قصة ثورة( سعيد ثابت سعيد) !!

الكاتب : عبدالرشيدالفقيه   المشاهدات : 488   الردود : 0    ‏2003-10-16
      مشاركة رقم : 1    ‏2003-10-16
  1. عبدالرشيدالفقيه

    عبدالرشيدالفقيه مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2002-12-01
    المشاركات:
    3,577
    الإعجاب :
    0
    قصة ثـورة - سعيد ثابت

    الصحوة نت - خاص

    مشادة بين شيخ قبيلة، ومعه 12 مرافقا، ونقطة عسكرية أفضت إلى ثورة، أجبرت الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس على الرحيل من جنوب اليمن، بعد تلك الحادثة بأربع سنوات.
    قبل أربعين عاما، وبالتحديد في صبيحة الرابع عشر من (أكتوبر) 1963 كان
    عدد من أبناء منطقة ردفان الواقعة في محافظة لحج على رأسهم



    الشيخ غالب بن راجح لبوزة عائدين من مدينة تعز الشمالية، إلى بلادهم، لكنهم فوجئوا بنقطة تفتيش عسكرية وضعها الاحتلال البريطاني، بهدف نزع سلاح القبائل بعد توارد معلومات عن تحركات مريبة لبعض المواطنين، تهدف بالاستفادة من النظام الجمهوري الجديد الذي أعلن في شمال اليمن قبل عام في 26 (سبتمبر) 1962، إلى إثارة الاضطراب في المستعمرة التي جثمت على أرض الجنوب اليمني أكثر من قرن،
    ولما رفض الشيخ غالب وأصحابه تسليم سلاحهم، بدأت مشادة فاحتكاك، فإطلاق النار،
    فثورة امتد لهبها لتصل أولا إلى جبال ردفان ذات التضاريس الشديدة، ثم امتدت لتصل
    إلى عمق أوكار المستعمر البريطاني في مدينة عدن، وضواحيها تلفضي بعد أربع أعوام
    وبالتحديد في 30 (نوفمبر) 1967 لتدخل البلاد في حرب أهلية عاصفة بين
    الجبهات التي خاضت حرب التحرير والاستقلال.

    احتل الانجليز عدن في (يناير) 1838 بحجة أن أهالي مدينة عدن اعتدوا على
    زورق بريطاني مر على مياههم الإقليمية، فحشد المحتل مجموعة من جنوده بقيادة الكابتن هينس، وبعد معركة استمرت أيام سقطت المدينة بعد اتفاق أبرمه هينس مع
    السلاطين الحاكمين يعطيهم امتيازات مالية مقابل الانتفاع بميناء مدينة عدن، وبالفعل باع السلاطين المدينة مقابل تلك الامتيازات التي تتحول مع مرور الزمن إلى أغلال تحيط بأعناقهم، وتحيلهم
    إلى مجرد أدوات بيد محتل أرضهم، وليرتبط اسم السلاطين، بصورة تداعي الكلمات، بالخيانات.
    ظلت عدن منذ 1838 حتى 1936 تتبع حكومة بومباي ولا تتبع التاج البريطاني مباشرة،
    وبالتالي فلم تخضع للقوانين البريطانية ولم تعرف تلك الامتيازات
    التي استفادت منها بعض الدول العربية المحتلة أبان تلك الفترة، من طرقات ومدارس
    ومستشفيات ونظم وقوانين، وتعددية سياسية وحزبية.
    حاول الاحتلال البريطاني شراء ذمم زعماء القبائل والعشائر والسلطنات،، على اعتبار
    أن ذلك يكفيه من غضب الشعب المحافظ والتابع لمشايخه وسلاطينه، ولكن الزمن يتغير ولا يبقى له
    دوام، فبدأ التغيير من داخل الاحتلال ذاته، عندما فك ارتباطه بالهند وأتبع مستعمرة
    عدن بالتاج البريطاني مباشرة عام 1936 ومن ثم سمح بإعلان وتأسيس الأحزاب، وأجرى
    تطبيق قوانين بريطانيا على المدينة، وشهدت البلاد
    حركة نهوض بطيئة، وتكونت الطبقة العمالية والوسطى من خلال افتتاح المصارف والبنوك،
    وانتعاش حركة الميناء، وإنشاء مصفاة عدن، وبناء المدارس والمعاهد ولم يكد ينتهي العقد الرابع من القرن المنصرم
    حتى كان أبناء عدن قد دخلوا طور النضج السياسي والفكري وتزاحمت الأحزاب والجمعيات
    والتنظيمات المتباينة، وكأول تعبير قومي لهؤلاء نظموا حركات احتجاج عارمة ضد إعلان قيام دولة الكيان
    الصهيوني، وشهدت شوارع مدينة (كريتر) و (التواهي) وغيرهما مواجهات دامية بين
    الجماهير من جهة وشرطة الاحتلال ومعهم بعض الرعايا اليهود من جهة أخرى، يقول بعض كبار السن ممن شارك في تلك المواجهات، إنها لم تكن لتحدث لو لا أن الاحتلال البريطاني كان يحرض
    يهود عدن على الهجرة إلى فلسطين، وكان الأخيرون يستفزون أبناء المدينة بدفع الملايين من أموالهم التي يجنونها من تجارتهم
    في أسواق الذهب بالمدينة ويدفعونها لعصابات الصهاينة في فلسطين.

    ما كاد ينتصف العقد الخامس حتى برزت أحزاب قومية، مترافقة مع زعامة الرئيس جمال عبدالناصر الذي خصص برنامجا في إذاعته فيما بعد لمتابعة أخبار (الجنوب العربي) وبدأت حركات الإضرابات والاعتصامات السياسية
    لكنها لم تتجاوز هذا الإطار، ولم يكن أحد يفكر بالكفاح المسلح، وكان علماء الدين قد
    تم حشرهم في صراعات ثنائية بين قطبين رئيسيين الأول صوفي
    يمثله الشيخ علي باحميش (قتل فيما بعد) وآخر سلفي نصوصي يمثله الشيخ محمد سالم البيحاني (هرب بعد الاستقلال).
    انتعشت حركة الجمعيات والنوادي القروية، التي بدورها ابتعثت ابناءها لتقي العلوم في دول عربية وأجنبية، وكان طالبان قد درسا في الجامعة الأمريكية ببيروت وهناك التقيا بطالب سوري يدعى
    هاني الهندي الذي استطاع إقناعهما بالتجند في صفوف حركة القوميين العرب التي كانت ترفع شعارات ثورية تلبي رغبات الشباب المراهق، وبالفعل انتميا وعادا أثناء الإجازة إلى اليمن، وهناك قاما بحركة دعاية ونشر رسالة حركتهما أحدهما تحرك في شمال الوطن، والثاني تحرك في أوساط نادي الإصلاح
    العربي بمدينة الشيخ عثمان، واستطاع هذا الأخير إقناع أحد السياسيين المخضرمين (قحطان الشعبي) الذي أصبح فيما بعد أول
    رئيس لدولة الاستقلال، بالانتماء إلى حركة القوميين العرب، وفي مطلع الستينات يرفع شعار الكفاح المسلح ضد المستعمر البريطااني ولأول مرة، في كتيب صغير صادر عن الحركة، لكنه ظل مجرد أمنية ورغبة وشعار تراود الشباب
    المنتمي إلى الحركة، حتى جاءت تلك اللحظة التي فجرها شيخ قبلي محافظ يدعى بن لبوزةفي جبال ردفان.
    عندما وقعت المشادة بين جنود القوات البريطانية، وكتائب الجيش الاتحادي النظامي من جهة، والشيخ بن لبوزة، الذي قتل بصورة سريعة ودراماتيكية، لم يكن في وارد عقل أحد
    من أبناء جنوب اليمن، أن تلك الرصاصات التي انطلقت ستكون الشرارة الأولى الحقيقية لإشعال
    فتيل الثورة ضد الأمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس
    ولعل قسوة الرد الاحتلالي على من وصفهم إعلام الاحتلال بالمخربين والمتمردين وتحريك
    الطائرات لقصف مواقعهم، وهدم منازلهم، واستشهاد الشيخ بن لبوزة ورفاقه الذين نظر إليهم المثقفون والمتعلمون باعتبارهم طلائع التغيير،
    وأصحاب كرامات، كان العامل الحاسم في صب زيت ديمومة واستمرارية نيران الثورة فيما بعد.
    قبل اشتعال الثورة بشهرين وبالتحديد في (أغسطس) 1963 التقى عدد من الشباب في
    مدينة تعز وأعلنوا ميلاد تنظيم "الجبهة القومية لتحرير الجنوب اليمني"،
    وهو تنظيم جبهوي ضم اتجاهات شتى من إسلاميين
    وقوميين ويسار، وأصدروا ميثاقا باسم التنظيم الجديد وتعاهدوا على إرغام الاحتلال البريطاني على الجلاء، ولكن كان ذلك مجرد عهد وأمنية، أما كيف وأين تكون البداية؟ فهذا ما لم يستطع أولئك القوم الحديث عنه!!.
    وعندما وقعت تلك المشادة اقتنصها أفراد التنظيم الجديد، اعتبروها الفرصة التاريخيةالتي لا يمكن تعويضها، ولذلك صعدوا من أعمال الاحتجاجات لتصبح فيما بعد ثورة شاملة امتدت على كامل التراب في جنوب اليمن، متوازيا
    مع حملة إعلامية مركزة قامت بها إذاعة صوت العرب من القاهرة.
    انقسمت النخبة في جنوب الوطن في موقفها من الثورة المسلحة، فبعضها اعتبر أن العنف المسلح لا يؤتي بنتيجة، ورأى أن العمل السياسي أجدى وأنفع لنيل الاستقلال، وآخرون رأوا أن القوة هي اللغة الوحيدة التي يفهمها المحتل
    الأجنبي،وسرعان ما اقتنع الفريق الأول الداعي للعمل السياسي بضرورة استخدام القوة ضد المحتل الأجنبي وخاض غمارها بعد مرور نحو سنتين من بدءالثورة.



    شنت فيما بعد قوات الثوار عمليات عسكرية كثيرة على الطريق الاستراتيجي الذي يربط عدن بالحدود الشمالية قرب منطقة الضالع، وخلال الأشهر الثلاثة الأخيرة من عام 1963
    أمكن للثوار سد هذا الطريق، وأخفق الاحتلال في تنظيم رد كاسح
    على عمليات الثوار إلا في يناير 1964 عندما حرك حملة قوامها 3 كتائب من الجيش النظامي الاتحادي الموالي للاحتلال وفصيلة خيالة وعدد من دبابات السنتوريون(التي دخلت لأول مرة في معارك عسكرية في الشرق الأوسط) وبطارية من مدفعية الحراسة الملكية،
    وفصيلتان من السرية الديدانية للمهندسين الملكيين، وقد بلغ المجموع الإجمالي
    للقوات العسكرية مايقارب 4 آلاف عسكري
    فضلا عن القوات الجوية التي كانت غاراتها تنطلق من قاعدة خور مكسر، وأطلق على
    العملية اسم "كسارة البندق"، وبحسب الفرد هوليداي، أما هدفها، كما أعلن القائد البريطاني فقد كان :
    "تقديم عروض قوة في منطقة ردفان وإجبار 12 متمردا على مغادرتها، وإقناع رجال
    القبائل بأن الحكومة تستطيع أن تدخل ردفان في أي وقت تراه مناسبا".
    لكن الحملة فشلت في تحقيق أهدافها.

    في يناير 1964 دفع الإنجليز مجاميع من القوات الاتحادية إلى واديين في ردفان، هما وادي ربوة، ووادي القيم، وفي مارس سحبوا تلك القوات بسبب كثافة الضربات التي كان الثوار يقومون بها، وقرر الاحتلال تنفيذ خطة أوسع وأشمل، تهدف فيما تهدف إلى إيقاع أكبر الأضرار باسكان، من خلال تشريد سكان جبل ردفان، وعزل الثوار عن محيطهم السكاني المساند،، وفي ذات الوقت احتدمت الاشتباكات في ذات الشهر على طول المنطقة الحدودة لإمارة بيحان (سابقا) وعمد سلاح الجو البريطاني إلى قصف بلدة حريب في شمال الوطن.
    كان الاستعمار يخطط أن تستمر العملية ثلاثة أسابيع لكنه اكتشف أن الأمكنة التي اختارها جنرالاته لإنزال جنودهم وهبوط طائراتهم لم تكن آمنة في ردفان، ففشلت عمليته للمرة الثالثة، ثم عاد ليشن هجوما واسعا نهاية أبريل في عملية شهيرة أطلق عليها اسم (ردفورس) اختصارا لردفان فورس، لكن الثوار نجحوا في نصب كمين لأفراد مجموعة الخدمات الجوية المتخصصة في مكافحة العصيان، وتم إيقاف تقدمهم، وبعقلية المعاند الذي لا يدرك عواقب الأحداث، كان الإنجليز يتم جرجرتهم غلى مستنقع أوسع، إذ قرروا نقل ألفي جندي من جنودهم جوا من إنجلترا وفي مايو بدأوا عمليات عسكرية واسعة ارتبكت فيها أبشع أنواع الجرائم، وتم ترويع سكان ردفان، وحملهم على الرضوخ، وفي الحادي عشر من حزيران استطاعت القوات الاحتلالية من السيطرة على قمة جبل "حربة"، بحسب الكاتب البريطاني هوليداي.
    لم تنته الثورة عند حدود الريف اليمني الجنوبي، كما قلنا إنما امتدت إلى العمق
    المدني، لتتحول إلى كابوس رعب في قلوب المحتلين، ولتطال الثورة قادة عسكريين
    بريطانيين بارزين، أدى كل ذلك إلى إجبار بريطانيا إلى
    منح جنوب اليمن استقلاله في 30 تشرين ثاني (نوفمبر) 1967، لكن لتدخل البلاد في دوامة العنف الداخليأ اعتقادا من هؤلاء أن المنطق هو ذات المنطق في ظل الاحتلال ونسوا أن العنف يعد جريمة بإطلاق عندما يتم توجيهه باتجاه الداخل، وباتجاه الذات الوطنية، واعتقدوا أن القوى المغايرة هي ذاتها الاحتلال، فتم التعامل معها وفق الرؤية القديمة، فكان الحصاد قبض ريح، فهل نستطيع أن نتساءل فيما إذا كان قد امتلكوا الثوار مشروع تحرير أرض ولم يمتلكوا مشروع بناء دولة؟؟!!.
     

مشاركة هذه الصفحة