وفاة الفقيه البصري مالئ دنيا السياسة المغربية وشاغلها

الكاتب : عبدالرشيدالفقيه   المشاهدات : 650   الردود : 0    ‏2003-10-22
      مشاركة رقم : 1    ‏2003-10-22
  1. عبدالرشيدالفقيه

    عبدالرشيدالفقيه مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2002-12-01
    المشاركات:
    3,577
    الإعجاب :
    0
    توفي فجر الثلاثاء في مدينة شفشاون الجبلية (شمال المغرب) السياسي المخضرم محمد البصري الشهير باسم «الفقيه البصري» عن عمر يناهز الثالثة والسبعين. وجاءت وفاته بعد فترة وجيزة من عودته من باريس حيث خضع لعملية جراحية في القلب.
    ويعتبر الفقيه البصري أحد مناضلي اليسار المغربي وأحد قادة جيش التحرير.
    ولد في منطقة دمنات (شرق مراكش) وبعد دراسته في كتاب قرآني التحق عام 1944 بمعهد بن يوسف في مراكش، حيث بدأ نشاطه المقاوم للاحتلال الفرنسي. واعتقلته سلطات الاحتلال عام 1954 وتمكن في 1955 من الفرار من سجن القنيطرة.



    وبعد الاستقلال شارك الراحل في تأسيس حزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية اثر انشقاق عن حزب الاستقلال عام 1959، وتولى إدارة صحيفة «التحرير» الناطقة بلسان الحزب الجديد.
    وفي 1966 غادر المغرب باتجاه المنفى الاختياري قبل أن يعود الى أرض الوطن منتصف عام 1995 وعمل منذئد على مشروع «الكتلة التاريخية» الذي حاول من خلاله لم صفوف التيارات السياسية المختلفة الهادفة لوضع حد للعديد من الممارسات السياسوية إعلاء للمصلحة العامة. وكان مشروعه هذا يسعى لجمع قوى اليسار واليمين والتيارات الإسلامية تحت أهداف مشتركة محددة.
    وبغياب الفقيه البصري يكون المغرب قد فقد وجها بارزا ظل يميز حقبة تاريخية بكاملها تميزت بمخاضات سياسية مريرة ميزتها الصراعات الحادة.
    وخلال السنوات الاولى من استقلال المغرب أي في منتصف الخمسينات كان الفقيه البصري الشخصية الثانية والوحيدة بعد الملك الراحل محمد الخامس الذي يلقي خطابه بعد خطاب السلطان في كل مناسبة لتخليد ذكرى ثورة الملك والشعب.
    لكن رهانات السياسة وصراعاتها أدت الى ابتعاد البصري عن القصر الملكي ليدخل المغرب كله في مرحلة من الصراع السياسي المفتوح على كل الاحتمالات بما فيها تصفية الحسابات السياسية عن طريق اللجوء الى حمل السلاح. وخلال سنوات الستينات عاش المغرب على ايقاع صراع سياسي عنيف دفع البصري ضريبته بصدور عدة احكام بالاعدام غيابيا في حقه قبل ان يفر الى المنفى عام 1966.
    وتصلح حياة الفقيه البصري في المنفى تصلح ان تكون سيناريو لمسلسل درامي لما عاشه الرجل من مغامرات اثناء تنقله بين عواصم الغرب والشرق والشخصيات التي التقى بها ومن بينهم من تركوا بصمات خالدة في تاريخ شعوبهم واممهم.
    لكن البصري المنفي ظل حاضرا بقوة داخل المغرب فيما له من تأثير على الاحداث داخل ساحة سياسية في حالة مخاض دائم. وفي الوقت الذي استكن فيه الفاعلون السياسيون الاساسيون في المغرب الى الهدنة التي بدت تباشيرها تطل على المغرب مطلع الثمانينات سعت السلطة الى فتح القنوات مع خصم الامس العنيد ، واستمرت المفاوضات مع الرجل الذي كان يجسد لوحده آخر قلاع الماضي الصامدة عقدا كاملا من الزمن حتى تحققت شروط عودته كما ارادها هو، فكانت العودة التي ارادها بطولية منتصف التسعينات، لكن الرفاق الذين اختاروا طريقاً آخر في سعيهم الى السلطة غير تلك التي ظل الفقيه البصري وفيا لها جعله ذلك الاختيار يجد نفسه في خلاف مرير معهم، وساهم في حدوث انشقاق داخل حزب الاتحاد الاشتراكي الوريث الشرعي لحزب الفقيه البصري «الاتحاد الوطني للقوات الشعبية».
    ورغم ان البصري اختار ان ينأى بنفسه عن الصراع الذي مزق صفوف رفاق الامس، الا انه بحكم تاريخه الطويل كان يمثل ملجأهم، هذه هي المفارقة لجيل صاعد من المناضلين داخل الحزب رأى هو فيهم جزءاً من ماضيه البعيد الذي قضاه في الصراع مع الاستعمار والكفاح من اجل السلطة، ورأوا هم فيه مثالهم الذي يحتذى.
    وطيلة حياته الحافلة بالصراعات ظل الفقيه البصري يمثل خصما صلبا في اعين خصومه، رجل مبادئ لا يحيد عنها امام اتباعه ومشايعيه. وحتى عندما فتح القصر الملكي ابوابه امام العجوز الثائر بعد غياب استمر ثلاثين سنة عنه، وكان ذلك مع تولي الملك محمد السادس الحكم قبل اربع سنوات، الا ان الرجل ظل هو الرجل. وحتى عندما ألم به المرض قبل اسابيع، ظل مالئ دنيا السياسة المغربية وشاغلها، وسيظل كذلك حتى بعد ان غيبته الاقدار.
    ونعت شخصيات سياسية وادبية الفقيه محمد البصري، وقال أحمد الحليمي علمي الوزير السابق «اعتقد انه بغياب الفقيه البصري غاب معه جزء من ذاكرة المغرب التي حملها معه، وهذا امر لا يمكن الا ان يؤثر في مشاعر أمة مثل الأمة المغربية التي عرفت تاريخا طويلا، وعرفت كيف تستوعب كل مراحله من دون ان تجعل مرحلة تطغى على مرحلة اخرى». واضاف الحليمي في تصريح لـ«الشرق الأوسط» ان غياب البصري يعني ان «وجها آخر للمغرب في حالة انقراض، ولن تبقى منه سوى الدروس». مشيرا الى ان هناك في الساحة السياسية «من سيرتاح لهذا الاختفاء، لأن البصري يظل يشكل بالنسبة لهم صوتا مزعجا، لكن يبقى غياب البصري هو غياب لوجه تاريخي انصرف عن حقل سياسي مازال في حالة مخاض وكل انصراف لوجه ما، مهما كان تأثيره هو شيء محزن.
    ومن جهته، وصف محمد الساسي، رئيس جمعية «الوفاء للديمقراطية»، التي انشقت عن حزب «الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية» الفقيه البصري بأنه «رجل يختصر مساره الشخصي بصورة ما، تاريخ المغرب المعاصر بما عاشه من احداث وقعها هو ببصمته العميقة».
    واضاف الساسي ان «البصري غادر المغرب في مرحلة كانت فيها المواجهة على أشدها بين اختيارين: اختيار بناء مغرب على اساس السيادة الشعبية، واختيار آخر يريد بناء مغرب من دون العودة الى السيادة الشعبية، وفي ظل هذا التنازع الحاد وما تمخض عنه من صراعات غادر الرجل البلاد، ورغم ذلك ظل حاضرا من خلال المحاكمات وجو القمع الذي ساد في تلك الحقبة من تاريخ المغرب المعاصر حتى أواخر الثمانينات عندما بدأت السلطة اتصالاتها المباشرة معه لحمله على العودة الى أرض الوطن، لكنه ظل دائما يشترط قبل عودته اطلاق سراح جميع المعتقلين السياسيين، وهو ما تمت الاستجابة اليه ليعود البصري الى المغرب في جو احتفالي عام 1995.
    ويضيف الساسي ان عودة الفقيه البصري في منتصف التسعينات كانت بمثابة «مرحلة جديدة في نظر الكثير من المناضلين الاتحاديين الذين اعتقدوا انها ستغير الكثير من الاشياء عن طريق بناء جبهة عريضة لاعادة بناء الحركة الاتحادية لتجاوز نقاط الضعف ولإنجاح الانتقال الديمقراطي.
    ويقول الساسي عن شخصية البصري انه اكتشف فيه «قائدا يجيد الاستماع» قبل ان يضيف «كان رجلا تستطيع ان تنسج معه صداقة عميقة بكل بساطة، فلم يسبق لي في تاريخ نضالي السياسي ان تعرفت الى قائد سياسي بهذه القدرة الكبيرة على الانصات، فهو يتفهم ثورتك ولاتحس بأنه يقمعك».
    واردف الساسي قائلا : «الجميل في ذكراه هو بيته الذي ظل مفتوحا امام الجميع تجد فيه اليساري والاسلامي ورجل السلطة، لقد كان رجل حوار بامتياز».


    واستحضر فتح الله أرسلان، الناطق الرسمي باسم «جماعة العدل والإحسان» الاصولية شبه المحظورة، التاريخ الحافل بالوقائع والأحداث التي عاشها الفقيه البصري بدء بمقاومته للاستعمار الفرنسي، ثم النضال القوي بعد استقلال المغرب، وما عاناه من نفي وسجن طيلة هذه المدة».
    وقال ارسلان «بعد عودته إلى بلاده، في الأعوام الأخيرة، قام بمحاولات جادة ومضنية لجمع شتات الأطراف السياسية المختلفة في إطار مشروعه «الكتلة التاريخية»، هذا المشروع الذي لم يكمله مع الأسف. فقد جاء قدر الله عز وجل ووضع حدا لهذه الحياة. لكن تبقى أفكاره نابضة بالحياة داعية لتوحيد الجهود قصد مواجهة التخلف والتشتت والجهل والأمية، ورص الصفوف للتقدم بالمغرب إلى مصاف الرقي والعزة وتبقى الإشارة إلى أن الفقيه البصري يعتبر علما من أعلام المغرب التي لن تتلوث. فهو لم يقبل العروض السخية التي قبل بها غيره، وعاش إلى آخر أيامه وفيا لمبادئه السامية.
    وقال الصحافي أحمد ويحمان، الذي رافق الراحل في ساعاته الأخيرة، لـ«الشرق الأوسط»: إن الفقيه البصري لدى عودته من فرنسا حيث أجرى عملية جراحية في القلب فضل النزول في طنجة، حيث استقبله ثلة من أصدقائه الذين رافقوه إلى مدينة شفشاون الجبلية الهادئة (شمال المغرب) لقضاء فترة النقاهة هناك.
    وقبل ساعات من وفاته، كان الفقيه في حالة صحية مطمئنة، ويتحاور مع ثلة من رفاقه في منزل أحد أصدقائه. كان الهم المشترك لدى الحاضرين هو الاطمئنان على صحته، لذلك كانوا يحرصون على ان يكون الحديث متوازيا مع متطلبات النقاهة، لكنه، رحمه الله، لا يلبث أن يعيدهم إلى الهم الوطني والقومي، والوضع الراهن بالبلاد، والانتخابات الأخيرة، والإسلاميين، ووحدة التراب الوطني، و فعاليات اليسار، وحركة الوفاء للديمقراطية، والكونفدرالية المغربية للشغل، والجمعية المغربية لحقوق الإنسان، والعلاقة من الجارة الجزائر، والمقاومة العراقية، والوضع في فلسطين، مستفسرا عن آخر الأخبار في كل واحد من هذه المواضيع.
    ونعى حسن نجمي، رئيس اتحاد كتاب المغرب، ومؤلف سيرة الفقيه البصري، السياسي الراحل قائلا «إن مكانة الراحل ودوره التاريخي والرمزي سوف يتركان في النفوس إحساسا بالمضاضة، وربما إحساسا بالفراغ. ذلك أن الراحل يعتبر أحد أبرز الأصوات المعارضة، المدافعة عن المشروعية والديمقراطية والتغيير. ويبقى بالنسبة للجميع، أصدقاء وخصوما، قائدا تاريخيا وازن الأهمية والدور.
    وقال نجمي لـ«الشرق الأوسط» بالنسبة إلى جيل الشبيبة المغربية كان قائدا يحسن الإنصات والتفاعل مع الأصوات والأجيال الجديدة، ولم يكن يشعر مخاطبيه أبدا بأي نوع من أنواع الوصاية أو الاستعلاء أو المكابرة أو الادعاء. بل كان يعرف كيف يخاطب الجميع بحسه الحكائي والسردي الرفيع، وبقدرته على تركيب الأفكار واستحضار تجربته التاريخية بكل نقاط القوة والهشاشة فيها. كما لم يكن يتردد عن الاعتراف بأخطائه وبمسؤوليته الأخلاقية عن بعض الوقائع والأحداث التي ساهم فيها، وأدت إلى ما أدت إليه ضمن سيرورة التاريخ. ولعل مثل ذلك السلوك هو الذي جعله دائما أحد أبرز القادة التاريخيين المقربين من وجدان ومشاعر ومحبة الجيل الجديد.
    ونعى أحمد المديني، رئيس رابطة الأدباء المغاربة الفقيه البصري. وقال «إنه فقدان كبير وحدث جلل، إذ يغيب علم شامخ ورمز عظيم من رموز المقاومة المغربية وشخصية نضالية فذة نذرت عمرها كله في سبيل تحرير المغرب من الاستعمار الفرنسي. وبعد ذلك ناضل من أجل دفع البلاد في طريق استكمال التحرر والنهضة والتغيير.
    واضاف المديني ان فقدان الفقيه البصري يعتبر خسارة للمجتمع السياسي والإعلامي والثقافي، لما كانت له من مواقف ومواقع في هذه المشاهد كلها، ولا شك أن فقدانه سيمتد تأثيره إلى العالم العربي والإسلامي، فالفقيد، كما يقول المديني، شخصية قومية معروفة في أوساط النضال العربي وجبهاته كلها، استطاع أن يربط صداقات وعلاقات قوية مع عدة زعامات.
    وذكر المديني ان ما يعتبر مفجعا أيضا هو أنه مع رحيل الفقيه البصري ربما يغيب آخر نجم من كوكبة النجوم الساطعة والقوية للحياة السياسية بالمغرب، وما أجدرنا أن نكون أوفياء للقيم والمثل التي عاش من أجلها.
     

مشاركة هذه الصفحة