الــديك المســتأســد .....!!

الكاتب : الهاشمي اليماني   المشاهدات : 569   الردود : 3    ‏2003-10-10
      مشاركة رقم : 1    ‏2003-10-10
  1. الهاشمي اليماني

    الهاشمي اليماني قلم ماسي

    التسجيل :
    ‏2003-09-13
    المشاركات:
    15,897
    الإعجاب :
    11
    قديما في التاريخ العربي برز إسم شاعر مفلق ألهب المشاعر وأفاض العبرات وسمي ديك الجن لكننا هنا لانقصد الشعر ولا الشعراء المتيمين بل تعرض حكاية ديك حقيقي ومن فئة الدجاج بالطبع وقبل ذلك نسلط الضوء على مسرح الأحداث أو المكان الذي تواجدبه الديك ، أو بطل حكايتنا .
    قضيت الجزأ الأكبر من طفولتي بمركز شدا ، وشدا ناحية من مديرية رازح التابعة لمحافظة صعدة ، شدا أقصاها وأشدها وعورة ومركزها يقع في قمة الجبل التي تنتصب شامخة في الفضاء ويشاهد منها كل الجبل بأوديته وقراه المتناثرة ، الصعود للمركز صعب وشاق حتى أن طريق الدواب غير سلك تماما ويجب تخلصيها من جزء كبير من أحمالها حتى تستطع مواصلة المشوار ، أما البشر الغير متعود للتسلق أو غير متوائم مع هذه البيئة فقد لايعود لها ثانية البتة ، أقرب سوق يبعد عن المركز أربع ساعات من من المشي المرهق وهو سوق أسبوعي ريقي تقليدي ، والتموينات الضرورية يجب جلبها من ذلك السوق فلا يوجد دكاكين بالجبل حتى وإن وجدت فمحتوياتها تتركز على الضروريات كملح الطعام والزنجبيل والفلفل الأسود ، المركز يحتوي على سكن لثلاث عوائل بمقاييس ذلك الزمن أي كل عشرة أفراد بغرفة واحدة ، وبه مسجد ومخازن غلال ثم ثلاث برك (خزانات ماء) لتجميع مياه الأمطار إحداها تخصص لمسجد المركز لغرض التطهر ، وقد تستنزف المياه وتجف البرك وتصبح عملية جلب المياه غاية في الصعوبة وتحتاج لساعات طوال صعودا وهبوطا ، لم يكن هناك مؤنس سوى كتب والدي ومكتبته العامرة ... أو المذياع (الراديو) ولعلو موقع المركز الشاهق وبروزه فقد كان هدفا للصواعق التي ما فتئت تهاجمه وتمطره بكرم حاتمي كل ما لاح في الأفق سحابة أو أمطرت السماء ، وعوضا عن الاستبشار بالغيث المدرار الذي نحن بحاجة ماسة لكل قطرة منه وننتظر هطوله بكل لهفة ، كان لزاما علينا أن نعد العدة ونبحث عن ملاجئ تؤوينا خوفا من الصواعق ، وكنا نعيش بين الابتسامة والعبوس والخوف الرجاء ، وأكتشفنا لاحقا أن جهاز الراديو البدائي بأسلاكه المنشورة على سطح المركز كان عامل جذب لتلك الصواعق ، وقد عبثت الصواعق بكثير من محتويات منزلنا ودمرت الكثير من أجهزة الراديو والتي كان أبي يقتنيها حتى لا ينقطع إرتباطه بالعالم وأخباره وكانت تسليته بعد قراءة الكتب والمراجع .

    في هذه البيئة الصعبة والمعقدة لم تكن الحياة بالسهلة بتاتا ، وكان يجب عليها التعايش والتأقلم فكنا نقوم بتربية الحيوانات والدواجن ونقوم بزراعة قطع ترابية ، نقوم بتجميع تربتها ونبنيها على منحنى صخري ، ورغم شح المآء وكونه عزيز ونادر لإغراض الري لتلك المزروعات البسيطة التي يحتاج إليها المنزل كضرورة قصوى وعلى رأسها الفلفل الحار .

    خلال هذه الحياة الصعبة إمتلكت دجاجة غير عادية وتتميز بحدة المزاج وخاصة عندما تحتضن البيض ، ففي أيام وضع البيض لاتسمح لإحد بالدنومنها أو ملامسة عشها أو بيضها وتؤذي يمنقارها الحاد من يحاول الحصول على شئ من بيضها ، أي أنها كانت تدافع ببسالة نادرة عن حياظها وبيضها وتطرد عنهما كل متطفل بمن فيهم أنا .. الطفل التواق دائما للبيض اللذيذ للتعويض عن الطاقة المفقودة بعد عمليات التسلق هنا أو هناك ثم أن البيض كان سلوتي الوحيدة في طفولتي فلا حلوى وبسكويت ولادكان .. وكان الدكان الوحيد يبعد قرابة الساعة مشيا ، وفي العادة السائدة أعود من رحلتي بخيبة أمل كبرى فهو لايبيع سوى الملح وأحيانا ... البردقان ، (مسحوق التبغ) وأكتم غيض وأخفي خيبتي .. من تلك الدجاجة المزعجة ، لكنها لم تكن سيئة تماما فقد كانت تعوضنا بالنتيجة وبجيل جديد من الفراخ ..
    وبجوارنا يسكن العم حسين مع عائلته وكان مسئولا ماليا عن المركز ويشاركنا حياتنا ، والعم حسين إشترى ديكا من السوق الأسبوعي ، كان الغرض الأساسي منه هو التنبيه لصلاة الفجر وكان ديكا متميزا وغير عادي ، وما لبث أن سيطر بقوة وقسوة ودكتاتورية عاتية على قطعان الدجاج وطرد وأستذل الديوك الأخرى مما أظطرنا أن نقودها لمصيرها المحتوم ذبحا للغذاء .. واستتب الأمر للديك المتفرد فكل الديوك سحقت وأكلت ، وبقي وحيدا متفردا بالسلطة على الدجاج اللائى حضعن وخنعن وأستسلمن لجبروته وعنجيهته وأستسلمن له ومنهن دجاجتي ، ويبدوا أن ذلك الديك إستمراء حكمه الفردي المستبد فقام بحركات مذهله ومثيرة منها أنه يقوم بتحديد أماكن التعشيش للبيض ويسوق الدجاج ويجمعها قسرا كي تضع بيضها بدهاليز العم حسين ومنهن دجاجنا ودجاجتي الخاصة أولهن .. ثم يقوم بحراستهن ويمنع عنهن كل دخيل بما في ذلك القطط التي باتت ترهبه وتتحاشى التحرش به فما أن يشاهد قطة تقترب حتى يهب إليها مبرزا مخلبيه قبل منقاره الحاد والرهيب وكان ذلك كفيلا أن يجعل القطط ترتعد وتجفل هاربة لاتولي على شئ من أمرها طالبة السلامة والأمان ، وشكل الديك رعبا حقيقيا حتى أن الكلاب كانت تتجنبه ، ومع مرور الأيام أصبح يشكل خطورة على الأطفال فما أن يقترب أحدنا من قطعان الدجاج حتى يقفز عاليا ويطير ويصفق بجناحيه وقد يغرس براثنه بثياب الطفل وأحيانا يسبب جرحا بجسده ، ولم تقتصر غزواته وإرهابه على الصغار بل تعدتها لتشمل كبارا .. كان يثب عليهم مزمجرا مولولا ، وكان أحد المراجعين بالمركز من الكبار يهم بدخول فناء المركز فأعترضه الديك لكن المراجع البدوي لم يأبه في البداية لهذا الوحش المتمثل في شكل ديك .. لكنه وبعد إحساسه ببراثن الديك إستل خنجره محاولا الفتك بالديك ، وكان أبي قريبا من المكان فتدخل وهو غارق في الضحك ، لكن البدوي إعتبر الوضع إهانة لكبريائه ورجولته فما كان من أبي سوى تهدئة الأمور وتطييب الخواطر وتحويل الأمر إلى نكتة ... وأستجد أمر آخر فخلال إستضافة والدي لمأمور جمع الزكوات (القباظ) هم الضيف بدخول الفنآء وهو يأتي المركز لأول مرة ولم يتفطن لما ينتظره ، هاجم الديك ذلك الرجل وبشراسة مما جعله يصيح بأعلى صوته مذعورا لهول المفاجآءة ، وكما قال كنت أتوقع غدرا آدميا أما أن يغدر بي ديكا فهذا أمر غير منطقي ، وبين الضحك ومنظر الرجل المتألم .. أستدعى والدي العم حسين صاحب الديك عارضا عليه ثمن مجز ثم ذبح الديك واستبداله بديك أكثر رزانة وألفة وذو طابع دجاجي كسائر جنسه ، لكن العم حسين رفظ بشكل قاطع وعرض سببا وجيها وهو أن القطط المنزلية ما فتئت تهاجم صغار دجاجه وتفترسها ، وأن هذا الديك العنيد مفيد بالنسبة له ولنا ، وواسى والدي المأمور ثم لقنه تعليمات مفيدة للحيطة والحذر من ذلك الديك الشرس ومنها أنه يجب الابتعاد قد الإمكان عن دجاجاته وحاشيته لأنه ديك غيور ولايسمح للقطط والكلاب من الإقتراب من عرينه (أسد) وضحك المأمور وهو يغسل رقبته التى أحدث الديك بها أثارا وقال الحمد لله أن وجودي هنا مؤقت ..
    ماكان لأبي أن يؤذي مشاعر جاره العم حسين رغم تمسكه بالديك الشرس المؤذي ، وكان أبي يرشدنا كيف نتجنب الإشتباك مع الديك أو التحرش به ثم تحاشيه ، وبالرغم أنني كنت أتوق لرميه بحجر فأشفي غليلي وحقدي عليه وخاصة عندما أشاهده يحتكر ويسيطر على دجاجاتي قسرا ثم يسوقهن لوضع البيض في المكان الغير مرغوب به ، حيث كان يلزمني أستنجد بأمي بالرضاعة زوجة العم حسين بجمع البيض وإسترجاعه ، فتقوم المرأة بحمايتي من الديك المفزع الذي كان يقف منتصبا بشموخ ونرجسية وكبرياء مستعرضا ريشه الملون وعينيه تقدح شررا مشهرا بين فنية وأخرى مخلبه الأسدي محدثا لي رعبا وهلعا بحيث كانت تتكسر مني بعض البيض فأصرخ بأعلى صوتي مناديا أمي بالرضاعة طالبا النجدة ..

    بتلك الفترة كان زوج أختي الكبرى ومدرسي قد جلب لنا أنواعا من الديوك محاولا إيجاد منافس وتحطيم أسطورة الديك .. لكن كل محاولاته بآءت بالفشل الذريع ، وذهبت الديوك مهزومة مسحولة ذليلة لتلقى مصيرها المحتوم بقدور الطبخ ، وكتم أستاذي غيظه وكمده حتى لايؤذي مشاعر أبي الذي بدوره يحترم العم حسين ، وذهبت مع أستاذي للسوق الأسبوعي كرحلة رغم مشقة وعذاب الترحال والتنقل .. ووجدنا بالسوق طيور داجنة كالحجل التي طالما أغرمت بلون ريشها الجميل ، وكنا نشتري بيضها ونضعه مع بيض الدجاج فيفقس وتحتضن الدجاج فراخه وتكون الفراخ داجنة مستأنسة كما أن الديك كان يعاملها معاملة عادية كافراد أسرته الكبيرة والكثيرة العدد وأعتقد أن همه الأكبر يتلخص بإحتواء الأمهات تحت لواء الطاعة المطلقة ، و بأحد الرحلات حصلت على بيضتين لبطة وكررت وضعهما بمحضن دجاجة ، وفقست البيضتان عن بطتان جميلتان وقبلت الدجاجة بتبنهما ضمن فراخها ، وخرجت الدجاجة الحاضنة ومع فراخها والبطتان وبأنتظارها مهاب الجانب الديك .. وكان الجميع بجوار بركة الجامع .. كانت الدجاجة الأم ترشد فراخها لتشرب المآء لكن البطتان الصغيرتان قفزتا للماء سابحتان مستمتعتان .. لكن الدجاجة أصدرت أصواتا مرتفعة إستجاب لها الديك وحدث هرج ومرج يصم الآذان ففزعنا نستطلع الأمر خوفا من تسلل أبي الحصين (الثعلب) لكننا لم نجد سوى الدجاجات والديك وقد أفزعهم دخول البطتين للمآء .. كان الموقف طريفا ..
    وفي خلال إعدانا لأرضية بستان المركز ذهبنا للتسوق مرة أخرى وكان الوقت قبل شهر رمضان بحوالي ستين يوما وعلينا الإستعداد له وشراء بذور لعدة أصناف من الخضروات المحلية والبقول ، وعدنا لتهيئة البستان وريه ثم بذره ، وقد بذلنا جهدا جهيد بتهيئة البستان كفريق على رأسه أستاذي وزوج أختي وبعد تعب وجهد وعرق .... وفي ظهيرة اليوم التالي قاد الديك جحافل جيشه المكون من عشرات الدجاجات وأفراخهن ومشى بخيلائه المعهودة متقدما بخطوات الفارس المغوار حامل العلم متوجها بقومه أو دجاجه إلى بستاننا الفتي الذي فرغنا للتو من إعداده وبذره ... وأخذ الغزاة وقائدهم ينبشون التربة ويعبثون بها وينقبون عن البذور ، ويجرفون كل شئ ويفسدون عملنا ، وتنادينا للقيام بعمل ما لاكن الوقت كان متأخرا جدا .... أما زوج أختي فقد فقد أعصابه ولم يعد يتمالك شئ من الصبر ... فحمل بيده قدر إستطاعته من الصخور موجها إيها بقوة تجاه قائد الغزاة الديك وبكل ما أوتي من قوة .. ومالبثت إحدى القذائف الحجرية أصابت الديك بمقتل فهوى مضرجا بدمائه ... كجلمود صخر حطه السيل من عل .. وتشتت القوم (الدجاج) بعد مصرع القائد .... انتشرنا نبحث عن الدجاج فهي مصدر مهم لغذائنا .. وتدارك والدي الموقف بأن تعهد للعم حسين بديك بديل حسن السيرة والسلوك مع دفع غرامة مالية لتهدئة الخواطر وتلطيف الجو بالمواساة ثم التذكير بالسلوك الغير مهذب الذي كان يتميز به الديك ..
     
  2.   مشاركة رقم : 2    ‏2003-10-13
  3. الهاشمي اليماني

    الهاشمي اليماني قلم ماسي

    التسجيل :
    ‏2003-09-13
    المشاركات:
    15,897
    الإعجاب :
    11
    هذه قصة حقيقية ، المطلوب نقد أو تعليق من المتصفح .. الكريم ..
     
  4.   مشاركة رقم : 3    ‏2003-10-13
  5. المثنى

    المثنى عضو نشيط

    التسجيل :
    ‏2002-07-28
    المشاركات:
    264
    الإعجاب :
    0
    عجيب ...!!

    الاستبداد تفشى في مجتمعاتنا حتى عند الدجاج ..!!

    على الدنيا السلام
     
  6.   مشاركة رقم : 4    ‏2003-10-13
  7. الهاشمي اليماني

    الهاشمي اليماني قلم ماسي

    التسجيل :
    ‏2003-09-13
    المشاركات:
    15,897
    الإعجاب :
    11
    الحمد لله أنني أخيرا حصلت على قارئ

    أخي المثنى: أشكرك .. كما أنه لايهم أن تعطيها قياسا فكل شخص يمكن أن يفسرها حسب مايرد .. أكرر شكري
     

مشاركة هذه الصفحة