(في حلقات ) ملف كامل عن الوحدة اليمنية وحرب 1994 م

الكاتب : الصلاحي   المشاهدات : 4,587   الردود : 60    ‏2003-10-12
      مشاركة رقم : 1    ‏2003-10-12
  1. الصلاحي

    الصلاحي مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2001-07-20
    المشاركات:
    16,868
    الإعجاب :
    3
    الوحدة اليمنية والحرب الأهلية (1994)

    مقدمة


    إن التاريخ القديم والحديث لدولة اليمن، غني بكثير من الأحداث التاريخية المهمة، التي تستحق أن نتوقف عندها، لنتأمل حقائقها بالدراسة العميقة المتأنية.

    وباستعراض التاريخ القديم لدولة اليمن قبل الإسلام، نجد أنه لم تكن هناك دولة موحدة، بل تعددت الممالك والدول، وحدثت صراعات دامية وحروب طاحنة بينهما. كما تعرضت لغزوات أتت من العراق، وبلاد فارس، وشرق أفريقيا، واليونان، والرومان، ومن داخل الجزيرة العربية نفسها. وقد أحدثت هذه الغزوات والحملات العسكرية، بالغ الأثر في الاقتصاد اليمني، واعاقت تطوره، وأدت إلى صراعات داخلية، بين فئات الشعب اليمني. وفي هذه الحقبة التاريخية، كانت هناك دول في الشمال، وأخرى في الجنوب، وكانت هناك محاولات لإقامة تحالفات شبيهه بالاتحاد، وكان هدفها، مطامع السيطرة على مناطق أخرى وتقاسمها، ولذلك انتهت هذه المحاولات بالفشل، بعد أن دبت الخلافات بين هذه الدول، على اقتسام الغنائم. ولذلك نجد أن كل الدول والحكومات التي حكمت اليمن، لا تزيد عن كونها سلطة مركزية، حكمت المناطق التي استطاعت إخضاعها، والسيطرة عليها بالقوة العسكرية المسلحة، وإن كانت ثمة طموحات دائمة لدى الأطراف اليمنية، في إيجاد سلطة مركزية واحدة تحكم البلاد وتوحدها، ولكن هذه الطموحات، كانت تواجهها الكثير من المصاعب، والخلافات القبلية، إضافة إلى تدخل عدد من العوامل الخارجية، التي عرقلت مسيرة التطور التاريخي للشعب اليمني نحو الوحدة، وأعاقته لفترة زمنية طويلة.

    ومن خلال تتبع التطور التاريخي للحياة السياسية، والاجتماعية، وواقع الأحداث، التي مرت بها اليمن، في عصر الخلافة الإسلامية، وأثناء الاحتلال العثماني في الشمال، والاستعمار البريطاني في الجنوب، لم تعرف اليمن نظام الدولة الموحدة، وإن كانت هناك محاولات جادة لتوحيد شطري اليمن، مرة بالسعي للوحدة عن طريق التحالفات بين التنظيمات القائمة، ومرات بالسعي لفرض الوحدة بالقوة المسلحة، خاصة في عهد "عامر بن عبد الوهاب"، وعهد الإمام "يحيى حميد الدين"، وغيرها من المحاولات، التي لم يكتب لها النجاح.

    وقد كانت الوحدة اليمنية هدفاً نبيلاً سعى الشطران لتحقيقه، وأصبحت الوحدة هاجس كافة أبناء الشعب اليمني في الشطرين. وعلى الرغم من صياغة دستور دولة الوحدة عام 1981، إلا أن ذلك لم يدفع إلى بلورة التكامل المنشود، نحو إيجاد صيغة اقتصادية وسياسية واجتماعية موحدة.

    ففي عام 1990، أُعْلِنَتْ الوحدة بين شطري اليمن، وكانت أشبه بالصفقة التجارية، حيث عقدت بين شخصين يمثلان حزبين، وصفها السياسيون بأنها ذروة الارتجال الفردي، حيث انفرد "علي سالم البيض" و"علي عبدالله صالح" باتخاذ قرار الوحدة، ولم تشارك الهيئات السياسية في اتخاذ القرار، بل لم يشارك فيه أي من الأحزاب، وإنما كان إجراء اتخذه زعيما الحزبين. وتفاعلت الأحداث من هذه النقطة، وهذا قلل من الشكل الدستوري، والشرعي، والقانوني للدولة الجديدة. كما كان له تأثيره في الصدى النفسي لدى الرأي العام، وبين أفراد الشعب اليمني. وخلال الفترة الانتقالية، برزت الكثير من المشاكل، التي ما لبثت أن تطورت إلى خلافات، وتدهور الوضع الاقتصادي، وانتشر الفساد الإداري، ثم جاءت الانتخابات وفاز الحزب الاشتراكي في الجنوب، بينما فاز حزبي المؤتمر الشعبي العام، والتجمع اليمني للإصلاح في الشمال، وثمة مقولة شهيرة في اليمن تقول: إن اليمن الجنوبية أرض بلا شعب، وإن اليمن الشّمالي شعب بلا أرض، وهنا حدث خلل في توازن الدولة، وبرز هذا الخلل في التعديل الدستوري، الذي أقره مجلس النواب في دولة الوحدة، في 5 أغسطس عام 1993. فالتعديلات الدستورية تجاوزت كل ما أتفق عليه، في اتفاق التنسيق نحو الدمج، الذي وقعه كل من: "على عبدالله صالح"، و "علي سالم البيض". وكانت الصفقة الجديدة، بين حزب المؤتمر الشعبي العام، وحزب التجمع اليمني للإصلاح، وهما حليفان دائمان بحكم النشأة والتكوين، الأمر الذي أدى إلى تفاقم الخلافات، وبدأت تتسم بطابع دموي.

    كان الجيش إحدى المؤسسات المهمة في دولة الوحدة، والتي لم يتم دمجها، وإنما اكتُفي بنشر عدد ثلاث فرق شمالية في الجنوب، ونشر عدد ثلاثة ألوية جنوبية في الشمال، واستطاعت الفرق الشمالية في الجنوب، أن تتحرك وتناور عندما بدأت الاشتباكات، نظراً لطبيعة المناطق التي تتمركز بها، بينما حوصرت الألويه الجنوبية في الشمال بين مناطق جبلية، وإقطاعيات قبلية، تصعب المناورة فيها، أو الوصول إليها، وإمدادها، وبالتالي قطعت طرق إمدادها بالمؤن والذخائر، وتركت لتواجه مصيرها المحتوم. ومع بدء القتال، دخلت الوحدة اليمنية منعطفاً حاداً وخطيراً، واشتعلت الحرب الأهلية، لتكون حرباً شاملة، براً وبحراً وجواً، ليعم الدمار الشطرين الشقيقين، وازدادت ضراوة الحرب بعد إعلان الشطر الجنوبي انفصاله، في يوم 21 مايو 1994، تحت اسم "جمهورية اليمن الديموقراطية". وزادت حدة القتال، وكثّف الشماليون من هجماتهم على المحاور المختلفة، تجاه عدن العاصمة السياسية لليمن الجنوبية، وتم حصارها. ولم تهدأ طبول الحرب، إلاّ بعد سقوط عدن، في 7 يوليه 1994، وتم إعادة فرض الوحدة مرة أخرى بين الشطرين الشقيقين بالقوة الجبرية، بعد أن تركت الحرب آثاراً اقتصادية مدمرة، تثقل كاهل البلاد. وقدرت الخسائر المادية بمليارات الدولارات، إضافة إلى الخسائر البشرية، والمعنوية، التي أوغلت في صدور الشعب اليمني.


    انتظروا ( الباب الأول )
     
  2.   مشاركة رقم : 2    ‏2003-10-12
  3. الصلاحي

    الصلاحي مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2001-07-20
    المشاركات:
    16,868
    الإعجاب :
    3
    الباب الأول
    الوحدة اليمنية
    "إنجازها، وتداعياتها"


    لعل قضية الوحدة وكيفية تحقيقها، وإنهاء حالة التشطير، والتجزئة، التي ورثها الشعب اليمني، من حكم الإمامة في الشمال، وحكم الاستعمار في الجنوب، كانت في مقدمة الهموم الوطنية للشعب اليمني في الشطرين.

    وإيماناً بأن قوة اليمن وعزته تتركز في وحدة شطري اليمن، جرت محاولات عديدة، بعد استقلال الشطر الجنوبي، لتوحيد شطري اليمن، لكن هذه المحاولات باءت بالفشل، لكثرة الانقلابات في شطري اليمن، وعدم الاستقرار السياسي بهما.

    ومهما تكن عوامل الالتقاء، التي تجمع بين الشطرين، أو الشعبين، في الشمال والجنوب، وتحتم ضرورة دمجهما في يمن واحد، فإن الواقع يقول، إن الأوضاع السياسية، والقبلية، المذهبية، التي سبقت استقلال كل منها، وطريقة حصولهما على الاستقلال، ثم ما أنجزه كل منها، منذ (ثورة 1962) في الشمال، واستقلال اليمن الجنوبي عام 1967، بعد كفاح مسلح استمر قرابة الخمسة أعوام، قد أوجدت اختلافات واسعة بين طبيعة النظامين، وتفاوت في درجة التطور الاقتصادي، والسياسي والاجتماعي في كليهما.

    ومن ثم، فإن المدخل الموضوعي لتقويم الوحدة اليمنية، وما تلاها من خلافات، تطورت إلى صراع مسلح، هو رصد أهم التطورات السياسية، والاجتماعية، والعسكرية، التي مرت بشطري اليمن، وإرتباطها بطبيعة البيئة الاجتماعية لشعب اليمن، وتفاعلاته السياسية مع الأحداث، خاصة تلك الأحداث، التي مهدت لقيام الوحدة بين الشطرين، وكذا الصراع السياسي والأيديولوجي، الذي سبق قيام دولة الوحدة، وما تلاها، والذي مهد للحرب الأهلية.

    الفصل الأول
    التطور السياسي والاجتماعي والعسكري في اليمن
    القسم الأول: التطور السياسي والاجتماعي والعسكري، في اليمن الشمالي
    1. الموقع الجغرافي

    أ .
    يقصد باليمن الشمالي، تلك المنطقة الواقعة في الجنوب الغربي لشبه الجزيرة العربية. وتبلغ مساحته 195 ألف كيلومتر مربع، وعدد سكانها حوالي ثلاثة عشرة ملايين نسمة، ويحده من الشمال المملكة العربية السعودية، ومن الجنوب والشرق اليمن الجنوبي، ومن الغرب البحر الأحمر، وطول الساحل الغربي، حتى باب المندب جنوباً، 450 كيلومتر.

    ب.
    واليمن الشمالي إحدى الدول، التي تقع على خط المواصلات البحري، لنقل النفط عبر البحر الأحمر، شمالاً إلى أوربا، عن طريق قناة السويس، أو جنوباً إلى آسيا وأستراليا وسواحل جنوب أفريقيا، عبر مضيق باب المندب. وقد حدثت عدة تطورات مهمة في منطقة الشرق الأوسط، نتيجة للحروب والأزمات، التي جرت في المنطقة، والتي تسببت، في إنشاء العديد من خطوط الأنابيب، لتغير من وضع خطوط المواصلات بالنسبة للمنابع الرئيسية لخطوط النفط في المنطقة، وبذلك أكتسب مضيق باب المندب أهمية أكبر.


    2. تطورات النظام السياسي

    عرف اليمن الشمالي النظام الملكي، منذ نشأة المملكة المتوكلية اليمنية، وحتى قيام انقلاب 26 سبتمبر 1962، وأُسْتُغِل الدين كأداة بيد القابضين على السلطة، لتبرير شرعية الهيمنة، وكوسيلة لتثبيت النظام الاقتصادي، والاجتماعي القائم، وهكذا فُسِّرت عدم طاعة الإمام، بأنها تعني معصية الله، وخروجاً على تعاليم الدين. فالإمام يحي، ومن بعده الإمام أحمد، حمل كل منهما لقب أمير المؤمنين، ليوهما الناس، أن سلطاتهما السياسية والدينية، تستمد أصولها من المبادئ القرآنية والتقاليد النبوية الشريفة.

    * وقد تطور النظام السياسي في اليمن الشمالي كالآتي:

    أ .
    نشأت المملكة المتوكلية اليمنية، بعد إنهاء الحرب العالمية الأولى عام 1918، كدولة مستقلة معترف بها دولياً، بزعامة الإمام يحيى محمد المنصور حميد الدين، الذي نجح في توحيدها، بمساندة القوى الشيعية الزيدية. وفي 23 يوليه 1923، وبموجب معاهدة لوزان أعترف العثمانيون باستقلالها، كما اعترفت بها عصبة الأمم المتحدة.

    ب.
    اشتد الصراع بين اليمن وبريطانيا، بسبب عدم اعتراف اليمن بالحماية البريطانية على اليمن الجنوبي، إلى أن أبرمت معاهدة 1353 هـ"1934م"، التي بموجبها اعترفت بريطانيا باستقلال اليمن في حدودها الشمالية، "التي كانت قائمة قبل وحدة الشطرين"، وذلك في مقابل تنازل الإمام يحيى عن عدن، لبريطانيا.

    جـ.
    تميزت فترة حكم الإمام يحيى، بالصراع على السلطة، والعنف، والعزلة التي فرضها على البلاد، حتى اغتيل عام 1948. فتولى الحكم الإمام أحمد حميد الدين، وواجهته مشكلة الحدود مع اليمن الجنوبية، وطالب باليمن الجنوبي من بريطانيا، وأجرى بشأنها عدة مفاوضات، ولكنها لم تنته إلى شيء. وفي شهر أبريل 1956، عُقدت اتفاقية الدفاع المشترك "اتفاقية جدة" بين مصر،والمملكة العربية السعودية، والمملكة المتوكلية اليمنية.

    وفي شهر فبراير عام 1958، انضمت المملكة المتوكلية اليمنية، إلى دولة الوحدة بين مصر وسورية. وعلى الرغم من التناقض الكلي بين الدول الثلاث، فقد اعتبر جمال عبدالناصر، دخول اليمن بمثابة انتصار لشعار الوحدة العربية، وخطوة أولية نحو إجراء تغييرات أساسية، في طبيعة نظام الحكم القائم في اليمن. أما الإمام أحمد، فقد كانت نيته من الاتحاد، تهدف إلى تخفيف حدة النقمة الشعبية ضد حكمه، والحد من نشاط المعارضة اليمنية، والحصول على الدعم المادي والمعنوي، في صراعه ضد بريطانيا على اليمن الجنوبي.
    وبعد انسحاب سورية من دولة الوحدة، كتب الإمام أحمد قصيدة، انتقد فيها النظام الاشتراكي، وإجراءات التأميم في مصر، معتبراً أنها ضد مبادئ الدين الإسلامي، وتعاليمه، الأمر الذي جعل عبد الناصر يعلن إنهاء عضوية اليمن في اتحاد الدول العربية في 16 ديسمبر 1961م.

    د.
    في عام 1959، تمرد شيوخ قبائل حاشد، على الإمام أحمد، الذي كان في زيارة إلى إيطاليا، فعاد إلى اليمن، وأخمد التمرد، الذي أصيب فيه الملك بجراح.

    هـ.
    في 19 سبتمبر 1962، توفي الإمام أحمد، وخلفه في الإمامة ابنه محمد البدر، الذي لم يدم حكمه سوى ثمانية أيام، حيث قامت مجموعة من الضباط، بقيادة العقيد عبدالله السّلال، بانقلاب عسكري، في 26 سبتمبر 1962، نجح في الإطاحة بالإمام البدر، الذي هرب من العاصمة صنعاء. وأُعلن النّظام الجمهوري، كما أعلنت مبادئ وأهداف الثورة. وانتُخب المشير عبدالله السلال رئيساً لمجلس قيادة الثورة، ورئيساً للجمهورية اليمنية.

    و.
    وعلى أثر ذلك تفجّرت الأحداث، وأدت إلى اندلاع حرب أهلية، بين النظام الملكي، الذي تؤيده وتدعمه المملكة العربية السعودية، وبين النظام الجمهوري، المؤيد والمدّعم من جمهورية مصر العربية. واستمر هذا الصراع حتى انسحاب القوات المصرية من اليمن عام 1967، بناء على اتفاق قمة الخرطوم.

    ز.
    وفي 5 نوفمبر عام 1967، حدث انقلاب بقيادة كبار الضباط، وزعماء القبائل والمعارضة، وبتعاون عناصر تنتمي إلى حزب البعث العربي الاشتراكي. وأُقصي السلال، الذي لجأ إلى بغداد، وتولى السلطة مجلس رئاسي من ثلاثة شخصيات، برئاسة القاضي عبدالرحمن الإيرياني. وعُيّن الشيخ الأحمر، شيخ مشايخ حاشد، رئيساً لمجلس الشورى، وهو مجلس برلماني بالتعيين، واستمر القتال مع الملكيين في اليمن، حتى عام 1969م.

    ح.
    في عام 1970، تم اتفاق مصالحة بين الجمهوريين والملكيين، دخلت بمقتضاه شخصيات ملكية في الحكومة والبرلمان، وشُكل المجلس الجمهوري من الطائفتين "الزيدية والشافعية". وتقرر منح الشّوافع منصب نائب رئيس الجمهورية، أو رئاسة مجلس الوزراء، وأن يكون الرئيس منتمياً إلى الطائفة الشيعية الزيدية. وفي (آذار) مارس 1970، اعترفت المملكة العربية السعودية، بالنظام اليمني الجمهوري. وفي 28 ديسمبر 1970، صدر دستور الجمهورية العربية اليمنية.

    ط.
    في 13 يونيه عام 1974، حدث انقلاب عسكري قام به المقدم إبراهيم الحمدي، ضد عبدالرحمن الإيرياني، وتولى على أثره الحمدي السلطة.

    ي.
    في أكتوبر 1977، اغتيل الحمدي، وتولى العقيد أحمد حسين الغشمي السلطة، وهو من رؤساء قبيلة همدان.

    ك.
    في يونيه عام 1978، اغتيل الغشمي نتيجة انفجار حقيبة ملغومة، وتولى العقيد علي عبدالله صالح الحكم، وأصبح رئيساً للجمهورية. وينتمي الرئيس علي عبدالله صالح إلى قبيلة سنحان، وهي إحدى قبائل حاشد. وفي عام 1981، حدثت محاولة انقلاب فاشلة ضده.


    3. التطور الاجتماعي، وأثره على أنظمة الحكم في اليمن الشمالي

    حفل تاريخ اليمن بالأحداث تبعاً لدور القبائل. فالقبيلة في كثير من المجتمعات، وتعد ظاهرة تاريخية تجاوزها الزمن، ولكنها لا تزال في المجتمع اليمني، من الظواهر الحية والمؤثرة في الحياة الاجتماعية. وقد عجز الشطر الشمالي عن التخلص من القبيلة، التي تعوق عمليات التحديث والتطوير. ولا تزال كل قبيلة، تتمتع بسيادتها، وتملك أراضيها، وأسواقها الخاصة. وقد لعبت القبائل الرئيسية في اليمن دوراً رئيسياً، في تزايد حدة الصراع بين الشطرين.

    * وبالنظر إلى المجتمع اليمني، نستخلص الآتي:

    أ. التقسيم الطائفي في الحياة الاجتماعية

    على الرغم من أن الأغلبية السّاحقة من اليمنيين مسلمون، إلا أنهم ينقسمون مذهبياً إلى طائفتين على قدم المساواة تقريباً، وهما الطائفة الشّيعية، والطائفة الشّافعية. وهذا الانشقاق الطائفي في مجتمع اليمن الشمالي، ازدادت فجوته عن طريق العوامل الجغرافية والاقتصادية، التي أدت إلى اختلافات اجتماعية وسياسية أزلية بين الطائفتين، وكان لها انعكاساتها، على الصراعات التي شهدتها المنطقة:

    (1) الطائفة الشيعية الزّيدية:

    (أ)
    ظهر المذهب الشيعي الزيدي في اليمن، في عام 898 م، على يد يحيى بن الحسين بن القاسم، الملقب بالرسي، الذي جاء إلى اليمن واستقر في صعدة، وأُخذت له البيعة، ولقب بالإمام الهادي إلى الحق. والمذهب الزيدي هو مذهب الإمام زيد بن علي زين العابدين بن الحسين بن علي بن أبي طالب، والزيدية فرقة شيعية كبيرة، وأتباعها في اليمن كثيرون. وكان يحيى بن الحسين، أول إمام زيدي حكم اليمن. ومعظم الأئمة في اليمن، هم من أولاده وأحفاده، وعددهم تسعة وخمسون إماماً.

    استطاع الأئمة الزّيود تعميم المذهب الشيعي، على معظم أنحاء اليمن الشّمالي، مستغلين نفوذهم الديني، والمالي والاجتماعي. ويمكن القول، إن دولة الأئمة ظلت راسخة الأقدام في المنطقة الشمالية من اليمن، منذ قيام الهادي في صعده، حتى ثورة 26 سبتمبر عام 1962م. أما المناطق الأخرى، في جنوب اليمن الشّمالي، وفي اليمن الجنوبي وحضرموت، فقد ظلت موصدة أمام نفوذ الأئمة، على الرغم مما بذلوه من جهد وطاقة، في سبيل سياستهم التّوسعية، إلا في بعض السنوات القلائل، التي استطاعوا الوصول فيها إلى هذه المناطق.

    (ب)
    تمثل الطائفة الشيعية ما بين 50% ـ 54%، من سكان اليمن الشمالي، الذين يُقدر تعدادهم بنحو 13 مليون نسمة. ويسكنون المناطق الجبلية المرتفعة، شمالي اليمن، وفي سهل تهامة، وكذا في بعض المناطق الصحراوية الشرقية في الجوف. وجميع هذه المناطق فقيرة اقتصادياً، على خلاف الصورة في المنطقة الجنوبية، الممتدة من صنعاء إلى منطقة الحدود مع اليمن الجنوبي، والتي يقطنها الشّوافع. فهذه المناطق، تنزل عليها كميات وفيرة من الأمطار الموسمية، ومن ثم، تتمتع بوفرة في الإنتاج الزراعي.

    ويستأثر الشّيعة الزيود، بالمناصب الرئيسية في الدوله، وقد اقتصرت الإمامة عليهم، وكان الأئمة يعتمدون عليهم، في مد حكمهم إلى الأماكن الأكثر إنتاجاً، في الغرب والجنوب، وذلك على حساب قبائل أهل السنة من الشّوافع. وقد حاول الأئمة، التحكم المباشر في قبائل الشيعة الزيدية، ولكنهم فشلوا، وفي النهاية اضطر الأئمة إلى استخدام أسلوب الإقناع، مستغلين كيانهم الديني ومنزلتهم الرفيعة، كي يستطيعوا حشد القبائل، ومشاركتهم، في الحملات العسكرية. وكانوا يهرعون إلى تلبية نداء الحرب المقدسة، ضد غير الزيديين. وبعد الإطاحة بالإمام محمد البدر عام 1962، تحرك الزيديون بسرعة، لاحتكار النفوذ في الحكومة، والجيش، في الجمهورية الوليدة، وحرمان الشّافعية من المناصب الرئيسية.


    (2) الطائفة السّنية الشّافعية:

    يتبعون مذهب الإمام الشّافعي، وهو مذهب شرعي للسنة النبوية الشريفة، وتتساوى طائفتهم في العدد تقريباً مع الزيود. وتقيم هذه الطائفة في الجنوب "محافظات أب، وتعز، والحديدة، سهل تهامة، والسواحل الجنوبية"، وهذه المناطق غنية، وأفضل اقتصادياً، ولهذا السبب كانت المناطق الشّافعية، أهدافاً مغرية للنفوذ الأجنبي، كما كان الشّوافع يتعرضون للاضطهاد من قبل الأئمة، الذين حطموا نفوذهم، وألزموا عدداً منهم، التحول إلى المذهب الشيعي الزيدي، وفرضوا ضرائب باهظة عليهم، وعينوا المسؤولين الحكوميين في المناطق الشّافعية من الزيديين. وقد انحصر الشوافع، في الطبقة المتوسطة "التجار والمثقفين"، وكان ذلك يعني ، بالطبع، تعارضهم الفكري مع نظام الإمامة، ويفسر تأييدهم المطلق للثورة، ومشاركتهم فيها منذ البداية. ومن هنا تولدت المقاومة لحكم الأئمة، وكانت مركزة في المناطق الشافعية، التي تكونت فيها مجموعات تؤمن بأفكار حديثة، تؤيد وجود حكومة دستورية، ومؤسسات نيابية. وانضم لهؤلاء الشّوافع، بعض الشيعة الزّيود الذين اعترضوا على الحكم المطلق للأئمة. وعلى الرغم من ذلك، ظل الشوافع محرومين من المناصب الرئيسية، حتى بعد قيام الثورة اليمنية، وحتى عام 1970. وبعد عام 1975، مُنح منصب رئيس الوزراء للشّوافع، وشغله عبدالعزيز عبدالغني من عام 1975 إلى عام 1980. وظل منصب الرئاسة حكراً على الزيديين، حتى بعد الوحدة مع اليمن الجنوبي.

    ب. التقسيم القبلي وتأثيره في الحياة الاجتماعية:

    (1)
    يشكل التكتل القبلي، أهم العوامل البشرية، المؤثرة في توزيع السكان باليمن الشمالي، فالقبلية هي الوحدة الأساسية للمجتمع اليمني، خارج المدن، والنظام القبلي هو الدعامة الأساسية، التي يرتكز عليها ذلك المجتمع، إذ تمثل القبائل ما يقرب من 80% من تعداد السكان. وتقدر بعض المصادر، عدد القبائل التي تقطن الهضبة الوسطى، بـ 141 قبيلة، وتلك التي تقطن سهل تهامة بـ 27 قبيلة، كما تقدر كبريات هذه القبائل بعشرين قبيلة، أهمها حاشد وبكيل والزرانيق.

    وبإستثناء القبائل، التي تعيش في الهضبة الشرقية، حيث تحيا حياة البداوة والتنقل، فإن بقية قبائل اليمن، تحيا حياة استقرار، لارتباطها بالزراعة وتربية الماشية، في ظل نظمها الخاصة، بعيدة عن سلطة الحكومة المركزية. وقد ساعد اعتماد نظام الحكم على القبائل كقوة عسكرية، في استمرار النظام القبلي، وصعوبة التخلص منه.

    (2)
    وتعد قبيلتا حاشد، وبكيل، أكبر قبيلتين في اليمن الشمالي، بل هما أكبر اتحادين للقبائل الشيعية في الجزيرة العربية، وربما في الوطن العربي. وتشير بعض المصادر، إلى أن منطقة قبائل حاشد، تمتد من عمران إلى صعده شمالاً، والجوف شرقاً، بينما تمتد منطقة بكيل شمال منطقة حاشد وشرقها، من وادي مور غرباً، إلى الجوف شرقاً.

    وقد أصبحت قبيلتا حاشد، وبكيل حصناً للحكام الزيديين، ويشار إليهما في التاريخ الشيعي على أنهما أجنحة الأئمة. وبينما تُعد قبيلة حاشد متساوية عدداً، مع قبيلة بكيل، إلاّ أن الأولى، أكثر تماسكاً، فيما يختص بالسياسات القبلية، ويرجع ذلك، إلى كونها تتضمن عدداً أقل من القبائل، كما يعزى تضامنها، إلى قوة شيخ مشايخها، الذي نجح في تنظيم قبائلها. وقد أعدم الإمام أحمد، أحد مشايخ قبيلة حاشد عام 1959.

    وقد كان لموقف قبيلتي حاشد وبكيل، المؤيد للثورة اليمنية، والموالي للجمهورية، الأثر الكبير في مدّ انتشار القوات الجمهورية، إلى المناطق، التي تقطنها تلك القبائل "المنطقة الوسطى والشمالية والجوف"،وذلك خلال فترة الصراع بين الجمهوريين والملكيين. كما لعبت القبيلتان، دوراً رئيسياً في تزايد حدة الصراع بين شطري اليمن، وكان لنشاطهما أثر كبير أثناء إدارة أعمال القتال، بعد اندلاع الحرب الأهلية.

    وقد تولى الشيخ عبدالله الأحمر، شيخ مشايخ قبائل حاشد، رئاسة مجلس النواب، عقب أول انتخابات بعد الوحدة. كما أن وجود القبائل القوية في اليمن الشمالي، وعدم وجودها في اليمن الجنوبي، عامل له أهمية كبرى في الصراع، لأن تعداد القبائل الشيعية في الشمال ضعف تعداد القبائل الشافعية في الجنوب. وقد شكّلت هذه الانقسامات القبلية المتداخلة، بين الشعب اليمني، قضية اجتماعية وأمنية معقدة.


    4. تطور القوات المسلحة، وتأثيرها على الحياة السياسية في اليمن الشمالي

    أ. الجيش في عهد الأئمة:

    يرجع بدء تكوين الجيش اليمني، إلى ما بعد الحرب العالمية الأولى، حين رأى الإمام يحيى بن المنصور حميد الدين، ضرورة تكوين جيش نظامي، يسمح له بمد سلطانه إلى كل البلاد، بعد هزيمة الجيش التركي وخروجه من اليمن. ولمّا كان الوالي التركي قد قرر تسليم أسلحة قواته إلى الإمام، فقد وجدها الإمام فرصة طيبة، لتكوين ذلك الجيش، حتى يمكنه قمع ثورات القبائل المتمردة، من ناحية، وجمع الضرائب والزكاة، من ناحية أخرى.

    ولتكوين هذا الجيش، استعان الإمام يحيى ببعض الخبراء الأتراك، وأوكل إليهم مهمة تنظيم الوحدات العسكرية، وفرض التجنيد الإجباري، بناء على تجاربهم، ووفق نظامهم العسكري، فبدأ في عام 1919، بتشكيل الجيش، وتأسست كلية عسكرية، لإعداد الضباط اليمنيين، إلاّ أن ذلك الجيش، تعرض لهزيمتين في الثلاثينيات، الأولى من القوات السعودية في الشّمال، والثانية من القوات البريطانية في الجنوب، فأستبدل الإمام الخبراء الأتراك، بخبراء سوريين، أوصوا بتسريح تلك القوات، التي تفشت فيها الفوضى والرشوة، وتكوين جيش جديد، من أبناء القبائل، الذين لم يسبق لهم الخدمة العسكرية. وقد اقتنع الإمام يحيى بفكرة إنشاء جيش جديد، إلاّ أنه لم يوافق على تسريح الجيش القديم، الذي بقى إلى جانب القوات الجديدة، التي سميت بالجيش الدفاعي، "أو ميليشيات الإمام".

    ولم يكتف الإمام بهذين الجيشين، فشكل جيشاً ثالثاً، من أبناء القبائل المتطّوعين، الذين لا يرغبون في الخدمة العسكرية المستمرة في الجيش، وأطلق عليه "الجيش البراني". وكان يشترط على أفراد هذا الجيش، شراء أسلحتهم وذخيرتهم، وكان هذا الجيش، أكثر ولاءً للإمام، وأشد بطشاً بالمواطنين. وعلى الرغم من تكوين هذه الجيوش الثلاثة، فقد ظل تدريبها، وكافة شؤونها، في غاية التواضع، فضلاً عن افتقارها إلى الأسلحة الحديثة. وكان الإمام هو القائد الأعلى للقوات اليمنية، فضلاً عن كونه وزيراً للدفاع. كما وافق الإمام على إرسال بعثات عسكرية إلى الخارج، في دورات تدريبية، شملت مصر والعراق والاتحاد السوفيتي، وكان طبيعياً، أن يتصرف هؤلاء الضباط، ويحتكوا بالأفكار العصرية والتقدمية، التي لم يعرفوها في اليمن، مما شكل صدمة كبيرة لهم، مقارنة بأحوال اليمن، الذي لا يزال في ظلمات القرون الوسطى.

    وعلى الرغم من ضعف الجيش عدداً وعدة، فإنه ظهر على المسرح السياسي أكثر من مرة في المواقف الآتية:

    (1)
    أسهم بعض الضباط في انقلاب عام 1948، ولعب الجيش دوراً ريادياً بجانب زعماء حركة المعارضة اليمنية، على الرغم من فشل الانقلاب.

    (2)
    شارك عدد من الضباط، بقيادة المقدم أحمد الثلايا، في انقلاب عام 1955 الفاشل.

    (3)
    ظهر دور الضباط الأحرار، عند محاولة القضاء على الإمام أحمد في الحديدة، عام 1962.

    (4)
    شارك العقيدان عبدالله السلال، وحسن العمري، في ثورة 26 سبتمبر عام 1962، التي لاقت ترحيباً جماهيرياً واسعاً، وأسقطت النظام الإمامي، وأعلنت قيام الجمهورية، ودخل اليمن الشمالي مرحلة جديدة منذ ذلك التاريخ.


    ب. الجيش في العهد الجمهوري:

    تُوّج نضال الشعب اليمني وحركاته الوطنية، باندلاع ثورة السادس والعشرين من سبتمبر، عام 1962، تحت قيادة تنظيم الضباط الأحرار. وقد كانت إحدى المهام المباشرة للنظام الجديد، بناء جيش وطني قوي، لحماية البلاد، والدفاع عن مكاسب الثورة، لذلك سارعت الجماهير للانخراط في صفوف الجيش، من أجل الدفاع عن الثورة.

    أُسند منصبا رئيس الجمهورية، القائد العام للقوات المسلحة، إلى المشير "عبدالله السلال"، وتولى كبار الضباط، مثل الجائفي، والعمري، والخولاني، وغيرهم، مناصب مهمة في المجلس التنفيذي، وبقية المؤسسات.

    وظهر الجيش مرة أخرى، على المسرح السياسي عام 1968، عندما حدثت المواجهة، بين صغار الضباط في الجيش، من جهة، وكانوا يدعمون النظام الجمهوري، وكبار الضباط والشيوخ، المنادين بضرورة عودة أصدقائهم الملكيين، ومشاركتهم السلطة، من جهة أخرى. وقد تمكن التحالف الأخير، نتيجة للأخطاء ، التي ارتكبتها عناصر الكفاح الوطني، من صغار الضباط "بعث ـ قوميين ـ عرب ـ ماركسيين ـ ناصريين". من استبعاد صغار الضباط، وتصفية أنصارهم وقصف مقر الاتحاد العام لعمال اليمن، وسرح الوطنيون من مناصبهم، وبدأت طوابير من الملكيين، تصل صنعاء، وتسلموا مناصب في قمة السلطة، وتم استبعاد الفريق حسن العمري من الجيش، ومن المناصب الأخرى، وتم تعيين المقدم محمد الإيرياني بدلاً منه عام 1971. وكانت قيادة الجيش الفعلية بيد المقدم إبراهيم الحمدي، الذي قاد انقلاباً في 13 يونيه 1974، وسيطر على مقاليد الحكم، ولكنه اغتيل عام 1977، وتولى السلطة المقدم أحمد حسن الغشمي، الذي قتل أيضاً نتيجة انفجار حقيبة ملغومة، وانتخب بعده علي عبدالله صالح، الرئيس الحالي.
     
  4.   مشاركة رقم : 3    ‏2003-10-12
  5. الصلاحي

    الصلاحي مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2001-07-20
    المشاركات:
    16,868
    الإعجاب :
    3
    انتظروا


    الباب الثاني


    (( مراحل الوحدة اليمنية ))


    :)
     
  6.   مشاركة رقم : 4    ‏2003-10-12
  7. الصلاحي

    الصلاحي مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2001-07-20
    المشاركات:
    16,868
    الإعجاب :
    3
    الفصل الثاني


    مراحل الوحدة اليمنية


    القسم الأول: مسيرة الوحدة اليمنية حتى إعلان الوحدة الاندماجية في 22 مايو 1990.


    استمرت سياسة التعايش السلمي، بين جمهوريتي اليمن، أكثر من أربع سنوات بعد الاستقلال. لكن التحولات السياسية، والاجتماعية، التي شهدها الواقع اليمني، خلال هذه الفترة، وانعكاس ما يحدث في أحد الشطرين، على الشطر الآخر، إضافة إلى التدخل الشيوعي في اليمن الجنوبي، وعدم الاستقرار السياسي، في اليمن الشمالي، أدت كل هذه العوامل مجتمعة إلى توتر الأوضاع بينهما، ثم نشوب النزاع المسلح، في سبتمبر 1972، في مناطق الحدود. غير أن القوى المحبة لوحدة الشعب اليمني وتقدمه، سارعت إلى تطويق هذه الحرب، فكان الاحتكام إلى العقل، وتم قبول لجنة الوساطة، التي بعثتها جامعة الدول العربية، واتفق الطرفان على وقف العمليات العسكرية، ثم أُعلن في القاهرة، عن اتفاقية الوحدة الأولى بين شطري اليمن، التي وقعها رئيسا الوزراء في كلتا الجمهوريتين، وبدأت مسيرة الوحدة، اعتباراً من هذا التاريخ.

    تعثرت خطوات الوحدة، وكانت تتلكأ لفترات زمنية طويلة، وشابها التخوف والتوتر والحذر لبعض الوقت. ولكن الإحساس بالمسؤولية، عن سلامة أرض اليمن، ومستقبل أجياله، والرغبة في إحلال دعائم السلام في ربوعه، والحرص على تصفية المشاكل بين الشطرين، وحماية المكتسبات، التي حققها الشعب اليمني، بنضاله الطويل، خّرجت فكرة إقامة وحدة، بين شطري اليمن. وبدأت مسيرة الوحدة، وبشكل جاد، على الرغم من العقبات والمشاكل، التي ما أن تخمد أو تنتهي، حتى تعود للظهور من جديد.

    وكانت البداية اتفاق تعز، في نوفمبر 1970، الداعي إلى إقامة اتحاد فيدرالي بين الشطرين، ثم اتفاقية القاهرة في 13 سبتمبر 1972، وانتهاءاً باتفاقية صنعاء في 4 مايو 1988، وما تلاها من مفاوضات واتفاقات، وكان من نتائجها إعلان الوحدة الاندماجية في 22 مايو "آيار" عام 1990.

    * مراحل مشروع الوحدة "من عام 1968 حتى عام 1990".

    مرت الوحدة اليمنية بمراحل عديدة، ظهرت خلالها أوجه اتفاق واختلاف، وتجاوزت ذلك، إلى صراعات أدت إلى حروب محدودة بين الطرفين. وتوالت أحداث مسيرة الوحدة كالآتي:

    1.
    بدأت توجهات البلدين، إلى الوحدة، بعد أن نالت اليمن الجنوبي استقلالها في عام 1967. ففي عام 1967، وبعد انسحاب القوات المصرية من اليمن الشمالي، استمر القتال بين الجمهوريين والملكيين حتى أواخر عام 1969، وخلال هذه الفترة، وبالتحديد في عام 1968، أرسل قحطان الشعبي رئيس جمهورية اليمن الجنوبية في هذا الوقت، فصائل من جبهة التحرير القومية، للقتال في صف الجمهوريين، ضد الملكيين في اليمن الشمالية.

    ولما كانت جبهة التحرير القومي، تعُد نفسها حركة عربية، غير مرتبطة بحدود مصطنعة ومرحلية، فقد أعلنت أنها ضد أي مفاوضات تجرى مع الملكيين خلافاً لموقف بعض القادة الشماليين، المتعاطفين مع الملكيين في ذلك الوقت. وقامت الجبهة في معسكراتها بالقرب من الحديدة، وتعز، وبرعاية من جمهورية مصر، بالتوسع وأضطلعت بدور قيادي في تنظيم ميليشيات قوة المقاومة الشعبية، التي كانت قد شكلت في اليمن الشمالي، من أجل الدفاع ضد الهجمات الملكية المحتملة. وأعلن الرئيس قحطان الشعبي أن بلاده، تتوافق وتتعاطف تماماً مع اليمن الجمهوري. وقد تأكد ذلك بطريقة عملية، في فبراير 1968، عندما اتحدت وحدتان، من قوات جيش اليمن الجنوبي، مع عناصر من ميليشيات المقاومة الشعبية، وفصائل من الجيش الجمهوري الشمالي، في الهجوم على رجال القبائل الملكية، على حدود إمارة بيحان، ونقاط أخرى عبر الحدود المشتركة.

    وفي الوقت ذاته، اشتركت وحدات جنوبية في الحديدة، مع وحدات من الجيش الجمهوري الشمالي، في اختراق طريق الحديدة ـ صنعاء، وحطمت طوق حصار الملكيين، على صنعاء لتضع نهاية لحصار صنعاء، الذي استمر سبعون يوماً.

    وحينما اتضح أن الملكيين لن يتمكنو من اجتياح أراضي الجمهوريين، استعاد الزعماء الجمهوريون ومؤيدوهم ثقتهم السابقة بأنفسهم. ومع استمرار تدفق الأسلحة السوفيتية، وتطور الجيش اليمني وتوسعه، إلى الحد الذي أصبح فيه أكثر كفاءة، بدأ حسن العمري يتتشكك في ولاء عناصر معينة من ميليشيات قوة المقاومة الشعبية، مدركاً أن العقلية الطموحة لجبهة التحريرالقومية، تتطلع لسيطرة بعيدة المدى، ولكي يوازن ذلك المد المتصاعد، حث جبهة تحرير جنوب اليمن المحتل، الواهية خائرة القوى، على أن تواصل نشاطها في اليمن مرة ثانية، وهو ما أفقده شعبيته في صفوف جبهة التحرير القومية.

    وبعدما استقر الموقف في صنعاء، اتخذ حسن العمري الترتيبات لزيارة كل من مصر، والصين، وطار فعلاً إلى القاهرة، ومن دون أن يواصل زيارته للصين، رجع فجأة ليحبط في الوقت المناسب، مؤامرة دبرتها جبهة التحرير القومية، للاستيلاء على شحنات كبيرة من الأسلحة السوفيتية، تشتمل على 50 دبابة، كان يجري انزالها في مدينة الحديدة. وقد دار صراع بين قوات حكومة العمري، مع عناصر جبهة التحرير القومية، وميليشيات المقاومة الشعبية، إنتهى لصالح الجيش النظامي اليمني الشمالي، وتم القبض على الكثيرين من أعضاء جبهة التحرير القومية، وميليشيات المقاومة الشعبية، ولكن تم إطلاق سراح معظمهم فيما بعد، نظراً لكونهم جميعاً من الشوافع، حتى لا تتسع فجوة الصراع الطائفي داخل البلاد وفي اليمن الجنوبية كان الرئيس قحطان الشعبي يواجه متاعب مع المتطرفين اليساريين، من أعضاء جبهة التحرير القومية.

    وعلى الرغم من أن الرئيس قحطان الشعبي، بدا وكأنه يتمتع بسلطة واسعة، أكثر من ذي قبل، فقد ظلت أجزاء من اليمن الجنوبية، في أيدي الجناح اليساري المتطرف لجبهة التحرير القومية. وجرت انتفاضات، وشقاقات، في ذلك البلد، الذي ظهر حديثاً إلى حيز الوجود. وكان ارتكاز حسن العمري المتصدع، على جبهة التحرير القومية في اليمن، في الوقت الذي سمح بنشاطات مناهضة لها، يقوم بها عبدالله الأصنج ـ قائد جبهة تحرير جنوب اليمن المحتل ـ التي تعمل من تعز، قد أدى إلى فتور، العلاقات، بين اليمن الشمالي واليمن الجنوبي.

    وبدا أن المحادثات، التي دارت بين ممثلين عن كل من البلدين قد تخفف من حدة التوتر، وقد حاول السوفيت جاهدين التوصل إلى مصالحة بين كل من جبهة التحرير القومية وجبهة تحرير جنوب اليمن المحتل، غير أن العداوات بينهما قد تزايدت.

    2.
    وفي عام 1972، نشب قتال بين البلدين، في شكل حرب محدودة، وذلك عندما تكونت في اليمن الشمالي، جبهة التحرير، بقيادة عبدالله الأصنج، والمنشقين عن الجبهة القومية، وأعضاء رابطة أبناء الجنوب العربي، بقيادة محمد علي الجفري، وشيخان الحبشي، وسالم الصافي. وظلت هذه الجبهة، تعمل من أراضي الشمال لمدة عام كامل. ومن ناحية أخرى، استضاف الشمال، المجموعات العسكرية، التي هربت من الجنوب، بقيادة عشال، وأحمد صالح بن الأحمر. وأقامت هذه المجموعات معسكرات للتدريب في اليمن الشمالي. وقد أزعج هذا النشاط حكام عدن، وعدّوه وعوة لدخول الحرب، وبالفعل اندلعت شرارة الحرب، وتمكنت القوات الجنوبية من دخول محافظة البيضاء الحدودية، التي تقع شرق اليمن الشمالي، والمقابلة لمنطقة مكيراس الجنوبية. لكن الجهود سارعت بإحتواء الأزمة وتهدئة الأمور، التي عقد على إِثرها اجتماع القاهرة، في سبتمبر 1972.

    3.
    اتفاقية القاهرة 13 سبتمبر 1972:

    أ.
    اجتمع وفدا الشطرين في القاهرة، برئاسة كل من علي ناصر محمد، رئيس وزراء الشطر الجنوبي، ومحسن أحمد العيني، رئيس مجلس وزراء الشطر الشمالي، مع لجنة التوفيق العربية المشّكلة بقرار مجلس جامعة الدول العربية الرقم (2961)، لتسوية الخلافات، والاتفاق على قيام دولة الوحدة.

    ب.
    وقبل التطرق إلى اتفاقية القاهرة، نشير بإيجاز، إلى المشاريع، التي تقدم بها كل طرف، على حدة، لكونها تعكس طبيعة الوحدة، ورغبة كل طرف فيها. فالمشروع المقدم من اليمن الجنوبي يؤكد على وحدة الشعب والأرض، بوصفها القاعدة، التي قامت عليها الحضارة اليمنية القديمة، وترتبط بمصير الشعب اليمني، وطموحاته، في التقدم والحضارة. وأوضح أن اليمن، لا تعني تلك الأراضي الواقعة تحت سيادة الشطرين، بل كل المناطق، والجزر، التي تعتبر تاريخياً وجغرافياً، جزءاً لا يتجزأ من أراضي اليمن الطبيعية، وأن الطريق المؤدي للوحدة، لا يمكن أن يكون إلا طريقاً سِلْمياً ديمقراطياً، واعتبر فتح الحدود بين شطري اليمن، وإيقاف الأعمال العسكرية، والحملات الإعلامية، وإيجاد أسس للتعاون والتنسيق بين الشطرين، مقدمات أولية، وضرورية من أجل تهيئة الظروف الملائمة، لبناء دولة الوحدة.

    واقترح المشروع، كخطوة أولى لتحقيق الوحدة، تشكيل مجلس يمني أعلى، مكون من رئيس المجلس الجمهوري وأعضاءه في الشمال، ومجلس الرئاسة في اليمن الجنوبي، توكل إليه مهمة اتخاذ الإجراءات الأساسية، لتوحيد السياسة الحكومية، في الشطرين، في مختلف الجوانب، وكذلك تشكيل لجنة دستورية، تقوم بإعداد دستور اليمن الموحد، ولجان فنية أخرى، لتوحيد السياسة الخارجية، والتعليمية، والثقافية، والاقتصادية، والعسكرية، والتشريعية.

    جـ.
    أما مشروع اليمن الشمالي، فقد أكد بدوره على وحدة اليمن، باعتبارها حقيقة ثابتة، وأكد على أن الانفصال، والتجزئة تحت أي أسم أو شعار حالة طارئة، وأشار إلى وحدوية ثورة السادس والعشرين من سبتمبر، التي جعلت تحقيق الوحدة اليمنية في مقدمة أهدافها ثم جاءت ثورة الرابع عشر من أكتوبر 1963 التي تمثلت في انطلاق الكفاح المسلح عام 1963، لتحرير اليمن الجنوبي من الاستعمار، امتداداً لها، وبالتالي فقد كان يفترض قيام الوحدة، فور استقلال اليمن الجنوبي مباشرة، من الاحتلال البريطاني.

    وطالب المشروع، بضرورة الإعلان، عن الوحدة الفورية الشاملة، معتبراً تأخيرها تعميقاً للانفصال، واستمراراً للتجزئة، وتقدم الوفد، بتصور عام، عن شكل الوحدة، وطبيعة نظامها، ووسائل تحقيقها وإقترح الآتي:

    (1)
    تشكيل لجان عمل، لإعداد خطة، لتوحيد الكيانات القائمة، ودمج مختلف مؤسسات الدولة، في الشطرين في مؤسسة واحدة.

    (2)
    تعد اللجنة الدستورية، دستور يتم عرضه على المؤسسات التشريعية، في كلا الشطرين، ليتم إقراره، والمصادقة عليه.

    (3)
    بعد إقرار الدستور، تقدم حكومتا الشطرين استقالتهما، وتعهد إدارة شؤون البلاد، إلى حكومة واحدة مؤقتة للشطرين كليهما، وتتولى هذه الحكومة تنظيم حوار، حول الدستور، قبل طرحه للإستفتاء العام.


    على أن تتم كل هذه الأعمال، والإجراءات، خلال فترة زمنية، لا تزيد عن شهرين.

    د.
    ومن خلال هذه المشاريع، نلاحظ أن الجانبين بالرغم من تأكيدهما على وحدة الشعب، والأرض، وإيمانهما بضرورة قيام الوحدة، تقدماً بمنهجين متعارضين، ففي الوقت الذي عدّ فيه المشروع المقدم من الجنوب، تهيئة الظروف المناسبة لقيام دولة الوحدة، إجراء أساسياً، لا يمكن من دونه، أن تكون الوحدة، سوى ضرب من الخيال، تمسك الشطر الشّمالي، بمنظور مثالي للوحدة، متجاوزاً التّركة الثقيلة، التي خلّفها النظام الاستعماري، والحكم الإمامي، في الشطر الشمالي، ومتجاهلاً التعارض القائم بين النظامين، رافعاً في الأفق، شعار الوحدة الفورية والشّاملة، التي يجب إنجازها خلال شهرين. لكن هذا التعارض الواضح، لم يمنع الطرفين، من التوصل إلى اتفاق يرضيهما، على الرغم من إيمانهما بصعوبة تطبيقه، إن لم يكن استحالته. فقد تم التوقيع على اتفاقية القاهرة، في 28 أكتوبر 1972، التي أنهت حالة الحرب، على الرغم من تجاوزها للواقع الموضوعي، وطبيعة الأنظمة القائمة بين شطري اليمن.

    هـ.
    نصّت مواد اتفاقية القاهرة ، على دمج الدولتين في دولة واحدة، وتكوين حكومة واحدة، وإنشاء مختلف مؤسسات الدولة، بشكل موحد، ديمقراطياً، يقوم على مبدأ الانتخاب الحر المباشر، من قبل الشطرين. وأوكل إلى اللجنة الدستورية، مهمة إعداد مشروع دستور الدولة الموحدة، خلال فترة زمنية لا تتجاوز العام، ليتم طرحه فيما بعد على المؤسسات التشريعية، القائمة في كل من الشطرين، للموافقة عليه قبل أن يطرح للاستفتاء العام، خلال فترة لا تتجاوز ستة أشهر. وأكدت مواد الاتفاقية، على أن الدستور، سوف يكفل الحريات الفردية العامة، وحقوق المواطنين، السياسية، والنقابية، والمهنية، ويضمن منجزات ثورتي 26 سبتمبر، و14 أكتوبر، ونصت على تشكيل سبع لجان فنية متخصصة، لإعداد المشاريع، وخطط دمج مؤسسات الدولة القائمة في الشطرين.

    وقد جاء في المادة الثالثة من الاتفاقية، أن يضمن دستور الوحدة، كفالة ممارسة الحريات الشخصية، والسياسية، للجماهيرعامة، ولمختلف مؤسساتها، ومنظماتها الوطنية، والمهنية، والنقابية. وفسّر الشطران هذه المادة، على أنها تسمح لجبهات المعارضة، ممارسة نشاطها العلني داخل البلاد.

    وهكذا، كان واضحاً، أن مثل هذه المواد، على الرغم من أهميتها، بعيدة عن الواقع، ويصعب على النظامين العمل بها، والسماح بتطبيقها، الأمر الذي جعل رجل الشارع، في كلا الشطرين، يشكك في مصداقية الاتفاقية، لكون الجميع، يدركون أن قيام الوحدة اليمنية، في ظل وجود نظامين متعارضين، وأمام التركة الثقيلة، التي خلفتها تراكمات الماضي، وخلال فترة زمنية، لا تتجاوز العام، لا تعدو أن تكون شعاراً، رفعه تجار الحرب، الذين لا يهمهم توحيد اليمن، ولا مصلحة الشعب.



    4. بيان طرابلس 28 نوفمبر 1972:

    أ.
    تطبيقاً لاتفاقية القاهرة، التي اكدت في مادتها الرابعة، على ضرورة اجتماع رئيسي الشطرين، بعد شهرين من تاريخ التوقيع عليها، فقد اجتمع القاضي عبدالرحمن الإيرياني، وسالم ربيع علي، بحضور الرئيس الليبي، العقيد معمر القذافي، في طرابلس، خلال الفترة من 21 إلى 28 نوفمبر 1972م، لمناقشة الأوضاع اليمنية، واتخاذ الإجراءات الضرورية للإسراع في تنفيذ بنود الاتفاقية.

    ب.
    وقد انتهى اللقاء بصدور بيان طرابلس، في 28 نوفمبر 1972م، وقد تقدم أثناء هذا الاجتماع، كلا الرئيسين، ببعض المبادئ والأسس، التي تتلائم مع أيديولوجيته وقناعته، فسالم ربيع علي، انطلق من أيديولوجية الحزب الحاكم "الشيوعية"، وردد شعار الوحدة البروليتارية. والقاضي الإيرياني اعتمد على الدبلوماسية، ورفع شعار الوحدة الإسلامية "الشيعية الزيدية"، واستطاعت لغة الأخير، أن تفرض نفسها عند إعلان البيان الختامي.

    ونصّت المادة الرابعة من البيان، على "أن الإسلام دين الدولة، وتؤكد الجمهورية اليمنية على القيم الروحية، وتتخذ الشريعة الإسلامية، المصدر الرئيسي للتشريع"، لكن كانت هناك عبارات أخرى فضفاضة، فقد نصت (المادة الأولى) على: أن "تهدف الدولة إلى تحقيق الاشتراكية، مستلهمة الطراز الإسلامي العربي، وقيمة الإنسانية، وظروف المجتمع اليمني، بتطبيق العدالة الاجتماعية، التي تحظر أي شكل من أشكال الاستغلال. وتعمل الدولة، عن طريق إقامة علاقات اشتراكية، في المجتمع، على تحقيق كفاية في الإنتاج، وعدالة في التوزيع، بهدف تذويب الفوارق سلمياً بين الطبقات".

    وقد جاء التأكيد على هذه الاشتراكية، على الرغم من أن النظام في الشمال لم يكن يؤمن بأي نوع من أنواع الاشتراكية، وأن النظام في الجنوب لا يؤمن إلاّ بالاشتراكية العملية.

    أما (المادة التاسعة)، فقد نصت على: "إنشاء تنظيم سياسي موحد، يضم جميع فئات الشعب المنتجة، صاحبة المصلحة في الثورة، للعمل ضد التخلف، ومخلفات العهد الإمامي والاستعماري، وضد الاستعمار القديم والجديد، والصهيونية، وتشكيل لجنة لوضع النظام الأساسي، ولوائحه، على هدى النظام الخاص، بإقامة الاتحاد الاشتراكي العربي في "الجمهورية الليبية".

    أُدخلت هذه المواد، بعباراتها الفضفاضة، على الرغم من الحظر القائم في اليمن الشمالي، لكل الأحزاب السياسية التي تعتنق الفكر الاشتراكي، وعلى الرغم من وجود تنظيم سياسي في اليمن الجنوبي، ينطلق في إيديولوجيته، وتنظيمه، من مبادئ الماركسية اللينينية.

    أما قضية الأراضي المتنازع عليها، بين اليمن الشمالي، والمملكة العربية السعودية، فقد اتُفق، على إحالتها إلى لجنة دستور دولة الوحدة، حيث نصت المادة العاشرة، على أن يحدد دستور الجمهورية اليمنية الموحدة حدودها.

    جـ.
    وهكذا، استمرت اتفاقية الوحدة، حبراً على ورق، كما كان متوقعاً لها. ولعل التصريح، الذي أدلى به الأمين العام، للتنظيم السياسي "الجبهة القومية" عبدالفتاح إسماعيل، يقدم الدليل الواضح، لمثالية هذه الاتفاقية، وابتعادها عن الواقع العملي، حيث قال: "إن الوحدة اليمنية ليست شعاراً للاستهلاك الداخلي، بل ضرورة تفرضها الأحداث، التي مر بها شعبنا اليمني، لكن مفهومنا للوحدة، يختلف عن مفاهيم الأنظمة العربية "الرجعية"، التي لا تأخذ في الحسبان مصالح شعوبها".

    "فالوحدة لا يمكن أن تُفرض بالقوة، وفق المفاهيم التي تفرضها القوى "الرجعية" والإمبريالية في المنطقة، فهذه القوى، مرفوضة من قبل شعبنا، والوحدة اليمنية، هي مسألة وطنية، تهم جماهير الشعب اليمني، ولا بد من أن تعكس مصالح هذه الجماهير الكادحة، في شمال الوطن وجنوبه".


    5. لقاء الجزائر 4 سبتمبر 1973م:

    التقى رئيسا اليمن آنذاك، عبدالرحمن الإيرياني، وسالم ربيع في الجزائر، واستعرضا سير أعمال اللجان المشتركة، المنبثقة عن اتفاقية القاهرة، وبيان طرابلس، حيث وجدا أن المدة الزمنية، التي حددت، غير كافية لتُنجز هذه اللجان أعمالها، وأكدا حرصهما الشديد، على تنفيذ الاتفاق، واستمرار اللجان المشتركة، في أعمالها إلى النهاية.

    واتفق الرئيسان، على وجوب توفير المناخ الملائم لهذه اللجان المشتركة، حتى تُنجز أعمالها، وذلك عن طريق إيقاف التدريب ونشاط العناصر المخربة، في كل أنحاء اليمن، وعدم السماح بنشاطها تحت أي أسم، وعدم مدها بالسلاح، أو تدريب عصاباتها، أو تشجيعها، وإغلاق معسكراتها. والتقت وجهة نظر الرئيسين، حول وجوب الانصراف الكامل، إلى بناء البلد، وتطويره، في كلا الشطرين.
     
  8.   مشاركة رقم : 5    ‏2003-10-12
  9. البرقُ اليماني

    البرقُ اليماني قلم ماسي

    التسجيل :
    ‏2002-05-05
    المشاركات:
    11,474
    الإعجاب :
    0
    لمعرفة تاريخ اليمن القديم لابد للقارئ ان يلغي من ذهنه الحدود السياسية المعاصرة لشبه الجزيرة العربية ويتصورها وحدة جغرافية مترابطة، فلم تعرف شبه الجزيرة العربية لا عرب الجنوب ولا عرب الشمال ولا عرفت لا شمال الجزيرة ولا جنوبها ، ولم تورد النقوش ذكرا لا لقحطانية ولا لعدنانية ، بل كانت كل شبه الجزيرة مسرحا لأحداث تاريخية متنوعة فقامت الممالك والحضارات واتسعن بذاتها أو نفوذها داخل شبه الجزيرة طالما توفرت لها القوة والنفوذ داخل شبه جزيرة العرب، أما التقسيم الشائع في الكتابات الحديثة لشبه الجزيرة العربية بين شمال وجنوب فينحدر من العصر الإسلامي، ومع ذلك وبسبب الانسجام القائم على التنوع الحيوي في منطقة جنوب شيه الجزيرة وبسبب تواصل حلقات تاريخها السياسي والحضاري فقد جعلت المصادر كل جنوب شبه الجزيرة قسما واحدا بينما فصلت شمال الجزيرة إلى عدة أقسام ومع ذلك فلم تكن حدود الشمال والجنوب حتى في العصر الإسلامي محددة بدقة ،،إلا أن المؤرخ والجغرافي اليمني أبو الحسن الهمداني صاحب صفة جزيرة العرب توفي 350 هـ قد جعل حدود جنوب شبه الجزيرة تبدأ من الكعبة بمكة جنوبا، وهو تقسيم ينحدر من العصر الإسلامي كما نرى، أما الإغريق قديما فقد نظروا إلى ما سموه العربية السعيدة وهى صفة شاعت عن بلاد اليمن، ورأوا انها تبدأ بعد عشرة كيلومترات من العقبة جنوبا
    وما نود عرضه هنا هو رسم إطار زمني لعصر ما يصطلح عليه بالتاريخ اليمني القديم او فترة تاريخ الحضارة الراقية في اليمن القديم، وهي تمثل حينا من الدهر برز فيها سكان بلاد اليمن من غسق التاريخ إلى ضحاه، ودلت على دورهم التاريخي لقى أثرية مميزة وشواهد كتابية معلومة، ضمت حروفا أبجدية خاصة صوتا ورسما ، وتومئ إلى حضارتهم قرائن خارجية ثابتة تدل على أن أمما أخرى في ذلك الزمان تناقلت طرفا من أخبارهم وتبادلت شيئا من سبل معاشهم
    ويمكن تقسيم الإطار الزمني لتاريخ اليمن القديم إلى عصرين رئيسين، ويستند هذا التقسيم إلى معطيات تاريخية وجغرافية ليس هنا محل تفصيلها، ومع ذلك فإن العصرين يتداخلان ومن الصعب رسم حد فاصل بينها، فقد تزامنت فترات من العصرين، كما لم يكن الإنتقال من الأول إلى الثاني إنقطاعا، وإنما أمتدادا واستمرارا، والعصور التاريخية ليست مسارات زمنية مختلفة ، وإنما هي في حقيقة الأمر مظاهر مختلفة لمسار زمني واحد
     
  10.   مشاركة رقم : 6    ‏2003-10-12
  11. البرقُ اليماني

    البرقُ اليماني قلم ماسي

    التسجيل :
    ‏2002-05-05
    المشاركات:
    11,474
    الإعجاب :
    0
    النظم المدنية لليمن القديم

    ومن جهة النظم المدنية عرف اليمنيون القدماء القوانين والتشريعات كما يظهر ذلك في تنظيمات سوق شمر الشهير، والتي تشهد على نضج شرعي وسياسي معا وتدل على بنيان دولة متقدم وراق وهو ما يتضافر مع صورة النظام السياسي الشوروي الذي يقدمه القرآن على لسان ملكة سبأ بعد استقدامها من سليمان عليه السلام ليعرض صورة رائعة لمستوى التمدن الذي وصل إليه اليمنيون القدماء يا أيها الملأ أفتوني في أمري ما كنت قاطعة أمرا حتى تشهدون ، ومع أن القوانين لم تكن لتشمل كل اليمن إلا انه كان هناك مرجعية قانونية ، وهي مجموعة القوانين والأعراف التي يصدرها الملوك والرؤساء يعودون إليها في مسائل الملكية وشؤون التجارة والمنازعات الأخرى

    كما عرفوا العملة والأوزان والمكاييل وعرفوا الكتابة والنحت وحذقوا أسرار العمارة وفنونها فأنشأوا القصور ومجمعات القصور والأبراج المحافد منها قصر غمدان وسلحين وناعط ومدر والتي شاهد بعضها المؤرخ والجغرافي اليمني أبو الحسن الهمداني في القرن الرابع الهجري فأدهشته بجميل صنعها وجاد عليها لأجل ذلك بأدق الأوصاف وأجلها، وفي السدود وأنظمة الري تقديرا منهم للزراعة وأهميتها بعد كشف أسرارها أنشأ أهل اليمن سدودا وأنظمة الري ، وما سد مأرب إلا اشهرها، كما بسطوا المدرجات الزراعية على الجبال وحفروا الصخر وبنوا معابد فخمة لا زال بعضها إلى الآن ينفث حوله مهابة وجلالا ، وارثوا لعقولهم من كل ذلك خبرات فنية وفكرية وحربية اختزنتها ذاكرتهم وتناقلتها الأجيال وستظهر تلك الخبرة بعدئذ في المهمات الكثيرة والجليلة التي ألقيت على عاتق أهل اليمن في ظل الإسلام ودوله،

    وقد أظهرت دراسة علمية حديثة حول علاقات جنوب الجزيرة العربية بشمالها في القرنين الثالث والرابع للميلاد أن المؤثرات الحضارية لأهل اليمن قد وصلت إلى الكيانات القبلية في شمال الجزيرة أيام تبعية الأخيرة لنفوذ سبأ وحمير بعد حملاتهما العسكرية على تلك الكيانات القبلية الشمالية، ومن أوضح الأمثلة على ذلك ما وجد من آثار في عاصمة كندة ومذحج والواقعة في وادي الدواسر ، كما تظهر التأثيرات في التماثيل والأواني المنزلية التي كان لها علاقة بمثيلاتها في ممالك جنوب الجزيرة كتمثال الطفل المجنح الذي يشبه في ملامحه كثيرا من ملامح بعض التماثيل القتبانية،

     
  12.   مشاركة رقم : 7    ‏2003-10-12
  13. البرقُ اليماني

    البرقُ اليماني قلم ماسي

    التسجيل :
    ‏2002-05-05
    المشاركات:
    11,474
    الإعجاب :
    0
    في ظل الإسلام

    صدح النبي محمد في مكة بدعوة الإسلام ، في عام 613م للميلاد ، أي قبل بدء التاريخ الهجري الإسلامي باثني عشر عاما، ولا شك أن أصداء دعوة الإسلام وبسبب العنت الكبير الذي لاقه رسول الله من قومه قريش قد وصلت فيما وصلت إلى اليمن والتي كانت في تلك الأثناء منقسمة ومجزأة بين قوى قبلية هي حمير وحضرموت وكندة وهمدان وبين حكم فارسي في صنعاء وعدن وما حولها وبين جيب في نجران للنفوذ الروماني الحبشي وهو الجيب الذي كان فيه نصارى نجران هناك،

    وقد بدأ أفراد من قبائل مختلفة كالأشاعر ودوس وهمدان والأزد يستجيبون لهذا الدين وينشطون للدعوة له ، لكن مجموع أهل اليمن دخل الإسلام بين العام السادس للهجرة وعام الوفود في السنة العاشرة، وبعد جهد دعوي سلمي في معظم جهات اليمن وهي مناطق حمير وكندة وحضرموت ومناطق الحكام من الفرس في صنعاء وآخر عسكري في الجهات الشمالية من تهامة وتلك التي يقطنها بدو غير مستقرين، وهم الذين وجهت إليهم سرايا لهدم صنم أو لقتال من بقي منهم على الشرك، ، وكللت تلك الجهود باستجابة أهل اليمن إلى الإسلام ـ باستثناء نصارى نجران ـ رغبة في دينه ورهبة من قوة المسلمين الجدية النامية في المدينة ، وهي القوة التي قدمت نفسها مسنودة بتعاليم السماء كحليف قوي لكل من أراد الانضمام إليها، وتشير الكتب التي عاد بها من ذهب إلى المدينة ليعلن إسلامه إلى أنه قد نظر إلى جماعة المسلمين كقوة نامية يمكن الاحتماء بها، فقد حملت تلك الكتب إقرار من الرسول لهؤلاء وهؤلاء بما ادعوه من ملكيات هنا وهناك أو لما أدعوه من زعامات على هذه الجهة أو تلك، بل أن هذه النظرة النفعية غير الروحية للإسلام وجماعته في المدينة هي المسؤولة عن ما جرى من ردة بعد وفاة الرسول في كل الجزيرة العربية، إلا من رحم ربك ممن ثبت على الإسلام وآمن بتعاليمه وبنصرة الله لدينه،

    بدخول أهل اليمن في الإسلام يبدأ عصر جديد هو عصر الانتماء إلى أمة الإسلام التي وإن اعترفت بالحدود والقوميات إلا أنها تشمل جميع المسلمين حيثما وجدوا، وبهذا الانتماء كان لابد أن تكون هناك علاقة جديدة بالمدينة، مدينة الرسول التي أخذت فيها نواة الدولة الإسلامية تتبلور وتشكل عاصمة لديار الإسلام، فأرسل الرسول من قبله ولاة على بعض جهات اليمن وثبت بعض قياداتها القبلية على ما هي عليه وأعاد تنظيم الأوضاع القبلية برئاسات قديمة وجديدة وربط كل ذلك بالواجبات الإسلامية التي ينبغي أن تدفع إلى المدينة من قبل المسلمين وغير المسلمين، بعد أن قسم اليمن إداريا إلى مخاليف ثلاثة هي الجند وصنعاء وحضرموت،

     
  14.   مشاركة رقم : 8    ‏2003-10-12
  15. البرقُ اليماني

    البرقُ اليماني قلم ماسي

    التسجيل :
    ‏2002-05-05
    المشاركات:
    11,474
    الإعجاب :
    0
    اليمنيون والردة

    في النقاشات الفقهية الكثيرة حول الردة القديمة والمعاصرة لم يعد من السهل الوقوف على رأي شرعي نهائي يحدد متى يكون المسلم قد ارتد هل بتركه كل الدين أو جزء منه أو بوقف ولائه لدولة الإسلام مع بقائه على الدين ؟ ومع ذلك فإن اصطلاح الردة أو حركة الردة قد أوردته المصادر ليصف الوضع الذي نشأ في الجزيرة العربية بعد وفاة الرسول ، وهو الوضع الذي تتفاوت تفاصيله من منطقة لأخرى ، لكنه في كل حال كان وضعا رفض فيه قسم من القبائل مجددا تعاليم الإسلام وعادت إلى عبادة أصنامها ورفضت سلطة الخليفة الأول للمسلمين عليها، وقسم آخر أراد البقاء على الإسلام ورفض سلطة الخلافة في المدينة والواجبات تجاهها فقالوا نؤد الصلاة ولا نؤد الزكاة، ولم تشذ القبائل اليمنية كثيرا عن هذا الوضع العام إثر وفاة الرسول ، فسواء أكانت الردة ارتدادا عن الإسلام أو رفضا لسلطة المدينة أو قريش كما قالوا، فإن الثابت في كل الأحوال هي ثبوت صفة الردة على كثير من قبائل اليمن، إذ ثبتت قلة من أهل اليمن على الإسلام وهي التي شاركت جيوش الخلافة فيما بعد في القضاء على حركات الردة خاصة في حضرموت وكندة، ولا ينبغي النظر إلى ردة أهل اليمن بتشنج عاطفي وطني أو ديني ، بل بموضوعية وعقل يتفهمان الموقف في ظروفه التاريخية، فالرسول الكريم بجماعته الإسلامية وشخصيته النافذة تمكن من إدخال الناس في الإسلام رغبة ورهبة، وربطت كثير من القبائل إسلامها بمنافع تجنيها من الإسلام كعقيدة أو قوة مادية، ولذلك لا غرابة ان يسمى العام العاشر بعد هزيمة قريش عام الوفود ، أي عام الوفود التي وفدت إلى المدينة لإعلان الإسلام، وقد أظهرت المصادر ان معظم القبائل لم تسلم بشكل نهائي لهيبتها قريشا، لكن بعد هزيمة قريش وسقوط هيبتها ، فلابد من الاعتراف بالقوة الجديدة وهي قوة الإسلام والمسلمين،

    وبوفاة الرسول تختفي الشخصية النافذة المجمّعة والموحّدة وينظر القوم إلى الخلافة على أنها توريث غير مسبوق لسلطة أقروها في شخص الرسول ولا يريدون إقرارها لغيره، كما ظهر ذلك في بعض شعرهم،

    وبهدوء وموضوعية يمكن تفهم حركة الردة في اليمن وغير اليمن على ضوء التجربة الضخمة التي شيد بداياتها الرسول الكريم وإنشأ نواة لدولة مركزية في المدينة، تخضع لمبادئ الإسلام، وعلى ضوء الزمن القصير الذي لا يمكن معه تصور رسوخ المبادئ الإسلامية أو معنى الاحتكام إلى سلطة واحدة في مساحة جغرافية بمساحة شبه جزيرة العرب ، وهما أمران خطيران بالقياس إلى تعدد الآلهة والوضع القبلي المشرذم سياسيا في كل أنحاء الجزيرة، أما صحابة الرسول الأوائل الذين تشربوا منه مباشرة وتعاليم الإسلام واختبروا في مواقع كثيرة ليصفو إسلامهم، فقد ثبتوا على الإسلام وألهم الخليفة أبو بكر رأيا سديدا في قتال المرتدين ، فهو لم يقبل كغيره من بعض الصحابة الأخيار بأن لا يقاتل من يشهد بأن لا إله إلا الله، بل أصر على ضرورة الخضوع لعاصمة الإسلام المدينة قائلا والله لو منعوني عقال بعير كانوا يؤدونه إلى رسول الله لقاتلتهم عليه وقد لعبت جيوش الخلافة ومن ثبت معها على الإسلام دورا في الحفاظ على الإسلام كدين وعلى دولة الإسلام التي رسختها بعدئذ خلافة عمر المهابة والنعم التي حصل عليها المسلمون وهم يفتحون الأرض شرقا وغربا، وعليه فلا وطنية ولا انتهازية في حركة الردة، بل مرحلة تاريخية من مراحل تثبيت الإسلام في النفوس يمكن تفهمها على ضوء الأوضاع التي سبقت الإسلام وما ارتبط بإسلام البعض من تصورات نفعية تصححت مع الزمن وحسن إسلام الناس بعدئذ،

    أما مايخص حركة الأسود العنسي عبهلة بن كعب في اليمن والتي لا يمكن إدراجها ضمن حركة الردة لعدم ثبوت إسلام الأسود العنسي أولا ولوقوعها زمنيا في حياة الرسول ثانيا، فهي الأخرى حركة تمثل صداما بين سياسات الرسول الكريم في اليمن والهادفة إلى ربط اليمن بالإسلام وعاصمته المدينة وبين طموح الأسود العنسي في الإستيلاء على مقاليد الحكم من يد ألأبناء بالتعاون مع بعض القبائل المنافرة للأبناء، وقد لعب الزمن الذي وقعت فيه حركة الأسود وتبدلات الأحلاف القبلية على أساس وجود قوة جديدة هي قوة الإسلام دورا في الإطاحة بطموح الأسود السياسي، فتمكن لفترة ضمن الأوضاع الجديدة من السيطرة على صنعاء لكنه خسر الجولة في النهاية وانتصر الحلف الموالي لسياسات الرسول في اليمن،

    وبالقضاء على حركة الأسود العنسي وحركة الردة في اليمن يبدأ دور جديد لأهل اليمن في الفتوحات وبناء الخلافة الإسلامية في كل بلاد الإسلام، فكانت لهم الإسهامات العظيمة في فتح فارس وبلاد الشام ومصر والمغرب العربي والأندلس كجيوش وقيادات مشهورة، ونحن ننظر إلى تلك الأدوار البارزة على أساس أن اليمن وأهل اليمن جزء من دار الإسلام، ولا يجب أبدا النظر إلى ذلك الدور على أساس قطري او جهوي فهو قديما والآن مخالف لطبائع الأمور والأصل هو النظر إلى وحدة ديار العرب وديار الإسلام وما اليمن إلا وحدة إدارية من وحداته الكثيرة برز أهلوه في مسطح العالم الإسلامي كغيرهم من الأقوام حيث تمازجت الأنفس والأخلاق ونشأ عن ذلك بعدئذ ما يعرف بالحضارة العربية الإسلامية،

    وفي زمن الخلافة الراشدة كان اليمن بمخاليفه وتقسيماته الإدارية الخاصة به حينا والمرتبطة مع بعض بلاد الحجاز أو كلها حينا آخر ولاية أو ولايات تابعة للخلافة الإسلامية، ولم تشهد أحداثا جساما إلا ما كان في زمن الفتنة صراع أقطاب قريش على السلطة بعد مقتل الخليفة عثمان إذ نجد مشاركة لليمنيين في جميع ميادين الصراع على السلطة في العراق والشام والحجاز، وشاركوا في القتال في كل من معارك الجمل وصفين والنهروان، مدفوعين بقناعات في الوقوف إلى جانب هذا الفريق أو ذاك خاصة والوقت وقت فتنة عميت فيه الأبصار والقلوب، أما في اليمن فكان نصيبها من الصراع بين على ومعاوية بعد مقتل الخليفة عثمان هو وصول الوالي بسر بن أبى أرطأة من قبل معاوية فتتبع شيعة على في اليمن بالقتل والمطاردة، ثم فر أمام والي علي بن أبى طالب جارية بن قدامة السعدي الذي تتبع هو الآخر عثمانية اليمن وأعوان معاوية بالقتل والتشريد، ثم غادر اليمن إلى العراق بعد سماعه بمقتل الخليفة على بن أبي طالب والذي مهد مقتله للوصول مع الحسن بن على إلى ذلك الاتفاق مع معاوية وبأن تصير الأمور شورى بين المسلمين بعد معاوية بن أبي سفيان وبهذا الاتفاق الذي حصل عام 40 للهجرة والذي عرف بعام الجامعة تمهد الطريق لبني أمية لإرساء خلافتهم وحكم المسلمين زمنا ناهز القرن،

     
  16.   مشاركة رقم : 9    ‏2003-10-12
  17. البرقُ اليماني

    البرقُ اليماني قلم ماسي

    التسجيل :
    ‏2002-05-05
    المشاركات:
    11,474
    الإعجاب :
    0
    اليمن في العصر الأموي

    لا تسعفنا مصادر التاريخ الإسلامي العامة في رسم صورة واضحة لأوضاع اليمن في الزمن الأموي، إذ يبدوا إن انتقال مركز الثقل السياسي إلى الشام وما رافق ذلك من أحداث عامة متنوعة هناك بالإضافة إلى الفتوحات في المغرب والأندلس قد غطى على الأحداث المحتملة التي جرت في اليمن خلال ما يقارب القرن من الزمان، وربما تعلق الأمر ـ بعد خروج معظم أهل اليمن للجهاد ـ بفترة هدوء تنفس فيها أهل اليمن الصعداء ، حتى إذا انصرم قرن من الزمان ، تبدأ الأحداث ثانية بالظهور ، ولذلك فإن المصادر التاريخية لهذه الفترة لا تجود إلا بذكر أسماء الولاة ومددهم في اليمن في الفترة من 41 ـ 132 هـ وهو زمن خلافة بني أمية في اليمن والتي قطعتها خلافة ابن الزبير في الأعوام 64 ـ73 هـ ، فقد ولي اليمن أكثر من خمسة وعشرين واليا وبمدد مختلفة لعل أطولها ولاية يوسف بن عمر الثقفي الذي ولي اليمن ثلاث عشرة سنة ابتداء من خلافة هشام بن عبد الملك 105هـ وقد أستأثر الثقفيون عامة بثقة بني أمية فأكثروا من توليتهم ولايات مختلفة من بينها اليمن، وأحدهم محمد بن يوسف الثقفي أخو الحجاج وهو الذي استنابه عنه في اليمن وأبرز ما تذكره المصادر في زمن محمد بن يوسف هذا هو أنه هم بحرق المجذومين بصنعاء ، إذ جمع حطبا عظيما لأجل ذلك ، بيد أن منيته عاجلته قبل تنفيذ الحرق، ولا تعطي المصادر أسبابا لكثرة العزل والتولية خاصة وقد طرأ على إدارة الولايات نمط جديد من التولية يجوز بمقتضاه للوالي أن يرسل من ينيب عنه إلى ولايته فيما يستقر هو بجانب الخليفة أو حيث شاء وهو ما يفيد التكريم بالمناصب والموافقة على جناية منافعها دون تجشم عناء المسؤلية، ولنا ان تصور ان مهمة هؤلاء الولاة كانت الحفاظ على مخاليفهم من جهة الأمن والاستقرار وفض الخصومات والولاء للخلافة وتقديم الزكاة والأعشار وسائر المدفوعات الأخرى، لترسل إلى عاصمة الخلافة بعد الصرف منها على شؤون الولايات، وبهذا الصدد تذكر المصادر أن بحيرا بن ريشان الحميري وهو من القلائل من أهل اليمن الذين تولوها من قبل يزيد بن معاوية قد قبل ولاية اليمن على مال يؤديه للخلافة كل عام ولعله أساء السيرة في أهل اليمن لجمع الأموال لنفسه والخلافة حتى يستحق وصف المصادر له بأنه كان عاتيا متجبرا،

    ثم إن اليمن في خلافة ابن الزبير 64ـ73 هـ خرجت من حظيرة الدولة الأموية واستطاع ابن الزبير ان يرسل إليها الولاة من قبله، وهم الذين سرعان ما كان يتم استبدالهم أيضا حتى أن فترة بعضهم لم تتجاوز الشهور، ولذلك تميزت اليمن بالاضطراب زمن خلافة ابن الزبير ، وربما كانت ابرز الأحداث في فترة الخلافة الأموية وتداخلها مع خلافة ابن الزبير المغمورة الذكر في المصادر والأبحاث الحديثة هي خروج عباد الرعيني ضد الوالي يوسف بن عمر الثقفي ولكن الأخير قتله هو وأعوانه في عام 107 هـ ، أما في أواخر الدولة الأموية فقد غلب الخوارج على اليمن وهم الذين كانوا في حرب متواصلة ضد الدولة الأموية، وكان زعيمهم عبد الله بن يحيى الحضرمي الملقب بطالب الحق والذي ثار بحضرموت وتمكن بمن معه من رجال من دخول صنعاء وإلقاء الخطب الدينية المؤثرة فيها واستمر زحف الخوارج شمالا باتجاه مكة فسقطت بأيديهم ووليها أبو حمزة الخارجي نائب عبد الله بن يحيى الحضرمي ثم استولى بعد ذلك على المدينة وبعدها شخصت أبصار خوارج اليمن نحو الشام فساروا باتجاهها إلا ان مروان بن محمد آخر خلفاء بني أمية أعد لهم جيشا خاصا قابلهم بوادي القرى وأخذ يلحق بهم الهزائم ويطاردهم حتى وصل إلى حضرموت منطلقهم الأول وحيث كان آخر نفس لهم، إلا أن عبد الملك السعدي قائد قوات مروان بن محمد قتل في الجوف في طريقه إلى مكة لرئاسة موسم الحج، ثم عين مروان بن محمد واليا جديدا على اليمن هو الوليد بن عروة ، وكان هذا آخر ولاة بني أمية فقد تسارعت الأحداث على الخلافة الأموية وآخر خلفائها، وبدأت الجيوش العباسية زحفها من خراسان في العام 129هـ لتصل إلى الكوفة في العراق عام 132هـ حيث أعلنت خلافة بني العباس وهزم مروان بن محمد في موقعة الزاب الشهيرة وطورد هو بعدئذ ليلقى مصرعه في بوصير بصعيد مصر قرب إحدى الكنائس، ثم يبدأ عهد الخلافة العباسية

     
  18.   مشاركة رقم : 10    ‏2003-10-12
  19. البرقُ اليماني

    البرقُ اليماني قلم ماسي

    التسجيل :
    ‏2002-05-05
    المشاركات:
    11,474
    الإعجاب :
    0
    اليمن في العصر العباسي

    يقسم المؤرخون خلافة العباسيين إلى عصرين عصر قوة أول وعصر ضعف ثان، وفي العصر الأول تمكن العباسيون من بسط سيادتهم على كل رقعة الخلافة باستثناء الأندلس وأجزاء من شمال أفريقيا، كما تمكنوا من القضاء على الثورات التي هاجت ضدهم، أما في العصر الثاني فقد أدى الضعف المتنوع الأسباب إلى خروج كثير من الأقاليم عن سيطرتهم، وسنجد آثار العصرين في اليمن ، ففي العصر الأول سار العباسيون من جهة نظام الحكم سيرة الأمويين قبلهم وأرسلوا الولاة إلى اليمن بمخاليفه المتعددة او مضموما إليها الحجاز، كما تفاوتت مددهم قصرا وطولا واستمر كذلك نظام الاستتابة، ومجمل القول أن اليمن وفي العصر العباسي الأول عرفت ولاة عباسيين أقوياء تمكنوا من ضرب الثورات التي قامت ضدهم خاصة في حضرموت زمن الوالي معن بن زائدة الشيباني الذي ولي اليمن لأبي جعفر المنصور وجهات تهامة والساحل زمن الوالي حماد البربري الذي ولي اليمن لهارون الرشيد ، والذي عانى من ثورة قام بها الهيصم بن عبد الصمد الحميري استمرت فترة طويلة، وقد بدأت أولا نخوة على العار ضد الوالي العباسي لتتحول بعدئذ إلى ثورة للإطاحة بالوجود العباسي في اليمن، وقد استعمل حماد البربري الشدة والخداع في القضاء على هذه الثورة بموافقة هارون الرشيد كما يبدو والذي أثر عنه انه قال لواليه حماد بعد أن أطلعه الأخير على أو ضاع أهل اليمن اسمعني أصواتهم إلى هنا وقد صم الرشيد أذنيه عن كل شكايات أهل اليمن من ظلم حماد، ومع ذلك تذكر المصادر إن عهد حماد كان عهد استقرار وأمان وخصب وعمار، كما يذكر بالخير أيضا الوالي محمد بن خالد البرمكي الذي قام بجر غيل إلى صنعاء عرف بغيل البرمكي، أما الأكثر من ولاة بني العباس فقد اشتهروا بالظلم وفساد الذمة والشذوذ وهو ما سيمهد عند ضعف الدولة العباسية لتكون اليمن مركزا لنشوء الدويلات المنفصلة أو المستقلة عن الخلافة العباسية ، ويمكن أن نقرر انه حتى أوائل القرن الثالث الهجري كانت اليمن ولاية تابعة للدولة العباسية مباشرة حتى مع وجود دولة بني زياد التي ساهم المأمون في إنشائها في تهامة عام 203 هـ ،

    وقد عانت اليمن مثل غيرها من بقاع العالم الإسلامي من المجابهات الدموية بين العباسيين وبني عمومتهم العلويين الذين قاموا بثورات متكررة للإطاحة بحكم بني العباس بحجة أن بني العباس مغتصبون للخلافة وأن الأحق بها هم العلويون،

    وقد جرب أحد العلويين حظه في اليمن للحصول على نطاق جغرافي يحكمه وهو إبراهيم بن موسى الذي تنعته المصادر بالجزار، ويكفي لقبه هذا دليلا على كثرة سفكه الدماء بين أهل اليمن، ومع أنه حورب من القوى المحلية وولاة العباسيين، إلا أنه وهو يفر في جهات اليمن مهزوما أمام القوى المحلية وجيوش العباسيين يتم تعيينه واليا رسميا على اليمن من قبل الخليفة العباسي المأمون الذي كان كما يبدو يجهل سيرته في اليمن، لكن كان للتعيين صلة برغبة المأمون في جعل الخلافة من بعده علوية ، إذ عين المأمون أخا إبراهيم الجزار هذا، على بن موسى الملقب بعلى الرضا وليا للعهد، ولبس المأمون اللون الأخضر شعار العلويين، وقد أدت هذه الخطوة المختلف على تفسير دوافعها بين المؤرخين من قبل المأمون إلى ردود أفعال عند باقي العباسيين وأعوانهم من الخراسانية في بغداد انتهت بعزل المأمون عن منصبه وتعيين عمه إبراهيم بن المهدي خليفة بدلا عنه، ولما تدارك المأمون موقفه بموت أو بسم على الرضا هذا عاد إلى بغداد عباسيا بلونه الأسود، وهذا الاضطراب الذي شهدته بغداد شهدته كذلك اليمن ، أولا لتثبيت سلطة إبراهيم الجزار الشرعية، ثم لعزله وإقصائه بعد انقلاب المأمون على العلويين،

    هذه الأحداث التي وقعت مطلع القرن الثالث الهجري غذت القوى المحلية برغبات في الانفصال عن الخلافة العباسية وهم يشهدون غيرهم من الولاة والمتطلعين إلى السلطة يحاولون الانفصال والاستقلال، ويبدو أن الخلافة العباسية قد أدركت توثبات أهل اليمن نحو الاستقلال من جراء الثورات الكثيرة التي كانت تقع في المرتفعات والسهول، فقامت بدعم حكم في جهات تهامة هو حكم آل زياد السني في العام 203هـ كي تضمن على الأقل بقاء الطرق التجارية البحرية بعيدة عن تقلبات الأحوال السياسية في المرتفعات وهي التقلبات والصراعات العنيفة على السلطة، بين زعامات قبلية ومذهبية ستستغرق ما يناهز الأربعة القرون ابتداء من نشوء الدولة الزيادية في تهامة وانتهاء بوقوع اليمن تحت الحكم الأيوبي في عام 569هـ ،

    أما القوى التي شاركت في الصراع على السلطة في أقاليمها أو حاولت الاستيلاء على كل اليمن متمكنة من ذلك لبعض الوقت ، فكان آل زياد في زبيد في الفترة من 203 – 409 هـ/ 819 – 1019م وآل يعفر الحواليون الحميريون ، وكانوا على المذهب السني ومراكزهم صنعاء وشبام في الفترة من 225 –393 هـ/ 839 – 1003م والإئمة الزيدون في دولتهم الأولى ، نسبة إلى الإمام زيد بن على زين العابدين بن الحسين بن علي بن أبى طالب، الذي خالف الإمام جعفر الصادق في مبدأي التقية والاستتار وأسس لمبدأ الثورة على الظلم متى ما وجد هذا الظلم وهو شرط الخروج والثورة ، ويتميز المذهب الزيدي باعتداله، وانفتاحه على المذاهب الأخرى وبجعل الاجتهاد ضرورة دائمة وهو ما أدى إلى إثراء المذهب الزيدي بالفكر وظهر له في الفترات التاريخية المتأخرة علماء كبار أجلاء في أوقات كان فيه الجمود يضرب إطنابه في مسطحي العالمين العربي والإسلامي، ويعد المذهب الزيدي عامة أقرب المذاهب الشيعية إلى السنة، التي تأخذ عليهم حصرهم الإمامة في أولاد الحسن والحسين ومع ذلك يجوزون إمامة المفضول مع وجود الأفضل كما ينبذون مبدأ العصمة والتقية ويجيزون الخروج على الظلم، كما يجيزون خروج إمامين في وقت واحد وهو ما أدى في فترات كثيرة من تاريخ الدول الزيدية في اليمن إلى خروج أكثر من إمام دارت بينهم صراعات عنيفة أراقت الدماء وأهلكت الزرع والضرع، لكن مبدأ الخروج هذا رغم ويلاته هو الذي احتفظ للطامحين من الأئمة الزيدين بجذوة الثورة مكنتهم من قيادة محاولات متعاقبة لتأسيس حكم علوي وراثي سنصادفها في الصفحات القادمة، ولو ان هذا المبدأ فيما بعد قد آل إلى تنافس بين الطامحين لا من أجل رفع الظلم بل لتأسيس ملك وسلطان، وقد أتخذت الدولة الزيدية الأولى بزعامة مؤسس الدولة والمذهب الزيدي في اليمن العلوي يحيى بن الحسين الرسي المنعوت بالهادى إلى الحق، من صعدة مركزا لها في الفترة 284 –444 هـ/ 897 –1052م ، والإسماعيليون القرامطة في دولتهم الأولى ومراكزها المذيخرة ولاعة في الفترة 291 – 321 هـ/ 903 – 933م وهم أيضا شيعة يرون أن الإمامة انتقلت من العلوي جعفر الصادق إلى ابنه الأكبر إسماعيل فشايعوه ودعوا باسمه وحفظوا الإمامة في أعقابه وهم على خلاف المذهب الزيدي يجوزون الاستتار للإمام إذا لم تكن له قوة يظهر بها، كما يؤمنون بالنظر الباطني للأمورولهم آراء حول العلاقة بين النبوة والإمامة ، ثم الصليحيون وهم الإسماعيليون أو القرامطة في دولتهم الثانية ، والتي كانت تابعة لحكم الفاطميين في القاهرة ، وقد اتصفت بالتسامح المذهبي فلم تفرض على أحد إتباع ما تذهب إليه من فقه سياسي وشرعي، ومراكزهم جبل مسار في حراز ، وصنعاء وجبلة وحصن أشيح في آنس في الفترة 439 –532هـ / 1048 – 1138 م ، بنو نجاح في زبيد، وهم وارثوا الدولة الزيادية وكانوا عبيدا لهم من الأحباش فتمكنوا من السيطرة على الدولة بعدئذ وابقوا على مذهبها السني في الفترة 403 – 555 هـ / 1013 – 1161م ، بنو زريع في عدن وهم من اتباع الدولة الإسماعيلية في الفترة 470 – 569 هـ / 1078 – 1174 م ، بنو حاتم في صنعاء وكانوا على المذهب الإسماعيلي في الفترة 494 – 569 هـ/ 1101 – 1174م ، بنو مهدي الحميريون في زبيد ، نسبة إلى المؤسس على بن مهدي والذي قضى على حكم النجاحيين وخلفهم في زبيد في الفترة 553 – 569 هـ / 1159 – 1174 م ،


    --------------------------------------------------------------------------------

    وقد وجدت مختلف الطموحات السياسية في أوضاع اليمن القبلية وتصارعها مع بعضها البعض خير وسيلة للحصول على الأعوان الذين رغبوا في الانتقام من بعضهم تحت مسمى القيادات المختلفة، وقد تصارعت القوى المتعاصرة مع بعضها البعض وتبادلت النصر والهزيمة سجالا وأطيح بأسر حاكمة لتحل محلها أخرى إلى حين ، وتمكن بعضها من السيطرة على ديار بعض فكانت الغلبة أولا لآل زياد ثم كانت للقرامطة على حساب اليعفريين والزيديين ثم كانت لليعفريين والزيدين في تحالفهم بعد صراع ومجابهات ضد الجزء الخطر من القرامطة وهو على بن الفضل ثم جاء دور الصليحيين ليتمكن مؤسس الدولة علي بن محمد الصليحي، ، التلميذ النجيب والنابه للداعية الإسماعيلي سليمان الزواحي من الإطاحة بكل القوى القبلية منه والحاكمة ، وتوحيد اليمن تحت حكمه بل أنه أدخل مكة تحت حكمه، ويخلف بنو نجاح آل زياد في زبيد ويتبادلون النصر والهزيمة مع الصليحيين ، والصليحيون تنقسم دولتهم بعد وفاة المكرم زوج السيدة أروى بنت أحمد محمودة السيرة والذكر فتأخذ بالتدريج في الضعف والزوال فيبسط النجاحيون دولتهم في التهائم ، ويقوى آل زريع ولاة الصليحيين في عدن ويؤسسون دولتهم المسيطرة على عدن وأبين وتعز ، ويتداول السلطة في صنعاء وما حولها أسر همدانية كآل حاتم وآل القبيب وآل عمران ، وفي زبيد يحل بنو مهدي كما أسلفنا محل آل نجاح ،وكانت لكثيرمن هذه القوى المتصارعة في اليمن ارتباطاتها الفعلية أو الاسمية، فآل زياد يدينون بالولاء لبني العباس واليعفريون حسب أوضاع القوة والضعف تارة يستقلون نهائيا وأخرى يعترفون بالخلافة العباسية أو هي تعترف بهم وتقرهم على أوضاعهم، والإسماعيليون القرامطة يدينون بالتبعية والولاء للفاطميين في عاصمتهم الأولى المهدية بتونس وفي القاهرة بمصر فيما بعد، ثم ينشق فريق منهم بزعامة على بن الفضل الحميري ويستقل بالحكم لنفسه ويبقى الفرع الآخر بزعامة منصور بن حو شب الملقب بالمنصور تابعا للخلافة الفاطمية حتى تعصف منافسات السلطة بالأعقاب ليعلن الحسن بن المنصور عام 321 هـ نبذه للإسماعيلية واعتناقه لمذهب السنة لتسقط سلطته بعدئذ تحت ضربات قوى قبلية محلية موالية لبني العباس، أما دولة الأئمة الزيدين فقد كانت منذ البداية منافسة للحكم العباسي كما انها كانت تجسيدا لطموح العلويين في الحكم معتبرين أنفسهم أهل حق في قيادة المسلمين، ومتهمين العباسيين باغتصاب السلطة من أهلها، ولا بد من الإشارة إلا أن بعض هذه الدول كالزيدية والإسماعيلية والصليحية ، بل والزيادية قد قامت على أساس فكري أو مذهبي في إطار صراع الأفكار والمذاهب التي ظهرت في الخلافة الإسلامية عامة،ولا تزال فترة الصراع الطويلة هذه تحتاج إلى مزيد من الدراسات الحديثة لكشف غموضها وفك اسرارها، لأننا نعتقد أن هذه الفترة قد ساهمت إلى حد بعيد قي تشكيل الملامح اليمنية الممتدة إلى اليوم جغرافيا وسكانيا ومذهبيا، وإلى جانب تلك الدول والكيانات الرسمية هناك حشد من أسماء القبائل أو الأسر أو تحالفاتها والتي شاركت في الصراع الدائر بين الطامحين في السيادة والسلطة، وفي حالات نادرة فقط حاولت الخلافة العباسية وهي تحاول استعادة قوتها ومجدها التدخل لإقرار ما تراه منا سبا بحكم كونها الخلافة الإسلامية المهيمنة وقد ساعدها على ذلك كونها ظلت – في زمن الانقسامات والفوضى العسكرية - الغطاء الشرعي والروحي الذي لجأ إليه المتقاتلون أحيانا للحصول على غطاء شرعي أو روحي من خلافة المسلمين وفيما عدا فترات قصيرة من العصر العباسي الثاني وفي أزمنة خلفاء مثل المعتمد حيث حاول أخوه الموفق 278 هـ / 891م فرض السيطرة العباسية على اليمن ثم محاولات المعتضد 289هـ / 907م والمكتفي 295 هـ/ 907م ، كانت الخلافة تنتظر فقط من يفد إليها أو يراسلها بغرض استمدادها الشرعية والغطاء الروحي لما تغلبوا عليه، وقد ظلت الأوضاع تلك على حالها حتى مجيء الأيوبيين إلى اليمن فتغيرت الخارطة السياسية في اليمن لصالحهم

     

مشاركة هذه الصفحة