خرافة المخ الصغير

الكاتب : alzamaan   المشاهدات : 824   الردود : 5    ‏2003-10-07
      مشاركة رقم : 1    ‏2003-10-07
  1. alzamaan

    alzamaan عضو نشيط

    التسجيل :
    ‏2003-05-12
    المشاركات:
    288
    الإعجاب :
    0
    كم يتكرر القول بأن الطفل صغير السن- وليكن حول السنة الثانية من العمر مثلا أو أقل، "لا يفهم" أو أن "عقله ما يزال صغيرا"؟.
    وكم يعد الاقتناع بهذه "المسلمات"، أو قبولها، تبريرا لرفع الحرج عن الكبار عند تعريض الأطفال الصغار، ولو سلبيا، لأنواع من السلوك الاجتماعى غير السوية، خاصة تلك المتسمة بالعنف اللفظى أو حتى البدنى؟
    إن هذه "المسلمات" تنطوى على أن مخ الطفل الصغير مازال غير قادر على التذكر، أو التعلم، بكفاءة، بما يكفى لتمرير هذه الخبرات السيئة عليه دون أن تترك أثرا على "عقله الصغير".
    ويترتب على هذه "المسلمات" أيضا أن الاهتمام بتكوين عقل الطفل قبل الالتحاق بالمدرسة غير مجد، وأن الأطفال الأكبر سنا يكونون أقدر على اكتساب مهارات معينة، مثل اكتساب لغات غير اللغة الأم. ولذلك تقضى النظرة التقليدية فى دوائر التعليم مثلا بتأجيل تعليم اللغات الإضافية إلى ما بعد العاشرة.

    غير أن الدراسات الأحدث فى دراسة تكوين المخ، ونشاطه، وعلاقتهما بالتعلم، تقطع بأنه ليس أبعد عن الحقيقة من هذه "المسلمات". الأمر الذى ينطوى على تبعات جوهرية لفهم عملية تعلم الأطفال الصغار، وعملية التنشئة الاجتماعية بوجه عام؛ ويفرض، من ثم، تغييرات أساسية فى المنطق التقليدى لهاتين العمليتين المجتمعيتين بالغتى الأهمية، للفرد وللمجتمع على حد سواء.
    فجماع الرأى العلمى الآن أن المخ ليس مجرد جهاز عضوى- كما كان يظن فى السابق- وأن الاهتمام بتطوير مخ الطفل قبل الالتحاق بالمدرسة، بل منذ لحظة الولادة، أو حتى قبلها، أمر لا يدانيه أهمية، فى تنشئة الطفل العقلية، أى اعتبار آخر. حيث تؤثر الخبرات التى يتعرض لها الطفل فى السنوات الأولى من العمر تأثيرا بالغ الأهمية على معمار المخ، وعلى أدائه طول الحياة.

    [COLOR="8B0000"]م[/COLOR][COLOR="A50000"]ع[/COLOR][COLOR="BF0000"]م[/COLOR][COLOR="D80000"]ا[/COLOR][COLOR="F20000"]ر[/COLOR][COLOR="FF0E09"] [/COLOR][COLOR="FF2A1B"]ا[/COLOR][COLOR="FF472C"]ل[/COLOR][COLOR="FF633E"]م[/COLOR][COLOR="FF7F50"]خ[/COLOR]
    يتكون معمار المخ من عنصرين أساسيين: خلايا متخصصة ("خلايا عصبية" neurons) ووصلات بين هذه الخلايا (أو "تشابكات" synapses) تمكنها من الاتصال ببعضها. ولا شك فى أن عدد الخلايا محدد جوهرى لمعمار المخ، فكلما زاد عدد وحدات البناء، توافرت مقومات بناء أضخم. ولكن ثراء المعمار يتحدد بمدى كثافة الوصلات بين الخلايا. وتتحدد كفاءة أداء هذا المعمار بجودة هذه الوصلات.
    والمثال المعتاد لتوضيح هذه العلاقات، وإن كان أقل تعقيدا بكثير من المخ البشرى، هو شبكات الاتصالات التليفونية. فالشبكة الأكبر تربط عددا أكبر من نقاط الاتصال (أجهزة التليفونات) الممكنة. ولكن مدى ثراء الشبكة يتوقف على عدد الوصلات بين نقاط الاتصال، ويتحدد مدى كفاءة الشبكة بجودة هذه الوصلات (متانتها، وسعتها، وسرعة التوصيل عبرها) .

    ويحوى المخ البشرى أعدادا هائلة من الخلايا، وأعداد حتى أكبر من الوصلات. فيدور عدد الخلايا فى مخ الفرد البالغ حول مائة بليون، بينما يقارب عدد الوصلات، فى المتوسط، 500 تريليون.

    [COLOR="8B0000"]ت[/COLOR][COLOR="9C0000"]ط[/COLOR][COLOR="AC0000"]و[/COLOR][COLOR="BD0000"]ر[/COLOR][COLOR="CD0000"] [/COLOR][COLOR="DE0000"]م[/COLOR][COLOR="EE0000"]ع[/COLOR][COLOR="FF0000"]م[/COLOR][COLOR="FF120B"]ا[/COLOR][COLOR="FF2417"]ر[/COLOR][COLOR="FF3622"] [/COLOR][COLOR="FF492E"]ا[/COLOR][COLOR="FF5B39"]ل[/COLOR][COLOR="FF6D45"]م[/COLOR][COLOR="FF7F50"]خ[/COLOR]
    السمة المميزة لتطور معمار المخ هى النمو فائق السرعة، أو التفجرى، فى مراحل مختلفة من الحمل وحياة الطفل.
    تبدأ مرحلة أولى من النمو التفجرى فى خلايا المخ أثناء الحمل. فمنذ لحظة الإخصاب حتى منتصف فترة الحمل تقريبا يقفز عدد خلايا المخ، فى المتوسط، إلى 200 بليون. ثم يبدأ عدد الخلايا فى التناقص، حتى يصل إلى حوالى نصف ذلك عند الولادة، ويبقى على هذا المستوى تقريبا فيما بعد. أى أن المكون الأول لمعمار المخ، الخلايا، يكتمل قبل الميلاد.

    غير أن الوضع جد مختلف فى حالة المكون الثانى: الوصلات بين الخلايا. إذ يبدأ النمو التفجرى فى الوصلات بين الخلايا أيضا أثناء الحمل. ففى عينة من المخ توازى حجم رأس الدبوس، وتضم حوالى 70 ألف خلية تقريبا، يصل عدد الوصلات بين هذه الخلايا فى جنين عمره سبعة شهور إلى حوالى 125 مليون. وعند الميلاد يكون عدد الوصلات فى هذه العينة قد تضاعف. ويصل المعدل الأقصى لتكوين الوصلات بين خلايا المخ إلى ثلاثة بلايين فى الثانية الواحدة، حتى يتضاعف عدد الوصلات مرة أخرى حول بلوغ الطفل سبعة أشهر، بعد الميلاد، أى فى أقل من فترة الحمل.
    ونتوقف هنا للإشارة إلى أن هذا النمط المتفاوت فى تطور مكونى معمار المخ لا بد يعنى أن الخبرات الحياتية، التى تبدأ بعد الميلاد، ذات علاقة وثيقة بتكون الوصلات بين خلايا المخ، وليس بالخلايا، حيث أن بناء الخلايا قد اكتمل تقريبا قبل الميلاد.
    يستمر النمو التفجرى فى الوصلات بين خلايا المخ بعد الميلاد إذا، ولكن فقط حتى بلوغ الثانية من العمر، ثم يبدأ عدد الوصلات فى التناقص. فعند بلوغ الثانية من العمر يناهز عدد الوصلات ألف تريليون، ثم يتناقص تدريجيا. وعند سن العاشرة يكون عدد الوصلات قد تقلص، فى المتوسط، إلى حوالى النصف كما ذكرنا- بينما يبقى عدد خلايا المخ دائما عند حد الميلاد. ويبقى حجم معمار المخ عند هذا الحد تقريبا منذ بلوغ العاشرة، وطوال باقى العمر.


    [COLOR="4B0082"]ش[/COLOR][COLOR="430E74"]ك[/COLOR][COLOR="3A1C65"]ل[/COLOR][COLOR="322B57"] [/COLOR][COLOR="2A3948"]ت[/COLOR][COLOR="21473A"]خ[/COLOR][COLOR="19552B"]ط[/COLOR][COLOR="11641D"]ي[/COLOR][COLOR="08720E"]ط[/COLOR][COLOR="008000"]ى[/COLOR][COLOR="1C7D08"] [/COLOR][COLOR="397A10"]ل[/COLOR][COLOR="557618"]ت[/COLOR][COLOR="717320"]ط[/COLOR][COLOR="8E7027"]و[/COLOR][COLOR="AA6D2F"]ر[/COLOR][COLOR="C66937"] [/COLOR][COLOR="E3663F"]م[/COLOR][COLOR="FF6347"]ع[/COLOR][COLOR="F2583F"]م[/COLOR][COLOR="E54D37"]ا[/COLOR][COLOR="D8422F"]ر[/COLOR][COLOR="CB3727"] [/COLOR][COLOR="BF2C20"]ا[/COLOR][COLOR="B22118"]ل[/COLOR][COLOR="A51610"]م[/COLOR][COLOR="980B08"]خ[/COLOR][COLOR="8B0000"] [/COLOR][COLOR="84000E"]ح[/COLOR][COLOR="7D001D"]س[/COLOR][COLOR="76002B"]ب[/COLOR][COLOR="6F003A"] [/COLOR][COLOR="670048"]ا[/COLOR][COLOR="600057"]ل[/COLOR][COLOR="590065"]ع[/COLOR][COLOR="520074"]م[/COLOR][COLOR="4B0082"]ر

    [​IMG]

    ملحوظة: الفارق بين المنحنيين أقل، بكثير، من الحقيقة.

    ل[/COLOR][COLOR="900000"]م[/COLOR][COLOR="960000"]ا[/COLOR][COLOR="9B0000"]ذ[/COLOR][COLOR="A00000"]ا[/COLOR][COLOR="A50000"] [/COLOR][COLOR="AB0000"]ا[/COLOR][COLOR="B00000"]ل[/COLOR][COLOR="B50000"]ت[/COLOR][COLOR="BA0000"]ق[/COLOR][COLOR="C00000"]ل[/COLOR][COLOR="C50000"]ص[/COLOR][COLOR="CA0000"]،[/COLOR][COLOR="D00000"] [/COLOR][COLOR="D50000"]ب[/COLOR][COLOR="DA0000"]ع[/COLOR][COLOR="DF0000"]د[/COLOR][COLOR="E50000"] [/COLOR][COLOR="EA0000"]ا[/COLOR][COLOR="EF0000"]ل[/COLOR][COLOR="F40000"]ن[/COLOR][COLOR="FA0000"]م[/COLOR][COLOR="FF0000"]و[/COLOR][COLOR="FF0604"]،[/COLOR][COLOR="FF0C07"] [/COLOR][COLOR="FF110B"]ف[/COLOR][COLOR="FF170F"]ى[/COLOR][COLOR="FF1D12"] [/COLOR][COLOR="FF2316"]م[/COLOR][COLOR="FF2819"]ك[/COLOR][COLOR="FF2E1D"]و[/COLOR][COLOR="FF3421"]ن[/COLOR][COLOR="FF3A24"]ى[/COLOR][COLOR="FF4028"] [/COLOR][COLOR="FF452C"]م[/COLOR][COLOR="FF4B2F"]ع[/COLOR][COLOR="FF5133"]م[/COLOR][COLOR="FF5737"]ا[/COLOR][COLOR="FF5C3A"]ر[/COLOR][COLOR="FF623E"] [/COLOR][COLOR="FF6841"]ا[/COLOR][COLOR="FF6E45"]ل[/COLOR][COLOR="FF7349"]م[/COLOR][COLOR="FF794C"]خ[/COLOR][COLOR="FF7F50"]؟[/COLOR]
    يثير النمط الموصوف أعلاه سؤالا جوهريا: لماذا يتبع النمو الانفجارى فى مكونى معمار المخ تقلص فى كلا المكونين- فى الخلايا فى النصف الثانى من الحمل، وفى الوصلات بعد بلوغ الثانية من العمر؟
    تقوم الإجابة على هذا التساؤل على أن التعليمات الوراثية للكائن البشرى (المتضمنة فى "الجينات" أو "المورثات") لا تكفى لتحديد تفاصيل بناء المعمار الهائل للمخ البشرى بكامله (يصل عدد المورثات فى الكائن البشرى حوالى مائة ألف، يختص نصفها تقريبا بتعليمات تشييد معمار المخ والجهاز العصبى- راجع، للمقارنة، الأعداد، الأكبر كثيرا، لخلايا المخ والوصلات بينها المعطاة أعلاه).
    ولذلك يتم إنتاج عدد يفوق الحاجة، من الخلايا قبل الميلاد، ومن الوصلات حتى الثانية من العمر، بحوالى المثل فى كلتا الحالتين، بحيث يقوم المخ ذاته، بعد اكتمال معماره بما يكفى لمهام كل من المراحل الأولى للحياة، باستكمال تشييد المعمار على صورته النهائية.
    فوجود فائض فى مكونى المعمار يضمن توافر ما يكفى، ويزيد، من قدرة المخ، باعتباره مركز التحكم فى الكائن البشرى، لضبط كل أجهزة الجسم الحيوية أولا، ثم العلاقة بالعالم خارج الرحم، بعد الميلاد، ثانيا. وبديهى أن الاحتياط بالوفرة أحكم من التقتير فى مثل هذه المجالات، كما أنه يوفر فرصة انتقاء أفضل عناصر المعمار للمهام المطلوبة.

    وإعمالا لهذه الحكمة، فإن ما يزيد عن حاجة ضبط الوظائف العضوية للجسم من خلايا المخ يفقد قبل الميلاد.
    أما فى حالة الوصلات بين خلايا المخ، فلاشك فى أن قسما منها مطلوب للتحكم فى الوظائف العضوية. ولكن، فى منظور الاجتماع البشرى، يتصل قسم آخر، أضخم كثيرا، بالعلاقات مع البيئة، المادية والبشرية. ومنطقى أن يتوقف هذا القسم الثانى من الوصلات على تفاعل الطفل مع هاتين البيئتين. وكما فى حال الخلايا، يبدأ إنتاج الوصلات بين الخلايا بوفرة، بل بمعدل متصاعد، حتى بلوغ الثانية من العمر، ثم يتقلص مكون الوصلات من معمار المخ حتى يستقر حول العاشرة، كما رأينا.
    وبينما يستغرق التخلص من خلايا المخ الزائدة عن الحاجة حوالى أربعة شهور، تتطلب العملية هذه فى حالة الوصلات ثمانية أعوام (أى أربعة وعشرين مثلا تقريبا). ويستدل من هذه المقارنة على أن جانب التفاعل مع البيئة، المادية والبشرية، من شق الوصلات فى معمار المخ أعقد بكثير من جانب ضبط الوظائف العضوية للجسم، ويحتاج، من ثم، لرصيد هائل من الوصلات.
    والاستخلاصان الأهم هما أن تشكيل جانب التفاعل مع البيئة، المادية والبشرية، من معمار المخ لا بد أن يكون، فى حد ذاته، رهن بالتفاعل مع البيئة من خلال نشاط المخ نفسه، من ناحية؛ وأنه يصل أقصى نشاط له حول الثانية من العمر، ويكاد ينتهى ببلوغ العاشرة، من ناحية أخرى.

    وهكذا، فإن الإجابة على التساؤل المثار فى بداية هذا القسم من المقال تشير إلى الأهمية القصوى لعوامل البيئة، أو التنشئة، فى مقابل الوراثة، فى تشكيل شق الوصلات بين الخلايا فى معمار المخ.
    وتبرز الإجابة كذلك الأهمية الفائقة للعشرة أعوام الأولى من العمر، وعلى وجه الخصوص العامين الأولين، فى تشكيل معمار العقل الخاص بالتعامل مع المحيطين، المادى والبشرى، للوجود الإنسانى.

    [COLOR="8B0000"]ت[/COLOR][COLOR="960000"]ط[/COLOR][COLOR="A00000"]و[/COLOR][COLOR="AB0000"]ر[/COLOR][COLOR="B50000"] [/COLOR][COLOR="C00000"]م[/COLOR][COLOR="CA0000"]ع[/COLOR][COLOR="D50000"]م[/COLOR][COLOR="DF0000"]ا[/COLOR][COLOR="EA0000"]ر[/COLOR][COLOR="F40000"] [/COLOR][COLOR="FF0000"]ا[/COLOR][COLOR="FF0C07"]ل[/COLOR][COLOR="FF170F"]م[/COLOR][COLOR="FF2316"]خ[/COLOR][COLOR="FF2E1D"] [/COLOR][COLOR="FF3A24"]و[/COLOR][COLOR="FF452C"]ا[/COLOR][COLOR="FF5133"]ل[/COLOR][COLOR="FF5C3A"]ت[/COLOR][COLOR="FF6841"]ع[/COLOR][COLOR="FF7349"]ل[/COLOR][COLOR="FF7F50"]م[/COLOR]
    يظهر من البحوث الحديثة أن للمخ قدرة مدهشة على أن يتشكل باستمرار من خلال تغيير معماره، عبر الاستجابة للخبرات الحياتية المستمدة من البيئة المحيطة به، ولكن أساسا من خلال الوصلات بين خلايا المخ، حيث لا يختلف عدد خلايا المخ بعد الميلاد. ولكن اتجاه التشكل هذا يكون بالنمو تارة، وبالتقلص تارة أخرى. كما أن معدل التشكل أيضا يتفاوت جليا من حقبة عمرية لأخرى.
    إذ يبلغ معمار المخ أقصى حجم له حول بلوغ السنة الثانية من العمر، حين يكون، فى المتوسط، موازيا ضعف معمار عقل الفرد البالغ. ثم يبدأ معمار المخ فى التقلص حتى بلوغ السنة العاشرة من العمر. ولا تحدث تطورات تذكر بعد ذلك فى معمار المخ، وإن كان يمكن أن يتفاوت أداء المعمار الناجم عن خبرة السنوات العشر الأولى هذا.

    وتؤكد البحوث الحديثة، على وجه الخصوص، أن الخبرات البيئية، أو عوامل التنشئة، تلعب الدور المحورى فى معدل نمو معمار المخ، عن طريق نمو الوصلات بين الخلايا، حتى السنة الثانية، وفى معدل تقلصه بين الثانية والعاشرة.
    فالاستثارة التى يتلقاها المخ فى سنى الطفولة الأولى من البيئة المحيطة تلعب الدور الأساس فى تطور معمار المخ بعد الميلاد. وتأتى هذه الاستثارة أساسا عبر الحواس: الإبصار، والسمع، والشم، واللمس، والتذوق، التى تعلّم المخ كيف يستكمل تشييد معماره.
    ويؤدى ثراء هذه الاستثارة إلى زيادة معدل نمو الوصلات فى العامين الأولين من العمر، وإلى التقليل من معدل تقلص الوصلات بين الثانية والعاشرة. والعكس بالعكس، أى أن فقر الاستثارة يقلل من معدل زيادة النمو قبل بلوغ الثانية، ويزيد من معدل فقدها بعدها.
    ويعنى هذا النمط لتطور معمار المخ أن فترة السنوات العشر الأولى، وبوجه أخص فترة العامين الأولين، من العمر تلعب الدور المحورى فى تشكيل معمار المخ البشرى، وقدرات الإنسان العقلية، طوال الحياة.

    ويكمن فى هذا النمط من تطور معمار المخ تفسير لظاهرة مثل تعلم الأطفال الصغار للغة بلد أجنبى بسهولة، وطلاقة، لا يقدر عليها من هم أكبر منهم سنا، خاصة البالغين. لقد أصبح معروفا الآن أن هذه الميزة تتأتى فى الوقت الذى تبنى فيه العلاقات بين خلايا المخ (المتخصصة فى اللغات). وإذا لم تنشأ الوصلات الخاصة بلغة معينة فى هذه الفترة، تقل قدرة الفرد على اكتساب هذه اللغة باطراد، خاصة بعد بلوغ العاشرة من العمر (فى هذا أيضا تفسير لبعض عيوب النطق التى تلازم من يتعلمون اللغات فى الكبر، وإن أجادوا فى اللغة، خاصة عبر عائلات اللغات- العربية واللاتينية مثلا).

    وتثير خصائص تطور معمار المخ، وتفسير سهولة اكتساب الأطفال للغات الأجنبية، فكرة أن هناك فترات حرجة (أو نوافذ فرص windows of opportunity زمنية) لتكوين الوصلات الخاصة بمهارة معينة، على أعلى مستوى من الكفاءة، بحيث يتدنى مستوى كفاءة هذه المهارة إن اكتسبت بعد فوات هذه الفترة الحرجة من تشكل المخ، وتقع غالبية هذه النوافذ الحرجة لاكتساب المهارات فى السنوات الأولى من العمر. وهذا هو، بالضبط، ما تؤكده نتائج البحوث الأحدث فى دراسات تشكل المخ.

    وينطوى مجمل المعرفة المتاحة عن النوافذ العمرية الحرجة لاكتساب بعض المهارات الأساسية على ضرورة مراجعة جذرية لتنشئة الأطفال وتعليمهم، خاصة تعلمهم الذاتى، قبل المدرسة، بل قبل رياض الأطفال. انظر فى الفترات الحرجة المبينة لبعض المهارات الأساسية.

    ونعود الآن إلى مسألة ارتكاب العنف أمام الأطفال الصغار، والذى قد يبرر بأنهم "بعد لا يفهمون"، التى أثرنا فى بداية المقال. مثل هذا السلوك فى حضرة طفل فى الثانية من العمر مثلا يقع فى الفترة العمرية التى يكون الطفل فيها فى أقصى درجات التنبه العقلى للتفاعل مع البيئة، وتشكيل معمار المخ بشأنها، متضمنا أنماط السلوك، وردود الفعل لها. ومن ثم، فإن السلوك العنيف، فى هذه المرحلة من نمو الطفل، يكون أشد وقعا على الطفل منه فى المراحل العمرية التالية، التى قد يراعى فيها الكبار الابتعاد عن تعريض الأطفال للعنف، على أساس أنهم "أصبحوا يفهمون". والحق أنهم كانوا يفهمون قبل أن يفهم الكبار ذلك، بكثير! بل الأخطر أن التعرض لهذا السلوك يترك أثرا أكثر دواما على معمار مخ الطفل، عما لو حدث بعد بلوغ الطفل العاشرة مثلا.

    أين كل هذا من التصورات التقليدية عن متى "يفهم" الأطفال، وكيف يتعلمون، وعن التنشئة الاجتماعية بوجه عام؟ حقا، لقد "قل ما تعلمون".
    ولعل فرصة تسنح فى مقالات تالية للتعمق قليلا فى العالم السحرى لتشكل معمار المخ، وما ينطوى عليه بالنسبة للتعلم، والتنشئة الاجتماعية!





    منقول
     
  2.   مشاركة رقم : 2    ‏2003-10-08
  3. مُجَاهِد

    مُجَاهِد قلم ماسي

    التسجيل :
    ‏2003-05-11
    المشاركات:
    14,043
    الإعجاب :
    0
    مشكوور أخي ..

    وتحياتي لك..
     
  4.   مشاركة رقم : 3    ‏2003-10-08
  5. YemenHeart

    YemenHeart مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2001-08-04
    المشاركات:
    1,891
    الإعجاب :
    5
    اهلا وسهلا بعودتك اخي الزمان واشكرك على هذا الموضوع الرائع .


    الخص ما قرأته واستوعبته منذ القراءة الاولى .
    - بالامكان التأثير في تنشئة الطفل العقليه
    -ثراء الوصلات العصيبه هي التي تلعب دورا اكبر في مدى كفاءة وجودة خلايا المخ
    -تزداد خلايا المخ مع العمر الى حد معين ومن ثم تبدأ بالتناقص تدريجيا حتى تصل الى حد ثابت . وبالمثل الوصلات العصبيه ولكنها تتوقف بشكل مبكر ؛ ولكن من الملاحظ ان تجارب الحياه لها دور في ازديادها في علاقه طرديه.

    السبب في التفجر في ازدياد خلايا المخ والوصلات هو وجود وفرة كافيه للقيام بالمهام المطلوبه منها . ومن ثم يتم التخلص منها بعد انتهاء وظائفها.

    للمخ قدرة فائقه على اعادة تشكيل معماريته من خلال ما يدور حوله من بيئه وتجارب حياتيه للانسان .


    تحياتي لك
     
  6.   مشاركة رقم : 4    ‏2003-10-08
  7. awam10

    awam10 مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2003-09-14
    المشاركات:
    497
    الإعجاب :
    0
    وهذا يؤكد أهمية مرحلة الحضانة والروضة في تربية وتنشئة الأطفال..

    شكرا جزيلا لك..
     
  8.   مشاركة رقم : 5    ‏2003-10-08
  9. alzamaan

    alzamaan عضو نشيط

    التسجيل :
    ‏2003-05-12
    المشاركات:
    288
    الإعجاب :
    0
    شكرا لمروركم :)
     
  10.   مشاركة رقم : 6    ‏2003-10-09
  11. نبض اليمن 2003

    نبض اليمن 2003 عضو متميّز

    التسجيل :
    ‏2003-06-15
    المشاركات:
    1,116
    الإعجاب :
    0
    مشكور على الموضوع
    تحياتي
     

مشاركة هذه الصفحة