبي العام، تحفظ على هذه المقترحات، وسانده حزب التجمع اليمني للإصلاح، وعَدُّوا ذلك بمثابة شرط جديد، يطرحه الحزب الاشتراكي، للتهرب من التوقيع.

    (3)
    امتد الخلاف إلى تحديد الأطراف المحلية، التي ستوقع على الوثيقة، وقد أيد التجمع اليمني للإصلاح، والمؤتمر الشعبي العام، أن يقتصر التوقيع الرسمي على أطراف الائتلاف الحاكم الثلاثة، في حين طالب الحزب الاشتراكي، باشراك المعارضة، والشخصيات التي شاركت في إعداد الوثيقة، ورفض هذا الطلب، بحجة أن التطبيق سيقتصر على من هم في السلطة فعلا، وليس من هم خارجها.

    (4)
    مسألة إمكانية تعديل الحكومة القائمة، برئاسة حيدر العطاس، كجزء من إجراءات تطبيق الوثيقة في المستقبل. وقد أيد الحزب الاشتراكي، فكرة توسيع الحكومة الائتلافية، من خلال ضم عدد من الشخصيات، والقيادات السياسية لأحزاب المعارضة، خاصة من الذين أسهموا في لجنة الحوار. ويرى الحزب أن هذا الإجراء، يؤمن أكبر مساحة ممكنة من التأييد السياسي لعملية التطبيق، بينما المؤتمر الشعبي والإصلاح، يرفضان ذلك تماماً.

    (5)
    مسألة دور البرلمان في عملية التطبيق لبنود الوثيقة. وقد تبلورت تحفظات واسعة المدى، أبدتها قيادات البرلمان، ممثلة في الشيخ عبدالله حسين الأحمر. والمعروف أن البرلمان لم يتخذ موقفا رسميا مؤيدا للوثيقة. وتعود تحفظات البرلمان إلى أن الوثيقة، ستتضمن تحديداً لدور البرلمان، وهو ما يتعارض مع بعض نصوص مواد الدستور، كما تستهدف الوثيقة إنشاء مجلس للشورى في المستقبل، ومنحه صلاحيات تشريعية حال تشكيله.


    جـ.
    أثيرت جميع هذه الخلافات قبل التوقيع على الوثيقة، وبقيت دون حسم، إلاّ فيما يتعلق بمكان التوقيع، والأطراف المشاركة فيه، أما الخلافات الأخرى، المتعلقة بالضمانات الأمنية لقيادات الحزب الاشتراكي حال عودتها إلى صنعاء، وكذلك دور البرلمان في تطبيق بنود الوثيقة، ومسألة آلية التنفيذ، وتعديل الحكومة، وضم أطراف من غير أحزاب الائتلاف الثلاثة، فقد بقيت تشكل عقبات دون حل، وكان يجب حلها حتى تتضح معالم الطريق أمام عملية التطبيق، التي بدورها شكلت حدا فاصلا، لِما قبل الوثيقة، وما بعدها. ومن الناحية الفعلية، فإن هذه القضايا، شكلّت محتوى الصراع السياسي والعسكري فيما بعد، وأدت إلى انهيار الأسس والقواعد، التي بنيت عليها دولة الوحدة.

    2.
    صرح ناطق باسم حزب المؤتمر الشعبي العام، قبل ساعات من إعلان الاتفاق، أن طائرة حربية من نوع ميج (MIG)، تابعة للقوات الجنوبية، أقلعت من قاعدة بدر الجوية قرب عدن، وقصفت لواء العمالقة الشمالي، المرابط في مقاطعة أبين في الجنوب، مما أوقع أضراراً مادية فادحة. إلاّ أن ناطقاً باسم قاعدة بدر، نفي الاتهام الشمالي، قائلاً إن الطائرة كانت تقوم بمهمة تدريبية روتينية، وأن عملاً كهذا لو حدث، هو بداية حرب، أو بداية كارثة حقيقية. ونشرت صحيفة عدن الجنوبية، أن القوات الشمالية نشرت 12 دبابة في منطقة حيفان في تعز، وأن لواء العمالقة، الذي تمركز في الجنوب عقب اتفاق الوحدة، يقوم بتحركات استفزازية. ونسبت مصادر إلى علي سالم البيض أنه أرسل قوات جنوبية، للدفاع عن حقول النفط الغنية.

    3.
    وفي 19 يناير 1994، أكد حزب المؤتمر الشعبي العام، التزامه بكل ما تضمنته وثيقة العهد والاتفاق، خاصة البند المتعلق بالإجراءات الأمنية والعسكرية، وتطبيق لا مركزية إدارية واسعة، وهي ما كانت نقطة خلاف رئيسية بين الشماليين والجنوبيين.

    وفي 20 يناير 1994، أُعْلن عن موافقة الرئيس علي عبدالله صالح، ونائبه علي سالم البيض، تسوية الأزمة السياسية الناشئة بينهما، وعبرا عن استعدادهما للقاء، والتوقيع على وثيقة العهد والاتفاق، في أي مكان وزمان تحددهما اللجنة. ودعا الرئيس علي عبدالله صالح، في كلمة وجهها عبر التليفزيون اليمني، نائبه علي سالم البيض، إلى العودة إلى العاصمة صنعاء، وممارسة مهامه الرسمية.

    4.
    وفي 21 يناير 1994، رحب الأردن، الذي اضطلع بدور رئيسي في الوساطة بين الزعيمين، باتفاق المصالحة. واقترح العاهل الأردني الملك حسين، على القادة اليمنيين، التوقيع على الاتفاق، في حفل يقام في الأردن.

    وعلى الرغم من أن الكثير من المهتمين بالمشكلة اليمنية، سواء من الداخل، أو الخارج، ومنهم الولايات المتحدة الأمريكية، وهولندا، باركوا الاتفاق، إلا أن بعض المراقبين تفاءلوا بحذر، فقد نشرت صحيفة السفير اللبنانية، مقالاً، تحت عنوان (تجميد الأزمة)، رأت فيه، أن الأزمة السياسية في اليمن، ليست نتيجة لنقص الاتفاقات والوثائق، بل هي في الأساس نتيجة لعدم تنفيذ الاتفاقات والوثائق، التي قامت عليها دولة الوحدة في عام 1990. كما رأت أيضاً "أن الأزمة التي بدأت حدتها تخف، مع الإعلان عن التوقيع على وثيقة العهد والاتفاق، قد لا تنتهي نهائياً"، وتنتهي الصحيفة إلى القول، بأن ما يزيد المخاوف من تجدد الأزمة، هو أن الاتفاق الأخير، يبدو نتيجة لضغوط خارجية، لا تريد أن تصل الأوضاع إلى الانفجار الكامل. وما حديث أحد المسؤولين، في المؤتمر الشعبي العام، عن النفط كسبب للتأزم الأخير، إلاّ الدليل على وجود هذه الضغوط، ووجود قرار بمنع التفجير في اليمن الآن.

    5.
    وفي 23 يناير 1994، أكد الحزب الاشتراكي، استعداده لتحمل مسؤولياته، مع غيره من القوى السياسية، لتنفيذ الاتفاق. ودعا إلى الإسراع في اتخاذ ترتيبات التوقيع، وقال "إن القوى الطيبة التي اشتركت في الحوار، تقف أمام محك حقيقي، لنقل ما جاء بالوثيقة إلى واقع، من أجل بناء دولة الوحدة، التي لم تقم بعد".

    وفي 26 يناير 1994، أكد الرئيس علي عبدالله صالح، عن قرب توقيع الوثيقة، إلاّ أن حزب المؤتمر، الذي يرأسه، عاد وهدد في 30 يناير، بعدم التوقيع على الوثيقة، إذا لم يوافق الحزب الاشتراكي، على عودة أمينه العام علي سالم البيض، وباقي قياداته، من عدن إلى صنعاء، بعد التوقيع فوراً، وزاد من هذا التهديد، ما حذر منه الرئيس علي عبدالله صالح، من عودة العقلية التآمرية، والانقلابات الدموية، والإرهاب الإيديولوجي، معتبراً، أن الأزمة الراهنة في اليمن، هي بسبب هذه العقلية.

    وفي الوقت نفسه، رأى الحزب الاشتراكي، أن التوقيع على الوثيقة، لا يعني نهاية الأزمة، وأن عودة نائب الرئيس إلى صنعاء، ليست مرهونة بالتوقيع، وإنما بالتنفيذ، وتوفير الأمن للمسؤولين. وتقول مصادر سياسية في صنعاء، نقلاً عن الحزب الاشتراكي، أنه متخوف من خطة يكون أعدها حزب المؤتمر، مع الشريك الثالث في الائتلاف الحاكم، حزب الإصلاح، لاجتياح الجنوب، أو تصفية معظم قياداته، عن طرق الاغتيال. ويرى الاشتراكي أن الوضع خطير للغاية، وان النوايا غير سليمة، داعياً لإيجاد ضمانات لتنفيذ الاتفاق، عن طريق حضور عربي ودولي، لعملية التوقيع والمصالحة.

    وشُكلت لجنة عسكرية، اشترك فيها أطراف النزاع، إضافة إلى الملحق العسكري الأمريكي، والملحق العسكري الفرنسي، وممثل عن الاتحاد الأوروبي، لتحديد حجم المخاطر العسكرية، وإمكانية احتوائها. وذلك في أعقاب الحديث عن تحركات لألوية عسكرية شمالية وجنوبية، في أكثر من مكان، فضلاً عن تحركات القبائل، التي تعتبر جيشاً قائماً بذاته.

    6.
    وفي يوم 31 يناير 1994، صرح عضو، في اللجنة المكلفة، بتحديد موعد ومكان حفل توقيع وثيقة العهد والاتفاق، أن علي سالم البيض، وضع شروطاً جديدة للتوقيع. وقال إن الحزب الاشتراكي، يطالب بعد توقيع الاتفاق بالأحرف الأولى، البدء بتطبيق بنوده الرئيسية، قبل تسوية نهائية للأزمة السياسية. وأوضح المصدر نفسه، أن مسؤولي الحزب الاشتراكي، ومعظمهم في عدن على غرار البيض، لا يعتبرون أنفسهم مجبرين على العودة إلى صنعاء، بعد توقيع الاتفاق، حتى ولو كان ينص على ذلك. وأشار إلى أن ممثل الحرب الاشتراكي وزير الثقافة جارالله عمر، أبلغ اللجنة، أن البيض لن يعود إلى صنعاء قبل، تطبيق هذه البنود. وأشار المصدر إلى أن ممثلي المؤتمر الشعبي العام، والتجمع اليمني للإصلاح، رفضوا هذا المطلب، معتبرين أن الاتفاق ملزم، وأن تطبيقه يتطلب مساهمة سائر قادة التحالف الحكومي الثلاثي. وأضاف المصدر أن الحزب الاشتراكي، يطالب بأن يتم حفل التوقيع، بحضور ممثلين عن الولايات المتحدة الأمريكية، والاتحاد الأوروبي، وروسيا، والصين، وكندا، وسوريا، والسعودية، إضافة إلى الأمين العام لمجلس التعاون الخليجي، من أجل مزيد من الضمانات. لكن مصدراً قريباً من المؤتمر الشعبي، اعتبر أن هذا المطلب، يندرج في إطار المزايدة السياسية، والسعي لتدويل الأزمة اليمنية.

    وقال بيان لجبهة المعارضة الوطنية اليمنية، إن أحزاب الائتلاف الحاكم، لم تستطع الاتفاق على توقيع الوثيقة، ودعت إلى اجتماع، في 2 فبراير 1994، لتحديد موعد ومكان التوقيع. وذكر البيان، أن العاجزين عن ترتيب اجتماع لتوقيع الاتفاق، هم أكثر عجزاً عن تنفيذ مضمون الاتفاق.

    7.
    وفي الأول من فبراير 1994، نشرت صحيفة الدستور الأردنية، تحذيراً لنائب رئيس الوزراء اليمني، العميد مجاهد أبو شوارب، من أن عدم التوصل إلى تسوية للأزمة اليمنية، ربما أدى إلى حرب ضروس، بين الأطراف المتنازعة، تتجاوز دمار الحرب اللبنانية.

    وقال أبو شوارب، إنه سيتوجه إلى العاصمة الأردنية، "إذا سارت الأمور على ما يرام، للمشاركة في وضع الترتيبات الضرورية، لمراسم التوقيع".

    وروى عائدون من بلدة عتق، عاصمة إقليم شبوه الحيوي والغني بالنفط، أن الحزب الاشتراكي اليمني، يرسل مزيداً من الدبابات إلى الإقليم، وأن ما بين 80 و100 ناقلة ثقيلة، تنقل نحو 50 دبابة سوفيتية الصنع، ومدافع، وصواريخ، وصلت إلى المنطقة، على مسافة 160 كم شمال شرقي عدن، مما يخشى أن تصبح المنطقة الغنية بالنفط، مثار نزاع في حال انفصال شطري البلاد.

    8.
    في 2 فبراير 1994

    أ.
    نشرت صحيفة "السفير" اللبنانية، تحليلاً إخبارياً تحت عنوان "اليمن: نفاق وحدوي"، رأت فيه أن المتفائلين عن قرب توقيع وثيقة "العهد والاتفاق"، يسقطون من حساباتهم، الجانب العملي والواقعي الذي يعيشه اليمن حالياً، والمتمثل في التحركات العسكرية، التي يقوم بها كل طرف في مكان وجوده، حتى باتت الأمور تسير هناك على نحو يوحي أن الحرب بين الجانبين، واقعة لا محالة.

    ب.
    أكد رئيس الوزراء حيدر أبو بكر العطاس، في حديث نشرته صحيفة الأهرام المصرية، "أنه ما تزال هناك تباينات كبيرة أمام لجنة حوار القوى السياسية، يجب معالجتها وأشار إلى أن الرئيس علي عبدالله صالح، اتصل به بعد اعتراضه على حاجز عسكري في صنعاء، في (تشرين الأول) أكتوبر الماضي، وطلب منه الاستقالة من الحزب الاشتراكي، والانضمام إليه".

    وعلى الرغم من استمرار محاولة تهدئة الصراع، وحل الأزمة، إلاّ أنه في نفس الوقت نفسه، نشطت الاستعدادات العسكرية، ولم تتوقف الحملات الكلامية، وتوجيه الاتهامات بين الطرفين، وقد ادى ذلك إلى تأجيل التوقيع على وثيقة العهد والاتفاق، التي كان مقرراً لها، يوم الأحد 6 فبراير 1994، ثم تأجلت إلى 20 فبراير 1994.


    9.
    في 11 فبراير 1994، أُعلن رسمياً في صنعاء، أن التوقيع على وثيقة العهد والاتفاق اليمنية، التي ستضع حداً لأخطر أزمة، بين شمال البلاد وجنوبها، منذ توحدهما في (أيار) مايو 1990، سيجري في 20 (شباط) فبراير، في عمان.

    وصرح أحمد جابر عفيف، الناطق باسم لجنة الحوار، التي وضعت النص، أن مراسم التوقيع ستقام في العاشر من شهر رمضان، الموافق 20 (شباط) فبراير، ونقل التليفزيون عنه، أن الموعد حدد بعد الاتفاق مع الأخوة اليمنيين، وأفاد مسؤول يمني، أن التوقيع سيجري في حضور الرئيس علي عبدالله صالح، ونائبه علي سالم البيض، ورئيس التجمع اليمني للإصلاح عبدالله الأحمر، وأن العاهل الأردني الملك حسين، ورئيس اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية ياسر عرفات، سيحضران الاحتفال أيضاً.

    10.
    وفي 14 فبراير 1994، أصدر رئيس الوزراء، وعضو المكتب السياسي للحزب الاشتراكي اليمني، حيدر أبو بكر العطاس، المعتكف في عدن، قراراً، عيّن بموجبه محمد علي أحمد، محافظاً لأبين التي تبعد 100 كم شرق عدن، وذلك خلفاً للعقيد يحيى الراعي (شمالي)، عضو اللجنة الدائمة للمؤتمر الشعبي العام.

    وفي اليوم التالي، ألغى مجلس الرئاسة في صنعاء، قرار رئيس الوزراء، وقالت إذاعة صنعاء، إن قرار العطاس غير دستوري، ونقلت الإذاعة اليمنية عن مسؤول في حزب الإصلاح، قوله: إن أقل ما يمكن أن يقال عن قرار العطاس، أنه انفصالي.

    وفي 15 فبراير 1994، صرح علي سالم البيض، لمجلة "الشروق" الإماراتية، أن "الفيدرالية صيغة أرقى من الوحدة، من الناحية الحضارية، وإشاعة أوسع لروح الديموقراطية، وأنها تساعد على التنافس، وتقبل التنوع، وتعطي مجالاً للمبادرة، وأن الدول المتطورة في أوروبا، التي قطعت شوطاً طويلاً على النهج الديمقراطي والحداثة، مثل ألمانيا، وبريطانيا، والولايات المتحدة الأمريكية، هي دول فيدرالية". كما نفي علي سالم البيض، اتهامات مسؤولين شماليين، بأن اكتشاف النفط في المحافظات الجنوبية غداة الوحدة، التي أعلنت عام 1990، هو في أساس التوجهات الانفصالية.






    11. أحداث في إطار تصعيد المواجهة العسكرية:

    أ.
    في 3 فبراير 1994، أعلن الحزب الاشتراكي اليمني، في عدن، أن قواته صادرت، عند خط الحدود السابق بين شطري اليمن، شحنة من 40 صاروخاً مضاداً للطائرات، مرسلة من الشمال لتعزيز مواقع قوات صالح الشمالية. وأن الصواريخ، وهي من نوع "سـتريلا " (SAM-7)،الروسي الصنع، باتت في أيدي القوات الجنوبية. وندد الحزب الاشتراكي باستمرار التعزيزات العسكرية للقوات التابعة لحزب المؤتمر الشعبي. كما نفى تقارير نشرتها صحيفة شمالية، عن نشر قوات جنوبية، في منطقة حساسة على الحدود السابقة بين الشطرين، خصوصاً في منطقة شبوة.

    نفى حزب المؤتمر الشعبي العام، أن تكون القوات الشمالية، نقلت صواريخ مضادة للطائرات، وأكد أن تصريحات الحزب الاشتراكي اليمني، ترمي إلى تغطية التحركات العسكرية التي قام بها، وتضليل الرأي العام، وصرف الانتباه عن رفضه توقيع وثيقة العهد والاتفاق، التي كا مقرراً إبرامها، يوم الأحد 6 فبراير 1994، في العاصمة الأردنية.

    ب.
    وفي 4 فبراير 1994، كشف مصدر في حزب المؤتمر الشعبي العام، أن قوات العمالقة الشمالية، المتمركزة في محافظة أبين، احتجزت شاحنتين محملتين بأكثر من 600 بندقية آلية، وكانت الشاحنتان قادمتين من المنطقة الجنوبية، في طريقها إلى المناطق الشمالية، لتوزع هذه الأسلحة على بعض القبائل في الشمال. واتهمت مصادر المؤتمر الشعبي، الحزب الاشتراكي اليمني، بأنه يقوم بعملية تسليح للقبائل، بغرض خطف الأجانب، بما يخلق مناخات عدم الاستقرار، وإعطاء الانطباع العام، بأن الأمن غير متوافر في المحافظات الجنوبية، وقالت تلك المصادر أن التحقيقات، التي أجريت مع بعض خاطفي الأجانب، أظهرت أنهم تلقوا تعليمات من مسؤول كبير في الحزب الاشتراكي، زوّدهم بالمال والسلاح، للقيام بعمليات الخطف.

    جـ.
    وفي 5 فبراير 1994، تحدثت مصادر عسكرية مسؤولة في عدن، عن عودة الحشود العسكرية في مناطق الأطراف (سابقاً)، من قبل القوات الشمالية، والجنوبية. وأضافت أن اللجنة العسكرية، المكلفة بإعادة القوات إلى معسكراتها، فشلت في مهمتها، وعادت إلى صنعاء. وأكدت المصادر نفسها، أن الوضع الحالي، الذي تعيشه البلاد، ينذر بالخطر، إذا لم تبذل جهود كبيرة من الجميع لاحتوائه، مع الإسراع في توقيع وثيقة العهد والاتفاق.

    د.
    وفي 6 فبراير 1994، أعلن مسؤول في وزارة الداخلية اليمنية، أن طائرة شحن أوغندية، كانت متجهة إلى عدن، احتجزت في مطار الحديدة، وهي تحمل كميات كبيرة من البطاريات، التي تستخدم في معدات عسكرية، وأجهزة اتصال، كانت ستدخل البلاد بطريقة غير مشروعة، من دون علم الجهات المختصة أو موافقتها، وقال إن السلطات تجري تحقيقاً، في ظروف هذه الشحنة وملابساتها.

    ورد مسؤول في الحزب الاشتراكي، أن الطائرة دخلت اليمن بطريقة قانونية، ووصف اعتراض القوات الجوية اليمنية الشمالية لها، بأنه عمل من أعمال القرصنة، وأوضح أن الطائرة، استأجرتها شركة طيران اليمن الجنوبية "اليمدا"، وكانت تحمل شحنة من بطاريات السيارات المدنية، ودخلت البلاد بصورة قانونية.

    هـ.
    وفي 8 فبراير 1994، وجه حزب المؤتمر الشعبي العام، اتهاماً للحزب الاشتراكي اليمني، بالتحضير لحرب أهلية في البلاد.

    وتعليقاً على إعلان وزير الدفاع اليمني، هيثم قاسم "جنوبي"، بأن اعتراض الطائرة هو "عمل قرصنة"، ومطالبته بنقل الطائرة فوراً إلى عدن، ومحاكمة معترضوها، استغرب ناطق رسمي باسم المؤتمر الشعبي، أن يصدر مثل هذا التصريح، عن وزير الدفاع، الذي يفترض أن يكون معنياً بالحفاظ على السيادة الوطنية، خصوصاً أن الطائرة دخلت البلاد، من دون إذن السلطات المختصة. وأضاف، أن الطائرة كانت تنقل شحنة من المعدات، والأجهزة التجسسية، وأجهزة للتصنت. على المكالمات، بطريقة تضر بأمن البلاد، وتنتهك حقوق المواطن.

    وأفادت الأجهزة الأمنية في الحديدة، أن الطائرة كانت تحمل 65748 بطارية كهربائية، معدة للاستخدام العسكري، و 15 جهاز إرسال، وثلاثة صناديق من قطع الغيار. وقدّر المصدر المسؤول في المؤتمر الشعبي، قيمة الحمولة التي ضبطت بـ 10.5 مليون جنية إسترليني (نحو 16 مليون دولار)، وأشار إلى أن الطائرة لا تزال متوقفة في الحديدة، بينما يستجوب طاقمها في "تفاصيل عملية النقل ومن يقف وراءها".

    و.
    وفي 9 فبراير 1994، أفادت مصادر في هيئة الطيران المدني والأرصاد، في صنعاء، أنه سَمح للطائرة الأوغندية، التي أرغمت الأحد الماضي، الموافق 6 فبراير 1994، على الهبوط في مطار الحديدة، بالإقلاع، بعدما صادرت القوات المسلحة الشمالية، حمولتها المخصصة للقوات المسلحة الجنوبية.

    ز.
    وفي 15 فبراير 1994، أكدت مصادر عسكرية، في عدن، أن الاستخبارات العسكرية في المدينة، اكتشفت أخيراً، وجود مخطط لإسقاط الطائرة المدنية، التي ستقل نائب رئيس مجلس الرئاسة، علي سالم البيض، ووفد الحزب، من عدن إلى عمان، لتوقيع "وثيقة العهد والاتفاق". واتهمت بعض عناصر الأمن المركزي، التابعين للمحافظات الشمالية، الموجودين في معسكر ردفان، المطل على مطار عدن، بالإعداد لتنفيذ مهمة ضرب طائرة البيض، عند إقلاعها من المطار. وأشارت إلى أن العميد صالح منصر السييلي، محافظ عدن، وعضو المكتب السياسي الاشتراكي، أمر بطرد أفراد الأمن المركزي الشماليين من عدن، وعودتهم إلى الشمال، وإلقاء القبض على الذين كانوا سينفذون، مهمة ضرب طائرة البيض.

    ح.
    وفي 16 فبراير 1994، أتهم المؤتمر الشعبي العام، الحزب الاشتراكي اليمني، بقطع المياه والكهرباء، عن عناصر الأمن المركزي، الموجودة في عدن، كمقدمة لمواجهة دامية. وندد حزب المؤتمر الشعبي العام، بأوامر الحزب الاشتراكي اليمني، بسحب قوات الأمن المركزي الشمالية، المتهمة بالأعداد لاغتيال نائب الرئيس اليمني في عدن، وجاء في بيان أصدره الجزب، أن محافظ عدن صالح منصر السييلي، استدعى قائد وحدات الأمن المركزي، وأبلغه أن قيادة الحزب الاشتراكي، قررت إجلاء هذه الوحدات سريعاً عن قواعدها في معسكر ردفان، قرب مطار العاصمة الجنوبية.


    12.التوقيع على وثيقة العهد والاتفاق:

    أ.
    في 17 فبراير 1994، أعلنت الرئاسة اليمنية في صنعاء، أن الرئيس علي عبدالله صالح، ونائبه علي سالم البيض، سيتوجهان في الساعات الـ 48 المقبلة، إلى عمان، لتوقيع "وثيقة العهد والاتفاق". وأوضحت أن الرئيس اليمني سيسافر في 19 فبراير 1994، إلى العاصمة الأردنية، في حين علم مصدر قريب من البيض في عدن، أن زعيم الحزب الاشتراكي، سيقوم بزيارة قصيرة لمكة المكرمة، في المملكة العربية السعودية، لأداء مناسك العمرة، في طريقه إلى العاصمة الأردنية، وسيرافقه رئيس الوزراء اليمني حيدر أبو بكر العطاس، على أن يسبقهما الأمين العام المساعد للحزب، سالم صالح محمد، لتحضير احتفال توقيع الاتفاق بين الزعيمين.

    وأكد مسؤولون أردنيون أن زعماء اليمن سيصلون إلى عمان، في غضون 48 ساعة، لتوقيع الاتفاق، وأن الدعوات وجهت إلى الأمين العام لجامعة الدول العربية، الدكتور عصمت عبدالمجيد، ووزير الدولة العماني للشؤون الخارجية، يوسف بن علوي، وكذلك السفراء العرب، لحضور الاحتفال.

    ب.
    وفي 18 فبراير 1994، بثت الإذاعة اليمنية، أن الرئيس اليمني علي عبدالله صالح، غادر العاصمة صنعاء، متوجهاً إلى إريتريا، في طريقه إلى عمان، للتوقيع على "وثيقة العهد والاتفاق".

    وأعرب مسؤول أمريكي في واشنطن، عن أمل إدارة الرئيس بيل كلينتون، في أن يوقع حزبا المؤتمر والاشتراكي اليمنيان، على الوثيقة بعد غد الأحد 20 فبراير 1994، في عمان، وقال إن واشنطن شجعت اليمنيين، بمختلف فئاتهم، على المحافظة على وحدتهم الوطنية، "وعملنا معهم عن كثب لتحقيق ذلك".

    صرح الزعيم اليمني علي ناصر محمد، الذي قدم من دمشق إلى عمان، لحضور حفل التوقيع على "وثيقة العهد والاتفاق"، أن توقيع الوثيقة يمثل بداية حل شامل، يمكن أن يضع حداً للأزمة اليمنية. وقال إنه "ليس المهم اللقاء والتوقيع، بقدر ما يهمنا صفاء النيات، والإرادة، لتنفيذ هذه الوثيقة، عن طريق بناء دولة موحدة، وتحقيق الأمن والاستقرار في المنطقة. وأكد ثقته بأن القيادة اليمنية، "قادرة على تجاوز هذه الأزمة، طالما هي جادة وصادقة، بعيداً عن المناورة والتكتيك".

    جـ.
    وفي 19 فبراير 1994، أعلن مصدر رسمي أن الرئيس السوري، حافظ الأسد، استقبل نائب الرئيس اليمني علي سالم البيض، وبحث معه وثيقة العهد والاتفاق، وقال المتحدث باسم الرئاسة السورية، أن المحادثات تناولت أيضاً التطورات الأخيرة في اليمن.

    د.
    كان يوم 20 فبراير 1994، هو اليوم الموعود بالنسبة لليمنيين وللعرب. فبعد أكثر من ستة أشهر من الأزمة، بين الرئيس اليمني ونائبه، التقى في العاصمة الردنية عمان، أكثر من ثلاثمائة شخصية يمنية سياسية، وحزبية، وقبلية، إضافة إلى حضور الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات، وأمين عام جامعة الدول العربية، عصمت عبد المجيد، ووزير الدولة العماني للشؤون الخارجية، يوسف بن علوي، ورئيس اليمن الجنوبي السابق، علي ناصر محمد، والسفراء العرب، والأجانب، المعتمدون في عمان. ووسط هذا الجمع الغفير، وقع الزعيمان اليمنيان علي عبدالله صالح، ونائبه علي سالم البيض، "وثيقة العهد والاتفاق"، في قصر رغدان الملكي، محاولين بذلك إسدال الستار عن أسوأ أزمة عرفتها اليمن، بعد توحيد شطريها، عام 1990، والتي اعتبرها العاهل الأردني الملك حسين، بداية جيدة على طريق مصالحة كل القضايا عربياً.

    كما وقع الاتفاق، رئيس مجلس النواب عبدالله الأحمر، الأمين العام لحزب التجمع اليمني للإصلاح، الذي كتب إلى جانب توقيعه "على شرط انتهاء الأزمة"، كما وقعها 34 شخصية يمنية تمثل لجنة الحوار.

    ودعا العاهل الأردني الملك حسين، في كلمة ألقاها في افتتاح احتفال التوقيع على "وثيقة العهد والاتفاق"، الزعماء اليمنيين إلى العمل على تنفيذ الوثيقة، التي صاغها "نخبة من خيرة أبناء اليمن، والتي تعبّر عن وحدة حقيقية، ونجاح مبدأ التعدد في إطار الوحدة"، وقال: "هانتم تبدأون درباً صَعْباً للإصلاح الشامل، الذي يحتاج إلى كل جهد، ويحتاج إلى أنقى ما في الثورة من صور الطهر والأخوّة، حتى لا يبقى لنا بحر مظلم، أو خليج معتم، أو دم يسيل على كف شقيق من سيف شقيقه، على غير هُدى منه، أو بيّنه، مما يترتب عليه من تبعات".

    وتعهد الرئيس اليمني، علي عبدالله صالح، بعد التوقيع على الوثيقة تطبيق بنودها، وشكر للعاهل الأردني الملك حسين، جهوده في سبيل المصالحة اليمنية، وقال "سنكون عند حسن ظن الجميع، وسنطوي صفحات الماضي، بكل مآسيها، وسنعدكم وعد الرجال الأوفياء، إننا سننتقل بالوثيقة إلى مرحلة التطبيق"، وشكر للولايات المتحدة الأمريكية، والاتحاد الأوروبي جهودها لتقريب وجهات النظر في اليمن.

    ورأى نائب الرئيس اليمني، علي سالم البيض، في خطاب مرتجل، بعد حفلة التوقيع، أنها "مرحلة جديدة في طريق اليمن وسنواصلها، لا بأس هذه المرة حصل صراع من نوع آخر، لكنه حوار بالكلمات، واستبعدنا حوار العنف والطلقات، واحتكمنا إلى الاجتماع"، وقال إن صور الكثير من أعضاء الحزب الاشتراكي الذين قتلوا في تصفيات سياسية، لا تزال ماثلة أمامه، لكن الوطن اغلى منهم جميعاً، وعلينا ان نضع بلدنا فوق كل الاعتبارات والذاتيات، وخلص إلى أنه على الرغم من تحفظاتنا، أو إحساسنا، أن هناك صعوبات في التنفيذ بناء على خبرة الماضي، دعونا نتفاءل هذه المرة.

    وقال رئيس التجمع اليمني للإصلاح عبدالله الأحمر، بعد حفل التوقيع على الوثيقة: "إن شاء الله بتوقيع الوثيقة تنتهي الخلافات والأزمة، ويعود جميع المسؤولون إلى مواقع أعمالهم، لتنفيذ ما جاء فيها، ونخدم بلدنا، ونخرجه من الأزمة الاقتصادية والسياسية".

    وقال الأمين العام المساعد للحزب الاشتراكي، وعضو مجلس الرئاسة، سالم صالح محمد: "أنها المرة الأولى، التي لم يلجأ فيها اليمنيون إلى القتال، على رغم حدة الأزمة"، ولفت إلى أن الأمور ليست سهلة، ويخطئ من يعتقد عكس ذلك، فعوامل التخلف، توازي عوامل التقدم، وعوامل الانفجار، توازي عوامل السلام، لكن الشعب ملتف حول هذا الاتفاق.

    وقال المشير عبدالله السلال رئيس اليمن سابقاً، إن الامتحان سيكون في تطبيق الاتفاق، و"المهم هو التنفيذ، لأنها إذا طبقت الوثيقة، سوف تنتهي كل الأزمات، وستعود لليمن وحدته"، وعزا الأزمة إلى "مخلفات الماضي، والرواسب، وبقاء الحساسيات على المناصب والكراسي، إنما اعتقد بعد تطبيق الوثيقة سيزول كل شيء".

    وفي صنعاء، استقبل اليمنيون توقيع اتفاق المصالحة، بتفاؤل حذر، آملين في تحسين ظروف معيشتهم. ولاحظ مراقب سياسي مخضرم، أن "احتفال عمان، كان ينقصه على ما يبدو الحماس والصدق"، وقال مراقب آخر "إن الأمر كله بدا كما لو، كان نصاً معداً بممثلين، يلعبون أدواراً ليسوا مقتنعين بها".


    13. من أهم التعليقات على توقيع وثيقة العهد والاتفاق:

    أ. التعـلـيق الأول:

    نشرت صحيفة "السفير" اللبنانية، مقالاً لصاحبها طلال سلمان، نوه فيه بمجموعة من المفارقات:

    الأولى: أن اليمنيين المزهوين عادة بذكائهم، والمتباهين دائماً بأن "الحكمة يمانية"، قد سقطوا في امتحان الانتقال من القبلية إلى الدولة، وكان السقوط شاملاً، لا فرق فيه، بين ماركسي ويميني، بين متدين وعلماني، بين مثقف وجاهل.
    المفارقة الثانية: "لبنانية إلى حد كبير، فمن الطائف السعودية، إلى عمان الهاشمية، يبدو وكأن "الملكيين" هم الأنجح في إصلاح ذات البين بين "الجمهوريين" العرب، سواء كانت "الجمهورية" ديموقراطية اشتراكية، أم ليبرالية غربية، فإذا استبدلنا الطوائف بالقبائل، يبدو لقاء عمان، نسخة هاشمية من اتفاق الطائف السعودية حول لبنان. إنها قضية السلطة وكيف يتوزعها ويتقاسمها الأخوة ـ الأعداء، ويمتنعون بذلك عن الحرب حتى لا تذهب بها وبهم، وكما أنتج الطائف "ترويكا" لبنانية، فنقل الحرب من الشارع إلى قمة السلطة، يحاول لقاء عمان أن يمنع نزول الحرب في اليمن، من قمة السلطة إلى الشارع.
    ومفارقة أخرى لعلها الأهم: هذه أول تجربة وحدوية عربية تحظى بمثل الرعاية الأمريكية والغربية المعلنة، التي حمت حتى اليوم "وحدة اليمن"، فلقد قالت واشنطن بصراحة: ممنوع الانفصال!
    ب.التعليق الثاني:

    نشرت صحيفة "النهار"، مقالاً تحت عنوان "وحدويات ... من اليمن"، رأى أن توقيع "وثيقة العهد والاتفاق"، جنّب البلاد حرباً أهلية: "الاسم الوحدوي" لحرب نظامية بين الشطرين، الشمالي والجنوبي. قد تكون الأزمات في عمر الوحدات أمراً طبيعياً، تخرج منه أقوى وأصلب. لكن في الحالة اليمنية، قد يكون التوقيع على الاتفاق، مجرد نجاح مؤقت على طريق انفصال آت.

    ورأى الكاتب أن مشكلة الوحدة في اليمن، هي في عدم قدرة أي من الطرفين على "هضم" الآخر في مؤسسات، كان ينبغي أن تكون راسخة في أحد الشطرين، أقلها قبل الوحدة، وبهذا المعنى فإن الحل العسكري، لا يمكنه أن يؤمن توحيداً طالما أن مؤسسات التوحيد المدنية مفقودة.

    جـ.التعليق الثالث:

    نشرت صحيفة "السفير"، مقالاً للسيد "جهاد الزين" تحت عنوان "مهنتي كملك" جاء فيه: أن تطورات الأشهر الأخيرة كشفت أن الوحدة لا تزال وحدة بين دولتين، احتفظت كل منهما بمقوماتها السلطوية الأساسية، حتى إذا لاحت بوادر خلاف جاد، عادتا دولتين كاملتين، مع العاصمة، والجيش، اللذين كان لكل منهما.

    وينتهي كاتب المقال إلى القول "ولأن كانت المخاطر على وحدة اليمن، تدفع كل الحديث في هذا المجال، إلى منطق الاختيار بين السيئ والأسوأ، فإننا نتمنى إذا كان المستقبل غير مضمون، أن ينقسم اليمن إلى عدة (يمنات)، بدل البقاء على يمنين شمالية وجنوبية، فكثرة الأطراف تحمي الوحدة، أما ثنائية الانقسام فتُبقى اليمن دولتين".

    د. التعليق الرابع:

    نشرت صحيفة "السفير"، مقالاً تحت عنوان "اليمن: فشل التقاسم". جاء فيه: "من الطبيعي أن يكون الاعتراف بفشل تجربة الوحدة في اليمن، بعد أربع سنوات على قيامها، أمراً مؤلماً، لكن من السّذاجة، المكابرة والإصرار على ما يخالف الواقع، خاصة إذا هدد هذا الإصرار، بإغراق اليمن في صراع لا يعيد الوضع إلى ما كان عليه قبل العام 1989، بل إلى تفتيت أشد، وربما حرب أهلية مفتوحة"، إنّ ما جرى في عام 1989، لم يكن توحيداً لذلك البلد، بقدر ما كان تقاسماً للنفوذ بين الجهات الحاكمة في شطريه.




    الفصل الثاني
    فشل المصالحة ولقاء صلالة
    (الفترة من 21 فبراير إلى 24 أبريل 1994)

    القسم الأول: فشل المصالحة، وتصعيد المواجهات الإعلامية، والعسكرية
    (الفترة من 21 فبراير إلى 30 مارس 1994)

    عام:

    بعد أقل من 24 ساعة على توقيع الأطراف اليمنية، وثيقة العهد والاتفاق، في العاصمة الأردنية، في 20 فبراير 1994، شهدت محافظة أبين الجنوبية شمال شرقي عدن، تطوراً عسكريا مثيراً. فقد انطلقت مجموعة عسكرية "نحو 150 جندياً"، من لواء العمالقة أحد أكبر الألوية العسكرية المدرعة الشمالية. وحاصرت عدداً من المؤسسات، والمراكز الحكومية، بالمحافظة ،عقب ورود معلومات تفيد بتغيير المحافظ، وهو من أبناء الشمال، بآخر من الجنوب. وطلبت من المواطنين التزام الهدوء، والبقاء في منازلهم. وقد قوبل تحرك المجموعة العسكرية الشمالية، بتحركات مضادة من وحدات عسكرية مدرعة جنوبية، استقدمت من مناطق مختلفة. وحدث صدام محدود بين الجانبين، أسفر عن مقتل عدد غير محدد رسمياً من الجنود، وجرح عدد آخر من المدنيين.

    أوفد وزير الدفاع، "العميد هيثم طاهر"، لجنة عسكرية برئاسة نائب رئيس الأركان، لمحاصرة الموقف. واستطاعت تهدئة الموقف نسبياً، بعد يومين من الأحداث، إلا أن معالم التحركات العسكرية، وتدعيم القوات ظلت مستمرة. وفي الوقت نفسه، زادت حدة المواجهات الإعلامية والاتهامات، بين المؤتمر الشعبى العام، والتجمع اليمني للإصلاح، اللذين يمثلان سلطة محافظات الشمال الفعلية، من جانب، وبين الحزب الاشتراكي، الذي يسيطر على مقاليد الأوضاع عملياً في الحافظات الجنوبية، من جانب آخر. كما تصاعدت حدة المواجهات العسكرية، مما أدى إلى امتداد الاشتباكات إلى محافظة لحج الجنوبية، ثم انتقل إلى الشطر الشمالي، الأمر الذي عبر عن مدى التدهور، الذي قادت إليه تطورات الأزمة.
    وقد تطورت الأحداث كما يلي:

    1.
    في يوم 21 فبراير 1994، اشتعلت أحداث أبين، باشتباك بين وحدات تابعة للواء العمالقة الشمالي، وأخرى جنوبية، راح ضحيتها خمسة قتلى، و20 جريحاً، وحاصرت وحدات مدرعة من لواء العمالقة بلدة زنجبار، عاصمة محافظة أبين.

    وقد أدى ذلك، إلى تحرك وحدات جنوبية، من منطقة المكلا عاصمة محافظة حضرموت، إلى منطقة أبين، لتعزيز القوات الجنوبية في محافظة أبين، لمواجهة لواء العمالقة الشمالي.

    2.
    في 22 فبراير 1994، قصفت القوات الشمالية بلدة موديا قرب مدينة زنجبار، وزادت حدة التوتر، بعد رفض لواء العمالقة الانصياع لقرار اللجنة العسكرية اليمنية، القاضي بعودة وحداته إلى ثكناتها، وقامت قوات منه، بنصب كمين على الطريق الرئيسي بين زنجبار وعدن، أدى إلى مقتل 15 جندياً، وإصابة عشرين آخرين، واستيلاء قوات العمالقة على سبع دبابات جنوبية، وأسر أطقمها، في حين أسرت القوات الجنوبية 3 جنود شماليين. وصرح الحزب الاشتراكي، أن قوات من الحرس الجمهوري الشمالي، والمتمركز في محافظة أب الشمالية، احتلت منطقة شخب في محافظة لحج الجنوبية، كما أفادت بعض المصادر، عن قيام اللواء الثاني المدرع الشمالي، والمتمركز في منطقة ردفان بمحافة لحج، بإنشاء نقطتين عسكريتين على الطرق المؤدية إلى عدن، لعزل ردفان مسقط رأس وزير الدفاع، ومنطقة يافع، ومنع وصول أي تعزيزات أو إمدادات إليهما.

    وسادت أجواء التوتر، خصوصاً محافظتي أبين، ولحج، ولزم السكان منازلهم، وأقفلت الدوائر الحكومية، والمؤسسات العامة والخاصة، والمدارس أبوابها.

    وفي نفس الوقت، تحركت عناصر من وحدات جنوبية، من مناطق مختلفة في الشطر الجنوبي، إلى منطقة أبين لتعزيز قواتها في المنطقة. وقد ساهم الملحقين العسكريين، في السفارتين الأمريكية والفرنسية في صنعاء، في جهود اللجنة العسكرية، المكلفة بتطويق الأحداث، في عودة الهدوء النسبي إلى أبين، وذلك وسط تبادل الاتهامات بين الشطرين عن مسؤولية إشعال الموقف، وكانت تلك الأحداث نذيراً، بفشل المصالحة.

    وبعد فشل المصالحة، قام كل من علي سالم البيض، الأمين العام للحزب الاشتراكي، وسالم صالح محمد، الأمين العام المساعد، وكلاهما عضو في مجلس الرئاسة اليمني، بزيارات لدول مجلس التعاون الخليجي، وفسرت هذه الزيارات بأنها رسالة رمزية موجهة إلى أطراف العملية السياسية، وبالتحديد حزب المؤتمر الشعبي العام، وحزب التجمع اليمني للإصلاح، حول قدرة مسؤولي الحزب الاشتراكي، على ممارسة أدوار سياسة، تخص اليمن ككل على الرغم من مناخ الأزمة السياسية.

    وقد أثارت هذه الزيارات تفسيرات عدة ومتناقضة، وتركزت تفسيرات مسؤولي الحزب لزيارة سالم صالح محمد، بأنها جزء من عملية ضغط سياسي، يمارسها الحزب الاشتراكي، على شريكه في الحكم. وأنها تهدف إلى تطبيع علاقات اليمن بدولة الكويت، ودول الخليج العربي الأخرى، وأنها خطوة على طريق الانفصال، وأن مسؤولي الحزب الاشتراكي، يستطلعون آراء قوى إقليمية رئيسية، في مثل هذا الاحتمال، وهي بمثابة دليل ملموس على وجود علاقات خفية، وقوية، بين الحزب الاشتراكي، وبين بعض هذه الدول الخليجية.

    واعتبر وزير الخارجية اليمني، محمد سالم باسندوه، أن التحركات التي يقوم بها مسؤولون يمنيون جنوبيون في منطقة الخليج، تتم بصورة فردية من دون معرفة رئاسة الدولة، ووزارة الخارجية، بما ينم عن وجود توجه حاد نحو الانفصال. ونقلت صحيفة "السياسة"الكويتية عن باسندوه قوله: "إن هذه التحركات تأتي استكمالاً لسياسة الانفصال، غير المعلن، التي جرت ممارستها منذ أواخر أغسطس الماضي، وأن اليمن يعتز بعلاقاته مع دول الخليج العربية، ويأمل أن تدرك هذه الدول، أهمية عدم السّماح لأي طرف يمني، في جرها إلى الانحياز إليه.

    وقد كشفت مصادر سياسية يمنية، أن الرئيس اليمني الجنوبي السابق، علي ناصر محمد، الموجود آنذاك في عمان، رفض دعوة حزب المؤتمر الشعبي العام، وحزب التجمع اليمني للإصلاح، إلى تأليف حكومة جديدة برئاسته، ورد عضو المكتب السياسي للحزب الاشتراكي، يحيى الشامي الموجود أيضاً في عمان، أنه "إذا صح هذا النبأ فعلى الآخرين تحمل مسؤولية مثل هذه الخطوة، (يذكر أن ناصر محمد غادر عدن في أكتوبر 1987، مع 14 من أنصاره، بعدما حكم عليهم بالإعدام، ولجأ إلى اليمن الشمالية، ومنها إلى دمشق.

    وفي الوقت نفسه، أعلن علي سالم البيض، رفضه مجدداً العودة إلى صنعاء، مشترطاً تنفيذ البند الأول من الاتفاقية، الخاصة باعتقال مرتكبي الاغتيالات السياسية، التي استهدفت مسؤولي الحزب الاشتراكي وعناصره.

    وفي وسط هذه الأحداث، صّرح سالم صالح محمد، لوكالة أنباء الإمارات، أن وحدة اليمن قد تنهار، إذا لم تسرع الأطراف المتنازعة قريباً، في تنفيذ وثيقة "العهد والاتفاق"، وأضاف، إذا لم تعالج الأمور على أساس من العدالة، وإعطاء الحقوق لأصحابها، فسنجد أنفسنا في وضع آخر، وما نخشاه هو أن يتحول اليمن إلى أكثر من شطرين، وليس شمالاً وجنوباً، كما كان الوضع السابق، لأن المتغيرات فرضت واقعاً جديداً في العلاقات، وفَهْمِ الناس، ولفت إلى أن اتفاق المصالحة سيبقى في الأدراج، ما لم يتم إيجاد آلية جديدة لتنفيذه.

    3.
    في 24 فبراير 1994

    أ.
    ذكرت مصادر صنعاء وعدن، أن التوتر انتقل من الجنوب إلى الشمال، حيث طوّقت قوات شمالية، وحدات جنوبية مرابطة في منطقتي، عمران(60 كم شمال غربي صنعاء)، وذمار (100 كم جنوبي العاصمة)، "مما أوجد توتراً شديداً في هاتين المنطقتين"، وأصبح الوضع ينذر جدياً بالانفجار.

    وأكد مسؤول جنوبي محلي، أنه على الرغم من توقف الاشتباك، بين القوات النظامية، فإن حوادث جديدة سجلت بين الميليشيات هذه المرة، بعد أن سلحتها الأحزاب السياسية، قبل بضعة أيام. وأشار إلى أن هذه الميليشيات، تابعة للحزب الاشتراكي اليمني، وحزب المؤتمر الشعبي العام، والتجمع اليمني للإصلاح، وأن ميليشيا الإصلاح، مدعّمة بشكل خاص بمقاتلين من تنظيم الجهاد الإسلامي، الذي يتخذ من جبل المراكشة شمال محافظة أبين مقراً له. وقالت مصادر سياسية في عدن، إن القوات الجنوبية أسرت ما يتراوح، بين 80 و90 شخصاً من "الأفغان العرب"، لوقوفهم إلى جانب القوات الشّمالية في أبين. وأشارت المصادر الجنوبية، أن الأسرى، اعترفوا بالحصول على أوامر مباشرة، من قيادات سياسية، لأحد الأحزاب الدينية الكبرى، المشاركة في السلطة.

    ب.
    وعلى الجانب الآخر، قالت مصادر عسكرية في صنعاء، إن لواء الوحدة الجنوبي، نصب كميناً لعدد من جنود لواء "العمالقة" الشمالي، بينما كانوا في طريقهم لاستعادة جثة أحد زملائهم، ممن قتل في الاشتباك، من مستشفى في محافظة أبين. وأشارت المصادر إلى تحركات جديدة لقوات جنوبية، في محافظة لحج في الجنوب، وقالت إن دبابات ومدافع هاوتزر (Howitzer)، تحركت من معسكر العند في لحج، إلى مناطق حدودية سابقة بين شطري اليمن، بهدف تطويق اللواء الثاني المدرع الشمالي، الذي يتمركز في منطقة الملاح في لحج، وقالت المصادر إن رئيس الأركان العقيد علي محمد صالح، لا يزال يحاول إقناع لواء "الوحدة"، العودة إلى مواقعه، في محافظة حضرموت الجنوبية.

    جـ.
    بعث سكان أبين الجنوبية، رسالة إلى الرئيس اليمني علي عبدالله صالح، نقلت نصها إذاعة صنعاء، طالبوه فيها بأن ينهض بمسؤولياته، إزاء الوضع الخطير في أبين، الناجم عن الاستفزازات الوحشية، وقتل المدنيين. وقالت الرسالة إن معظم مدن وقرى المحافظة، لا تزال محاطة بأشد العتاد فتكاً وتدميراً، وقالت الرسالة إن شعب أبين، يرفض أن تصبح محوراً للصراع، الذي لا يخدم الأمة والشعب، ويطالب بانسحاب جميع القوات القادمة حديثاً.


    4.
    بدأت تحركات عربية في محاولة لاحتواء التدهور العسكري، والسيطرة عليه، ولا سيما من قبل الأردن، وسلطنة عمان بغية عدم تحوله إلى مواجهه مفتوحة، بين الأطراف اليمنية. وأخذ التحرك الأردني العماني، شكل إرسال مراقبين عسكريين للمشاركة في مراقبة ما يسمى بخطوط التماس، بين قوات الطرفين، مع نظرائهم اليمنيين. وكانت اللجنة تضم عشرة عسكريين أردنيين، وأحد عشر عسكرياً عمانياً. والتقت اللجنة بالرئيس صالح في صنعاء، والبيض في عدن.

    ومرد التحرك العماني، إلى التخوف من تطور الأزمة اليمنية إلى حالة حرب أهلية، تثير لها الكثير من المشكلات، التي هي في غنى عنها، أما التحرك الأردني، فمرده شعور الأردن بالمسؤولية النسبية، نظراً لفشل المصالحة التي بادر بها الملك حسين، بين الرئيس علي عبدالله صالح، ونائبه علي سالم البيض.

    إن أحداث المواجهة العسكرية، التي شهدتها محافظة أبين، وما رافقها من تداعيات مباشرة، سياسياً وعسكرياً، على النحو المشار إليه، لا تنفصل عن فشل لقاء المصالحة، الذي حدث في عمان، في اليوم التالي للتوقيع على "وثيقة العهد والاتفاق". ومن ناحية أخرى، فإن هذا التدهور العسكري، يمكن النظر إليه كمؤشر، إلى أن التوقيع الرسمي على الوثيقة، لم يكن كافياً للبدء في حل الأزمة السياسية، وأن الأزمة إمتدت إلى جوانب عديدة، وأن جهود المصالحة، التي بذلها العاهل الأردني، الملك حسين، للجمع بين الرئيس اليمني ونائبه، لم تكن مثمرة بالصورة، التي توقعها الملك، لأنه على الرغم من اللقاء، الذي تم بين الرئيس ونائبه، فإن الطرفين لم يستطيعا تجاوز فجوة عدم الثقة بينهما.

    5.
    في 27 فبراير 1994

    أ.
    أكد بيان أصدرته وزارة الدفاع اليمنية في عدن، مقتل 12 جندياً، وجرح نحو 3 آخرين، في هجوم شنته وحدات من الجيش الشمالي، على لواء جنوبي متمركز في شمال البلاد. وقال البيان إن الهجوم تحول إلى معركة قاسية، لا تزال متواصلة، وأن وحدات مدرعة من الفرقة الأولى الشمالية، تدعمها عناصر مسلحة من قبائل حاشد هاجمت بالمدفعية الثقيلة، اللواء الخامس المشاة الخفيف الجنوبي، في حرف سفيان، على مسافة 50 كيلو متراً شمالي صنعاء، بعد أن عجزت عن تغيير قيادته، الموالية للقيادة الجنوبية في عدن. وحمّل البيان القيادات العسكرية المتطرفة، المسيطرة على مراكز القرار في حزب المؤتمر الشعبي العام، المسؤولية الكاملة عن هذه التصرفات، التي تنذر باندلاع حرب أهلية في كل مناطق اليمن. وقد كان ذلك الهجوم بداية لتصفية القوات الجنوبية، المتمركزة في الشطر الشمالي.

    ب.
    نقلت إذاعة صنعاء، عن متحدث باسم حزب المؤتمر الشعبي العام، قوله، إن الحزب الاشتراكي يواصل تعزيزاته العسكرية، وحشد القوات، استعداداً للحرب، حيث حشد قواته المدعمة بأسلحة ثقيلة، بالقرب من الحدود القديمة، وأن قواته تستعد للالتفاف على مدينة قعطبة الإستراتيجية، واحتلالها، تمهيداً لاقتحام مدينة أب في شمال اليمن. وذكر أن الحزب الاشتراكي، أرسل عدداً من المدافع والعربات المدرعة من صنع روسي، وناقلات جند وأطقماً عسكرية، إلى منطقتي العوايل، والشعب، بمديرية الضالع. كما أرسل عدداً من الدبابات والمدافع، إلى منطقتي شعب الخنق وجحاف. كما وزع الجمعة الماضي، أكثر من ثلاثة آلاف قطعة سلاح على أفراد الميليشيات التابعة له، في العوايل والشعب. وأعلن أيضاً أن طائرات مقاتلة، اشتراها الحزب الاشتراكي من بلغاريا، هبطت خلال الأيام الماضية في مطاري عدن والريان في جنوبي البلاد.

    جـ.
    ذكرت مصادر نفطية في دبي، أن الحزب الاشتراكي أرسل طابوراً من الدبابات، والمدافع بعيدة المدى، وصواريخ أرض ـ جو، إلى منطقة قريبة من بلدة عتق، عاصمة محافظة شبوة البترولية، على بعد حوالي 160 كيلو متراً شمال شرقي عدن. وأن شاحنات، مملوكة للشيخ أحمد فريد العلاقي، الذي يتخذ من عمان مقراً له، نقلت العتاد العسكري إلى المنطقة. وكانت عائلة العلاقي حكمت محافظة حضرموت الجنوبية، حتى الاستقلال عن بريطانيا في العام 1967.


    6.
    محاولة السيطرة على الموقف:

    أ.
    في إطار الجهود المبذولة للسيطرة على التدهور العسكري، أعلن مصدر يمني رسمي، أن اللجنة العسكرية الأردنية ـ العمانية، وبمساهمة جدية من السفير الأمريكي، والملحق العسكري الفرنسي في صنعاء، أفلحت في صياغة اتفاق هدنة بين الطرفين المتقاتلين، ليلة 26/27 فبراير، وُوضع خطة تحرك من خمس نقاط، ترمي إلى إزالة التوتر في البلاد. وقال إن اللجنة اقترحت، أولاً، على القوات الشمالية والجنوبية "العودة إلى مواقعها السابقة"، قبل اشتباكات الأسبوع الماضي، في محافظة أبين الجنوبية. ودعت الطرفين، إلى "إعادة كل المعدات، التي تم الاستيلاء عليها، وإطلاق سراح العسكريين المحتجزين، لدى أي طرف. وكذلك، "إزالة الحواجز والنقاط العسكرية المستحدثة"، و"وقف الحملات الإعلامية"، وحظر "أي تحرك عسكري إلاّ بأمر من اللجنة المشتركة". وحددت اللجنة برنامجاً زمنياً وآلية لتنفيذ النقاط الخمس.

    وقد رافق ذلك تأكيدات أمريكية، بضرورة الاستمرار في الحوار السياسي، بغية استكمال تنفيذ ما جاء في الوثيقة، مع التحذير من أن يمتد القتال والأعمال العسكرية، إلى المحافظات النفطية الثلاث، وهي حضرموت، وشبوة، من محافظات الجنوب سابقاً، ومأرب، من محافظات الشمال. وجسّد هذا الموقف، دور عنصر النفط، في بلورة الموقف الأمريكي، الغربي عامة، من الأزمة اليمنية. والمعروف أن هناك أكثر من أربعين شركة أمريكية، وأوروبية، ويابانية، تعمل في مجال اكتشاف النفط وصناعته وتصديره.

    وإلى جانب الاهتمام بالاعتبارات الاقتصادية، كان هناك اهتمام أمريكي، وأوربي، بالعملية الديموقراطية في اليمن الموحد، ويرجع ذلك إلى أنها تحدث في بيئة قبليه، ويمكن أن تمثل نموذجاً عند نجاحها، لباقي المجتمعات الأخرى في الجزيرة العربية.

    ب.
    وقد بثت إذاعة عدن أن الولايات المتحدة الأمريكية، ناشدت القيادة السياسية اليمنية، اتخاذ إجراءات لوقف التصعيد العسكري في البلاد، ودعتها إلى المضي قدماً في البدء بتنفيذ وثيقة العهد والاتفاق، تعزيزاً للثقة بين مختلف الأطراف. وقالت إن هذه الدعوة تضمنتها رسالة من الإدارة الأمريكية، سلمها السفير الأمريكي في اليمن آرثر هيوز، إلى البيض في لقاء عقد بعدن.

    جـ.
    وقد أعلن رئيس اللجنة العسكرية اليمنية المشتركة، أن الرئيس علي عبدالله صالح، ونائبه علي سالم البيض، وافقا على هدنة بدأت في الساعة الثالثة من بعد ظهر 27 فبراير 1994، وأن فصل القوات سيبدأ يوم الاثنين 28 فبراير 1994، وقال إنه بدءًا من صباح اليوم، ستعود كل الوحدات من دون استثناء، إلى ثكناتها، وأشار إلى أن مراقبين عسكريين سيتمركزون في النقاط الساخنة، للفصل بين القوات، وتسهيل عودتها إلى الثكنات.

    د.
    على الرغم من التدهور العسكري، فقد بُذلت جهود، لكي تجتمع لجنة الحوار للقوى السياسية اليمنية، للعمل على وضع برنامج زمني لتنفيذ وثيقة "العهد والاتفاق". والدلالة المباشرة لهذه الجهود، أن هناك ما يشبه صراعاً مكتوماً بين جهود السياسيين من جهة، وجهود بعض العسكريين، من جهة أخرى. فالسياسيون يعملون على التمسك بالوثيقة، وتطبيقها، وإبعاد شبح المواجهة العسكرية، المحدودة أو واسعة المدى. أما العسكريون، أو على الأقل بعضهم، خاصة المسؤولون منهم في الجيش الشمالي، على وجه التحديد، فهم الأكثر ميلاً إلى تفجير الموقف، وتعطيل العمل بالاتفاقية، وإثارة الشكوك حول جدوى الحوار السياسي.

    ولذا، قررت لجنة الحوار الوطني، التي تضم الأحزاب السياسية في اليمن، والتي أعدت الوثيقة، تأليف ثلاث لجان متابعة، تعمل على إنهاء التوتر. وأصدرت ليل الجمعة ـ السبت ، 25 ـ 26 فبراير 1994، بياناً قالت فيه إن اللجنة الفرعية الأولى، ستكلف بالمسائل العسكرية السياسية، من مراقبة تحركات القوات العسكرية، وإعادة الوحدات إلى ثكنها، في حين تختص الثانية، بالمسائل الأمنية، لتجنيب السّكان المدنيين، أي اشتباكات محتملة. وتتولى الثالثة، المسائل الإعلامية. وستكون مهام اللجان، وقف التصعيد العسكري، والحملات الإعلامية المتبادلة، بين الأحزاب الرئيسية.


    7.
    في 28 فبراير 1994:

    أ.
    اتجهت الأوضاع في اليمن، في اتجاه تهدئة الموقف، عقب الاشتباكات الدامية، بين الوحدات الشّمالية، والجنوبية، حيث حصلت اللجنة العسكرية الأردنية العُمانية، على موافقة الرئيس علي عبدالله صالح، ونائبه علي سالم البيض، على سلسلة إجراءات تهدف إلى إزالة التوتر، الذي تصاعد مؤخراً. وأكد متحدث باسم اللجنة العسكرية، أنها حصلت على دعم وتأييد القادة السياسيين، في صنعاء وعدن، لخطة عمل من خمس نقاط، تشمل إعادة جميع القوات إلى مواقعها السابقة، والإفراج عن المحتجزين لدى كل طرف، وإزالة الحواجز والنقاط العسكرية المستحدثة، ووقف الحملات الإعلامية، ومنع أي تحركات عسكرية جديدة. وتمثل الموافقة على التفويض، أول عمل مشترك بين الرئيس اليمني ونائبه، منذ خلافهما، الذي جر اليمن، إلى أسوأ أزمة سياسية ، واقتصادية، وعسكرية، منذ الوحدة في العام 1990.

    ب.
    وفي اليوم نفسه، عاد القتال مرة أخرى، حيث صرح ناطق عسكري باسم الشطر الجنوبي لليمن، أن معركة دارت بين وحدات من جيشي الشطرين، متمركزة حول مدينة مودية، الواقعة في محافظة أبين الجنوبية. وقال إن القتال، الذي انفجر بين الجانبين في أبين قبل نحو أسبوع، تجدد حين فتح أفراد من لواء العمالقة الشمالي، النار على وحدات جنوبية. وأضاف أن القوات الشمالية، استخدمت راجمات صواريخ الكاتيوشا (Katyusha)، والدبابات، والمدفعية، وغيرها من الأسلحة المتوسطة والخفيفة، في هجومها الوحشي، الذي ترافق مع هجوم عسكري آخر، استهدف المدن، والقرى، والبلدان، في مودية، حيث قصفت وحدات عسكرية من لواء العمالقة السكان الآمنين.

    ونفي ناطق باسم وزارة الدفاع في صنعاء، أن يكون لواء شمالي شنّ هجوماً على موقع للقوات الجنوبية، في محافظة أبين الجنوبية. وأتهم الناطق القوات، التي تخضع للقوى المسيطرة في الحزب الاشتراكي، بحشد قواتها في منطقة مودية، والبدء بإطلاق النار، من مختلف أنواع الأسلحة، على مواطني المنطقة الجنوبية.



    8. وفي 29 فبراير 1994 (قتال شمالي ـ شمالي)

    صرح مسؤول كبير في قبائل بكيل، أن ستة من أفراد هذه القبائل قتلوا، وأن 20 آخرين أصيبوا بجروح، في اشتباكات وقعت في شمال البلاد، بين عناصر مسلحة من بكيل، ووحدات عسكرية شمالية، وأوضح أن المواجهات بدأت، عقب مساندة سكان حرف سفيان، في أراضي بكيل على مسافة 50 كيلو متراً شمال صنعاء، جنود لواء المشاة الخامس الجنوبي، الذين تعرض معسكرهم لهجوم من الفرقة الأولى المدرعة الشمالية. وتعتبر قبائل بكيل قريبة من الحزب الاشتراكي. وقال المسؤول أن "التوتر كان لا يزال قائماً اليوم في منطقة حرف سفيان.



    أحداث شهر مارس 1994.

    9. في الأول من مارس 1994

    نقل تليفزيون صنعاء، عن النائب الأول لرئيس الوزراء، حسن محمد مكي، عضو المؤتمر الشعبي العام، رفضه الدعوة إلى عقد جلسة لمجلس الوزراء في عدن، متعللاً بأسباب سياسية، وإجرائية، واقترح عقد الجلسة في صنعاء. ولفت إلى أن ثمة خلافات بين أحزاب الائتلاف الحاكم، على جدول الأعمال المقترح. وطالب باجتماع لزعماء الائتلاف أولاً، لحل المشاكل. وقال مكي، الذي لم يحدد نقاط الخلاف، في رسالة بعث بها إلى العطاس، إن الظروف الراهنة في عدن، لا تسمح بعقد جلسة لمجلس الوزراء، واقترح بديلاَ لذلك، عقد الجلسة في صنعاء، لمناقشة خطة اعتقال المشتبه في تورطهم في الاغتيالات السياسية. وقد "كان من المتفق عليه انعقاد جلسات مجلس الرئاسة في صنعاء، وجلسات مجلس الوزراء في عدن".

    10. في 3 مارس 1994

    أعلن العميد مجاهد أبو شوارب، نائب رئيس الوزراء اليمني، والزعيم القبلي، والشيخ سنان أبو لحوم، رئيس ائتلاف المعارضة، انسحابهما من لجنة الحوار الوطني، التي أعدت وثيقة العهد والاتفاق، لأن البلاد في طريقها إلى الانفصال. وجاء في بيان مشترك صدر في صنعاء، "أنه تأكد لدينا، بما لا يدع مجالاً للشك، أن المسار المخطط يسير بالبلاد نحو الانفصال، الذي لا يمكن أن يتم إلا بعد قتال مرير، نبرأ إلى الله أن نسهم أو نشارك أو نوجد بطريقة أو بأخرى في هذا المجال المخزي". وقال أبو شوارب، وهو ضابط سابق في الجيش، وأبو لحوم، وهو زعيم قبائل بكيل، "أنهما بذلا جهوداً متواصلة لتحقيق الحد الأدنى من التفاهم، مع من يجرون البلاد إلى الدمار والخراب، ولم نجد ويا للأسف والمرارة والحزن، إلا الأكاذيب، وصدمنا بصخور جامدة لا ترى إلا مصالحها الذاتية، ولا تؤمن بهذا الشعب الصابر". وأضاف أنه "حين لم يكن في أيدينا، ما يمنع هؤلاء من مسارهم الخطير، فقد قررنا براءة ذمتنا أمام الله وأمام شعبنا، وأن نضع ما حدث، وما اقتنعنا به، أمام شعبنا، ليكون على بينة من أمره، لأننا لم نلطخ أيدينا بالدماء البريئة". وناشدا القوات المسلحة اليمنية، عدم الانسياق في أي عمل يؤدي إلى سفك دماء أبائهم، وإخوتهم، وأبنائهم، من أجل مصالح أشخاص أو أحزاب.

    11. في 4 مارس 1994

    توجه إلى صنعاء وفد من جامعة الدول العربية، حاملاً رسالتين، إلى الرئيس علي عبدالله صالح، ونائبه علي سالم البيض، تتضمنان رؤية الجامعة لتطورات الموقف في اليمن، ودعوتهما إلى ضبط النفس، والعمل على تدارك الأمور. وأبدت الجامعة استعدادها للمشاركة والإسهام بكل ما يمكن، للمحافظة على وحدة اليمن، ودعت إلى ضرورة التنسيق.

    12. في 5 مارس 1994

    أ.
    أكد الرئيس اليمني علي عبدالله صالح، "أننا لن نسمح بالفتنة والاقتتال بين أبناء شعبنا"، داعياً إلى الوقوف في وجه قوى الانفصال. وقال في كلمته، التي ألقاها في الجامع الكبير في صنعاء إثر صلاة الجمعة، إن "الوحدة مصانة، ولا تفريط فيها أبداً مهما كان الثمن، وأن شعبنا سيقف بحزم مع الوحدة، والديموقراطية، ووثيقة العهد والاتفاق. كما سيقف ضد مثيري الفتنة، والنعرات الطائفية، أو المذهبية، أو العنصرية، أو القبلية، وسيقف ضد كل قوى الردة والانفصال..... "نحن واثقون أن شعبنا، الذي تغلب على الكثير من التحديات عبر تاريخه، سيتجاوز هذا الامتحان، وسينتصر لإرادته في الوحدة، والديموقراطية، والسّلام، والتقدم".

    ب.
    توفي عبدالله السلال، أول رئيس لجمهورية اليمن الشمالية سابقاً، عن 75 عاماً إثر نوبة قلبية. وكان قد حاول أخيراً إصلاح ذات البين، بين الرئيس علي عبدالله صالح، ونائبه علي سالم البيض، وشارك في لجنة الحوار الوطني، التي أعدت اتفاق المصالحة، وحضر توقيعه في عمان، وأعلن مجلس الرئاسة الحداد الوطني في البلاد، مدة ثلاثة أيام.


    13. في 6 مارس 1994

    أ.
    حمّل الرئيس اليمني علي عبدالله صالح، القوات المسلحة الجنوبية، تبعة الاشتباكات، واتهمها بتحريك وحدات عسكرية، لتطويق قوات شمالية متمركزة في مناطق جنوبية. وشنّ هجوماً ضارياً على رئيس الوزراء الاشتراكي، حيدر أبو بكر العطاس، لتعمده عرقلة مشاريع التنمية، في الشطر الجنوبي، لئلا يشعر المواطنون بالآثار الإيجابية للوحدة. وقال إن جهود التنمية توقفت، منذ تحقيق الوحدة عام 1990، لتخبط السياسات، وعدم القدرة على بناء مؤسسات، ووضع خطة شاملة للتنمية. ورأى أن حكومة العطاس لا تعرف حتى أبجدية عملية التنمية، وأنها لا تعرف سوى المؤامرات، والتضليل، وبثّ بذور الفرقة.

    ب.
    شهدت الجامعات في شطري البلد اعتصامات، شارك فيها الأساتذة والطلاب، وأُعلن عن تأليف "تجمع للدفاع عن وحدة اليمن"، بمبادرة من مجموعة من الأساتذة الجامعيين. وأطلق على التجمع اسم "المقاومة الشعبية"، وهو يضم مئات الشخصيات السياسية، ومحامين، وأطباء، وأساتذة جامعيين، وقادة عسكريين. وأنشئ هذا التجمع بمبادرة من أساتذة جامعيين في كلية العلوم السياسية في صنعاء، وشعاره رفض العنف ورفض التقسيم، وتطبيق وثيقة عمان. وقال مصدر إن التجمع يريد العمل مع الطلاب، ورجال الدين، لتنظيم "مقاومة شعبية لمواجهة احتمالات الحرب" في البلاد. وطالبوا بالعصيان المدني الذي من دونه لن تقف الكارثة، وطالب البيان القوات المسلحة بعصيان الأوامر لتلافي الاقتتال.


    14. في 7 مارس 1994:

    أ.
    اعتبر رئيس الدائرة السياسية والعلاقات الخارجية، في حزب المؤتمر الشعبي العام، عبدالملك منصور، في حديث لصحيفة "السفير" اللبنانية، أن الانفصال بين الشمال والجنوب آت، إن لم يكن قائماً بالفعل، ما لم يتوافر الحل السياسي، ورأى أن تصلب الحزب الاشتراكي، وخروجه على وثيقة العهد والاتفاق، كانا السبب في إعاقة إنجاح التسوية السياسية.


    15.في 8 مارس 1994

    أ.
    عزّزت القوات الشمالية والجنوبية، مواقعهما في مناطق مختلفة من اليمن، تحسباً لمواجهات جديدة، على الرغم من تنامي حركة شعبية في المدن الكبرى، تعارض توسيع العنف المسلح. ونشرت صحيفة "يمن تايمز" خريطتين تظهران نقاط التجمع العسكري، القادرة، في أي لحظة، على قدح شرارة نزاع مسلح واسع، مع استمرار غياب التسوية السياسية للأزمة، التي تهدد البلاد. وكانت وحدات من الجيشين، الشمالي والجنوبي، تنتشر في منطقتي عمران ومأرب، شمالي صنعاء وشرقيها.

    وأشارت الصحيفة إلى انتشار وحدات أخرى، جاهزة للصدام، في منطقة ذمار جنوبي العاصمة، وفي منطقة حريب في وسط المدينة، وفي قعطبة شرقي مدينة أب، وفي مكيراس قرب لودر، على مسافة 200 كيلومتر، شمال شرقي عدن. وتحدثت عن انتشار كثيف للقوات قرب عدن، ومحافظة أبين.

    وقالت مصادر مطلعة إن الطرفين، تمكنا في الأسابيع الأخيرة، من الحصول على معدات عسكرية جديدة من الخارج. وروي شهود عيان أن طائرات نقل عسكرية، تفرغ بانتظام معدات في مطاري صنعاء وعدن، من غير أن يتسنى تحديد محتويات هذه الشحنات أو مصدرها.

    ب.
    اتهم قائد لواء "العمالقة" الشمالي العقيد علي الجايفي، الحزب الاشتراكي بالسعي للانفصال. وقال إن قوات جنوبية موالية للحزب الاشتراكي، حاولت طرد لواء العمالقة من قاعدته الجنوبية، ولأنه أصبح عقبة أمام تحقيق نية الحزب الاشتراكي، إعلان الانفصال عن الوحدة اليمنية.

    من جهة أخرى، اتهم قائد عسكري جنوبي، هو العقيد سالم السعدي، من قوات الميليشيا الشعبية في أبين، جنود لواء العمالقة، بإقامة نقاط تفتيش، وعرقلة إمدادات الذخيرة العادية، وغيرها من الإمدادات إلى القوات الجنوبية، وقال إن لواء العمالقة، يريد أن تظل له اليد العليا في التوازن العسكري.


    16 . يوم 9 مارس 1994

    أ.
    وصل الرئيس علي عبدالله صالح إلى مصر، في أول زيارة له إلى مصر، منذ أزمة الخليج. وبعد محادثات استمرت أكثر من أربع ساعات، قال رئيس اليمن في مؤتمر صحفي، إن الرئيس المصري، محمد حسني مبارك، يبذل جهوداً بين الطرفين المتنازعين في اليمن، لحل المشاكل بالطرق السلمية.

    ب.
    حذّر نائب الرئيس اليمني، علي سالم البيض، من استخدام القوة في الأزمة الراهنة في اليمن، وقال إن ذلك سيوجه ضربة إلى وحدة البلاد.

    وقال بيان للحزب الاشتراكي اليمني، إن حادثاً، وقع يوم الخميس الماضي 3 مارس 1994، في بريم في محافظة أب، راح ضحيته عضو الحزب عبدالله محمد الرويعني، في سوق البلدة، مشيراً إلى قتل خمسة مدنيين من رواد السوق في الحادثة. وكذلك قال البيان إن عضواً آخر، هو عبدالكريم صالح علوان، قتل في اليوم نفسه في منطقة سدة، التي تقع في محافظة أب.

    جـ.
    قالت مصادر سياسية إن وفداً من الجامعة العربية، غادر صنعاء، بعد محادثات حول إمكانية المساعدة في نزع فتيل الموقف العسكري المتأزم. وأن من بين الموضوعات التي نوقشت، تشكيل قوة تابعة للجامعة العربية، للفصل بين القوات الشّمالية والجنوبية.


    17. في4 مارس 1994

    أعلن ناطق باسم حزب المؤتمر الشعبي العام، أن حاكم منطقة شبوة، في جنوب شرقي البلاد، العقيد درهم عبده نعمان، ومدير الأمن فيها، العقيد أحمد علي محسن، وهما شماليان، تلقيا أمراً من القائد العسكري الجنوبي. ومسؤول الحزب الاشتراكي في المنطقة، بترك مركزي عملهما، والعودة إلى صنعاء، وقال إن وحدات مدرعة تابعة للجيش الجنوبي، طوقت مقر الحاكم ومبنى إدارة الأمن، وأغلقت مداخل مدينة عتق، عاصمة المنطقة، بعدما رفض المسؤولان الانصياع للأمر، وأشار إلى أن الحزب طالب بفك الطوق عن المقرين، وحذر الاشتراكيين من القيام بأعمال استفزازية.

    18. الفترة من 18 ـ 30 مارس 1994

    اتسمت هذه الفترة بالهدوء النسبي، بعد نجاح اللجنة العسكرية اليمنية ـ الأردنية ـ العمانية، في السيطرة إلى حد ما، على المواجهة العسكرية، والتقليل من حدة التوتر. فيما عدا بعض الأحداث التالية:

    أ.
    استمرار تبادل التصريحات العدائية، والاتهامات، والانتقادات بين الطرفين.

    ب.
    مطالبة حزب المؤتمر الشعبي العام، بإقالة حيدر أبو بكر العطاس.

    جـ.
    دعا وزير الخارجية اليمني محمد سالم باسندوه، خلال اجتماعه بسفراء الدول العربية، والإسلامية، والغربية، المعتمدين في اليمن، الدول إلى التعامل مع وزارة الخارجية، باعتبارها القناة الرئيسية للاتصال باليمن، في محاولة للحد من اتصالات علي سالم البيض، والزعماء الجنوبيين الآخرين بالخارج.

    د .
    وقف رواتب الدبلوماسيين، اللذين ينتمون للشطر الجنوبي، في سفارة اليمن، ببيروت‏.

    هـ.
    في 22 مارس 1994، تعرضت مقاتلة جنوبية لإطلاق نار تحذيري، من قبل لواء العمالقة الشمالي، المتمركز في أبين.

    و.
    مواصلة عاهل الأردن، الملك حسين، محادثاته مع السلطان قابوس، في محاولة لمعالجة الوضع في اليمن،في حين أعربت صنعاء عن رغبتها في وساطة مصرية، لأنها ستحظى بدعم دول مجلس التعاون الخليجي. وفي 23 مارس 1994، أُعلن في القاهرة عن وساطة مصرية، تبدأ بزيارة السفير بدر همام لليمن مساعد وزير الخارجية المصري، لإجراء اتصالات بالطرفين المتنازعين.

    ز.
    في 24 مارس 1994، وصل الرئيس اليمني علي عبدالله صالح، إلى سورية في زيارة مفاجئة على إثر تسلمه رسالة من الرئيس المصري، محمد حسني مبارك، في إطار وساطة مصرية لحل الأزمة.

    ح.
    وفي 25 مارس 1994، تلقى علي سالم البيض، رسالة من الرئيس المصري، محمد حسني مبارك، سلمها له السفير بدر همام، مساعد وزير الخارجية المصري، بشأن تنفيذ وثيقة العهد والاتفاق.

    ط.
    في 26 مارس 1994، انفجرت الأحداث في محافظة شبوه الجنوبية، بسبب عودة أحمد مساعد حسين، أحد رجال الرئيس السابق علي ناصر، ومعه أطقم شمالية. كما جرت في اليوم نفسه، مواجهات بين قوات العمالقة (أربع ألوية شمالية، ومعها وحدات من الأمن المركزي)، ضد وحدات من اللواء 30 الجنوبي، ومعه بعض الميليشيات الشعبية.

    ي.
    في 28 مارس 1994، تغيب أعضاء مجلس الرئاسة الجنوبية، عن اجتماع عقدته الرئاسة اليمنية في صنعاء، قال مصدر شمالي، إن تخلف سالم صالح محمد، أحد أعضاء مجلس الرئاسة الجنوبي، والأمين العام المساعد للحزب الاشتراكي، عن الحضور دون عذر، يخالف قرارات لجنة الحوار، حيث إن حضوره كان سيشكل خطوة أولى لتطبيع الوضع، حتى يؤدي علي سالم البيض اليمين الدستورية أمام البرلمان. وأوضح المصدر، أن عدم حضور سالم صالح محمد، يدخل في إطار محاولات الحزب الاشتراكي التهرب، من تنفيذ وثيقة العهد والاتفاق، معتبراً أن تغيب سالم صالح محمد، سبب صدمة في الشارع اليمني.

    ك.
    وفي 29 مارس 1994، أتهم الحزب الاشتراكي اليمني، منافسه ونده في التحالف الحاكم، حزب المؤتمر الشعبي العام، بنشر أسلحة محظورة، وحض أعضاء اللجنة على التحقيق، مع أولئك المسؤولين، عن شراء أسلحة محظورة وجلبها إلى البلاد، وشدد على ضرورة الوقوف بحزم، في وجه الفئات التي تسعى إلى تفجير الموقف عسكرياً. كما أتهم الحزب الاشتراكي، حزب المؤتمر الشعبي باغتيال أحد أعضاء الحزب الاشتراكي في صنعاء. وجاء الاتهام الجديد بعد مقاطعة الحزب الاشتراكي، نهار الإثنين 28 مارس 1994، اجتماعاً لمجلس الرئاسة اليمني في صنعاء، في ضربة جديدة للآمال في حل الأزمة، التي تعصف بالبلاد.

    ل.
    وفي 30 مارس 1994، اتهمت مصادر في وزارة الدفاع اليمنية في صنعاء، عناصر من الحزب الاشتراكي، بإبرام صفقات ضخمة لشراء أسلحة، من ضمنها أسلحة الدّمار الشامل، من دول في أوروبا الشرقية، وإبرام عقد شراء صواريخ بعيدة المدى، رغماً عن إرادة وزارة الدفاع في صنعاء، مستخدمة إيرادات النفط من حقول مسيلة في حضرموت. وأكدت أن "العقيد علي الحدي، عضو الحزب الاشتراكي، ومدير التسليح في وزارة الدفاع، موجود حالياً في دولة أوربية شرقية، لإبرام عقد لشراء صواريخ بعيدة المدى، من دون موافقة وزارة الدفاع في صنعاء".




    القسم الثاني: تطور الموقف خلال الفترة من الأول من أبريل إلى 24 أبريل 1994
    الوساطة (العمانية ـ المصرية ـ الإماراتية) "لقاء صلاله"

    عـــام:

    تميزت هذه الفترة بالهدوء النسبي، في المواجهات بين قوات الطرفين، فيما عدا استمرار الاستعدادات العسكرية للطرفين، مع استمرار تبادل التصريحات والاتهامات والانتقادات.

    وتقدمت سلطنة عُمان، وجمهورية مصر العربية، ودولة الإمارات العربية المتحدة، بمبادرات، في محاولة منهم، لإنهاء الصراع القائم بين الطرفين.

    * وتتلخص أحداث هذه الفترة في الآتي:

    1. الأول من أبريل 1994

    أ.
    اتهمت مصادر من حزب المؤتمر، الحزب الاشتراكي، بتقديمه طلباً عبر وسطاء عرب، لإرسال قوات فصل إلى اليمن، تتمركز على الحدود السابقة للشطرين، وعودة القوات الجنوبية الموجودة في الشمال، وكذا عودة القوات الشمالية الموجودة بالجنوب، إلى مواقعها السابقة قبل الوحدة.

    بذ.
    كشف الحزب الاشتراكي اليمني، عن محاولة من جانبه، لإعادة تكتل القوى في الشطر الجنوبي في البلاد، إذ أعلن عن عودة عشرة من أعضائه القياديين السابقين، الذين أبعدوا بعد أحداث (كانون الثاني) يناير العام 1986، والقياديون العشرة هم من أنصار الرئيس اليمني الجنوبي السابق، علي ناصر محمد، الذي أبعد عن السلطة بعد الصراع الدموي في 1986، على أيدي التيار المعارض في الحزب الاشتراكي، الذي تمكن من الإمساك بالسلطة بزعامة نائب الرئيس الحالي علي سالم البيض.


    2. يوم 2 أبريل 1994

    أ.
    أفادت مصادر المؤتمر الشعبي العام، أن الجسرين الجوي والبحري مستمران، لتزويد قوى الردة والانفصال في الحزب الاشتراكي في عدن، بأسلحة ومعدات وذخائر مختلفة، خصوصاً خلال الأيام الثلاثة الماضية، وقالت إن "طائرات وبواخر عدة، وصلت إلى ميناءي عدن، والمكلا، ومطاري عدن، والريان، وأفرغت كميات من الأسلحة والذخائر والمعدات".

    ب.
    تحدثت أوساط مسؤولة في عدن، عن لقاء قريب بين الرئيس اليمني علي عبدالله صالح، ونائبه علي سالم البيض ، في القاهرة. وأشارت إلى أن اللقاء سيكون حاسماً، في إنهاء الأزمة السياسية في اليمن. وأن زيارة مساعد وزير الخارجية المصري، السفير بدر همام، إلى صنعاء، وعدن، الأسبوع الماضي، حسمت مسألة لقاء الخصمين السياسيين في البلاد، إذ نقل إليهما رسالة من الرئيس المصري، بشأن لقاء الصلح بينهما.

    3.
    في 3 ـ 4 أبريل 1994، وصل الرئيس اليمني علي عبدالله صالح، ونائبه علي سالم البيض، إلى منتجع صلاله، جنوبي مسقط، بدعوة من السلطان قابوس، لعقد لقاء، هدفه تقريب وجهات النظر بينهما، والتوصل إلى حلول مناسبة، تكفل وحدة اليمن واستقراره، وذلك في إطار وساطة عمانية، لحل الأزمة السياسية، التي يعيشها اليمن، وبطلب من سلطنة عمان، والأردن، ودولة الإمارات العربية، ومصر، التي نصحت الرئيس اليمني ونائبه، بعدم الاندفاع إلى حرب أهلية، وبأن يأخذا بالوحدة الكونفدرالية أو الفيدرالية، بعدما فشلت الوحدة الاندماجية، بسبب الريبة والشك، وعدم الثقة بين الطرفين.

    وقد عقد الرئيس علي عبدالله صالح، ونائبه علي سالم البيض، اجتماعاً مغلقاً، اتسم بالحرارة على المستوى الشخصي، واتفقا على المبادئ التي يعتبرانها ضرورية لمنع أي مواجهات عسكرية، وعدم اللجوء إلى السلاح، والانزلاق إلى حرب اهلية، إلاّ أنهما لم يتمكنا من الاتفاق على صيغة بيان، يدعو إلى ما اتفقوا عليه، نظراً للاختلافات المعروفة بينهم، حيث أصر علي سالم البيض، على ضرورة انسحاب الوحدات العسكرية الشمالية، والجنوبية إلى مواقع على جانبي الحدود، حيث كانت تتمركز قبل الوحدة، بينما رفض الرئيس اليمني هذا الاقتراح، لأنه يمثل من وجهة نظره، خطوة إلى الوراء، ويضر بالمصالح الوطنية، ويهدد وحدة اليمن.

    وقد ألقى الحزب الاشتراكي باللائمة، في فشل محادثات صلاله، على حزب المؤتمر الشعبي العام، لرفضه قبول حقيقة أن الوحدة الاندماجية، لم تعد أكثر من وهم، وأنه يجب بحث أشكال أخرى، من الوحدة الفيدرالية.

    وأعلنت سلطنة عمان عن فشل لقاء المصالحة، وهددت بالانسحاب من اللجنة العسكرية. وأشار وزير الدولة العماني للشؤون الخارجية، يوسف بن علوي، أن على اليمن الاعتماد على جهودها السياسية أولاً، وأن يقدر قادتها الظروف الصعبة الحالية، ومستوى المسؤولية، وحجم المآسي فيما لو تطورت الأزمة، إلى ما هو في غير مصلحة اليمن، وأن اللقاء أحدث، على الأقل، انفراجاً على المستوى الشخصي. أما الانفراج على المستوى الحزبي، فيحتاج إلى وقت.

    4.
    في 5 أبريل 1994، اجتمع مجلس الوزراء اليمني في مدينة تعز، استجابة لطلب نائب الرئيس اليمني علي سالم البيض، بأن تكون تعز مقراً مؤقتاً للحكومة.

    5.
    في مساء 6 أبريل 1994، انفجر الموقف عسكرياً، في محافظة ذمار، بين قوات معسكر بأصهيب الجنوبية، وقوات شمالية، حيث حدث اشتباك بمختلف أنواع الأسلحة. وأصابت نيران الأسلحة الثقيلة المدينة، والجبال المحيطة بها، ومقر المحافظة. وصرح الحزب الاشتراكي، أن قوات الحرس الجمهوري أحكمت حصارها على معسكر بأصهيب، وأمطرته بوابل من قذائف المدفعية الثقيلة، مما ينذر بكارثة حرب أهلية مدمرة في البلاد.

    وأعلن الحزب الاشتراكي في محافظة تعز، عن مقتل أحمد خالد سيف، أحد كوادره القيادية في المحافظة، وذلك ظهر يوم 4 أبريل 1994. وأكد المصدر، أن الاغتيال يندرج في إطار مسلسل الإرهاب، الذي يستهدف قيادة الحزب وكوادره وأعضائه.

    6.
    وفي إطار التحركات السياسية، أعلن في جدة، أن خادم الحرمين الشريفين، جلالة الملك فهد بن عبد العزيز، استقبل مساء الثلاثاء 5 أبريل 1994، في قصر السلام، السيد سالم صالح محمد، الأمين العام المساعد للحزب الاشتراكي، والدكتور عبدالعزيز الدالي، عضو المكتب السياسي للحزب. وفي يوم 7 أبريل 1994، وصل إلى دمشق الأمين المساعد للحزب الاشتراكي، سالم صالح محمد، لإطلاع الرئيس حافظ الأسد على تطورات الأزمة. ومن ناحية أخرى وصل إلى طهران، وزير الخارجية اليمني سالم باسندره، حاملاً رسالة من الرئيس اليمني علي عبدالله صالح، إلى نظيره الإيراني.

    وفي الوقت نفسه، وصل إلى المغرب مبعوثاً للرئيس اليمني، حاملاً رسالة إلى عاهل المغرب، الملك الحسن الثاني، تتعلق بالأزمة.

    7.
    وفي 10 أبريل 1994، زار وفد مشترك، مصري ـ إماراتي، كلاً من صنعاء وعدن، حاملاً مبادرة مشتركة من الرئيس المصري، محمد حسني مبارك، ورئيس دولة الإمارات العربية المتحدة، الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، تتعلق بإقامة فيدرالية، كبديل للوحدة الاندماجية، إلا أن حزب المؤتمر الشعبي العام في صنعاء، أكد على تمسكه بالوحدة.

    8.
    في 11 أبريل 1994، نشرت صحيفة "السفير" اللبنانية، تحليلاً حول الوساطة المصرية ـ الإماراتية، عبّرت فيه عن التشاؤم، الذي غلب على الدوائر العربية تجاه الوساطة المصرية ـ الإماراتية، وتوقعت فشل الوساطة، لأن المشكلة الأساسية تكمن في الصراع على السلطة، وليس في تنفيذ وثيقة العهد والاتفاق.

    9.
    في 14 أبريل 1994، كرر سالم صالح محمد، أمين مساعد الحزب الاشتراكي، الدعوة إلى تطبيق نظام فيدرالي كحل للأزمة، وعَدَّها النموذج الأمثل، الذي يكفل حقوق كل الأفراد، ونفى أن تكون الفيدرالية خطوة على طريق الانفصال.

    10.
    في 16 أبريل 1994، طلبت الأردن وسلطنة عُمان، من أطراف النزاع اليمني، انسحابهما من اللجنة العسكرية، المنوط بها مراقبة، تنفيذ وثيقة العهد والاتفاق.

    11.
    في 25 أبريل 1994، استقبل الشيخ عبدالله الأحمر، رئيس مجلس النواب اليمني، السفير بدر همام مبعوث الرئيس محمد حسني مبارك، وعطار هارون، سفير مصر لدى صنعاء، وتم خلال اللقاء بحث كيفية تسوية الأزمة السياسية، التي تمر بها اليمن.

    12.
    وفي إطار الاستعدادات العسكرية:

    أ.
    في 14 أبريل 1994، صرح وزير الداخلية، يحيى المتوكل، أن في البلاد خمسين مليون بندقية، بمعدل حوالي 4 بنادق لكل مواطن، وأنه يستحيل بالموارد المحدودة المتاحة للأجهزة الأمنية، مواجهة هؤلاء المسلحين، وأبدى أسفه لأن القانون لا يحظر حمل السلاح، بل يسمح بنقله، وحيازته، والتعامل به، ويجعله كالماء والهواء متاحاً للجميع.

    ب.
    في 21 أبريل 1994، اتهم الحزب الاشتراكي، الشّماليين، بتحريك دبابات وأسلحة إلى قوات شمالية، ترابط في الجنوب، وفي المقابل اتهم حزب المؤتمر الشعبي العام، الجنوبيين، بإرسال قوات من اللواء العشرين الجنوبي، لقطع الإمدادات عن قوات العمالقة، المتمركزة في جنوب اليمن، مما أدى إلى استخدام طائرات عمودية شمالية، في نقل الإمدادات الغذائية والأدوية، إلى القوات المتمركزة في محافظة أبين الجنوبية.

    جـ.
    يوم 24 أبريل 1994

    (1)
    بحث الرئيس المصري، محمد حسني مبارك، خلال زيارته، لأبو ظبي، مع رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة، الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، عقد قمة رباعية في القاهرة، تضمهما إلى الرئيس اليمني علي عبدالله صالح، ونائبه علي سالم البيض. ويأتي اقتراح هذه القمة، في إطار الوساطة المشتركة، التي تقوم بها مصر والإمارات، لحل الأزمة. وأوضح وزير الخارجية المصري، عمرو موسى، أن مثل هذه القمة "تتطلب إعداداً لضمان نجاحها".

    (2)
    اخفقت الحكومة اليمنية، في إقرار سبل إعادة نشر الوحدات العسكرية المتنازعة. وقد عقدت اجتماعاً قصيراً، في غياب رئيسها حيدر أبو بكر العطاس، لمناقشة خطة لإعادة نشر وحدات الجيش، في مواقع بعيدة عن مناطق الحدود السابقة، بين الشطرين. وأضافت المصادر السياسية، أن الحكومة ستجتمع مرة أخرى في الثاني من (آيار) مايو المقبل. وقالت المصادر إن وزير الدفاع هيثم قاسم طاهر (جنوبي)، لم يحضر اجتماع الحكومة، الذي عقد في صنعاء، حيث رفض علي سالم البيض، عودة العميد هيثم قاسم طاهر وزير الدفاع، وسالم صالح محمد، الأمين العام المساعد للحزب الاشتراكي، والسيد حيدر العطاس، رئيس الوزراء، إلى صنعاء.




    الفصل الثالث
    مسرح العمليات، وأوضاع القوات، وإستراتيجيات الطرفين
    القسم الأول: جغرافية مسرح العمليات البري.
    1. عام:

    أ. الموقع والحدود:

    تقع اليمن في جنوب شبه الجزيرةالعربية، بين خطي عرض 12 ـ 20ْ شمالاً، وبين خطي طول 41 ـ 54ْ شرقاً، ويحدها من الشمال المملكة العربية السعودية، ومن الجنوب البحر العربي وخليج عدن، ومن الشرق سلطنة عُمان، وومن الغرب البحر الأحمر. ويقع في الجنوب الغربي لليمن، مضيق باب المندب، الذي تقسمه جزيرة ميون اليمنية إلى قسمين، وتتحكم في مداخله، ويوجد في البحر الأحمر أكثر من 112 جزيرة يمنية، أكبرها جزيرة سقطرى، وكمران، وحنيش الكبرى والصغرى، وزقرو، الزبير، والطير.

    ب. المسرح اليمني:

    يعد مسرح العمليات في اليمن من المسارح الجبلية الصحراوية الوعرة، والتي تحد من حرية التحرك والمناورة، إلاّ عبر الطرق، والمناطق المفتوحة.

    جـ. المناخ:

    يقع اليمن بين خط الاستواء، ومدار السرطان، ويتميز هذا الموقع بارتفاع الحرارة صيفاً، وانخفاضها شتاء، وتتعرض بعض مناطقها للرياح الموسمية. ويؤدي ارتفاع المناطق الجبلية عن مستوى سطح البحر إلى انخفاض درجة الحرارة، وترتفع درجات الحرارة طوال أيام السُّنة، في المناطق السهلية المنخفضة، والقريبة من البحر.

    2. يقّسم المسرح اليمني طبوغرافياً، إلى ثلاث قطاعات رئيسية، هي:

    السّهل السّاحلي، والهضبة الوسطى، والهضبة الشرقية.
    أ. السّهل الساحلي:

    (1)
    يسمى سهل تهامة، أو السهل الغربي، ويطل على البحر الأحمر، وخليج عدن، والبحر العربي، وهو شريط متصل، يمتد من الحدود اليمنية ـ السعودية شمالاً، حتى باب المندب جنوباً، ثم في اتجاه الشرق والشمال الشرقي، حتى الحدود العُمانية. ويبلغ طوله حوالي 2000 كم.

    (2)
    ويقع السهل الساحلي بين ساحل البحر، حتى الحافة الغربية للمرتفعات الساحلية "أول أجزاء الهضبة الوسطى"، بعرض يراوح بين 30 إلى 60 كم.

    (3)
    يراوح إرتفاعه، من صفر عند الساحل، ثم يتدرج في الارتفاع، حتى يصل إلى حوالي 200 متر، عند الحافة الغريبة للمرتفعات الساحلية.

    (4)
    وتتميز أراضيه بالاستواء في بعض المناطق، والتموج في مناطق أخرى، ويكثر فيها الكثبان الرملية المتحركة قرب الساحل، ويقطعها عدد من الأودية، تجري فيها مياه السيول المنحدرة من المرتفعات الساحلية، ويتميز سطح الأودية، والمناطق التي حولها، بالتربة الطينية الرملية الخصبة، الصالحة للزراعة.

    (5)
    ويعد السّهل السّاحلي صالحاً لتحرك وفتح القوات بصفة عامة، باستثناء مناطق السبخات، والغرود الرملية. كما يعتبر من المناطق الملائمة لأعمال القوات الجوية، ضد الهداف الأرضية، وتحد درجة الحرارة والرطوبة، في فصل الصيف، من قدرة الأفراد وطاقمهم على العمل.

    (6)
    وأهم مدن السّهل السّاحلي:

    ميدى، الحديده، زبيد، بيت الفقيه، المخا، ذباب، الشعب، عدن، زنجبار، شقره، المكلا، ريان، سيحوت، القشن، الغيضه.


    ب. الهضبة الوسطى:

    (1)
    تقع في الجزء الأوسط من اليمن، بين السّهل السّاحلي والهضبة الشرقية، وتمتد من دمان الضالع ـ جبل صابر جنوباً، حتى الحدود الشمالية للبلاد، وتمتد أكثر في اتجاه الربع الخالي. وتقسم إلى ثلاث مناطق مختلفة لكل منها سماتها الخاصة، هي:

    (أ)
    المرتفعات الساحلية:

    تقع بين السّهل السّاحلي والمرتفعات العليا المركزية، وهي سلاسل جبلية، يراوح ارتفاعها بين 200 و1500 متر فوق مستوى سطح البحر، وتتسم هذه المرتفعات بالتضاريس الوعرة، التي تقطعها أودية عميقة، تجري في ممرات ضيقة، لها انحدارات حادة. ويتجه أغلب هذه الأودية غرباً نحو السّهل السّاحلي، بينما تتجه الأودية الواقعة أقصى جنوب هذه المرتفعات، إلى خليج عدن.

    (ب)
    المرتفعات العليا المركزية:

    تقع في وسط اليمن، بين المرتفعات السّاحلية والهضبة الشّرقية، وتمتد من الحدود السعودية شمالاً، حتىأب، وتعز جنوباً، ويراوح ارتفاعها بين 1500 و3000 متر فوق مستوى سطح البحر، إلا أنه يوجد بعض القمم الأكثر ارتفاعاً، بين آب وصنعاء، يصل ارتفاع بعضها إلى 3700 متر.

    ويتسم الجزء الغربي من هذه المرتفعات بوعورة تضاريسه، ويقع وسط هذه المرتفعات عدد من الأحواض الجبلية (يطلق عليها اسم القيعان أو الحقول)،تمتد على طول الطريق الطولي، الواصل بين تعز في الجنوب وصعدة في الشمال، وهي سهول زراعية، تعد مراكز للاستيطان.

    وأهم المدن، من الجنوب إلى الشمال: الراهدة، الضالع، تعز، آب، بريم، زمار، معبر، صنعاء، عمران، رايده، سفيان، خمر، حوث، الحرف، صعده.

    (ج)
    المرتفعات الجنوبية:

    تشمل المرتفعات الجنوبية من الهضبة الوسطى، وتمتد من أب في اتجاه الشرق، حتى السّهل السّاحلي، شمال خليج عدن وبحر العرب، ويصل ارتفاعها بين 1000 و 2000 متر، ومعظمها هضاب تتدرج في الانخفاض في اتجاه الشرق والشمال، ويخترقها عدد من الأودية، أهمها وادي حضرموت، الذي يسير بموازاة الساحل، ويتسع في الأجزاء العليا، والوسطى، ويضيق عند اتصاله بالبحر، ويصل عرضه حوالي 200 كم في الجزء الشرقي، ويمتد إلى اتجاه الشرق، ثم يتجه إلى الجنوب، حتى يصل إلى السّهل السّاحلي، عند سيحوت، ومنطقة الوادي صالحة للزراعة، كما أنها تصلح لفتح وتحرك القوات. وتحيط منطقة المرتفعات بمدينة عدن، ثم تتجه إلى صحراء الربع الخالي.


    (2)
    تأثير طبوغرافية الهضبة الوسطى على الأعمال العسكرية:

    (أ)
    تحد وعورة السلسة الجبلية، من قدرة القوات البرية على التحرك والمناورة والفتح، ولا تزيد السعة التكتيكية في تلك المناطق، عن كتيبة مشاة. وتصلح لأعمال قتال المشاة والقوات الخاصة، كما يصعب فيها استخدام المدرعات، وإلى حدما، أعمال القتال الجوي.

    (ب)
    تعد القيعان والسهول المنتشرة، في الهضبة، صالحة لتجمع القوات وفتحها وتحركها، كما تصلح للإبرار الجوي.

    (ج)
    تعد المرتفعات والمناطق الوعرة في الهضبة، من أنسب المناطق لحرب العصابات، وأعمال الكمائن، وقطع الطرق.

    (د)
    من المناطق ذات الأهمية الإستراتيجية، منطقة مكيراس، وهي أول بلدة جنوبية، بعد الحدود السابقة لشطري اليمن، وتبعد 15 كم جنوب شرقي مدينة البيضاء الشمالية، ويمتد منها طريق بطول 170 كم، إلى مدينة زنجبار الساحلية بمحافظة أبين "55 كم شرق عدن".

    وتطل منطقة مكيراس، بجبالها الشاهقة "2000 متر عن سطح البحر"، على محافظة أبين الجنوبية، وترتبط بمنطقة يافع. والقوات المسيطرة على هذه المنطقة، يسهل عليها السيطرة على محافظة شبوه شمالاً، ومحافظة أبين جنوباً، ومحافظة حضرموت شرقاً.



    جـ. الهضبة الشرقية:

    (1)
    تمتد من الحافة الشرقية للهضبة الوسطى، حتى الحدود الشمالية الشرقية للجمهورية اليمنية، ويبلغ أقصى ارتفاع 1000 متر، وتنحدر تدريجياً في اتجاه الشمال، وفي اتجاه الشرق، وتلتقي في نهاية امتدادها الشرقي، بالمناطق القريبة لصحراء الرّبع الخالي، ويشغل حوض الجوف الجزء الأوسط من الهضبة. وتتسم بقلة أمطارها، وارتفاع درجة حرارتها، وجفافها، وقلة مواردها الزراعية، عدا بعض المناطق المنتشرة في الأودية، ويتخلل مناطق الربع الخالي بعض النباتات البرية، وتشكل تجمعات الوديان الموسمية، واحات واسعة صالحة للرعي، ومازال البدو الرحل، يسكنونها.

    (2)
    وأهم مدنها: شحن، سناو، أرمه، تمود، منوخ، زمخ، العبر، صافر، مأرب، الحزم، المطمه، خب.

    (3)
    تأثير طبوغرافية الهضبة الشرقية على الأعمال العسكرية:

    (أ)
    تكثر بهذه الهضبة المناطق المفتوحة والممتدة، ولذا فهي تصلح لتحرك وفتح ومناورة القوات البرية، وتناسب استخدام المدرعات، ولكنها تحتاج إلى جهد إداري أكبر، لتزويد القوات باحتياجاتها.

    (ب)
    تعد من أنسب المناطق لأعمال القتال الجوي.



    3. مجموعة الجزر اليمنية:

    تنتشر في المياه الإقليمية في البحر الأحمر، والبحر العربي، ولها مناخها وطقسها وبيئتها الخاصة، ولها تضاريسها وتكويناتها الطبيعية، وهي متقاربة من بعضها.

    4. أهم الأودية والطرق والقواعد الجوية والمواني في جمهورية اليمن:

    أ. أهم الأودية:

    (1) منها ما يصب في البحر الأحمر:

    وادي مور ـ وادي زبيد ـ وادي سهام ـ وادي سُرْدُدْ ـ وادي حرض ـ وادي رمع.

    (2) وما يصب في خليج عدن وبحر العرب:

    وادي بنا ـ وادي ميتم ـ وادي ورزان ـ وادي حضرموت ـ وادي الجزع ـ وادي المسيله.

    (3) ما يصب في الربع الخالي: وادي أذنه ـ وادي الخارد.

    ب. الطرق:

    فرضت طبوغرافية المسرح البري، اتجاهات التحرك ومحاوره، التي تربط المسرح بدول الجوار، ومناطق المسرح بعضها بعضاً. ويشمل مسرح العمليات شبكة من الطرق الطولية والعرضية، أهمها:

    (1) المحاور الطولية:

    (أ) المحور الساحلي:

    ويمتد من جيزان داخل المملكة العربية السعودية، باتجاه الجنوب، ماراً بميدى ـ الحديده، زبيد حتى مفرق المخا، ذباب، ثم يتجه شرقاً إلى عدن ـ زنجبار ـ شقرة ـ عرقه ـ المكلا ـ الريان ـ قصيعر، سيحوت ـ القشن ـ الغيضة حتى صلاله بسلطنة عُمان.

    (ب) المحور الأوسط "المركزي":

    يمتد من نجران، داخل المملكة العربية السعودية، إلى صعده ـ الحرف ـ رايده ـ عمران ـ صنعاء ـ ويتجه جنوباً ماراً بـ معبر وذمار، ثم يتفرع شرقاً إلى رداع ـ اليبضا ـ مكيراس ـ لودر ـ موديه ـ المحفد، أو جنوباً في اتجاه بريم ـ أب ـ تعز ـ الراهده ـ العند ـ وينتهي بمدينة عدن.

    ويمثل هذا المحور، طريق الاقتراب الرئيسي من المملكة العربية السعودية، إلى داخل اليمن، ويمر بأهم المدن والهيئات الحاكمة التي تسيطر على شرقي البلاد وغربها، وتتصل به الطرق العرضية، التي تربطه بكل من المحور الساحلي والمحور الشرقي.

    (جـ) المحور الشرقي:

    يمتد من وادي نجران، بالمملكة العربية السعودية، إلى شرق وادي خب ـ فالجوف الأسفل، ومنه إلى الحزم ومأرب وحريب، فبيحان، ثم يتفرع شرقاً إلى نصاب ثم عتق، أو جنوباً إلى البيضاء ـ مكيراس ـ لودر، ومنها يتفرع إلى عتق ـ شبوه شمالاً، ثم شيبام ـ سيئون، أو أبين وزنجبار جنوباً.

    (2) أهم المحاور العرضية:

    (أ) طريق ميدى ـ حرض ـ صعده.
    (ب) طريق صليف ـ الطور ـ حجه ـ عمران.
    (ج) طريق الحديده ـ صنعاء.
    (د) طريق رايده ـ الحرف ـ الحميدات ـ المطمه ـ الحزم.
    (هـ) طريق صنعاء ـ جيحانه ـ رأس العرقوب ـ صرواح ـ مأرب.
    (و) طريق صنعاء ـ نهم ـ مأرب.
    (ز) طريق زبيد ـ ذمار.
    (ح) طريق المخا ـ تعز.
    (ط) طريق ذمار ـ رداع ـ السوادية ـ البيضاء.
    (ي) طريق عدن ـ لحج ـ المسيمر ـ الضالع ـ قعطبة.
    (ك) طريق مكيراس ـ الحبيلين.
    (ل) طريق المكلا ـ قطن ـ شبام ـ سيئون ـ تريم.

    (3) أهم المطارات والقواعد الجوية:

    مطار صنعاء، مطار الروضة، مطار تعز، مطار الحديدة، مطار صعده، مطار الحزم، مطار مأرب، مطارعدن، مطار العند، مطار الريان في حضرموت، مطار القشن، ومطار الغيطه في محافظة المهره شرق المكلا، مطار عتق بمحافظة شبوه، ومطار مكيراس.

    (4) أهم الموانئ:

    الحديدة ـ المخا ـ عدن ـ المكلا ـ قاعدة جزيرة بريم.



    القسم الثاني: الموقف الإستراتيجي للقوات المتصارعة:
    على الرغم من قيام الوحدة، بين شطري اليمن، في مايو 1990، فإن كلا شطرٍ ظل محتفظاً بقدراته العسكرية المستقلة، بالصورة نفسها التي كانت عليها قبل التوحيد، واقتصرت عملية دمج المؤسستين العسكريتين، الشمالية والجنوبية، على الأجهزة، والإدارت القيادية، في وزارة الدفاع، وتبادل أعداد من الألوية، والوحدات، فيما بين الشطرين. والواقع، أن الموقف الإستراتيجي لقوات كلا الشطرين، ارتبط في الدرجة الأولى، بالتجارب، والخبرات العديدة، التي مر بها كل منهما، منذ نشأته في العقد الثاني، من القرن العشرين، مما ترك اختلافات واضحة، فيما بينهما، على كافة الأصعدة، المتعلقة بالتسليح، والتنظيم، والعقيدة القتالية. ثم جاءت ظروف إعلان الوحدة، بمثابة عامل حاسم، في تعديل انتشار القوات، فيما بين الشطرين، الأمر الذي كان له دور بالغ الأهمية فيما بعد، في إدارة دفة الصراع المسلح، وتوجيهه، عقب انفجار الموقف العسكري.

    1.التوازن العسكري:

    من البديهي، أن التوازن العسكري، القائم بين الأطراف المتورطة في الصراع المسلح، يلعب دوراً بالغ الأهمية في توجيه مسار هذا الصراع، وتحديد الناتج النهائي له. والمقصود بالتوازن العسكري هنا، هو كافة العناصر الكمية، والنوعية، المكونة للقوات المسلحة الخاصة بطرفي الصراع، والمتعلقة بالتعداد العام للقوات المسلحة، وإجمالي الأسلحة، والمعدات المملوكة لديهما، والعقيدة القتالية المتبناة، والكفاءة القتالية للقوات، والأسلحة، والمعدات، وعناصر القوى الشاملة، للطرفين، والمؤثرة على قدرة الطرفين، على شن الحرب، ومواصلتها. وفي الحالة اليمنية، لعبت الاعتبارات المتعلقة بالقدرات التسليحية المتاحة للطرفين المتصارعين، والعقائد القتالية المعمول بها، في القوات المسلحة التابعة لهما، دوراً بالغ الأهمية، في توجيه كافة تطورات الصراع المسلح.

    ومن حيث المقارنة العددية، بين القدرات العسكرية، لكل من الشمال والجنوب، كان هناك تبادل طفيف للمزايا العسكرية النسبية، وإن كانت معادلة التوازن العسكري، تحسب إجمالياً في مصلحة الجانب الشمالي، لا سيما، من حيث استفادته كثيراً، من الكثافة السكانية العالية، التي يتمتع بها، في مواجهة الجنوب. فالتعداد العام للسكان في شمال اليمن في فترة الصراع، كان حوالي 12 مليون نسمة، في مقابل 2.5 مليون نسمة في الجنوب. وانعكس ذلك في صورة تفوق عددي للقوات الشمالية النظامية، من الناحية العددية، على القوات الجنوبية، بما يزيد على الربع تقريباً، خاصة أن القوات الشمالية، كانت تضم في صفوفها، أيضاً، ما لا يقل عن 10 آلاف مقاتل جنوبي، كانوا قد رحلوا إلى الشمال، برفقة الرئيس الأسبق، علي ناصر محمد، عقب الحرب الأهلية، في اليمن الجنوبي، عام 1986، شارك الكثير منهم، بالفعل، في العمليات الأخيرة، ضد القوات الجنوبية، علاوة على أن الشمال، كان يتفوق على الجنوب، في العديد من مجالات التسلح الأخرى.

    ويتضح بعد مقارنة بين قوات الطرفين، الأتي:

    أ. في الحجم الإجمالي للقوات البرية.
    ضمت القوات الشمالية، حوالي 38500 فرد، بينما ضمت قوات الجنوب، حوالي 27500 فرد، طبقاً للتقديرات المتاحة، قبل اندلاع القتال بين الجانبين، وقد استندت القوات الشمالية، على احتياطي إستراتيجي، يقدر بحوالي 100 ألف فرد، في مقابل احتياطي إستراتيجي، للقوات الجنوبية، يقتصر على حوالي 40 ألف فرد. يُضاف إلى ذلك، أن كلا الجانبين اعتمد على ميليشيات غير نظامية وقبلية. فقد اعتمدت القيادة الشمالية، اعتماداً كبيراً، على الميليشيات التابعة لحزب التجمع اليمني للإصلاح، بزعامة الشيخ عبدالله بن حسين الأحمر، والذي كان حليفاً حيوياً ووحيداً لحزب المؤتمر الشعبي العام، الذي يتزعمه الرئيس علي عبدالله صالح، حيث قدم حزب التجمع، عدة آلاف من الميليشيات المقاتلة التابعة له، واشتركوا، فيما بعد، بصفة خاصة، في القتال الدائر على محوري لحج وشبوة. وبالمثل، اعتمدت القيادة الجنوبية، اعتماداً كبيراً على ولاء قبائل محافظة حضرموت، التي ينتمي إليها كل من علي سالم البيض، وحيدر أبو بكر العطاس. كما اعتمدت أيضاً، على ولاء قبائل شبوة، المعروفة باسم قبائل التعمير.

    ب. في تنظيم القوات.
    اتسم الهيكل التنظيمي، للقوات الشمالية، بدرجة أعلى من الديناميكية والتنوع، نبعا في الأساس، من الطبيعة النظامية التقليدية، التي ميزت المؤسسة العسكرية الشمالية، منذ ثورة 1962. ويعد تنظيم اللواء والكتيبة، بمثابة النمط الأكثر شيوعاً، في التشكيل العسكري الشمالي، فعلى الرغم من أن القوات الشمالية، كانت تضم بين صفوفها، ثلاث فرق مدرعة كاملة، إلاّ أن تلك الفرق، اتخذت صورة الألوية، علاوة على أن الحجم الأكبر من وحدات الجيش كان في صورة ألوية، وبلغ إجمالي عددها، حوالي 21 لواء، تنوعت في تخصصاتها القتالية، ما بين الدبابات، والمشاة الآلي، والمشاة، والمدفعية، فضلاً عن كتيبتي دفاع جوي مستقلتين.

    أما فيما يتعلق بالقوات الجنوبية فقد كان التنظيم، قريباً إلى تنظيم القوات الشمالية، لا سيما في نمط اللواء والكتيبة، إلاّ أنه لم يكن يماثله في التنوع والديناميكية، فقد ضمت القوات الجنوبية، فرقة مدرعة واحدة، في شكل ألوية، جنباً إلى جنب مع حوالي 15 لواء متنوعاً ما بين الدبابات، والمشاة، والمشاة الآلي، والمدفعية، إضافة إلى لواء صواريخ أرض ـ أرض، و10 كتائب مدفعية ميدان.

    جـ. في أعداد الأسلحة ومعدات القتال الرئيسية.
    (1) القوات البرية:

    تبادل الجانبان، الشمالي والجنوبي، نقاط القوة والضعف، في هذا المجال، حيث تفوق الشماليون تفوقاً ملحوظاً في أعداد معظم الأسلحة، والمعدات البرية، بينما تفوق الجنوبيون، في مجال القدرات الجوية والبحرية. ففي أسلحة القوات البرية امتلك الشماليون، في بداية القتال، 715 دبابة قتال، كان أغلبها سوفيتياً، من أنواع ت -34 (T-34)، وت-55 (T-55)، وت-62 (T-62)، وكان منها، حوالي 50 دبابة فقط من طراز م-60 (M-60) الأمريكية، إضافة إلى 440 عربة مدرعة، وحوالي 432 قطعة مدفعية، وعدد 12 منصة إطلاق صواريخ، أرض ـ أرض، و65 راجمة صواريخ. وفي المقابل، امتلك الجنوبيون، حوالي 480 دبابة قتال، تنتمي إلى أنواع سوفيتية قديمة، 500 عربة مدرعة، وحوالي 350 قطعة مدفعية، علاوة على عدد 6 منصات إطلاق صواريخ، أرض ـ أرض، من طراز سكود (SCUD-B)، وفروج (FROG) السوفيتية، و60 راجمة صواريخ.

    (2) القوات الجوية:

    امتلك الجنوبيون، تفوقاً نسبياً واضحاً، فعلى الرغم من أن القدرات الجوية للطرفين، كانت متقاربة إلى حد كبير في طبيعة أنواع الطائرات القتالية ذاتها، التي كانت تتمثل في أنواع مختلفة من طائرات السوخوي ـ 20 (SU-20)، والميج ـ17 (MIG-17)، والميج ـ 21(MIG -21)، إلاّ أن الجنوب، كان يمتلك تفوقاً عددياً، في إجمالي عدد الطائرات، التي بلغت حوالي 92 طائرة قتالية، في مقابل 71 طائرة قتالية للقوات الشمالية. كما كان الجنوب يتفوق على الشمال، في القدرة على توفير وقود الطائرات، من خلال مصفاة عدن، بينما كان الشماليون يواجهون عجزاً في توفير الوقود لطائراتهم، الأمر، الذي كان يمنعهم من استخدامها، في العمليات العسكرية، في الكثير من الأحيان. ومن ناحية أخرى، كان هناك تقارب في إجمالي ما لدى الجانبين، من طائرات عمودية قتالية، إذ امتلك الجنوبيون، 48 طائرة عمودية (ما بين أنواع هجومية، وأخرى متعددة المهام)، في حين امتلك الشماليون 40 طائرة عمودية متعددة المهام. كما تقاربا أيضاً في النواحي العددية، والنوعية، لطائرات النقل العسكري (9 طائرات نقل للشماليين، في مقابل 12 طائرة للجنوبيين).

    (3) القوات البحرية:

    امتلك الجنوبيون، تفوقاً عددياً ملموساً، حيث كان لديهم حوالي 17 قطعة بحرية، ما بين زوارق دورية ساحلية قتالية، وزوارق صاروخية، وناقلات جنود برمائية، موزعة على ثلاث قواعد بحرية، هي: قاعدة عدن، قاعدة جزيرة بريم، في باب المندب، وقاعدة المكلا، في حضرموت، وفي المقابل، امتلك الشماليون حوالي 13 قطعة بحرية، ما بين زوارق دورية ساحلية، وناقلات برمائية، وزوارق كاسحة للألغام، تعمل أساساً، في قاعدة الحديدة البحرية.

    2.العقائد القتالية:

    أ.
    من الواضح أن العقائد القتالية المعمول بها في القوات المسلحة التابعة، لكل من الشمال والجنوب، لم تكن منبثقة عن مؤثرات عقائدية واضحة، كما لم يكن أي منهما، ينتمي بصورة كاملة، إلى أي من المدارس العسكرية الكبرى في العالم، وإنما كانت العقيدة القتالية لكل منهما، وليدة للمتغيرات والظروف التي مرت بها كل دولة.

    ب.
    العقيدة القتالية للقوات المسلحة الشمالية:
    تعتمد إلى حد كبير، على الدروس والمؤثرات، المستقاة من العسكرية المصرية، والعسكرية السوفيتية، حيث تطورت المؤسسة العسكرية اليمنية الشمالية، تطوراً حقيقياً عقب ثورة سبتمبر 1962، وما تلاها، من مساعدة مصر النظام الثوري، على تطوير قواته، في كافة المجالات "التسليح ـ التنظيم ـ التدريب". وجرى خلال تلك الفترة، الاعتماد على التسليح السّوفيتي، والتنظيم العسكري الشرقي، ثم جرت خلال السبعينيات، والثمانينيات، عملية مزاوجة، بين التسليح الشرقي والغربي عقب انفتاح اليمن الشمالي على المعسكر الغربي. وأدى ذلك، إلى تحديث شامل، للجيش الشمالي، وإعادة بنائه بصورة كاملة. ومن ثم/ذ، فإن القوات المسلحة الشمالية، لم تتبنَ عقيدة قتالية معينة، وإن كانت قد تبنت تنظيماً، تقليدياً، على الرغم من أن دورها ومهامها، ظلت تقتصر دوماً على الدفاع عن الدولة، ضد أعدائها في الداخل. علاوة على أن القوات المسلحة، في الشمال، لم تكن منخرطة تماماً، في حلبة التفاعلات السياسية.

    جـ.
    العقيدة القتالية للقوات المسلحة الجنوبية:
    إن تطور التسليح، والتنظيم، والعقيدة القتالية، للقوات الجنوبية، سار في اتجاهات مختلفة تماماً، حيث كانت النواة الأصلية لهذه القوات تتمثل في الميليشيات الشعبية الثورية، التي تشكلت في الخمسينات، لمقاومة الاستعمار البريطاني. وارتكزت هذه الميليشيات، من الناحية التنظيمية، والقتالية، على نموذج جيفارا. وقد ظلت هذه الميليشيات قائمة بعد الاستقلال، وإن كان وجودها لم يمنع من بناء جيش نظامي، في إطار عملية بناء الدولة، واعتمدت عملية البناء على دول المعسكر الشرقي، (الاتحاد السوفيتي السابق، وألمانيا الشرقية، وكوبا، والصين، وكوريا الشمالية)، وفي أوائل الثمانينيات، شهدت القوات المسلحة الجنوبية، بداية انفتاح نسبي محدود، على التكنولوجيا العسكرية الغربية.

    وخلافاً للوضع في شمال اليمن، فإن المؤسسة العسكرية، في اليمن الجنوبي، كانت مندمجة بصورة كاملة، في التنظيم السياسي الحاكم، (الجبهة القومية، ثم الحزب الاشتراكي)، حيث كان انتماء أعضاء المؤسسة العسكرية إلى التنظيم السياسي، يعبر عن ارتباط عضوي ووثيق على المستويين الفكري والتنظيمي. ومن ثم، فإن مجمل هذه التجارب، والخبرات، أدت إلى تركيز القوات الجنوبية، على اكتساب مهارات الحرب الثورية، وحرب العصابات. وساعدها في ذلك، الطبيعة الوعرة، لأراضي جنوب اليمن.


    3.أوضاع انتشار القوات في مسرح العمليات:

    أ.
    كانت أوضاع انتشار القوات الشمالية والجنوبية، وقت انفجار الصراع المسلح، معقدة ومتداخلة، بدرجة كبيرة، حيث كانت القيادة الجنوبية، تحتفظ بحوالي ثلاثة ألوية مقاتلة، في الشطر الشمالي، بينما كانت القيادة الشمالية تحتفظ بعدد مماثل تقريباً، في الجنوب، وذلك في إطار عملية تبادل الوحدات، بين الشطرين.

    ب.
    ومن ثم، فعندما اندلع الصراع المسلح في 14 مايو 1994، كان كل طرف، يحتفظ بعدد من الوحدات، في الشطر التابع للطرف الآخر. فقد احتفظت القيادة الشمالية، ببعض من أفضل وحداتها المقاتلة، في الشطر الجنوبي، أو بالقرب منه، وانتشرت تلك الوحدات في محافظات لحج، وأبين، ومأرب، وتمركزت هذه الوحدات في مناطق، تجعل طرق إمدادها مفتوحة وسهلة، وقريبة من بعضها بالشكل، الذي يسهل لها التعاون فيما بينها.

    جـ.
    وكانت أوضاع تمركز وحدات القوات الشمالية كالآتي:

    (1)
    اللواء الثاني المدرع، بمعسكر الكبس، في مدينة ردفان، بمحافظة لحج.

    (2)
    اللواء العشرون، بمنطقة ميكراس، في محافظة شبوه.

    (3)
    قوات العمالقة المكونة من أربعة ألوية، في محافظة أبين.

    (4)
    قوات مظلات في محافظة مأرب.

    (5)
    إضافة إلى عدد من وحدات الشرطة العسكرية، والحرس الجمهوري، والأمن المركزي، في مدينة عدن.



    د.
    وفي هذا السياق نفسه، نُشِرَتْ أفضل القوات الضاربة الجنوبية، في الشطر الشمالي، وتمركزت في مناطق جبلية يصعب الوصول إليها وإمدادها بالمؤن والذخائر، وعندما اندلعت الحرب حوصرت في الشمال وجرى تدميرها، دون أن تستطيع تحقيق اتصال، أو الحصول على الإمدادات.

    وكانت أوضاع تمركز وحدات القوات الجنوبية كالآتي:

    (1)
    اللواء الثالث المدرع، في معسكر عمران، شمالي صنعاء.

    (2)
    لواء بأصهيب المدرع، في مدينة زمار جنوبي صنعاء.

    (3)
    اللواء الخامس مظلات، في معسكر حرف سيفان، التابع لمنطقة قبائل أرحب في محافظة صنعاء. كما كان يوجد وحدات مشاة خفيفة في منطقة العرقوب.


    هـ.
    شكلت عملية تبادل الوحدات، تهديداً للاستقرار، في ظروف الاضطراب السياسي، التي سبقت انفجار الصراع المسلح، ووقعت بسببها اشتباكات عنيفة نسبياً في تلك الظروف. وباتت تلك القوات ، محركاً أساسياً لأعمال القتال، عقب انفجار الموقف، لا سيما في الشطر الشمالي، حيث كان الهدف الرئيسي، لعمليات القوات الشمالية، هو تصفية القوات الجنوبية الموجودة في الشمال، مع العمل على تحقيق الالتحام، مع الوحدات التابعة لها في الجنوب. أضف إلى ذلك، أن عملية تبادل الوحدات لعبت دوراً بالغ الأهمية، في رسم خريطة انتشار باقي القوات. فقد حرص كل طرف من الأطراف، المتصارعة، على نشر القدر الأكبر من قواته، على مقربة من القوات التابعة للطرف الآخر، والموجودة في الشطر الخاص به.



    القسم الثالث: الإستراتيجيات العسكرية لطرفي الصراع:
    اتسمت الإستراتيجيات العسكرية، المتبعة، في البداية من جانب الطرفين المتصارعين، بدرجة عالية من الارتباك، والغموض. وعلى أي حال، فإنه مع تسارع وتيرة الصراع المسلح، بين الجانبين، بدأ كل منهما، في بلورة أهدافه وإستراتيجياته، بصورة أكثر تحديداً. وقد ارتبطت الإستراتيجيات العسكرية المتبعة، في الحرب ارتباطا منطقيا بالأهداف، التي كان كل طرف من الطرفين المتصارعين، يرمى إلى تحقيقها. كما ارتبطت بالقدرات المتاحة لكل منهما، والى حد ما، بمواقف القوى الدولية والإقليمية، وقد تبلورت الإستراتيجيات العسكرية لطرفي الصراع في الآتي:

    1.
    الإستراتيجية العسكرية للقيادة الشمالية:

    أ.
    تشير بعض التحليلات، أن القيادة الشمالية اتخذت قرار الحرب منذ ما لا يقل عن عام، قبل انفجار الصراع المسلح، في البلاد، وبدت آثار هذا القرار واضحة، بتكثيف الجانب الشمالي لأعمال البناء التسليحي ورفع مستوى الكفاءة، والاستعداد القتالي للألوية التابعة له، علاوة على محاولته، فرض قيود على القدرات العسكرية للجنوب.

    وبشكل عام، فإن القيادة الشمالية تبنت منذ بداية الصراع، عدداً من الأهداف السياسية ـ العسكرية، التي تمحورت بصورة عامه حول ما يلي:

    (1)
    الدفاع عن الوحدة، وفرض سلطة الحكومة المركزية، على الجنوب برمته.

    (2)
    القضاء على النفوذ السياسي والعسكري، للحزب الاشتراكي في الجنوب، على أساس أن قادته زمرة صغيرة من المتمردين المحصورين داخل عدن، والمعزولين عن بقية مناطق الجنوب اليمني.

    (3)
    السيطرة على المناطق الإستراتيجية في الجنوب، لا سيما حقول النفط، في حضرموت.


    وفي إطار هذه الأهداف، انطلق التخطيط العسكري، للقيادة الشمالية، من افتراض أن الحرب ضد الجنوبيين، سوف تكون حرباً قصيرة وسريعة، وكان تصور هذه القيادة للحرب، أقرب إلى نمط العمليات التأديبية الحاسمة، ضد مجموعة من المتمردين. أضف إلى ذلك، أن القيادة الشمالية، راهنت على إمكانية إضعاف تماسك العناصر القيادية، في الحزب الاشتراكي، عبر محاولة إحداث شرخ داخله، والعمل في اتجاه إجراء تغيير جذري في قياداته، بما يؤدي، إلى تمكين القوات الشمالية، من فرض السيطرة على عدن سلمياً، من دون تحمل خسائر جسيمة. ويبدو أن القيادة الشمالية، كانت مدركة منذ البداية للأهمية الحاسمة، لإنهاء الصراع المسلح، في أقصر وقت ممكن، ذلك أن التأخير في الحسم، سوف يقود البلاد إلى حرب استنزاف طويلة، الأمر الذي يمكن أن يُدخل البلاد، في متاهات لا نهاية لها.

    ب.
    في ضوء ما سبق، تبنت القيادة الشمالية، إستراتيجية هجومية، تقوم على إعطاء اهتمام بارز، لتوفير عناصر الحشد والتفوق، في محاور الهجوم العديدة. فقد حرصت هذه القيادة، على حشد كافة القوى والأسلحة المتاحة لديها، والانقضاض في وقت واحد، على القوات الجنوبية، في كل الاتجاهات المختارة للهجوم، بما يتيح لها تحقيق التفوق الحاسم. وفي هذا الإطار، اتبعت القوات الشمالية، دائماً، شكل الهجوم المباشر الذي استهدف، اختراق جميع الجبهات، والمحاور، والمواقع الجنوبية الحيوية واكتساحها، بهدف الحفاظ على زمام المبادرة، وحرية الحركة، وضمان إنهاء الصراع المسلح، في أقصر وقت ممكن، مع الحرص على استغلال الانتصارات التكتيكية، التي تتحقق في محاور القتال، بما يساعدها، على تحطيم القوات الجنوبية، والالتفاف حولها لتطويقها، وتجزئتها إلى جيوب منعزلة، قبل القضاء عليها بصورة كاملة.

    جـ.
    وقد استفادت القيادة الشمالية، عند تنفيذ هذه الإستراتيجية، بما تمتلكه من كثافة بشرية عالية، حيث اتبعت في بعض مراحل القتال، تكتيك الموجات البشرية الكثيفة، الذي انطوى على دفع أعداد ضخمة، من المجندين الأقل تدريبا وكفاءة، تجاه الخطوط الدفاعية الجنوبية، في موجات متوالية، مع الاحتفاظ بالقوات الضاربة الرئيسية، ذات الكفاءة القتالية الأعلى، مثل ألوية الحرس الجمهوري، لدفعها إلى الجبهة، في توقيتات محددة، لحسم الصراع المسلح، لصالحها وفي هذا الإطار نفسه. عملت القيادة الشمالية، على تعزيز أوضاع قواتها، الموجودة في الجنوب، واهتمت بتنسيق العمليات، بين مختلف القوات، وبات الهدف الأكثر إلحاحاً للعمليات العسكرية الشمالية، في المراحل الأولى، هو تحقيق الالتحام، مع قواتها العاملة، في الشطر الجنوبي من البلاد.

    د.
    ومن ثم انقسمت عمليات القوات الشمالية، إلى ثلاث مراحل رئيسية كالآتي:

    (1)المرحلة الأولى:
    كان التركيز المبدئي الرئيسي، للقوات الشمالية، هو تدمير القوات الجنوبية، الموجودة في الشمال، وحرمانها من فرصة المشاركة، في الدفاع عن جنوب اليمن، وركزت القوات الشمالية تحديداً على تدمير لواء بأصهيب، المدرع الجنوبي، الرابض في منطقة ذمار، وكذا اللواء الرابع مدفعية الجنوبي المتمركز في منطقة بريم، وقامت بإخراجهما مبكراً، من دائرة الصراع المسلح، بينما خرج لواءان جنوبيان آخران، هما لواء المظلات، ولواء المشاة الخفيف، المرابطان في مناطق حرف سفيان والعرقوب، من دائرة القتال أيضاً، حينما بسطت القبائل الشمالية المجاورة لهما، حمايتها عليهما، شريطة عدم مشاركتهما في القتال. ومن ناحية أخرى، كلفت القيادة الشمالية، قواتها التي كانت موجودة أصلاً في الشطر الجنوبي، بالتحرك فور بدء الحرب، لفرض السيطرة، على أكبر رقعة ممكنة، من الأراضي الجنوبية، ودخلت تلك القوات، في معارك عنيفة ضد القوات الجنوبية المناوئة لها.

    (2) المرحلة الثانية:
    كانت عبارة عن(وقفة تعبوية) قصيرة، عملت خلالها القيادة الشمالية، على تجميع الحشود الرئيسية من قواتها المسلحة، في مراكز محددة، تمهيداً للاندفاع في اتجاه الشطر الجنوبي من البلاد، حيث جرى إخراج تلك القوات، من مختلف قواعدها في الشمال، مع تجميعها في اتجاهات مختلفة، استعداداً للزحف، على جنوب البلاد. وتمثلت نقاط التجمع هذه، في ذمار، وبريم، ومكيراس، والبيضاء. وقد استهدفت هذه العملية، توفير أكبر حشد ممكن، من القوات الشمالية، بقصد الإسراع بأحكام القبضة، على جنوب اليمن بأسره، في أسرع وقت ممكن، وقدّرت القيادة الشمالية، أن قواتها يمكنها الالتحام سريعاً، مع الوحدات الشمالية، الموجودة في محافظتي ردفان وأبين الجنوبيتين.

    (3) المرحلة الثالثة:

    دفعت القيادة الشمالية، بكل ما لديها من القوات، والعتاد، والاحتياطي الإستراتيجي، في اتجاه عدن، بهدف الاستيلاء عليها، خلال فترة تراوح بين 2-3 أسابيع، استنادا إلى أن عدن تمثل نقطة الارتكاز الرئيسية، في الموقف العسكري الجنوبي بأسره، وإذا تم الاستيلاء عليها سريعاً، فإن ذلك، يمكن أن يؤدي إلى سقوط بقية جنوب اليمن، في وقت قصير. ولهذا السبب، فتحت القيادة الشمالية، ما لا يقل عن أربعة محاور مؤدية إلى عدن، في وقت واحد، ومواصلة الضغط، على القوات الجنوبية، في هذه المحاور في الوقت نفسه. ومع ذلك، فإن القوات الشمالية، لم تفلح في التقدم باتجاه عدن، بالسرعة والسهولة التي تصورتها. بل كان التقدم بطيئاً، ومكلفاً للغاية، بصورة فاقت كثيراً التوقعات الأولية، للقيادة الشمالية.

    هـ.
    خلال المراحل المتقدمة، للصراع المسلح، أدركت القيادة الشمالية، أن مواصلة العمل، على اقتحام عدن، ربما يتطلب قتالاً بالغ الشراسة، لا سيما وأن الحزب الاشتراكي، قام بإجراء عملية تعبئة واسعة النطاق في عدن، وقام أيضا بتوزيع الأسلحة والمعدات، على معظم السكان. الأمر، الذي كان يعنى، أن اقتحام عدن، قد يتسبب في حدوث مذابح هائلة، بين الجانبين، علاوة على أن هذه الحالة، كانت تنبئ بأن القوات الشمالية قد لا تستطيع فرض سيطرتها الكاملة على عدن، حتى وإن نجحت في اقتحامها. ولذلك، بدأ القادة الشماليون، في الإعراب منذ التاسع عشر من مايو عن عدم رغبتهم في اكتساح عدن، وبدأوا في التخطيط لتطويق عدن وحصارها، وإرغامها على الاستسلام، من دون اقتحامها، فضلاً عن العمل، على تشديد الضغط العسكري، على القوات الجنوبية، في جميع محاور القتال، بما قد يرغم القيادة الجنوبية، على الاستسلام أو الفرار.


    2 .
    الإستراتيجية العسكرية للقيادة الجنوبية

    أ.
    افتقدت القيادة الجنوبية، منذ بداية الصراع المسلح، عنصر المبادأة. وكان السلوك العسكري، لهذه القيادة، مجرد سلسلة من ردود الأفعال، على مبادرات الجانب الشمالي. وعلى الرغم من أن القيادة الجنوبية، لم تفاجأ بانفجار الصراع المسلح، فإنها لم تكن مستعدة على الإطلاق، للدخول في حرب واسعة النطاق، ضد الشمال، لا سيما أنها كانت تعاني من حالة اختلال نسبي، في الميزان العسكري مع الشمال، في التعداد العام للقوات، وكميات الأسلحة والمعدات، وضعف الاحتياط البشري، المتاح لديها. علاوة على أن القوات الجنوبية، لم تكن تتمتع بانتشار جيد، على مختلف المحاور، ومن ثم، أقتصر الهدف الإستراتيجي، للقيادة الجنوبية، على الحفاظ على الوضع القائم، قبل اندلاع الحرب، ثم الحفاظ على الدولة المستقلة، التي أعلن قيامها في الجنوب، عقب اشتداد حدة الصراع المسلح.

    ب.
    وقد التزمت القيادة الجنوبية، منذ بداية الصراع، بإستراتيجية دفاعية محضة، باستثناء بعض الهجمات الرمزية على الشمال بالطائرات، والصواريخ أرض ـ أرض، والقطع البحرية.

    وبشكل عام، فإن الدفاع، كان يشكل الطابع الرئيسي، للعمل العسكري الجنوبي، على المستويين الإستراتيجي والتكتيكي، ذلك أن عدم التوازن في القدرات البشرية والتسليحية بين الجانبين، لم يكن يسمح للقيادة الجنوبية، بامتلاك القدرة على الهجوم. ومن ثم، كان الالتزام بالموقف الدفاعي العام من جانبها، بغرض اكتساب الوقت، والاحتفاظ بالأرض قدر الإمكان، وصد هجوم القوات الشمالية، واستنزافها وزعزعة تنظيمها. وقد اتخذت هذه الإستراتيجية، في الأغلب، شكل الدفاع السلبي، والذي اقتصرت بموجبه، القوات الجنوبية، على صد ومواجهة الهجمات الشمالية، من دون التفكير، في الكثير من الحالات، من التحول إلى الهجوم المضاد، نظراً للفارق العددي الشاسع، بين الجانبين. وقد جرى تنفيذ هذا الشكل الدفاعي، في أغلب الحالات، من خلالنظام الدفاع العميق. حيث قامت القيادة الجنوبية، بتوزيع شبكة من النقاط الدفاعية في العمق. وبالطبع، فإن هذه الأعمال لم تكن تطمح إلى وقف اختراقات القوات الشمالية في جميع المحاور، وإنما سعت إلى الحد من قوة اندفاعها، وتحطيمها إذا أفلحت في الاختراق، علاوة على إطالة خطوط إمدادها، ومواصلاتها، ومحاولة التقليص من قيمة وفاعلية التفوق العددي للقوات الشمالية، عبر إنهاكها واستنزافها. وفي الوقت نفسه، قامت القيادة الجنوبية، في بعض الحالات، بتنفيذ أعمال الدفاع الثابت، لا سيما للدفاع عن الأهداف، ذات القيمة الإستراتيجية العالية، مثل قاعدة العند، ومدينة عدن، ومحافظة شبوة، التي تمثل بداية الطريق إلى حضرموت، ألاّ أن أعمال الدفاع الثابت، في هذه الحالات، لم تأخذ بالضرورة شكل النقاط القوية الدفاعية المنظمة والمنسقة، وإنما ارتكزت، على التمسك بكل شبر من هذه الأراضي، والدفاع المستميت عنها، لأن هذه الأهداف، كانت تنطوى على أهمية حيوية، لضمان سلامة الموقف العسكري الجنوبي بأسره. وعلى أية حال، فإن القيادة الجنوبية أعربت، خلال مراحل تطور الصراع المسلح، عن قناعتها، بأنه حتى إذا نجحت القوات الشمالية في الاستيلاء، على جميع أراضي جنوب اليمن، فإنها سوف تستمر في المقاومة لتحول دون نجاح الشماليين، في الاحتفاظ بالأراضي التي استولوا عليها.

    جـ.
    وبشكل عام، اعتمدت القيادة الجنوبية، كثيراً، على عدد من المعطيات الإيجابية، في الموقف العسكري، لعل في مقدمتها، الارتفاع النسبي، في مستوى الكفاءة القتالية، للقوات الجنوبية بالمقارنة مع القوات الشمالية، فضلاً عن ارتفاع درجة الاستعداد لدى الجنوبيين، وتمرسهم الشديد، على فنون الحرب الصحراوية، وحرب العصابات، وهى الكفاءة التي كان مقاتلو القوات الجنوبية، قد أجادوها، من خلال المساعدات العسكرية السوفيتية، في السبعينات والثمانينات، ومن خلال خبرتهم، التي اكتسبوها أثناء النضال ضد الاحتلال البريطاني، الأمر الذي أتاح للجنوبيين، قدرة أكبر، على الدخول في حرب محدودة النطاق، طويلة المدى، في مواجهة القوات الشمالية، وفق إستراتيجية (الكر والفر). وانعكس ذلك تحديداً، في اضطرار القوات الشمالية إلى استنفاذ مجهود عسكري أكبر، ومدى زمني أطول، نسبياً، لتحقيق نجاحات جزئية، ضد القوات الجنوبية، على الرغم من التفوق العددي والتسليحي، للقوات الشمالية، إلاّ أن القوات الجنوبية، استخدمت طائراتها القتالية، وقطعها البحرية في جميع مراحل القتال، بكثافة عالية، وبأقصى قدرة متاحة لديها.

    د.
    وترافق مع ما سبق، أن القوات الجنوبية، عملت على إنهاك القوات الشمالية، في معارك فرعية، لا تحقق لها مكسباً إستراتيجياً يعتد به، مع تكبيدها أعباء تسليحية، وبشرية عالية في مقابل الانتصار فيها. كما أولت الإستراتيجية الجنوبية، اهتماماً بالغاً، لإطالة أمد العمليات، إلى أطول فترة ممكنة، ولم تتح للقوات الشمالية فرصة التقدم في أراضي الجنوب، بمعدل يزيد عن ميلين ونصف الميل في اليوم الواحد للعمليات، الأمر الذي حرم القيادة الشمالية، من تحقيق انتصار خاطف وسريع. والأكثر أهمية من ذلك، أن القيادة الجنوبية، بدأت منذ أواخر الأسبوع الثاني للقتال، في تنفيذ سلسلة من عمليات إعادة الانتشار التكتيكي، بهدف الاستفادة من العمق الجغرافي الذي يتمتع به الجنوب، ويفتقر إليه الشمال، حيث جرى نقل معظم المجهود الحربي، إلى المناطق الشرقية، لا سيما محافظتي شبوة وحضرموت، التي تقع على بعدد 400 ميل، تقريباً، شرقي عدن، وعملت في هذا الإطار على بناء خطوط دفاعية متقدمة، لحماية حضرموت، وحقول النفط بها، واستعدت القوات الجنوبية، لاجتذاب الشماليين، لمسافات طويلة جداً، بعيداً عن قواعدهم. واستفاد الجنوبيون، في هذا الصدد، من المزايا الجغرافية للمحافظتين المذكورتين، علاوة على اعتمادهم، على تأييد القبائل ومساندتهم هناك. وقد اتضحت معالم هذه الإستراتيجية الجديدة، بصورة أكثر تحديداً، مع انتقال الزعيم الجنوبي، علي سالم البيض. وبعض قياداته، إلى حضرموت، في العشرين من مايو، فيما جاء بمثابة نقل كامل، لمركز إدارة المجهود الحربي الجنوبي، إلى تلك المدينة، لاسيما، أن القوات الشمالية كانت قد أوشكت على الاستيلاء، على قاعدة العند الجوية، وباتت أكثر قرباً إلى عدن.

    هـ.
    ومع استمرار الانتصارات التكتيكية، للقوات الشمالية، بدأت القيادة الجنوبية، في الاعتماد بصورة متزايدة، على أعمال (الاستنزاف)، وارتكزت هذه الأعمال، على تنفيذ القوات الجنوبية، سلسلة من الضربات المستمرة، والمتصاعدة، ضد القوات الشمالية، بما يلحق بها خسائر متتالية، ويَخْلِق لديها أثراً تراكمياً سلبياً، الأمر الذي يمكن أن يفضي إلى إنهاكها، مادياً وبشرياً، ويزيد من صعوبة تحقيق الأهداف السياسية ـ العسكرية، التي تسعى إليها. وقد استهدفت أعمال الاستنزاف هذه، كسب الوقت، وحشد الدعم الخارجي العربي، والدولي، للموقف الجنوبي، علاوة على انتظار حدوث تحولات، في موقف القيادة الشمالية، أو تغييرات، في هيكل القيادة داخلها، حسبما كانت تعلن بعض المصادر الجنوبية المسؤولة.

    وخلال المراحل الأولى من القتال، كانت أعمال الاستنزاف، التي تقوم بها القوات الجنوبية تتم وفق أسلوب نظامي تقليدي، تمثل، في الأساس، في توسيع نطاق أعمال القصف الجوي، والصاروخي على العاصمة الشمالية صنعاء، وتنفيذ العمليات التكتيكية المحدودة. ضد القوات الشمالية، حول عدن، ومحافظة شبوة، علاوة على الاستمرار في تبادل القصف المدفعي، مع القوات الشمالية، في خطوط التماس، حتى بعد صدور قرار مجلس الأمن، الداعي إلى وقف إطلاق النار، بين الأطراف المتصارعة في اليمن. وامتداداً لهذه الإستراتيجية، أبدت القيادة الجنوبية، عدداً من المؤشرات، الدالة على إمكانية التحول، إلى شكل الاستنزاف، من خلال حرب عصابات طويلة الأمد، وذلك إذا ما أفلحت القوات الشمالية، في الاستيلاء على عدن، وفرض سيطرتها على جنوب اليمن بأسره، واعتمدت القيادة الجنوبية، في هذا الصدد على ما تتمتع به من مساندة شعبية، في الجنوب بأسره، الأمر الذي يمكن أن يتيح لها، قاعدة صالحة، لشن حرب عصابات، ضد القوات الشمالية، إذا اقتضى الأمر.


    3.
    تطور الموقف الإستراتيجي:

    أ.
    استمر الصراع المسلح في جنوب اليمن، وبدأت الحرب تفرض منطقها الخاص على الأطراف المتصارعة. ولم يعد أي منهما، يمتلك القدرة الكاملة، على التحكم في وتيرة الصراع المسلح، على الرغم من نجاح الجانب الشمالي، في تحقيق انتصارات واضحة. فعقب حوالي شهر كامل، من بدء القتال، لم تستطع القيادة الشمالية، تحقيق هدفها، المتمثل في الاستيلاء على عدن، في مدى زمني يتراوح بين 2-3 أسابيع، في الوقت الذي احتفظت فيه القوات الجنوبية، بتماسكها، وبقدرتها على تنفيذ عمليات دفاعية، واسعة النطاق، وطويلة المدى، حتى وإن كانت قد اضطرت، إلى التراجع عن العديد من الأراضي والمواقع، في مواجهة القوات الشمالية، أضف إلى ذلك، أن الإستراتيجيات العسكرية، التي اتبعها الجانبان، أدت إلى نشوء حالة من الجمود، والثبات النسبي في ساحات القتال، مع بداية الأسبوع الرابع للعمليات. فالإستراتيجية الهجومية الشمالية، الرامية إلى تحقيق انتصار سريع اضطرت في النهاية ، إلى إبطاء وتيرة الاندفاع، بفعل قوة الدفاع الجنوبي وتماسكه، جنباً إلى جنب، مع بدء ازدياد الضغوط الدولية، والإقليمية الداعية إلى وقف القتال في البلاد.

    ب.
    بدت هذه الحالة، واضحة، بصفة خاصة، في الأسبوع الرابع، حينما بدأت حدة القتال تهدأ كثيراً، في ساحات العمليات. وما اتضح خلاله، من أن الطرفين المتصارعين، أصبحا يجابهان صعوبات عديدة، في مواصلة الحرب، فيما دفع إلى الاعتقاد، وقتذاك، بأن الحرب بدأت تدخل مرحلتها النهائية. ولهذا السبب، اتخذت الحرب في تلك الفترة، شكل الاشتباكات من بُعْد، التي اقتصرت على استمرار عمليات التراشق المدفعي، والصاروخي، والجوي بين الجانبين. وإن كان ذلك، لا يلغي أن الشماليين والجنوبيين، كانا لا يزالان يحتفظان بقدرات عسكرية كافية، لمواصلة القتال، إلاّ أن توظيف تلك القدرات، ارتبط على ما يبدو، خلال تلك الفترة، بترقب الجانبين لمسارات التطور في الجهود السياسية، الجارية على هامش الصراع المسلح.



    القسم الرابع: الموقف العام في مسرح العمليات اليمني قبل اندلاع الصراع المسلح
    1.
    بعد التوقيع على وثيقة العهد والاتفاق، ظن البعض أنها ستضع حداً للصراع الدامي بين الشطرين، إلا أنها لم تأتِ بجديد، سوى أنها كشفت نوايا القادة، والدليل على ذلك أن الوضع انفجر، وحبر التوقيع على الاتفاق لم يجف بعد، في مواجهة عسكرية دامية بين الجيشين الشمالي والجنوبي.

    جاءت "وثيقة العهد والاتفاق"، في ظل أجواء التصلب، والعداء، والتعبئة اليومية، ومع تساقط الوساطات المحلية، والخارجية، الواحدة تلو الأخرى، في وقت كانت فيه فرص التسوية قد باتت شبه معدومة، واحتفظ الطرفان كل على حدة، بقراءة خاصة لهذه الوثيقة، التي كان لابد أن تظهر إن عاجلاً أو آجلا أثناء التنفيذ.

    ولم تكن الوثيقة إلا استمراراً للحرب الكلامية بين الحزبين الاشتراكي والمؤتمر، وصراع الشروط والشروط المضادة، حيث طالب الاشتراكيون بضمانات لتطبيق الوثيقة واعتقال المتهمين بحوادث الاغتيال السياسي. ورد الشماليون بدعوة الاشتراكيين إلى صنعاء، وإنهاء اعتكاف علي سالم البيض، للبدء في تنفيذ الوثيقة، التي اعتبروها قد وضعت حداً للأزمة برمتها.

    2.
    فبعد نحو شهرين على توقيع "وثيقة العهد والاتفاق" في العاصمة الأردنية عمان، في العشرين من (شباط) فبراير 1994، أعرب نائب رئيس الجمهورية اليمنية، الأمين العام للحزب الاشتراكي اليمني، علي سالم البيض، عن اعتقاده بوجود رغبة لدى اليمنيين الجنوبيين بالاستقلال عن الشمال. فبعد إن كان من المنتظر أن يفتح التوقيع على الوثيقة، صفحة جديدة في الحياة السياسية اليمنية، بدأت الشروط التي وضعها الفرقاء المعنيين على تنفيذ بنود الوثيقة، إذ طالب المؤتمر الشعبي العام والتجمع اليمني للإصلاح، بضرورة التئام المؤسسات الدستورية، وعودة القادة الجنوبيين إلى صنعاء، كشرط أولى للبدء في تنفيذ الوثيقة. وفي المقابل طالب الحزب الاشتراكي بضرورة البدء في تطبيق البند الأول من الوثيقة، كشرط لعودة قياداته إلى صنعاء، قبل التئام المؤسسات الدستورية، والذي ينص على اعتقال المتهمين بالتورط في جرائم الاغتيال السياسي ومحاكمتهم، التي طاولت أكثر من مائة وخمسين كادراً من كوادر الحزب الاشتراكي. ووجه الاشتراكيون أصابع اتهامهم إلى شركائهم في الائتلاف الحاكم، أي المؤتمر الشعبي العام، والتجمع اليمني للإصلاح.

    3.
    لم يكن اندلاع الصراع المسلح بين شطري اليمن، وإعلان قادة الجنوب الانفصال، مفاجأة للكثيرين. فمنذ اعتكاف على سالم البيض في عدن، في أغسطس 1993، بدا أن قطيعة جديدة تفصل بين "الحزب الاشتراكي" و "حزب المؤتمر"، وأن أزمة مستعصية تلوح في الأفق، وبسبب طبيعة المطالب، التي طرحها الطرفان المعنيان، في وجه بعضهما، وتبادل الاتهامات من كلا الجانبين، باتت الحلول السياسية لهذه الأزمة غير ممكنة، وتعثرت جهود الوساطة الداخلية والخارجية، لتكشف عن عمق الخلافات بين شطري اليمن. وتؤكد أن الوحدة اليمنية لم تكن سوى شعار، وأن ثمة خللاً في إدراك القادة اليمنيين لمفهوم الوحدة، بما يجعلها مسألة إجرائية قابلة للنقض عند اختلاف مصالح أحد الطرفين.

    وبات واضحا بعد ذلك، أن التشطير قد صار محتماً، نتيجة تعارض مطالب كلا الشطرين، ومطامحهما. فقد أعلن الحزب الاشتراكي خيارين لحل الأزمة، أولهما هو قبول المؤتمر، والتجمع بصيغة وثيقة العهد والاتفاق، حسب التفسير والإجراءات، التي اتفق عليها الحزب الاشتراكي والمعارضة، والتي ظل المؤتمر والإصلاح يتحفظان أو يعترضان عليها. أما الخيار الثاني، الذي طرحه الحزب الاشتراكي، فكان العودة إلى أوضاع ما قبل 22 مايو 1990، وإعلان نهاية تجربة الوحدة. ومن جانب آخر، فقد تم رفض ما طرحه العميد مجاهد أبو شوارب، من تبنى مطلب الفيدرالية، الذي سبق أن عرضه الأمين العام المساعد للحزب الاشتراكي، سالم صالح أحمد، فقد كان الحزب الاشتراكي يصر على الفيدرالية، لاعتقاده أن الحداثة ممكنة فقط في الجنوب وليس في الشمال، وبذلك تصبح "عدن" و"حضرموت" و"ردفان" و"الضالع" مناطق ذات أفضلية مطلقة على "مأرب" و"صعدة" و"صنعاء" و"حجة" في الشمال، حيث الأولى يمكن تحديثها على خلاف الثانية.

    إن هذا التصور من جانب الحزب الاشتراكي، يتعارض مع فكرة الوحدة، المرتكزة على مفاهيم الانصهار القومي، والانسجام الاجتماعي، إلاّ أنه يبدو أن الصيغة الفيدرالية أفضل بكثير من الوضع المتردي. فالفيدرالية هي صيغة للوحدة الاندماجية، تراعى خصوصيات الوحدات المنضمة إلى العلاقة الوحدوية، وإذا كانت الفيدرالية تعد من ناحية معينة، تراجعاً عن الصيغة التي بدأت بها الوحدة، إذا لم تستمر إرادة الأطراف التي صنعتها مجمعة عليها، فإن رفض مناقشتها قد أعطى مبرراً لتفاقم الأمور على النحو الذي شهدته اليمن، لتصبح الحرب الأهلية هي المعبر الآمن للتقسيم، والانفصال، أمام المساءلة الجماهيرية والتاريخية، التي لا يستطيع أى طرف أن يتحمل مسؤوليتها.

    4.
    ظلت مؤشرات الانفجار العسكري تتزايد بمعدلات طردية، وفقا لدرجة الحدة، في الصراع السياسي، بين الرئيس على عبدالله صالح، ونائبه على سالم البيض، وأشارت كافة الظواهر، منذ 27 إبريل، إلى أن الانفجار العسكري، قد بات وشيكاً، بعد اندلاع، اشتباك دموي عنيف، بين وحدات شمالية، ووحدات جنوبية في معسكر عمران، في الشطر الشمالي من البلاد. وفي أعقاب هذا الاشتباك، بدأت مؤشرات التصعيد العسكري، تزداد بدرجة بالغة الوضوح، وتمثلت تلك المؤشرات، في أربعة شواهد رئيسية:
    أ. تطويق كل طرف، القوات التابعة للطرف الأخر، في الشطر الخاص به.
    ب. نشر القوات العاملة، والاحتياطي الإستراتيجي في أوضاع قتالية.
    جـ. تكثيف أعمال التجنيد والتحالفات القبلية.
    د. الاستمرار في أعمال تكديس الأسلحة، ومعدات القتال الرئيسية.

    5.
    وقد امتلك الجانب الشمالي، زمام المبادرة، في جميع هذه المجالات، فقد سارعت القيادة الشمالية، إلى حشد القوات، وتطويق معسكرات القوات الجنوبية، الموجودة في الشطر الشمالي، وحاصرت لواء بأصهيب الجنوبي، بثلاثة ألوية من الحرس الجمهوري، والمدرعات، والمشاة، كما حاصرت اللواء الخامس مظلات الجنوبي، بأعداد كبيرة من قوات الصاعقة، والمدرعات، والحرس الجمهوري. أضف إلى ذلك، أن القيادة الشمالية، نشرت أعداداً كبيرة من القوات، في الاتجاهات الإستراتيجية المختلفة، حيث دفعت بثلاثة ألوية، من المدرعات والمظلات، في اتجاه مكيراس. كما دفعت بثلاثة ألوية أخرى، في اتجاه الراهدة. في حين دفعت بما يصل إلى ستة ألوية كاملة، في اتجاه بيحان، استعداداً للاندفاع نحو الحدود الشطرية السابقة. وقد تردد في هذا الإطار نفسه أن قيادة الحزب الاشتراكي، دفعت ثلاثة ألوية جنوبية، نحو المناطق الشطرية، في محافظة شبوة.

    6.
    وقد لعبت القبائل في اليمن دوراً هاماً في تزايد حدة الصراع، فقد قام الجانبان، بتنفيذ عملية تجنيد واسعة النطاق، مع التركيز على القبائل الموالية لكل منهما، وعمل كل جانب منهما، على حدة، على تعزيز شبكة الولاءات والتحالفات القبلية، في الشطر الخاص به، عن طريق التعيينات، وإسناد المناصب الوزارية والوظائف العليا في الدولة، إلى عناصر قبلية معينة، وذلك للمساعدة في كسب ولاء القبائل، التي تنتمي إليها هذه العناصر. وقد اتسع نطاق عملية إعادة ترتيب التحالفات، والولاءات القبلية، خلال فترة ما بعد الانفجار العسكري، حيث عين الرئيس علي عبدالله صالح، على سبيل المثال عبد ربه منصور هادي، وزيراً للدفاع، وهو ينتمي إلى محافظة ابين الجنوبية، بدلا من الوزير السابق، هيثم قاسم طاهر، الذي كان ينتمي إلى محافظة لحج، الجنوبية. وبالمثل، قامت القيادة الجنوبية، بتنفيذ هذا التكتيك نفسه. حيث جرى تعيين أحمد فريد الصريمة، محافظاً لـ شبوة في الجنوب، لاكتساب ولاء قبائل شبوة، التي ينتمي إليها المحافظ الجديد، مما ساعد الحزب الاشتراكي، على تعزيز تحالفاته القبلية، في تلك المحافظة الحيوية، التي تمثل المدخل الإستراتيجي، إلى محافظة حضرموت. وامتدادا لمسار التصعيد، في فترة ما قبل الانفجار العسكري، نقل الرئيس علي عبدالله صالح، بدءاً من أول مايو 1994، مقر عمله اليومي، من مبنى الرئاسة، إلى غرفة العمليات العسكرية، في القيادة العامة للقوات المسلحة، وتولى بنفسه، الإشراف على جميع التحركات العسكرية، للقوات الشمالية، في مختلف المحاور والمناطق، فيما كان يشير، إلى قرب انفجار الموقف العسكري، على نطاق واسع.

    إن المواجهات العسكرية الأخيرة، بين شطري اليمن يختلف عما قبلها، ففي الحربين السابقتين دارت المعارك على أرض الشمال فقط، وكان جيش الشمال في موقف الدفاع، بينما قامت قوات الشمال بالبدء بالهجوم في إبريل 1994م. كذلك كانت المواجهات السابقة بين دولتين مستقلتين، أما عام 1994، فإن الصراع اندلع بين شطري دولة اليمن، اللذين وقعا اتفاق الوحدة في مايو 1990، ومن ثم فقد أزيلت الحدود داخل دولة الوحدة.
     
  2.   مشاركة رقم : 2    ‏2003-10-24
  3. المريسي مهدي

    المريسي مهدي عضو فعّال

    التسجيل :
    ‏2003-06-11
    المشاركات:
    526
    الإعجاب :
    0
    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

    الحلقة الثانية

    الباب الثالث
    الصراع المسلح
    عام:

    شغلت الحرب الأهلية بين شطري اليمن، اهتمام الأمة العربية بصفة عام، ودول الخليج العربي بصفة خاصة، بل وكانت موضع اهتمام المجتمع الدولي بأسره، لما يمثله الموقع الجغرافي لليمن، من أهمية جيوبوليتيكية، ترتبط بمصالح دول المنطقة، والدول المؤثرة في النظام الدولي.

    اندلعت الحرب بين شطري اليمن، التي كانت، في عرف قادة الشمال، حرباً ضد الانفصال، وفي رأي قادة الجنوب، حرب الاستقلال الثانية، بعد أن ازدادت قناعتهم، أن وجود القوات الشمالية في الجنوب، بمثابة غزو واحتلال لا بد من مقاومته. وجاء اندلاع الصراع المسلح في اليمن، في الرابع من مايو 1994، بمثابة تدشين لمسيرة طويلة من الصراع السياسي، والتصعيد العسكري بين القطبين الرئيسين في البلاد: الرئيس علي عبدالله صالح، ونائبه علي سالم البيض. وانفجر الصراع المسلح بحدة، وعنف واتساع. وكان واضحاً أن القيادة الشمالية، اختارت أسلوب الحسم العسكري الكامل، مع العلم بأنه كان واضحاً منذ البداية، أن هذا الأسلوب سوف ينطوي على خسائر بشرية، ومادية، ومعنوية، فادحة للغاية، يتحملها الشعب اليمني في الشطرين الشمالي والجنوبي. مع العلم، أن إمكانات الحسم العسكري السريع والكامل، لم تكن متوقعة ولا ممكنة، منذ بداية الصراع.

    وفي إطار الإستراتيجيات العسكرية، المذكورة آنفاً، كان من الطبيعي أن يختلف السلوك العسكري للأطراف المتصارعة، في ساحات القتال ومحاوره. وسوف يهتم هذا الباب بدراسة مسار العمليات العسكرية وتطورها، طوال فترة الصراع المسلح في اليمن، وما واكبها من تطورات ومستجدات في الموقف السياسي والدبلوماسي. وفي هذا السياق يبدو واضحاً أن الظروف السياسية والعسكرية للصراع، أدت إلى تقسيم العمليات العسكرية إلى ثلاث مراحل رئيسية. كما ينتهي هذا الباب بتقويم الآثار الناجمة عن الحرب، داخلياً وإقليمياً وعالمياً.

    ولمّا كانت هناك مبالغات عديدة، صدرت عن الطرفين المتصارعين، خلال مراحل العمليات المختلفة، في إطار الحرب النفسية والدعائية بينهما. رأينا إضافة التقويمات والمصادر المحايدة، الموجودة داخل دائرة الصراع المسلح، سعياً إلى إعطاء صورة، تتمتع بأقصى درجة ممكنة، من الموضوعية.

    الفصل الأول
    المرحلة الأولى من الحرب الأهلية اليمنية
    "الفترة من 27 أبريل إلى 4 مايو 1994"

    تصفية الجيوب الداخلية

    القسم الأول:الفكرة العامة لخطة عمليات المرحلة
    1.
    لم يندلع الصراع المسلح في اليمن دفعة، واحدة، وإنما ظلت درجة التصعيد، تتزايد بمعدلات متسارعة. وبدأت عملية التصعيد، تأخذ شكلاً شديد الخطورة، مع اندلاع اشتباكات عنيفة بين اللواء الثالث المدرع الجنوبي، المتمركز في منطقة عمران، والفرقة الأولى المدرعة الشمالية، التي يقودها العقيد على محسن الأحمر، الأخ غير الشقيق للرئيس اليمني علي عبدالله صالح. وقد تطورت الأحداث إلى قتال مرير بين الطرفين، استمر حتى 30 أبريل 1994. ثم هدأت المعارك، في منطقة عمران، بعد تدمير كلٍ من اللواء الثالث المدرع الجنوبي، واللواء الأول المدرع الشمالي. وقد أسفر القتال عن وقوع خسائر في الجانبين، قدرت في المتوسط، طبقاً لتقديرات مصادر محايدة، تدمير أكثر من 150 دبابة، وحوالي 22 عربة مدرعة، وما يزيد عن 200 قتيل، وما يراوح مابين 250 إلى 300 جريح، وإلحاق الأضرار في حوالي 159 منزلاً في منطقة عمران القريبة من ساحه الاشتباكات، فضلاً عن وقوع حوالي 400 في الأسر، إضافة إلى لجوء الجزء الأكبر، ممن تبقى من جنود اللواءين، إلى القبائل المناصرة له في المنطقة.

    وفي الوقت الذي انفجر فيه الموقف في منطقة عمران، بدأ التوتر في منطقتي ذمار، وأبين، حيث بدأ الشماليون، إجراء تعزيزات حول جبال أنس، في محافظة ذمار، لتطويق لواء بأصهيب الجنوبي المتمركز هناك كما تصاعد احتمال قصف القوات الجنوبية، معسكر لواء العمالقة الشمالي، المتمركز في محافظة أبين، قرب عدن.

    وفي أعقاب هذا الاشتباك، بدأ العد التنازلى للانفجار العسكري، واسع النطاق، حيث تبادل الجانبان، الاتهامات بعنف، حول المسؤول عن هذه الأحداث. وطالب الحزب الاشتراكي، بمعاقبة من أسماهم بـمجرمي الحرب والإرهاب في الشمال، الذين كانوا يخططون لإشعال الحرب الأهلية في البلاد. كما رأى الحزب، أن هذه الاشتباكات، تدلل على أن الأسرة العسكرية الحاكمة في صنعاء، وراء تفجير الموقف، لجر البلاد إلى حرب أهلية مدمرة. عقب ذلك، طوق وحاصر كلٍ من الشماليين والجنوبيين، كلٍ على حدة، القوات التابعة للطرف الآخر الموجودة في الشطر التابع له من البلاد، ثم تتابعت باقي مؤشرات التصعيد العسكري على النحو السابق ذكره.

    2.
    عندما وصل التصعيد إلى درجة الانفجار العسكري، كانت القوات الشمالية هي المالكة لزمام المبادأة، وركزت في البداية، على إنهاء فاعلية القوات الجنوبية، الموجودة في الشمال. وبدأت الحرب على نطاق واسع، في الرابع من مايو 1994، واتخذت في بدايتها، صورة اشتباكات عنيفة، في منطقة ذمار الشمالية، الواقعة على بعد 100 كيلومتر جنوبي صنعاء، بين قوات لواء (بأصهيب) المدّرع الجنوبي، والوحدات الشمالية المحاصرة له، التي كانت تفوقه في العدد والعدة. ثم امتدت الاشتباكات بعد ذلك مباشرة، إلى منطقة بريم، الواقعة على بعد 30 كيلومتر جنوب ذمار، بين اللواء الرابع مدفعية جنوبي هناك، وحشود القوات الشمالية في المنطقة، في الوقت الذي اتخذت فيه المعارك، خطاً تصاعدياً على جميع المحاور، على الحدود الشطرية السابقة. وفي جنوب اليمن، حاولت القوات الشمالية، الموجودة هناك، الإمساك بزمام المبادأة، وبادر اللواء الثاني المدرع، وقوات العمالقة الشمالية، بمهاجمة مواقع القوات الجنوبية القريبة، إلاّ أن القوات الجنوبية، المؤلفة من القوات النظامية، وميليشيا الحزب الاشتراكي، وأفراد القبائل، تصدت لها. وعمل الجنوبيون على إنهاء خطر تلك القوات، وتصفية وجودها، تمهيداً لنقل القتال إلى الحدود الشطرية السابقة. ودفعت القيادة الجنوبية أيضاً ثلاثة ألوية، إلى منفذ بريم، جنوب منطقة ذمار، لفك الحصار عن قوات لواء بأصهيب الجنوبية هناك، والتصدي للقوات الشمالية، المتقدمة نحو الحدود الشطرية. ولكن القوات الجنوبية لم تفلح، طيلة مراحل القتال في تصفية القوات الشمالية، التي كانت موجودة في الجنوب، في إطار تبادل الوحدات. وارتبطت هذه النتيجة، في واقع الأمر، بحقيقة، أن خريطة تمركز القوات الشمالية في المحافظات الجنوبية، أخذت في الاعتبار منذ البداية إمكانية حدوث مواجهات عسكرية، بين الشمال والجنوب، واستعدت تلك القوات لفرض سيطرتها على الطرق الرئيسية، بين مختلف أنحاء الجنوب اليمني، فور اندلاع أعمال القتال المسلح، وأعدت في هذا الإطار نفسه تحصينات دفاعية هائلة، في أماكن تمركزها.

    3.
    ومنذ بداية الصراع، شاركت القوات الجوية للطرفين، مشاركة ملحوظة في قصف الأعماق المعادية. واستفادت القيادة الجنوبية في هذا الصدد، من تفوقها النسبي في القدرات الجوية. كما استفادت من تفوقها الساحق في المجال البحري. واستطاعت توظيف هذه القدرات خلال المرحلة الأولى للصراع، في قصف القوات الشمالية الموجودة في الجنوب، عن طريق البحر، فضلاً عن استخدام القدرات البحرية، في كافة العمليات العسكرية، القريبة من السواحل البحرية. وفي هذه المرحلة، كان القتال الحقيقي والأشد ضراوة، هو ذلك الذي وقع في مدينة زنجبار، عاصمة محافظة أبين، بين قوات جنوبية وقوات العمالقة الشمالية، التي ظلت تقاوم مقاومة عنيفة، بينما تعرضت القوات الجنوبية في الشمال لهزيمة مبكرة، بسبب الاختلال الشديد في ميزان القوى، لصالح القوات الشمالية، في تلك المواجهات. وفي أعقاب الانتهاء من هذه المرحلة، جمّعت القيادة الشمالية قواتها، وأعادت نشرها، وبدأت على الفور في الإعداد لجولة جديدة من المعارك. وذكرت بعض التقديرات المحايدة، أن حصيلة هذه المرحلة، التي استغرقت حوالى أربعة أيام، قد بلغت أكثر من عشرة آلاف قتيل من الجانبين. وطبقاً للمصادر الرسمية، يُعتقد أن الخسائر المادية تفوق نصف بليون دولار.




    القسم الثاني: معارك عمران
    أعمال قتال الجانبين في منطقة عمران
    الفترة من 27 أبريل إلى 30 أبريل 1994

    1. يوم 27 أبريل 1994

    أ.
    بعد ساعات قليلة، من حديث الرئيس علي عبدالله صالح، بمناسبة مرور عام، على إجراء أول انتخابات حرة، بعد وحدة الشطرين، الذي شن فيه هجوماً عنيفاً على الحزب الاشتراكي، وطالب نائبه علي سالم البيض، بضرورة احترام الهيئات التشريعية، وتأدية اليمين الدستورية، انفجر الوضع عسكرياً في منطقة عمران.

    ب.
    صرح مصدر مسؤول في وزارة الدفاع اليمنية في صنعاء، أنه عند الساعة الواحدة والنصف ظهراً، اقتحم ضابط سابق بالقوات المسلحة، يدعى يحيى داحش عليان، وهو عضو في الحزب الاشتراكي، وسبق طرده من القوات المسلحة لقيامه بأعمال تخريبية، تضر بأمن الوطن واستقراره، معسكر عمران، الذي يتمركز فيه كل من اللواء الثالث المدرع الجنوبي، واللواء الأول المدرع الشمالي، بمساندة مجاميع مسلحة، ومستخدماً عشر سيارات مجهزة برشاشات متنوعة. وأطلقوا النيران على أفراد اللواء الأول المدرع "الشمالي"، أثناء تناولهم طعام الغذاء، مما تسبب في خسائر كبيرة في الأرواح والممتلكات، وسقوط عشرات الشهداء والضحايا الأبرياء.

    وعندما بدأ جنود اللواء الأول الدفاع عن أنفسهم، ودحر الهجوم المفاجئ على معسكرهم المشترك، تدخلت قوات اللواء الثالث المدرع الجنوبي لمساندة المهاجمين، وأطلقت وابل من قذائف المدفعية، الدبابات، والأسلحة الثقيلة، والمتوسطة، والخفيفة، على مقر قيادة اللواء الأول المدرع الشمالي في المعسكر نفسه، وعلى عنابر سكن الجنود، وعلى المدرعات الواقفة في مرابضها. كما أطلقت دبابات ومدفعية اللواء الثالث (الجنوبي) حمماً من قذائفها على معسكر الأمن المركزي، القريب من معسكر عمران.

    وحّمل المصدر مسؤولية ما حدث في عمران، لقوى الردة والانفصال في الحزب الاشتراكي اليمني.

    جـ.
    وعلى الجانب الآخر، جاء في بيان لوزارة الدفاع في عدن، قيام الأسرة الحاكمة في صنعاء، تدعمها القوى الأصولية المتطرفة، المتحالفة معها، بتفجير الموقف عسكرياً، في منطقة عمران "60 كم شمال صنعاء"، واتهام القيادة الشمالية، بالإيعاز لقوات الفرقة الأولى المدرعة الشمالية، التي يقودها علي محسن الأحمر، بشن هجوم غادر، على اللواء الثالث المدرع الجنوبي، والمتمركز في عمران منذ إعلان الوحدة في 22 مايو 1990، وقال: "إن المعركة شديدة للغاية ونتائجها مؤسفة"، وأن "الحزب الاشتراكي يحمّل الرئيس علي عبدالله صالح شخصياً، وأفراد أسرته، الذين يحتلون مناصب رفيعة في القوات المسلحة، المسؤولية عن عواقب هذا الهجوم، الذي تزامن مع زيارة اللجنة العسكرية، المكلفة بمنع الاحتكاك بين الشماليين، والجنوبيين، لمعسكر عمران، بمرافقة الملحقين العسكريين الأمريكي والفرنسي. وأضاف المصدر، أن المواجهات التي وقعت في عمران، جاءت بعد قيام رئيس الدولة علي عبدالله صالح، بإلقاء خطاب عنيف أتهم فيه الجنوبيين بالعمل على التقسيم، والذي اعتبرته مصادر الحزب الاشتراكي بياناً للحرب، ضدها.

    وأضاف البيان، أن الهجوم يأتي تنفيذاً لخطة الأسرة العسكرية الحاكمة في صنعاء، والرامية إلى جر البلاد إلى حرب أهلية، يكون من نتائجها تعريض وحدة البلاد إلى الخطر، وتمزيقها، مشيراً إلى أن "هذا العمل يأتي أيضاً تتويجاً لسلسة من التفجيرات العسكرية والأمنية، التي دأبت على القيام بها منذ وقت طويل، واستهدفت قيادة الحزب الاشتراكي اليمني وكوادره". وذكر أن "قوات الفرقة الأولى المدرعة الشمالية، رفضت السماح للجنة العسكرية اليمنية المشتركة، بالنزول إلى المنطقة، لتقصي الحقائق، بل عمدت إلى منع أعضاء اللجنة من الاقتراب من المنطقة".


    2. في 28 أبريل 1994

    أ.
    اتسعت "الحرب اليمنية"، وأنذرت بالتفتت الشامل، حيث عكست الاشتباكات العنيفة، التي جرت بين الجانبين، بالقرب من العاصمة اليمنية صنعاء، شكوكاً حول الاحتمالات الباقية، لإنقاذ الوحدة بين الشطرين. ذلك أن الجانبين يتصرفان كما لو كانا لا يزالان دولتين منفصلتين، بينهما عداء. وقد تحدثت مصادر جنوبية، عن حصول قوات جنوبية، على تأييد القبائل المحلية في الشطر الشمالي، في إشارة واضحة إلى قبائل "بكيل"، التي تسعى إلى منافسة قبائل "حاشد"، الممسكة بالسلطة، في الشمال، وهو ما يسبب خطراً يتجاوز التشطير، إلى التفتيت، الذي لا يبدو أن الشطر الجنوبي سيكون بمنأى عنه.

    واتفقت مصادر حزب المؤتمر العام في صنعاء، مع المصادر الجنوبية، والمصادر المحايدة على الآتي:

    (1)
    استؤنفت الاشتباكات في منطقو عمران، عند الساعة الثالثة فجر الخميس 28 أبريل 1994، واستخدمت فيها مختلف أنواع الأسلحة الخفيفة والثقيلة، من الدبابات، والمدفعية.

    (2)
    تدور معارك طاحنة بين قوات اللواء الثالث المدرع الجنوبي، المرابط في منطقة عمران، وبين قوات اللواء الأول المدرع الشمالي، الذي تسانده قوات من الفرقة الأولى المدرعة، التي وصلت لتوهها من صنعاء.

    (3)
    قطعت قبائل بكيل الطريق على وصول الإمدادات، والتعزيزات الشمالية، المتوجهة إلى منطقة الاشتباك، وأن أنصار الرئيس صالح، أغضبهم بالفعل، ما يصفونه بالجهود، التي يبذلها الحزب الاشتراكي لاستمالة قبائل بكيل الشمالية.

    (4)
    وحتى يوم 28 أبريل، خلفت معارك عمران، عدداً غير محدد من الضحايا والخسائر. فقد قدرتها بعض المصادر بأكثر من مائة قتيل و200 جريح، في حين قدرت مصادر جنوبية عدد القتلى بنحو مائتين. وأفادت مصادر دبلوماسية عربية، أن عدد القتلى لا يقل عن 120، بينهم 20 مدنياً، وعدد الجرحى أكثر من مائتين، ووقع الكثير من الجنود الجنوبيين في الأسر. بينما تسببت الاشتباكات في تدمير عدد من المنشئات المدنية، المجاورة لمنطقة المعارك.


    ب.
    وفي إطار المساعي الدبلوماسية، أوفد الرئيس المصري، محمد حسني مبارك، السفير بدر همام، مساعد وزير الخارجية، إلى اليمن، لنقل رسالتين خاصتين منه، إلى كل من الرئيس علي عبدالله صالح، ونائبه علي سالم البيض، للعمل على إيقاف القتال، ومنع تدهور الموقف.

    كما دعا الشيخ زايد بن سلطان، رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة، إلى بذل كل جهد ممكن لاحتواء المواجهة المسلحة بين أبناء الشعب الواحد، وطالب بضبط النفس والتحلي بالصبر، والامتناع عن اللجوء إلى العنف لحل الأزمة القائمة.

    وتدخلت الولايات المتحدة الأمريكية للوساطة، بمبادرة طرحها، آرثر هيوز، السفير الأمريكي في صنعاء، تتضمن ثلاث نقاط هي:

    (1)
    وقف إطلاق النيران، بين اللواء الثالث المدرع الجنوبي والقوات الشمالية.

    (2)
    وقف أي هجوم من أي طرف ضد الطرف الآخر "ويشمل ذلك كافة مناطق اليمن".

    (3)
    وقف أي استفزازات متبادلة.


    وقد أعلن الحزب الاشتراكي، وحزب المؤتمر، موافقتهما على المبادرة.

    جـ.
    تعرض النائب الأول لرئيس الوزراء، الدكتور حسن مكي، وهو من المؤيدين البارزين للرئيس اليمني، لمحاولة اغتيال، عندما أطلق مسلحون النار عليه، لدى خروجه من اجتماع للجنة العامة لحزب المؤتمر الشعبي العام، عندما اعترضت سيارته، سيارتان، أعاقت إحداهما سيره، وأطلقت الأخرى النيران، فأصيب برصاصتين، ونقل إلى المستشفي، لكن ثلاثة من مرافقيه قتلوا فوراً. وفي وقت لاحق، قالت وزارة الداخلية اليمنية، في بيان لها، أنه قُبِضَ على خمسة مسلحين، يشتبه بأنهم اشتركوا في محاولة اغتيال مكي. وقال البيان، أنه يجري استجواب الأشخاص الخمسة، الذين لم تُذكر أسماءهم. وسارع الحزب الاشتراكي اليمني إلى استنكار هذا الاعتداء، الذي هو الأول في استهداف شخصية بارزة في صنعاء، منذ نحو سنة. بعد محاولة اغتيال الدكتور أحمد الصبحي، الأمين العام لحزب المؤتمر، بعد الوحدة مباشرة. وذكرت مصادر مطلعة أن محاولة اغتيال مكي، جاءت في أعقاب مشادة، بينه، وبين الشيخ ناجي عبدالعزيز الشائف، أحد مشايخ قبائل بكيل.


    3. يوم 29 أبريل 1994.

    أ.
    تناقضت الأنباء حول تقويم المعارك الدائرة، بين القوات الشمالية والجنوبية، ولكنها اتفقت جميعها، على أن فرصة اللواء الثالث المدرع الجنوبي كانت أفضل في البداية. ولكن كلاً من الطرفين، ركز على تدمير مخازن ذخيرة الطرف الآخر، فحرم اللواء الثالث من ميزة قتالية، بينما شكلت وحدات الحرس الجمهوري، والألوية الأخرى التابعة للفرقة الأولى المدرعة الشمالية، والتعزيزات التي دفعت إلى المنطقة من صنعاء، دعماً قوياً للقوات الشمالية، مما مكنها من التفوق، في نهاية المعركة، بعد يومين من القتال العنيف. كما شاركت القوات الشمالية، مجموعات قبلية من رجال قبيلة حاشد، الموالية لحزب المؤتمر الشعبي العام، وحزب التجمع للإصلاح، في مطاردة عناصر القوات الجنوبية، اللذين هربوا إلى جبال عيال سريح، وطلبوا حماية قبائل بكيل المؤيدة لهم. وفرض الشماليون حصاراً على ساحة المعركة، بعد ما انضم إليهم الدعم، الذي دفع من صنعاء.

    ب.
    تجدد القتال بين الطرفين في عمران، وجاء في بيان لوزارة الدفاع اليمنية، التي تتخذ عدن، في الجنوب مقراً لها، أن "الأعمال الإجرامية"، في عمران تجددت، ضد اللواء الثالث المدرع الجنوبي حين هوجم، في موقع جديد، كان قد انسحب إليه "تكتيكيا" في وقت سابق. ودعت القيادة العسكرية الجنوبية إلى وضع حد لكل العمليات القتالية، وناشدت المعنيين، وجمعيات الهلال الأحمر العربية، واللجنة الدولية للصليب الأحمر، رفع الحصار، والمساعدة في إجلاء الجرحى والقتلى، وتوصيل المواد الطبية. وحذّرت من أن عدم فصل القوات سريعاً، سيؤدي إلى مزيد من المعارك.

    جـ.
    أُذيع بيان لحزب المؤتمر الشعبي العام ورد فيه، أن هناك حملات مطاردة وتفتيش واسعة تجري، للقبض على العقيد سيف البقري، قائد اللواء الثالث، والعقيد يحيى داحش، رئيس أركانه، والعميد مجاهد القهالي، عضو مجلس النواب، لتقديمهم للمحاكمة العسكرية. وأكد البيان، أن العقيد البقري وأعوانه، مازالوا موجودين في منطقة الأحداث، وانهم لجأو إلى بعض القبائل.

    د.
    صرح مسؤول في الحزب الاشتراكي، أن اللواء الثالث المدرع، تعرض لمذبحة دموية، وتصفية جسدية، لم يشهدها اليمن من قبل. وأكد على أن شخصيات سياسية وعسكرية، من القوى المُنفذة في حزبي المؤتمر، والإصلاح، أشرفت على العمليات لتصفية اللواء الجنوبي، ومطاردة من تبقى من رجاله في الجبال المجاورة ومناطق القبائل التي أيدته، بعد وصول التعزيزات من صنعاء.

    هـ.
    استمرت الحشود الشمالية، في منطقة عمران، لمواجهة احتمالات تَفَجُّر انتفاضة من جانب قبائل عيال سريح، الذين يتضمن تسليحهم حوالي 30 دبابة، من مدرعات اللواء الثالث.

    وفي محاولة لوقف إطلاق النيران، شُكلت لجنة عسكرية محايدة، تضم ممثلين أمريكيين وفرنسيين، لتهدئة الموقف المتوتر بين طرفي القتال.


    4. يوم 30 أبريل 1994.

    أ.
    أكد متحدث عسكري جنوبي في عدن، أنه عقب هدوء، لم يستمر سوى ساعات، بعد توقف القتال في عمران، استؤنف القتال في الساعة الواحدة والنصف صباح اليوم، في هجمات شرسة، شنها لواءان من الحرس الجمهوري، ولواء أمن مركزي، ولواء العروبة، الذي نُقل من صعده، على جناح السرعة، لتعزيز قدرات القوات الشمالية في عمران، إلى جانب بعض القبائل المساندة لها، بهدف إبادة من تبقى من أفراد اللواء المدرع الجنوبي، التي لجأت إلى الجبال. وأكد المتحدث، أن الوحدات الجنوبية، تدعمها قبائل بكيل، وأهالي منطقة عمران، تتصدى للهجوم ببسالة. ثم خفت حدة الهجوم نسبياً، بعد أن سقط عدد غير محدد، من الجرحى والقتلى.

    ب.
    أفادت المصادر نفسها، أن قيادة اللواء الثالث المدرع الجنوبي، استعادت الاتصال، مع وزارة الدفاع في عدن، على الرغم من أن اللواء الثلث يتعرض لحصار شديد، من جميع الجهات، وقُطِعَ عنه خطوط الإمداد بالمؤن، والذخائر، والأدوية.


    5. الموقف العام في مسرح العمليات، في نهاية يوم 30 أبريل 1994

    أ.
    ملأت الشارع اليمني مخاوف، بشأن اندلاع الحرب الشاملة، وسط تضارب الأنباء والتصريحات. وأعلن عدد من المصادر المطلعة، أن أطراف الأزمة، اتخذوا قراراً بالحرب، في ظل استنفار عسكري، وقبلي، واسع.

    ب.
    وفي إطار الاستعدادات العسكرية، التي كانت تنبئ بانفجار الموقف، إلى حرب شاملة بين الطرفين، أشارت توقعات المصادر العسكرية لطرفي الأزمة، والمراقبين، بأن الساعات المقبلة، ستشهد انفجاراً للموقف العسكري، بشكل متفاقم.
    وتتلخص مظاهر وشواهد التصعيد العسكري، في الآتي:

    (1)
    فشل اللجنة العسكرية المشتركة، التي زارت مناطق المواجهة، في وضع حد للتوتر ووقف الحشود، وفرض قرار بانسحاب القوات والحشود إلى معسكراتها الأصلية، ووقف وصول التعزيزات من صنعاء.

    (2)
    نقل الرئيس علي عبدالله صالح، دوامه اليومي، من مبنى الرئاسة، إلى مركز العمليات العسكرية، في القيادة العامة للقوات المسلحة، وأشرافه شخصياً، على التحركات في كافة جبهات المواجهة.

    (3)
    استمرار إغلاق منافذ الحدود الشطرية السابقة.

    (4)
    إخلاء مطار عدن، من الطائرات المدنية، ونقلها إلى مطار الّريان بمحافظة حضرموت، تحسباً لأي هجوم عليه، من قوات الأمن المركزي الشمالية، المتمركزة في معسكر مجاور للمطار.

    (5)
    رفع درجة استعداد وحدات المدفعية المضادة للطائرات، التي تؤمّن مطار صنعاء، ومقر رئاسة الجمهورية، إلى حالة التأهب القصوى.

    (6)
    رفض القيادة العسكرية الشمالية، فك الحصار عن الألوية الجنوبية المتمركزة في الشطر الشمالي، وما تبقى من اللواء الثالث المدرع الجنوبي، في منطقة عمران.

    (7)
    استعداد بعض القيادات اليمنية الموجودة بالخارج للعودة، إذ صرح الشيخ سنان أبو لحوم، زعيم اتحاد القوى الشعبية، أنه سيصل إلى صنعاء، قادماً من القاهرة، وذلك عقب تلقيه اتصالين هاتفيين من كلٍ من الرئيس علي عبدالله صالح، ونائبه علي سالم البيض.

    (8)
    صّرحت مصادر عسكرية في صنعاء، بأن القوات الجوية الجنوبية، تستعد لتوجيه ضربة خاطفة، ضد لواءين شماليين متمركزين في الجنوب، هما: لواء العمالقة المتمركز في أبين، واللواء المدرع في معسكر الكبس، بمحافظة لحج.

    (9)
    تشير بعض المعلومات، في كل من صنعاء وعدن، عن تورط القيادات العسكرية، المقربة من الرئيس علي عبدالله صالح، وقيادة حزب التجمع اليمني للإصلاح، في تأجيج الوضع العسكري، وتوسيع نطاق القتال، خاصة أشقاء الرئيس اليمني، وإخوته غير الأشقاء، المسيطرين على وحدات المدرعات، والحرس الجمهوري، والأمن المركزي، وذلك بهدف إيجاد مخرج من الأزمة، ويؤكد ذلك، التحركات العسكرية الواسعة، منذ اندلاع القتال في عمران.


    جـ.
    توتر الموقف وتصعيده في كافة مناطق المواجهة كالآتي:
    (1) في محافظة زمار:

    (أ)
    رفع درجة استعداد لواء بأصهيب الجنوبي، المتمركز في ذمار، إلى حالة التأهب القصوى، وانتشار قواته في المواقع المجاورة والقريبة من معسكره، تحسباً لأي هجوم عليه من القوات الشمالية المحتشدة حوله.

    (ب)
    حشدت القيادة العسكرية الشمالية، حجماً كبيراً من قواتها حول منطقة ذمار، حيث حركت كتيبتين من لواء المجد، من مواقعهم في مدينة باجل، بمحافظة الحديدة، في اتجاه ذمار، وانضمت إليهم، قوات من الحرس الجمهوري، وقوات الأمن المركز، كما عززوا تسليح قواتهم، بدعمهم بدبابات من لواء حمزة المتمركز في محافظة أب، ومن اللواء 56 المدرع المتمركز في منطقة دراع.

    وقد احتلت عناصر من القوات الشمالية، منطقة عنس، غرب ذمار. كما احتل لواء الحرس الجمهوري، ولواء الأمن المركزي، المناطق الشمالية والشرقية، وبذلك حاصرت القوات الشمالية لواء بأصهيب الجنوبي في زمار. وهكذا أصبحت ذمار، من أخطر المناطق اليمنية، المرشحة للانفجار العسكري، نظراً لتزايد الحشود فيها، وارتفاع حده التوتر.


    (2) في محافظة أبين "شرق عدن":

    (أ)
    نقلت القيادة العسكرية في صنعاء، كميات كبيرة من الأسلحة والذخائر، إلى معسكر العمالقة في أبين، بواسطة طائرات عمودية، بعد تعذر وصولها براً، لتمركز قوات جنوبية حول طرق الإمداد، شمال المحافظة.

    وكَدَّست قيادة لواء العمالقة، الأسلحة والذخائر، في منطقتي زنجبار، ولودر، في إطار خطة لإحكام السيطرة، على محافظة أبين، وتركيز الطوق العسكري من الشرق على العاصمة عدن.

    (ب)
    أفادت مصادر عسكرية جنوبية، أن قوات كبيرة من لواء العمالقة، المعزز بوحدات عسكرية مختلفة، بدأت في الانتشار بكامل أسلحتها الثقيلة، على طول وعرض زنجبار، ومدينة لودر القريبتين من عدن، إلى جانب فتح مراكز قيادة ثابتة، ومتنقلة، في عدد من المناطق الإستراتيجية في أبين، كما حفروا خنادق في شرق زنجبار.

    وأكدت المصادر نفسها، أن الوضع في محافظة أبين بعد انتشار قوات لواء العمالقة، أصبح مهيأً للانفجار.

    (3)
    في محافظة لحج "شمال عدن":
    وصلت تعزيزات عسكرية كبيرة، شملت صواريخ مضادة للدبابات، ومضادة للطائرات، إلى اللواء الثاني المدرع الشمالي، المتمركز في معسكر الكبسي، في مديرية ردفان، التابعة لمحافظة لحج.

    كما انتشر اللواء الثاني في المناطق المحيطة بمعسكره. وفي المقابل، حرّكت القيادة العسكرية الجنوبية، دباباتها المتمركزة في معسكر العند، وحاصرت منطقة معسكر اللواء الثاني المدرع الشمالي في ردفان، كما اتخذ السكان المحليون، المسلحون بقذائف صاروخية ورشاشات، مواقع، أمام مواجهة المعسكر، وفي الجبال المحيطة.

    وفي غضون ذلك، طالب مواطنو محافظة لحج، تدخل اللجنة العسكرية المشتركة، لوقف التحرشات والاستفزازات، التي يواصلها اللواء المدرع الشمالي ضد أبناء المنطقة.

    وقد أشارت مصادر صنعاء، أن معسكر الكبسي، يعتبر من أكثر المناطق القابلة للانفجار.


    د.
    تبادل الاتهامات:

    في الوقت الذي هدأت فيه حرب الدبابات، بين طرفي النزاع في اليمن، اعتباراً من الأول من أبريل 1994، اشتعلت حرب من نوع آخر، هي حرب الكلمات، التي وصلت إلى مرحلة مريرة، لم يسبق لها مثيل. وبدأت الاتهامات تتخذ طابعاً شخصياً، وأعرب المراقبون، وعدد من المثقفين، عن قلقهم من تصاعد الحملات الإعلامية المتبادلة، التي تزيد الفجوة اتساعاً بين الجانبين.

    وعَدَّ المراقبون، تبادل الاتهامات الأَخيرة، بعد اندلاع المعارك في عمران، بأنها، إعلان للقطيعة الكاملة، بين الرئيس علي عبدالله صالح، ونائبه علي سالم البيض، لما حملته من عبارات، تنم عن أن طريق العودة إلى صنعاء، في ظل وجود الرئيس علي عبدالله صالح في الحكم، أصبح مستحيلاً.

    هـ.
    المساعي الدبلوماسية:

    وصلت جميع المساعي إلى طريق مسدود. وقد عّبر المراقبون، عن عدم تفاؤلهم، بشأن الوساطة المصرية لحل الأزمة، وأن أي حل سياسي بوساطة عربية، قد لا يكون ناجحاً، لأن القادة اليمنيين، يرفضون ما يفرض عليهم، من خلال الوساطات، خاصة إذا ما تعارضت مع مطالبهم ونواياهم.

    وأشارت عدة مصادر، أن أطرافاً عربية ودولية، بذلت جهوداً مكثفة، للوساطة بين الرئيس اليمني ونائبه، كما دخلت سورية على خط الوساطات، لتخفيف حدة المواجهة بين صنعاء وعدن، غير أن جهود الوساطة لم تنجح في منع المصادمات العسكرية، ومازالت قوات الطرفين في أقصى درجات الاستعداد القتالي، ويتربص كل منهما بالآخر، وأن الوضع في طريقه إلى التدهور، وجر البلاد إلى حرب أهلية.

    واعتبرت المصادر الدبلوماسية، أن الجولات المكوكية بين صنعاء وعدن، التي يقوم بها السفير بدر همام، مبعوث الرئيس المصري، محمد حسني مبارك، هي نقطة الأمل الأخيرة.




    القسم الثالث: معارك زمار، ولحج، والكبسي
    تطور أعمال القتال خلال الفترة "من 1 مايو إلى 4 مايو 1994":

    1.
    في الأول والثاني والثالث من مايو 1994:

    أ. أعلنت القيادة العسكرية الجنوبية في عدن عن الآتي:


    (1)
    تمكنت القوات الجنوبية في محافظة لحج "100 كم شمال عدن"، من إحباط محاولة، قامت بها قوات معسكر الكبسي الشمالي، المرابطة في منطقة الملاح شمالي لحج، للتقدم نحو الحوطة "50 كم شمالي عدن"، وأكدت أن القوات الجنوبية تحاصر القوات الشمالية، لمنعها من تفجير الموقف.


    (2)
    محاصرة القوات الجنوبية للواء العمالقة في أبين، وحصار القوات الشمالية للواء بأصهيب في ذمار.


    (3)
    عودة مجموعة كبيرة من جنود اللواء الثالث المدرع الجنوبي، مع قائدهم العقيد سيف صالح البقري، إلى عدن، بعد تدمير معسكرهم، أثناء القتال بالدبابات، في منطقة عمران.

    ب.
    تحدث مصدر عسكري في وزارة الدفاع، في صنعاء، عن حشود عسكرية كثيفة على الحدود الشطرية، وقال: "إن وحدات لواء عبود في الضالع، تحاصر اللواء الثاني المدرع في معسكر الكبسي، بمحافظة لحج وتقيم نقاطاً عسكرية على الطرق المؤدية للمعسكر، كما أفادت المصادر نفسها، أن قوات شمالية ترابط في الجنوب، أسقطت طائرة عسكرية من نوع ميج 21 (MIG-21)، عندما حاولت مجموعة من الطائرات الجنوبية، التحليق فوق مواقع اللواء الثالث المدرع الشمالي في لحج، بطريقة استفزازية.


    2.
    يوم 4 مايو 1994:

    أ.
    اندلعت اشتباكات عنيفة، بين قوات يمنية شمالية، وأخرى جنوبية، في مدينة ذمار الشمالية، على مسافة 100 كم جنوبي صنعاء، وبالقرب من الحدود بين شطري اليمن. واندلع القتال باستخدام كافة الأسلحة الثقيلة والمتوسطة، بين لواء بأصهيب الجنوبي، المتمركز في مدينة زمار، ووحدات من الحرس الجمهوري، وكتائب المجد، وكتائب الأمن المركزي الشمالية، التي تحتل مواقعها حول مدينة زمار.

    ب.
    وردت معلومات عن تعرض مدينة ذمار لقصف شديد، بسبب احتماء دبابات لواء بأصهيب، بالمباني السكنية، كما تأكد قصف مبنى محافظة ذمار، وشوهدت السنة اللهب وسمع صوت الانفجارات في مخازن ذخيرة لواء بأصهيب، التي استهدفتها القوات الشمالية، لحرمانه من ميزة الاستمرار في القتال كما تأكد انقطاع التيار الكهربائي في صنعاء، وأب، وذمار، وقيل إن ذلك يرجع إلى قصف محطة محولات ذمار، التي تربط محطات توليد الطاقة في الحديدة والمخا، بشبكة الكهرباء اليمنية. ولم تتوافر تفاصيل عن القتال، وذلك بفعل انقطاع الخطوط الهاتفية، بين ذمار وصنعاء، إلاّ أن المعلومات التي وردت قبل انقطاع الاتصالات، أكدت أن ثكنات بأصهيب دُمرت تماماً.

    جـ.
    وأشارت أنباء أخرى إلى الآتي:

    (1)
    نشوب اشتباكات بين أفراد اللواء الأول مدفعية، المتمركز قي بريم، جنوب ذمار، والذي يضم بين صفوفه، أفراداً من العسكريين الشماليين والجنوبيين، الذين تنافسوا على احتلال المرتفعات المحيطة بموقعه، وحفر الخنادق بها.

    (2)
    زيادة التوتر في مناطق باب المندب، وبريم، ومأرب، وشبوة، والبيضاء، وأبين، حيث توجد حشود متواجهة للطرفين "الشمالي والجنوبي"، في أول مؤشر على اندلاع الحرب الشاملة في اليمن.

    (3)
    نزوح الآلاف من المواطنين، من ذمار في اتجاه الجنوب. وعبّر مسؤول في الحزب الاشتراكي، عن خشيته من اضطرار عدد كبير من أبناء المناطق الوسطى، اللجوء إلى المحافظات الجنوبية، والشرقية


    د.
    دارت معركة قرب منطقة خور مكسر، بين القوات الجنوبية ضد وحدة من الحرس الجمهوري، وكتائب الأمن المركزي المتمركزة بمنطقة معاشيق، المجاورة لمطار عدن، انسحبت على أثرها القوات الشمالية، إلى منطقة دار سعد خارج عدن.

    كما دارت اشتباكات بين لوائي عبود والخامس المدرع، الجنوبيين، وبمساندّه من رجال القبائل المحليين، مع اللواء الثاني المدرع في ردفان، بعد أن انتشر في المناطق الجبلية المحيطة بمعسكر الكبسي.

    هـ.
    قطع تليفزيون عدن إرساله بعد ساعة من بدء الاشتباكات، وأذاع نبأ العمليات العسكرية، وحمّل الأسرة العسكرية في صنعاء مسؤوليتها.

    وبعد ذلك بساعة واحدة، قطع تليفزيون صنعاء البث، وأعلن أن العصابة الانفصالية في الحزب الاشتراكي، شنت الحرب.

    و.
    حذرت وزارة الخارجية الأمريكية من الانفصال، وتقدمت بمقترحات لإعادة بناء الثقة وإنهاء الأزمة سلمياً .


    3.
    وعلى إثر تصاعد الأعمال العسكرية، تراجعت احتمالات عقد القمة الرباعية، التي كان يُعَد لها في القاهرة، لتضم الرئيس اليمني علي عبدالله صالح، ونائبه علي سالم البيض، إلى جانب الرئيس المصري، محمد حسني مبارك، ورئيس دولة الإمارات العربية المتحدة، الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان.




    الفصل الثاني
    المرحلة الثانية: من الحرب الأهلية اليمنية
    الفترة من 5 مايو إلى 24 مايو 1994

    الزحف نحو عدن

    القسم الأول: الفكرة العامة لخطة عمليات المرحلة
    فور الانتهاء من تصفية جيوب القوات الجنوبية، الموجودة في الشمال، عمدت القيادة الشمالية، إلى البدء في تنفيذ عملية هجوم واسع النطاق، انطلاقاً من قواعد ذمار، وبريم، ومكيراس، وأبين. واستفادت القيادة الشمالية في هذا الصدد، من أن وحداتها المذكورة الموجودة في الجنوب، قد قاومت بعنف، بل، وامتلكت القدرة على القيام ببعض المبادرات الهجومية، واستطاعت الاحتماء بالمناطق السكنية القريبة من مناطق تمركزها. وعلى هذا الأساس، تمثل الهدف الرئيسي، للقيادة الشمالية، في هذه المرحلة في تحقيق الالتحام، بين قواتها المندفعة من الشمال، مع قواتها الموجودة أصلاً في الجنوب. وقامت في هذا الإطار بدفع تعزيزات مكثفة إلى قوات العمالقة، بمحافظة أبين، مستفيدة في ذلك من ضعف المجهود العسكري الجنوبي، في المناطق الشطرية، التي تربط بين محافظتي البيضاء الشمالية، وأبين الجنوبية. ومن ناحية أخرى، ظلت قوات اللواء الثاني المدرع الشمالية، الموجودة في مديرية ردفان الجنوبية، تقاوم بضراوة، إلى أن تمكنت القيادة الشمالية، من تعزيزه بوحدات عديدة، عبر محافظتي أب، وتعز، الشماليتين، القريبتين من مناطق تمركز اللواء المذكور. وخلال استكمال عملية التعزيز هذه ، ظلت القيادة الشمالية، تردد أنها نجحت في الاستيلاء على مطار العند، الواقع في وسط محافظة لحج، على مسافة 50 كيلو مترا شمال عدن، وكان هذا الإعلان بمثابة محاولة للخداع، ولفت الأنظار عن المعارك التي تخوضها قوات العمالقة في محافظة أبين، وأيضاً للإيهام، بأن زحف القوات الشمالية، مستمر في اتجاه عدن. وفي ظل هذا الوضع، اضطرت قيادة الحزب الاشتراكي، إلى إعلان التعبئة العامة، في محافظات جنوب اليمن، منذ السادس من مايو. كما أعادت إحياء ما يعرف بالدائرة العامة للتعبئة العليا والاحتياط، وأوكلت إليها، مهمة تنسيق عمليات التعبئة العامة للاحتياط البشري، والمادي، في جميع المحافظات، بالتعاون مع المنظمات الجماهيرية، والقطاع العام، والمختلط، والمؤسسات والمرافق الحكومية، لضمان تنفيذ المهام الموكولة إليها. وعلى الرغم من أن القيادة الجنوبية، أفلحت في تحقيق تفوق عددي، في مواجهة قوات العمالقة، (خمسة ألوية جنوبية في مواجهة أربعة ألوية شمالية)، إلاّ أن نجاح الشماليين في الالتحام مع قوات العمالقة، أتاح لها، تغيير معادلة التوازن لصالحها، تسليحاً، وإدارياً وبشرياً، مما جعل النشاط العسكري الجنوبي في مواجهتها، غير فعّال، سوى في إرباك تلك القوات، ومنعها من التجمع والانطلاق، في هجمات واسعة النطاق.
    وفي 11 مايو 1994، حاولت القوات الشمالية، التقدم عبر محور جديد، في منطقة باب المندب، إلاّ أن القوات الجنوبية، أفلحت في وقف تقدم الشماليين. وعلى الرغم من ترديد القيادة الجنوبية، وقتذاك، أنها نجحت، في وقف تقدم الشماليين، وتدمير قوات العمالقة الشمالية، فإن تطورات الصراع المسلح، ظلت تُظهر أن قوات العمالقة مازالت متماسكة وفعالة، بل إن منطقة زنجبار، التي تتمركز فيها تلك القوات، كانت بمثابة الساحة الرئيسية، والمنطقة الوحيدة، التي شهدت مواجهات نظامية واسعة النطاق، طيلة الأسبوع الأول للعمليات، إلاّ أن القوات الجنوبية، أفلحت في 13 مايو، في تحقيق انتصار جزئي، ضد قوات العمالقة، وطردتها من مدينة زنجبار، وأجبرتها على التراجع نحو الشمال الشرقي، مع الاستمرار في مطاردتها، والاستعانة في هذا الشأن بقبائل شبوة، التي دخلت الحرب إلى جانب القيادة الجنوبية.
    في 14 مايو 1994، نجحت القوات الشمالية، بدورها، في الاستيلاء على مدينة الضالع، عاصمة مديرية ردفان، التي تبعد حوالي 100 كيلومتر شمالي عدن، فيما هو بداية لتصعيد جديد، في مسار الصراع المسلح. فقد عمدت القوات الشمالية، عقب ذلك، إلى تكثيف هجماتها على محوري " الضالع ـ قعطبة، وكرش ـ العند "، وذلك لتحقيق تقدم نحو قاعدة العند الإستراتيجية، والتي كانت القوات الجنوبية قد انسحبت إليها، عقب انسحابها من مدينة الضالع، وفي هذين المحورين وقعت أكثر المعارك ضراوة في الصراع المسلح. فقد بدأت القوات الجنوبية في شن عمليات فدائية، وحرب عصابات، ضد القوات الشمالية، في منطقة الضالع الجنوبية، في الوقت الذي نفذت فيه القوات الشمالية هجمات بالغة الضراوة، على هذين المحورين، انطلاقاً من أن الاستيلاء على قاعدة العند، سوف يؤدى إلى فتح الطريق إلى عدن. كما اهتمت القوات الشمالية، بمواصلة التقدم عبر ثلاثة محاور أخرى، هي كرش ـ الراهدة، خزر ـ باب المندب، بيحان ـ شبوة، وذلك في محاولة لتشتيت جهود القوات الجنوبية، بما يتيح للقوات الشمالية الاختراق، على أحد الطرق الثلاثة، المؤدية إلى عدن. وألقت القيادة الشمالية، بكامل احتياطياتها، من الأفراد والمعدات، في موجات بشرية متوالية، على جميع تلك المحاور، لا سيما محور الضالع ـ العند.
    وقد استكملت القوات الشمالية جهودها، بعد ذلك، بتكثيف أعمال القصف، على دفاعات ضد القوات الجنوبية، في جبهة الضالع ـ العند، واستطاعت تحقيق تقدم تدريجي، في اتجاه قاعدة العند الجوية الإستراتيجية. كما حاولت، تحقيق تقدم على باقي المحاور، للالتفاف حول عدن. من جميع الجهات. وأدت المعارك، التي جرت على هذه المحاور، خلال الأسبوعين الثالث والرابع للعمليات، إلى سقوط آلاف القتلى، والجرحى، في صفوف القوات الشمالية، لا سيما وأن القوات الجنوبية، استبسلت بدرجة ملحوظة، وكثّفت نيرانها، من خلال القصف الصاروخي، والمدفعي، والجوي، ضد كافة مواقع القوات الشمالية. وقد واصلت القيادة الشمالية، خلال تلك الفترة، الحرب الدعائية ضد الجنوبيين، حيث رددت مراراً، أنها نجحت في اقتحام قاعدة العند، في الوقت الذي لم تكن قد اقتربت فيه من القاعدة أصلا. ومن بين جميع محاور القتال، كانت النجاحات الشمالية، الأكثر بروزاً، هى تلك التي تحققت في محور شبوة، وتحديداً في اتجاه مدينة عتق. وواصلت تلك القوات، عقب ذلك التقدم التدريجي، في اتجاه قاعدة العند، حيث أفلحت، أولاً في التقدم إلى الناحية الشمالية للقاعدة، التي يفصلها واد جبلي، عن المعسكر الرئيسي في القاعدة. وظلت القوات الجنوبية تقاوم بشراسة، على الرغم من الاختلال الكاسح، في ميزان القوى في غير صالحها. ولم يستطع الشماليون، الاستيلاء على القاعدة، إلاّ بعد حوالي أسبوعين، من القتال العنيف، بل إن بعض التقارير، تذهب إلى أن القوات الجنوبية، هي التي انسحبت انسحاباً تكتيكياً من القاعدة، بغرض إجبار القوات الشمالية، على تخصيص أعداد ضخمة، من القوات للدفاع عن المنطقة، التي تم إخلاؤها، وحرمان باقي محاور القتال، من هذه القوات.
    وفي 20 مايو 1994، أعلن الرئيس على عبدالله صالح، هدنة لمدة ثلاثة أيام، بمناسبة عيد الأضحى المبارك، استجابة لمساعي بعض الرؤساء العرب، إلا أنه في مساء اليوم نفسه، شهد الصراع بين شطري اليمن، تحولاً نوعياً، بالغ الأهمية، مع إعلان الزعيم الجنوبي على سالم البيض، إقامة دولة اليمن الديموقراطية في الجنوب. كما ترافق هذا الإعلان، مع قيام البيض، بنقل مقر القيادة إلى حضرموت، في شرق البلاد، فيما استهدف إقامة خط دفاعي جديد، علاوة على أن حضرموت كانت تمثل قاعدة ملائمة، لإقامة حكومة انفصالية جديدة عن الجمهورية اليمنية. إضافة إلى ذلك، أن حضرموت كانت توصف بأنها الجائزة الكبرى الحقيقية، في الحرب اليمنية، وذلك لما تتمتع به من ثروة نفطية، وإمكانات زراعية، وثروة سمكية، إضافة إلى ما يتوافر لها، من مزايا جيوستراتيجية. وفي ظل هذا الوضع، نجحت القوات الجنوبية في وقف تقدم القوات الشمالية، على الجبهات الرئيسية في شمال لحج، و أبين، و خزر، ولكنها لم تستطع، تصفية القوات الشمالية، التي كانت متمركزة على أراضيها منذ الوحدة، بل على العكس من ذلك، ازدادت فاعلية تلك القوات عقب حصولها على إمدادات، وتعزيزات جديدة من صنعاء. وفي الثالث والعشرين من مايو، استؤنف قتال واسع النطاق مجدداً، وتمكنت القوات الشمالية، من تحقيق تقدم في محافظة شبوة، لقطع الطريق بين عدن في الغرب، وحضرموت في الشرق. وأكدت القيادة الجنوبية، من جانبها، أن تقدم الشماليين، كان ناتجاً عن تراجعها، تراجعاً تكتيكياً، أمام الكثافة العددية للقوات الشمالية.
    القسم الثاني: الضربات الجوية المتبادلة وإعلان حالة الطوارئ، والقتال في مكيراس، وشمالي عدن
    خلال الفترة من 5 مايو إلى 7 مايو 1994
    بدأ القتال الشامل، باندلاع المعارك الطاحنة، بين القوات الشمالية والجنوبية، في ثماني محافظات. وانطلقت المعارك من ذمار ليلة 4/5 مايو، في وقت متاخر من الليل، على أثر مواجهة شاملة، بين لواء بأصهيب الجنوبي، ووحدات الحرس الجمهوري، والوحدات المدرعة، والأمن المركزي الشمالية، ثم انتقلت الاشتباكات إلى منطقة بريم "30 كم جنوب ذمار"، بين اللواء الرابع مدفعية الجنوبي، وحشود القوات الشمالية في المنطقة، في الوقت الذي أخذت فيه المعارك خطاً تصاعدياً، وانتشرت إلى بقية المناطق، خاصة عند الحدود الشطرية السابقة.

    1. يوم 5 مايو 1994

    أ.
    انفجرت الأزمة السياسية في اليمن، وبدأ حوار المدافع بين القوات الشمالية والقوات الجنوبية، حيث أغارت طائرات مقاتلة تابعة للقوات الجنوبية، على مطارات العاصمة صنعاء، والحديدة، وتعز بهدف شل فاعليتها، والحيلولة دون استخدامها. كما استهدفت الغارات محيط القصر الرئاسي، والمقر الحكومي، ومبنى قيادة الأركان العامة، ومبنى وزارة الدفاع، ومبنى الإذاعة والتليفزيون. وعقب قصف قصر الرئاسة، شوهد تصاعد أدخنة من محيط القصر، ولم يعرف ما إذا كان الرئيس صالح لا يزال فيه، أم انتقل إلى مكان آخر؟

    وشاركت القوات الجوية للطرفين في المعارك، بعد أن بدأت طائرات صنعاء في قصف مطار عدن الدولي، ومطار العند العسكري ومحطة كهرباء الحسوه، وميناء عدن، ومبنى الإذاعة، والتليفزيون، ومصفاه عدن النفطية.

    واستمرت الإغارات الجوية المتبادلة، طوال يوم 5 مايو، كما استمرت لليوم التالي، في الوقت الذي أعلنت فيه القيادة الجنوبية عن شل قدرة مطار صنعاء. وقد أغلقت مطارات عدن، وصنعاء، والحديدة، وتعز، وميناء عدن بسبب القتال الضاري.

    وفي ذلك اليوم خلت العاصمة صنعاء من المواطنين، وأقفلت جميع محالها التجارية، واستمرت المدفعية المضادة للطائرات تطلق نيرانها بشكل كثيف لحماية أجواء العاصمة، وانقطعت الاتصالات الهاتفية داخل البلاد، خصوصاً مع الشطر الجنوبي، وأعلنت القيادة العسكرية الشمالية، أنها أسقطت خمس مقاتلات جنوبية، بينها اثنتان في منطقة الراحة، واثنتان في مكيراس، وواحدة في رهدة، على الحدود السابقة بين شطري اليمن، بينما تحدثت عدن، عن أن دفاعاتها الجوية، تصدت للطائرات الشمالية المغيرة، وأسقطت أربعاً منها.

    ب.
    بلغ التصعيد العسكري ذروته، عندما توسعت المعارك، لتشمل محافظات صنعاء، وعدن، وأبين، ولحج، وزمار، وأب، وتعز، والبيضاء، واشتركت فيها مختلف الأسلحة، بما فيها القوات البحرية.

    جـ.
    اصدر رئيس مجلس الرئاسة اليمني، قراراً جمهورياً، بإعلان حالة الطوارئ، في كل أنحاء الجمهورية، ولمدة ثلاثين يوماً ابتداء من يوم الخميس الموافق 5 مايو 1994، وفي الوقت نفسه أعلنت في عدن حالة التعبئة الكاملة.

    د.
    وترافق التصعيد العسكري، مع تصعيد سياسي، إذ سحب مجلس النواب، الذي يسيطر عليه الشماليون " حزبي المؤتمر والإصلاح"، ثقته من حكومة حيدر أبو بكر العطاس.

    هـ.
    أعلنت قبائل خولان، أن اللواء الخامس مظلات الجنوبي، المتمركز في منطقة العرقوب، على أراضيها، وفي جوارها، تحت حمايتها. كما أعلنت قبائل أرحب البكيلية حمايتها للواء المشاة الجنوبي، المتمركز في منطقتها، شريطة أن لا يشارك، أي منهما في القتال.

    ويحقق ذلك حماية لهاتين الوحدتين التابعتين لعدن، لأن قدرتهما على القتال كانت محدودة من ناحية، ومن ناحية أخرى كان تعرضهما للخطر كبير للغاية، بحكم بعد مواقعهم، وصعوبة إمدادهم.

    و.
    ويرى مراقبون عسكريون أن ملامح إستراتيجية طرفي القتال، بدأت تتضح، وبرزت مدينة عدن هدفاً للإستراتيجيتين في آن واحد. فخطة قيادة صنعاء، تتضمن إبقاء ثلث القوات الجنوبية في المحافظات الشمالية، لحرمان القيادة الجنوبية من الاستفادة منهم في الدفاع عن عدن، في الوقت الذي احتفظت فيه باللواء الثاني المدرع الشمالي، في معسكر الكبسي بمديرية ردفان، بمحافظة لحج، وبقوات العمالقة "4 ألوية" في محافظة أبين، التي تحدها من الشرق محافظتي شبوة وحضرموت حيث توجد منابع النفط، وتقوم هذه القوات بالدفاع والتمسك بمواقعها، لحين اتصال القوات الشمالية، المتقدمة من الشطر الشمالي، بهم.

    في حين تركزت خطة القوات الجنوبية، على إنهاء خطر اللواء الثاني، المتمركز في معسكر الكبسي بردفان، وتصفية قوات العمالقة في أبين، تمهيداً لنقل القتال إلى الحدود الشطرية السابقة، بعد أن حسمت الموقف نهائياً مع وحدات الأمن المركزي، والحرس الجمهوري، والشرطة العسكرية، التي كانت موجودة، قرب منطقة دار سعد، المجاورة لمطار عدن، عندما حاولت ضرب المطار، أثناء القتال الدائر ضد لواء بأصهيب في ذمار.

    ز.
    صرحت مصادر جنوبية بالآتي:

    (1)
    نجح اللواء الأول مدفعية الجنوبي، في الالتحام مع لواء بأصهيب في ذمار، وتضاربت الأنباء بشأن تحركاتهما معاً، إما إلى الشمال نحو صنعاء، وإما إلى الجنوب، لسد منفذ بريم أمام القوات الشمالية، بعد نجاحهم في فك الحصار المفروض على ذمار، من قبل ألوية الحرس الجمهوري، وكتائب الأمن المركزي.

    (2)
    تعرض قوات العمالقة في محافظة أبين، لضربات موجعة من اللواء 30، وكتائب من اللواء الخامس المدرع، والميليشيات الحزبية في لواء مدرم، وقصف من القوات البحرية الجنوبية، ويشير الموقف إلى قرب تصفيتها تماماً، بعد أن أستسلم عدد كبير من أفرادها "يزيد على 500 جندي"، للقوات الجنوبية.

    (3)
    إبادة اللواء الثاني المدرع الشمالي في ردفان، وأن القوات الجنوبية التي تعاملت معه تتجه حالياً لمنطقة الضالع وقعطبة، لدعم اللواء 20 الجنوبي في مكيراس، الذي أصبح في موقف أفضل، بعد التحام اللواء 30 معه هناك. وقد وفرت الطبيعة الجبيلة حماية للقوات الجنوبية، بالإضافة إلى تأييد أبناء القبائل لهم، وهم جميعاً ذو طبيعة قتالية.

    (4)
    استسلام كل وحدات القوات الشمالية في عدن، بعد ساعة واحدة من المعارك معها في منطقة دار سعد، وهي قوات الحرس الجمهوري، والشرطة العسكرية الشّمالية.

    (5)
    إن حسم القتال من جانب القوات الجنوبية، في أبين وردفان، سيمكنها من الانتقال إلى مواقع جديدة في مكيراس، والضالع، وينعقد أمل القيادة الجنوبية على أن يفرض هذا الموقف على القيادة الشمالية، إعادة النظر في إستراتيجيتها، والعودة إلى مائدة الحوار، خاصة إذا فشلت في التقدم نحو عدن.

    (6)
    صرحت المصادر العسكرية الشمالية، بأن اللواء الثاني المدرع الشمالي، دخل معركة طاحنة مع قوات معسكر العند الجنوبي، وأن وضع اللواء بدأ يميل إلى التحسن، بعد تلقيه دعماً شمالياً، من محافظة البيضاء.



    2. وفي يوم 6 مايو

    أ.
    استمرت اليمن غارقة في حربها المدمرة، وتحدثت صنعاء عن زيادة ضغطها العسكري على عدن، وأن قواتها خرجت من قواعدها، وتتجمع في اتجاهات مختلفة، تتمثل في ذمار، وبريم، ومكيراس، والبيضاء للزحف على عدن لإسقاطها.

    ب.
    بدأ الطرفان في استخدام صواريخ أرض/ أرض، من نوع سكود ـ ب (SCUD-B)، وتردد أن عدن استخدمتها لقصف أهداف في صنعاء، منها مقر قصر الرئاسة، ومقر الإذاعة والتليفزيون، ومقر رئاسة الأركان.

    وأثار القصف الصاروخي، الذي يفتقر إلى دقة التصويب، جدلاً حول استخدامه، وأنه يمكن أن يحدث خسائر بشرية واسعة في المدنيين في صنعاء، ولكن مصادر جنوبية، صرحت أن استخدامه محدود، والهدف منه، تحقيق ضربة معنوية، وأن ذلك كان رداً على قصف عدن بالطائرات الشمالية، وتعرض مطار عدن الدولي لثالث ضربة قوية من الطيران الشمالي. وصرّح مصدر شمالي، أن الجنوب أطلق 13 صواريخ سكود، على صنعاء، منذ بدء القتال، في حين ذكر مصدر آخر، أن عدن أطلقت ما لا يقل عن 16 صاروخ سكود في اتجاه صنعاء.

    وقال الرئيس الأسبق علي ناصر محمد، الذي وقع على اتفاق الصفقة وقت ذاك، مع الزعيم السوفييتي الراحل ليونيد بريجنيف، أن الأخير قال له وهو يضحك: "نحن نسلمكم هذه الصواريخ لكي تخيفوا بها الآخرين، وليس لاستخدامها"، مشيراً بذلك إلى أنها المرة الأولى التي تستخدم فيها عدن، الصواريخ بعيدة المدى في مواجهه عسكرية.

    جـ.
    تحدثت مصادر المؤتمر الشعبي العام، عن مهاجمة طلبة كلية الشرطة، لمقر الحزب الاشتراكي في صنعاء، والاستيلاء عليه، وتدميره، بعد مصادرة أطنان من الأسلحة، وخمسون صاروخاً كانت مخبأة في المقر، الذي كان يحميه 800 جندي، وقد سيطر رجال الأمن في صنعاء، على 36 مركزاً للحزب الاشتراكي، تبين أنها مخازن أسلحة.

    د.
    تحدثت مصادر دبلوماسية غربية، في صنعاء، عن خطة، لإجلاء الجاليات الأجنبية، التي يعمل معظمها في القطاع النفطي، في صنعاء، وعدن، وبقية المدن اليمنية، وأعلنت فرنسا أن سفناً حربية فرنسية، بدأت إجلاء الرعايا الغربيين من ميناء عدن، وتواصلت عمليات إجلاء الرعايا الأجانب، من اليمن، إلى دبي، وجيبوتي، والرياض، وبعض الموانئ، والمطارات الخليجية، والأفريقية، القريبة من صنعاء وعدن، ومن بين الدول المستمرة في ترحيل رعاياها، مصر، وفرنسا، والولايات المتحدة الأمريكية، وألمانيا، وبريطانيا، والهند، وغيرها، إضافة إلى موظفي الأمم المتحدة.

    هـ.
    ذكر مراسل وكالة فرانس برس، أن توتراً شديداً يسود العاصمة اليمنية صنعاء، بعد الغارات التي شنتها طائرات جنوبية على دار الرئاسة، ومبنى الإذاعة والتليفزيون، والمطار، في وقت سجلت فيه تحركات عسكرية ضخمة في اتجاه الجنوب.

    و.
    نقلت وكالة الأنباء الألمانية عن إذاعة صنعاء، أن القوات الشمالية صدت هجمات الجنوبيين في العاصمة صنعاء وحولها، ودمّرت 4 دبابات جنوبية، وأسقطت إحدى طائرات عدن. وأنها تتصدى للغارات الجوية الجنوبية على صنعاء، وتعز، والحديدة، ومارب، والتي تستهدف المنشآت الحيوية والإستراتيجية.

    ز.
    وفي تطور بارز، أعلنت صنعاء، إقالة العميد هيثم قاسم طاهر، وزير الدفاع "جنوبي"، وإحالته للمحاكمة، كما قرر مجلس الرئاسة، إقالة وزير النفط والثروة المعدنية، صالح أبو بكر حسينون، ومحافظ عدن، صالح منصر السييلي، كما اتُخذ قرار بإقالة نائب الرئيس، علي سالم البيض، وقد رفض البيض قرار إقالته وأكد أنه يستمد شرعيته من الشعب.

    كما صّرحت صنعاء بأن عدداً من الضباط والجنود الوحدويين، في الوحدات التي تخضع للحزب الاشتراكي، انضموا إلى الجيش الشمالي، وهم أفراد لواء المدفعية في ياريم، وأفراد الحراسة الخاصة بعلي سالم البيض، في معسكر خوراف، وأفراد كتيبة شرطة عسكرية.

    كما أعلن المصدر نفسه، عن القبض على العقيد جواد مثنى، قائد لواء بأصهيب الجنوبي، "أخ غير شقيق لوزير الدفاع"، ورئيس أركان اللواء.

    ح.
    وصرحت مصادر جنوبية، عن قدوم طائرة مقاتلة من اتجاه البحر حوالي الساعة 3.30، قصفت مطار عدن الدولي، وأحدثت به أضرار بالغة، إلاّ أن الدفاعات الجوية، أسقطتها، قرب مصفاة عدن، واتضح أن الطيار، إريتري الجنسية.


    3. وفي يوم 7 مايو 1994،

    أ.
    دخلت الحرب يومها الثالث، ودارت معارك عنيفة بين وحدات شمالية وجنوبية، في محافظة لحج شمال عدن، وأعلن مسؤول عسكري في صنعاء، أن أربعة ألوية شمالية تخوض مواجهات مع القوات الجنوبية، في منطقة العلم، "على بعد نحو 20 كم شمال عدن". وأن الوحدات الشمالية أسقطت سبع طائرات للقوات اليمنية الجنوبية. كما أسقطت قوات اللواء الثاني المدرع الشمالي، أربع طائرات أخرى بمنطقة الراحة، في محافظة لحج، بعد أن التحمت مع لوائين جنوبيين، ووحدات معسكر العند. كما واصلت قوات العمالقة، في أبين تصديها الباسل الشجاع للهجوم العدواني الشرس، حيث تصدت لهجوم مكثف وشديد في البر والبحر والجو. وذكر أيضاً أن وحدات من اللواء الثامن صاعقة، واللواء السادس والخمسين،وألوية الوحدة المتمركزة، في محافظتي مأرب ومكيراس، تمكنت من الالتحام مع قوات العمالقة في محافظة أبين، لتجتمع تلك القوات، وتشكل معاً قوة ضاربة، وأعلن عن انضمام عددٍ من الضباط والجنود الجنوبيين، إلى القوات الشمالية. كما أكد وزير الخارجية اليمني محمد سالم باسندوه، أن القوات الشمالية أسقطت 12 طائرة جنوبية.

    وقالت وكالة الأنباء سبأ، أن قوات لواء العمالقة، أسقطت أربع طائرات في منطقة "أبين، ودمرت أربع دبابات، وأربع عربات مدرعة، تابعة لقوى الانفصال في الحزب الاشتراكي اليمني"

    ب.
    وذكرت مصادر محايدة، أن معركة كبيرة تدور في منطقة مكيراس، التي تتحكم في طرق الإمداد إلى أبين، من جهة الشمال، وأن هدف القوات الجنوبية، التي دفعت إلى تلك المنطقة ثلاثة ألوية، "إغلاق طرق الإمداد على قوات العمالقة".

    وقد نجح الشماليون، بالفعل، في الاستيلاء على أجزاء كبيرة من منطقة مكيراس، التي كان يدافع عنها اللواء 22 الجنوبي. وتشكل سيطرتهم على هذه المنطقة الإستراتيجية، سرعة الاتصال بقواتهم في أبين، إلاّ أنه استمرت الاشتباكات بين الطرفين، للاستيلاء على مرتفعات جبل ثراء، التي تؤمّن الطريق إلى عدن.

    وبعد معركة مكيراس، بدأت القيادة الشمالية تدفع العديد من ألويتها وقواتها، إلى محافظة أبين جنوباً، ومحافظة شبوة في اتجاه الشمال الشرقي، عن طريق بلدة لودر الجنوبية، وذلك بعد الاستيلاء على مثلث النقبة الإستراتيجي، الذي تلتقي عنده ثلاثة طرق.




    القسم الثالث: سقوط مدينة الضالع، ومعارك لحج، وأبين، وزنجبار.
    تطور القتال خلال الفترة من 8 مايو إلى 15 مايو 1994:

    1. أعمال قتال 8 مايو 1994

    رُكزّت المعارك بصفة عامة، على منطقة مكيراس، وحاولت القوات الشمالية، تأمين الطريق إلى عدن. وتؤكد البيانات الشمالية التقدم نحو عدن، من أربعة اتجاهات، بينما أعلنت المصادر الجنوبية، عن انتهاء خطر قوات العمالقة "أربع ألوية" في محافظة أبين، وأن القضاء عليها أصبح مسألة وقت. وسارت الأحداث كالآتي:

    أ.
    ظلت صورة الوضع العسكري، خلال يوم 8 مايو، غامضة، حيث صاحبت الأعمال القتالية، مواجهة من نوع آخر، تستهدف العقول والتأثير المعنوي، بإعلان بيانات متناقضة بين الطرفين.

    فمع إعلان صنعاء، زحف قواتها جنوباً، نحو مدينة عدن، من أربعة اتجاهات، وأن المعارك تدور على مسافة 5 كم من عدن، وتوقع سقوطها في غضون ساعات، أكدت القيادة الجنوبية، التي أعلنت التعبئة العامة، أن لا صحة لهذه التقارير، وأنه يصد الزحف بمقاومة ضارية، ويسحق الوحدات الشمالية المهاجمة، وأن المعارك تدور في الضالع بمحافظة لحج، على مسافة 100 كم شمالي عدن، وفي زنجبار على مسافة 40 كم شرقي عدن.

    ب.
    وقد صرّحت مصادر دبلوماسية، أنّ صنعاء تتوجه للاستيلاء على عدن، وإسقاطها، كورقة لتعزيز موقفها التفاوضي، إذا ما توقف القتال، وربما لتعديل الحدود الشطرية بين محافظتي البيضاء الشمالية، وشبوه الجنوبية، للحصول على بعض المناطق التي تضم حقولاً نفطية.

    جـ.
    وصرح وزير الإعلام اليمني، حسن أحمد اللوزي "شمالي"، لوكالة سبأ للأنباء، أن القوات الشمالية تطوق عدن بين فكي كماشة، وأن قوات العمالقة واللواء الثاني المدرع، وقوات اللواء الثالث صاعقة، تخوض معارك شرسة، ضد المتمردين الانفصاليين في الحزب الاشتراكي، وأضاف أن القوات الشمالية، دخلت مديرية الضالع، وأعلن عن سقوط طائرتين للقوات المتمردة.

    كما أعلنت المصادر الشمالية، عن نشوب قتال في محافظة لحج، بين لواءين شماليين، ضد ألوية جنوبية، لاسيما اللواء 30 القادم من المهره، "على الحدود مع سلطنة عمان"، والذي زجت به عصابة الردة والانفصال في معركة خاسرة، وأن عدداً كبيراً من قيادات وضباط اللواء استسلموا، وتم الاستيلاء على جميع أسلحته ومعداته وآلياته. كما أعلنت المصادر نفسها، عن سقوط قاعدة العند الجوية الرئيسية، وبذلك فُتح الطريق إلى عدن، بعد تدمير القوات الجنوبية، وميليشيات الحزب الاشتراكي، والاستيلاء على مخازن الأسلحة والذخائر بمحافظة لحج، بواسطة القوات المدافعة عن الشرعية والوحدة، على حد قول المصدر الشمالي.

    د.
    وعلى الرغم من استمرار بيانات صنعاء، بشأن تقدم القوات الشمالية للسيطرة على عدن، نفي الجنوب اليمني نفياً قاطعاً، أن تكون قوات الشمال تحقق تقدماً في اتجاه عدن، وصرّحت القيادة العسكرية الجنوبية، أنها تصد الهجمات، وتنزل بالمهاجمين خسائر فادحة، وأن الطريقين المؤديين إلى عدن مغلقان تماماً، في وجه القوات الشمالية "طريق الضالع الجبلي، والطريق الساحلي القادم من أبين". كما صرح بأن القوات الجنوبية، التي تنتشر بين كرش ومكيراس، استولت على عدد من الدبابات، على إثر القتال الذي نشب بين لواء عبود الجنوبي، ولواء حمزة الشمالي، والذي انتهى بتدمير اللواء الشمالي. وذكر أن المدفعية الشمالية قصفت وبشكل عشوائي، مناطق سكنية في مديريتي الضالع وشعيب في لحج، كما أعلن المصدر نفسه، أن لواء المدفعية في منطقة بريم، انضم إلى لواء بأصهيب، مما يغلق طريق الضالع في وجه القوات الشمالية، التي تحاول التقدم صوب عدن. وأوضح أن القوات الشمالية تحاول التقدم إلى عدن من إقليم أبين، من اتجاه الكود ـ زنجبار، على مسافة 40 كم من عدن، ومن اتجاه لودر على مسافة 60 كم".

    أما فيما يتعلق بالقتال في محافظة أبين، فقد صرحت وزارة الدفاع في عدن، أن معارك طاحنة تدور في محافظة أبين "50 كم شرقي عدن"، بين الألوية الجنوبية، التي قدمت من عدن، وحضرموت، ومكيراس، ضد لواء العمالقة الشمالي، المرابط في أبين منذ الوحدة، وعدد آخر من القوات الشمالية الزاحفة من مأرب، والتي تهدف إلى احتلال منابع النفط في المحافظة.

    وفي وقت لاحق، أعلنت القيادة الجنوبية، أن قواتها "التي تسميها قوات الوحدة، ووثيقة العهد والاتفاق"، استعادت السيطرة كاملة على زنجبار، بعد تصفية جيوب ألوية العمالقة المنهزمة، التي فرت عناصرها، وفلولها، إلى شقرة وجبال العرقوب، بعد أن طوقتهم القوات الجنوبية من جهة الشرق، وسوف يجرى في الساعات المقبلة التمشيط الكامل للمنطقة.

    وقالت مصادر عدن، أن انكسار قوات العمالقة، التي يراوح عددها بين 6 إلى 12 ألف رجل، تحقق بفضل مشاركة لواء الوحدة الجنوبي، ولواء تيسير، واللواء 30، وقوة من اللواء الخامس المدرع، ولواء الميليشيات الشعبية المعروفة باسم لواء مدرم، إضافة إلى القصف الجوي والبحري، والإنزال البحري على ساحل ابين.

    وعاشت عدن أجواء الحرب لأول مرة، منذ اندلاع المعارك، إذ بدا سكان المدينة في حال ذعر، من جراء تواصل القصف الجوي، على المناطق الحيوية، ومنها المطار.

    وشنت الصحف الصادرة في عدن، هجوماً عنيفاً ضد الرئيس علي عبدالله صالح، ووصفته بأنه مجرم حرب، ودعت إلى إسقاط حكمه، مهما كانت التضحيات، وحذرت من استمرار القصف العشوائي، للمناطق المدنية في لحج، وشبوة، الذي ألحق أضراراً بالغة بين المواطنين الأبرياء.

    وأعلن الحزب الاشتراكي، فتح معسكرٍ في محافظة لحج، لمن يريد الانضمام، إلى صف الوحدة والديموقراطية.


    2. أعمال قتال 9 مايو 1994

    لم تتوفر بعد تفاصيل دقيقة، عن سير المعارك، حيث أعلنت عدن عن تدمير لواء العمالقة، في أبين، في حين أعلنت صنعاء استمرار تقدم قواتها، إلاّ أن الدلائل تشير إلى أن القتال تركز حول محافظة عدن، في مناطق مكيراس، والضالع، وزنجبار كالآتي:

    أ.
    صرح ناطق عسكري شمالي، في بيان صادر في صنعاء، أن طلائع القوات الشمالية، تمكنت من اقتحام التحصينات الدفاعية، للقوات الجنوبية، ووصلت إلى دار سعد (على بعد 5 كم شمال شرقي عدن)، وأن قوات العمالقة، واللواء الثاني المدرع، واللواء الثامن صاعقة واصلت تقدمها، من محافظة أبين، في اتجاه عدن، وأنها تخوض، حالياً، معارك بطولية ضد ما تبقى من قوات الرده الانفصالية، في الجنوب. وجاء أيضا، أن طائرة حربية جنوبية أُسْقِطَتّ فوق محافظة أبين، وأن 250 جندياً من لواء جنوبي استسلموا، ودعت القيادة الشمالية في صنعاء، القوات الجنوبية إلى الانضمام لصفوفها. ووصف البيان الشمالي، إعلان الجنوب التعبئة العامة، بأنه غير شرعي، لأن وزير الدفاع الذي أصدر الأوامر بالتعبئة، عُزِلَ في وقت سابق. وفي صنعاء أعلنت السلطات الشمالية، أن القوات الجنوبية، نفذت في الساعة الرابعة صباحاً ثلاث غارات جوية على العاصمة صنعاء، بعد أن أطلقت خمسة صواريخ سكود على الأقل، على المدينة ومناطق مجاورة لها، استهدفت منشآت مدنية .

    وأفادت معلومات عسكرية، وردت إلى صنعاء من جبهات القتال، أن سلاح الطيران الشمالي، وجّه أمس ضربات مؤثرة إلى المطارات الحربية الجنوبية، ودمر مطار عدن بشكل نهائي، كما دمر مطار معسكر العند الجنوبي، في محافظة لحج، ومدارج الطيران في مطاري عتق في محافظة شبوة، والريان في محافظة حضرموت. كما أن الطائرات الشمالية المقاتلة، أغرقت بارجة بحرية، هي أقوى وأخطر ما في سلاح البحرية الجنوبي. وكانت البارجة قصفت خلال اليومين الماضيين، معسكر العمالقة الشمالي، في محافظة أبين، من عمق المياه المحاذية لشاطئ أبين، القريب من عدن.

    واعتبر مراقبون محايدون، أن هدف القيادة العسكرية الشمالي، هو السيطرة على المنافذ البرية إلى عدن، بحيث لا يبقى أمام السكان والقوات الجنوبية، سوى منفذ البحر، وبدا جلياً، أن القيادة الشمالية، قررت وضع ثقلها العسكري، في معركة عدن، ونشرت عدة ألوية في قوس حول عدن.

    ب.
    وعلى الجانب الآخر، أكد مصدر جنوبي، أن ادعاءات الشمال مبالغ فيها، وأن زحف القوات الشمالية، أوقف على مسافة تراوح بين 35 و 40 كم من عدن، حيث تلقى مقاومة عنيفة من القوات الجنوبية.

    وبثت إذاعة عدن، التي يُلتقط إرسالها من جيبوتي، أن القوات الجنوبية، تمكنت بعد معركة استمرت ثلاثة أيام، من صد هجوم ثلاثة ألوية شمالية، كانت تحاول التقدم نحو مدينة الضالع الجبلية، القريبة من الحدود السابقة مع الشطر الشمالي "على بعد نحو 100 كم من عدن"، وقال إن القوات الجنوبية. استعادت السيطرة الكاملة. على الطرق التي تربط مديرية الضالع بعدن.

    وفي لحج،حيث تمر الطرق الرئيسية من الشمال، عبر واد إستراتيجي يؤدي إلى عدن، دمرت القوات الجنوبية اللواء الثاني المدرع الشمالي، وأسرت عدداً كبيراً من ضباطه وجنوده، واستولت على بعض دباباته، وأن هذا الانتصار مكّن القوات الجنوبية في لحج، من الالتحام بالقوات الجنوبية في الضالع.

    كما قصفت القوات الجنوبية صنعاء بصاروخين أرض/ أرض من نوع سكود (SCUD)، وصرحت مصادر في عدن، أن القوات الجنوبية أسقطت طائرتين شماليتين، أثناء غارتين جويتين على مدينة عدن، وكان هدف إحدى الطائرات المغيرة، قصر نائب الرئيس اليمني، علي سالم البيض.

    وعلى صعيد القتال الدائر، في محافظة أبين، أعلنت القيادة الجنوبية، أنها تمكنت فجر اليوم، من القضاء على آخر مقاومة قوات العمالقة، في مدينة زنجبار، على مسافة 40 كيلو متر شرقي عدن.

    وتوقعت المصادر الجنوبية حسم المعارك في أبين اليوم، بعد تحقيق السيطرة على زنجبار، وتقهقر الوحدات الشمالية نحو العرقوب، بعد أن حسم اللواء 30 الموقف في محور مودية ـ لودر بدعم من لواء تيسير، ولواء الوحدة، ومشاركة المواطنين، ولواء مردم "ميليشيات شعبية".

    وأضاف المصدر، أن تأخر حسم الموقف في أبين، يرجع إلى استعانة القوات الشمالية بخبرات قتالية عراقية، وإتباع تكتيكات غير معروفة لدى القوات اليمنية، مثل التراجع بعد تلغيم المواقع، ثم إعادة اقتحامها بكثافة، بعد أن تدخلها القوات الجنوبية الخفيفة "مشاة وميليشيات"، وكذلك تنفيذ طلعات جوية، على ارتفاع منخفض تفادياً للرصد الراداري، فيظن الجنوبيين، أنها طائراتهم، حتى يفاجئوا بالقصف، مما أعاق مواصلتهم تصفية جيوب العمالقة هناك.

    جـ.
    وصرحت مصادر محايدة، أن حصيلة أربعة أيام من المعارك، بلغ حتى الآن، أكثر من عشرة آلاف قتيل، واعتبرت هذه المصادر، أن القتال الحقيقي بين القوات الجنوبية، وقوات العمالقة الشمالية، يدور في مدينة زنجبار، عاصمة محافظة أبين، وليس في العند على بعد 20 كم من عدن، كما تدعي القيادة الشمالية.

    د.
    وذكرت مصادر محايدة، تعتبر وثيقة الصلة، بتطورات الأوضاع في اليمن، أن التقويم، الذي أعطاه روبرت بلليترو، مساعد وزير الخارجية الأمريكية لشؤون الشرق الأوسط، أكثر دقة وأقرب إلى الواقع، إذ قال:

    (أ) إن القوات الجنوبية أبعد ما تكون من الهزيمة.
    (ب) إن التفوق العددي المتاح للقوات الشمالية، على القوات الجنوبية "ثلاثة أضعاف تقريباً"، يوازيه، تفوق جوي نسبي للأخيرة، وهو الأمر الذي يفسر، اختيار الجنوب، القيام بالضربة الجوية الأولى، والاستخدام المكثف لسلاح الجو الجنوبي، سواء في ميدان القتال، أو ضد أهداف مختارة في صنعاء، ومدن شمالية أخرى، وتتميز القوات الجنوبية بأنها أفضل تدريباً، وخبرة ميدانية.

    هـ.
    إن الوضع العسكري، خصوصاً في الجنوب، عاد إلى التوازن، بعدما استطاعت القوات الجنوبية، تكرار السيناريو الذي تعرضت له قواتها في الشمال، وهو تصفية الوحدات الشمالية في الجنوب، خاصة اللواء المدرع في معسكر الكبسي، بمحافظة لحج، ووحدات الحرس الجمهوري، ولواء العمالقة المتمركزين في محافظة أبين، والذي كانت القيادة الشمالية تعول عليه، في التقدم نحو عدن، على أثر نجاحه فعلاً في الاقتراب حتى مسافة 50 كم من عاصمة الجنوب، إلا أن المعركة الضارية التي بدأت في محافظة أبين، في منطقة فيها وادٍ، وقريب من ساحل البحر، بين القوات الجنوبية، وما تبقى من قوات العمالقة الشمالية، ستكون معركة حاسمة، خاصة أن القيادة الجنوبية، استخدمت في هذه المعركة، جميع أسلحتها، سواء الجوية، أو البحرية، أو المدفعية.

    و.
    إن الاختراقات البرية ما تزال محدودة، لكنه حدث اختراق لمنطقة قعطبة المقابلة لمنطقة الضالع، والتي دارت فيها معارك عنيفة للغاية، وإن كان من المتوقع، أن تسعى القيادات العسكرية لكلا الطرفين، خلال الأيام المقبلة، إلى مرحلة الحسم البري.

    وقد بات واضحاً، انه ليست في استطاعة أي طرف إلحاق هزيمة بالطرف الآخر، مما يتوقع معه امتداد أمد الحرب.


    3. أعمال القتال في 10 مايو 1994:

    الصراع على المحاور المؤدية إلى عدن
    أخذت المعارك طابع الصراع، من جانب القوات الشمالية للاستيلاء على الطرق المؤدية إلى عدن، والصراع المضاد، من جانب القوات الجنوبية، للتمسك بهذه الطرق، على النحو الآتي:

    أ.
    صرح مصدر عسكري جنوبي، أن القوات الجنوبية، صدت زحفاً جديداً، للقوات الشمالية نحو عدن، هو المحاولة التاسعة للشماليين لعبور الحدود القديمة بين شطري اليمن. وقالت عدن، إن القتال، يتركز في مناطق الضالع، والكرش، ومكيراس الحدودية، وأتهم الجنوبيون السودان، بإرسال قوات للقتال إلى جانب الشماليين، لكن الخرطوم نفت ذلك. ونقلت إذاعة عدن، عن العقيد الجنوبي حسين قطان، أن القوات الشمالية، تقصف لحج على مسافة 40 كيلومتراً شمال عدن، لكنها غير قادرة على اختراق الدفاعات الجنوبية.

    كما نقلت وكالة "اسوشيتد برس" عن مسؤول يمني شمالي في صنعاء قوله، إن القوات الجنوبية صدت هجوماً استهدف الوصول إلى عدن، وأن الحرب تحولت إلى "حرب استنزاف". ولاحظت الوكالة، أن تصريحات هذا المسؤول، تتناقض مع البيانات العسكرية الصادرة عن صنعاء، والتي تتحدث عن قرب سقوط عدن. وأوضح هذا المسؤول، أن القتال يدور في الواقع، في منطقة تبعد ما بين 35 و40 كم عن عدن. وأشار إلى امتلاك الجنوبيين تفوقاً تكتيكياً، يقوم على معرفتهم الجيدة للمناطق التي يدور فيها القتال.

    ب.
    أفادت مصادر عسكرية يمنية محايدة، أن معارك دارت في مدينة زنجبار، عاصمة محافظة أبين، وامتدت حتى البيضاء شمالاً، وفي منطقة الكود، والعرقوب، ومكيراس. ويبدو أن قوات العمالقة هناك، تلفظ أنفاسها الأخيرة، بعد أن كانت القيادة الشمالية، تعلق عليها آمالاً كبيرة في تحقيق النصر، وفي احتلال مدينة عدن، باعتبار أنها تمثل فك الكماشة في المنطقة الشمالية الشرقية من عدن.

    أما القوات الأخرى، التي تحاول تطويق عدن من الناحية الشمالية الغربية، على محور تعز ـ الراهدة ـ ماوية، فقد انسحبت من الحدود، والمناطق التي كانت تحتلها، إلى مناطق شمالية من محافظة تعز، بعد قتال مستميت من جانب القوات الجنوبية.


    جـ. وأشارت الأنباء الواردة من صنعاء إلى:

    (1)
    تعيين العميد الركن عبده ربه منصور هادي، وزيراً للدفاع، والعقيد الركن احمد عبدالله الحسني، قائداً جديداً للقوات البحرية، وهم من رجال الرئيس السابق علي ناصر محمد. وقد أعلن الرئيس علي عبدالله صالح، نبأ تعيين وزير الدفاع، في اجتماع لقيادة وزارة الدفاع ورئاسة هيئة الأركان في صنعاء.

    (2)
    قصفت طائرة من نوع السوخوي (SUKHOI) (جنوبية)، المنطقة المحيطة بقرية الراهدة، على مسافة خمسة كيلو متر جنوب تعز، حيث يوجد لواء خالد الشمالي، وفرقة الناب الجنوبية. ونشبت معارك بالدبابات في الراهدة، ولبوزة، ولودر على الحدود السابقة، وقصفت الزوارق الجنوبية، القوات الشمالية على ساحل محافظة أبين. وأعلنت صنعاء عن سقوط صاروخين أرض-أرض، من نوع سكود (SCUD-B)، على المدينة، فارتفع عدد الصواريخ الجنوبية التي أطلقت على الشمال إلى 17 صاروخاً، منذ بدء المعارك. كما كانت تدور"معارك ضارية"، بين وحدات شمالية وأخرى جنوبية، في العند، كبرى القواعد الجوية الجنوبية، على مسافة 50 كيلومتراً شمال عدن.

    (3)
    أصبحت العاصمة صنعاء، التي يسكنها حوالي مليون نسمة تعيش، أزمة وقود حادة، لأن عدن، التي تقوم فيها كبرى مصافي تكرير النفط في البلاد، ويصل إنتاجها إلى 140 ألف برميل في اليوم، أوقفت تزويد الشمال بالمشتقات النفطية الحيوية، وأضحى المواطنين اليمنيين الشماليين، يقفون في صفوف طويلة، أمام محطات الوقود، في حين توقفت وسائل المواصلات العامة كلياً تقريباً، سوى المركبات العسكرية التي تجوب الشوارع بكثافة.

    د.
    ومن ناحيته، دعا الرئيس اليمني الجنوبي السابق، علي ناصر محمد إلى وقف القتال، ولكنه أصر على أن الحل يجب أن يكون يمنياً، ورفض إرسال قوات عربية إلى اليمن، وأكد أن القوات التابعة له، تقاتل من أجل مستقبل وأمن واستقرار الشعب اليمني.


    4. يوم 11 مايو 1994

    تحول الحرب إلى حرب مواقع، وقبول صنعاء وساطة عربية مشروطة:

    أ.
    استمرت المعارك على جبهات زنجبار في محافظة أبين، والضالع، وكرش في محافظة لحج، دون ان تنجز القوات الجنوبية نصراً حاسماً، في إزالة الخطر الشمالي، أو تنجح القوات الشمالية في تحقيق تقدم نحو عدن، التي تعتبر هدف عمليات الشماليين في محافظتي أبين ولحج، مما ينذر بإطالة أمد الحرب، على الرغم من البيانات، التي يصدرها الجانبان، متحدثة عن تحقيق تقدم.

    ب.
    أفادت مصادر محايدة أن المعارك، تدور في محافظة أبين، وفي أطراف محافظة لحج، وأن معالجة الأزمة، انتقلت إلى الصعيد السياسي، أثر حدوث جمود عسكري، مما أدى إلى إعلان صنعاء للمرة الأولى، وبشكل صريح، قبولها وساطة عربية، "شرط أن تكون في ظل احترام الشرعية الدستورية".

    جـ.
    أفادت مصادر عسكرية جنوبية، أن مدفعية اللواء الثالث الشمالي، المتمركز في جبال مربس، والراهده، تقصف مدينة الضالع، والمناطق المحيطة بها بعنف، كما تقصف منطقة كرش، والقرى المحيطة بها، وهي مناطق آهلة بالسكان، ولا تشمل وجوداً عسكرياً.

    وقالت المصادر نفسها، أن القوات الجنوبية شنت هجوماً منسقاً بطائرات عمودية مسلحة، وسلاح المدفعية، والقوات البحرية، ضد مستودعات العمالقة وتحصيناتها، وألحقت بها تدميراً شاملاً، خاصة مخازن الذخيرة، في الكود، وزنجبار، ولودر، في محافظة أبين، كما احتلت قوات اللواء 30، ولواء الوحدة الجنوبي، مواقع متقدمة في كل من لودر، وموديه، وشقرة.

    كما أكدت المعلومات أن قوات العمالقة تستعد للتقهقر، بعد قطع الاتصالات فيما بينها، في كل من زنجبار، ولودر، وموديه، وتحتمي بمنازل المواطنين والتجمعات السكنية، وسط هلع الأهالي، محاولين استخدام المواطنين دروعاً بشرية، تحميهم من ضربات القوات الجنوبية.

    والتقطت إشارات رمزية، تحاول قوات العمالقة أن ترسلها إلى قيادتها في صنعاء، تطلب نجدتها، بسبب نفاذ الذخائر والوقود،وإصابة عدد كبير من آلياتها المدرعة بأعطاب، تمنعها من القتال، بسبب الضربات الدقيقة، التي تعرضت، وما زالت تتعرضَ لها. واستمرت المطاردات والمواجهات في أبين، التي توجد فيها فلول العمالقة.

    وفي الوقت نفسه، ذكرت مصادر عسكرية أن قوات لواء الحمزة الشمالي، وبعض وحدات الحرس الجمهوري، تتقهقر إلى محافظة تعز.

    د.
    أطلقت القوات الجنوبية صاروخ سكود (SCUD-B)، على منطقة مزدحمة بالسكان في صنعاء، في ساعة مبكرة من صباح 11 مايو 1994. وقال مسؤولون شماليون، إن 25 رجلاً، وامرأة، وطفلاً، قتلوا وهم نيام. وأعلنت إذاعة صنعاء، أن صاروخاً ثانياً من نوع "سكود"، سقط على منطقة الراهدة، القريبة من مدينة تعز الشمالية. وقام رجال الإنقاذ في صنعاء، وسط مشاهد حزن هستيرية، بإخراج أجزاء من جثث أطفال، والكبار، من أكوام الأنقاض بعد ساعات، من سقوط الصاروخ. وقال رئيس الوزراء اليمني بالنيابة، محمد سعيد العطار، للصحافيين، إن القوات الشمالية يمكنها أن تنتقم بهجوم صاروخي على الجنوبيين، لكنها لا تريد أن تفعل ذلك. ولا نريد وقوع المزيد من الضحايا اليمنيين، لكن القدرات موجودة". كما نقلت وكالة الأنباء اليمنية "سبأ"، عن الرئيس اليمني قوله إن إطلاق الجنوبيين صاروخ "سكود"، عمل غادر جبان، لن يمر دون عقاب"، وأعلن "أنه سيتيح فرصة مغادرة اليمن لأولئك الذين يرفضون الانضمام إلى الشماليين". وقال "إنني على استعداد أن أعطي تعليماتي"، لكي يتسنى لهذه العناصر، أن تغادر ميناء عدن إلى جيبوتي، أو إلى مكان آخر".

    وصرح وزير الثقافة والسياحة، جارالله عمر، العضو في الحزب الاشتراكي اليمني، أن القوات الشمالية، تحاول فتح جبهة جديدة، في منطقة مضيق باب المندب، على مسافة 400 كيلو متر غربي عدن.

    هـ.
    أكد مصدر صحفي، أن السلطات الشمالية، أوقفت، إصدار صحيفة "يمن تايمز"، الناطقة بالإنجليزية، في صنعاء، بسبب نشرها مقالاً، تضمن حصيلة المعارك في اليمن، التي بلغت 12 ألف قتيل وجريح. و يُحَمِّلٌ المقال ضمناً، الرئيس علي عبدالله صالح، مسؤولية المواجهات الدامية الدائرة في اليمن، واعتبر رئيس تحريرها، عبدالعزيز السقاف، أن الرئيس علي صالح ومعاونيه، لا يملكون القدرة على بناء دولة حديثة في اليمن، وأُسْتُدْعي السقاف إلى رئاسة الجمهورية، وصادرت قوات الأمن أجهزة الكومبيوتر من دار الصحيفة.





    5. يوم 12 مايو 1994

    أ.
    أغلقت صنعاء مجالها الجوي، وظل المراقبون ينظرون بحذر شديد، إلى تطور القتال، لفشل القوات الشمالية، التي تطلق عليها صنعاء اسم "القوات الشرعية الدستورية"، في تحقيق تقدم نحو عدن، وهزيمة القوات الجنوبية، التي تسميها صنعاء "قوات المتمردين الانفصاليين"، إضافة إلى عودة طرفي النزاع إلى تكثيف اتصالاتهم العربية. كما وردت أنباء تفيد أن السلطات الحاكمة، في صنعاء، نفذت حركة اعتقالات واسعة، تركزت أولاً على التنظيم الوحدوي الناصري، وفصائل أخرى، يقال إنها تتعاطف مع الحزب الاشتراكي.

    وقد صرح المراقبون، أن المعارك استمرت على محاور الضالع ـ قعطبة، والعرقوب ـ مكيراس، وكرش ـ الشريحة.

    ب.
    نقل تليفزيون صنعاء عن ضابط شمالي، أن القوات الشمالية استولت على مدينة الضالع، وقال "المعركة انتهت، إننا نسيطر على منطقة الضالع"، وعرض التليفزيون مشاهد لدبابات وعربات مدرعة شمالية، تجوب شوارع مدينة، لم يذكر اسمها. ونقلت وكالة الأنباء القطرية عن وزير الإعلام الشمالي، أحمد اللوزي، في مقابلة بالهاتف من صنعاء، إن الضالع سقطت في أيدي الشماليين .

    جـ.
    وقد أعلن مصدر قريب من الرئيس علي عبدالله صالح، أنه قدم مبادرة، أمس، هي الأولى لوقف إطلاق النار، اشترط فيها أن يسلم علي سالم البيض، ومن معه من المطلوبين، أنفسهم إلى العدالة فوراً، مؤكداً استعداده، لتقديم ضمانات كافية لمحاكمتهم محاكمة عادلة، وعلنية، وأن يختاروا بأنفسهم محاميهم. كما أبدى استعداداً كبيراً، لمنح البيض ورفاقه فرصة لمغادرة البلاد، عبر ميناء عدن، إلى جيبوتي، أو أي بلد يختارونه .

    د.
    وعلى الجانب الآخر، حذّر بيان عسكري جنوبي ، صدر في 12 مايو 1994، سكان المناطق القريبة، من منازل الرئيس اليمني علي عبدالله صالح، وأقاربه، بالانتقال إلى أماكن أكثر أمناً. وجاء ذلك غداة هجوم بصاروخ سكود (SCUD-B)، قتل فيه 23 شخصاً، وأصيب 30 آخرون بجروح، في منطقة آهلة في صنعاء، على مسافة 200 متر فقط من منزل الرئيس اليمني. وينطبق هذا التحذير على مدن صنعاء، وتعز، والحديدة، ويشمل أسرة صالح وأقاربه، الذين يشار إليهم على أنهم "قبيلة الأحمر"، نسبة إلى رئيس مجلس النواب اليمني، الشيخ عبدالله بن حسين الأحمر، زعيم اتحاد قبائل حاشد، التي ينتمي إليها صالح وعائلته. وجاء التحذير بعد ساعات من إعلان نائب الرئيس اليمني، على سالم البيض، أنه لا يتوقع نهاية قريبة للحرب، ورأى أن الحل، هو في انسحاب القوات الشمالية، إلى مواقعها السابقة قبل بداية الحرب، وفي الوقت نفسه ادعت القوات الجنوبية اليمنية، في بيان لها أنها باتت تسيطر تماماً على مدينة الضالع، على مسافة مائة كيلومتر شمال عدن.

    هـ.
    تبادل الطرفان الاتهامات، عن الاستعانة بقوى أجنبية . فقد صرحت صنعاء، أن دولة عربية غير مجاورة، وفرت تسهيلات في مطاراتها للقوات الجوية الجنوبية، في حين اتهمت عدن إريتريا، بوضع مطاراتها تحت تصرف القيادة الشمالية، وقالت إن سفينتين، وصلتا ميناء الحديدة، محملتان بأسلحة عراقية، من بورسودان.


    6. يوم 13 مايو 1994

    * صنعاء تعلن سقوط الضالع، وعدن تعلن استعادة زنجبار .
    شهدت اليمن أمس معارك ضارية، حيث احتدم القتال في منطقة الضالع بمحافظة لحج، وعلى محور كرش ـ العند ـ الراهدة، بين لحج وتعز، عند الحدود الشطرية، وفي أقصى الغرب في منطقة باب المندب، وسط أنباء عن خسائر فادحة، في صفوف الجانبين. وقد صرحت مصادر محايدة، أن الشماليين، فيما يبدو، قد حققوا تقدماً في الضالع، وأن اشتباكات عنيفة تدور في المديرية. وتطورت الأحداث كالآتي:
    أ. أعلنت مصادر صنعاء:

    (1)
    تمكنت قوات صنعاء من السيطرة على مديرية الضالع بعد معارك ضارية، مع القوات الجنوبية، واعتبرت ذلك مفتاحاً للنصر على القوات الموالية للحزب الاشتراكي اليمني، وعَدَّ المصدر سقوط الضالع، إنهاء لترسانة ومنطقة عسكرية عتيدة، يعتمد عليها المتمردون.

    (2)
    تمكنت القوات الشمالية، في المحور الجنوبي الغربي، ليلة الأربعاء والخميس 11/12 مايو 1994، من هزيمة اللواء 25 الميكانيكي، المتمركز في معسكر خرز، واستولت على كل أسلحته، من دبابات ومدفعية وآليات، وأن عدد أفراد اللواء، الذي يقدر "بنحو 1200 جندي"، استسلموا وانضموا إلى صفوف الشرعية الدستورية ، وعدّ المصدر أنه بالاستيلاء على معسكر خرز "130 كم غرب عدن"، أصبحت القوات الشمالية تسيطر على كل التحصينات، في الأطراف التشطيرية قبل الوحدة .

    (3)
    تواصل القوات الشمالية تقدمها في قطاع الضالع ـ العند. وفي محور أبين تكبدت القوات الجنوبية خسائر في المعدات والأسلحة والآليات، بعد محاولتها القيام بعملية هجومية يائسة، وتراجعت إلى مواقع خلفية.

    ب.
    وعلى الجانب الآخر، أعلنت مصادر عدن، عن تصريح للعميد هيثم قاسم طاهر وزير الدفاع، بالآتي:

    (1)
    تشهد جبهة الضالع، شمال محافظة لحج، معارك عنيفة، بين القوات الجنوبية والقوات الشمالية، تشارك فيها الطائرات والمدفعية، وأن الجنوبيين، يحاصرون مديرية الضالع، وأن المدينة ذاتها في أيديهم، بعد إخلاءها من النساء والأطفال، وأنهم استعادوا مناطق من مديرية الضالع، حتى قرية الوضح، ويستعدون لمعركة حاسمة، لطرد القوات الشمالية منها تماماً، بعد أن انسحب بعضها إلى قعطبة.

    (2)
    تمكنت القوات البحرية الجنوبية، من إسقاط ثلاث طائرات شمالية، وأغرقت زورقاً حربياً، عندما حاولت تفجير الموقف في جبهة خرز، عند باب المندب.

    (3)
    لم يفقد اللواء 25 الميكانيكي، منطقة خرز، وقد وصل آلاف من مقاتلي قبائل يافع لدعمه، كما استعاد الجنوبيون مدينة زنجبار، والكود، ومديرية خنفر، من قوات العمالقة.

    (4)
    ركّزت القوات الجنوبية، على ضرب المنشآت العسكرية بصواريخ سكود، فقصفت مخازن الذخيرة والأسلحة، والمحروقات، والمعسكرات، ومطارات الشمال. كما طالت الضربات، منطقة سيحان، مسقط رأس الرئيس علي عبدالله صالح، ومنزله السري والاحتياطي، في المنطقة القريبة من مصنع الغزل والنسيج، في صنعاء، والمجاور لمنزل الشيخ عبدالله الأحمر.


    جـ.
    دحضت العاصمة صنعاء، مزاعم الجنوبيين باستعادة الضالع، وذلك بتنظيم جولة لمراسلين صحافيين في المدينة، للتأكيد أن البلدة، التي يبلغ تعداد سكانها نحو عشرة آلاف نسمة، والتي كانت شبه خالية، قد سقطت في أيديهم. كما نفت الأنباء الواردة من عدن، والتي تحدثت عن إسقاط ثلاث طائرات شمالية، في معارك باب المندب.

    وعلى الجانب الآخر، نظّمت سلطات عدن، لصحافيين جولة في مدينة زنجبار، التي يبلغ تعداد سكانها نحو 60 ألف شخص، وبدا السكان مذهولين، وهم يتفقدون الأضرار التي لحقت بمنازلهم ومتاجرهم.

    د.
    صرح رئيس الوزراء اليمني بالوكالة، محمد سعيد العطار، أن القوات الجنوبية، تتلقى مساعدة عسكرية من الخارج، كما نُسب إلى العطار قوله، إن العناصر المتمردة تتلقى المساعدات المالية والمادية، والأسلحة، والعتاد، من جهات كثيرة، و"أن الوحدة اليمنية والديموقراطية، أزعجت بعض الدول" .

    هـ.
    وفي حديث لنائب رئيس مجلس الرئاسة اليمني، علي سالم البيض ، أثناء مؤتمر صحافي عقده في عدن، رأى أن الحل هو في انسحاب القوات الشمالية، إلى مواقعها السابقة، قبل بداية الحرب. وقال إننا لم نبدأ الحرب، بل فرضت علينا، وسنستمر في مقاومة القوات الغازية. أن عدن ستكون عصية على الغزاة، واستبعد نهاية قريبة للحرب، وشدد على أن "الشرعية والدستور شيء متكامل، والدستور ينص على أن يتم انتخاب مجلس الرئاسة من خمسة أعضاء، وأن ينتخب المجلس رئيساً له، بعد أداء أعضائه اليمين الدستورية". ولفت النظر إلى أن "ذلك لم يحصل، لأنه لم يؤد القسم حتى الآن (إشارة إلى نفسه كنائب للرئيس)، وثم فإن الرئيس غير شرعي، ولم ينتخب من مجلس مكتمل العدد، كما ينص الدستور. وبالنسبة إلى عبد المجيد الزنداني، فإن عضويته في مجلس الرئاسة غير شرعية، لأنه أدى قسماً أخر مخالفاً للقسم الذي ينص علية الدستور، وكذلك الحال بالنسبة إلى رئيس مجلس النواب، الشيخ عبدالله الأحمر، وأعضاء الكتلة البرلمانية لحزب الإصلاح، الذين أدوا قسماً مخالفاً للقسم الذي نص عليه الدستور". وعن الوضع العسكري في اليمن، قال البيض، إن قوات "علي عبدالله صالح، وقوات عصابة آل الأحمر، تتمترس على خطوط التشطير السابقة، لتفرض الانفصال. مضيفاً أن "وحدات لواء العمالقة الموجودة في محافظة أبين لم تدخلها أثناء الحرب، بل هي موجودة في المحافظة منذ أربع سنوات، وفتحت لهم معسكرات خاصة، بينما وضعت الوحدات الجنوبية، التي انتقلت إلى الشمال بعد الوحدة في 22 آيار (مايو1990)، في معسكرات واحدة أو متجاورة، ثم قاموا بضربها وتدميرها". وعلل الذي حدث بقوله: "عندما ذهبنا إلى الوحدة، لم نفكر بالتكتيك العسكري للانقضاض على الوحدة مرة أخرى. دخلنا ال وحدة بطريقة سلمية، وكان هدفنا هو بناء دولتها بطريقة سلمية وديموقراطية، وكنا نعتقد أن قوى الديموقراطية والحياة المدنية، ستؤثر وتطوق هذه القوى العسكرية، ولكن في النهاية ضربت القوى العسكرية عرض الحائط بكل شيء، وصادرت الحريات، وفتحت المعتقلات، وقتلت الأطفال والنساء. عسكروا البلاد، ونشروا الرعب والإرهاب في كل مكان، وهذا برهان على الروح العدوانية، وعقلية الغزو الموروثة، وفرض الهيمنة". وأضاف أن الأصوليين "المنتشرين في قوات العمالقة، وراء تصعيد الحرب والصراع"، ويقيمون "علاقات مع قوى أصولية في الخارج، تحاول إخراج الأمة العربية من التاريخ، ومنعها من الوصول إلى القرن الحادي والعشرين".


    7. يوم 14، 15 مايو 1994:

    معلومات متضاربة عن الضالع

    أ.
    انحسرت العمليات نسبياً، في ظل مقاومة جنوبية قوية، ضد محاولات القوات الشمالية التقدم نحو الجنوب. وظهرت بوادر الانهيار على الطرفين، بسبب استنزاف القدرات الحربية خلال الأيام العشرة الماضية. وصرح دبلوماسي عربي، أن الزعماء الشماليين لا يزالون متفائلين، لكنهم، كفوا عن الحديث عن نصر سهل، وبدأوا يتحدثون عن حصار عدن، وأنهم يعدون أنفسهم لصراع طويل. وصرحت مصادر عسكرية، أنها تستبعد توقف القتال في الوقت الحاضر، لأن كلاً من الطرفين يحاول تحسين موقفه، إذا ما قبل وقف إطلاق النار.

    ب.
    وقد تضاربت الأنباء عن مصير الضالع ، التي أكدت صنعاء أن قواتها استولت عليها، في حين صرح مسؤول في الحزب الاشتراكي، أن القوات الجنوبية استعادت الضالع، وظللنا نفقدها، ونستعيدها، على مدى ثلاثة أيام. وقلل من الأهمية العسكرية للمدينة، وأن القوات الجنوبية تحارب من أجل الضالع لأسباب نفسية، لأنها كانت معقل حركة المقاومة، التي أدت إلى الاستقلال عن بريطانيا عام 1967.

    وبذلك، اعترفت المصادر العسكرية الجنوبية، لأول مرة بسقوط مدينة الضالع ، التي تبعد أكثر من 100 كم شمال شرقي عدن، جاء ذلك في الوقت الذي ناشد فيه الحزب الاشتراكي اليمني في الجنوب، جامعة الدول العربية التدخل فوراً، وبفعالية، وسرعة، لوقف المعارك. وأهاب البيان الصادر عن الكتلة البرلمانية للحزب، بالجامعة العربية "وكل الأشقاء والأصدقاء، بذل جهودهم ومساعيهم الخيرة لايقاف الحرب، فوراً، وانقاذ اليمن من الدمار الذي يتعرض له حالياً".

    جـ.
    يقول محللون عسكريون ، إن استيلاء الشماليين على مدينة الضالع، حقق لصنعاء نصراً نفسياً، على الرغم من سيطرة الجنوبيين على بقية أنحاء المديرية، وعلى قمة جبل لنقيل الإستراتيجي، الذي يقطع الطريق بين الضالع وردفان، وهي الطريق المؤدية إلى محافظة لحج وعدن، وذلك لمنع أي تقدم للقوات الشمالية، باتجاه قاعدة العند، والسيطرة على الطريق الرئيسي، الذي يربط صنعاء وتعز الشماليتين بمحافظة لحج وعدن.

    د.
    وحذرت مصادر جنوبية، من عدم الافراط في التفاؤل، وقالت إن أي محاولة لتقدم القوات الشمالية، ستكون مغامرة، لأنها ستدخل أرضاً مفتوحة، وستكون سهلة لنيران القوات الجنوبية، وأنها ستلقى المصير نفسه، الذي واجهته القوات الشمالية، في صحراء خرز عند باب المندب، وأجبرت على العودة إلى ما بعد منطقة السقية، المواجهة لجزيرة ميون، وهي نقطة حدودية شمالية سابقة.

    هـ.
    ويعتقد المراقبون، أن دخول القوات الشمالية مدينة الضالع، ربما عزز خيار الرئيس اليمني علي عبدالله صالح، الاستمرار في الحسم العسكري، ورفض جميع المبادرات والنداءات لوقف إطلاق النار، وكذلك، رفضه، لقاء وفد الجامعة العربية، برئاسة الأمين العام المساعد للشؤون العسكرية، اللواء سعيد بير قدار، الذي التقاه عبدالعزيز عبدالغني، عضو مجلس الرئاسة، ونقل رغبة الرئيس صالح في إبقاء الجامعة العربية، بعيداً عن الأحداث الدائرة في اليمن، والتي اعتبرها شأناً داخلياً، وتمرداً يجري القضاء عليه .

    وعبرت مصادر عسكرية، عن تخوفها في أن يقدم الرئيس صالح، على استخدام مخزونه، من قنابل "النابالم" والقنابل "الانشطارية"، التي حصلت عليها القوات الشمالية من رومانيا، في صفقة الأسلحة التي كشف عنها الشهر الماضي، إذا ما واجه مقاومة شديدة من جانب القوات الجنوبية، التي تقطع الطريق باستمرار ضد أي تقدم للقوات الشمالية في اتجاه عدن .

    و.
    وذكرت مصادر محايدة، أن قتالاً ضارياً يدور بين الوحدات الشمالية، التي تقدمت ما بين خمسة وعشرة كيلومترات، إلى منطقة المسيمر، جنوب مدينة الضالع، وبين القوات الجنوبية، التي تُبدي مقاومة شديدة، مستخدمة قواتها الجوية بكثافة لصد التقدم الشمالي .

    ز.
    وصرح مصدر محايد، عن سقوط صاروخين من نوع سكود(SCUD-B)، في صنعاء ليلة 14/15 مايو 1994 ، وذكر القادمون من صنعاء، أنهم شاهدوا آثار تدمير كبير، في قصر الرئاسة بصنعاء، نتيجة سقوط صاروخ سكود عليه، وهناك دمار شديد في بعض المواقع في صنعاء، لكن السلطات اليمنية تتكتمها وتتجاهلها.

    ح.
    وفي محاولة من القيادة العسكرية الجنوبية، لإعادة تنظيم صفوفها، عُيّن العقيد محمد مفتاح عبد الرب، قائداً لمحور أبين، والعقيد قاسم يحيى، قائداً لمحور الضالع .

    وعلى الجانب الآخر، عين الرئيس صالح، العقيد علي شيخ عمر، محافظاً لمحافظة أبين، في خطوة إضافية لتعزيز موقف الشماليين في أبين، التي تجري فيها حرب عصابات داخل المدن، بعد أن اتخذت عناصر من قوات العمالقة، مباني ومساكن المواطنين في جعار، وزنجبار، كدروع بشرية، لمواجهة القوات الجنوبية.

    ط.
    وافادت الأنباء الواردة من جبهات القتال، أن حدة القتال اشتدت بين القوات الجنوبية والشمالية، حيث انتقل ثقل المعارك إلى المناطق المحيطة بقاعدة العند، وجبهة كرش في الشمال الغربي، وفتح جبهة جديدة في محافظة شبوة. وأوضحت المصادر المحايدة، أن تفوق الشماليين في الضالع، قابلته خسائر كبيرة في الأفراد والمعدات مُنيُوا بها في الضالع، وفي جبهة باب المندب، نتيجة القصف الجوي الجنوبي على القوات الشمالية، التي كانت تتقدم على هذه المحاور من دون غطاء جوي. وكشفت المصادر نفسها، أن ما يزيد عن 600 لاجيء صومالي قتلوا، عندما وجدوا أنفسهم بين ناري القوات الشمالية والجنوبية، في محافظة أبين، أن غالبية القتلى والجرحى، من مخيم اللاجئين بمنطقة الكود، بالقرب من زنجبار، فضلاً عن مئات اللاجئين الذين فقدوا خلال محاولتهم الفرار سيراً على الأقدام، وأشار أن معسكرات اللاجئين، تعاني أوضاعاً مأسوية في المخيمات، حيث يواجهون شبح المجاعة، وتفشي الأمراض، ولم يتلقوا أي مواد غذائية منذ نحو أسبوعين.

    ي.
    وقد دارت أعمال القتال، خلال يومي 14، 15 مايو 1994، في خمس جبهات حول عدن كالآتي:

    (1)
    محور باب المندب خرز السّاحلي:
    صرحت صنعاء، أن قواتها دحرت تحصينات ومواقع لواء خرز الجنوبي، في منطقة باب المندب، وتواصل تقدمها على بعد 100 كم من عدن، بهدف إحكام الحصار على المدينة، من مختلف الاتجاهات.

    في حين صرحت المصادر العسكرية الجنوبية، أن معارك طاحنة جرت في باب المندب، في منطقتي رأس العاره، وكهبوبه، استطاعت خلالها القوات الجنوبية السيطرة على ساحة العمليات، وإرغام القوات الشمالية على التراجع، بعد تدمير عدد كبير من آلياتها، وأسر مجموعة من جنودها. كما أعلنت المصادر نفسها، أن القوات الجنوبية أسقطت ثلاثة طائرات حربية شمالية، ووقع طيار في الأسر، وأغرقت ذورقاً حربياً في معركة دارت في منطقة باب المندب، قرب الحدود السابقة بين شطري اليمن.

    وصرحت مصادر محايدة، أن استقرار الموقف على جبهة خرز، في المحور الغربي، كان نتيجة تكبد الشماليون، خسائر فادحة، نتيجة القصف الجوي والبحري هناك.

    (2)
    محور الراهده ـ كرش ـ العند:
    أكدت كافة المصادر، أن المعارك، تدور رحاها، في منطقة كرش، التي تبعد 84 كم شمال غربي عدن، وأن زيادة ضغط القوات الشمالية على جبهة كرش، يستهدف إسقاط معسكر العند. وأفادت مصادر شمالية أن قواتها اخترقت لمسافة 7 كم في العمق عبر الحدود السابقة، وعلى جبهة عرضها 2 كيلو متر.

    وتواصل القوات الشمالية، محاولات التقدم جنوباً، أمام مقاومة شديدة للقوات الجنوبية، على محور كرش ـ الشريحه.

    (3)
    محور الضالع ـ العند:
    صرح مسؤول عسكري في صنعاء، أن معارك عنيفة دارت في منطقة الضالع، لتطهير جيوب المقاومة، وأن القوات الشمالية استعادت، مركز مسيمر بمحافظة لحج، "جنوب الضالع". وأنها تواصل تقدمها في قطاع الضالع، وأن معارك تدور بين القوات الحكومية والقوات المتمردة، في منطقة العند، بهدف اسقاط قاعدة العند العسكرية الحصينة، وتستخدم في هذه المعارك كل أنواع الأسلحة الثقيلة، بما فيها صواريخ أرض/ أرض سكود (SCUD-B)، التي أطلقتها القوات الحكومية على تحصينات قاعدة العند، وعلى المواقع العسكرية الموالية للحزب الاشتراكي. وذكر المصدر أن القوات الجنوبية تراجعت 10 كم جنوب الضالع، نحو معسكر العند، بعد أن قطعت القوات الحكومية، على قوات معسكر العند، كل المنافذ المؤدية إليه، وأنها تواصل تقدمها، على طريق إسقاط هذه القاعدة.

    ويعتقد خبراء عسكريون حكوميون، أن سقوط قاعدة العند، سيكون بداية النهاية للحرب الدائرة.

    كما أشارت البيانات الشمالية، إلى تسلل قواتها خلف القوات الجنوبية، ووصلت إلى عدن الصغرى، وهي منطقة صناعية تبعد 24 كم غربي عدن.

    وأكد قائد قاعدة العند الجوية الرئيسية، أن القوات الشمالية تقدمت 3 كم، بإتجاه المواقع الجنوبية المدافعة عن القاعدة، وتسيطر القوات الجنوبية على القاعدة وعلى المناطق المحيطة.

    كما أفاد مصدر عسكري جنوبي، أن الوحدات الجنوبية، بدأت شن عمليات فدائية انتحارية، وحرب عصابات، ضد القوات الشمالية، في منطقة الضالع الجبلية، وأكد أن الموقف آخذ في التحسن على هذه الجبهة، بعد تهجير النساء والأطفال منها.

    (4)
    جبهة آبين:
    صرح مصدر عسكري جنوبي، أن طلائع لواء تيسير الجنوبي، المرابط في شبوة، توجهت إلى مناطق في محافظة أبين المجاورة، لتطويق قوات العمالقة الشمالية، من الخلف.

    في حين أعلنت مصادر صنعاء، أنّ طائرات مقاتلة حكومية، استهدفت خلال اليومين الماضيين، وحدات لواء تيسير، المتوجهة إلى أبين، وكبدتها خسائر كبيرة، في المعدات والأفراد، فيما تولت وحدات تابعة للعمالقة، التصدي لما تبقى من هذه القوات، وقوات اللواء 30 الجنوبي، في اشتباكات بين الجانبين، أسفرت عن تدمير 21 دبابة جنوبية، من نوع تي 54 (T-54)، والاستيلاء على ثماني عشر دبابة من نوع تي 62 (T-62)، سوفيتية الصنع، وأربع عربات مدرعة، ومدفع هاوتزر(Howitzer)، ومدفع 85 مم، وكمية كبيرة من الأسلحة والذخائر والعتاد. كما نقلت وكالة الأنباء اليمنية عن المصدر نفسه، أن قوات الدفاع الجوي، أسقطت طائرة مقاتلة جنوبية فوق محور أبين.

    (5)
    جبهة شبوه:
    أفادت المعلومات الواردة من جبهات القتال، أن القيادة العسكرية الشمالية، فتحت في الساعات الأولى من فجر يوم 14 مايو 1994، جبهة جديدة في محافظة شبوة الجنوبية، الغنية بالنفط، التي يوجد فيها خمسة ألوية عسكرية جنوبية، مجهزة بعتاد عسكري على مختلف المستويات، وأن هذه الجبهة فتحت من مناطق مديرية بيحان المتاخمة لمحافظة البيضاء الشمالية.

    وقد أكدت مصادر عسكرية موثوق بها، أن قادة عسكريين من القوات الحكومية، قاموا بمناورات لاستمالة القوات الجنوبية في محافظة شبوة، مما أجل اندلاع القتال في هذه الجبهة الإستراتيجية المهمة، مع أن المصادر الشمالية، نفت قبول قادة الوحدات الاشتراكية،الانضمام إلى القوات الحكومية، إلا أنها تحدثت عن بعض حالات الانضمام خلال اليومين الأخيرين.

    كما تحدثت عن وقوف رجال القبائل اليمنية، وعدد كبير من المواطنين إلى جانب الوحدات الحكومية، الأمر الذي ساهم في فتح الجبهة الجديدة .

    وأكد مصدر شمالي، أن الشماليين يقاتلون للاستيلاء على مدينة عتق، عاصمة محافظة شبوة، التي تبعد 300 كم شرقي عدن، وأن الطيران الشمالي نفّذ غارات جوية ضد مطار عتق، وتجمعات لواء تيسير الجنوبي، المتمركز في هذا القطاع.

    (6)
    وفي نهاية يوم 15 مايو 1994، شهد الوضع العسكري ركوداً على الصعيد العسكري ، إذ ركز الشماليون على تعزيز المواقع، التي استولوا عليها في مديرية الضالع، فيما يسعى الجنوبيون إلى منعهم من ذلك، عبر شن هجمات مضادة على مختلف الجبهات، التي يسعون إلى تحقيق تقدم فيها، بهدف تطويق عدن. وفي هذا المجال، أفاد شهود عيان في عدن، أن الطيران الجنوبي نفذ نحو 100 غارة في الساعات الـ 24 الماضية، لمنع الشماليين من تحقيق تقدم وتعزيز مواقعهم.

    وقالت مصادر سياسية في صنعاء إن الرئيس علي عبدالله صالح "مصمم على سحق المتمردين" في الجنوب.

    لكن المقاومة الجنوبية الضارية، تعني أن قوات الشمال لم تشكل بعد خطراً مباشراً على عدن. ويقول المسؤولون في صنعاء، إن القوات الشمالية، لم تنقض على عدن حتى الآن، لأنها تريد تفادي إراقة مزيد من الدماء، والسماح لقادة الحزب الاشتراكي بـ "فرصة للاستسلام".

    ويعترف مسؤولون في عدن، أن القوات الشمالية حققت تقدماً في ميدان القتال، لكنهم يقللون من أهميته. ويضيفون أنه في حال لم تتمكن هذه القوات من اختراق الدفاعات الجنوبية، والإطباق على عدن قريباً، ستواجه صعوبة في إعادة تموينها من قواعد، تبعد مئات الكيلومترات عبر أراضٍ وعرة. وأقرب موقع رئيسي للشماليين إلى عدن، يقع في وادي دوفاس، شمال شرقي المدينة على ساحل خليج عدن، حيث اصطحب مسؤولون، صحافيين جاءوا من صنعاء لزيارة معسكر شمالي، على بعد 40 كيلو متراً من عدن.

    وكانت القوات الشمالية، قد أعلنت مراراً، الاستيلاء على قاعدة العند، لكن صحافيين من عدن، اقتربوا من القاعدة أول من أمس، أكدوا أنها لا تزال في أيدي القوات الجنوبية.





    القسم الرابع: تطورات الموقف السياسي والمبادرات الدبلوماسية
    خلال الفترة من بدء القتال حتى 15 مايو 1994:

    مع استمرار تردي الموقف، بين شطري اليمن الموحد، وتصاعد المواجهة بين الطرفين إلى حرب أهلية، في هذه الأجواء، تعود المساعي العربية، والدولية إلى حرارتها، في إطار السعي لوضع حد للصراع، خاصة أن الجانبين، ربما أصبحوا على قناعة، بصعوبة حسم الأمور عسكرياً، وأن أمد الحرب ستطول، وربما تتحول إلى حرب استنزاف بعيدة. لذا فإن قبول الوساطات لإنقاذ اليمن، هو الأقرب، عوضاً عن الخيار العسكري والتدهور.
    وتتلخص المبادرات، التي طرحت في الآتي:

    1.
    دعا الرئيس اليمني السابق، علي ناصر محمد، الرئيس علي عبدالله صالح، ونائبه علي سالم البيض، إلى الرحيل عن السلطة، إذا عجزا عن حل الأزمة، الذي تمثل في تنفيذ وثيقة العهد والاتفاق، التي تضمنت إقامة فيدرالية بين شطري اليمن. وحذر من أن الحرب الأهلية يمكن أن تقسم اليمن إلى اكثر من دولة، أو كيان، وليس شطرين فحسب.

    2.
    في 28 أبريل 1994، دخلت الولايات المتحدة الأمريكية، جلسة الوساطة في الأزمة اليمنية، بمبادرة طرحها آرثر هيوز، السفير الأمريكي في صنعاء ، بعد اشتعال القتال في منطقة عمران.

    3.
    في 3 مايو 1994، تقدمت مصر بمبادرة ، تهدف إلى الفصل بين القوات الشمالية والجنوبية، وسحبها من مواقعها الحالية إلى مسافة مائة كيلو متر، لإبعاد أي احتكاك بين الجيشين تمهيداً لتسوية الأزمة.

    وقد وافق الحزب الاشتراكي على هذه المبادرة، في الوقت الذي لم يعلن فيه حزب المؤتمر الشعبي العام، موقفه منها، خاصة أنه رفض مراراً، أي خطوات من شأنها، إبعاد القوات الشمالية عن الجنوبية، أو نقلها من مواقعها الحالية، وهو الخلاف الذي أدى إلى فشل لقاء المصالحة في صلالة، بين الرئيس علي عبدالله صالح، ونائبه علي سالم البيض.

    وكان مبعوث الرئيس المصري، إلى اليمن، السفير بدر همام، قد دعا القادة الشماليين والجنوبيين، إلى ضرورة التحلي بالحكمة والتعقل، لتجاوز الأزمة السياسية التي يمر بها اليمن.

    وعلى صعيدٍ آخر، أفادت مصادر دبلوماسية عربية، أن سورية ، دخلت على خط الوساطات، لتخفيف حدة المواجهة، بين صنعاء وعدن.

    4.
    عاودت جمهورية مصر العربية جهودها، وتقدمت بمبادرة، بالتنسيق مع دولة الإمارات العربية المتحدة. وكان الرئيس محمد حسني مبارك، والشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، قد أجريا اتصالات، مع أطراف الأزمة، وكانوا على وشك دعوة الرئيس اليمني، علي عبدالله صالح، ونائبه علي سالم البيض، إلى قمة رباعية، في القاهرة تجمعهما، مع الرئيس محمد حسني مبارك، والشيخ زايد بن سلطان آل نهيان. وعلى الرغم من تراجع الفكرة، نتيجة التداعيات التي نتجت عن القتال الناشب، ورفض صنعاء للوساطة العربية، فإن الدور الذي يمكن أن تلعبه الوساطة المصرية ـ الإماراتية، كان ما يزال متاحاً.

    وفي القاهرة دعا الرئيس المصري،نظيره اليمني، غير مرة، إلى العمل على وقف القتال بين الأشقاء، وتجنب المزيد من نزيف الدم، والاعتداءات العشوائية على المنشآت الحيوية والأفراد الآمنين. وأكد أن مصر ستستمر في جهودها، من أجل إنهاء الأزمة.

    5.
    وعلى ضوء تطور الأحداث، تقدمت الحكومة الأمريكية بمقترحات محددة، لإنهاء الأزمة سلميا، وتضمنت المقترحات الآتية :

    أ.
    فصل الوحدات الشمالية والجنوبية لمسافة 70 كيلو متر.

    ب.
    إيقاف أي تحركات عسكرية.

    جـ.
    بذل الجهود لتحسين الاتصالات بين القيادات العسكرية، على مستوى الضباط، في مراكز القيادة العسكرية.

    د.
    التفاوض المباشر بين الرئيس علي عبدالله صالح، ونائبه علي سالم البيض.

    هـ.
    تُتخذ الإجراءات اللازمة من الجانبين، لعودة المسؤولين الجنوبيين إلى صنعاء، للمساهمة في إدارة الحكومة.


    وجاء في مطلع المذكرة، أن حكومة الولايات المتحدة الأمريكية، تأسف بشدة، وتشعر بالقلق لاندلاع القتال الأخير، بين الوحدات العسكرية الشمالية والجنوبية في عمران، وعبروا عن قلقهم من إعادة إنتشار القوات العسكرية، على نطاق واسع، وازدياد الحملات الإعلامية بين الشمال والجنوب. وأن الولايات المتحدة الأمريكية، تدعم بشدة الجهود المبذولة من القادة اليمنيين، والأصدقاء العرب، لتخفيف حدة التوتر. وحضت الحكومة الأمريكية، القيادتين الشمالية والجنوبية، على اتخاذ خطوات لمنع اندلاع المزيد من المعارك.

    وشددت المذكرة، على أن كارثة عمران، تؤكد الحاجة الماسة إلى التوصل إلى حل سياسي، لأزمة اليمن الداخلية، في أسرع وقت ممكن. وحذّرت الحكومة الأمريكية، من أن استمرار الفشل في إيجاد حل للخلافات، سيؤدي إلى اندلاع المزيد من العنف، وأن أحداث عمران، تعكس انهياراً في التفكير والانضباط، من أعلى لأسفل.

    ودعمت الحكومة الأمريكية بشدة، الاقتراحات المقدمة من قبل الوسيط المصري، لاتخاذ إجراءات بناء الثقة، وفصل القوات، وتنفيذ وثيقة العهد والاتفاق، التي يمكن أن تُسهم في تسوية الأزمة.

    6.
    في 5 مايو 1994، أعربت المملكة العربية السعودية عن أسفها الشديد، لاستمرار القتال بين الأخوة في اليمن الشقيق. وصرّح مصدر مسؤول في الرياض، أن المملكة من منطلق حرصها على مصلحة الأشقاء في اليمن، تناشد الجميع ضبط النفس، ووقف الاقتتال، وتحكيم العقل، والمنطق، ووضع مصلحة اليمن، فوق أي اعتبار آخر، وذلك صيانة لدماء وأرواح أبنائه. كما أن المملكة يحدوها الأمل، في أن تسيطر الروح الإسلامية، والوطنية الصادقة، لوضع حد لهذه الأحداث الدامية، وتدعو الله العلي القدير، أن يجنب اليمن الشقيق كل سوء ومكروه .

    7.
    وفي 7 مايو 1994، ومع اتساع دائرة المعارك، جددت أطراف عربية ودولية، النداءات للطرفين، لوقف الاقتتال، والاحتكام للعقل. فقد اتصل كل من الرئيس المصري، محمد حسني مبارك، والرئيس السوري، حافظ الأسد، والرئيس الجزائري، الأمين زروال، والرئيس التونسي، زين العابدين بن علي، والرئيس الليبي، العقيد معمر القذافي، بالرئيس اليمني علي عبدالله صالح، ونائبه علي سالم البيض، وناشدوهم العمل على وقف الاقتتال والاحتكام إلى العقل. كما دعا الأمين العام للأمم المتحدة، الدكتور بطرس غالي، القادة اليمنيين، لضبط النفس، والعمل على حل الأزمة بالطرق السلمية.

    8.
    وأعلنت جامعة الدول العربية، عن عقد اجتماع طارئ، على مستوى المندوبين الدائمين، لبحث سبل احتواء الأزمة اليمنية، والنظر في اقتراح مصري، بإرسال قوات عربية لوقف المعارك، وفك الاشتباك بين القوات اليمنية .

    وصرح الدكتور عصمت عبدالمجيد، الأمين العام لجامعة الدول العربية، أنه اتفق مع الرئيس علي عبدالله صالح، خلال اتصال هاتفي، على إرسال وفد، على مستوى عال من الجامعة العربية، للمساعدة في منع تصعيد الموقف، ولكن قصف مطار صنعاء الدولي حال دون وصول الوفد، ووجه الدكتور عبدالمجيد، نداء باسم الجامعة العربية، دعا فيه الطرفين وقف تصعيد الاقتتال.

    كما أعلنت مصادر خليجية، أن وزراء دول مجلس التعاون الخليجي، الذين سيلتقون في الرياض، سيتناولون بالبحث تطورات الوضع اليمني.

    9.
    وقد قوبلت دعوة الرئيس المصري، محمد حسني مبارك، بإرسال قوات عربية للفصل بين القوات، بترحيب من جانب الحزب الاشتراكي الجنوبي. ولوحظ أن وسائل الإعلام المصرية الرسمية، ما زالت تصف السيد علي سالم البيض، بأنه نائب الرئيس اليمني، وحيدر أبو بكر العطاس رئيس الوزراء، كما تستخدم عبارات "الشماليين، والشطر الجنوبي".

    ومن ناحية أخرى، رفض حزب المؤتمر الشعبي الوساطة العربية، وجاء في تصريح لأمينه العام المساعد، وعضو مجلس الرئاسة اليمني، عبدالعزيز عبدالغني، أن صنعاء ترفض الوساطة الخارجية، لأن ما يحدث شأن داخلي بين الشرعية والمتمردين عليها، كما أننا نرفض بشدة الوساطة التي تعتبر الصراع بين نظامين مختلفين، لأن النظام واحد والبلد واحد، والشرعية موجودة في مجلس النواب، الذي انتخبه الشعب، في 27 أبريل 1993 .

    10.
    وفي كلمة للرئيس علي عبدالله صالح، أمام مجلس النواب اليمني، في 6 مايو 1994، أعلن عن استعداده لتقديم مزيد من التضحيات، للحفاظ على الوحدة، والقتال ضد العناصر الانفصالية المتمردة على الشرعية.

    وقد لاحظ مراقبون دبلوماسيون، أن طرح ورقة الشرعية، من جانب الرئيس اليمني، جاء متأخراً، كما فقدت فاعليتها، بسبب كشفها من جانب الحزب الاشتراكي في مرحلة سابقة، كما أن قراراته بطرد أعضاء مجلس الرئاسة، وبعض الوزراء، والمسؤولين الجنوبيين، لا تعتبر توجهاً وحدوياً، خاصة بعد تفجر القتال، بدلاً من الحوار بين أطراف الأزمة.

    11.
    وفي 9 مايو 1994، أجرى وزير الخارجية اليمني، محمد سالم باسندوه، اتصالاً هاتفياً بالدكتور عصمت عبدالمجيد، الأمين العام لجامعة الدول العربية، وأبلغه قرار صنعاء، بقبول وساطة الجامعة العربية ، مما أثار دهشة المراقبين، الذين قالوا إن وزير الخارجية اليمني، الذي رفض منذ يومين أي دور للجامعة العربية، لاحتواء الحرب الدائرة بين الشمال والجنوب، معتبراً هذه الحرب شأناً داخلياً، لا دخل للجامعة العربية فيه، عاد والتزم باتخاذ الإجراءات الضرورية، لضمان وصول وفد الجامعة العربية إلى صنعاء.

    وفي تصريح لوزير التخطيط اليمني، الدكتور الإيرياني، لتبرير موقف صنعاء ، نفى أن يكون كلام وزير الخارجية يعني أن هناك تحولاً في موقف القيادة اليمنية في صنعاء، بعد رفضها الوساطة العربية على لسان الرئيس علي عبدالله صالح، وأكد أن حكومته وافقت على استقبال وفد الجامعة العربية، الذي هو الآن في طريقه إلى صنعاء، للحوار مع القيادة الشرعية والدستورية، وأشار أن الرفض كان للوساطة والحوار، على أساس وجود قيادتين شرعيتين في البلاد.

    وترددت تساؤلات عديدة في الأوساط الدبلوماسية، العربية والأجنبية، حول قرار صنعاء المفاجئ، بقبول وساطة الجامعة العربية، وفسرهّ بعض المراقبين، بأنه ربما كان يعبر عن تفهم جديد، لصعوبة حسم الأزمة اليمنية عسكرياً، وفي الوقت نفسه، لتفادي العزلة العربية، والاتهامات، التي توجه إلى قيادة صنعاء، بصلف القوة.

    وسرعان، عاد وزير الخارجية اليمني، ونفى ما سبق أن أعلنه عن قبول صنعاء، استقبال وفد جامعة الدول العربية، للتوسط في الأزمة اليمنية. واعترض على الاجتماع الطارئ لمجلس الجامعة العربية في القاهرة، وقال إن ما يجري في اليمن شأن داخلي، وليس نزاعاً بين دولتين. وهاجم باسندوه القائم بأعمال مندوب اليمن لدى جامعة الدول العربية، شاهر محمد سيف، "جنوبي"، لتقديمه طلب إرسال قوات حفظ سلام عربية، من دون موافقة من مجلس الوزراء اليمني.

    ومع استمرار المواجهات العسكرية، رفضت صنعاء تدخل الجامعة العربية، مصرة على التصدي للحفنة المتمردة. وادعت أن ما يحدث في اليمن، ليس صراعاً على السلطة، ولا هو صراع بين الشمال والجنوب، ولا هي حرب أهلية بين الجيش الشمالي والجيش الجنوبي، إنما هي حرب يمنية تدور بين قوات تدافع عن الشرعية الدستورية، وقوات تدافع عن مصالح بعض قادة الحزب الاشتراكي الانفصاليين المتمردين، الخارجين على القانون، الذين يرفضون الانضواء تحت لواء الشرعية والدستورية، ويسعون إلى تمزيق الوطن، وإجهاض الوحدة والديموقراطية، والعودة إلى زمن التشطير.

    ورفض الرئيس علي صالح، دعوات الدول العربية والأجنبية لوقف النار، كما رفض أي تدخل خارجي، ورفض فكرة إرسال قوات عربية لفصل القوات في اليمن.

    كما أعلن عبدالعزيز عبدالغني، الأمين العام المساعد لحزب المؤتمر الشعبي، في مؤتمر صحفي، عن قرب انتهاء الحرب ضد القوى الانفصالية المتمردة، وأكد أن الوساطات الخارجية لن تنفع.

    12.
    وفي 10 مايو 1994
    دعا وزراء خارجية دول مجلس التعاون الخليجي، الطرفين المتحاربين في اليمن، إلى وقف القتال، وإيجاد حل سلمي عن طريق الحوار لمشكلات بلدهما، يحقق حقن الدماء، والاحتكام إلى لغة العقل والمنطق، ووضع مصلحة اليمن وشعبه فوق كل اعتبار. كما جاء في كلمة الأمير سعود الفيصل، في افتتاح اجتماع المجلس الوزاري لمجلس التعاون الخليجي، تعبيراً عن القلق البالغ، من التطورات الجارية في اليمن.

    وقد رفضت صنعاء، مشروع وساطة كانت القيادة الفلسطينية عرضتها يوم 9 مايو، لوقف الحرب في اليمن، في حين رحب بها نائب الرئيس اليمني علي سالم البيض.

    13
    وفي زيارة لصنعاء والبحرين، قام بها مساعد وزير الخارجية الأمريكي للشرق الأوسط، روبرت بلليترو، التقى خلالها الرئيس صالح، ونائبه البيض، وصرح أن احتمالات الحرب لا تبشر بخير، لأن الموقف كتاب ذو فصول كثيرة، واعتبر أن الحرب تنطوي على أخطار هائلة على الاستقرار الإقليمي في منطقة الخليج برمتها، وعلى المصالح الأمريكية في اليمن، وفي شبه الجزيرة العربية، وحدد الأخطار في استمرار سقوط الضحايا الأبرياء، وتعاظم الخسائر البشرية، وتدفق سيل اللاجئين اليمنيين على الدول المجاورة، وكذا بحث الطرفين عن مزيد من الأسلحة من مصادر مختلفة، مما يوفر فرصة للحكومات، التي تسعى إلى إشعال الاضطرابات وعدم الاستقرار. "وفي ذلك إشارة ضمنية إلى العراق".

    وأكد أنه تحدث مع رئيس الوزراء، حيدر العطاس، الذي يعالج في الولايات المتحدة الأمريكية، وجدد تأكيده، أنه لا يوجد "حل عسكري"، وطالب أطراف النزاع العودة إلى الحوار السياسي، وعدّه الحل الوحيد للأزمة، وقدم إلى القادة اليمنيين، مقترحات أمريكية لحل النزاع، من بينها فصل الوحدات الشمالية والجنوبية، وإنهاء إعادة انتشار القوات.

    وفي انتقاد ضمني لموقف الرئيس صالح، ذكر بلليترو: أن الرئيس صالح أخبره أن الأمور في اليمن تجاوزت مرحلة الدعوة للوساطات، التي تنادي بوقف الاقتتال، وأضاف بلليترو أن الآراء بينه وبين صالح لم تتوافق .

    وانسجاماً مع المساعي الديبلوماسية الحميدة، والجهود العربية والدولية رحب الحزب الاشتراكي بجهود وقف الاقتتال، ليجنب اليمن وشعبه دمار الحرب الأهلية.

    14.
    يوم 11 مايو 1994

    ومع تصاعد حدة القتال، كثفت صنعاء، وعدن اتصالاتهما العربية ، لشرح موقف كل منهما في الحرب الدائرة في اليمن. فبينما أرسلت صنعاء الشيخ عبدالله الأحمر رئيس مجلس النواب، والدكتور عبدالكريم الإيرياني وزير التخطيط إلى الرياض، ومحمد سالم باسندوه وزير الخارجية إلى القاهرة، أرسلت عدن صالح أبو بكر بن حسينون، وزير النفط، إلى أبو ظبي، ومنها إلى القاهرة، حاملاً رسائل من علي سالم البيض الأمين العام للحزب الاشتراكي، ونائب الرئيس اليمني.

    15.
    وفي الرياض، جدد خادم الحرمين الشريفين ، الملك فهد بن عبدالعزيز، موقف بلاده من الأزمة، مؤكداً أهمية ضبط النفس. وأبلغ الوفد اليمني لدى استقباله له، ضرورة وقف الاقتتال ونبذ لغة السلاح، واللجوء إلى الحوار المباشر، لحل أي إشكالات بين الجانبين، وأوضح أن مصلحة اليمن، وقف القتال وإنقاذ أرواح أبناء الشعب اليمني الشقيق.

    16.
    وفي أجواء، تصاعد القتال، عادت المساعي العربية السياسية، باتفاق رئيسا مصر، ودولة الإمارات، وبالتنسيق مع المملكة العربية السعودية، على تكثيف الجهود لوقف القتال، خاصة أن الدول الثلاث، أصبحت في اليومين الأخيرين، مركزاً لاتصالات مكثفة بأطراف الأزمة اليمنية. وكانت نتيجة الاتصالات بين الدول الثلاث، أن صاغت الإمارات العربية المتحدة مبادرة مشتركة لوقف إطلاق النار في اليمن، تتضمن ثلاثة بنود:

    أ.
    وقف فوري لإطلاق النار في جميع النقاط، مع سحب القوات إلى مواقع تمنع حدوث أي احتكاك بينها، يؤثر على المساعي السياسية، التي قد تبذل لإيجاد مخرج للأزمة اليمنية.

    ب.
    التراجع عن كل القرارات، التي اتخذت في أعقاب القتال، والتي طالت إقالة القيادات الجنوبية اليمنية.

    جـ.
    البدء بحوار سياسي أساسه "وثيقة العهد والاتفاق"، التي يتمسك بها طرفا الأزمة.

    وقد أكد الشيخ زايد، في اتصالات هاتفية، مع كل من الرئيس علي صالح، ونائبه علي سالم البيض، استعداد الإمارات لمواصلة وساطتها، ومساعيها الخيرة، شرط وقف إطلاق النار فوراً، وناشدهم أن يتقوا الله في اليمن وأبنائه، وتحكيم العقل بدل تحكيم السلاح .


    17.
    يوم 12 مايو 1994، أبدى الأردن استعداده لاستئناف مساعي الوساطة، بين أطراف النزاع في اليمن، بعد أن كانت قد توقفت قبل اندلاع النزاع المسلح، واشترط أن تقبل كافة الأطراف بذلك. وقالت المصادر التي أشارت إلى ذلك، أن هذا الاتجاه ظهر خلال استقبال العاهل الأردني الملك حسين لوزير خارجية اليمن محمد باسندوه، كمبعوث للرئيس اليمني علي عبدالله صالح، ونقلت المصادر عن الديوان الملكي، أن باسندوه نقل رسالة من صالح إلى الملك حسين، وأطلعه على آخر التطورات في الحرب اليمنية. إضافة إلى أنه نقل إليه مضمون محادثاته مع المسؤولين المصريين في القاهرة.

    ونقلت المصادر، أن باسندوه، تمنى على الملك حسين تجديد جهود الوساطة، خاصة أن توقيع "وثيقة العهد والاتفاق" جرى في عمان، وبإشراف الأردن.

    وكان الأردن قد رفض في وقت سابق، وقبل اندلاع المعارك، القيام بمهمة الوساطة، لأنه اعتبر انفجار النزاع المسلح، طعنة لجهوده الدبلوماسية، والسياسية، وأن إطلاق النار، يعتبر في نظر الأردن، موجهاً إلى "الوثيقة"، التي وقعت من قبل كافة الأطراف في اليمن. وعلى الرغم من ذلك قالت مصادر موثوقة أن وفدا برلمانياً وشعبياً أردنياً، يستعد الآن للسفر إلى اليمن، للقيام بالوساطة، وقد يغادر عمان في الأسبوع المقبل، ويضم نواباً في الحركة الإسلامية، والقوى الوطنية، وبعض الشخصيات السياسية.

    وفي موسكو، أكدت الحكومة الروسية، في بيان أصدرته، استعدادها للمساهمة في جهود الوساطة، لتسوية النزاع اليمني .

    18.
    يوم 13 مايو 1994 صرح ولي العهد الكويتي، ورئيس مجلس الوزراء، الشيخ سعد العبدالله الصباح، أن الكويت لا تتأخر عن أي مسعى، يهدف إلى حل الخلافات في الدول العربية.

    وفي اليوم نفسه، طرح الحزب الاشتراكي اليمني، مبادرة من ثماني نقاط لوقف القتال ، تضمنت اقتراحاً بتشكيل حكومة إنقاذ وطني، لإزالة آثار الحرب، ووضع أسس إعادة الحياة لطبيعتها.

    وكانت الأحزاب والقوى الوطنية اليمنية غير مشاركة في الائتلاف الحاكم، قد طالبت من موقع تمثيلها في لجنة الحوار، تشكيل حكومة وحدة وطنية موسعة، ولكن حزبي المؤتمر الشعبي، والتجمع للإصلاح رفضا ذلك.

    وأعلنت صنعاء، رفضها مبادرة النقاط الثماني، التي طرحها الحزب الاشتراكي. وأكد ناطق رسمي في صنعاء لوكالة فرانس برس، أن اقتراح الحزب الاشتراكي، لوقف إطلاق النار، الذي ورد في المبادرة لا يحمل أي جديد. وأكد على شروط صنعاء لوقف النار، وهي أن يُسلّم البيض، وهيثم، وجميع الانفصاليين، أنفسهم لمحاكمتهم، أو مغادرتهم البلاد. وأعلن، أن لا حاجة إلى تشكيل حكومة إنقاذ وطني، لأن هناك حكومة شرعية في البلد.

    19.
    وفي يوم 14 مايو 1994، اجتمع مسؤولون في وزار الخارجية الأمريكية في واشنطن، مع محسن العيني، السفير اليمني هناك، وعبروا عن قلقهم من تفاقم القتال، بين طرفي القوات المسلحة اليمنية.

    20.
    أعلن السيد عمرو موسى وزير الخارجية المصري، أنه على الرغم من أن بعض الأخوة في اليمن، يرون أن ما يجري هو مجرد تمرد، فإن الرأي العالمي كله يتفق على أن ما يجري هو صدام عسكري واضح وصريح.

    وقال الوزير المصري، إنه مع الاعتراف بالرأي الذي يرى أن أحداث اليمن موضوع داخلي، إلا أنه في الواقع موضوع عربي، لأنه إذا وصلت أوضاع داخلية معينة، إلى مرحلة صدام عسكري، بالمعنى المعروف بالصدام العسكري، فلا بد من مساهمة لوقف هذا الصدام، وعدم ترك الأمور تتفاقم.

    وقال عمرو موسى، إن مسألة الوحدة تتعلق بقرار يمني، واستمرارها هو شأن يمني داخلي، يتفق عليه الجميع، شعباً وقادة. أما ما يهم العرب فهو وقف الاشتباك اليمني ـ اليمني، وبدء الحوار.

    ورداً على سؤال عن الأنباء، التي ترددت عن مشاركة جنود سودانيين، وعراقيين، في الحرب اليمنية، قال إنه ليست هناك معلومات مؤكدة بهذا الشكل، ولكن هناك بعض الكلام، عن وجود مجموعات عائدة من أفغانستان تعمل لأهداف معينة، في بعض أنحاء اليمن، وإن هذه المسألة موضوعة تحت المراقبة الشديدة، من جانب كثير من الدول العربية.

    وفي لندن حض وزير الخارجية المصري طرفي النزاع اليمني، في تصريح صحفي، عقب اجتماعه مع رئيس الوزراء البريطاني، جون ميجور، على وقف القتال وبدء الحوار، للتوصل إلى تسوية سلمية للنزاع.

    21.
    وفي حين أكد مراقبون محايدون، أن القوات الشمالية، هي التي بدأت الحرب الدائرة في اليمن الآن، قال باسندوه أن جولته العربية تستهدف "شرح كيفية بدء القتال، ومن الذي بدأه؟ وكيف أن الأزمة السياسية في اليمن، كانت مقدمة لما يجري الآن، وأنه أريد من وراء افتعال الأزمة، تحقيق الانفصال سلمياً، ولما تعذر ذلك، لجأ المتمردون إلى استخدام الورقة العسكرية".

    وجدد صالح أبو بكر بن حسينون، وزير النفط اليمني، المعزول، مبعوث علي سالم البيض ترحيب القيادة الجنوبية بكل المبادرات العربية والدولية من أجل وقف النزيف الدموي في اليمن.

    كما أجرى عدد من الشخصيات السياسية اليمنية في الخارج، مشاورات لتشكيل لجنة، تكون مرجعية لاحتواء المصادمات العسكرية، ووقف الحرب، والضغط على القيادة السياسية في صنعاء، للتخلي عن خيار الحرب.

    وتوقعت مصادر سياسية يمنية، أن يشارك في هذه اللجنة، كل من القاضي عبدالرحمن الإيرياني، وأحمد محمد نعمان، ومجاهد أبو شوارب، وعبدالله الاصنج، ومطهر الإيرياني، وعبدالقوي مكاوي، والرئيس اليمني السابق علي ناصر محمد، وسفير اليمن في الأمم المتحدة، عبدالله الأشطل.

    ونتيجة لرفض صنعاء المبادرات العربية، والدولية، لحل الأزمة، ووقف الاقتتال، استبعد الدكتور عصمت عبدالمجيد، الأمين العام لجامعة الدول العربية، عقد قمة عربية لبحث الأوضاع في اليمن في الوقت الراهن، ولكنه وصف الوضع في اليمن، بأنه خطير ومؤلم.





    القسم الخامس: سقوط قاعدة العند الجوية العسكرية، وإعلان جمهورية اليمن الديموقراطية
    تطور أعمال القتال خلال الفترة من 16 مايو إلى 23 مايو 1994
    اتخذت الحرب الدائرة في اليمن، أبعاداً أكثر خطورة، اعتباراً من 16 مايو 1994، وذلك على الصعيدين العسكري والسياسي. فعلى الصعيد العسكري، اتسم الموقف بتطورات عسكرية، بالغة الأهمية، تمثلت في إقدام الشماليين على فتح جبهة جديدة في محافظة شبوة، وفي العودة إلى تنشيط جبهة أبين، وفي تصعيد القتال حول قاعدة العند الجوية الجنوبية، التي أعلن الشماليون سقوطها، في خطوة قد تكون نقلة نوعية في الحرب الدائرة .

    ودخلت الحرب اليمنية مرحلة جديدة من القتال، اتبعت فيها القيادة الشمالية، أسلوب الهجوم بكثافات عالية من الموجات البشرية، تستخدم فيها وحدات من المجندين، الأقل تدريباً وكفاءة قتالية، مع الاحتفاظ بالقوات الضاربة الرئيسية، مثل ألوية الحرس الجمهوري، لدفعها إلى الجبهات، في توقيت محدد لحسم الموقف.

    وفي مواجهة التكتيك الشمالي، اتبعت القيادة الجنوبية أسلوب القصف الجوي المكثف، واعتمدت على تحريك المدرعات بين المواقع المختلفة، لتحقيق قوة نيران تتناسب مع كثافة الموجات الشمالية، في استفادة واضحة بمعرفة طبيعة الأرض، التي تدور فوقها المعارك، ويقع معظمها في المحافظات الجنوبية، جنوب وشرق الحدود الشطرية السابقة .

    وترتب على التكتيك الذي يطبقه الشماليون، نوع من التفوق النسبي في الموقف، لصالح القوات الشمالية.

    1. الأعمال القتالية في 16، 17 مايو 1994

    أ.
    أعلنت صنعاء، عن إسقاط قاعدة العند الجوية الرئيسية، وأكدت على لسان وزير خارجيتها، محمد سالم بإسندوه، أن محاصرة عدن، وليس إسقاطها، هي الأولوية للهجوم العسكري الشمالي، في ما يبدو أنه التزام بالخط الأحمر، الذي رسمته واشنطن، ورسخته القاهرة عربياً، حول "احتلال" عدن .

    وتتواجه قوات الطرفين الشمالي والجنوبي في أربعة محاور، منها ثلاثة محاور حول عدن كالتالي:

    المحور الأول في الشمال على الطرق الرئيسية، بين صنعاء وعدن. "كرش ـ الراهدة، والضالع ـ العند".
    المحور الثاني في الشرق من اتجاه زنجبار، عاصمة أبين.
    المحور الثالث في الغرب من اتجاه مدينة خرز، القريبة من باب المندب، عند مدخل البحر الأحمر.
    أما الاتجاه الرابع، فهو بيحان ـ شبوة، في محاولة من جانب صنعاء، لتشتيت جهود القوات الجنوبية، مما يتيح لها فتح أي طريق في اتجاه عدن.


    وتتلخص إستراتيجية القوات الشمالية ، كما سيتضح من تطور العمليات، في التقدم من شمال بيحان نحو شبوة، والسيطرة على مدينة عتق، عاصمة المحافظة، وتحقيق التحام مع قوات العمالقة والحرس الجمهوري قي أبين، وقطع الطريق الساحلي شمال شرقي عدن، تمهيداً للتقدم نحوها على الطريق الساحلي من الشرق، وفي الوقت نفسه، تحاول فتح طريق من اتجاه الشمال. ويعتمد ذلك على نتائج معارك جبهتي، كرش ـ الراهدة، والضالع ـ العند، وعلى الرغم من الاستفادة الشمالية من الكثافة البشرية، والطبيعة الجبلية في الجهة الشمالية، فإن الأمر يعتبر بالنسبة لها أكثر صعوبة، لأنه لا توجد لها قبائل مؤيدة في منطقة لحج، كما هو الحال في شبوة، وأبين. كما أن قيادة القوات الجنوبية، تستميت في الدفاع عن مديرية الضالع، لأسباب نفسية ومعنوية، ولحماية قاعدة العند الإستراتيجية من السقوط، ومحاولتها فتح الطريق شمالاً إلى تعز.

    أما في الاتجاه الغربي، فعلى الرغم من عودة صنعاء، إلى فتح جبهة القتال على محور خرز ـ باب المندب، فإنها لا تستطيع التقدم هناك، بعد أن زادت خسائرها على هذا المحور.

    واستمرت الطائرات الحربية الجنوبية، في شن غاراتها المتتابعة والعنيفة، لقصف مواقع القوات الشمالية، وحرمانها من تحقيق أي تقدم، وقطع خطوط إمدادها.

    ب. معارك محور شبوة :

    أعلن مصدر عسكري في صنعاء، أن القوات اليمنية الشمالية، استولت على بلدة بيحان، في محافظة شبوة الجنوبية المنتجة للنفط، وهزمت لواء ملهم الجنوبي، الذي كان يرابط في بيحان، وأعلن المصدر نفسه، أن معارك عنيفة اندلعت للمرة الأولى منذ بدء القتال، بين الوحدات الشمالية والجنوبية، في منطقة شبوة، بهدف تأمين مؤخرة لواء العمالقة الشمالي في أبين، "ومنحه فرصة أكبر، لبسط سيطرته على المنطقة، والمشاركة في محاصرة عدن".

    وعلى الجانب الآخر، صدر بيان عسكري في عدن، أكد أن القوات الجنوبية، تساندها القوات الجوية، تمكنت من صد هجوم جديد للقوات الشمالية، في منطقة بيحان، بمحافظة شبوة، التي تبعد 500 كم شرق عدن، وأضاف البيان، أن "القوات الشمالية بعد فشلها الذريع في تحقيق نصر عسكري في مناطق الضالع، وكرش، والعند، شمال عدن، وفي باب المندب، وخرز غرب عدن، وتكبدها خسائر كبيرة في الأرواح تقدر بالآلاف، وفقدانها الجزء الأكبر من معداتها العسكرية، لجأت إلى فتح ثغرة شرق عدن، في منطقة بيحان،في محاولة للهجوم على محافظة أبين، من جهة الشرق، التي تشهد بعض مناطقها معارك طاحنة، بين القوات الجنوبية، يساندها المواطنون، وقوات العمالقة، التي بدأت بالانسحاب، بعد سقوط مدينة زنجبار، في قبضة القوات الجنوبية.

    جـ. محور أبين :

    في زنجبار، تدور معارك عنيفة، وتبادل القصف المدفعي بين الجنوبيين، وقوات العمالقة الشمالية، التي عززت من صنعاء. كما وصل أحمد مساعد حسين "جنوبي"، عضو المكتب السياسي لحزب المؤتمر، ومعه لواء حرس جمهوري إلى منطقة النقبة "عند ملتقى طرق شبوة وحضرموت وعدن" لدعم العمالقة. وصرح العقيد الجائفي، قائد العمالقة، أن قواته باتت على بعد 20 كم من عدن. كما أعلن العقيد على شيخ عمر، محافظ أبين الجديد، أن القوات الشمالية تحكم سيطرتها على محافظة أبين، وأن طلائع قوات العمالقة والصاعقة وصلت على بعد 15 كم، من عدن.

    وتحتفظ القوات الجنوبية حالياً في شرق أبين، بوحدات من اللواء 30، تدعمها مجموعات من قبائل التعمير بقيادة الشيخ عوض حسين عشيم، ويتواصل القصف المدفعي هناك على القوات الشمالية، في الوقت الذي قال فيه مصدر قبلي رفيع المستوى: "سنجعل النقبة مقبرة لهم".

    وقد أدى تبادل القصف في هذا القطاع، إلى إصابة مخيم اللاجئين الصوماليين، وسقوط 175 قتيلاً .

    د. محور كرش ـ الراهدة، الضالع ـ العند :

    (1)
    أفادت آخر المعلومات العسكرية في صنعاء، أن القوات الحكومية على وشك أن تنتهي من إسقاط قلعة العند العسكرية، في محافظة لحج، بعد أن تواصل القصف الصاروخي والمدفعي، والحصار العسكري لتحصيناتها، والقوات المرابطة فيها، التابعة للحزب الاشتراكي.

    وأشارت المصادر ذاتها، إلى أن قاعدة العند، "محاطة بأحزمة من الألغام، التي زرعتها القوات الجنوبية، وتتعامل قوات من سلاح المهندسين مع هذه الألغام، لتتمكن من اقتحام القاعدة، من كل الاتجاهات.

    وقال المصدر، إن القوات المسلحة الحكومية، تحاصر الحاميات العسكرية التابعة للحزب الاشتراكي، على مشارف مدينة عدن، من جهتي الشرق، والغرب، بعد حصار قاعدة العند الاستراتيجية، وأن "القوات الاشتراكية، فجرت مخازن الأسلحة والذخائر في القاعدة، في وقت استسلمت فيه كتيبة مدرعات من اللواء الخامس والعشرين، إلى القوات الحكومية، التي اعتقلت مائة من أفراد الحراسة الشخصية، للسيد علي سالم البيض".

    وفي يوم 17 مايو 1994، خاضت القوات الشمالية والجنوبية، معارك عنيفة حول قاعدة العند الجوية، وتبادلا القصف المدفعي المكثف، وأفادت مصادر محايدة، أن القوات الشمالية أحرزت بعض التقدم، ووصلت إلى ضواحي الحبيلين.

    (2)
    وفي عدن، صدر بيان عسكري، حمل الرقم (18) ، قال، إن القوات الجنوبية، في اتجاهي قعطبة ـ الضالع، والراهدة ـ كرش، أجبرت القوات الشمالية على التقهقر، والتراجع، إلى مواقع خلفية بعد تكبيدها خسائر فادحة. وذكر أن "المعارك العنيفة تدور الآن في منطقة كرش، شمال غربي عدن، وبعض المدن في أبين شرقي عدن". وما زالت الطائرات المقاتلة الجنوبية تقلع من مطار عدن، وتنفّذ يومياً أكثر من 100 طلعة.

    وذكرت مصادر عسكرية جنوبية، أن قواتها واصلت عمليات انتشال جثث القتلى من القوات الشمالية، في منطقة الضالع وكرش، وتقدر بأكثر من ثلاث آلاف جثة، وجثث الجنوبيين وتقدر بمائة وخمسين، تمهداً لفتح الطريق إلى المنطقتين .

    ونفى العميد الركن هيثم قاسم طاهر، أحد أبرز القيادات في الحزب الاشتراكي، ووزير الدفاع السابق، "الأنباء عن اقتراب القوات الشمالية من مدينة عدن". وصرح أن "عدن والمناطق المجاورة لها، ستكون مقبرة لمن يحاول الاقتراب منها، فالدفاعات الجوية، والأرضية، والبحرية، الجنوبية تملك القوة، لردع أي عدوان" .

    وأكد عسكريون جنوبيين، أنهم وزعوا أسلحة على المدنيين، لتعزيز دفاعات عدن ، ضد القوات الشمالية، التي تحاول التقدم باتجاه عدن. ودفعت القيادة الجنوبية بتعزيزات من الجنود والمتطوعين، والآليات المدرعة، وراجمات الصواريخ إلى المداخل الشمالية لعدن.

    وأعربوا عن ثقتهم في قدرة القوات الجنوبية، ذات التدريب الروسي، على مقاومة هجمات الشماليين القبليين، المفتقرين للتدريب الجيد، على عدن، من الشرق والغرب، ‏والشمال.


    هـ. محور خرز ـ باب المندب

    أما في القطاع الغربي، فاستمرت المواجهات، حول مدينة خرز القريبة من باب المندب، عند مدخل البحر الأحمر. وتؤكد القوات الشمالية أنها تهدف للوصول إلى عدن، عبر الشريط الساحلي. إلاّ أنها لم تستطع، التقدم من هذا الاتجاه، بعد أن تكبدت خسائر فادحة، نتيجة القصف الجوي، والبحري هناك، على الرغم من استمرارها في قصف مناطق السكان المدنيين، بهدف أضعاف معنويات القوات الجنوبية.

    و.
    أعلن الحزب الاتراكي، وخمسة أحزاب أخرى، مبادرة جديدة لوقف النار، وتشكيل حكومة إنقاذ وطني .


    2. الأعمال القتالية في 18 مايو 1994


    أ.
    اعتبرت مصادر سياسية في عدن أمس، أن الانفصال بين جنوب اليمن وشماله بات وشيكاً، بعد رفض الرئيس اليمني علي عبدالله صالح، أي وساطة عربية أو دولية لوقف القتال، في وقت استمرت المعارك الضارية على جبهة العند، التي لم يتأكد حتى مساء أمس سقوطها، في أيدي القوات الشمالية. علماً بأن ناطقاً عسكرياً في عدن أعلن صباحاً "استعادة" قاعدة العند الجوية الرئيسية، فيما أكدت صنعاء أن قواتها تتقدم نحو عدن.

    وجددت إدارة الرئيس بيل كلينتون، دعوتها للأطراف المعنية بالنزاع في اليمن، وقف القتال. وحضت الدول على عدم تقديم الأسلحة إلى المتقاتلين. وتزامنت دعوة واشنطن إلى الامتناع عن تزويد اليمن بالأسلحة، مع إعلان الجامعة العربية، فشل جهودها لوقف النار في اليمن. ورأى مراقبون محايدون، أن الجنوب يحضّر لمرحلتين: اشتراك الآخرين من المعارضة، ومناطق شمالية، في المبادرة الداعية إلى حكومة إنقاذ وطني، حيث قضى المكتب السياسي للحزب الاشتراكي، وقيادات أحزاب المعارضة اليمنية، طوال يوم أمس، حتى ساعة متأخرة من المساء، في مشاورات مكثفة لإعلان حكومة أو مجلس للإنقاذ الوطني، في تحول جديد في موقف القيادة الجنوبية، لتكريس شرعيتها الوحدوية، في مواجهة قيادة صنعاء . والمرحلة الثانية، الانفصال في حال فشلت هذه الجهود في وقف الحرب. ولم يستبعد خبراء محايدون، احتمال التدخل الدولي، إذا باتت عدن مهددة بالسقوط.


    ب.
    وفي جبهات القتال، مع دخول الحرب اليمنية أسبوعها الثالث، استمر تضارب الأنباء الواردة من عدن وصنعاء، عن سير العمليات الحربية، ومواقع القوات الشمالية والجنوبية.

    وعلى الرغم من أن صنعاء، أعلنت الاستيلاء على قاعدة العند الاستراتيجية، وسط محافظة لحج، وأكدت أنها أنهت شبح الأسطورة المسماة بقاعدة العند، ونقلت عدداً من الصحافيين الأجانب إلى داخل قاعدة العند، إلاّ أن القيادة العسكرية الجنوبية نفت ذلك، وصرحت بأن القتال ما زال دائر داخل القاعدة. وأفاد الصحافيون الذين زاروا الجبهة، أن القوات الشمالية والجنوبية تخوض معارك ضارية من مسافات متقاربة، حول القاعدة، وأن قذائف المدفعية والصواريخ، هزت القاعدة التي تبعد 60 كم شمال عدن، في حين بدا أن القوات الجنوبية، تطلق النار، وتقاتل في محاولة لإخراج الشماليين منها . وقد عززت التعبئة، وأخذ الآلاف من الشبان في سيارات تابعة للحزب الاشتراكي، جابت شوارع عدن، لنقلهم إلى خطوط المواجهة. وقد أكد ضباط شماليون، أن بعض القوات الجنوبية لا تزال داخل القاعدة، وقدروا حجمها بنحو عشرة آلاف جندي.

    كما صرح ضابط جنوبي، كان مع قواته في موقع دفاعي بالقرب من القاعدة، بأن العند أصبحت محوراً لقتال شامل، والقوات الشمالية لم تدخل القاعدة، وما زالت القوات الجنوبية تسيطر على الطرق المؤدية إليها، على الرغم من تعرض القاعدة لقصف مدفعي شمالي مكثف طوال الليلة السابقة. وتشير الشواهد، إلى أن القوات الشمالية سيطرت فقط، على جزء من قاعدة العند الجوية.


    جـ.
    كما أعلنت القيادة الشمالية، أن قواتها أصبحت على مسافة 30 كيلومتر من عدن، فيما واصلت قوات أخرى تمشيط مناطق جنوب الضالع، ووصلت إلى منطقة الحبيلين، التي تبعد 20 كم جنوب الضالع، في الوقت الذي أعلنت فيه القيادة الجنوبية، أن القتال ما يزال دائراً في كرش والضالع وآبين، وأن الأمور تسير في طريق الحسم ضد القوات الشمالية، بعد استسلام ألف وخمسمائة جندي وضابط شمالي، في أيدي القوات الجنوبية، عندما فشلت محاولتهم في التسلل إلى منطقة الحبيلين. وأضافت هذه المصادر أن علي سالم البيض، الأمين العام للحزب الاشتراكي، وقيادات الحزب، زارو مواقع الوحدات العسكرية، في مختلف المحاور.

    ورجّح خبراء عسكريون، أنه لو نجح الشماليون، في اختراق الخطوط الدفاعية، فإنهم سيحاصرون عدن، دون أن يدخلوها، لما سيواجهونه من مقاومة، سواء من جانب الجنود، أو المدنيين، في معارك دموية.


    د.
    وأشارت معلومات إلى أن القوات الشمالية، توشك على أحكام سيطرتها على محافظة شبوة، بعدما واصلت زحفها عبر مرتفعات بيحان، باتجاه مدينة عتق عاصمة المحافظة، واستطاعت تحقيق السيطرة على مديرية نصاب، حيث أعلنت كتيبة كاملة من لواء خيشان الجنوبي انضمامها، بكامل أسلحتها ومعداتها، إلى القوات الشمالية.


    هـ.
    أفادت الأنباء الواردة إلى عدن أمس، من جبهات القتال في كرش، والعند وأبين، وباب المندب، وخرز، وحريب، أن "الوضع العسكري خطير جداً، ويدور قتال ضار، سقط فيه مئات القتلى، وبدأت المدفعية الشمالية قصفاً عنيفاً، على المواقع الجنوبية، فيما شن طيران الجنوب غارات مكثفة على القوات الشمالية. وجاء في بيان عسكري جنوبي أن المقاتلات الحربية الجنوبية تمكنت بعد أكثر من 150 طلعة، من وقف الهجوم الشمالي في جبهات كرش، والعند، والراهدة شمال عدن، وأن وحدات الصواريخ قصفت مدينتي تعز والحديدة، وأصيب القصر الجمهوري التابع للرئيس علي صالح في تعز،(200 كلم شمال عدن). وصرح العميد الركن هيثم قاسم طاهر، وزير الدفاع السابق، بأن القوات الجنوبية ستقاتل حتى الموت، ولن تسمح لأي غاز بالاقتراب من مدينة عدن، وأكد أن التقويم الحقيقي لوضع القوات الشمالية، يكمن في اعترافات العسكريين الشماليين، الذين أعلنوا استسلامهم، وانضمامهم إلى القوات الجنوبية، وهم كثيرون ومن ألوية مختلفة، منها اللواء الثاني المدرع، ولواء العمالقة، والحرس الجمهوري، واستمرت مظاهر الحياة طبيعية في عدن، لكن هدير الطائرات، التي تقلع من مطار عدن الحربي، يثير الرعب لدى السكان .

    وفي اليوم نفسه، أعلن مصدر عسكري في عدن، أن القوات الجنوبية استعادت السيطرة على قرية الكود، عند مدخل زنجبار، وأن معارك عنيفة تدور حالياً في أبين، بين القوات الجنوبية، ووحدات من لواء العمالقة الشمالي، بعد أكثر من 15 ساعة على شن هجوم واسع النطاق. وأشار إلى أن القوات الجنوبية طلبت من قيادة لواء العمالقة الاستسلام، وتسليم أسلحتهم الثقيلة، لكنهم رفضوا، واشترطوا الانسحاب من مواقعهم، آخذين معهم كل أسلحتهم. و‏كان زعيم الحزب الاشتراكي، علي سالم البيض قد تفقد أمس وحدات عسكرية في المنطقة الشرقية ، والتقى القيادات السياسية والعسكرية، حيث تدور هناك مواجهات عسكرية حاسمة، وترددت أنباء عن قرار لعلي سالم البيض بالانتقال إلى حضرموت، ومعه ثمانية من قيادات الحزب الاشتراكي .

    فيما أعلن متحدث عسكري شمالي، أن عدن شبه محاصرة الآن ودخولها رهن قرار سياسي، وأن الدفاعات الجوية الشمالية أسقطت اليوم طائرتين جنوبيتين، فوق محافظة صنعاء. كما نفّذت الطائرات الحربية الجنوبية، طلعات ليلية للإغارة على القوات الشمالية، التي تقول إنها تستعد للهجوم على عدن.


    و.
    وقد ألمح أحد السياسيين في صنعاء أخيراً، إلى أن الرئيس علي عبدالله صالح، مصمم على الوصول إلى عدن بالقوة العسكرية، وهذا يحتم إسقاط العند، وإخضاع جميع مناطق لحج، بعد الضالع والحبيلين، باسم حماية الوحدة، وإنهاء ما اسماه "التمرد"، بعد أن أكد، لأكثر من شخص، أنه على استعداد للتضحية بـ 30 ألف رجل، من أجل تحقيق ذلك، ولأن أياً من المسؤولين الشماليين، والجنوبيين، لم يعلن حتى الآن عن ضحايا الحرب من القتلى والجرحى، فإن التقديرات تراوح بين 3 آلاف، 13 ألفاً حتى الآن، لكن أحداً لم ينف أو يؤكد هذا الرقم، الذي تتداوله بعض الأوساط السياسية، والعسكرية، والشعبية. ومن المؤكد أن أكبر حجم من الخسائر المادية للمعارك حتى الآن، حدث في صفوف سلاح المدرعات. ويقول خبراء عسكريون أن عدد الدبابات التي دمرت حتى الآن، يصل إلى 500 دبابة من الطرفين، منذ معركة معسكر عمران في أواخر الشهر الماضي، وما يقرب من 300 شاحنة وناقلة جنود، و400 قطعة مدفعية من أعيرة مختلفة و30 طائرة مقاتلة وعمودية .

    وقدرت مصادر أخرى الخسائر البشرية في صفوف القوات الشمالية بـ 75 ألف قتيل . وقد نسبت بعض المصادر في صنعاء، أن الشيخ عبدالله الأحمر، رئيس مجلس النواب، عبّر عن انزعاجه من ضخامة حجم الخسائر.




    3. الأعمال القتالية في 19 مايو 1994:

    سقوط الجزء الرئيسي من قاعدة العند العسكرية، في أيدي القوات الشمالية

    أ.
    اتفقت المصادر العسكرية، في كل من صنعاء وعدن، على ضراوة المعارك، التي نشبت طوال يومي 18، 19 مايو. فقد شهدت الحرب، أعنف قتال بين الجيش الشمالي والجنوبي، منذ بدء الحرب. وبدا أن قاعدة العند، سقطت في أيدي القوات الشمالية، وللمرة الأولى، سُمع في عدن دوي المدافع، وخاض الجيشان معارك ضارية، في محافظة أبين، فيما أكد مسؤول في المؤتمر الشعبي العام، أن القوات الشمالية تتجه إلى حسم القتال، في أقرب وقت.

    وتوقعت مصادر سياسية في عدن، أن يعلن علي سالم البيض، الأحد المقبل، الذي يصادف الذكرى الرابعة لإعلان الوحدة اليمنية، تشكيل حكومة الإنقاذ الوطني.

    ب.
    على صعيد العمليات العسكرية، تفقد عدد من المراسلين العرب والأجانب، قاعدة العند العسكرية، في محافظة لحج، وشاهدوا التحصينات، التي أسقطتها القوات الشمالية، وأكدت صنعاء أن القاعدة سقطت نهائياً في أيدي هذه القوات، فيما أشارت معلومات إلى أن وحدات شمالية تزحف نحو عدن، من محاور عدة. ونقلت "رويتر" عن أحد الضباط، أن قنابل عنقودية استخدمت في "المعركة الشرسة لإسقاط قاعدة العند"، ونسبت إلى ضابط آخر في الجيش الشمالي، قوله: "نأمل بأن نكون في عدن قبل 22 (أيار) مايو " الذي يصادف ذكرى إعلان الوحدة بين شطري اليمن سابقاً .

    ونفذ سلاح الطيران الجنوبي، أكثر من مائة طلعة، لشن غارات على القوات الشمالية، فيما كانت وحدات من الطرفين، تخوض معارك بالمدفعية والصواريخ، شمال عدن، وشرقها وغربها.

    وباشرت الشرطة العسكرية في عدن أمس، استدعاء المواطنين القادرين على حمل السلاح إلى معسكرات الاحتياط، وشوهدت سيارات للشرطة تنقل الشباب من المواقع العامة، والميادين، إلى تلك المعسكرات.

    وذكر بيان عسكري أصدرته وزارة الدفاع في عدن ، أن "القوات الجنوبية الموجودة في مدينة زنجبار عاصمة أبين، تساندها وحدات من لواء تيسير والطيران الحربي، تمكنت من صد هجوم لواء العمالقة، الذي يهدف العودة إلى زنجبار، والتقدم نحو عدن على بعد 50 كيلومتراً شرقاً، وتابع أن "خسائر كبيرة جداً في الأرواح" تكبدتها القوات الشمالية، فيما تكبدت القوات الجنوبية عشرين قتيلاً".

    وسمع المواطنون في عدن، دوي انفجارات خارج المدينة، وأوضح مصدر عسكري مسؤول، أن "الانفجارات نتيجة كثافة المعارك شمال عدن وشرقها، في مناطق كرش، ومعسكر العند شمالاً، وأبين شرقاً"، وشوهدت، سيارات الإسعاف، تنقل الجرحى من ساحات المعارك إلى المستشفيات في عدن، وقدر مصدر طبي عدد الجرحى بالمئات.

    واستمر القتال الضاري في جبهات القتال، شمال عدن، وشرقها، وغربها، في محاولة للتقدم إلى المدينة، وصفها القادة الجنوبيون بأنها محاولات "يائسة"، وأكدوا أن "الأيام القليلة المقبلة ستكون حاسمة، بالنسبة إلى هذه المعارك".

    ووجه التكتل الوطني للمعارضة، نداء إلى الدول العربية، والإسلامية، للمساهمة في وقف القتال، وحمّلها "مسؤولية السكوت عما يجري من إبادة للإنسان اليمني المسلم".

    جـ.
    وقالت مصادر عسكرية في صنعاء، أن لواء العمالقة، واللواء 56، تمكنا من التقدم إلى نقطة العلم في محور عدن ـ أبين، على مسافة 25 كيلومتراً من العاصمة الجنوبية، وأصبح مطار عدن في مرمى مدفعيتها. وأكدت أن مدفعية العمالقة، بدأت أمس، في قصف مطار عدن، ومواقع القوات الجنوبية المحيطة به، وأضافت أنه في غضون ذلك، استمرت المعارك العنيفة طوال الـ 24 ساعة الماضية، بين قوات معسكر خالد الشمالية، وقوات معسكر صلاح الدين الجنوبية، في المحور الغربي، على امتداد جبهة خرز ـ طور الباحة. وأكد مصدر عسكري شمالي، أن قوات صنعاء، أحرزت تقدماً مهماً على هذه الجبهة، باتجاه منطقة البريقة، غرب مدينة عدن . كما أسقطت طائرتين عمودتين، وأسر طيار.

    د.
    وتبادلت قوات شمالية وأخرى جنوبية قصفاً بالأسلحة الثقيلة والصواريخ، واستخدم الجيش الجنوبي الطيران، ومجموعات من المتطوعين، في محاولة لحصر قوات شمالية في معابر جبلية لوقف زحفها إلى عدن.

    وقال خبراء عسكريون أن الشماليين يهاجمون في شكل موجات بشرية ويجازفون بدخول مناطق جبلية وعرة، وأن خطوط إمدادهم الطويلة قد تصبح معرضة للخطر .

    وذكر خبراء عسكريون أن عدن محصنة تحصيناً جيداً، وأن الحزب الاشتراكي أبقى 30 ألف رجل في الاحتياط، للدفاع عن المدينة، التي يبلغ عدد سكانها 350 ألف شخص. وأن القوات الجوية الجنوبية، في مطار عدن، ومطارات أخرى، شرق المدينة، ستكون أكثر فاعلية، على الأرجح، في ضرب القوات الشمالية، فور خروجها إلى الأراضي المكشوفة، حول عدن.

    هـ.
    وبدأت الأوساط السياسية، والشعبية في الشمال تعرب عن قلقها من طول مدى الحرب، وعدم تمكن القوات الشمالية من حسمها، حسب ما كان مخططاً لها، أي في غضون حوالي أسبوعين من اندلاعها. ولم تستبعد أن تتحول إلى حرب استنزاف طويلة الأمد، تنهك القوات الشمالية، وتلحق أضراراً كبيرة بالاقتصاد الوطني، فضلاً عن حصد عشرات الآلاف من أفراد الجيش والمواطنين. كما بدأت الأوساط الشعبية العامة، تعبر عن تذمرها من الأطراف المتسببة في الحرب .


    4. الأعمال القتالية في 20، 21 مايو 1994:

    أ.
    توسعت دائرة المعارك وزادت ضراوة، حيث دخل القتال أسبوعه الثالث. وأكدت صنعاء، أن قواتها تزحف في اتجاه عدن، لإحكام الحصار حولها من ثلاث جهات، وأنها تجاوزت قاعدة العند. في حين أشارت عدن إلى أن القوات الجنوبية "أنزلت ضربات ساحقة" بالقوات الشمالية، و"أجبرتها على التراجع في اتجاه كرش" (45 كيلومتراً شمال غربي عدن). وتأكد أمس أن القتال كان لا يزال مشتعلاً في جانب من قاعدة العند، التي لم ينه الشماليون سيطرتهم الكاملة عليها بعد .

    ب.
    واعتباراً من 20 مايو 1994، حققت القوات اليمنية الشمالية، مزيداً من التقدم، نحو عدن، وسط تقهقر القوات اليمنية الجنوبية، من قاعدة العند الجوية الرئيسية. ونقلت إذاعة صنعاء، عن مصادر عسكرية شمالية، قولها: إن القوات تحقق، أيضاً، تقدماً في محافظة أبين، شمال شرقي عدن، في ما بدا أنه محاولة للتقدم، باتجاه المدينة من اتجاهين. حيث تمكنت القوات الشمالية، خلال القتال على "العند"، من تشتيت لواء مدفعية جنوبي، ومن الاستيلاء على 62 دبابة، من طراز "ت ـ 55"، وإسقاط طائرة مقاتلة ـ قاذفة .

    وأعلن متحدث شمالي، أن "قوات الوحدة والشرعية، تواصل إحكام حصارها على المتمردين الانفصاليين، في مدينة عدن الباسلة". وكان صاروخان من طراز "سكود"، قد انفجرا ليل الخميس ـ الجمعة (ليل 19 ـ 20 مايو 1994) في مطار عدن، وأحد أحيائها السكنية، فأصيب أربعة بجروح، وهذه هي المرة الأولى، التي يُطلق فيها الشماليون صواريخ سكود. وأشار المتحدث الشمالي، إلى أن "الكثير من الأهداف العسكرية، في عدن، ومنها القاعدة الجوية، أصبحت في مرمى الصواريخ والمدفعية الشمالية". وفي محاولة واضحة لطمأنة سكان الجنوب، أكدت إذاعة صنعاء، أن "مواطني عدن، والمدن المجاورة، يجب أن يعلموا بأن الجيش، لن يلحق بهم أي أذى، لأن القوات الشرعية ملتزمة بحماية جميع المدنيين" .

    جـ.
    وعلى الرغم من التقهقر الواضح، قال ضباط جنوبيون على الجبهة: إن الوحدات الجنوبية، لا تزال تسيطر على مدرج الطيران والمباني، في الجزء الجنوبي الغربي من قاعدة العند، وأشاروا إلى أن قوات المشاة تقاتل القوات الشمالية، في القاعدة وحولها، وتُشاهد تعزيزات من الجنوب باتجاه الشمال. وقصفت الطائرات الحربية الجنوبية، المواقع الشمالية من العند. وناشدت إذاعة عدن، سكان المدينة، الاستماته في الدفاع عنها وقالت: "فلتحولوا الأرض إلى جحيم تحت أقدام الغزاة، اجعلوها مقبرة جماعية، دافعوا عن مدينتكم الجميلة" .

    د.
    وفي عدن أصدرت وزارة الدفاع بياناً حمل الرقم 23 ، ذكر أن "القوات الجنوبية أنزلت ضربات قاتلة في صفوف القوات الشمالية، صباح أمس في جبهة كرش، التي تبعد 120 كيلومتراً شمال عدن". وبدأت قواتهم في الانسحاب، فيما استسلم عدد كبير من الجنود الشماليين، ودُمرت أكثر من عشرين دبابة، وعربة نقل تابعة للقوات المنسحبة".

    وعن القتال في محافظة أبين، قال البيان: "تمكنت القوات الجنوبية من استعادة مناطق دوفس، والحرور، والرملة، وتطهير منطقة الكود، وتزحف منذ الصباح نحو زنجبار، لمطاردة فلول قوات العمالقة الشمالي". وأكد أن "جميع جبهات القتال تشهد تقدماً للقوات الجنوبية، التي تحقق تفوقاً في المجال الجوي".

    وزاد، أن الطائرات الحربية الجنوبية، "تواصل طلعاتها بشكل مكثف جنوب مناطق أبين، تساندها الزوارق البحرية ووحدات الصواريخ الأرضية. وسمع سكان عدن أمس أصوات "إطلاق الصواريخ من القاعدة الأرضية في مطار عدن، في اتجاه مدينتي زنجبار ولودر في أبين".

    هـ.
    بعثت شخصيات يمنية في القاهرة أمس، 20 مايو 1994، برسالة إلى خادم الحرمين الشريفين، الملك فهد بن عبدالعزيز، والرئيس المصري محمد حسني مبارك، والشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، رئيس دولة الإمارات، والرئيس السوري حافظ الأسد، والأمين العام للجامعة العربية الدكتور عصمت عبدالمجيد، جاء فيها :
    و"المسلمون يطوفون بالبيت الحرام نناشدكم بذل المزيد من مساعيكم الحميدة لدى كل من الرئيس اليمني، علي عبدالله صالح، و رئيس مجلس النواب، الشيخ عبدالله بن حسين الأحمر، الموافقة على دعوة زعيم الحزب الاشتراكي، علي سالم البيض، إلى وقف القتال فوراً، استجابة لمناشدتنا، أن تتحقق الهدنة خلال هذه الأيام المباركة وتستمر أسبوعاً" لإفساح المجال أمام "المساعي الخيرة، التي تبذلونها مع القادة العرب، المعنيين بسلامة وأمن واستقرار الشعب اليمني، وحقن الدماء تفادياً لكارثة".

    ووقع الرسالة اللواء عبدالله جزيلان، نائب رئيس الوزراء اليمني السابق، وعبدالله الأصنج، وزير الخارجية اليمني السابق، وعبدالله عبدالعالم، عضو مجلس القيادة السابق، والدكتور أحمد الأضحى، أمين سر المؤتمر الشعبي العام السابق.

    و.
    إعلان الجمهورية:
    وقبيل فجر السبت 21 مايو 1994، أعلن علي سالم البيض ـ الأمين العام للحزب الاشتراكي اليمني ـ دولة جمهورية اليمن الديموقراطية ، على أراضي المحافظات الست، التي كانت تشكل جمهورية اليمن الديموقراطية الشعبية، قبل توحيد شطري اليمن في 22 مايو (أيار) عام 1990.

    وانطوت بذلك صفحة الوحدة اليمنية، التي بدأت بنوايا مختلفة من جانب طرفيها، اللذين أصبحا فيما بعد، طرفي أزمة، تفاقمت في مراحلها الأخيرة، منذ 19 (آب) أغسطس 1993، ثم طرفي صراع مسلح، اعتباراً من 27 (نيسان) أبريل 1994. وقد أصر البيض على أن "الوحدة اليمنية تظل هدفاً أساسياً للدولة" الجديدة .

    ز.
    كان الرئيس علي عبدالله صالح، قد عقد مساء أمس، اجتماعاً مشتركاً لمجلس الرئاسة ( بحضور 3 أعضاء شماليين)، وهيئة رئاسة مجلس النواب والحكومة، أعلن في أعقابه، قراراً من جانب واحد، لوقف إطلاق النار، في الحرب اليمنية لمدة 3 أيام. ولكن مراقبين رأوا في ذلك مناورة لاحتواء ما تناقلته الأنباء، من أن عدن تستعد لإصدار بيان مهم، توقع البعض أنه يتعلق بإعلان دولة في جنوب اليمن. قيل في ذلك الوقت، أن اسمها سيكون "الجمهورية اليمنية الديموقراطية".

    وذكرت مصادر مسؤولة، أن مبادرة صنعاء لوقف إطلاق النار، جاءت استجابة لطلب من خادم الحرمين الشريفين، الملك فهد بن عبدالعزيز، أثناء استقباله وزير التخطيط والتنمية اليمني، الدكتور عبدالكريم الإيرياني، مساء الأربعاء الماضي، لحقن دماء اليمنيين والمحافظة على مصالح الشعب اليمني ومستقبله، بمناسبة عيد الأضحى المبارك .

    وأضافت، أن مبادرة صنعاء، ربما كانت قد استهدفت امتصاص الانتقادات العربية والدولية، بسبب رفض الرئيس علي عبدالله صالح، نداءات وقف إطلاق النار في الأشهر الحرم، خاصة في أيام عيد الأضحى المبارك. وكذلك إرضاء لعناصر في التجمع اليمني للإصلاح، لا تمانع في القتال تحت شعار "الجهاد ضد الملحدين"، ولكنها ترغب في وقف إطلاق النار في أيام العيد.

    وقالت المصادر أن هناك هدفاً آخر، من وراء توقيت بيان صنعاء، هو إرباك توجه قيادة الحزب الاشتراكي لإعلان الدولة، والاستفادة من الهدنة لتعزيز القوات وإعادة ترتيبها، تمهيداً لمرحلة جديدة من القتال، وإن كان ذلك سيوفر فرصة أمام قيادة الاشتراكي، لإعادة ترتيب قواتها أيضاً.

    ح.
    وكانت الدوائر السياسية اليمنية والعربية، تتوقع صدور إعلان حاسم من عدن، بعد أن رفضت قيادة الحزب الاشتراكي، والأحزاب المتحالفة معه، "الشروط لاستسلامهم". وقال علي سالم البيض ـ في كلمة ألقاها في المكلا (عاصمة محافظة حضرموت): "لن نستسلم لصدام الصغير". كما أعاد الحزب الاشتراكي توزيع قياداته البارزة، على مهام محددة في محاور القتال.

    وفي الوقت نفسه احتدم قتال ضارٍ على الجبهات الرئيسية الثلاث، بين القوات الشمالية والجنوبية في يوم وقفة عرفات. وقالت قيادة صنعاء أنها حققت فيه تقدماً على الطريق إلى عدن. وأكدت المصادر العسكرية الجنوبية، أنها دحرت جميع الهجمات الشمالية، على كافة الجبهات.

    ط.
    أثار سقوط صاروخين شماليين، من طراز سكود، على عدن الذعر والخوف، بين صفوف المواطنين، لأول مرة منذ اندلاع القتال. وأفادت مصادر عدن أن أحد الصاروخين لم يصب هدفه وسقط في البحر، بينما استهدف الآخر مطار عدن، ودمر طائرة نقل عسكرية من نوع "انتونوف"، روسية الصنع، كانت رابضة على المدرج، فاشتعلت فيها النيران. وقللت المصادر من أهمية إطلاق الصاروخين، وقالت إن ذلك "يعبر عن اليأس الذي يسيطر على قيادة صنعاء، بعد أن تلقت قواتها انكسارات في محاور كرش ـ العند وقعطبة ـ الضالع، إلى جانب تشديد الخناق، على قوات العمالقة في محافظة أبين".

    وقالت دوائر حكومية جنوبية مسؤولة، أن نائب الرئيس علي سالم البيض، حذّر أمس خصمه الرئيس صالح، من تكرار ضرب عدن بالصواريخ، وقال إن الرد سيكون عنيفاً، على غير ما تتوقعه صنعاء.

    وأكدت مصادر عسكرية جنوبية أيضاً، أن القتال بين القوات الشمالية والجنوبية، ما زال مستمراً على مناطق الحدود الشطرية السابقة، ولم تحقق القوات الشمالية، أي تقدم في اتجاه السيطرة الكاملة على قاعدة العند الاستراتيجية، على النحو الذي تروج له صنعاء، وتزعم أن قواتها أصبحت على وشك دخول مدينة عدن. وقالت المصادر الجنوبية، إن المعارك دارت أمس مجدداً بشراسة، في نقطة جول مدرم، وهي منطقة تقاطع للطرق الرئيسية، التي تربط عدن بالضالع وكرش، حيث صمم الجنوبيون على إجبار الشماليين على التقهقر إلى مواقعهم السابقة، خلف الحدود الشطرية .

    كما تخوض القوات الجنوبية معركة ضارية أيضاً، تحت غطاء جوي مكثف، في أبين لتمشيط المنطقة من بقايا لواء العمالقة، الذي أكدت مصادر عدن، تدمير80 % من قواته، وقالت إنه لم يتبق منه سوى فلول، يجري مطاردتها في ضواحي وأحياء مدينة زنجبار، بعد مقتل قائده العقيد على الجائقي، وسمعت اتصالات من بعض وحداته، تطلب من صنعاء تعيين قيادة أخرى .

    ي.
    وقد أعلن ناطق عسكري في صنعاء، أن "الكثير من الأهداف العسكرية في عدن، ومنها القاعدة الجوية (المطار) بات في مرمى الصواريخ والمدفعية، التابعة للقوات الشمالية اليمنية، في وقت لم يصدر في عدن أمس، أي بيان عسكري يوضح سير العمليات على جبهات القتال.

    ولوحظ أن الغموض، الذي يكتنف مجرى المعارك، ازداد بعدما تعرضت عدن، لقصف هو الأول منذ اندلاع القتال بين جيشي الشمال والجنوب، علماً أن مصدراً في المدينة، أكد في وقت متقدم، أن الأمين العام للحزب الاشتراكي، علي سالم البيض، غادر عدن إلى المكلا عاصمة حضرموت. ولفتت مصادر غربية، إلى أن معظم سلاح الجو الجنوبي، موجودة في هذه المنطقة .

    ك.
    كما أعلن مصدر عسكري في صنعاء عن الآتي :

    (1)
    قصف لواء العمالقة، بشدة مطار عدن فجر يوم 20 مايو 1994، وذلك من مواقعه في منطقة العلم شرقاً، التي تبعد نحو 25 كيلومتراً عن المدينة. ويخوض لواء العمالقة معارك ضارية في جبهة العلم، ويتقدم نحو عدن من الشرق للاستيلاء على مطار عدن.

    (2)
    تقدمت القوات الحكومية فجر أمس 30 كيلو متراً، جنوب قاعدة العند باتجاه مدينة الحوطه، عاصمة محافظة لحج، وأصبحت على مشارف المدينة، واستولت على عشرات الدبابات، والمدافع، وأكثر من 12 منصة صواريخ كتيوشا.

    وقد شنّ سلاح الجو الجنوبي، غارات مكثفة على قاعدة العند، التي أحكمت القوات الشمالية "سيطرتها عليها". واستخدمت الطائرات الحربية الجنوبية، قنابل عنقودية في غاراتها على القاعدة.

    (3)
    قصف سلاح الجو الشمالي، زوارق للبحرية الجنوبية، وأسقط طائرة حربية في معركة جوية فوق محور لحج ـ العند، وتردد أن الطائرة سقطت فوق مطار قاعدة العند.

    (4)
    دمرت القوات الشمالية قوات للحزب الاشتراكي، في قطاع خرز على ساحل البحر الأحمر، وباتت على مسافة 25 كيلومتراً غرب عدن". وتخوض تلك القوات معارك ضارية منذ ثلاثة أيام، ضد لواء صلاح الدين، وتسعى إلى الاستيلاء على ميناء البريقة أحد المواقع الاستراتيجية في مدينة عدن، ومحاصرة القوات البحرية الجنوبية.





    5. الأعمال القتالية في 22 مايو 1994:

    أ.
    دخلت الحرب اليمنية مرحلة جديدة، بعد إعلان نائب الرئيس اليمني، علي سالم البيض، قيام " دولة اليمن الديموقراطية" في الجنوب، وتحول الصراع بذلك بين دولتين، في حين أصر الرئيس اليمني علي عبدالله صالح، على أن الحرب باسم الشرعية والوحدة، وأنه ماض في القتال. ورغم أنه لم يعلن رسمياً تخليه عن هدنة عيد الأضحى المبارك، فإنه أصدر أوامره لقواته بتشديد الحصار على عدن، تمهيداً لاقتحامها. وألقى صالح خطاب العيد، كما عقد مؤتمراً صحافياً أمس، هاجم قادة الجنوب ونعتهم "بالانفصاليين"، وحذر الدول من الاعتراف بالدولة الجديدة، واستمر التوتر العسكري في جميع جبهات القتال، خاصة في جبهة خرز في باب المندب .

    ومع اليوم الأول للهدنة أمس، الذي شهد إعلان البيض الدولة الجديدة، في المقاطعات الجنوبية والشرقية، حيث لقي ذلك ترحيباً عارماً من أبناء الجنوب، رأت المصادر المطلعة أن الطرف الشمالي، سيحاول الإسراع بحسم الحرب. وقالت إن استمرار القتال ولو لأيام سيتيح للدول، أن تعمد لدعم خيار الجنوب، وتعترف بدولته المستقلة، أملاً في وقف الحرب.

    وكان قادة الجنوب يسعون من جانبهم، عبر اتصالات واسعة، ومكثفة، بين اليمنيين، لتأييد "الدولة الجديدة" وحمايتها. ولذلك أجرى البيض اتصالاً مع الرئيس اليمني السابق علي ناصر محمد، في مقره في سورية، إضافة إلى قادة آخرين بينهم عبدالرحمن الجفري، الأمين العام لـ "رابطة أبناء الجنوب"، الذي أعلن أن لا مجال لاستمرار الوحدة بالقوة. وتوقع الجفري أن تتم الاعترافات العربية، والدولية، بالدولة الجديدة بصورة سريعة، وقال "إن هذا واقع الأمر، وهذه رغبة الشعب، الذي نعتقد أن على الجميع احترام رغباته".

    وأكد الجفري في تصريحات صحفية، أنه سيجري الإعلان عن تشكيل مجلس رئاسة، مكون من خمسة أعضاء، وسيعين علي سالم البيض رئيساً لهذا المجلس. وقال إن الجمعية الوطنية، التي ستتكون من أعضاء الحزب الاشتراكي، في البرلمان، الذي يعتبر لاغياً، سينتقل أعضاؤها بكامل العضوية، في الجمعية الوطنية، التي ستتكون من 111 عضواً منتخبين. وأكد أن الباب سيظل مفتوحاً للمشاركة في الجمعية الوطنية، لكل الأحزاب السياسية، التي لها وجود فعال في المحافظات الجنوبية والشرقية.

    وأكد أنه لا يوجد أي تحفظ على أحد، وأن شخصيات سياسية واجتماعية في الداخل والخارج ستشارك في هذه الجمعية، أن البلد للجميع. وأكد الجفري أن مجلس الرئاسة، الذي يجري التشاور بشأن إعلان أسماء أعضائه، سيكلف المهندس حيدر أبو بكر العطاس بتشكيل الحكومة ،التي يتوقع إعلانها خلال الأيام القليلة المقبلة .

    ب.
    وقد أكد مسؤولون عسكريون شماليون ، أن قواتهم تواصل تقدمها في منطقة شبوة النفطية، وتتجه نحو حضرموت. واستمرت المعارك أيضاً، حول قاعدة العند الجوية، التي تؤكد القوات الشمالية، أنها استولت عليها قبل خمسة أيام. وكثّف الطيران الجنوبي، الذي يرابط معظمه في مطاري الريان والمكلا، في محافظة حضرموت، طلعاته لقصف جميع المواقع التي تنتشر فيها قوات اليمن الشمالية، في محاور "أبين" و"كرش" وقطع طريق الإمدادات في عمق المناطق الشمالية، وذلك بعد إصدار الرئيس اليمني علي عبدالله صالح، أوامره لقواته بتشديد الحصار على عدن، على الرغم من الهدنة، التي كان قد توصل إليها اجتماع مشترك لمجلس الرئاسة والحكومة، ورئاسة البرلمان.

    ونقلت وكالة الأنباء اليمنية عن ناطق عسكري شمالي ، أن وحدات الدفاع الجوي، أسقطت طائرة جنوبية فوق محافظة أبين، شرق عدن، وأن الوحدات الشمالية في هذا المحور، تمكنت من الاستيلاء على 15 دبابة، و15 ناقلة جند مدرعة، و4 ناقلات صواريخ، و5 شاحنات صهاريج، وألحقت القوات الشمالية في محافظة شبوة النفطية "خسائر كبيرة" بالجنوبيين. وأكد أن عدداً من الضباط والجنود في أحد الألوية الجنوبية انضموا إلى القوات الشمالية.

    جـ.
    واتهمت مصادر جنوبية الرئيس صالح، بأن أوامره لاستئناف القتال، تتناقض مع الهدنة، على الرغم من أنه أكد للزعماء العرب، الذين توسطوا لوقف إطلاق النار خلال أيام عيد الأضحى المبارك، قبوله بالهدنة. وجاءت أوامره لاستئناف العمليات العسكرية، في الساعة السادسة من صباح أمس (بالتوقيت المحلي) بينما كان الجنود متجهين لتأدية صلاة العيد . وأضاف المصدر أن القوات الشمالية حاولت أمس من جديد فتح جبهه محور خرز، في باب المندب.

    ولكن صنعاء اتهمت القوات الجنوبية بأنها واصلت شن الغارات الجوية، والقصف المكثف بأسلحتها المختلفة، بما في ذلك القصف من السفن الحربية. وقال مصدر عسكري جنوبي إن القوات الشمالية، حاولت أمس من جديد فتح جبهة محور "خرز"، وهي منطقة صحراوية عند باب المندب.


    6. الأعمال القتالية في 23 مايو 1994

    أ.
    تواصل السلطات اليمنية في عدن، استكمال البيانات الأساسية لـ "جمهورية اليمن الديموقراطية"، التي أُعلنت أول من أمس، تمهيداً لتلقى اعترافات الدول بها. وأعلن حيدر أبو بكر العطاس، المكلف برئاسة الحكومة الجديدة، أنه واثق من وقف سفك الدماء في اليمن. فبعد إعلان مجلس الرئاسة، وتكوين الجمعية الوطنية المؤقتة (البرلمان)، أُعلن تكليف المهندس حيدر أبو بكر العطاس برئاسة حكومة جديدة. وأعلنت المصادر الرسمية في عدن أمس، قبول عبدالرحمن الجفري، وعبدالقوي مكاوي، وسليمان ناصر مسعود الانضمام لمجلس الرئاسة، إلى جانب علي سالم البيض، وسالم صالح محمد .

    وكان نواب المناطق الجنوبية والشرقية في اليمن، قد شكلوا ما يعرف بـ "المجلس المؤقت للإنقاذ الوطني". الذي اجتمع وعين مجلس الرئاسة الجديد. ويعتبر مجلس الإنقاذ برلماناً مؤقتاً، يضم مائة وأحد عشر عضواً، هم نواب جنوبيون في برلمان اليمن الموحد، وممثلون عن الأحزاب السياسية، وشخصيات وطنية ودينية. وفضلاً عن اختيار أعضاء مجلس رئاسة، وحكومة مؤقتة، ستقوم الجمعية المؤقتة بإعداد الدستور الدائم للجمهورية المعلنة. وعين مجلس الإنقاذ رئيساً له، هو أنيس حسن يحيى، عضو المكتب السياسي للحزب الاشتراكي اليمني، ورئيس الكتلة النيابية للحزب في البرلمان الموحد .

    ب.
    وقد أضفى إعلان "الحزب الاشتراكي اليمني"، إعادة فصل الجنوب عن الشمال، بعداً جديداً على الحرب، في أسبوعها الثالث، كانت نتيجته العسكرية المباشرة، سقوط "هدنة العيد" بعد إعلانها. وعلى الصعيد العسكري، تأكد من مراسلين أجانب، سقوط مدينة عتق، عاصمة محافظة شبوة، المنتجة للنفط، في أيدي القوات الشمالية. وصرح مسؤول عسكري شمالي، أن نحو ألفي جندي جنوبي، انسحبوا من عتق، عقب اشتباكات استمرت تسع ساعات. وبالاستيلاء على عتق تكون القوات الشمالية، قطعت الطريق البرية بين حضرموت وعدن. وأعلن الدكتور عبدالكريم الإيرياني، أن القوات الشمالية، سيطرت تماماً على قاعدة "العند"، التي يبعد أحد أطرافها، 43 كيلومتراً عن عدن، وأضاف أن القوات الشمالية، تطوق الآن مدينة الحوطة، الواقعة في منتصف الطريق، بين العند وعدن. وقال متحدث عسكري شمالي، إن القوات الشمالية، أسقطت طائرة ميج ـ 21 جنوبية، فوق محافظة شبوة، واستولت على "كميات كبيرة من الأسلحة، والآليات والعتاد العسكري، وأكد مسؤولون عسكريون شماليون، أن الهدف التالي، هو "فتح جبهة في محافظة حضرموت .

    جـ.
    نفى الجنوبيون سقوط قاعدة "عتق" العسكرية، ونقل تليفزيون عدن، عن المتحدث قوله: "إن الأنباء التي وزعتها صنعاء، بهذا الشأن "عارية عن الصحة تماماً، وأن القوات الشمالية، لا تسيطر على محافظة شبوة".

    وأكد المصدر، أن القتال استمر أمس بضراوة، على محور حريب ـ بيحان، في المنطقة الصحراوية في محافظة شبوة، وأن القوات الشمالية حاولت التقدم في منطقة الحدود المشتركة بين الشطرين، ولكنها تواجه مقاومة شديدة من جانب الطيران الحربي الجنوبي، الذي أوقف هذا التقدم في المنطقة الصحراوية المكشوفة.

    د.
    هزّ انفجار مدينة عدن فجر أمس، نتيجة سقوط صاروخ شمالي من طراز سكود على المدينة. وقال شهود عيان إن الصاروخ دمر منزلاً صغيراً في حي السعادة، بمنطقة خورمكسر قرب مطار عدن، وتضاربت الأنباء حول عدد القتلى إذ قال مواطن كان في موقع الحادث إنه انتُشلت جثتان وهناك جثث متفحمة، وجدت بين الأنقاض.

    هـ.
    أكد مسؤولون عسكريون شماليون ، أن قواتهم تواصل تقدمها في منطقة شبوة النفطية، وتتجه نحو حضرموت (أكثر من 600 كيلومتر شمال شرقي عدن)، واستمرت المعارك أيضاً حول قاعدة العند الجوية (60 كيلومتر شمال عدن)، ولوحظ أمس نشاط مكثف لسلاح الطيران الجنوبي، الذي يرابط معظمه في مطاري الريان، والمكلا، في محافظة حضرموت، لاحتواء التصعيد الشمالي.

    و.
    قال عبدالرحمن الجفري، إن القتال اقتصر، إلى حد كبير، أمس 22 مايو 1994،على جبهة العند، وأن طابوراً من الدبابات الشمالية، حاولت التقدم نحو عدن، من الغرب أول من أمس، ولكنه واجه مقاومة شديدة أجبرته على التقهقر بعد تدمير 11 دبابة من إجمالي 35 دبابة. وصرحت عدن أن القوات الشمالية تتقهقر في مختلف الاتجاهات، مخلفة وراءها مئات من الجثث، ومعدات عسكرية محطمة وأخرى سليمة أيضاً. وأضافت المصادر أن قتالاً شديداً، دار أمس في كرش ـ العند، وأن الجنوبيين يقاومون أي تقدم للقوات الشمالية، التي ما تزال تواصل قصفها، في محاولة للاستيلاء على قاعدة العند .




    القسم السادس: تطورات الموقف السياسي والمبادرات الدبلوماسية
    خلال الفترة من 16 مايو إلى 23 مايو 1994:

    1.
    استمرت الاتصالات بين زعماء عرب، للبحث عن مخرج لاحتواء الوضع في اليمن، حيث تلقى خادم الحرمين الشريفين، الملك فهد بن عبدالعزيز، اتصالاً هاتفياً من كل من الرئيس علي عبدالله صالح، والرئيس محمد حسني مبارك. كما استقبل في مكتبة في الديوان الملكي، وزير النفط اليمني ، صالح أبو بكر حسينون، الذي سلمه رسالة من نائب رئيس مجلس الرياسة اليمني، علي سالم البيض، كما تلقى رسالة من الرئيس علي صالح، نقلها الدكتور الإيراني وزير التخطيط اليمني .

    2.
    كما بحث الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، في اتصال هاتفي مع الأمير سلطان بن عبدالعزيز، النائب الثاني لرئيس مجلس الوزراء، ووزير الدفاع والطيران السعودي، الأوضاع المتأزمة في اليمن.

    كذلك التقى السيد سيف بن مكتوم المنصوري، سفير الإمارات في صنعاء، الشيخ عبدالله الأحمر، وتبادلا وجهات النظر بشأن الوضع المتأزم في اليمن.

    وكان الشيخ زايد بن سلطان، قد حمّل الرئيس اليمني صالح، مسؤولية استمرار الحرب في اليمن، حيث أبلغ الرئيس اليمني صراحة في اتصال هاتفي بينهم، أنه يأسف لعدم استجابة الرئيس اليمني للنداءات المتكررة بوقف القتال. وقد لاحظ المراقبون بوادر موقف الإمارات في الاهتمام الملحوظ بزيارة صالح بن حسينون، مندوب البيض، مقارنة بالفتور في استقبال باسندوه وزير الخارجية اليمني، ومبعوث الرئيس صالح. وقد أكد باسندوه، وزير الخارجية في مقابلة مع مندوب جريدة الشرق الأوسط في أبو ظبي، أن صنعاء لن تقبل وقف النار، وأشار إلى أن مفهوم الوساطة العربية في النزاع اليمني، ليس موضوعياً.

    3.
    في 16 مايو 1994، تلقى الرئيس مبارك، اتصالاً من الرئيس صالح، بشأن مستجدات الأزمة، حذّر خلالها الرئيس المصري، من تحول القتال في اليمن، إلى حرب بلا نهاية.

    4.
    عاد إلى القاهرة ليلة الاثنين 16 مايو 1994، وفد الجامعة العربية، الذي كان قد التقى الرئيس اليمني، وأجرى رئيس الوفد اللواء محمد سعيد بيرقدار، اتصالاً هاتفياً بالأمين العام للجامعة العربية، الدكتور عصمت عبدالمجيد، الموجود في دمشق، وأطلعه على نتائج مهمته، وسط مشاعر استياء من موقف قيادة صنعاء، من دور الجامعة والوساطات العربية. وصرح بيرقدار، أن علي صالح، يشترط لوقف القتال الاعتراف بالشرعية الدستورية، لدولة الوحدة اليمنية، وتسليم المتسببين في الأحداث للمحاكمة، وعلى رأسهم علي سالم البيض، أو مغادرتهم إلى أي دولة عربية، أو أجنبية. كما صرح بأن المسؤولين في اليمن الشمالي يرفضون أي مبادرة عربية ، وصرح مصدر مسؤول في الجامعة، أن الوفد لقي صعوبات في مقابلة الرئيس اليمني، الذي استقبله بعد أربعة أيام من وصوله إلى صنعاء .

    5.
    أعلنت روسيا فشل جهودها لوقف القتال، وصرح مسؤول في وزارة الخارجية الروسية، أن نداءاتها لحقن الدماء لم تؤد إلى نتيجة، وأعرب عن أسفه لإخفاق مهمة الجامعة العربية.

    6.
    استقبل الشيخ جابر الأحمد الصباح، وزير النفط اليمني صالح بن حسينون ، ودعا الشيخ جابر إلى، وقف الاقتتال فوراً، والجلوس إلى طاولة المفاوضات، وأعلن مشدداً على رفض الكويت، استخدام القوة في حل الخلافات.

    7.
    وفي واشنطن أجرى مساعد وزير الخارجية الأمريكي، لشؤون الشرق الأوسط، روبرت بليترو، محادثات مع العطاس، وسفير اليمن لدى الولايات المتحدة الأمريكية، محسن العيني، تناولت النزاع في اليمن. وأكد بلليترو، الدعوة الأمريكية لإنهاء القتال، وتفادي سقوط ضحايا بين اليمنيين، والتعاون مع اللجنة الدولية للصليب الأحمر، التي تعمل على تأمين حماية اللاجئين الصوماليين في مخيم الكود، بعد مقتل المئات منهم بنيران المتقاتلين .

    وأعلن مصدر مسؤول في الخارجية الأمريكية، أن العطاس أبلغ المسؤولين الأمريكيين الذين التقاهم، المخاطر التي ستترتب على استيلاء القوات الشمالية الموالية للرئيس اليمني علي عبدالله صالح، على المحافظات الجنوبية. وأكد أن بلاده ستصبح موئلا لتصدير الإرهابيين والمتطرفين، كما أنه حصل على وعد من بلليترو، بأن الولايات المتحدة الأمريكية، ستجدد دعمها للمساعي الرامية إلى تسوية النزاع سلمياً.

    8.
    أما عن الاتصالات التي يجريها موفدو صنعاء في عواصم عربية، فإن الهدف منها، منع تأييد الدول العربية لعدن، وحرمان القيادة الجنوبية، من إجراء أي اتصالات خارجية، وعدم تدويل الأزمة، وكسب الوقت لحسم الصراع مع القيادة الجنوبية عسكرياً.

    9.
    وفي يوم 17 مايو 1994، وردت أنباء عن خلافٍ حادٍ، برز بين الرئيس علي عبدالله صالح، والقيادات العسكرية الشمالية، بسبب تعيين العقيد عبد ربه منصور هادي ـ أحد أنصار الرئيس اليمني الجنوبي السابق، علي ناصر محمد، لتولي منصب وزير الدفاع. وتؤكد المصادر أن العقيد علي محسن الأحمر ـ الأخ غير الشقيق للرئيس صالح ـ رفض هذا القرار، وأن عدداً من القادة العسكريين الشماليين، اعتبروا أن قتالهم يدور مع القوات النظامية الجنوبية، وومن ثمّ فإنهم لن يقبلوا بأن يتولى مسؤولية القوات الشمالية ضابط جنوبي، مهما كانت مواقفه السياسية المعارضة للقادة الجنوبيين.

    10.
    أعلن الحزب الاشتراكي اليمني، وخمسة أحزاب أخرى، منها ثلاثة شمالية، "التنظيم الوحدوي الناصري، وحزب الحق، واتحاد القوى الشعبية، وحزبين جنوبيين هما التجمع الوحدوي اليمني، ورابطة أبناء اليمن، مبادرة جديدة لوقف النار وتشكيل حكومة إنقاذ وطني. وأكد الحزب الاشتراكي أن "اتفاق المبادئ لإنقاذ الوطن" ينص على ما يلي:

    أ.
    الوقف الفوري لكل العمليات الحربية.

    ب.
    إلغاء كل مؤسسات السلطة القائمة، لعجزها عن حل الأزمة ومنع الكارثة.

    جـ.
    الإسراع في تشكيل حكومة إنقاذ وطني، تتولى إخراج البلاد من الهوة السحيقة.

    د.
    تقوم حكومة الإنقاذ، بتطبيق وثيقة العهد والاتفاق، التي حازت على الاجماع الوطني، الذي لم يسبق له مثيل في حياة شعبنا.

    هـ.
    تقوم حكومة الإنقاذ، بالتحقيق، لكشف المتسببين في جريمة الاقتتال، وتقديمهم للمحاكمة.

    و.
    الوقوف ضد أي طرف، يرفض هذه المبادرة، التي تهدف إلى إنقاذ شعبنا، وبلادنا، ووضع حد لهذا الدمار.


    وسبق للجنة الحوار من خارج الائتلاف، في 30 نيسان (أبريل) الماضي إعلان مبادرتها، التي تلخصت في إلغاء مؤسسات السلطة القائمة، وتشكيل حكومة إنقاذ وطني. وكان ذلك بعد أحداث عمران، التي قادت إلى هذه الكارثة الشاملة.

    ثم جاءت مبادرة الحزب الاشتراكي اليمني في 12 أيار (مايو) الجاري لتعبّر بانسجامها مع مبادرة التكتل الوطني للمعارضة، عن قبوله واستجابته لها، وثم فإن أي خروج أو رفض لهذه المبادرات، يعتبر خروجاً على الاجتماع الوطني.

    وقال السيد علي سالم البيض، الذي أعلن الاتفاق في مؤتمر صحافي عقده في عدن، مساء الأحد15 مايو 1994، إن "توقيع اتفاق مبادئ الإنقاذ الوطني يمثل الصرخة العالية الوطنية، التي تنبعث من الموقف الوطني الشجاع، وبروح ديموقراطية وبثقة في النفس، لمواصلة بناء البلاد، بروح ديموقراطية سلمية، ويمثل خطوة تاريخية، فاليمنيون لم يقبلوا بأن تسكت أصواتهم عندما ارتفعت أصوات المدافع".

    ورأى أن "الكارثة فرضتها على اليمن شلة صغيرة في صنعاء"، منتقداً "نظرية الاستعلاء".

    وكرر أن "الحزب الاشتراكي اليمني، قدم باستمرار مبادرات سياسية، تستهدف إنقاذ الوطن، والحفاظ على الوحدة اليمنية، لكن الطرف الآخر (المؤتمر الشعبي العام والتجمع اليمني للإصلاح)، ما زال ويا للأسف، يتعامل مع هذه المبادرات في شكل غير مسؤول، وفي تصرفاته ما ينم عن عدم تقدير المسؤولية، عن الحفاظ على أرواح الناس والوحدة".

    11.
    وفي يوم 18 مايو 1994
    أصدرت ست شخصيات يمنية نداء لوقف الحرب في اليمن هو الثاني منذ اندلاع القتال، في الرابع من الشهر الجاري، وأكدت أن "ما يجري من اقتتال بين أبناء القوات المسلحة اليمنية، أنزل خسائر فادحة بالأرواح، والممتلكات، والمنشآت، والمرافق العامة، وتجاوز عدد القتلى والجرحى، ثلاثين ألف شخص في جبهات القتال، وعشرة آلاف قتيل وجريح مدني".

    ووقع النداء اللواء عبدالله قائد جزيلان، وعبدالله الأصنج، والعميد عبدالله عبدالعالم، وعبدالله درويش أحمد، والشيخ محمد علي العبيدي، والقاضي محمد عبدالهادي العجيل، الذين ناشدوا الملوك والرؤساء العرب، "أن يردعوا الجانب اليمني الذي يرفض السّلام، ووقف الحرب، ويصر على الاقتتال، ليحل الموت والدمار بأبناء الشعب اليمني العربي المسلم وشددو على أن استمرار الحرب يعني إلحاق المزيد من الكوارث والمآسي باليمن وأهله، ويمهد لاقتتال أهلي يلحق اليمن بالصومال".

    واعتبروا "أن الأمة العربية في خطر، واليمن يتعرض نتيجة استمرار الحرب للتمزق والخراب الشاملين، وشعب اليمن يغرق في برك من الدماء، والحرب المتأججة هي قمة الخيانة والتآمر على الشعب والوطن".

    وطالبوا بـ "موقف عربي يفرض السلام، وحمّلوا الرئيس اليمني، ونائبه، ورئيس مجلس النواب، مسؤولية ما لحق، وما سيلحق باليمن من كوارث متلاحقة، وفتنة أهلية، لا مخرج منها ولا نجاة، إذا لم يتوقف القتال".

    وأكدوا "أن إهدار دماء الشعب اليمني، وأمواله في الشهر الحرام، يضع دعاة الحرب أمام الله، وواجبهم العودة بسرعة إلى جادة الصواب، وإفساح مجال أمام عقلاء الأمة العربية، للتوفيق بين الأطراف المتقاتلة، والقبول من دون شروط، بدور وساطة للجامعة العربية، وبمساع حميدة للرئيس المصري حسني مبارك، والشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، رئيس دولة الإمارات".

    12.
    وفي يوم 19 مايو حمّل الرئيس حسني مبارك، رئيس مجلس الرئاسة اليمني علي عبدالله صالح، مسؤولية اندلاع القتال في اليمن . وبذلك يتفق مبارك مع رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة، الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، الذي جدد موقفه بتحميل صالح مسؤولية استمرار القتال. ويؤكد المراقبون، أن موقف الشيخ زايد، بشأن تحميل علي صالح مسؤولية استمرار الحرب، سيكون مؤثراً في بلورة موقف خليجي موحد، في التعامل مع الرافضين لوقف الحرب في اليمن.

    وقد صرح الرئيس مبارك في مؤتمر صحافي، عقد مع وزيرالخارجية الأمريكي وارن كريستوفر، أن القتال لن يحل المشكلة، بل سيخلف الكثير من الضغينة، حتى لو انتهت الحرب، وأكد أن استخدام القوة ليس نوعاً من الوحدة، ولكنه نوع من الاحتلال لأن استمرار الوحدة تحتاج إلى رغبة الطرفين .

    كما صرح مصدر رسمي رفيع المستوى، بأن مصر لن تستمر في وساطة أو مساعٍ حميدة، في ظل شروط يضعها الرئيس صالح، لوقف النار، وشدد على "أن مصر لا تتفق مع القيادة في صنعاء، في اعتبارها نائب الرئيس البيض متمرداً". وقال "لا بد من وقف النار من دون شروط، والحوار بين الطرفين، وليس من حق طرف استخدام القوة، وإنكار استخدامها على الطرف الآخر".

    وأضاف أن الاحتمالات المطروحة، الآن، هي "استمرار القتال، حتى الوصول إلى مرحلة لا غالب ولا مغلوب، مما يفرض على الشمال قبول الحوار"، أو "إعلان الانفصال من جانب الجنوب، ويصبح مطلق الحرية والحق في استدعاء من يستدعيه أو يطلب مساعدة من يساعده" .

    13.
    كما أجرى البيض من مقر قيادته في عدن، اتصالات هاتفية مع الرؤساء العرب، وأطلعهم على آخر التطورات العسكرية، وفي الوقت نفسه دعا الحزب الاشتراكي لتشكيل مجلس للإنقاذ الوطني، بسبب وجود فراغ دستوري في البلاد، وعدم شرعية المؤسسات القائمة. على أن يوجه جهوده لإيقاف الحرب.

    وكان الحزب الاشتراكي، الذي دعا في أكثر من مناسبة إلى تشكيل حكومة انقاذ وطني، قرر مع خمسة من أحزاب تكتل المعارضة الوطنية مساء الاثنين 16 مايو/ الثلاثاء 17 مايو الماضي، تشكيل مجلس للإنقاذ الوطني.

    وفي الإطار نفسه أعلن رئيس اللجنة التنفيذية لـ "التجمع اليمني الوطني"، السيد عبدالقوي حسن مكاوي، تأييده تشكيل "حكومة الإنقاذ الوطني".

    14.
    وفي صنعاء، أطلع الرئيس صالح، الملك حسين، في اتصال هاتفي، الأوضاع الجارية في اليمن، في ضوء ما تحرزه القوات الشمالية، من انتصارات في دحر قوات التمرد.

    وأكدت مصادر قريبة من الرئيس صالح، مطالبته بتسليم ثمانية من قادة المكتب السياسي للحزب الاشتراكي، شرطاً لوقف النار، أو خروجهم من البلاد سريعاً، وعلى رأسهم علي سالم البيض، ومعه حيدر العطاس، وصالح بن حسينون، وياسين سعيد نعمان، وهيثم قاسم طاهر، وصالح عبيد أحمد وقاسم يحيى، وصالح منصر السبيلي، ومثنى عسكر. واستبعد الرئيس من هذا الشرط السيد سالم صالح، محمد الأمين العام المساعد للحزب الاشتراكي، وأربعة عشر آخرين من أعضاء المكتب السياسي للحزب الاشتراكي، أبرزهم جار الله عمر وزير الثقافة، وأنيس حسن يحيى رئيس الكتلة البرلمانية للحزب الاشتراكي، وفضل محسن وزير الثروة السمكية، ومحمد سعيد عبدالله وزير الإسكان، وأحمد علي السلامي وزير الكهرباء. وأبلغ الرئيس صالح مبعوثي الأمين العام لجامعة الدول العربية، بهذا الشرط، أثناء استقباله لهم، قبل مغادرتهم صنعاء إلى القاهرة، قبل ثلاثة أيام.

    15.
    إعلان جمهورية اليمن الديموقراطية، وموقف بعض الدول من الانفصال :

    أ.
    في 21 مايو 1994، أعلن عن انفصال الشطر الجنوبي، وقيام دولة جمهورية اليمن الديموقراطية، وعاصمتها عدن.

    ب.
    وفي يوم 22 مايو أعلن في عدن، تشكيل مجلس رئاسة لجمهورية اليمن الديموقراطية، من خمسة أعضاء، في مقدمتهم رئيس المجلس علي سالم البيض، زعيم الحزب الاشتراكي، وعبدالرحمن الجفري، رئيس رابطة أبناء اليمن، الذي عين نائباً للرئيس، وعبدالقوي مكاوي رئيس التحالف اليمني الوحدوي الوطني، والذي كان رئيساً لوزراء اليمن الجنوبي عام 1965، والموجود في الإسكندرية في مصر، وانتقل إلى عدن للانضمام للمجلس، وسليمان ناصر مسعود، المقيم بعدن، والذي ينحدر من محافظة أبين، وهو من أنصار علي ناصر محمد، الذي يعيش في دمشق، والعضو الخامس هو سالم صالح محمد، الأمين العام المساعد للحزب الاشتراكي.

    جـ.
    كما أعلن عن تشكيل الجمعية المؤقتة للإنقاذ الوطني، من 111 عضو من النواب الجنوبيين في البرلمان الموحد، والتي شكلت بموجب وثيقة إعلان جمهورية اليمن الديموقراطية، وانتخب لرئاستها، أنيس حسن يحيى.

    د.
    كما تقرر تشكيل الحكومة الجنوبية برئاسة المهندس حيدر العطاس، الموجود في أمريكا، وأعلن أنه سيعود قريباً لتشكيل الحكومة. وشهدت عدن تظاهره كبيرة، تأييداً لإعلان الجمهورية، واستنكاراً للقصف الصاروخي الشمالي للمدينة.

    هـ.
    وكشف مصدر مسؤول في عدن أن قادة الحزب الاشتراكي، عرضوا قيام دولتهم المنفصلة، على العديد من الرؤساء العرب، وتشاوروا مع بعض الدول الأوربية، ولمسوا تأييداً لقيام الدولة الجديدة، مما دفع بهم إلى إعلانها في ذكرى الوحدة اليمنية، وتوقع العطاس، أن تحظى جمهورية اليمن الديموقراطية، باعتراف دول عربية وأجنبية، منها مصر ودول الخليج، وسورية.

    وأفادت أنباء عدن، أن البيض والقيادات في الجنوب، أجروا اتصالات عربية ودولية مكثفة، لبلورة الوضع الجديد، كمخرج يوقف نزف الدم، بعد أن فشلت الجهود كافة لوقفها بالحوار.

    وتوقعت تلك الأنباء توارد اعترافات الدول "بالدولة الوليدة"، رغم أن الرئيس اليمني الشمالي اعتبر أي اعتراف تدخلا بالشؤون الداخلية لليمن. وأشارت أن فشل الحوار مراراً قد يبرر الصيغة الجديدة، إذ لا يمكن فرض الوحدة بالقوة.

    و.
    وباستثناء الأردن وليبيا، اللذين عارضا الانفصال، التزمت الدول العربية الأخرى موقف التريث من الجمهورية الجديدة. واستمرت الاتصالات على غير مستوى، ويتلخص موقف الدول والتنظيمات السياسية في الآتي:

    (1)
    في صنعاء، دعا علي صالح، البيض إلى "تسليم نفسه إلى أقرب قسم للشرطة" وتعهد ضمان محاكمة عادلة له، بتهمة "الخيانة الوطنية في أعقاب إعلانه الانفصال، ووصف علي صالح، في خطاب ألقاه أمام جموع المصلين عقب صلاة عيد الأضحى المبارك، البيض بأنه "معتوه، ومريض بانفصام الشخصية، واتهمه بالخيانة، هو ومن معه من أعضاء المكتب السياسي للحزب الاشتراكي اليمني، ووصفهم بأنهم "شرذمة لا يمثلون سوى أنفسهم، وأكد الرئيس صالح في خطابه، والذي جاء أيضاً بمناسبة الذكرى الرابعة لإعلان الوحدة اليمنية، أن الوحدة "باقية وأن الشعب اليمني وقواته المسلحة سيدافعون عن الوحدة اليمنية، وسيحافظون عليها مهما كان الثمن. وكان علي صالح رأس اجتماعاً مشتركاً لمجلس الرئاسة، وهيئة رئاسة مجلس النواب، ومجلس الوزراء، مساء أمس، وأصدر الاجتماع بياناً أكد فيه "تصدي الشعب، والقوات المسلحة اليمنية، والمؤسسات الدستورية، بحزم لكل أعمال التآمر، التي تحاول المساس بوحدة البلاد، أو الانحراف بخيارها الديمقراطي. ووصف البيان إعلان الانفصال بأنه "خيانة عظمى، لا يمكن أن تمر من دون أن يلقي مرتكبها ما يستحقه من عقاب رادع". وناشد البيان الأقطار العربية، والإسلامية، والدول الأجنبية، "عدم الاستمرار في تعاملها مع عصابة التمرد والانفصال في الحزب الاشتراكي". واعتبر أن أي تعامل أياً كان نوعه من أي جهة مع البيض يعتبر عملاً معادياً للشعب اليمني، وتدخلاً سافراً، ومرفوضاً، في الشؤون الداخلية للجمهورية اليمنية. وللسلطات الدستورية في البلاد الحق في التعامل معه بالأسلوب المناسب".

    واجتمع وزير خارجية اليمن محمد سالم باسندوه بالسفير الروسي، وبسفراء الدول العربية، والإسلامية، في صنعاء، وطلب نقل وجهة نظر صنعاء في الوضع، محذراً من أي موقف يؤيد الانفصال.

    (2)
    ورغم توارد أخبار عن اعتراف روسيا بالدولة الجديدة في اليمن الجنوبي، إلا أن السفير الروسي في صنعاء، أكد استمرار بلاده في تأييد وحدة اليمن. وأن موقف الاعتراف سيعلن من موسكو مباشرة، وربما اتخذ قرار بذلك وينتظر إعلانه رسمياً.

    (3)
    ونددت ثلاث أحزاب معارضة، كانت تعتبر على علاقة تحالف مع الحزب الاشتراكي أثناء الأزمة السياسية، بإعلان الانفصال، هي التجمع اليمني الوحدوي الناصري، بقيادة السيد عمر الجاوي، الذي وصف قرار الانفصال بأنه "خطر وكارثة وطنية، وحماقة غير متوقعة من الحزب الاشتراكي" والتنظيم الوحدوي الناصري، وحزب الحق.

    (4)
    وتطرق خادم الحرمين الشريفين، الملك فهد بن عبدالعزيز، وولي العهد السعودي نائب رئيس مجلس الوزراء، رئيس الحرس الوطني، الأمير عبدالله بن عبدالعزيز، في كلمة وجهت أمس إلى حجاج بيت الله الحرام، إلى الأحداث الدامية في اليمن وأكدا "أن السعودية تشعر بأسف بالغ، لتدهور الأوضاع هناك وعبرنا عن موقفنا الصريح الأخوي الواضح هذا، في 5 أيار (مايو) 1994 إذ ناشدنا أطراف النزاع تحكيم العقل، والمنطق، ووضع مصلحة اليمن وشعبه في مقدم الأولويات. قلنا هذا، ونؤكده باستمرار، لأن أمن اليمن واستقرار الأوضاع، فيه يهمنا قبل غيرنا، ومن مصلحتنا أن تكون الأمور مستتبة فيه". وأكد مجدداً أن "الواقعية في التفكير، والتفاهم بين الأطراف، كفيلان بجلب دواعي الأمن، والاستقرار" إلى اليمن وتجنيبه "الحروب الخطرة، والتدمير الشامل".

    (5)
    وفي عمان، أكدت مصادر أردنية رسمية أمس، أن الأردن لن يعترف بانفصال اليمن الجنوبي كدولة مستقلة، من دون وجود إجماع عربي على ذلك، من خلال مؤسسة الجامعة العربية، وقال المصدر المسؤول أن بلاده ترفض الانفصال من حيث المبدأ، وتعترف بالشرعية، التي تحققت من خلال استفتاء شعبي، أدى إلى الوحدة، التي باركها العالم العربي بما فيه الأردن. وأضاف أن الأردن يعتبر أن الوحدة، التي جاءت نتيجة إجماع وطني وشعبي، يجب ألا تقوض من دون إرادة شعبية، تستند إلى مبدأ الإجماع الديمقراطي. وأكد أن القرارات التي تتخذ في شأن الوحدة اليمنية أو الانفصال، "يجب ألا تتخذ من جانب واحد". وأوضح أن الأردن "لن يغير موقفه من تأييد الوحدة، لمجرد وجود خلافات بين القيادات السياسية المختلفة". وشدد على أن "لدينا اقتناعاً، بأن الشعب اليمني يريد الوحدة على رغم الخلافات بين الزعماء، الذين يغلبون مصالحهم السياسية على المصالح العليا للشعب اليمني".

    (6)
    وفي القاهرة، لزمت الخارجية المصرية الصمت إزاء إعلان قيام دولة مستقلة في جنوب اليمن، فيما توقع عضو المكتب السياسي في الحزب الاشتراكي اليمني، الدكتور عبدالعزيز الدالي، الموجود في القاهرة، أن تعترف غالبية الدول العربية بجمهورية اليمن الديموقراطية. وصرح الدالي أن الانفصال بين شطري اليمن "بدأ فعلياً منذ بدء العمليات العسكرية، مطلع الشهر الجاري ". واعتبر أن قرار إعلان دولة مستقلة في جنوب اليمن، جاء محصلة للواقع الذي فرضه "الرئيس اليمني" علي عبدالله صالح.

    (7)
    وواصل الدكتور عصمت عبدالمجيد اتصالاته مع عدد من وزراء الخارجية العرب لإطلاعهم على نتائج مهمة وفد الجامعة إلى صنعاء والوقوف على أرضية التحرك العربي بعد قرار الانفصال.

    ويدور في القاهرة صراع آخر بين الديبلوماسيين اليمنيين أنفسهم، من الشمال والجنوب، في سفارة اليمن، ومندوبيها لدى الجامعة العربية، بشأن تنظيم التمثيل الديبلوماسي لليمن. وكان تمثيل دولة الوحدة، اشترط أن يكون سفير اليمن لدى القاهرة من الجنوب، ومندوبها الدائم في الجامعة من الشمال.

    (8)
    ودعت الولايات المتحدة الأمريكية في بيان أصدرته وزارة الخارجية، أطراف النزاع اليمني إلى إعلان وقف نار دائم، والبدء بمحادثات للمصالحة السياسية وتجنب نقل الحرب إلى عدن أو مراكز سكانية أخرى. أو تعريض المدنيين اليمنيين أينما كانوا إلى خطر.

    ورحب الناطق باسم وزارة الخارجية مايك ماكوري، بإعلان صنعاء وقف النار لمدة ثلاثة أيام بمناسبة عيد الأضحى، ووصفه بأنه "خطوة أولى جيدة لوضع حد للنزاع، الذي يلف اليمن وللمصالحة بين كل الأطراف".

    ويوضح هذا التصريح، الذي حدثت بعده تطورات عسكرية في ميدان القتال، وبعد إعلان القادة الجنوبيين من طرف واحد انفصالهم عن دولة الوحدة، أن الولايات المتحدة تعارض استمرار الحرب، حتى إذا كان الهدف منها الحفاظ على اليمن دولة موحدة. وحض ماكوري الأطراف على استئناف الحوار السياسي، بهدف إنهاء الانقسامات التي حلت باليمن منذ (آب) أغسطس من العام الماضي. واعتبرت الولايات المتحدة أن الوحدة اليمنية، ليست هدفاً ينبغي السعي إلى تحقيقه بقوة السلاح. وجاء في البيان أن "الحلول العسكرية ليست الجواب لمشاكل اليمن، ولن تحقق الوحدة المفروضة بالقوة، السلام لليمن". وحضت قادة اليمن، أن يغتنموا هذه الفرصة، للبدء بإعادة بناء يمن ديمقراطي موحد، تحترم فيه حقوق كل المواطنين.





    الفصل الثالث
    المرحلة الثالثة من الحرب الأهلية اليمنية
    حصار عدن، ودخولها، وسقوط المكلا عاصمة حضرموت، وحسم الحرب
    الفترة من 24 مايو إلى 7 يوليه 1994

    عام:

    اتسمت هذه المرحلة ، بعنف القتال، وبدا أن عدن تستعصي على الشماليين، واتهم حيدر أبو بكر العطاس، كل من العراق والأردن، بتزويد الشّطر الشّمالي بالأسلحة والمعدات العسكرية. وأمام الخسائر الفادحة في القوة البشرية للشماليين، بدأت تساؤلات في أوساط العسكريين الشماليين، عن جدوى قرار شن الحرب، واستمرارها، بينما ربط قادة الشمال قرار وقف الحرب بسقوط عدن عاصمة الجنوب، وإلغاء قرار الانفصال. وبدأت القيادة الشمالية تطبق إستراتيجية المكاسب الأرضية، التي تعرقل قرارات وقف إطلاق النار. وأدى القتال، والقصف المستمر لمدينة عدن، إلى هجرة أكثر من نصف مليون من المدينة. واستمر انقطاع الكهرباء والمياه عن معظم أحياء عدن، وساءت الأحوال المعيشية لسكانها، وبدأت العملة اليمنية في التدهور. وتلقت الخارجية اليمنية في الشطر الشمالي، إنذاراً بريطانيا بوقف قصف المدنيين في عدن فوراً. وأجمعت كل من الولايات المتحدة الأمريكية، وبريطانيا وفرنسا أن الحرب في اليمن، أصبحت ذات أبعاد أكبر، ويمكن اعتبارها خطراً يهدد استقرار المنطقة كلها، وربما أفسح ذلك، الطريق أمام اللجوء إلى مواد خاصة من ميثاق الأمم المتحدة، تتيح اتخاذ إجراءات قسرية، لإجبار الأطراف على وقف القتال.

    القسم الأول: الفكرة العامة لخطة عمليات المرحلة
    1.
    اشتدت المعارك العنيفة في 24 مايو على مختلف المحاور، وحذّر وزير الدفاع في صنعاء، شركات الملاحة الجوية والبحرية، من استخدام المطارات والموانئ الجنوبية. وبدأت القوات تزحف نحو عدن، وحضرموت، وضَعُفَتْ مقاومة الجنوبيين، عدا بعض الطّلعات الجوية، والألغام، التي زرعها الجنوبيون، لعرقله تقدم القوات الشمالية، نحو حضرموت. واستمرت الطلعات الجوية الجنوبية بشكل متقطع.

    2.
    عقب استيلاء القوات الشمالية، على قاعدة العند، وتقدمها على باقي محاور القتال، بدأت في ممارسة الضغط العسكري المباشر، على عدن، من ثلاثة محاور، هي: أبين شرقاً، ولحج شمالاً، وباب المندب غرباً. واستكملت القوات الشمالية، تجهيز قواتها، لمحاصرة مدينة عدن، من جميع الجهات، حيث صرحت بعض المصادر الشمالية، وقتذاك، بأن قرار اقتحام عدن، سوف يتقرر عقب التأكد أولاً، من إمكانية الحفاظ على سلامة المدنيين من سكانها، وممتلكاتهم، أثناء الهجوم؛ علاوة على أن الهجوم، سوف يهدف فقط إلى تطهير مدينة عدن، من الأوكار العسكرية، والميليشيات الموالية للحزب الاشتراكي، وفرض سيادة الشرعية الدستورية، وحماية المواطنين، والدفاع عن وحدة البلاد ومنجزاتها، على حد تعبير تلك المصادر.

    3.
    وفي الوقت نفسه، نجحت القوات الشمالية، في الاستيلاء بصورة كاملة، على بلدة عتق، عاصمة محافظة شبوة. وذلك بعد التقاء قوات المحورين، الجنوبي والشمالي، وتمكنت بذلك من فصل محافظتي حضرموت، والمهرة الشرقيتين، عن عدن ولحج، كما نجحت في الاستيلاء على الطريق الممتد من زنجبار، على ساحل بحر العرب، إلى النقبة وعتق شمالاً في شبوة.

    وعلى هذا الأساس، تجّمعت للقيادة الشمالية في محوري شبوة، وحضرموت، بدءاً من الثالث والعشرين من مايو، قوة ضاربة تتألف مما لا يقل عن ستة ألوية، تتمثل في لواء شلال، واللواء السادس، واللواء الثالث، وهي الألوية التي كانت قد دفعت من محور مأرب ـ بيحان، فضلاً عن قوات لواء الوحدة، ولواء العمالقة الثامن، وبعض قوات العمالقة الأخرى، والحرس الجمهوري، التي كانت قادمة من مكيراس في الشرق، وزنجبار في الجنوب. وتمكنت تلك القوات من إزالة النقاط المتقدمة للقوات الجنوبية، ومع ذلك فإن النجاح الذي حققته القوات الشمالية في تلك المحاور، كان عائداً في أحد أهم جوانبه، إلى إن القوات الجنوبية، لم تخض قتالاً حقيقياً في تلك المحاور، وفضلت التراجع أمام الشماليين، إلا أن هذا التكتيك العسكري الجنوبي، كان الهدف منه، إطالة خطوط عمليات القوات الشمالية، واستدراجها إلى أماكن قتل مناسبة لها، من دون أن يكون للتقدم الذي أحرزته تأثير يذكر. إضافة إلى أن الانتصارات، التي حققها الشماليون في هذا المحور، كانت ناتجة في الوقت نفسه، عن تبدل ولاءات القبائل في المنطقة، الذين تردد أنهم تلقوا رشاوي هائلة من الشماليين، الأمر الذي دفع القيادة الجنوبية، إلى تعديل شبكة تحالفاتها في تلك المنطقة. فعينت السيد أحمد فؤاد الصريمة، محافظاً لشبوة، وولته مهمة الدفاع عن المنطقة، وأسندت إليه، قيادة تحالف القوات الجنوبية هناك، والمؤلفة من تشكيلات الوحدات العسكرية النظامية، وتجمع قبائل شبوة.

    وبالفعل بدأت القوات الجنوبية، بدءاً من السابع والعشرين من مايو، في استعادة المبادأة ضد القوات الشمالية في شبوة، التي تعرضت لعمليات تعرضية نظامية، وحرب عصابات في آنٍ واحد، شاركت فيها قبائل المنطقة. وبدأ الهجوم بقصف جوي مكثف، ضد القوات الشمالية، واستهدفت تلك العمليات، وقف الزحف الشمالي الكثيف في اتجاه محافظة حضرموت، لا سيما أنها كانت تسعى إلى مواصلة التقدم، نحو مدينة المكلا، عاصمة محافظة حضرموت، واحتلال ساحل حضرموت، بما فيها ميناء تصدير النفط في منطقة الشحر المجاورة، إضافة إلى تهديد مقر إقامة الزعيم الجنوبي، علي سالم البيض، في حضرموت، بما قد يدلل على عدم قدرته على حماية نفسه. فضلاً عن أن الجهد العسكري الشمالي، كان يرمي إلى تحقيق انتصارات سريعة، للتأثير على مداولات مجلس الأمن، التي كانت تجري وقتذاك، مما قد يعني أمام المجتمع الدولي، أن الجنوب قد بات ضعيفاً، ولم يعد مسيطراً على أراض، تمكنه من إقامة دولة مستقلة. ومع حلول الثلاثين من شهر مايو، كانت القوات الجنوبية، قد نجحت في وقف القوات الشمالية، وطردها من بعض المواقع، التي كانت قد احتلتها، في أوقات سابقة في المناطق الشرقية.

    4.
    والواقع، أن القيادة الشمالية، حرصت في تلك الفترة، على تعزيز موقفها السياسي، من خلال ممارسة الضغط العسكري، في محاور القتال المختلفة، وذلك بغرض التأثير، على جهود التسوية السياسية، حيث كثفت الهجمات، على كل المحاور المحيطة بمدينة عدن، لمحاصرتها، وبناء طوق متكامل حولها، بل إنها فتحت جبهة شمالية غربية، حول عدن في منطقة طور الباحة، عقب نجاحها، في اختراق الدفاعات الجنوبية، في تلك الجبهة، والانتشار على مساحة حوالي 105 كيلومترات، شمال غربي عدن. كما واصلت القوات الشمالية، القصف العنيف، والمركّز، على الأهداف الإستراتيجية في عدن، لا سيما القاعدة الجوية في مطار عدن. ولكن القوات الجنوبية، نجحت في تكبيد القوات الشمالية المهاجمة، خسائر فادحة، وأجبرتها على التراجع.

    5.
    وهكذا فشلت القيادة الشمالية، في فرض سيطرتها الكاملة، على عدن قبل صدور القرار الرقم 924، من مجلس الأمن في الأول من يونيو، الداعي إلى وقف إطلاق النار، في اليمن، وفرض حظر على واردات السّلاح، إلى الأطراف المتصارعة في البلاد. كما عَيّن السكرتير العام للأمم المتحدة، ممثلاً خاصاً، وأسند إليه مهمة تقصي الحقائق في اليمن.

    حاولت القيادة الشمالية، الاستفادة من المدى الزمني، المتاح أمامها، قبيل وصول المبعوث الخاص للأمين العام للأمم المتحدة إلى البلاد. وقامت في هذا الإطار، بتشديد الضغط العسكري على عدن، كما استمرت في أعمال القصف المدفعي، والجوي العنيف، علاوة على أن الطائرات الحربية الشمالية، بدأت تركز على إصابة مصفاة عدن، لأول مرة منذ بدء الصراع. وقد استطاعت القوات الشمالية، من خلال هذا الضغط المكثف، أن تواصل إحكام الطوق العسكري، حول عدن، وباتت على مقربة 20 كيلومتراً منها، من جهة الشمال، و 30 كيلومتراً من الشرق، وتمكنت من الاستيلاء، على عدد من القرى الصغيرة حول عدن.

    6.
    وبشكل عام، فإن أعمال القتال، خلال فترة ما قبل وصول مبعوث الأمين العام للأمم المتحدة، تركزت في الأساس على جبهتي عدن وحضرموت. واستمرت الاشتباكات العنيفة، بين القوات الجنوبية والشمالية، في هاتين الجبهتين. وأرسلت القيادة الشمالية، وقتذاك، تعزيزات جديدة، للمشاركة في معركة السيطرة على عدن. وفي الوقت نفسه، حاولت تلك القوات، التقدم في محافظة شبوة، إلا أنها تكبدت في بادئ الأمر خسائر فادحة. وتمكنت القوات الجنوبية، من أسر لواء كامل، من قوات المغاوير الشمالية. وقد تصاعدت في تلك الفترة حدة المعارك الجارية، وازدادت ضراوتها. وتعرضت عدن لقصف عشوائي مستمر، بالغ العنف، بصورة غير مسبوقة، على الإطلاق منذ بدء القتال، علاوة على أن القيادة الشمالية، وظفت أقصى ما لديها، من قدرات نيرانية وتدميرية، لتحقيق انتصارات سريعة، في محاور القتال المختلفة. ومن ثم، أدى هذا الضغط الشرس، إلى تمكين القوات الشمالية، من تحقيق نجاحات عسكرية مهمة، حيث نجحت في فرض سيطرتها المطلقة، على محافظتي أبين ولحج، وتمكنت من السيطرة على القسم الأكبر من محافظة شبوة، وواصلت التقدم في محافظة حضرموت، بهدف الوصول إلى مدينة المكلا، عاصمة المحافظة. كما استطاعت تطويق عدن، من جميع الجهات، باستثناء جهة البحر، مع تشديد الضغط عليها بكثافة بالغة.

    7.
    وفي السادس من يولية، أعلنت القيادة الشمالية، استعدادها لتنفيذ قرار مجلس الأمن، الداعي إلى وقف إطلاق النار، إلا أن تطورات الصراع المسلح اللاحقة، دللت على أن هذا الإعلان، كان منذ البداية، مجرد واجهة لتجميع القوات الشمالية، وإتاحة الفرصة لها، للاستفادة من الاسترخاء النسبي في المجهود العسكري الجنوبي، وتضليل الرأي العام العالمي. ولم يصمد وقف إطلاق النار، أكثر من بضع ساعات. كانت العديد من الدلائل والمؤشرات، تؤكد على أن القيادة الشمالية، باتت عازمة على فرض سيطرتها الكاملة على كافة مناطق جنوب اليمن، على الرغم من صدور قرار وقف إطلاق النار، وعلى الرغم أيضاً، من التحذيرات التي صدرت عن الولايات المتحدة الأمريكية، ودول مجلس التعاون الخليجي.

    وبالفعل نجحت القوات الشمالية خلال يومي 6، 7 يولية 1994 من السيطرة على مدينتي عدن والمكلا، بعد الاستيلاء عليهما.






    القسم الثاني: مبادرة صنعاء وسقوط شبوه
    خلال الفترة من 24 إلى 31 مايو 1994م

    1.
    بعد إعلان مجلس الرئاسة الجديد لجمهورية اليمن الديموقراطية، صرح مصدر جنوبي، أن علي سالم البيض، سيعود قريباً إلى العاصمة عدن، قادماً من محافظة حضرموت، لتولي مهام منصبه، واستكمال تشكيل الحكومة الوطنية التي كلف العطاس بتشكيلها .

    وفي الوقت نفسه، كانت صنعاء تتحرك عربياً، للحيلولة دون الاعتراف بدولة الجنوب. واعتبر مسؤول شمالي، أن تصريح الرئيس علي صالح في مؤتمر صحفي، غداة إعلان الانفصال، أن القوات المسلحة الحكومية ستدخل عدن مستخدمة كل الوسائل، بمثابة "رسالة تحذير إلى الدول العربية والأجنبية، بأن أي اعتراف بالدولة الانفصالية سيعرض مدينة عدن، بسكانها المدنيين، لخطر الدمار والموت".

    وأضاف هذا المسؤول أن قرار اقتحام مدينة عدن لم يصدر بشكل نهائي حتى الآن، ما دامت الدول العربية الشقيقة، والدول الصديقة في كل العالم، لم تعلن أي اعتراف بالدولة الانفصالية، التي أعلنها البيض في جنوب البلاد، والتي لا تستند إلى أية شرعية وطنية أو قانونية. ولم يستبعد هذا المسؤول أن تباشر القوات الحكومية، التحرك نحو محافظة حضرموت، انطلاقاً من محافظة شبوة، خلال الساعات القليلة المقبلة، عقب سقوط مدينة عتق، عاصمة شبوة، في يد القوات الحكومية. وقالت مصادر سياسية في صنعاء، إن الرئيس علي عبدالله صالح، يعمل على تحقيق مكاسب عسكرية سريعة أخرى، لتجنب اعتراف خارجي بالجمهورية، التي أعلنها الجنوب، وليمارس أكبر قدر من الضغط على خصومه الجنوبيين .

    2.
    درست القيادة الجنوبية في المكلا وعدن، مبادرة من جانب قيادة صنعاء بوقف إطلاق النار، مقابل التراجع عن إعلان دولة الجنوب اليمني، دون أي شروط أخرى، على النحو الذي طرحته صنعاء من قبل، بشأن استسلام، من وصفتهم "بالمتمردين"، في قيادة الحزب الاشتراكي، وتقديمهم للمحاكمة.

    وفي حين تكهنت المصادر باحتمالات رد فعل القيادة الجنوبية، قال مراقبون إن هدف مبادرة صنعاء، هو "محاولة إعاقة الاعتراف الدولي بالجمهورية الجديدة، بعد أن أدى تشدد الرئيس علي عبدالله صالح، إلى دفع الجنوبيين إلى اتخاذ هذه الخطوة كحل أخير، للحفاظ على ما يمكن الحفاظ عليه، بعد فشل التفاهم في إطار الوحدة". ووردت الأخبار أن كلاً من سالم صالح محمد، عضو مجلس الرئاسة اليمني الموحد والجنوبي، وعلي ناصر محمد، الرئيس الجنوبي السابق، والشيخ مجاهد أبو شوارب، نائب رئيس الوزراء في دولة الوحدة، ومحمد سالم باسندوه، وزير الخارجية، والسفير عبدالله الأشطل، مندوب اليمن لدى الأمم المتحدة، والسفير محسن العيني، سفير اليمن في واشنطن، اشتركوا في وضع نقاط المبادرة التي قبلها الرئيس صالح على الفور. جاءت هذه المبادرة من شخصيات يمنية، في وقت تحاول فيه جميع الأطراف احتواء الموقف، بوقف إطلاق النار. ولكن مصادر أكدت أن القيادة الجنوبية أصبحت الآن تشترط، قبل التفكير في خطوة من جانبها، توفر نقطتين :

    الأولى :
    وقف إطلاق النار على جميع الجبهات.

    الثانية:
    إعادة جميع الوحدات الجنوبية الموجودة في شمال اليمن إلى الجنوب، وسحب كافة الوحدات الشمالية الموجودة في الجنوب، إلى الشمال.


    وليس معروفاً ما إذا كانت صنعاء ستقبل هذا الشرط الآن، لأنه يعتبر نقطة أساسية في موقف القيادات الجنوبية من حل الأزمة. فقد كانت عدن تطالب به من فترة طويلة، قبل اندلاع الحرب، في حين رفضته صنعاء.

    3.
    أعمال القتال يومي 24، 25 مايو 1994:

    أ.
    قال مصدر عسكري في صنعاء، إن القوات الحكومية تستكمل إعداد قواتها، التي تحاصر مدينة عدن من جميع الجهات، لشن هجوم حاشد تقتحم به المدينة، وتسيطر عليها. وأكد المصدر أن قرار البدء في تنفيذ هذا الهجوم، لم يصدر بعد عن القيادة السياسية في صنعاء، مشيراً إلى أن القرار سيصدر بعد أن تتأكد القيادات العسكرية لهذه القوات، من إمكانية الحفاظ على سلامة المدنيين من سكان مدينة عدن، وممتلكاتهم، أثناء الهجوم. وأكد المصدر أن الهجوم، لن يستهدف سوى الأوكار العسكرية والميليشيات.

    وفي عدن أكدت مصادر عسكرية، أن القوات الموالية للرئيس علي عبدالله صالح، تواصل حصارها لمدينة عدن، من أبين شرقاً، ولحج شمالاً، وباب المندب غرباً. وأن قوات جمهورية اليمن الديموقراطية، تخوض معارك عنيفة لكسر هذا الحصار . وأكد مراسل لوكالة رويتر، أن القوات الشمالية، تقدمت باتجاه عدن، من الشمال، ولكنها صدت. كما لوحظ أن القذائف الشمالية تتساقط على مواقع أقرب من عدن، مقارنة بالأيام السابقة. وأوضحت إذاعة عدن، أن عدداً من صواريخ "سكود" استهدفت المدينة، وأن أحدها سقط في حي خور مكسّر، فأباد "عائلات بأكملها"، وأصاب عدداً من الأشخاص بجروح خطيرة .

    ب.
    صرح مصدر شمالي، ومصادر محايدة، أن قوات المحورين الجنوبي والشرقي اليمنية الحكومية، التقت عند مثلث النقبة، الإستراتيجي على بعد 40 كم جنوب بلدة عتق، عاصمة شبوة. ويكمن أهمية مثلث النقبة، أنّ عنده تلتقي حدود المحافظات الجنوبية الثلاث، أبين، وشبوة، وحضرموت، وبذلك تكون محافظتي حضرموت والمهرة الشرقيتين قد فصلتا، عن عدن ولحج. وتسيطر القوات الحكومية على الطريق الممتد من زنجبار، على ساحل بحر العرب جنوباً، إلى النقبة وعتق شمالاً، في محافظة شبوة. وقال العقيد صالح أحمد الحارثي نائب قائد محور شبوة، في لقاء في معسكر عتق، أن القوات الحكومية ستندفع من محور النقبة، ومحاور أخرى شمالاً، إلى محافظة حضرموت وعاصمتها المكلا، لملاحقة قوات الانفصاليين، وأن قواته في انتظار أوامر القيادة العسكرية العليا، للاندفاع شرقاً نحو حضرموت .

    وصّرح المصدر أن معظم أفراد القوة الجنوبية تركوا قاعدة عتق الجوية، وانسحبوا منها دون قتال، وقد خلفوا وراءهم طائرتين، إحداهما سو 7، والأخرى ميج 21.

    ومع سقوط مدينة عتق أصبحت محافظة شبوة، بمديرياتها وكافة المنشآت العسكرية، في يد القوات الشمالية، بما فيها القاعدة الجوية، التي نُقلت إليها طائرات حربية شمالية منذ فجر أمس، لتوفر غطاء جوياً للقوات التي ستتوجه إلى حضرموت، وأحكام السيطرة عليها.

    جـ.
    وصرحت المصادر الجنوبية، أن هذا التقدم لا يعني شيئاً، لأن قوات صنعاء ستغرق في بحر من الرمال، على الطريق بين النقوب وعتق (عاصمة شبوة)، الذي يبلغ طوله نحو 500 كيلومترٍ. وأن ما حدث في شبوة يعتبر "تراجعاً تكتيكياً"، أمام الكثافة الشمالية، على النحو الذي حدث في الضالع بشمال محافظة لحج . وصرحت بأنه ما زالت لها قوات تسيطر، على جزء من قاعدة العند العسكرية، وأن قتالاً ضارياً دار في محور العند ـ كرش، تكبدت خلاله القوات الشمالية، خسائر كبيرة، بينما أُسر 150 جندياً شمالياً، بينهم 8 ضباط.

    وأكد السيد محسن بن فريد، الأمين العام لحزب رابطة أبناء اليمن، الذي ترشحه بعض الأوساط اليمنية لتولي منصب نائب رئيس الحكومة في حكومة المهندس أبو بكر العطاس، "أن القوات الشمالية نجحت في احتلال بلدتي عتق والنقبة في محافظة شبوة، إلى جانب مناطق واسعة". وقال إن من شأن سيطرة القوات الشمالية على المنطقة أن يتيح لها التقدم في اتجاه حقول النفط، والمكلا عاصمة حضرموت، وكذلك عدن، وأن السبب الرئيسي في نجاح القوات الشمالية في التقدم، في اتجاه شبوة من مأرب، هو عدم وقوف قبيلة العوالقة، التي ينتمي إليها، في وجه القوات الشمالية. وأوضح محسن بن فريد أن لأفراد القبيلة، التي تعد أكبر قبائل شبوة، وتضم حوالي 20 ألف مسلح، تجربة غير مشجعة مع الحزب الاشتراكي، في المرحلة الماضية، الأمر الذي دفع أفرادها إلى عدم مواجهة القوات الشمالية .

    وأشار إلى أنه، إثر اجتماعٍ مع الرئيس علي سالم البيض، اتفق على أن يتوجه إلى إحدى المناطق في شبوة، لوضع زعماء قبيلة العوالقة في صورة التطورات الجديدة، في جمهورية اليمن الديموقراطية، لدفعها إلى اتخاذ موقف مغاير، وزجها في القتال الدائر في المنطقة.

    وأضافت مصادر الجانبين، أن الموقف اتسم بحالة من "الركود الشديد"، في انتظار ظهور حل سياسي، بعد أن توقفت القوات الشمالية، على الجبهات الرئيسية في شمال لحج وأبين، وخرز. وصدت القوات الجنوبية كل الهجمات. ولكنها لم تستطع تصفية جيوب القوات الشمالية، التي تمركزت في مواقع على أراضيها منذ الوحدة.

    وقالت المصادر الجنوبية، إن الخسائر الشمالية، وطول خطوط الإمداد، أنهكت القوات الشمالية. إضافة إلى أن إعلان دولة الجنوب، لم يترك في يدها سلاحاً سياسياً. ومن ثم وصل الموقف، إلى حالة الركود الحالية. فلجأت إلى المناورة بالتراجع عن موقفها السابق، وطلبت وقف القتال والعودة إلى الحوار. في حين قالت المصادر الشمالية، إن موقفها يأتي إنطلاقاً من نقطة قوة، بعد أن استطاعت قواتها تحقيق ضغط يكفي للعودة إلى المفاوضات، من موقع أفضل .

    د.
    وفي صنعاء، صدر أمر عن النائب العام للجمهورية اليمنية ، قضى بتكليف جميع أعضاء النيابة العامة، وكل مأموري الضبط القضائي، وجميع أفراد القوات المسلحة، والأمن، اتخاذ إجراءات إلقاء القبض على ستة عشر عضواً من قيادات الحزب الاشتراكي اليمني ، وتقديمهم إلى الأجهزة الأمنية والقضائية، بتهمة "خرق دستور الجمهورية اليمنية، والاعتداء على حياة المواطنين، وعلى الممتلكات الخاصة، والعامة، وإصدار الأوامر خلافاً للقانون، وتنظيم التمرد والعصيان ضد النظام والقانون".


    4.
    سير أعمال القتال يومي 26، 27 مايو 1994

    أ.
    وسط حالة "اللاتقدم" و"اللاتراجع" التي وجد القادة اليمنيون، الشماليون والجنوبيون، أنفسهم فيها، بدأ الطرفان حملة دبلوماسية محمومة، قد تحدد نتيجتها مسار العمليات الحربية. فالقيادة الشمالية تبذل كل جهودها للحيلولة دون اعتراف المجتمع الدولي بـ "جمهورية اليمن الديموقراطية، التي أعلنت يوم الجمعة الماضي، بينما يحاول الجنوبيون تحويل التعاطف معهم إلى اعتراف رسمي. وفي إطار هذا الجهد أجرى الرئيس علي عبدالله صالح اتصالات هاتفية مع أكثر من 10 من رؤساء لدولٍ عربية وإسلامية، ملتمساً حجب الاعتراف. واتصل أيضاً بعدد من القوى الغربية، بما فيها الولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا، لحثها على عدم الاعتراف بالجنوب، مقابل موافقته على العمل من أجل "حل تفاوضي" .

    ومن ناحية أخرى، أمضى الزعيم الجنوبي علي سالم البيض ـ الذي اصبح رئيساً لمجلس رئاسة الجمهورية الجديدة ـ معظم الـ 48 ساعة الأخيرة على الهاتف، إلا أنه لم يطلب إلى الجهات التي اتصل بها الاعتراف بجمهوريته، ولكن طلب إليها، بدلاً من ذلك، بذل "مساعيها الحميدة" وصولاً إلى وقف إطلاق النار دون قيد أو شرط. وجدير بالذكر، أن موافقة الشمال على وقف إطلاق النار، قد تسهل على الجنوب تعزيز استقلاله، الذي أعلنه من جانب واحد. أما إذا واصل الشمال الحرب، فإن هذا أيضاً قد يشجع بعض الدول على الاعتراف بالجنوب، ومن ثم فرض أمر واقع لا مفر منه.

    هكذا، فإن قبول أي اتفاق لوقف إطلاق النار، هو إستراتيجية محفوفة بالمخاطر، لكل من الشمال والجنوب.

    ب.
    توقعت مصادر دبلوماسية، في واشنطن، أن تنتقل الجهود الدبلوماسية للأمم المتحدة، حيث يجري التحضير حالياً، لاجتماع مجلس الأمن.

    ووسط هذه الحرب الدبلوماسية، كانت العمليات العسكرية جارية على كل الجبهات. وحاولت صنعاء تحقيق تقدم على جبهة المحور الشرقي، نحو شمال حضرموت. وقالت مصادر عسكرية جنوبية إن القوات الجوية التابعة لها تواصل قصفاً مكثفاً للوحدات الشمالية، في الصحراء الممتدة بين محافظتي شبوة وحضرموت، التي تحاول التقدم في اتجاه المكلا. كما أنها تتعرض، في الوقت نفسه، لقتال استنزاف من قبائل المنطقة، التي يقودها أحمد فريد الصريمة، محافظة شبوة.

    وكان علي سالم البيض ـ الأمين العام للحزب الاشتراكي ورئيس اليمن الديموقراطية ـ قضى ليلة أول من أمس في عدن، ثم عاد إلى المكلا بمحافظة حضرموت، وأخذ ينتقل بين المدينتين لمتابعة جهود بناء أجهزة الدولة الجديدة، والإشراف على إدارة العمليات العسكرية.

    جـ.
    وأظهرت تقارير لمراسلي وكالة رويتر، أن القوات الشمالية تسيطر على مساحة كبيرة من الأرض، في المناطق الجبلية جنوب الحدود الشطرية السابقة. كما أنها تقدمت، في الصحراء الشرقية، على الطريق، نحو حقول النفط الرئيسية في الجنوب، في محاولة لتعزيز مكاسبها. ويلاحظ أن الجبهه الجنوبية الشرقية خلال يوم 26 مايو، خاصة في عتق، شهدت هدوءًا نسبياً مؤقتاً، في انتظار تعزيز القوات الحكومية لقدراتها وإمداداتها الإدارية، تمهيداً للتقدم نحو محافظة حضرموت.

    د.
    وفي صنعاء عتّمت وزارة الدفاع اليمنية خلال يومي 26، 27 مايو، على أنباء المعارك العسكرية، على جبهات القتال الدائر بين "القوات الحكومية والقوات الموالية للحزب الاشتراكي اليمني"، ولم يصدر عنها أي بيان عن سير المعارك، وآخر النتائج الميدانية، كما جرت العادة من قبل.

    لكن مصادر عسكرية، في غرفة العمليات الحربية، في وزارة الدفاع في صنعاء قالت، إن القوات الحكومية تعد حشوداً على محور القتال الجنوبي الغربي، ومحور أبين، استعداداً للتقدم في اتجاه الحاميات العسكرية في ضواحي مدينة عدن، التي تُحْشدُ فيها قوات مدعومة بالدبابات والمدفعية، وصواريخ أرض أرض، بإمرة العميد هيثم قاسم طاهر، وتضم قوات لم تشارك من قبل في المعارك الدائرة .

    وصّرحت المصادر، أن طلائع القوات الحكومية، اتجهت من محافظة شبوة إلى محافظة حضرموت، وأن القوات الحكومية وصلت إلى منطقة ميفعة، التي تبعد حوالي 140 كم، عن مدينة المكلا، عاصمة حضرموت، كما تبعد عن مدينة عتق حوالي 200 كم. وفي الوقت نفسه، تتجه قوات حكومية أخرى إلى مدينة سيئون، عاصمة وادي حضرموت، ووصلت هذه القوات إلى منطقة العبر، التي تبعد عن سيئون 200 كم.

    وفي تصريح للدكتور الإيرياني ، "أن القوات الحكومية لن تستطيع التقدم نحو عدن، قبل تطهير محافظة لحج تماماً، من القوات الاشتراكية". وأشار إلى أن القوات الحكومية أحاطت ببلدة الحوطة، وهي على بعد 50 كم من عدن، وتقدمت جنوباً نحو منطقة بستان الحسيني. وتواجه القوات الحكومية ـ فيما يبدو ـ مقاومة عنيفة في تلك المنطقة. وعزا الدكتور الإيرياني ذلك إلى "أن 90% من القوات الانفصالية، تتشكل من أبناء محافظات لحج والضالع ويافع". وأشار إلى أن الحل السياسي سيعطي فرصته قبل دخول القوات الحكومية إلى عدن.

    وذكر مصدر حكومي رفيع المستوى، أن المرحلة المقبلة من المعارك، ستشهد استخدام القوات الحكومية للطائرات الحربية، لضرب ميناء المكلا، ومطار الريان، "إذ ما زالت القوات الاشتراكية تتلقى كميات ضخمة من الأسلحة والدبابات والآليات عبرهما"، من أوكرانيا، وبلغاريا، وهنغاريا، وربما روسيا، حيث يقوم الحزب الاشتراكي بشرائها "عبر شركة مقرها في دبي". وقال المصدر "إنه بعد السيطرة على عتق في محافظة شبوة، فإن القوات الحكومية ستصبح قادرة على ضرب مواقع القوات الانفصالية، في حضرموت وغيرها .

    ولاحظ الذين يترددون على جبهة العند، وجود أسلحة جديدة ومعدات حديثة في المنطقة، التي تسيطر عليها القوات الجنوبية.

    هـ.
    وقال بيان رسمي، صدر عن القيادة العسكرية الجنوبية "إن سكان مدينة عدن الآمنة والهادئة، استيقظوا في الساعة الواحدة والنصف صباح يوم 26 مايو، على دوي ثلاثة صواريخ أرض ـ أرض، أطلقتها القوات الشمالية من جبال المقاطرة، على مسافة 90 كم من عدن، في وقت تتشدق فيه سلطة صنعاء المغامرة، برغبتها في الوصول إلى حل لوقف إطلاق النار". وأضاف البيان أنه أمكن تدمير صاروخين في الجو قبل وصولهما إلى أهدافهما، أحدهما فوق مدينة المنصورة شمالي عدن، والثاني فوق منطقة قريبة من الشيخ عثمان، أصابت شظاياه المتساقطة خمسة مواطنين وثلاث سيارات.

    وسقط الصاروخ الثالث في منطقة الملاح ـ قرب مطار عدن الذي كان يستهدفه ـ على مسافة كيلومتر واحد من هذا الهدف، ولكنه لم يؤد إلى أية خسائر، وإن تسبب، مع الصواريخ الأخرى، في حالة من الذعر بين أبناء عدن. وحمّل البيان حكومة صنعاء والرئيس صالح المسؤولية عما وصفه، بالتصعيد الخطير والجديد للحرب.

    و.
    أعلنت صنعاء أنها ستنشئ مراكز استقبال، على الجبهة حول عدن، لاستقبال أي جنود جنوبيين فارين، يريدون الانضمام إلى صفوفها. وكما أعلنت عفواً عن الجنود الجنوبيين. وقالت وزارة الدفاع، إن مراكز الاستقبال هي جزء من تلك الترتيبات. وجاء في بيان لوزارة الدفاع، بثته إذاعة صنعاء، أن على جميع الضباط والجنود على جبهة عدن، التوجه إلى المراكز القريبة منهم، ومن هناك سيتم نقلهم إلى المناطق العسكرية، التي سيخدمون فيها. ويسري القرار أيضاً على جبهة لحج شمال شرقي عدن . كما نفت صنعاء وجود مقاتلين من دول عربية، في صفوق القوات الشمالية.

    ز.
    أكد الجنوبيون أنهم استعادوا المبادأة العسكرية، على الجبهة الشمالية، في 27 مايو1994. وجاء في بيان عسكري صدر في عدن، أن "الضربات الساحقة التي أنزلتها القوات الجوية، والمدفعية الجنوبية، بقوات الشمال، مكنت الجنوبيين اليوم من استعادة السيطرة الكاملة على محور العند ـ الكرش ـ الراهدة". وصرح العقيد سيف جبران أحمد، الذي يتولى قيادة موقع قرب قاعدة العند "إن القوات الشمالية لا تستطيع التقدم، ونحن من جانبنا لا ينقصنا شيئ". وأفاد البيان العسكري الجنوبي أن القوات الشمالية العاملة في هذا القطاع "لاذت بالفرار بعد أن منيت بخسائر فادحة، وخلفت وراءها عشرات القتلى والجرحى". وأضاف البيان أن ست دبابات، وثلاث عربات مدرعة، وثلاث عربات مزودة بقاذفات صواريخ شمالية، دمرت خلال العمليات، مشيراً إلى مقتل اثنين وإصابة ثلاثة في صفوف القوات الجنوبية. وأكد البيان أن طائرة عمودية شمالية أسقطت فوق محافظة أبين، شرقي عدن، وأن الطيران والبحرية الجنوبيين، "كثفا قصفهما للوحدات الشمالية، التي تكبدت خسائر جسيمة في الرجال والعتاد". ومن جهة أخرى، نقل تلفزيون عدن، عن العميد الجنوبي عمر العطاس، أن القوات الجنوبية تواصل مقاومة الوحدات الشمالية التي نجحت في السيطرة على أراضىٍ في محافظة شبوة الجنوبية .

    ح.
    وفي عدن، اتهم العميد الركن هيثم قاسم طاهر، وزير الدفاع في "جمهورية اليمن الديموقراطية"، القوات الشمالية باستخدام أسلحة كيماوية في القتال الدائر، في محافظة شبوة.

    وقال العميد طاهر، في تصريحات إلى صحيفة "الحياة"، أن استعمال القوات الشمالية للأسلحة المحرمة دولياً "جاء بعد التصدي البطولي، الذي نفذته القوات الجنوبية في اليومين الماضيين، في محافظة شبوة، وعدد من جبهات القتال". وأشار إلى أن لجوء القوات الشمالية إلى استخدام السلاح الكيماوي، "جاء بعد فشل الرئيس علي عبدالله صالح في تحقيق النصر، الذي وعد به رجاله، بسبب الدفاع المستميت للقوات الجنوبية".

    وأكد أن وضع القوات الجنوبية في جبهات القتال الثلاث (شمالاً وشرقاً وغرباً)، قد تحسن خلال اليومين الماضيين" لا سيما بعد أن أعادت قيادة القوات المسلحة النظر في تكتيكاتها القتالية، وترتيب وضع معداتها العسكرية، "بهدف تأمين دفاعات حصينة ليس حول مدينة عدن فقط، بل حول المحافظات الجنوبية والشرقية كذلك" .







    5. سير أعمال القتال أيام 28، 29، 30، 31، مايو 1994

    أ. في يوم 28 مايو

    واصلت الطائرات المقاتلة الجنوبية، قصف مواقع القوات الشمالية في قاعدة العند. وقال مراقبون إنها لم تتمكن، حتى الآن، من إخراجها من القاعدة. وفي الوقت الذي يتمسك فيه قادة صنعاء، بأنهم يسيطرون على القاعدة تماماً، ينفي الجنوبيون ذلك. وقد تمكن كل من الطرفين من إثبات صحة ما يقول، بنقل مراسلين صحافيين إلى هناك، والتقاط صور بثتها وكالات الأنباء، إلى مختلف أنحاء العالم.

    وأوضح استطلاع أجرته "الشرق الأوسط"، مع مصادر متعددة من طرفي الحرب اليمنية، أن القوات الشمالية تمكنت من اقتحام الجزء الشمالي من القاعدة، الذي يضم المعسكر القديم، ولكنها لم تستطع التقدم جنوباً إلى الأجزاء الجنوبية منها، التي تضم القاعدة الجوية المعروفة باسم "قاعدة بكيل ـ 28"، وقيادة المحور الجنوبي.

    ويمكن تفسير وجود قوات للطرفين في القاعدة، بأن مساحتها تقدر بنحو 60 كيلومتراً مربعاً، فطولها حوالي 10 كيلومترات، وعرضها يزيد على 5 كيلومترات، ويرجع تمسك كل من الطرفين بموقعه في القاعدة إلى أهميتها الاستراتيجية، لأن الخبراء العسكريين يعتبرونها مفتاح الطريق إلى عدن، بينما يعتبرها الجنوبيون الركيزة الأساسية لدفاعاتهم عن عاصمة دولتهم المعلنة الحديثة، ويحاول كل منهما الاستفادة من مواقعه الحالية، في دعم جهود الحشد المعنوي لقواته .

    وشاهد صحافيون أجانب، زاروا العند أول من أمس، القصف الجنوبي على مواقع القوات الشمالية في القطاع، الذي تتمركز فيه. وقد خيمت على المكان رائحة الجثث المتحللة، وكان حطام طائرة عمودية جنوبية، قرب البوابة الشمالية للقاعدة، وبجوارها جثتا قائديها، منذ سقوطها قبل 12 يوماً.

    وقالت مصادر عسكرية جنوبية من عدن، إن المعارك، التي تدور على محور العند ـ كرش تستهدف قطع خطوط إمداد القوات الشمالية، الموجودة داخل القاعدة. وأضافت، أن تقدم القوات نحو قرى منطقة المسيمير، وتوجهها من كرش نحو الشريحة، سيساعد على تحقيق هذا الهدف. ولاحظ المراقبون، أن تأكيدات صنعاء بهدوء القتال، على جميع الجبهات، يعكس عجزها عن تحقيق أي تقدم نحو الجنوب، خلال الأيام الأخيرة. وقالت الأنباء أن أكثر من 3 آلاف مقاتل من شبوة، وصلوا إلى عدن، ويجري حالياً إعادة تجميعهم وتوزيعهم من المكلا إلى ميفعة باتجاه مدينة عتق . ويتوقع أن تشهد الأيام المقبلة معركة قاسية، لاسترداد بعض المواقع، التي خسرتها القوات الجنوبية في شبوة.

    وفي عدن، كشف وزير الدفاع الجنوبي، العميد الركن هيثم قاسم طاهر، أن "عدداً من عناصر تنظيم الجهاد الإسلامي الإرهابي، شاركت بفعالية في الحرب، ضد المحافظات الجنوبية، الواقعة في إطار جمهورية اليمن الديموقراطية". وقال الوزير الجنوبي إن "عبدالمجيد الزنداني (عضو مجلس الرئاسة الشمالي وأحد قياديي حزب التجمع اليمني للإصلاح)، أمر بنقل جماعات الجهاد، التي عادت من أفغانستان وعسكرت في محافظات مأرب، وشبوة، وصعدة، والجوف، إلى محافظة أبين (50 كم شرق عدن)، وأكد أنه وصل فعلاً إلى أبين زهاء 1500 من هذه العناصر، شاركوا في القتال إلى جانب لواء العمالقة الشمالي .

    وقال هيثم لـ "الحياة" إن "الوضع العسكري حتى مساء الجمعة (27 مايو 1994)، طيب جداً بالنسبة إلى القوات الجنوبية، التابعة لجمهورية اليمن الديموقراطية، وهناك تقدم ملحوظ في جبهات العند شمال عدن، وأبين شرق عدن. واعترف بأن "القوات الجنوبية واجهت أول من أمس هجوماً شرساً في جبهة أبين، حيث نُصِبَ مكمن للقوات الجنوبية، عند مدخل مدينة زنجبار، عاصمة أبين، راح ضحيته أكثر من 20 جندياً جنوبياً" مؤكداً أن "القوات الجنوبية، وبعد أكثر من عشرين يوماً من القتال، في جبهة أبين القريبة من عدن، تواجه صعوبة في دخول زنجبار، بسبب الكثافة السكانية فيها، وتحوّل سكانها دروعاً بشرية للقوات الشمالية". وعن الوضع في جبهة قاعدة العند شمال عدن، أوضح الوزير الجنوبي أن "المعارك تدور الآن عند نقطة جول مدرم، وهي قريبة من قاعدة العند، التي ما زال جزء منها تحت سيطرة القوات الشمالية" .

    ب. الأعمال القتالية في29 مايو 1994

    (1)
    أعلنت صنعاء عن إسقاط أربع طائرات جنوبية، وتوجيه ضربات مباشرة إلى مطار عدن، إضافة إلى إغراق أربع سفن، في عمليات عسكرية في اليومين الماضيين. وقال المتحدث العسكري إن طائرتين اسقطتا فوق محور عدن، وأن الطيارين أسرا، كما أُسقطت طائرتان فوق أبين في 28 مايو 1994 .

    (2)
    استمر الوضع العسكري في اليمن، أكثر ميلاً إلى الجمود، على الرغم من، أن الجبهات المحيطة بعدن لم تهدأ. وتعددت الاتصالات السياسية في أكثر من اتجاه. وفي عدن، سجلت أمس عودة الطيران الحربي الشمالي، إلى الأجواء للمرة الأولى منذ أسابيع.

    ويبدو أن الضغوط السياسية على صنعاء لوقف اطلاق النار، بدأت تعطي ثمارها في العاصمة اليمنية، أذ بدأ المسؤولون فيها يتكلمون عن "عدم وجود مانع لوقف إطلاق النار، لكن على أسس تضمن عدم انفجار المعارك مستقبلاً".

    وقد انشغلت القيادة السياسية في صنعاء أمس، بمتابعة الجهود السياسية المبذولة محلياً، وعربياً، ودولياً، لوقف اطلاق النار، وللبحث عن حل سياسي للأزمة .

    (3)
    وأظهرت جولة صحافيين على الجبهات، أن توقفاً للقتال غير معلن، يسود كما يبدو، مع احتفاظ كل جانب بمواقعه. ولم ترد أنباء عن الوضع على الجبهات الأخرى، في المحافظات الشرقية في الجنوب ، لكن مسؤولاً شمالياً أبلغ مراسلاً لـ "رويتر" في صنعاء، أن الجبهات هادئة في الوقت، الذي تجري فيه اتصالات سياسية، مع ساسة جنوبيين .

    (4)
    استيقظت عدن صباح التاسع والعشرين من مايو، على دوي نيران مكثفة، أطلقتها الدفاعات الجوية للقوات الجنوبية، لاسقاط صاروخين شماليين من نوع أس. أس. 21 (SS-21)، كانا يستهدفان مطار عدن الدولي، والمحطة الكهروحرارية .

    وتقول مصادر في قيادة العمليات الحربية الجنوبية، إن الدفاعات الأرضية في عدن، تمكنت من تدمير الصاروخين في الجو، قبل سقوطهما على مناطق سكنية. وقد تسبب تناثر الشظايا، وسقوطها على منطقة الشيخ عثمان، في مقتل مواطن، وإصابة خمسة آخرين بجروح خطيرة.

    (5)
    توعد العميد هيثم طاهر بسحق القوات الشمالية، إذا حاولت الاستيلاء على عدن، أو محافظة حضرموت النفطية. وقال إن القوات الجنوبية، أطلقت صاروخين تكتيكيين من نوع أس.أيه.أم (S.A.M).، على أهداف شمالية تكتيكية. وأفاد مصدر عسكري يمني شمالي، أن الصاروخ الأول سقط في منطقة مضر الجبلية، على مسافة 20كيلومتراً إلى الغرب من صنعاء، والثاني في إحدى الضواحي الغربية للعاصمة اليمنية، لكنه لم ينفجر. وصرح المسؤول الإعلامي في الجامعة العربية، طلعت حامد، إلى صحيفة "اليوم" السعودية، أن معارك اليمن أوقعت "أكثر من 50 ألف قتيل في صفوف الطرفين"، وأن الأضرار المادية تقدر "بأكثر من عشرة مليارات دولار" .


    جـ. الأعمال القتالية في 30 مايو 1994

    (1)
    في انتظار المواجهة السياسية في مجلس الأمن، حاولت القوات اليمنية الشمالية والجنوبية، المواجهتين لبعضهما، على الطرق المؤدية إلى عدن، التمسك بمواقعها. واقتصرت العمليات العسكرية على التراشق بالصواريخ. وشاهد مراسل لوكالة "رويتر"، صواريخ كاتيوشا (Katyusha)، وقذائف مدفعية، تنفجر داخل قاعدة العند العسكرية.

    (2)
    شهدت الحرب اليمنية تطورات ميدانية، أنهت الهدنة غير المعلنة، التي فرضها إعلان الجنوبيين قيام "جمهورية اليمن الديموقراطية". ونقلت وكالة الأنباء اليمنية "سبأ"، عن الرئيس اليمني، علي عبدالله صالح، أثناء زيارته لمعسكر "طارق بن زياد" الشمالي، الذي لم تحدد موقعه، أن قواته "تخوض الآن المعركة النهائية، والفاصلة، مع عصابة الردة الانفصالية ومن يقف وراءها". وقال مخاطباً الضباط والجنود "أتيت إليكم أزف بشرى النصر، وأشد على أيديكم، وأيدي رفاقكم، الذين يسطّرون ملاحم العزة، والانتصار، لإرادة الشعب اليمني في الوحدة والديموقراطية". وأضاف "إن مقاتلينا يتقدمون بخطى ثابتة، صوب أخر المعاقل والأوكار، للعصابة الانفصالية في عدن الباسلة، لتطهيرها من رجسهم، كما أن قواتكم الباسلة، تتجه الآن إلى حضرموت، لتصفية بقية العصابة، وعلى رأسهم المجرم الخائن علي سالم البيض .


    د. الأعمال القتالية في 31 مايو 1994

    استأنفت القوات الشمالية، تقدمها باتجاه عدن، حيث أكدت صنعاء، أن قواتها ضربت حصاراً دائرياً على المدينة، وأنها باتت على بعد عشرين كيلومتراً منها.

    وأعلن مصدر عسكري في صنعاء، أن القوات الشمالية تمكنت من احتلال مركز الوهط، على بعد عشرين كيلومتراً شمال عدن، والذي يقع بين مصادر المياه العذبة، التي تزود عدن بمياه الشرب. وتقع الوهط في محافظة لحج، جنوبي مدينة الحوطة.

    وأعلن نائب رئيس الوزراء (الشمالي) عبدالقادر باجمال، في مؤتمر صحافي، إن عدن باتت في مرمى مدفعية القوات الشمالية.

    وأشار إلى أن "القوات الشمالية، أوقعت خسائر كبيرة في مطار عدن، بشكل منع الطيران الجنوبي من استخدامه .

    وقد أكد متحدث عسكري جنوبي في عدن، أن القوات الشمالية فتحت جبهة جديدة شمال غربي عدن، حيث "تدور معارك ضارية". بعد أن حشد الشماليون قواتهم في هذه الجبهة، واستخدموا القصف المدفعي، والصاروخي العشوائي، على قرى المواطنين ومنازلهم، والمدارس، والمرافق الحكومية"، في منطقة طور الباحة. وأشار إلى أن "القوات الجنوبية، تصدت بالتعاون مع المواطنين، لهذه الهجمات"، وأن سلاح الجو الجنوبي، "شارك بفعالية في هذه المعارك، وأنزل بالقوات المعتدية ضربات ساحقة، كما كبدتها القوات البرية خسائر فادحة في الأرواح والمعدات". وقال إن القوات الشمالية، حاولت تجربة حظها في هذه الجبهة الجديدة، بعد أن منيت بهزائم نكراء في الجبهات الأخرى، وبالذات في جبهة الكرش-العند، وجبهة أبين، وجبهة باب المندب ـ خرز .






    القسم الثالث: تطورات الموقف السياسي
    خلال الفترة من 24 مايو إلى 31 مايو

    1.
    أخذت المواقف الدولية إزاء إعلان الانفصال من جانب القيادة الجنوبية، خمس أشكال مختلفة كالآتي:

    أ.
    التزمت الـ 185 دولة، الأعضاء في الأمم المتحدة، الصمت. فاليمن من وجهة نظرهم، ليس قوة رئيسية على الساحة الدولية، وتستطيع معظم دول العالم تجاهل ما يجري فيها. إلاّ أن الموقف الأمريكي، كرر الدعوة إلى وقف القتال فوراً، واستئناف الحوار السياسي، وأكد أنه لا يوجد حل عسكري للأزمة، كما يجب ألاّ يقرر مستقبل اليمن أثناء احتدام المعارك.

    ب.
    انحياز العراق والأردن، إلى الشمال:
    أدان العراق بشدة، إعلان زعيم الحزب الاشتراكي اليمني، السيد علي سالم البيض "جمهورية اليمن الديموقراطية". وأفادت وكالة الأنباء العراقية، أن الرئيس العراقي صدام حسين، بعث برسالة إلى علي عبدالله صالح، بمناسبة الذكرى الرابعة للوحدة اليمنية، التي صادفت أول من أمس، "تمنى فيها لمجلس الرئاسة اليمني، النجاح في حماية وحدة اليمن، والحفاظ على أمنه وسلامته والتغلب على الصعوبات". ونقلت الوكالة عن وزير الخارجية العراقي، السيد محمد سعيد الصحاف، أن "العراق يؤكد تأييده التام وحدة اليمن الشقيق أرضاً وشعباً، ويؤيد السلطة الشرعية والدستورية، بزعامة الرئيس علي عبدالله صالح". وأضاف الصحاف: أن العراق "تدين بشدة العمل الانفصالي البغيض، الذي اقدم عليه البيض ومجموعته" .

    جـ.
    أعربت دول عديدة، منها ليبيا، وإيران، والسودان، عن أسفها لما حدث، لكنها لم تستنكر المبادرة الانفصالية الجنوبية، وعلى الرغم من انحياز هذه الدول إلى جانب الشمال، نوعاً ما، فإنها ليست مستعدة، على ما يبدو، لتحمل مجازفات نيابة عنه.

    ففي يوم 24، أعربت إيران عن أسفها لتقسيم اليمن، وأعربت عن أملها أن يتبع المسؤولون حلولاً سياسية، لإنقاذ المكاسب التي حققتها بلدهم .

    د.
    أعلنت بضع دول رئيسية، منها مصر، أنها لا تعتزم الاعتراف بالجنوب. إلاّ أنها لم تستبعد هذا الاعتراف تماماً، وتركز هذه الدول اهتمامها حالياً على مطلب "وقف إطلاق النار فوراً، ودون قيد أو شرط"، الذي رفضه الشمال حتى الآن، إلاّ أن دول هذه الفئة، قد تعيد النظر في سياستها الحالية، إذا ما استمرت الحرب .

    وفي القاهرة، قال وزير الخارجية السيد عمرو موسى، إن الوحدة اليمنية تمت بمنطق معين منذ أربع سنوات، واستمرار الحرب لا يمكن أن يكرسها، مؤكداً في مؤتمر صحفي عقده ظهر أمس، أن بلاده لن تقف متفرجة إزاء ما يحدث في اليمن، والاتصالات مستمرة مع مختلف المسؤولين اليمنيين، في الشمال والجنوب، لوقف إطلاق النار، ورفض الاشتباكات، ومحاولة بناء حوار. ووصف موسى الوضع الحالي في اليمن، بأنه "مأسوي ومشين"، وأدان استخدام السلاح لفرض الوحدة، مشيراً إلى أن الوحدة هدف قومي، إلا أن تنفيذها لا يتم بالقوة وعلى شلالات دماء .

    وفي الرباط، وفي أول رد فعل علني على المعارك المحتدمة في اليمن، أعرب الحسن الثاني، عن أمله في إعادة توحيد "صفوف الشعب اليمني الشقيق، كي يستطيع مواصلة مسيرته الحضارية، وإنجاز عمله الدؤوب لما فيه خيره، وخير الأمة العربية والإسلامية، التي يجب أن تحتل المكانة، التي تستحقها بين الأمم" .

    هـ.
    اعترفت جمهورية أرض الصومال الانفصالية بدولة اليمن الجنوبي، إلاّ أن اعترافها يمكن تجاهله لكونه عديم الأهمية .

    و.
    كما اعترفت دولة الإمارات العربية المتحدة، بصورة ضمنية، بالجنوب دولة مستقلة، إلاّ أن هذا الاعتراف الضمني، لم يتم عبر القنوات الدبلوماسية المتعارف عليها، بل ركزت دولة الإمارات اهتمامها علي حقيقة، أن علي عبدالله صالح، وعلي سالم البيض، لاعبان رئيسيان في اللعبة اليمنية، ويجب، معاملتهما بالتساوي .

    ولمّا كانت دولة الإمارات، إحدى دول مجلس التعاون الخليجي، الذي بين دوله اتفاقات رسمية، بشأن تنسيق سياساتها العربية والخارجية، فإن موقفها ربما يعكس أيضاً، مشاعر بقية دول المجلس تجاه القضية.

    وجاء اعتراف دولة الإمارات، في سياق مكالمة هاتفية بين الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة، والسيد علي سالم البيض، الذي وصفته "وكالة أنباء الإمارات" الرسمية بـ "فخامة الرئيس"، في إشارة واضحة إلى أنه رئيس جمهورية اليمن الديموقراطية الجديدة.

    ولفت المراقبون النظر، إلى أن عبارة "فخامة الرئيس علي سالم البيض"، تكررت ثلاث مرات في البيان، الذي بثته الوكالة الرسمية، عن الاتصال الذي جرى بين الشيخ زايد والبيض.

    وتقول مصادر سياسية، إن البيض، الذي أعلن قيام جمهورية اليمن الديموقراطية، أطلع الشيخ زايد على هذه الخطوة، قبل إعلانها في 21 (آيار) مايو 1994، الجاري.

    وأشار المراقبون، إلى أن دولة الإمارات العربية المتحدة، لم تصدر بياناً رسمياً، تعترف فيه بجمهورية اليمن الديموقراطية، وعاصمتها عدن. ولكن هذه الخطوة باتت مسألة وقت، بعدما بدأت أبو ظبي تتعامل مع البيض، باعتباره رئيساً للجمهورية، إذ كانت تطلق عليه في إطار دولة الوحدة "سابقا"، صفة نائب الرئيس اليمني.

    وكانت أبو ظبي قد أعطت إشارات قوية، منذ أكثر من عشرة أيام، إلى توجهها الجديد بانتقادها المباشر، وبالاسم، الرئيس علي عبدالله صالح. فقد حَمَّلَتْه مسؤولية استمرار القتال، وعدم الاستجابة لنداءات الشيخ زايد، والقادة العرب الآخرين، لوقف الحرب، وتحكيم العقل والحوار .

    وقد أرسل الرئيس علي عبدالله صالح، الشيخ عبدالله بن حسين الأحمر، رئيس مجلس النواب اليمني، ورئيس التجمع اليمني للاصلاح، وشيخ قبائل حاشد، إلى أبو ظبي، في محاولة لاحتواء توجه دولة الإمارات العربية المتحدة، للاعتراف الرسمي بجمهورية اليمن الديموقراطية. وقالت مصادر دبلوماسية في أبوظبي أن فشل لقاء الشيخ عبدالله الأحمر مع الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، قد يسرع بخطوات اعتراف رسمي بالدولة الجنوبية في اليمن، وأن زيارة الأحمر كانت هي "الورقة الأخيرة من جانب صنعاء، لترطيب أجواء العلاقات مع أبوظبي، التي أعلنت صراحة مسؤولية علي عبدالله صالح، عن استمرار القتال".

    وأشار المراقبون الدبلوماسيون، إلى أن "ما فشل فيه الأحمر، الذي يتمتع بعلاقة شخصية قوية مع الشيخ زايد، ويمثل ثقلاً في المنطقة، لا يمكن أن ينجح فيه شخص أخر". وقد عكست تصريحات الأحمر ـ عقب اللقاء ـ ضيقه الشديد من إطلاق صفة "الرئيس"، على علي سالم البيض، فقال "هذه كلمة كبيرة جداً في حق اليمن". وعلى الرغم من انتقاده الضمني للإمارات، قال الشيخ عبدالله في مؤتمره الصحافي، "لا أعتقد أن أي دولة عربية أو صديقة، ستقدم على الاعتراف بقرار الانفصال".

    وأكد الشيخ الأحمر، أن الحسم العسكري "هو الخيار الأخير للمحافظة على وحدة اليمن". وقال إن "اليمن لا يرفض الوساطة من أجل وقف الحرب، شريطة أن تتم في إطار الشرعية". ونفي ما تردد عن احتمال عقد لقاء بين الرئيس علي عبدالله صالح، والزعيم الجنوبي علي سالم البيض، وقال "لا يصح أن يتم لقاء بين الرئيس ومتمرد" .

    ورفض الأحمر تدخل مجلس الأمن في الصراع اليمني، وقال "ما دخل مجلس الأمن في قضية داخلية". وكانت مصادر صنعاء، تعلق أمالاً كبيرة على زيارة الأحمر لأبو ظبي، في تحييد دور الإمارات، إذا لم يتسن كسب موقفها إلى جانب صنعاء، لعرقلة الاعتراف الدولي باليمن الديموقراطية.

    ز.
    أعلن مصدر رسمي في الجزائر، أن الرئيس الأمين زروال، دعا إلى وقف إطلاق النار في اليمن، خلال اتصال هاتفي أجراه بالرئيس اليمني علي عبدالله صالح.

    ودعا زروال، باسم اتحاد المغرب العربي (الجزائر وتونس والمغرب وليبيا وموريتانيا)،الذي ترأسه الجزائر، إلى "وقف النار بين أبناء اليمن، حفاظاً على وحدة هذا البلد الشقيق" .


    2.
    وفي حديث إلى وكالة رويتر، صرح وزير التخطيط اليمني السيد عبدالكريم الإيرياني، أنه لا يتوقع "أي تدخل أجنبي، في القتال الدائر في اليمن، لكنه أكد أن طائرات من نوع توبولوف (Tupolev)، من أوروبا الشرقية، تحمل كل منها دبابتين. تهبط في مطار الريان في المنطقة الشرقية، التي تسيطر عليها القوات الجنوبية اليمنية، وأضاف أن سفينة حربية تحمل قطع مدفعية، ومعدات عسكرية، للجنوبيين، ترسو قبالة ميناء المكلا، عاصمة محافظة حضرموت.

    وينظر اليمنيون الشماليون، بعين الشك إلى بريطانيا، التي كانت حتى عام 1967، تحكم عدن، وبقية مناطق اليمن الجنوبي، من خلال اتفاقات حماية.

    ومن النظريات التآمرية، التي تتردد، أن لندن تخطط لتوطين عشرات الآلاف من الصينيين من هونج كونج في عدن، وإحياء الوضع الذي كانت المدينة تحظى به قبل الاستقلال، كميناء دولي ومركز تجاري .

    3.
    وأفاد مصدر دبلوماسي مصري من القاهرة، أن الولايات المتحدة الأمريكية، بدأت اتصالات مع جمهورية مصر العربية، والمملكة العربية السعودية، والإمارات العربية المتحدة، في مساعٍ لوقف إطلاق النار، وإقامة حوار بين طرفي النزاع في اليمن. وأضاف أن هذه "الدول العربية الثلاث، قادرة على تأمين حوار غير مباشر بين اليمنيين الشماليين والجنوبيين، وأنها قامت بمساعي وساطة، منذ بداية الأزمة في اليمن".

    وذكر أن هذه الوساطة تهدف إلى "المحافظة على وحدة اليمن، دون استخدام القوة"، وألمح إلى أن الدول المعنية بهذه الوساطة، ستطلب من الشماليين الموافقة على وقف إطلاق النار، مقابل إلغاء الجنوبيين إعلان استقلالهم من جانب واحد. واعتبر المصدر أنه "من الممكن التوصل إلى وقف إطلاق النار".

    كما بعث خادم الحرمين الشريفين، الملك فهد بن عبدالعزيز، برسالة إلى الرئيس المصري، محمد حسني مبارك، نقلها سمو الأمير سعود الفيصل، وزير الخارجية السعودي، وذلك في إطار المشاورات المستمرة بين الزعيمين العربيين. وقال سمو الأمير سعود الفيصل عقب لقائه مع الرئيس المصري، محمد حسني مبارك، في القاهرة "ناقشنا كل أمور المنطقة العربية، وبطبيعة الحال منها اليمن".

    4.
    تتواصل المواجهات في سفارات اليمن في الخارج، بين السفراء وباقي أعضاء البعثة، بعد الإجراءات، التي اتخذتها صنعاء، بإبعاد السفراء الجنوبيين وتعيين شماليين مكانهم. فقدصدرت قرارات بتغيير ثلاثة سفراء جنوبيين، هم سفراء فرنسا، ودمشق، والقاهرة .

    وفي جيبوتي منع ثلاثة مسلحين، السفير اليمني، عبده قاسم ناجي (جنوبي)، من دخول مكتبه لممارسة مهامه. بينما سمحوا لبقية أعضاء السفارة بأداء عملهم بشكل طبيعي.

    وأتهم السفير مسؤولاً سابقاً في جهاز أمن السفارة، بأنه يقود المسلحين الذين حضروا خصيصاً من صنعاء. وندد قاسم بهذا الإجراء الذي وصفه بأنه ينتهك الاتفاقات الدولية، والقواعد البروتوكولية.

    وفي القاهرة أغلق السفير اليمني، عبدالجليل الغيلان "جنوبي" مقر السفارة، وبرر قراره بالحرص على عدم حدوث احتكاكات بين الدبلوماسيين، والطلاب الوافدين على السفارة من الشماليين والجنوبيين، مما قد يسبب مشاكل مع الحكومة المصرية. وجاء قرار السفير بعد صدور قرار من سالم باسندوه بإعفائه من منصبه، واستدعائه إلى صنعاء .

    5.
    وقالت مصادر مطلعة في صنعاء، إن قرار الرئيس اليمني علي عبدالله صالح، تعيين ثلاثة أعضاء جدد في الحكومة ـ بدلاً من وزراء ينتمون للحزب الاشتراكي ـ وهم عبد القادر باجمال، نائباً لرئيس الوزراء، بدلاً من محمد حيدر مسدوس، وفيصل عثمان بن شملان، وزيراً للنفط والثروة المعدنية، بدلاً من صالح أبو بكر بن حسينون، واحمد مساعد حسين، وزيراً للنقل، بدلاً من صالح عبيد أحمد. إضافة إلى قرار تعيين محافظين جديدين، لمحافظتي لحج وشبوة، جاءا ليؤكدا مضي صنعاء قدماً، في إحكام سيطرتها على الحكومة المركزية، ومحافظات أبين وشبوة ولحج (الجنوبية)، بعيداً عن نفوذ قيادات الحزب الاشتراكي. والمحافظون الجدد هم: أحمد علي محسن محافظاً لشبوة، في المنصب الذي كان يشغله درهم نعمان، ومنافساً لأحمد بن فريد الصريمة العولقي، الذي عينه علي سالم البيض في بداية الأسبوع الماضي، وعبدالله عوض با مطرف، محافظاً للحج، خلفاً لصالح الأعجم.

    6.
    تسلمت الأمانة العامة للجامعة العربية، طلباً من علي سالم البيض بانضمام جمهورية اليمن الديموقراطية إلى الجامعة العربية، كدولة مستقلة، بعد أن اتصل مسؤول يمني جنوبي هاتفياً بمسؤولي الأمانة العامة للجامعة في منازلهم، وطلب منهم تكليف موظف بالجامعة، بتسلم المذكرة، التي حالت عطلة عيد الأضحى المبارك، دون ترتيب أية إجراءات رسمية بشأنها.

    بينما أفادت مصادر يمنية جنوبية، أن خطوة تعيين سفير لجمهورية اليمن الديموقراطية في القاهرة، أو مندوب دائم لها في الجامعة العربية، ستأتي بعد الاعترافات العربية والدولية، بالدولة الجديدة.

    7.
    ناشد أبناء جنوب اليمن، المقيمون في دول مجلس التعاون الخليجي، الدكتور بطرس غالي، الأمين العام للأمم المتحدة، بذل أقصى الجهود لتحقيق اجتماع دولي، فوري حاسم، لإيقاف الحرب الوحشية في اليمن.

    8.
    وعلى صعيد محاولات الحل السلمي، قالت المصادر، إن هناك ثلاثة خطوط متوازية للجهود الدبلوماسية: الأول تضطلع به شخصيات يمنية، والثاني تقوده مصر، بتأيد عدد من الدول العربية، وبدعم من الولايات المتحدة الأمريكية، أما الخط الثالث فيعتمد على جهود الأمم المتحدة، عند عرض القضية اليمنية أمام مجلس الأمن، إذا ما أصدر المجلس قراراً ملزماً بالوقُف الفوري لإطلاق النار، وقرر فرض عقوبات على الطرف، الذي يرفض التنفيذ.

    وظلت القيادة الشمالية في صنعاء، تبذل جهدها، لإبعاد القضية عن قاعة اجتماعات مجلس الأمن، لتفادي وضع حل للازمة بالاساليب الدبلوماسية، وإن كانت تتعرض لضغوط كبيرة من شركات النفط الأجنبية، التي تلوح بتجميد عملها، إذا لم يتحقق وقف فوري لإطلاق النار.

    9.
    وفي تطور مفاجئ، نسبت مصادر يمنية مطلعة بالقاهرة، إلى وزير الخارجية اليمني، محمد سالم باسندوه، أنه اتصل مع عضو مجلس الرئاسة اليمني سالم صالح (جنوبي) في لندن، وعرض عليه إبلاغ الرئيس الجنوبي علي سالم البيض، عرضاً بضرورة وقف القتال، وعقد لقاء بين وفدين يمثلان الطرفين في لندن، أو باريس، لتكون هذه الخطوة في إطار المشروع الوحدوي، ولكن بشرط تراجع علي سالم البيض، عن قرار إعلان جمهورية اليمن الديموقراطية.

    وأعلنت مصادر يمنية، أن الشمال شكل لجنة تضم كل من الدكتور عبدالكريم الأيرياني، وزير التخطيط، وعبد الوهاب الأنسى، نائب رئيس الوزراء، ويحيى المتوكل، وزير الداخلية. وكشف الدكتور الإيرياني، أن هناك اتصالات مع قيادات "وحدوية ومعتدلة" في الحزب الاشتراكي اليمني، منها السيد سالم صالح محمد، الأمين العام المساعد للحزب الاشتراكي، وعضو مجلس الرئاسة في صنعاء، وعدن، والدكتور ياسين سعيد نعمان، رئيس هيئة سكرتارية الحزب، ومحمد سلمان، عضو اللجنة المركزية، ووزير الإسكان اليمني السابق. كما أن هناك اتصال مع طرف ثالث، يتوسط في الأزمة، ممثلاً بالعميد مجاهد أبو شوارب، نائب رئيس الوزراء اليمني، (الموجود حالياً في باريس)، والدكتور عبدالملك المخلافي، الأمين العام للحزب الناصري الوحدوي.

    ورحب الدكتور الإيرياني بالحوار مع "القيادات الوحدوية المعتدلة في الحزب الاشتراكي"، على أساس شرطين رئيسيين، هما أن تجري في إطار وحدوي، وفي ظل الاعتراف بالشرعية الدستورية.

    10.
    ولم تستبعد مصادر واشنطن، إن تنتقل الجهود الدبلوماسية إلى الأمم المتحدة، "إذ يجري التحضير لاجتماع لمجلس الأمن، بهدف العمل من أجل وقف النار، ومنع إرسال الأسلحة إلى الجانبين". وقالت هذه المصادر أن تحرك المجلس قد يتم على أساس أن استمرار الحرب في اليمن، يهدد الأمن، والسلام، إقليمياً، ودولياً. وفهم أيضاً، أن جهوداً تبذل حالياً نحو تحرك أمريكي، يهدف إلى منع الأطراف الخارجية، من لعب دور، سواء الاعتراف بالانفصال، أو بأمور أخرى، لأنّ ذلك قد يزيد، من تعقيد الأمور وتصعيدها.

    وفي نيويورك، أجرى سمو الأمير بندر بن سلطان، سفير المملكة العربية السعودية في واشنطن، اتصالاً بسفراء الدول الأعضاء في مجلس الأمن، خصوصاً الدول ذات العضوية الدائمة، بهدف تحريك المجلس لإيجاد حل سلمي للأزمة اليمنية، ينطلق من اتفاق على وقف النار، ووساطة دولية.

    وعُلِمّ أن الولايات المتحدة الأمريكية، أعدت مشروع بيان لرئيس مجلس الأمن، يتضمن في بدايته دعوة إلى وقف النار، وتأكيد "ضرورة عدم فرض تسوية للأزمة بالقوة".

    ومن بين الأفكار المطروحة في مجلس الأمن، أن يتبنى المجلس قراراً، يتضمن دعوة إلى وقف العمليات الحربية. وعُلِمّ أن جهوداً تبذل في هذا الاتجاه، تشارك فيها الولايات المتحدة الأمريكية، وسلطنة عُمَان العضو العربي في مجلس الأمن، والمملكة العربية السعودية.

    وسلم سمو الأمير بندر، ممثلي الدول الأعضاء في مجلس الأمن، مسودة مشروع قرار، يتضمن النقاط الآتية:

    أ.
    الدعوة إلى وقف النار.

    ب.
    فرض حظر على ارسال الأسلحة إلى اليمن.

    جـ.
    ارسال بعثة لتقصي الحقائق في غضون 24 ساعة.

    د.
    يقدم الأمين العام إلى مجلس الأمن، تقريراً عن مهمة البعثة في غضون أسبوعي.

    هـ.
    الدعوة إلى استئناف الحوار الوطني في اليمين، وتأكيد عدم جواز فرض حلٍ بالقوة، للأزمة اليمنية.


    وقالت مصادر غربية، إن سفير المملكة العربية السعودية، أوضح أن ذلك يعني عدم فرض الانفصال بالقوة، كما يجب عدم فرض الوحدة بالقوة.

    وقامت الولايات المتحدة الأمريكية، بإدخال بعض التعديلات على مسودة مشروع القرار، التي سلمها سمو الأمير بندر، إلى سفراء الدول الخمس. وأكد بعض السفراء الغربيين، الأعضاء في مجلس الأمن، للسفير اليمني، أن هناك إمكانية لإيجاد لغة في مشروع القرار، تعالج مصادر قلق صنعاء، التي عبرت عن معارضتها لطرح الأزمة اليمنية في المجلس. وأشارت المصادر إلى أن البيان الذي أصدره الطرف الجنوبي، عند إعلان الانفصال، أكد في البند الثاني منه على "وحدة" اليمن، ولمّحت إلى إمكانية الاستفادة من ذلك، بصورة أو أخرى، في مشروع القرار. وشددت هذه المصادر على ضرورة، توصل الأطراف العربية ذاتها، إلى معالجة كيفية ذكر "الوحدة" في مشروع القرار.

    11.
    وفي 28 مايو 1994، أعلن الأمين العام للأمم المتحدة، الدكتور بطرس غالي، بعد لقائه الأمير بندر بن سلطان، سفير المملكة العربية السعودية في واشنطن، أن الاتصالات جارية لإستصدار قرار من مجلس الأمن، لفرض وقف إطلاق النار في اليمن، وإيفاد بعثة لتقصي الحقائق، تلعب دور الوسيط، ويستوجب ذلك موافقة كلٍ من عدن وصنعاء.

    وقد تلقى الدكتور غالي اتصالاً هاتفياً، من الدكتور عصمت عبدالمجيد، أيد خلاله الدكتور غالي ضرورة التنسيق بين الأمم المتحدة، والمنظمات الإقليمية في هذا الشأن.

    كما أجرى الأمين العام للأمم المتحدة، اتصالات مع الدكتور حيدر العطاس، وعبد الله الأشطل، سفير اليمن لدى الأمم المتحد، والسيد محمد سالم باسندوه، وزير الخارجية اليمني، وشخصيات أخرى، في إطار الجهود، التي يبذلها لإيجاد مخرج يوقف سفك الدماء في اليمن. وفي نيويورك، عُلِمَ، أن مندوب عمان، السفير سالم الخصيبي، بذل جهوداً ناجحة في ترتيب لقاء بين سمو الأمير بندر بن سلطان، والسفير اليمني عبدالله الأشطل، للبحث في المبادرة السعودية. واعتبرت المصادر عقد اللقاء مفيداً، قبل طرح الأزمة اليمنية في مجلس الأمن، حتى يصدر القرار بموافقة جميع الأطراف.

    وفي هذه الأثناء، اتفقت الولايات المتحدة الأمريكية، وبريطانيا، وفرنسا، على ثلاث نقاط مهمة يشملها قرار مجلس الأمن، وهي:

    رفض استخدام القوة لفرض الوحدة، أو دعم الانفصال.
    استمرار الحرب من شأنه أن يهدد السلام، والأمن الدوليين، ولا يمكن اعتبار الحرب مسألة داخلية.
    ضروة فرض حظر على إرسال الأسلحة للطرفين المتحاربين.
    وقد رحّب الرئيس صالح بجهود الولايات المتحدة الأمريكية، إلاّ أنه رفض وساطة الأمم المتحدة وجهودها، على أساس أن الأزمة اليمينة مسألة داخلية.

    وقد رفض الخبراء، والدبلوماسيون الغربيون، موقف صنعاء، الذي ينكر على الأمم المتحدة حق التدخل في الحرب.

    وقد كان يقلق صنعاء، أن تدخل الأمم المتحدة في الأزمة، من شأنه أن يولِّد جواً للأعتراف بالأمر الواقع، والحكومة الانفصالية في الجنوب. كما أن قرار الأمم المتحدة، فرض حظر على الأسلحة إلى الجانبين قد يضر الشمال أكثر من الجنوب، الذي لديه كميات أكبر من الأسلحة، حصل عليها من الاتحاد السوفيتي سابقاً، وبما أن الجنوب يخوض معركة دفاعية، فإنه لا يتطلب سلاحاً وعتاداً حربياً، بالكميات التي يحتاجها الشمال، للاستمرار بشن الهجوم على عدة جبهات، في وقت واحد.

    12.
    وفي يوم 29 مايو 1994، استمرت الضغوط السياسية على صنعاء، مما أدى إلى تجميد الوضع العسكري، وخففت صنعاء من معارضتها لتدخل الأمم المتحدة، بعد أن تلقت وعداً من دول، من بينها الدول الدائمة العضوية، بمساندتها للحفاظ على دولة الوحدة، وسيادتها وسلامة أراضيها.

    وفي الأمم المتحدة تقدمت المملكة العربية السعودية، والبحرين وعُمان، ودولة الإمارات العربية المتحدة، والكويت، ومصر، بطلب انعقاد جلسة رسمية لمجلس الأمن، للبحث "في الوضع القائم في اليمن، وما أسفر عنه من خسائر فادحة في أرواح المدنيين". وسلّم مندوب المملكة العربية السعودية السفير جعفر اللقاني، ومندوب عمان السفير سالم الخصيبي (العضو العربي في المجلس) الرسالة الرسمية إلى رئيس مجلس الأمن، مع مسودة لمشروع قرار منقح، لا ينطوي على فرض حظر أسلحة على اليمن .

    وتشمل مسودة مشروع القرار، التي قدمتها الدول الداعية إلى عقد الجلسة، على الآتي:

    أولاً:
    يدعو مجلس الأمن جميع أطراف النزاع، إلى الوقف الفوري للنار، واستئناف الحوار السياسي.

    ثانياً:
    يحض المجلس جميع الأطراف، على الوقف الفوري لشحنات الأسلحة، وغيرها من المواد، التي من شأنها أن تساهم في استمرار النزاع.

    ثالثاً:
    يذّكر المجلس الأطراف في اليمن، أن خلافاتها السياسية لا يمكن حلها عبر استخدام القوة، أو عبر المقاومة المسلحة، وهو يحض هذه الأطراف على العودة فوراً إلى المفاوضات، التي من شأنها أن تسمح بحل سلمي لخلافاتها، ولاستعادة السلام والاستقرار في اليمن.

    رابعاً:
    يطلب مجلس الأمن من الأمين العام، إرسال بعثة لتقصي الحقائق في أقرب وقت، تسمح به الظروف، حالما يتوقف النزاع المسلح، وذلك بهدف تقويم احتمالات استئناف الحوار بين الأطراف، وتشجيعها على حل خلافاتها.

    خامساً:
    يطلب إلى الأمين العام أن يرفع تقريراً بشأن الوضع في اليمن، في الوقت الملائم، على ألاّ يتعدى أسبوعاً، بعد انتهاء بعثة تقصي الحقائق، من مهامها.

    سادساً:
    يقرر المجلس الاستمرار، في معالجة هذه المسألة بهمة ونشاط.


    وفي الفقرات التمهيدية، يشير مشروع القرار، إلى جهود مختلف المنظمات الإقليمية، بما فيها جامعة الدول العربية، ومجلس التعاون الخليجي.

    وفي صنعاء، بدا أن الضغوط السياسية مستمرة على القيادة اليمنية، في الوقت الذي تستمر ففيه الاتصالات، والمشاورات، في مجلس الأمن، بشأن صدور قرار، أو بيان، عن المجلس يدعو إلى وقف النار، ووقف تصدير السلاح إلى الطرفين المتحاربين في اليمن، وإرسال لجنة لتقصي الحقائق. وتترافق المشاورات مع اتصالات عربية، تجري بين أبوظبي، والقاهرة، والرياض، من أجل تهدئة الأوضاع، ووقف إطلاق النار. وتابعت صنعاء بقلق، ما يجري على السّاحة السّياسية، ولتخفيف الضغط عليها، تحاول فتح قنوات الحوار مع "الأطراف الوحدوية والمعتدلة في الحزب الاشتراكي". وفي الوقت نفسه، أصدر مجلس النواب اليمني، في جلسته المنعقدة في 28 مايو 1994، برئاسة الشيخ عبدالله بن حسين الأحمر، بياناً ببطلان إعلان الانفصال .

    13.
    في 31 مايو 1994

    أ.
    أرسلت صنعاء وفداً رفيع المستوى، للمشاركة في مناقشات الأزمة في مجلس الأمن للأزمة اليمنية، بعد فشلها في إبعاد القضية عن المحافل الدولية. وأصبحت صنعاء تخشى عزلة دولية، ويضم الوفد كلاً من: عضو مجلس الرئاسة السيد عبدالعزيز عبد الغني، ووزير العدل السيد عبدالله أحمد غانم، والمستشار القانوني حسين الجيشي. ولم يشارك وزير الخارجية السيد محمد سالم باسندوه، في مناقشات مجلس الأمن لأنه كان سيحضر مؤتمر دول عدم الانحياز، في القاهرة.

    كما عُلم أن الكتور عبدالعزيز الدالي، وزير الخارجية الجنوبي السابق، ورئيس دائرة العلاقات الخارجية، في سكرتارية الحزب الاشتراكي، سيصل إلى نيويورك. كما أن المهندس حيدر أبو بكر العطاس، رئيس الوزراء المكلف في اليمن الديمقراطي، سيغادر الدوحة إلى نيويورك أيضاً. بعد أن يلتقي أمير قطر، الشيخ خليفة بن حمد آل ثاني.

    وقالت بعض المصادر، أنه من المتوقع أن يدعو رئيس المجلس لهذه الدورة، السفير سالم بن محمد الخصيبي، المندوب العماني الدائم في مجلس الأمن، ممثلين عن شمال اليمن وجنوبه، لشرح موقف الطرفين أثناء المناقشة، قبل الانتقال إلى جلسة مغلقة لإصدار القرار.

    وفي نيويورك، أكد مصدر دبلوماسي أن الموقف القطري، تجاه مشروع القرار المقدم لمجلس الأمن، شهد تراجعاً، بعد ورود أخبار تفيد تحفظ دولة قطر، تجاه مشروع القرار المقدم أصلاً، على أساس أن الوضع في اليمن، يمكن أن تتم تسويته في اطار جامعة الدول العربية، باعتباره "نزاعاً داخلياً".

    ب.
    وفي نفس الوقت الذي كان مجلس الأمن يستعد فيه، بدا أن هناك تقدماً، في الوساطات الجارية، بواسطة أطراف يمنيين، إذ ذكرت مصادر عربية مطلعة، أن الجنوبيين بدأوا يتقبلون فكرة التوصل إلى حل للمشكلة، على المبادئ الثلاثة التي طرحها محسن العيني، سفير اليمن في واشنطن، وهي: وقف اطلاق النار، وألغاء قرار الانفصال، وبدء الحوار.

    وأضافت هذه المصادر، أن السفير اليمني في دمشق، السيد محمد شطفة، نقل إلى العميد مجاهد أبو شوارب، وعبدالله الأشطل، موافقة الزعيم الجنوبي علي سالم البيض، على وقف النار، وفك الاشتباكات بين الجيشين لمسافة 70 أو 80 كيلو متراً (وفي ذلك تطور، إذ كانت عدن تصر على انسحاب القوات، إلى الحدود الشمالية السابقة)، و"تجميد" كل القرارات، التي صدرت بعد 4 مايو1994، بما فيها قرار الانفصال، وبدء الحوار على أساس وثيقة العهد والاتفاق. ونقل أبو شوارب والأشطل هذا الموقف، إلى صنعاء وعدن.

    وفُهم أن المفاوضات تدور حالياً حول التفاصيل، وأن الشّماليين يريدون عدم الربط، بين وقف النار وبين فض الأشتباك، ذلك أن الفصل بين القوات لا يمكن أن ينفذ فوراً، إذ يحتاج إلى آلية ووقت للتنفيذ. واقترحوا البدء أولاً بوقف النار، ثم الفصل بين القوات، وعندئذ يجري البحث في مسافة الفصل، سواء كانت 20 كيلو متراً، أو 70 كيلو متراً، حسب المناطق الجغرافية. وفهم أيضاً أن الشماليين يعارضون استعمال كلمة "تجميد" قرار الانفصال، ويصرون على كلمة "إلغاء" القرارات، بما فيها قرار الانفصال، "فالتجميد لا يفيد، كونه قائماً عملياً، وهو غير كاف".

    جـ.
    كما أستمرت صنعاء في تجديد رفضها تدخل مجلس الأمن، في قضية القتال الدائر في اليمن. واعتبرت مناقشات مجلس الأمن، مخالفة لميثاق الأمم المتحدة، ويشكل سابقة خطيرة .

    ونقل تليفزيون صنعاء، أن نائب رئيس اللوزراء السيد عبدالوهاب الآنسي، التقى سفراء دول الاتحاد الأوروبي، وأكد أن طرح قضية الحرب في اليمن على مجلس الأمن، "سيعرض دولاً كثيرة للتدخل في شؤونها الداخلية، خصوصاً الدول التي تعاني مشكلات داخلية، أخطر من مشكلات اليمن". وحذر من أن "آثار هذه السابقة، لن تقتصر على اليمن، بل ستؤثر في دول أخرى". وعبّر عن أمله في أن يؤجل مجلس الأمن مناقشاته. ولكن مصادر رفيعة المستوى في الحزب الاشتراكي، قالت إن ذلك ليس سوى مناورة جديدة من جانب القيادة الشمالية، لتأخير اجتماع مجلس الأمن بشأن اليمن، الذي يعتبر نوعاً من الاعتراف الضمني بالدولة الجنوبية. وطالب الآنسي، الأمم المتحدة، إلى حث دول الجوار على عدم التدخل في شؤون اليمن الداخلية .

    وقد رفض الأعضاء الخمسة الدائمون في مجلس الأمن، مطالب كلٍ من صنعاء وعدن، بشأن اتخاذ موقف محدد حول مستقبل اليمن، سواء بشأن رغبة صنعاء رفض انفصال الجنوب، أو دعوة عدن إلى للاعتراف الدولي بها.

    وأكد دبلوماسي فرنسي، أن مجلس الأمن "لن ينجر إلى جوهر الصراع في هذه المرحلة"، وأضاف "ما نسعى لتحقيقه هو وقف إطلاق النار بين طرفين متقاتلين، ولن نعلق على شرعية أي طرف، لأن القتال يجب أن يتوقف، وبعد ذلك يمكنهم أن يطلبوا منا النظر في الأمور الأخرى".

    وكانت صنعاء قد ناشدت عدداً من الحكومات العربية "سراً"، إرجاء الاجتماع بضعة أيام، لإعطاء فرصة للحوار مع الأخوة الوحدويين في الحزب الاشتراكي، لكن المصادر الدبلوماسية قالت إن أي مبادرة يمنية، أو عربية، ستأتي مكملة لقرار مجلس الأمن.

    ونقل تليفزيون صنعاء، عن وزير الخارجية السيد محمد سالم باسندوه، أن أي مناقشة يجريها مجلس الأمن للوضع في اليمن، "تعتبر تدخلاً في شؤون اليمن الداخلية، وسابقة خطيرة في تاريخ المجلس". وكان باسندوه، يتحدث أول من أمس في القاهرة، حيث التقى الرئيس المصري، محمد حسني مبارك، ووزير خارجيته، السيد عمرو موسى، والأمين العام للجامعة العربية، الدكتور عصمت عبدالمجيد. وأكد باسندوه، معارضة صنعاء، أي تدخل من قبل مجلس الأمن.

    د.
    أعرب الشيخ جابر الأحمد الصباح، أمير دولة الكويت، عن موقف بلاده المبدئي والثابت، "الذي يدعو إلىعلاج المشكلات بمنطق المصلحة الوطنية، عن طريق الحوار الأخوي، بعيداً عن أسلوب استخدام القوة، لأن ذلك سيزيد الخلاف، ويعقد المشكلات". كما أعرب خلال استقباله العطاس، عن خشيته من أن " النزاع في اليمن، ستكون له انعكاسات سيئة على الوضع العربي بوجه عام". وهذا أمر يؤرق الكويت، ويؤرق جميع القادة والمسؤولين، لا سيما أن الأمة العربية في حاجة ماسة إلى لمّ شملها، وتجميع فرقتها، وصولاً إلى إعادة هيبتها وفاعليتها". وكان العطاس، الذي وصل إلى الكويت، ممثلاً للسيد علي سالم البيض، عرض على الشيخ جابر، تطورات النزاع في اليمن، وسير المعارك هناك، وتفاصيل أخرى في شأن هذا الموضوع.

    وقال العطاس في مؤتمر صحفي، عقُد مساء 29 مايو 1994، أن لديه " ثقة كبيرة، في الكويت كنصير للحق ولجنوب اليمن، في الحرب التي يشنها عليه الشمال"، مشيراً إلى أن هذه الحرب " تُنفَذ بالروح نفسها التي شنت فيها الحرب الغادرة على الكويت".

    وأوضح أن عدن ترحب بإجراء مفاوضات مع الشمال، لإيجاد وسائل لإنهاء القتال، واتهم صنعاء، بتلقي الدعم من العراق، وتحدث عنمعلومات " تؤكد وجود مخزون للأسلحة العراقية لدى الشمال، وخبراء عراقيين، وعناصر سودانية ، وطيارين أريتريين، يشاركون في القتال مع الشمال، ووقوع أسرى من هؤلاء في قبضة القوات الجنوبية". وأعرب العطاس عن "أسفه لما تعرضت له الكويت على يد الغزاة العراقيين".، وقال "لو حدث الغزو قبل وحدة الشطرين، لكان موقف الجنوب رافضاً ومعارضاً للغزو". وشبَّه مطالبات العراق بالكويت، بمطالبات صنعاء بالجنوب، إذ يعتبر "الشماليون الوحدة، مجرد الحاق للجنوب بالشمال، ويستخدمون اللهجة نفسها (العراقية) مطالبين بعودة الفرع إلى الأصل" .






    القسم الرابع: "معارك شرسة وقتال ضارٍ بين الطرفين، وسط مناقشات مجلس الأمن للأزمة".
    الفترة من 1 يونيه إلى 7 يونيه 1994

    1.
    في 1 يونيه 1994

    أ.
    اندلع القتال على الجبهات الثلاث، حول عدن، وأغارت طائرات الشمال على مواقع بالقرب من المدينة، بعد أن كانت شبة غائبة عن سماء الجنوب، منذ اندلاع الحرب. وسُمعت أصوات المعارك على جبهة طور الباحة، شمالي غربي عدن، بعد إطلاق ثلاثة صواريخ شمالية على عدن، لم تسبب سوى أضرار طفيفة. وردت القوات الجنوبية بإطلاق صاروخ باتجاه تجمع للشماليين، في جبهة طور الباحة. وأتاح هجوم القوات الشمالية، التقدم في اتجاه عدن، وتضييق الخناق على المدينة، وسقط صاروخ شمالي داخل مجمع مطار عدن العسكري، ولكن السلطات الجنوبية، قالت إنه أخطأ مدرج المطار، ولم يتسبب بأضرار، أو سقوط ضحايا"، وأفادت الأنباء سقوط صاروخ في البحر بالقرب من عدن، فيما أنفجر صاروخ بالجو بعد إصابته بنيران الأسلحة الجنوبية المضادة للطائرات، وسقط حطام الصاروخ على محطة الكهرباء الرئيسية، ولكنه لم يلحق أضراراً بها .

    ب.
    وحذّر متحدث باسم الصندوق الدولي للمعونات الغذائية، بأن شطري اليمن "سيواجهان موقفاً يقارب المجاعة، خلال فترة قصيرة جداً". وشدد على أنه "إذا لم تحدث خطوات جدية لوقف القتال، وتأمين وصول إمدادات الغذاء والمعونة الطبية، والعاملين الأجانب في مجال الإغاثة لتوزيعها، ستقع كارثة إنسانية".

    من المتوقع أن تطرح مفوضية شؤون اللاجئين خلال الأيام المقبلة، مبادرة من ثلاثة نقاط، تتضمن بدء حوار بين طرفي الحرب اليمنية، بعد التوصل إلى وقف لإطلاق النار في القتال الدائر هناك، والحصول على موافقتهما للتعاون بشأن تسهيل جهود الإغاثة الدولية، لإنقاذ حوالي 80 ألف لاجئ، يتعرضون لكارثة إنسانية، بسبب قصف المدن والقرى .

    جـ.
    وجرت محاولات شمالية لتأجيل اجتماعات مجلس الأمن، تستهدف صنعاء من خلالها ممارسة مزيد من الضغوط العسكرية على عدن، بغية تحقيق اختراق في المدينة، وإيجاد أمر واقع على الأرض، يحول دون تحقيق الانفصال، في حال وجدت صنعاء نفسها مجبرة على الانصياع لقرار مجلس الأمن، الذي سيطالب بوقف إطلاق النار .

    وقالت مصادر محايدة، إن القوات الشمالية، التي تحاول تضييق الخناق على عدن من منطقة طور الباحة، تكبدت خسائر في المعدات، والأرواح، بعد أن حاولت صنعاء فتح هذه الجبهة، عشية انعقاد مجلس الأمن. وأضافت، أن قوات البحرية، والصواريخ، والمدفعية، والدبابات، والقوات الجوية، تشارك بكثافة لجعل هذه المعارك فاصلة من جانب القوات الجنوبية ضد القوات الشمالية. وأن سماع دوي القذائف في عدن، ناتج عن قوة القصف الذي تتعرض له القوات الشمالية، التي تحاول عبثاً التقدم نحو عدن، أو إحداث اختراقات في جبهات أخرى .

    لكن التقارير الأخيرة، الواردة من ساحة القتال، أشارت إلى أن الجنوبيين استطاعوا صد الهجوم الشمالي في منطقة الوهط، في حين استمر القتال الشرس في أماكن أخرى قريبة من عدن.

    د.
    وفي صنعاء، صرح مصدر عسكري أن القوات الحكومية، أنهت "مهمة تصفية بقية جيوب المقاومة العسكرية، الموالية للحزب الاشتراكي في مدينة الحوطة، عاصمة محافظة لحج، جنوب البلاد، وفي منطقتي الوهط، وطور الباحة، في المحافظة نفسها، وأصبحت القوات الحكومية تحاصر مدينة عدن من كل الجهات، ووصلت طلائع وحداتها إلى منطقة بير أحمد في ضواحي عدن". وقال المصدر إن القوات الحكومية "ستباشر توجيه نداءات إلى المواطنين في عدن، لكي يتجمعوا في أماكن آمنة". وذلك في حال دخولها المدينة .

    هـ.
    وفي عدن صرح نائب رئيس مجلس الرئاسة، في "جمهورية اليمن الديموقراطية"، السيد عبدالرحمن الجفري، أن المعارك التي شهدتها جبهات القتال حول عدن، حتى الساعات الأولى من الصباح، "كانت من أشد المعارك ضراوة، منذ بدء القتال، بين القوات الشمالية، والقوات الجنوبية".

    وأشار الجفري، إلى إشتراك بارجات حربية جنوبية، في القصف الصاروخي، ضد القوات الشمالية، وأن القوات الجنوبية نجحت في استدراج القوات الشمالية إلى أكثر من موقع على جبهات القتال. كما نقل عن وزير الدفاع الجنوبي، العميد هيثم قاسم، قوله "إن الوضع مطمئن على كل الجبهات، وإن جبهتي العند وطور الباحة في محافظة لحج، وكذلك جبهة خرز، شهدت أعنف المواجهات .

    ويبدو أن الهجوم الشمالي للاستيلاء على عدن، والإطاحة بالزعيم الجنوبي علي سالم البيض، تعثر مع تقدم القوات الشمالية خارج الجبال، إلى الأراضي المفتوحة، الأمر الذي يطيل خطوط إمدادها، ويعرضها للهجمات الجوية.

    وصرّح مصدر عسكري شمالي، أن المدفعية الثقيلة التابعة للقوات الشمالية "واصلت قصفها العنيف، والمركّز لعدد من الأهداف العسكرية، والقاعدة الجوية في مطار عدن، بهدف إعاقة الطائرات الحربية الواقعة تحت هيمنة الانفصاليين، في قيادة الحزب الاشتراكي، من استخدام المطار لشن غارات جديدة على القوات الحكومية والمواطنين" .

    و.
    يسود شعور لدى بعض الأوساط السياسية في العاصمة اليمنية، أن الحرب، التي تنتهي أسبوعها الرابع، ستطول رغم "الانتصارات العسكرية" التي حققتها القوات الحكومية. وتعزو المصادر الحكومية اليمنية، سبب ذلك، إلى "التدخلات في الأزمة اليمنية"، وكان الحديث في صنعاء يتسم عن الموقف العربي، تجاه الانفصال الذي حدث. وقد اجتمع وزير التخطيط اليمني الدكتور عبد الكريم الإيرياني، بالسفراء العرب المعتمدين لدى صنعاء، لمناقشة الوضع السياسي للأزمة.

    وقد أعلن نائب رئيس الوزراء اليمني، عبدالقادر باجمال، أن حكومته "تتخذ الإجراءات اللازمة للإعداد لاقتصاد حرب، لمواجهة أعباء الحرب". وقال في مؤتمر صحفي، عقده في صنعاء، "إننا مضطرون إلى توظيف كل إمكاناتنا الاقتصادية للحرب، التي نخوضها من أجل تكريس الوحدة، وحماية الاستقرار" . وذكر أن بلاده في حاجة إلى مساعدات إنسانية دولية عاجلة لمواجهة أعباء الحرب، خاصة المساعدات الطبية.

    ز.
    أصدر مجلس الأمن، مساء الأول من يونية 1994، قراره الرقم (924) ، الذي كان منتظراً، بشأن الحرب اليمنية، والقاضي بوقف فوري لإطلاق النار، وحث على وقف توريد الأسلحة لطرفي الصراع، ودعوة الطرفين العودة إلى المفاوضات.


    2.
    في 2 يونيه 1994

    أ.
    على الرغم من دعوة مجلس الأمن لوقف فورى لإطلاق النار في اليمن، استمرت المعارك بين الجانبين، حيث حققت القوات الشمالية تقدما نحو عدن، كما أحرزت تقدماً على جبهة الوهط على مسافة 20 كم، شمال غرب عدن، ليفاجؤوا الوحدات الجنوبية، في منطقة لحج، على مسافة 30 كم من المدينة. وذكر مراسل وكالة "فرانس برس" أن السكان في لحج بدأوا الفرار من منطقة المعارك بالشاحنات، ونقل عنهم، أن القوات الجنوبية ما زالت تسيطر على المنطقة، وأن المواطنين يغادرون بسبب القصف .

    ب.
    مع تصاعد حدة القتال، دعت جمهورية اليمن الديموقراطية، مجلس الأمن، إلى إرسال قوات دولية للفصل بين قوات الطرفين، على الحدود بين القطرين، أو على الأقل، إرسال قوات مراقبة دولية، لمراقبة التزام وقف النار، وإيقاف الاقتتال.

    جـ.
    كان الجديد في تطور العمليات على جبهات القتال، قيام طائرات من نوع أف ـ15 (F-15)، شمالية بمحاولة قصف مصفاة عدن، الواقعة في مدينة البريقة، على مقربة من باب المندب، وفشلت المحاولة الشمالية، الأمر الذي أدى إلى سقوط ثلاثة صواريخ تحمل قنابل عنقودية وسط منطقة سكنية قريبة من المصفاة. وأسفر أنفجار أحد الصواريخ عن تدمير ثلاثة منازل .

    وشهدت جبهة العند شمال عدن، أمس معارك ضارية بين القوات الشمالية والجنوبية، وشهد مراسل صحفي تراشق مدفعي وصاروخي عنيف، إثر محاولة القوات الشمالية التقدم جنوب القاعدة نحو عدن، "وأسفرت المعارك عن مقتل 10 جنوبيين، وجرح عشرات أخرين نقلوا إلى المستشفيات". ولم يعرف حجم الخسائر في القوات الشمالية.

    وتعرضت القرى المجاورة لقاعدة العند، إلى قصف مدفعي وصاروخي، أحدث أضراراً جسيمة في الممتلكات، وأضطر ألاف المواطنين للنزوح إلى عدن.

    وأكدت الأنباء العسكرية، في جبهات الضالع ـ كرش، وطور الباحة، وشبوة، وأبين، أن القتال كان ضارياً في الساعات الـ 48 الماضية، فيما قال بيان عسكري جنوبي أن "القوات الجنوبية استطاعت تحقيق تقدم في جبهة طور الباحة، وطاردت القوات الشمالية في منطقة الوهط، في اتجاه باب المندب .

    كما تبادلت القوات الشمالية والجنوبية، الهجمات الصاروخية أرض/أرض، وأطلقت الأولى ثلاثة صواريخ على عدن، في حين ردت الثانية بإطلاق صواريخ على موقع عسكري شمالي، في جبهة طور الباحة.

    وسقط أحد الصواريخ الشمالية، داخل مجمع مطار عدن العسكري، ولكنه أخطأ مدرج المطار ولم يتسبب في أي أضرار، وسقط الثاني قرب مسجد في حي الشيخ عثمان، الذي كان يستقبل المصلين لصلاة الفجر، مما أدى إلى سقوط ثمانية قتلى، وواحد وعشرين جريحاً، وأصيب خمسة آخرون بجروح في منازل مجاورة. وتظاهر مئات الأشخاص بشكل عفوى في الحي المذكور وأطلقو هتافات منددة بالنظام الشمالي المجرم، برئاسة علي عبدالله صالح. أما الصاروخ الثالث فتمكنت المضادات الأرضية، من تفجيره فوق المدينة.


    3.
    في 3 يونيه 1994

    أ.
    لم يَحُلْ صدور قرار مجلس الأمن الرقم (924)، الداعي إلى وقف النار دون استمرار المعارك في اليمن. وقالت مصادر عسكرية، إن حدة القتال زادت في المناطق المحيطة بمدينة عدن.

    ب.
    استمر القتال الضاري في مناطق متعددة، بمحافظة لحج شمال عدن، في الوقت الذي أعلنت فيه الحكومة في صنعاء، قبولها قرار مجلس الأمن الرقم (924)، بشأن وقف إطلاق النار. وقالت مصادر دبلوماسية في مقر الأمم المتحدة بنيويورك، إن عناصر في مجلس الأمن نصحت الدكتور عبدالعزيز الدالي "مبعوث اليمن الديموقراطية"، بالتوجه إلى مجموعة عدم الانحياز، والتكتلات الدولية الأخرى، للحصول على تأييدها، ضد خرق الشمال لقرار مجلس الأمن.

    وقالت مصادر مطلعة إن ضراوة القتال في طور الباحة، بمحافظة لحج ترجع إلى محاولة أربع كتائب شمالية التقدم نحو عدن، عن طريق الحوطة، بقيادة العقيد علي محسن الأحمر، قائد الفرقة الأولى المدرعة، والأخ غير الشقيق للرئيس اليمني. ومن ثم، عملت القوات الجنوبيةعلى تطويق هذه الوحدات، في محاولة لأسر علي محسن الأحمر، خاصة أن الأنباء وردت بأن عدداً من القادة الشماليين، من أخوال الرئيس اليمني كانوا معه.

    وتزامنت هذه التطورات مع اتهامات متبادلة بين القيادتين، الشمالية والجنوبية، باستخدام الأسلحة المحرمة، تضمنت بياناً من القاضي حمود الهتار، في صنعاء، بأن القوات الجنوبية تستخدم قنابل النابالم في هجومها على الوحدات الشمالية. وقال إن هناك "أدلة قاطعة على ذلك". في حين أشار العميد هيثم قاسم طاهر، وزير الدفاع الجنوبي، إلى أن لديه شكوكاً بشأن استخدام القوات الشمالية أسلحة كيماوية، وأن "هذه الشكوى لها ما يبررها".

    وقال العميد هيثم "ما يزيد من شكوكنا، هو العلاقة المتميزة والخاصة، التي تربط علي عبدالله صالح، بالرئيس العراقي، صدام حسين، الذي استخدم هذه الأسلحة ضد الأكراد عام 1988". وأنه "ليس عبثاً أن الأخ الرئيس علي سالم البيض، وصف، علي عبدالله صالح، بأنه صدام صغير" .

    جـ.
    واصلت القوات اليمنية الشمالية، إحكام الطوق العسكري على عدن، ولم يعد يفصلها عنها، سوى 20 كم من الشمال، و30 كم من الشرق، على أثر سلسلة من الهجمات العنيفة شنتها، واعترف ضباط جنوبيون بأن القوات الشمالية استولت على الحوطة، بمديرية لحج، التي يقطنها خمسون ألف نسمة من الوهط، مما اضطر خطوط الدفاع الجنوبية، من التراجع إلى بئر ناصر، على مسافة 15 كم شمال عدن.

    في اليوم نفسه، تواصل تبادل القصف المدفعى بشكل عنيف، وشاركت فيه القطع البحرية الجنوبية، المنتشرة قبالة ساحل العاصمة الجنوبية. وأدى سقوط الحوطة والوهط، إلى هجرة السكان نحو عدن، والقرى الأخرى، التي لا تزال تحت سيطرة القوات الجنوبية. ولم يستطع سلاح الطيران الجنوبي، التدخل كثيراً في هذه الجبهة، حيث تتشابك المواقع الشمالية والجنوبية، وركز معظم عملياته، على جبهتي أبين، وشبوة، شرق عدن. وصرح مصدر عسكري جنوبي، في جبهة أبين، حيث وصلت القوات الشمالية إلى 30 كم من عدن، أن معارك ضارية للغاية بالمدفعية والصواريخ، دارت لليوم الثاني على التوالي في هذه المحافظة، بعدما شنت القوات الشمالية ثالث هجماتها، في غضون 48 ساعة.

    وأفادت مصادر صنعاء، أن الحكومة الشمالية، دفعت بتعزيزات جديدة في معركتها للسيطرة على عدن، وأن خمسة ألوية أُرسلت إلى الجبهات المحيطة بالعاصمة الجنوبية، غداة دعوة مجلس الأمن إلى وقف النار. وأضاف المصدرأن القوات الشمالية تسيطر كلياً "على محافظة شبوة، حيث الوضع هادئ، ويساعد السّكان في طرد فلول الانفصاليين" منها .

    د.
    أذاعت عدن أن القوات الجنوبية، صدت هجوماً شمالياً، أوقع "مئات القتلى والجرحى" في صفوف قوات صنعاء، أن القوات المعادية دُمِّرت في قرية حبر، وصدت في اتجاه منطقة صحراء الرجاع، إلى ما بعد منطقة الوهط، التي كانت القوات الشمالية احتلتها صباحاً، وأن "مئات من الجنود الشماليين قتلوا أو جرحوا، وأن العشرات أسروا وتم تدمير أربع دبابات". وأشارت بعض مصادر إلى أن السلطات اليمنية الجنوبية أقامت حواجز في عدن، بحثاً عن القادرين على حمل السلاح، لتعزيز الخطوط الأمامية، ومواجهة تقدم الشماليين نحو المدينة.

    هـ.
    وأكد بيان لقيادة القوات الجنوبية، أن الشماليين "يشنون هجمات عنيفة على جميع الجبهات، ويدمرون القرى ويقتلون المدنيين". وقال: "إننا نقاوم بكل قوانا دفاعاً عن أرضنا وشرفنا". وأتهم البيان الحكومة العراقية بالمشاركة في القتال إلى جانب القوات الشمالية. وأكد البيان، الذي بثه تليفزيون وإذاعة عدن ليلة 2، 3 يونيه 1994، أن القوات الجنوبية أسرت خمسة جنود عراقيين في جبهة حضرموت، وهم: صالح رسول صغير، و‏فالح محمد نصير، وعلي محمد سعد، وكونه محمد نصر، ونجيب علي محمد، وقالت المصادر إنهم اعترفوا بأن هناك خبراء عراقيين يعملون في إدارة العمليات وتشغيل الصواريخ والطيران، للقوات الشمالية .

    و.
    ظل مطار عدن يشهد حركة كثيفة، وكانت الطائرت العسكرية تقلع منه ، وتهبط فيه، من دون انقطاع. ومن جهة أخرى، أشار مصدر جنوبي إلى أن القوات الجنوبية، أسقطت طائرتين شماليتين في قطاع كرش، وطور الباحة، حيث استمرت المعارك بين قوات الطرفين، دمرت أربع قاذفات لصواريخ الكاتيوشا (Katyusha)، وكبدت العدو خسائر بشرية فادحة، تقدر بعشرات العسكريين بينهم ضابطان .

    ز.
    وصرح سمو الأمير بندر بن سلطان، "إن المملكة العربية السعودية تشعر بالقلق الشديد إزاء ما يجري في اليمن، وهي لا تدعم طرفاً ضد الآخر، وإنما الجهة الوحيدة التي تدعمها السعودية هي الشعب اليمني، وسلامة الشعب اليمني". وحكومة المملكة العربية السعودية تبدي قلقها إزاء ما قد ينجم عن الوضع في اليمن، من تدفق اللاجئين، والرياض ليست مستعدة لأن تتحمل أعباءها .

    ح.
    قرر "مجلس الرئاسة لجمهورية اليمن الديموقراطية"، تشكيل مجلس وزراء يتكون من 30 عضواً، بينهم نواب لرئيس الوزراء والوزراء. برئاسة المهندس حيدر أبو بكر العطاس .

    وجاء التشكيل الحكومي المعلن، بعد مشاورات مطولة، بين الحزب الاشتراكي اليمني، وحزب رابطة أبناء اليمن، وشخصيات مستقلة في الخارج. وكان حزب رابطة أبناء اليمن، هو حزب المعارضة الوحيد، الذي وافق على قرار الانفصال، وإعلان الجنوب جمهورية مستقلة.

    ويرى المراقبون أن تشكيل الحكومة، وإن كان يضم عدداً كبيراً من أعضاء الحزب الاشتراكي، إلاّ أنه أعطى حزب الرابطة نصيباً كبيراً هو الآخر. بينما جرى توزيع بقية الحقائب على المستقلين، وجعل التمثيل الحكومي موزعاً على المحافظات، التي كانت محرومة في السابق، مثل عدن، ولحج، والمهرة، وشبوة.

    وبدا واضحاً أن حكومة "جمهورية اليمن الديموقراطية" الجديدة، في تشكيلها الذي جمع بين الحزبيين، والسياسيين التقليديين، ضم، أيضاً، الخبراء والفنيين، خاصة في مجالات الاقتصاد، والقانون، لتأكيد توجه الحكومة في انفتاحها الاقتصادي والسياسي، على دول العالم .


    4.
    في 4 يونيه 1994

    أ.
    عاشت عدن وأهلها ليلة الرابع من يونيه، في حالة من التوتر والقلق، بعد تردد أنباء القتال الدموي من جراء اختراق القوات الشمالية، لمدينة صبر، والمجازر التي ارتكبت فيها، واشتراك أعضاء في الحزب الاشتراكي، في الشطر الشمالي، في القتال ضد رفاقهم في الجنوب. وزاد من حدة التوتر، التصريح الذي أدلى به العميد الركن هيثم قاسم طاهر، وزير الدفاع الجنوبي، حول وجود خيانات داخل الجيش، وهو واقع لا يقتصر على الجيش فقط، إنما يمتد إلى القبائل، وبعض أعضاء الحزب الاشتراكي. وأثّر ذلك على سير المعارك حول عدن، وفي محور شبوة ـ حضرموت أيضاً.

    لم يخرج الناس من بيوتهم، في عدن إلاّ لأداء صلاة الجمعة. وبدت المدينة حزينة، وحركة السير في طرقاتها خفيفة، بينما استمر دوي القصف المدفعي والجوي، وأصوات الطائرات الحربية مسيطرة على الأجواء. وانتقل محور الدفاع والقتال، إلى منطقة صبر. وذكر شاهد عيان أن المدفعية، التي كانت تقصف من الوهط باتجاه طور الباحة، باتت مرابضها في صبر .

    وتؤكد مصادر مطلعة، أن دخول القوات الشمالية إلى عدن سيكون مخاطرة كبيرة، سياسياً وعسكرياً، إذ إنها تحتاج إلى الزج بآلاف من الجنود، وكميات كبيرة من العتاد. ومن ناحية أخرى ستضعف قيادة صنعاء موقفها سياسياً في مواجهة العالم، إذا ما دخلت قواتها العاصمة الجنوبية، المحاطة بخط سياسي أحمر، كما يذكر بعض. لكن المؤكد أن جهود محاولة حصار عدن، ستستمر خلال الأيام القليلة المقبلة، على الرغم من ارتفاع التكلفة بشرياً وعسكرياً.

    ب.
    على الرغم من إعلان، كل من صنعاء وعدن، قبولهما قرار مجلس الأمن الرقم (924)، بشأن وقف إطلاق النار، احتدمت المعارك، وتواصل القصف المدفعي والصاروخي بين الطرفين. وزحفت المعارك إلى مناطق حقول إنتاج النفط، في حين تحاول القيادة الشمالية الاستفادة من ذلك لحسم الموقف لصالحها.

    وتقول مصادر مطلعة، إن صنعاء أرسلت قوات جديدة تقدر بنحو 12 ألفاً و 500 جندي لتعزيز وحداتها في محافظة شبوة الغنية بالنفط، لدعم محاولة زحفها نحو حضرموت، حيث توجد أهم حقول النفط الجنوبية في مسيلة. أضافة إلى تشديد الحصار حول عدن. وعادت الطائرات الشمالية إلى قصف منشآت مصفاة عدن الشهيرة، التي تبلغ طاقتها اليومية حوالي 170 ألف برميل.

    وفي حين ذكر متحدث رسمي في عدن، أن الشمال يشدد هجومه على محافظة شبوة، أضافت مصادر غربية، أن هدف الهجوم الشمالي، هو عزل عدن عن بقية مدن الجنوب، والسيطرة على الطرق المؤدية إلى حقول النفط، وموانئ تصديره، للاستفادة من ذلك في المفاوضات التالية، لتنفيذ قرار وقف إطلاق النار، بعد أن يكون الجنوب قد فقد الأسس، التي بنى عليها إعلان استقلاله .

    جـ.
    وصرح مصدر عسكري جنوبي، أن قوات صنعاء، قصفت عدن بصاروخين أرض/ أرض، مستهدفة الأحياء السكنية، والمنشئات المدنية الحيوية. كما صرحت مصادر سياسية ودبلوماسية، في صنعاء، أن الحكومة اليمنية الشمالية أرسلت نحو خمسة ألوية لتعزيز الجبهات المحيطة بعدن .

    د.
    وذكر ناطق عسكري يمني جنوبي، أن قواته تصدت لهجوم شمالي في محافظة شبوة الغنية بالنفط.

    وقال الناطق في تصريح، بثته إذاعة عدن، أن "قواتنا المسلحة في محافظة شبوة، تصدت لقوات صنعاء، التي حاولت شن هجماتها العدوانية على المدن والقرى، وتمكنت من تدمير أربع دبابات وثلاث عربات مدرعة وثلاثة أطقم محمولة، واستولت على دباباتين وثلاثة أطقم"، وإصابة قائد الحملة الشمالية في شبوة، العقيد محمد سالم العريف، بجروح أدت إلى فقد ذراعه اليمنى. كما سقط عدد من القتلى والجرحى في صفوف قواته". وأضافت أن القوات الجنوبية بالتعاون مع مواطني شبوة تمكنت من أسر لواء كامل من المغاوير، (يضم نحو 2500 جندي) .

    هـ.
    وفي عدن أدت الحكومة الجديدة، برئاسة المهندس حيدر أبو بكر العطاس، اليمين الدستورية. وصرح السيد عبدالقوي مكاوي، عضو مجلس الرئاسة الجنوبي، "إن الوضع العسكري في جبهات القتال القريبة من عدن مطمئن جداً"، مشيراً إلى أن "الدفاعات حول عدن ثابتة، ولم تخترق حسب إدعاءات صنعاء". واوضح مكاوي "إن الحكم في الشمال مصمم على تجاهل قرارات مجلس الأمن، بإيقاف الحرب، وأن الرئيس علي عبدالله صالح، يبدو كأنه لم يتعلم من درس حرب الخليج" .

    و.
    وصرح مصدر عسكري في غرفة العمليات، في وزارة الدفاع في صنعاء، "أن القوات الحكومية المتجهه إلى محافظة حضرموت، للسيطرة عليها، ما زالت تتقدم، وهي على بُعد عشرين كيلو متراً جنوب شرقي مدينة المكلا". وأضاف المصدر "أن سلاح الطيران الحكومي قصف ميناء المكلا، وأغرق ثلاثة زوارق حربية، وعطل مدرجات مطار الريان، حتى لا يستخدمها الطيران الاشتراكي في طلعات جوية، تستهدف ضرب القوات الحكومية المتقدمة على محورين، في اتجاه عاصمة المحافظة .


    5.
    في 5 يونيه 1994

    أ.
    استمرت العمليات القتالية، ولكن بصورة أهدأ نسبياً، على أكثر من جبهة، لتشمل الإغارة على مصفاة عدن. وصرح ناطق عسكري جنوبي، أن الدفاعات الأرضية الجنوبية، أسقطت ثلاث طائرات شمالية، من أصل أربع قصفت المصفاة. وقصفت عدن بالمدفعية، للمرة الأولى منذ بداية الحرب، مواقع الشماليين، التي تبعد 20 كم عن المدينة، ونتج عن القصف قتل ستة مدنيين، وإصابة 18 آخرين. وأعلن ناطق عسكري في صنعاء، أن القوات الجنوبية أطلقت (ليلة أمس) صاروخين أرض/أرض من نوع سكود (SCUD-B)، على مدينة تعز الشمالية، من دون سقوط ضحايا. وجاء في حصيلة رسمية جزئية نشرت في صنعاء، أن أكثر من 600 جندي شمالي قتلوا، وأن أكثر من ألفين جرحوا، منذ بداية القتال . إضافة إلى 1200 مفقود، و901 أسير لدى القوات الجنوبية .

    ب.
    تمكنت القوات الجنوبية من صد هجوم شمالي، على المحور الساحلي، بمحافظة شبوة قرب ميفعة. كما نجحت في استعادة قرية صبر، القريبة من الحوطة، التي كانت ميليشيات التجمع اليمني للإصلاح اقتحمت سجناً فيها، وأطلقت سراح بعض السجناء، من المتهمين بعضوية الجماعات المتطرفة.

    وأشارت معلومات مؤكدة، إلى أن عناصر في قيادة التجمع اليمني للاصلاح في صنعاء، تعارض الالتزام بوقف إطلاق النار، على النحو الذي طالب به قرار مجلس الأمن الرقم (924)، وأن عبد المجيد الزنداني، "عضو مجلس الرئاسة اليمني، والقيادي البارز في حزب الإصلاح" يقود حملة تحريض بين عناصر الجهاد، ضد "الجنوبيين الملحدين"، ويقول إن "هذه الحرب، تعتبر جهاداً مقدساً".

    وأضافت المصادر، أن عناصر الجهاد، تشكل مقدمة القوات الشمالية في القتال، داخل محافظتي لحج وشبوة، وتلعب دوراً مهماً في زعزعة واختراق الدفاعات الجنوبية هناك، باعتبار بعضها ميليشيات ينتمي أفرادها، إلى تلك المناطق .

    وقال الشيخ أحمد فريد الصريمة "محافظ شبوة، وقائد المحور الساحلي هناك"، إن كثافة الضغط الشمالي، على كل من عدن وشبوة، يرجع إلى "الكثافة البشرية الكبيرة، التي تتقدم كأنهم عميان في مواجهة النيران الشديدة". وأضاف أن "الذين أسروا كانت في جيوبهم بطاقات عضوية في حزب التجمع والإصلاح، وأقراص مخدرة، وكانوا يمشون وكأنهم نائمون". وأكد قوله "رغم هذه الكثافة البشرية والتسليح الضخم، إلا أننا سنصمد" .

    جـ.
    صدر صباح أمس، البيان الرقم (7) عن نتائج العمليات، في المحور الساحلي بمحافظة شبوة، تضمن تكبيد القوات الشمالية المهاجمة 65 قتيلاً، و200 جريح، وتدمير 7 دبابات، و4 بطاريات مدفعية ميدان عيار د ـ 30، وعيار 130 ملليمتراً، و 3 عربات قواذف كاتيوشا (Katyusha)، بينما كانت خسائر القوات الجنوبية، 7 قتلى، و40 جريحاً، و3 أطقم مسلحة، وتدمير دبابة واحدة. وقال البيان، إن عدداً كبيراً من الجنود الشماليين، استسلموا صباح أمس، على جبهة طور الباحة والوهط، وتم سحب أسلحتهم الخفيفة من المنطقة إلى عدن، إلى جانب نقل الأسرى إلى هناك لاستجوابهم.

    ويبدو أن احتدام القتال الشديد حالياً، يرجع إلى إصرار القوات الجنوبية، على عدم إتاحة الفرصة أمام قوات صنعاء، لتحقيق أي مكاسب جديدة على الأرض، قبل فرض قرار وقف إطلاق النار، وأبلاغ العالم رسالة بقدرة عدن، على الدفاع عن نفسها .

    د.
    ولاحظ المراقبون، أن تشكيل القيادة السياسية الجديدة، الذي أعلنته صنعاء، احتفظ بسالم صالح محمد، "الأمين العام المساعد للحزب الاشتراكي"، عضواً في مجلس الرئاسة الموحد، على الرغم من عضويته في مجلس رئاسة اليمن الديموقراطية الجنوبية، وكذلك وزراء الحزب الاشتراكي، فيما عدا وزراء الدفاع، والنفط، والنقل، استمراراً لمحاولة صنعاء، شق صفوف قيادة الاشتراكي.

    وقالت مصادر في عدن، إن خلافاً نشب بين الرئيس علي عبدالله صالح، وأحمد مساعد حسين، الذي عُيّن وزيراً للنقل في التشكيل الوزاري الجديد، لأن أحمد مساعد حسين "وهو أحد رجال الرئيس علي ناصر السابقين"، كان يرغب في التعيين محافظاً لشبوة، ومن ثم رفض العودة إلى صنعاء، لتولي مهام منصبه الجديد، وما زال موجوداً في شبوة معتكفاً في منزله.

    هـ.
    ومع استمرار القتال في اليمن، قال سمو الأمير سعود الفيصل، وزير خارجية المملكة العربية السعودية، في كلمته، التي افتتح بها أمس دورة المجلس الوزاري، لمجلس التعاون الخليجي في مدينة أبها السعودية، إن استمرار القتال سيكون له مضاعفات على دول مجلس التعاون الخليجي، وأن ذلك سيؤدي إلى ضرورة اتخاذ إجراءات تجاه هذا الوضع. ولا بد أن يصدر المجلس الوزاري، لمجلس التعاون الخليجي، ما يؤكد أن أستمرار القتال ليس مقبولاً لدينا، أيا كان السبب والمصدر .





    6.
    في 6 يونيه 1994

    أ.
    لم يعد هدف القتال الدائر في اليمن تحقيق نصر، وإنما بات الهدف إنزال أكبر قدرٍ من التدمير، خاصة بعد أن استهدف القصف الجوي الشمالي مصفاة عدن، إضافة إلى العديد، من المؤسسات الاقتصادية والمعيشية. وذكرت بعص المصادر أن القيادة الشمالية، تتجه إلى تنفيذ خطة تدمير، بحيث يخرج الجنوب اليمني من الحرب، منهكاً، ويحتاج للكثير لكي يقف على قدميه كدولة.

    ويعبر سكان عدن عن دهشتهم، عندما يسمعون عبر الراديو، أن الشماليين أعربوا عن رغبتهم في السلام. ويقول الجنوبيين إن القصف المدفعي الجارف، الذي يهز مشارف عاصمة الدولة المنفصلة، بين الحين والآخر، هو الدليل الأوضح على ما يبيته الشماليون من نيات.

    ب.
    وقد أكد الجنوبيين، اشتعال حريقٍ في مصفاة عدن، نتيجة القصف الجوي الشمالي أمس. وشاهد مراسل "وكالة فرانس برس"، ألسنة اللهب الشاهقة، وأعمدة من الدخان تتصاعد فوق المصفاه. وأوضحت مصادر جنوبية أن الطائرات الشمالية المغيرة، جاءت من جهة البحر وحلقت على ارتفاع منخفض للغاية، ونجحت في قصف المصفاة على الرغم من الانتشار الكثيف لبطاريات المضادات الأرضية، والصواريخ "أرض / جو" حولها.

    ويُذكر أن هذه، المصفاة هي أكبر مصفاة في اليمن أنشأتها بريطانيا عام 1954، وتكرر يومياً نحو 170 ألف برميل من النفط الخام، وتشكل حالياً المصدر الرئيسي للمحروقات للقوات الجنوبية، التي تحاول صد تقدم القوات الشمالية نحو عدن. وقد تعرضت المصفاة أكثر من مرة لغارات شمالية، لكنها المرة الأولى التي تصاب فيها . وقالت المصادر إن دقة التصويب، تؤكد أن منفذي هذه الغارات، هم طياريون متقدمون في كفاءتهم، وقد لا يكون الشماليون على هذا المستوى، من الدقة في التصويب.

    وتتهم السلطات الجنوبية العراق، بضلوعه في الحرب، من خلال مشاركة فعالة للطيارين العراقيين إلى جانب القوات الشمالية . وقال عبدالرحمن الجفري، نائب رئيس مجلس الرئاسة الجنوبي، في تصريحات سابقة له، إن قصف الطائرات المغيرة، من ارتفاعات عالية، يعكس حقيقة تحذيراتنا من أن الطيارين هم عراقيون.

    واستنكرت وزارة الدفاع الجنوبية هذا الحادث، الذي استهدف أهم المنشآت حيوية في اليمن كله، وتعهدت بإنزال العقاب الرادع بالمسؤولين عن ذلك. وقال شهود عيان إن خزاناً ثانياً، مجاوراً للخزان الذي قصفته الطائرات الشمالية، اشتعلت فيه النيران أيضاً، وإنّ إطفاء النيران جرى بمساعدة رجال المطافئ والمواطنين، الذين هُرعوا إلى موقع الحادث، لتقديم العون والمساعدة.

    واعتبر مصدر عسكري جنوبي، أن ضرب المصفاة تصعيد خطير للحرب، وتحد صارخ لإرادة المجتمع الدولي، الذي أعلن، من خلال مجلس الأمن، وقفاً فورياً لإطلاق النار.

    جـ.
    تعرضت عدن، للمرة الأولى، منذ بداية الحرب، لأعنف قصف عشوائي. واستهدفت مدفعية القوات الشمالية حي خورمكّسر الراقي، حيث تقيم بعثات دبلوماسية، ويوجد فندق "عدن"، الذي يقيم فيه الصحافيون، والمراسلون، وممثلو الصليب الأحمر الدولي. وشاهد عدد من الصحافيون سقوط قذائف عدة في محيط الفندق. ولم تذكر السلطات في عدن أي تفاصيل، عن أضرار القصف، الذي بدأ عنيفاً وتصاعد بدءأً من الخامسة والربع، بعد الظهر. وشوهد احتراق أحد الأبنية السّكنية، وسيارات الإسعاف، التي تنقل المصابين إلى مستشفي الجمهورية في الحي نفسه. وخيم جو من القلق والرعب على عدن، وزاد من صعوبة الوضع انقطاع المياة، عن عدد من الأحياء.

    وأكد نائب الرئيبس اليمني الجنوبي، عبدالرحمن الجفري، خلال تفقده مصفاة عدن، برفقة عضو مجلس الرئاسة، ناصر مسعود، "أن القيادة اليمنية الجنوبية سترد بقوة على عدوان صنعاء، وفي الوقت المناسب". وأضاف: "يبدو أن الرئيس علي عبدالله صالح، يحاول اقتباس بعض الخطوات التي نفّذها الرئيس العراقي، صدام حسين، أثناء غزوه للكويت". وأفاد الجفري، أن عدن أسرت أحد الطيارين من منفذي الغارة على المصفاة. وكان آلاف من سكان البريقة، قد اضطروا للنزوح إلى وسط العاصمة الجنوبية، هرباً من القصف، وتجنباً لآثار الدخان الأسود .

    عاود الطيران الشمالي قصف مصفاه عدن مجدداً ليل 5/6 يونيه 1994. فاندلعت حرائق في بعض خزانات الوقود. واستنكر عضو مجلس الرئاسة في جمهورية اليمن الديمقراطية، سليمان ناصر مسعود، هذه الأعمال العدوانية، الخارجة على القيم الوطنية والإنسانية. وناشد مجلس الأمن، وجامعة الدول العربية، والأشقاء والأصدقاء، أن يضعوا حداً للغطرسة والغرور والهمجية، التي تحكم تصرفات حكام صنعاء. قال إنّ القيادة السياسية الجنوبية تبحث في إمكان قصف منشآت نفطية شمالية، رداً على قصف مصفاه عدن، الذي وصفه بأنه تصعيد خطير في الحرب، لا يمكن السكوت عليه .

    د.
    تحدثت أوساط سياسية وعسكرية رفيعة المستوى في صنعاء، عن توجه سياسي وعسكري، إلى وقف النار، لكن التطورات الأخيرة حالت دون إعلان القرار الحكومي بهذا الشأن. ولم تستبعد المصادر نفسها، أن تتخذ صنعاء قراراً بوقف النار، بعد استكمال مشاوراتها على الصعيدين السياسي والعسكري.

    وكانت وزارة الدفاع في صنعاء، توقفت قبل أيام عن إصدار بيانات عن سير المعارك العسكرية. واكتفت مصادر الوزارة بتكذيب بعض ما ورد في وسائل الإعلام التابعة للحزب الاشتراكي، من "إتهامات استهدفت النيل من الحقائق العسكرية على ساحة القتال".

    ووفقاً لما أكدته المصادر والمعلومات، أصبحت ثلاث محافظات يمنية في جنوب البلاد وشرقها، "تحت السيطرة المطلقة للقوات المسلحة الحكومية، وهي محافظات أبين، وشبوة، ولحج .


    7.
    في 7 يونيه 1994

    أ.
    أبلغت حكومة اليمن الشمالي، الأمين العام للأمم المتحدة، أن وقف النار، بناء على قرار مجلس الأمن الرقم (924)، في جبهة القتال، سوف يسري في الساعة الثانية عشرة، ليل الإثنين ـ الثلاثاء "6 يونيه/ 7 يونيه 1994".

    ب.
    قالت مصادر سياسية يمنية رفيعة المستوى، إن قبول القيادة الشمالية تنفيذ قرار مجلس الأمن الرقم (924)، بشأن وقف إطلاق النار، جاء نتيجة عاملين أثنين، في آن واحد:

    الأول :
    اقتناع صنعاء أن الحرب لن تحقق أهدافها، في القضاء على القيادة الجنوبية، وفرض الوحدة بالقوة.

    والثاني:
    هو الاتصالات التي أجرتها الإدارة الأمريكية، بشأن ضرورة تنفيذ القرار الدولي، قبل وصول الأخضر الإبراهيمي، مبعوث الدكتور بطرس غالي، الأمين العام للأمم المتحدة، إلى صنعاء اليوم. وحذرت من أنها ستدعو إلى عقد جلسة طارئة لمجلس الأمن، ليحث على تنفيذ القرار، الذي أصدره بشأن اليمن.


    وعلى الرغم من ذلك صدرت إشارة مناقضة، من الدكتور عبدالوهاب الديلمي، عضو الهيئة العليا للتجمع اليمني للإصلاح، وذلك في فتوى أصدرها، حرّم فيها وقف القتال، وأحل لأفراد القوات الشمالية "نهب وسلب وقتل أي مواطن من الملحدين، أبناء المحافظات الجنوبية"، باعتبار ذلك "غنيمة حرب". جرى في الوقت الذي كانت صنعاء تحاول فيه تحقيق أية مكاسب ممكنة على الأرض، قبل تنفيذ وقف القتال، في منتصف الليلة الماضية .

    وكانت الرئاسة المصرية قد أصدرت بياناً، نددت فيه بقصف القيادة الشمالية لمصفاة عدن، واتهمتها بعدم الالتزام بوعودها في هذا الشأن. ودعت إلى تنفيذ قرار مجلس الامن، ووقف القتال، لإتاحة الفرصة أمام الجهود الدولية لتهيئة المناخ للحوار السياسي الموصِّل إلى حل للصراع في اليمن.

    وجاء ذلك بعد يوم واحد، من صدور بيان المجلس الوزاري لمجلس التعاون الخليجي، الذي عبّر فيه عن قلقه من استمرار القتال. وأشار إلى أن دول مجلس التعاون، لن تقف مكتوفة الأيدي أمام ما يجري من نزيف للدم، وتدمير في اليمن.

    جـ.
    وكان الدكتور عبدالعزيز، الدالي "مبعوث الرئيس الجنوبي علي سالم البيض"، قد التقى كلاً من روبرت يلليترو "مساعد وزير الخارجية الأمريكي لشؤون الشرق الأوسط"، ومارتن أنديك "مسؤول الشرق الأدنى في مجلس الأمن القومي الأمريكي"، بمقر وزارة الخارجية الأمريكية في واشنطن أمس. وعبر الدالي، عن ارتياحه عقب اللقاء، الذي دار حول وقف إطلاق النار، والعودة إلى الحوار السياسي، والدور الأمريكي في حل الأزمة".

    وأكد الدالي أنه "لم يُطرح موضوع الاعتراف، أو طلب وصول قوات دولية إلى اليمن، لمراقبة وقف اطلاق النار في هذه المرحلة"، ولكنه لم يستبعد ذلك في وقت لاحق، "إذا استمر العدوان". و"لن نتردد في ذلك حينئذ".

    وأشار الدالي، إلى "أن الاعتراف الدولي سيأتي أولاً، من الدول الشقيقة ثم الصديقة". و"أن ذلك يسير في طريقه العادي الطبيعي". وكان المهندس حيدر أبو بكر العطاس، "رئيس وزراء اليمن الديموقراطية"، قد اجتمع مع الدكتور عصمت عبدالمجيد "الأمين العام للجامعة العربية". وصّرح عقب الاجتماع أن "الاعتراف باليمن الديموقراطية ليس هو القضية الأولى على جدول أعمالنا، وإنما القضية هي وقف نزيف الدم". وأشاد بالبيان الذي أصدره وزراء خارجية التعاون الخليجي أول من أمس، وذلك الذي أصدرته الرئاسة المصرية أمس أيضاً .

    وقد أعلن أعضاء قيادة المؤتمر الشعبي العام، في المحافظات الجنوبية والشرقية، قطع صلتهم التنظيمية بالقيادة في صنعاء، إعتباراً من أول أمس، احتجاجاً على "كل ما يجري من دمار ومآس في اليمن، وعلى عدم الالتزام الفوري بوقف إطلاق النار، وتطبيق قرار مجلس الأمن الرقم 924" .

    د.
    استمر قرار وقف إطلاق النار، الذي أعلنت صنعاء قبوله، لمدة خمس ساعات فقط خلال يوم 7 يونيه 1994، حيث تجددت المعارك العنيفة، وعلى كل الجبهات. وأفاد مراسل وكالة "فرانس برس"، على جبهة القتال، أن القوات الشمالية استولت على بلدة صبر، التي تبعد نحو 18 كم شمالي عدن، حيث دارت معارك عنيفة بين الجانبين. وتسعى القوات الجنوبية إلى احتواء تقدم الشماليين، وتدور معارك شرسة بالمدفعية الثقيلة على هذه الجبهة. وقال ضباط جنوبيون إن القوات الشمالية، تركز قوة نيرانها على منطقة تبعد عشرة كيلو مترات شمالي خور بندر تواهي، الذي يفصل عدن عن ضاحية عدن الصغرى الصناعية. و قد سقطت قذائف الشماليين على الأرض، على مسافة كيلو مترين شمالي محطة كهرباء الحسوة الرئيسية في عدن. وقصفت القوات الشمالية، ميناء عدن للمرة الأولى منذ اندلاع الحرب. ولا حظ مراسل وكالة "فرانس برس"، أن القذائف انفجرت في المرسى، من دون أن تصيب السفن، أو منشئات الميناء، وقد أطلقت القذائف من الخطوط الشمالية، الواقعة على بعد حوالي عشرين كيلومتراً شمالي عدن. وأن أحياء عديدة من عدن باتت محرومة من الكهرباء والمياه. وأعلن متحدث عسكري في عدن، أن القوات الجنوبية صّدت هجوماً واسع النطاق، في شمالي محافظة حضرموت. وقال المتحدث إن "القوات الجنوبية، أرغمت القوات، التي شنت فجر اليوم هجوماً واسع النطاق، في شمالي حضرموت، على التقهقر، وتقوم حالياً بتطهير جيوب المقاومة"، وأن وسائل الدفاع الجوي أسقطت طائرة ميج 21 (MIG-21)، شمالية في منطقة المعارك .






    القسم الخامس: تطورات الموقف السياسي خلال الفترة من الأول من يونيه إلى 7 يونيه 1994
    1.
    في 1 يونيه 1994

    أ.
    في نيويورك، عقد مجلس الأمن في 31 مايو، أولى جلساته الرسمية المغلقة، لبحث الأزمة اليمنية، تلبية لطلب المملكة العربية السعودية، وعمان، والبحرين، ودولة الإمارات العربية المتحدة، والكويت، ومصر. واستكمل سفير المملكة العربية السعودية لدى واشنطن، سمو الأمير بندر بند سلطان، لقاءاته بكامل أعضاء مجلس الأمن، واجتمع في الأمم المتحدة مع سفراء الدول العشر، غير الدائمة العضوية في المجلس، ليحضها على تبني مشروع قرار يدعو إلى وقف النار، ويؤكد أنه "لا يمكن حل الخلافات السياسية، باستخدام القوة، أو المقاومة المسلحة".

    وانتقل الخلاف من صنعاء وعدن إلى نيويورك، بتوجه وفدين منفصلين، للقاء رئيس مجلس الأمن، والأمين العام للأمم المتحدة، أحدهما برئاسة عضو مجلس الرئاسة السيد عبدالعزيز عبدالغني، والآخر برئاسة السيد عبدالعزيز الدالي، مسؤول العلاقات الخارجية في الحزب الاشتراكي. وأكد الوفد الأول، ضرورة تأكيد وحدة اليمن، ودعا الثاني إلى الاعتراف بانفصال الجنوب. كما تمثل الخلاف في تظاهرتين أمام الأمم المتحدة، إحداهما تدعو المجموعة الدولية، إلى الإصرار على استمرار وحدة اليمن وإدانة التمرد، والأخرى تحض الأمم المتحدة على الاعتراف بـ "الجمهورية الديموقراطية اليمنية"، وترفض استخدام الوحدة والشرعية، ذريعة لتحقيق مكاسب عسكرية لمصلحة الشمال.

    وداخل مبنى الأمم المتحدة، زاد التحرك الديبلوماسي والسياسي، مع تناول مجلس الأمن الأزمة اليمنية رسمياً. وقالت مصادر خليجية، إن الدول الخمس الدائمة العضوية في المجلس تدعم مشروع القرار، الذي قدمته المملكة العربية السعودية، وعُمان رسمياً الأسبوع الماضي. لكن المصادر اليمنية، قالت إن بعض هذه الدول تصر على تعديلات على مشروع القرار، لجهة تأكيد "وحدة" اليمن، وسلامة أراضيه.

    وتضاربت التقارير، عن مواقف الدول الأعضاء في مجلس الأمن، من التعديلات التي سعى الوفد اليمني إلى إدخالها على مشروع القرار، وهي: ذكر "الجمهورية اليمنية" و"حكومة اليمن" في مشروع القرار، بدلاً عن الإشارة إلى "أطراف النزاع"، وذلك كي لا يتم وضع الحكومة اليمنية، على قدم المساواة مع الآخرين؛ وأن يتضمن القرار إشارة واضحة إلى "احترام وحدة اليمن"، وسلامة أراضيها، والديموقراطية"، ثم "التعريف الواضح لمهام بعثة تقصي الحقائق، التي سيوفدها الأمين العام إلى المنطقة، حسب نص مشروع القرار، "من أجل تقويم إمكان تجدد الحوار بين الأطراف، وبذل مزيد من الجهود، من جانب الأطراف لحل خلافاتهما".

    وقالت مصادر خليجية رفيعة المستوى، إن الدول التي تبنت تقديم مشروع القرار، تصر على عدم إدخال تعديل يؤكد ضرورة استمرار وحدة اليمن، وذلك "لأن مثل هذا التعديل قد يبعث برسالة خاطئة إلى الشمال". ووقالت هذه المصادر إنها لا علم لها، بأي تعديل بشأن هذا الاتَجاه، ولم تتسلم أية تعديلات على مشروع قرارها، منذ تقديمه رسمياً إلى مجلس الأمن. وأفادت أنه، إضافة إلى الدول الخمس الدائمة العضوية، أعربت ثماني من الدول العشر غير دائمة العضوية في المجلس، عن تأييدها لمشروع القرار، كما هو، وأن البرازيل ونيوزيلندا فقط، أعربتا لسمو الأمير بندر، خلال الاجتماع، عن عدم توفر التعليمات لديهما بعد.

    وشدد سمو الأمير بندر خلال اللقاء، على أن استمرار الوضع في اليمن، يشكل تهديداً لاستقرار المنطقة، وأنّ على مجلس الأمن أن يطالب بوقف القتال، لأن تدفق اللاجئين إلى الدول المجاورة، يشكل تهديداً لاستقرار المنطقة، حسب الطرح السعودي، إلى جانب انعكاس الوضع الاقتصادي لليمن، واستقرارها، على الدول المجاورة.

    وبموازاة التحرك السعودي، مع أعضاء مجلس الأمن، تحرك مندوب اليمن لدى الأمم المتحدة السفير عبدالله الأشطل، وعقد سلسلة اجتماعات مع أعضاء المجلس، عارضاً موقف صنعاء، القائل إن طرح الازمة اليمنية في المجلس، يشكل تدخلاً في الشؤون الداخلية.

    وحشدت المملكة العربية السعودية، دعم مصر، والدول الأعضاء في مجلس التعاون الخليجي، باستثناء قطر، للقيام بحملة لدى أعضاء مجلس الأمن، لحضه على تبني قراره، بأسرع وقت ممكن .

    وما زالت صنعاء تجدد رفضها تدخل مجلس الأمن، ومناقشته القتال الدائر في اليمن، وصرّح عبدالعزيز عبدالغني، رئيس وفد اليمن، إلى الصحافيين، أن صنعاء لم تُسْتَشَر في طرح قضية اليمن على مجلس الأمن، وطالب الأشقاء والأصدقاء بأن يتعاملوا مع جمهورية اليمن، بموجب قواعد القانون الدولي، التي تحترم سيادة كل بلد، وألا يتدخل أي بلد في شؤون البلد الآخر .

    ب.
    في اليوم ذاته، دعا رئيس مجلس النواب اليمني، رئيس التجمع اليمني للإصلاح، الشيخ عبدالله بن حسين الأحمر، دول عدم الانحياز إلى عدم الاعتراف بـ"جمهورية اليمن الديموقراطية". والتعامل مع ما يجري في اليمن باعتباره شأناً داخلياً، وذلك في رسالة بعث بها إلى وزير الخارجية المصري، السيد عمرو موسى، الذي يرأس اجتماعاً لدول عدم الانحياز .

    جـ.
    وفي إطار تنسيق المواقف العربية، بشأن مناقشة القضية في مجلس الأمن، استقبل الرئيس المصري، محمد حسني مبارك، سمو الأمير سعود الفيصل، وزير الخارجية السعودي، الذي صرح، عقب المقابلة، بأنه نقل إلى الرئيس مبارك رسالة من خادم الحرمين الشريفين، الملك فهد بن عبدالعزيز، وقال: "إننا نؤيد أي قرار يصدر عن مجلس الأمن، بوقف القتال في اليمن. ونأمل بأن يلقى هذا القرار صداه في اليمن". وأضاف: "أن المشاورات مستمرة بين الرئيس مبارك والملك فهد في كل القضايا، التي يمر بها العالم العربي وبطبيعة الحال منها اليمن .

    كما عقد سمو الأمير بندر بن سلطان، سفير المملكة العربية السعودية في واشنطن، ومندوبها الدائم في الأمم المتحدة، اجتماعين:

    الأول:
    مع المندوبين الدائمين لدول مجلس التعاون الخليجي، لدى المنظمة الدولية.

    الثاني:
    مع ممثلي الدول العشر غير دائمة العضوية في مجلس الأمن، للتشاور حول موقف موحد بشأن طرح الأزمة اليمنية، أمام المجلس.


    د.
    تتهم شخصيات يمنية وطنية، قيادة صنعاء، بعرقلة وقف النار، ورفض المبادرة الأخيرة المتضمة أربع نقاط. وفي دمشق تسلم السيد محمد عبده شطفه، رداً من القيادة الشمالية على المقترحات، التي نقلها العيني وأبو شوارب إلى رئيس مجلس الرئاسة، علي عبدالله صالح، ورئيس مجلس النواب الشيخ عبدالله الأحمر. وأوضح شطفه أن "الحوار"، الذي دار بينه وبين كل من العيني وأبو شوارب، تضمن النقاط الآتية:

    (1)
    وقف فوري لإطلاق النار، من دون شروط مسبقة.

    (2)
    فك الاشتباك بين القوات الشمالية، والقوات الجنوبية، وانسحاب القوات الشمالية، لمسافة تراوح بين 80 و100 كم.

    (3)
    تجميد كل القرارات المتخذة، التي أُعلنت منذ 4 مايو 1994.

    (4)
    بدء الحوار السياسي بين الجنوبيين والشماليين، من دون شروط مسبقة للتوصل، إلى حل سياسي للأزمة.


    وأضاف شطفه، سفير اليمن في سورية، الذي أوقفته صنعاء أخيراً، أنه تلقى أمس رداً من القيادة في صنعاء، نقله العيني وأبو شوارب، بعد اتصالاتهما مع رئيس مجلس الرئاسة، والشيخ عبدالله الأحمر، ووزير الداخلية العميد يحيى المتوكل، موضحاً أن رد صنعاء تضمن أربع نقاط هي:

    (1)
    وقف إطلاق النار.

    (2)
    إلغاء القرارات كلها، بما فيها قرارات عزل القادة الجنوبيين وملاحقتهم.

    (3)
    الحوار، "ولكن ليس على أساس وثيقة العهد والاتفاق"، الموقعة في عمان.

    (4)
    وضع جدول للحوار السياسي القيادي، بعد أول لقاء يتم بين القياديين، في عدن وصنعاء.




    هـ.
    وتشير تقديرات المصادر الدولية، إلى أن "الاحتياطيات الإستراتيجية" من الأغذية في شطري اليمن، لا تكفي لأكثر من تسعة أسابيع. ولم يعد لدى الحكومة في صنعاء من احتياطيات النقد الأجنبي، إلاّ ما يكفي لاستيراد احتياجات ستة أسابيع فقط.

    وقد أدى اندلاع الحرب في اليمن، إلى وقف خطوط ائتمان، كان صندوق النقد الدولي يوشك أن يقدمها إلى صنعاء. وقالت المصادر إن استمرار الحرب ينذر بزيادة عدد اللاجئين، إلى نحو 600 ألف شخص، ويدفع بهم للنزوح إلى الدول المجاورة. ومن ثم يجتهد سالم بن محمد الخصيبي "مندوب عمان الدائم في الأمم المتحدة، ورئيس مجلس الأمن للشهر الحالي، في طرح القضية كأولوية، للتوصل إلى قرار بوقف إطلاق النار، على الفور.

    و.
    وفي الأول من يونيه، استمرت المشاورات في مجلس الأمن لليوم الثاني، بشأن قرار وقف إطلاق النار. وصرح عبدالعزيز عبدالغني، أن موقف صنعاء، هو "أن هذه قضية داخلية لا ينبغي طرحها في مجلس الأمن، وجئت خصيصاً من صنعاء"، للتأكيد لمجلس الأمن "أن هذا الموضوع شأن داخلي". و"من حيث المبدأ لسنا راغبين في انعقاد المجلس، إنما ليس في قدرتنا أن نملي على مجلس الأمن ماذا يفعل. وكنا نفضل ألاّ يتناول المجلس هذا الموضوع، إنما، وهو ينظر الآن فيه، فإن مسؤوليتنا تقتضي طرح وجهة نظرنا على الأعضاء، لنتفاهم معهم على صيغة مشروع القرار".

    وتم الاتفاق على القرار، على الرغم من أن مجلس الأمن تلقى رسالة من مندوب الجمهورية اليمنية لدى الأمم المتحدة، السفير عبدالله الأشطل، اعتبرت أن طلب انعقاد المجلس لبحث الوضع في اليمن، الذي تقدمت به دول مجلس التعاون، ومصر، "تدخل في الشؤون الداخلية للجمهورية اليمنية، يتنافي مع المادة الثانية من الفقرة السابعة من ميثاق الأمم المتحدة".

    وأشار القرار في الفقرات التمهيدية، إلى أن المجلس تصرف بموجب المادة 34 من الميثاق، واعتبر أن "استمرار الوضع، قد يعرض السلم والاستقرار في المنطقة إلى الخطر". وعبر عن تقديره لجهود الجامعة العربية، ومجلس التعاون، والدول المجاورة، وغيرها من الدول المعنية، الرامية إلى المساهمة في حل سلمي للنزاع، وضمان "الأمن والاستقرار" .

    ز.
    وبعد الاتفاق على صيغة القرار، أصدر مجلس الأمن مساء الأول من يونيه 1994، قراره الرقم (924) ، الذي منتظراً، بشأن الحرب اليمنية، طالب فيه بوقف فوري لإطلاق النار، وحث على وقف توريد الأسلحة إلى طرفي الصراع، ودعاهما إلى العودة إلى المفاوضات، لحل الخلافات بالوسائل السلمية، بعد أن أكد أنه لا يمكن حل الخلافات السياسية باستخدام القوة. وكلف الأمين العام للأمم المتحدة إرسال بعثة لتقصي الحقائق إلى المنطقة، في أقرب وقت ممكن، وتقديم تقرير إلى المجلس عن الحالة، في وقت مناسب.

    جاء ذلك في ختام يومين من المشاورات المكثفة. وطالبت قطر بالتأكيد على أهمية أن يتمشى القرار مع "الشرعية والوحدة اليمنية"، بما يتفق مع ما أصرت عليه صنعاء. ولكن الوفد القطري في المنظمة الدولية، أثار دهشة الجميع، عندما طلب في اللحظات الأخيرة حذف كل إشارة إلى الوحدة، من نص المشروع.

    وقالت مصادر دبلوماسية مطلعة، إن هذا التراجع في موقف صنعاء، في أعقاب تشددها في معارضة طرح القضية أمام مجلس الأمن، أو تدويلها باعتبارها ـ من وجهة نظرها ـ "شأناً داخلياً لا يقبل هذا التدخل السافر"، كما عبرت عنه تصريحات عبدالوهاب الآنسي "نائب رئيس الوزراء، والأمين العامللتجمع اليمني للإصلاح"، يعني توجهاً جديداً لقبول الانفصال، الذي أصبح أمراً واقعاً، ولكن تحت مظلة مجلس الأمن. وجدير بالذكر أن الدول العربية التي طرحت القضية أمام المجلس، لم تتطرق إلى الوحدة، وإنما فقط إلى وقف إطلاق النار .

    وفي أول رد فعل من جانب اليمن الديموقراطية (الجنوبية)، صرّح المهندس حيدر أبو بكر العطاس "رئيس الوزراء المكلف"، أن "اليمن الديموقراطية تقبل تنفيذ القرار، الذي اتخذه مجلس الأمن بكل فقراته، وستعمل من جانبها على اتخاذ كافة التدابير اللازمة للتقيد بنصوصه، وتجدها فرصة مناسبة للتعبير عن شكرها لأمين عام الأمم المتحدة، الدكتور بطرس غالي، ورئيس وأعضاء مجلس الأمن، والدول التي تقدمت بمشروع القرار إلى المجلس، على الحرص الذي أبدوه لوقف الحرب حقناً للدماء، وصوناً للممتلكات، وتهيئة الأجواء والظروف المناسبة لحوار أخوي للهيئات بين شطري اليمن، وصولاً إلى حلول سلمية، وثابتة، للأزمة السياسية الراهنة، التي تعيشها اليمن، وخدمة للمصالح العليا للشعب اليمني، وصوناً للحياة، وخدمة للأستقرار في المنطقة" .

    وأكد الدكتور عبدالعزيز الدالي، مبعوث قيادة عدن إلى الأمم المتحدة، أنه سّلم الدكتور غالي، النص الرسمي لوثيقة إعلان جمهورية اليمن الديمقراطي، وحصل من الأمين العام للأمم المتحدة على وعد بدراستها. وصرّح سمو الأمير بندر بن سطان، عقب صدور القرار، أن "هناك أناساً يفقدون حياتهم كل يوم، ونحن نرى أنّ الهدف، الذي يجب أن تكون له الأولوية، هو وقف إطلاق النار، فلدينا أهتمام أساسي بالشعب اليمني، وتحقيق الاستقرار في الخليج، وإنقاذ حياة الناس، ثم نتطرق بعد ذلك إلى المشكلات الأخرى" .

    وكانت ثمة حالة تأهب في عدد من الدول الأوروبية، وفي باكستان، للإسهام في وحدات مراقبين دوليين، للمحافظة على وقف إطلاق النار في اليمن، والتأكد من نية صنعاء، وعدن، في التعاون لتسهيل مهمتهم، وتوفير الاعتمادات المالية اللازمة لإرسالهم .

    وقال جيمس روبن، الناطق الرسمي باسم البعثة الأمريكية في الأمم المتحدة، إن "واشنطن، تؤيد قراراً من مجلس الأمن، يضع حداً لسفك الدماء اليمنية البريئة، ويَحث جميع الأطراف على اللجوء إلى الحوار الدبلوماسي". وشدد على أن "الولايات المتحدة الأمريكية تدعم التحرك الإقليمي، بشأن وقف القتال في اليمن".

    ح.
    قالت مصادر سياسية مطلعة في القاهرة إن مشاورات عربية ـ يمنية، تجري حالياً للاتفاق على صيغة لاستئناف الحوار اليمني، برعاية عربية، في حال التوصل إلى اتفاق لوقف القتال، والفصل بين القوات اليمنية. وأضاف المصدر أن تقدم مصر، وخمس دول خليجية، بطلب إلى مجلس الأمن لبحث الأزمة اليمنية، يرجع إلى الحرص على تجنب تداعيات استمرار القتال، والمخاطر التي تهدد دول الجوار، وكذلك منطقة حوض البحر الأحمر. وأُعتبر، تبني هذه الدول، لقرار مجلس الأمن، بمثابة دعم سياسي خليجي كبير لجنوب اليمن، لكن المصادر الخليجية المعنية، عدته دعماً لوقف الاقتتال، وسفك الدماء في اليمن.

    2.
    يوما 2، 3 يونية 1994

    أ.
    صدر قرار في عدن بتشكيل حكومة جمهورية اليمن الديموقراطية، برئاسة حيدر العطاس ، وتتكون من ثلاثين وزيراً.

    ب.
    بدأت، بالفعل، ترتيبات وقف إطلاق النار. وأعلن الدكتور بطرس غالي، "الأمين العام للمنظمة الدولية"، في نيويورك، تعيين الأخضر الإبراهيمي "وزير الخارجية الجزائري الأسبق"، رئيساً لبعثة تقصي الحقائق التابعة للأمم المتحدة، موفداً عن الأمين العام، ليغادر إلى اليمن على الفور، ويقدم تقريراً عن الأوضاع في اليمن، إلى الأمين العام للأمم المتحدة، مع بداية الأسبوع المقبل .

    جـ.
    رحّب مجلس الوزراء اليمني في صنعاء بالقرار، الذي أصدره مجلس الأمن، حول الحرب الدائرة في اليمن، دون أن يلتزم بوقف النار. وجاء في الخبر، الذي بثته وكالة الأنباء اليمنية الرسمية، حول الاجتماع الطارئ، الذي عقده مجلس الوزراء اليمني صباح أمس، أن "المجلس عبر عن تقديره للقرار، الذي استند إلى نصوص ميثاق الأمم المتحدة، وفي مقدمتها سيادة واستقلال الجمهورية اليمنية، ووحدة أراضيها".

    وقال عبدالقادر باجمال "نائب رئيس الوزراء اليمني"، أن الحكومة لا تستطيع وحدها وقف إطلاق النار، رغم ترحيبها بقرار مجلس الأمن، وأنّ عليها أن تراعي دستور البلاد، والعودة إلى التشاور مع البرلمان الشرعي، لدولة الوحدة.

    ومن ناحية أخرى، قال الشيخ عبدالله بن حسين الأحمر "رئيس مجلس النواب"، إن الحرب تكاد تكون محسومة لصالح الشرعية .

    د.
    وفي القاهرة أعربت مصر عن تاييدها لقرار مجلس الأمن، بوقف القتال في اليمن. وقال وزير الخارجية السيد عمرو موسى: "إن هذا القرار يتعاطى مع وضع مأسوي خاص، بشعب يقاتل بعضه بعضاً، في الشمال والجنوب. وهذه مسألة غير مقبولة. لذلك كانت مصر من الدول المحركة للقرار، لأنه ليس من المقبول الحديث عن الوحدة، باستخدام القوة" .

    هـ.
    ولم يَحُلْ صدور قرار مجلس الأمن، الداعي إلى وقف النار، دون استمرار المعارك في اليمن، وقالت مصادر عسكرية إن حدة القتال زادت، في المناطق المحيطة بعدن.

    و.
    تعقد في مدينة أبها، جنوب المملكة العربية السعودية، يومي السبت والأحد 4، 5 يونية 1994، اجتماعات الدورة العادية الحادية والخمسين، لوزراء خارجية دول مجلس التعاون الخليجي، وسط مؤشرات، تؤكد أن الوضع في اليمن، سيتصدر جدول أعمال اللقاء الذي يرأسه وزير الخارجية السعودي، سمو الأمير سعود الفيصل، الذي ترأس بلاده الدورة الحالية، لمجلس التعاون الخليجي.

    ويأتي اللقاء الوزاري الخليجي، ضمن الاجتماعات الدورية للوزراء، لكن تطورات الأوضاع في الجارة الجنوبية لدول المجلس، تأخذ حيزاً كبيراً في هذا اللقاء. خصوصاً أنه سينعقد في أعقاب إصدار مجلس الأمن، قراراً عن الوضع في اليمن، يستند إلى مشروع القرار الخليجي ـ المصري، ويدعو إلى وقف النار فوراً، وفرض حظر على إرسال الأسلحة إلى اليمن، وإرسال بعثة لتقصي الحقائق، والدعوة إلى استئناف الحوار السياسي، وتأكيد عدم فرض حل الأزمة بالقوة.







    3.
    يوما 4، 5 يونية 1994

    أ.
    توقعت مصادر مطّلعة، أن يصدر مجلس الرئاسة، الذي يرأسه الفريق علي عبدالله صالح، قراراً بوقف النار، في موعد محدد اليوم، أو غداً الأحد، في أقصى تقدير.

    إلاّ أن وزير الإعلام اليمني، حسن أحمد اللوزي، صرح بأن وقفاً لإطلاق النار "ممكن"، لكن حكومة صنعاء تنتظر زيارة بعثة تقصي الحقائق من الأمم المتحدة، برئاسة الأخضر الإبراهيمي، قبل الدخول في مفاوضات رسمية، من أجل وضع حد للقتال. وأضاف: أننا ننتظر اللجنة، ثم نقرر مع من يُمكاننا أن نتكلم" .

    ب.
    أكد عضو مجلس الرئاسة، عبدالعزيز عبدالغني، أن "القرار السياسي لوقف النار أُتخذ، وأن الخطوة التالية، تتناول القيادة العليا للقوات المسلحة"، في ما وصفه بأنه "عملية إجرائية". وعدّ إعلان تشكيل حكومة في عدن، "عملاً تخريبياً، وخطوة إضافية على صعيد تفاقم الوضع". وقال إن هذا الإعلان، "يشكل خرقاً لقرار مجلس الأمن، والمطلوب الآن الاتفاق حول قرار المجلس ووقف النار". وزاد أن "الجمهورية اليمنية، هي التي لديها الشرعية والسيطرة على كل الأراضي".

    جـ.
    في حين صرح مبعوث السيد علي سالم البيض، "الدكتور عبدالعزيز الدالي"، أن "الأولوية الآن هي، لتحديد موعد لوقف النار".

    وشدد الدالي، بدوره، على أن الجهود التي يبذلها في الأمم المتحدة، تصب في خانة "إيقاف القتال، ونزيف الدم". وأن ما يسعى إليه في إتصالاته بأعضاء مجلس الأمن، والأمانة العامة، هو "تأكيد ضرورة تحديد موعد حاسم لوقف النار، وتحديد موعد وصول الإبراهيمي"، إلى المنطقة.

    د.
    وفي القاهرة، اعترض وزير الخارجية اليمني، السيد محمد سالم باسندوه ، على إغفال قرار وزراء خارجية عدم الانحياز، في شأن اليمن، تأكيد الوحدة اليمنية، وانسحب من الجلسة الختامية، قبل رفعها. وألقى كلمة خلال الجلسة نفسها قال فيها: "إن السماح بذبح وحدة اليمن، يعتبر بداية لذبح وحدات أخرى، في مؤتمرات مقبلة".

    وأبدى استعداد بلاده، الالتزام بقرار مجلس الأمن، الذي يدعو إلى وقف النار في اليمن، وقبول أي وساطة من شأنها إنهاء الأزمة اليمنية، في إطار الحفاظ على وحدة اليمن.

    وأيد وزراء خارجية دول عدم الانحياز، في قرارهم الخاص باليمن، الجهود المبذولة في سبيل المساهمة في حل الصراع اليمني، بالوسائل السلمية، واستئناف الحوار بين الأطراف اليمنية، لإقرار السلم والاستقرار هناك.

    وأكدوا تأييدهم لقرار مجلس الأمن الرقم (924)، بما يتضمنه من وقف فوري للقتال، والإمدادات بالأسلحة، التي قد تساهم في استمرار القتال، وإيفاد بعثة لتقصي الحقائق إلى المنطقة في أقرب وقت ممكن، للمعاونة في استئناف الحوار، بين الأطراف المتصارعة في اليمن. وشدد القرار على نبذ حل الخلافات السياسية باستخدام القوة، وحض الأطراف على إعادة السلم والاستقرار، وصون مصالح الشعب اليمني، الأمر الذي سينعكس إيجابياً على صون الاستقرار في المنطقة بأسرها . وانتقد مصدر دبلوماسي يمني شمالي في القاهرة، قرار المؤتمر الوزاري لحركة عدم الانحياز، في شأن اليمن، معتبراً أنه "مجرد صدى لقرار مجلس الأمن الرقم 924".

    وأكد المصدر نفسه، أن من حق الشرعية اليمنية بسط سيطرتها على كل التراب اليمني، ولا ينبغي التعامل مع هذا الأمر، وفق نهج التعامل مع أزمة احتلال العراق للأراضي الكويتية. ولفت النظر إلى "أن تشكيل ما يسمى حكومة الجنوب، يكشف عن أن زعيم الحزب الاشتراكي، علي سالم البيض، الخارج على الشرعية، وضع مقدرات الجنوب في أيدي الآخرين".

    هـ.
    وفي أول تصريح له عقب تعيينه نائباً لرئيس الوزراء، ووزيراً للخارجية في "جمهورية اليمن الديموقراطية"، صرح السّيد عبدالله الأصنج، بأنه سيتوجه خلال أيام إلى نيويورك، لمتابعة تطورات الحرب في اليمن، في الجمعية العامة للأمم المتحدة، ومجلس الأمن. وأنه سيلتقي الأمين العام للأمم المتحدة، وممثلي الدول الصديقة . وأنّ أولوياته كوزير للخارجية، "هي تعزيز الاتصالات مع مصر، ودول مجلس التعاون الخليجي، وكل الدول العربية، لمناشدتها مواصلة الاهتمام بالتطورات في اليمن، خصوصاً وأن الرئيس علي عبدالله صالح، رئيس اليمن الشمالي، يبدو وكأنه يراوغ في مسألة التزام قرار مجلس الأمن". وأكد أنه سيقوم بأول جولة له بعد تعيينه، إلى عدد من الدول العربية والخليجية، وقال إنه بعث ببرقيات إلى وزراء مجلس التعاون الخليجي الذي سيجتمعون في مدينة أبها السعودية اليوم، ناشدهم فيها سرعة الاعتراف باليمن الديمقراطية، واتهم القوات الشمالية بتلقي أوامر بتدمير القرى والمنشآت على رؤوس من فيها. وقال إنه بعث ببرقية مماثلة إلى الرئيس المصري حسني مبارك بهذا الشأن أيضاً .

    و.
    مع استمرار القتال، قال سمو الأمير سعود الفيصل ، في كلمته يوم 4 يونيه التي افتتح بها دورة المجلس الوزراي، لمجلس التعاون الخليجي في مدينة أبها السعودية، إن "استمرار القتال ستكون له مضاعفات على دول مجلس التعاون الخليجي"، وأن ذلك سيؤدي إلى "ضرورة اتخاذ دوله إجراءات تجاه هذا الوضع"، بعد أن أخذت الأمور منحنى خطيراً، على رغم كل الجهود والوساطات، حتى بلغت مرحلة الصدام المسلح بين الإخوة الأشقاء، إلى صراع مرير، تعتصر له القلوب". وأكد سمو الأمير سعود الفيصل، أنه "لا بد وأن يصدر عن المجلس الوزاري ما يؤكد أن استمرار القتال ليس مقبولاً لدينا، أياً كان السبب والمصدر"، وعرض سموه، مساعي المملكة ودول مجلس التعاون، في سبيل تجنيب اليمن ويلات الحرب والاقتتال، منذ بداية الحرب. وأشار إلى المبادرة الشخصية للملك فهد بن عبدالعزيز، التي دعى فيها طرفي النزاع إلى وقف الاقتتال، والاستجابة التي أبداها الإخوة اليمنيون، غير أنهم عادو إلى العمليات العسكرية بعد قليل.

    ز.
    وذكر مصدر خليجي مسؤول، أن دول مجلس التعاون الخليجي، ليست حريصة على وقف إطلاق النار فحسب، بل على إيجاد حل سلمي للأزمة، وفق البنود التي دعا إليها قرار مجلس الأمن، بتأكيده ضرورة الحوار، بين الأطراف المعنية أيضاً".

    وأكد المصدر، "أنه في حال عدم تجاوب الحكومة اليمنية، مع ما هدف إليه قرار مجلس الأمن، من ضرورة الحوار مع الطرف الآخر، فإن ذلك سيعّرض صنعاء لمزيد من الضغوط السياسية، التي سيكون من بينها اعتراف المجتمع الدولي، أو بعض الدول، بجمهورية اليمن الديموقراطية". وأشار المصدر إلى أن "المجتمع الدولي في انتظار نتائج مهمة، من مبعوث الأمم المتحدة إلى اليمن