رســالـة للامـة ألاســلامية من أبناء القاعدة ألاسلامية نبين فيها لـماذا غـزوتي نيويورك وواشنطن ؟؟؟؟

الكاتب : عمران حكيم   المشاهدات : 2,579   الردود : 34    ‏2003-10-06
      مشاركة رقم : 1    ‏2003-10-06
  1. عمران حكيم

    عمران حكيم عضو فعّال

    التسجيل :
    ‏2003-05-24
    المشاركات:
    958
    الإعجاب :
    0
    كتاب الأنصار
    دراسة موضوعية متكاملة تصدر كل أربعة أشهر عن مجلة الأنصار

    العدد الأول / رجب 1423 هـ / سبتمبر - 2002 م

    غزوة 11 سبتمبر




    رؤية متكاملة
    للحدث الذي هز العالم
    بسم الله الرحمن الرحيم
    مقدمة
    لم يكن غريبا أن يقع لأمريكا ما وقع، لأن كل تلك العمليات المدمرة ما هي إلاّ جزء من ثمار الزرع الأمريكي الذي بثته في العالم، فإن كانت أمريكا قد ضُربت مرةً فإن الدول الأخرى قد ضربتها أمريكا مرات عديدة، وإذا كان الشعب الأمريكي قد تألم مرة فإن الشعوب الأخرى قد تألمت - ولا زالت - من الأفعال الإجرامية لحكومته الصهيونية مرات عديدة، إذاً لماذا لا تذوق أمريكا جزاء صنيعها للآخرين؟.
    ولم يكن غريبا أن يكون وراء هذه الغزوة المباركة الحركةُ الجهادية العالمية التي يجسدها تنظيم "القاعدة"، لأن هذا التنظيم هو الذي يعمل في هذا الاتجاه منذ زمن طويل، وله تجارب سابقة في صراعه مع أمريكا تـثبت أنه جاد في توجهه إلى أبعد حد، فقد بدأت المعركة بشكل مباشر مع أمريكا منذ تفجيرات "الخبر" في الجزيرة العربية، ثم تلتها عمليات سفارتي أمريكا في تنـزنيا ونيروبي، ثم حادثة المدمرة "كول"، وكلها أحداث تؤكد جدية التوجه الاستراتيجي لتنظيم القاعدة، وأنه عازم على مقارعة أمريكا، ومصرّ على إلحاقها بدولة "الاتحاد السوفيتي". كما أن التجرؤ على أمريكا صاحبة الهيبة العالمية لا يقدم عليه إلاّ أمثال تنظيم القاعدة، لاعتبارات متعددة أهمها العامل الإيماني الذي يفتح للمسلمين نوافذ الأمل في حربهم مع العدو مهما كان متغطرسا، ويدفعهم إلى كسر حاجز الخوف من البشر، إضافة إلى القدرات العالية لتنظيم القاعدة سواء على مستوى كفاءات الأفراد أو على مستوى البنية التنظيمة.
    وبعيدا عن الكلام حول من هو الفاعل لأنه كلام قد فرغ منه المجاهدون بعد الغزوة مباشرة، اخترنا بمناسبة مرور عام كامل على الغزوة أن تكون معالجة الموضوع بأبعاده الفكرية والاستراتيجية والسياسية والتربوية من خلال العدد الأول من المشروع الجديد "كتاب الأنصار"، الذي يهدف أساسا إلى تناول القضايا الإسلامية بمنهجية الطرح المتكامل، ومن خلال رؤية إسلامية أصيلة تضع الأحداث في إطارها الصحيح، وتساعد المسلمين على فهم المواضيع المطروحة بما يمكّنهم من القراءة الصحيحة لأحداث الصراع.
    الكل يعترف أن الغزوة كانت حدثا عالميا، ولذلك فإنها تستحق أن تنال حظها من الدراسة، خاصة تلك التي تكون من موقع الرؤية الإسلامية، لأن الأعداء حاولوا بكامل الجهد أن يشوشوا على نصاعة الحدث، قاصدين في ذلك أن يدخلوه في دائرة الأحداث المأساوية، رغم أنه استهدف دولة إجرامية ومعادية للأمة الإسلامية. لكن الحق أكبر من أن تنال منه بعض الحناجر والأقلام الحاقدة، فقد ظلت الغزوة حدثا ماثلا أمام الجميع، بكل دلالاته الإيجابية، وشكّل نقلة نوعية في مسار الصراع بين الأمة الإسلامية وأعدائها من اليهود والصليبيين.
    وهذا الكتاب محاولة في اتجاه القراءة الجادة للحدث، وخطوة على طريق رؤية ما حدث، تناول فيه الكُتاب غزوةَ 11 سبتمبر، كل واحدٍ من خلال زاوية معينة، مما جعله متميزا في معالجته للموضوع، إذ يجد فيه القارئ على اختلاف اهتماماته نافذة مطلة على الحدث الذي هز العالم.
    والله من وراء القصد.
    " التحرير
    غزوة نيويورك وواشنطن
    قراءة تأصيلية
    سيف الدين الأنصاري

    لعل من أبرز السمات التي تتميز بها الحركة الجهادية - على تعدد الجماعات الممثلة لها - أنها تتمتع بواقعية الرؤية التغييرية، فهي تعلم أنها تواجه واقعا بشريا متعدد المكونات، يمكن تقسيمه بشكل إجمالي على الأقل إلى قسمين أساسيين، فهناك المجتمعات وهناك الأنظمة.. ومن ثم فإن الحركة الجهادية تواجه كل واحد من مكونات هذا الواقع بما يناسبه.. تواجه المجتمعات المنحرفة - وحتى الكافرة -بالدعوة لبيان الحق وتصحيح الاعتقاد والسلوك، وتواجه الأنظمة الطاغية بالجهاد لإزالة سلطان القوة المادية بما يناسبه، أي أن الحركة الجهادية لا تكتفي بالبيان النظري في وجه الأنظمة المحمية بالسلطان المادي، ولا تستخدم القهر المادي لضمائر الأفراد.
    ومن هنا كانت هذه الحركة هي العدو رقم واحد للأنظمة الطاغوتية، لأنها بما تحمله من رسالة دعوية تعد حركة إصلاح في المجتمع، وبما تحمله من رسالة جهادية تعد حركة هدم للأنظمة الجاثمة على صدور الشعوب، ولعل هذه الجدية في الفعل التغييري هي أهم ما ينقمه الطواغيت على جماعات الطائفة المنصورة، لأنها تجعلها مستعصية على الترويض وغير قابلة للاحتواء.
    وتعتبر الدولة الأمريكية على رأس هذه الأنظمة التي تواجهها الحركة الجهادية، وتعمل بجد على هدم سلطانها الطاغوتي، لأنها دولة معتدية لم يسلم من شرها أحد، خاصة الأمة الإسلامية، ويكفي أنها أكبر من ساند قيام الدولة اليهودية على الأراضي الفلسطينية، ناهيك عن مسلسل الاعتداءات الأخرى.
    ولقد كانت أهداف الحركة الجهادية العالمية في حربها مع الولايات المتحدة واضحة منذ البداية، وعادلة إلى الحد الذي لا يملك العاقل إلاّ أن يحترمها ويفتخر بها، لأنها تعبر عن يقظة عالية بالمشاريع المعادية وتجاوب إيجابي مع القضايا الإسلامية، وقد تمحورت هذه الأهداف حول أربع نقط أساسية:
    1 - التوقف عن كل أشكال الدعم للدولة اليهودية المغتصبة للأرض الفلسطينية.
    2 - رفع الحصار عن كافة الشعوب الإسلامية، وفي مقدمتها الشعب العراقي.
    3 - الخروج من جميع أراضي المسلمين، وعلى رأسها أرض الحرمين الشريفين.
    4 - التوقف عن مساندة طواغيت الحكم الجاثمين على صدور الشعوب المسلمة.
    وفي سياق الحرب القائمة من أجل تحقيق هذه الأهداف جاءت غزوة نيويورك وواشنطن.. جاءت لتكون بكل أحداثها وكافة تداعياتها رسالة عملية إلى الناس كافة وإلى الولايات المتحدة خاصة مفادها أن الأمة الإسلامية لن تستسلم للذل، ولن ترضخ للظلم، ولن تعدم وسائل الرد، وأن هناك طلائع لهذه الأمة قادرين على الضرب بأيد من حديد، وأن من الأفضل لأمريكا أن تستجيب لمطالبهم العادلة وأن تنسحب من الحرب قبل أن يكون هلاكها على أيديهم.

    أولاً: الغزوة وحتمية الصراع

    أرى أن الكلام عن الغزوة يدعونا أولاً إلى استحضار الشق القدري في المسألة، لنـتعرف على السنن الثابتة التي تحكم العلاقة بين الطرفين، من خلال إثارة القضايا ذات الصلة الوطيدة بالصراع، لأن ذلك مما يكسبنا القدرة على الفهم العميق لحركة الحياة، ويساعدنا على امتلاك أدوات القراءة الصحيحة لأحداث الصراع، إذ من المعلوم أن إدراك ما هو كائن هو المقدمة الصحيحة في التحديد الجيد لما ينبغي أن يكون، أو بتعبير آخر إن تحديد المنهج الصحيح في التفاعل مع حركة الحياة متوقف على فهم الحياة أولاً، لإدراك الوضع الذي خلقها الله عليه، قال تعالى: {أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ}[الأعراف:54]، فـ"الخلق" قبل "الأمر".
    لكن قبل التسرع بطرح الأجوبة المقتضبة - والتي قد يكون الهدف منها طيبا ونبيلا - أريد أن أقرر من موقع المرجعية الإسلامية أنه لا بد في الجواب عن مثل هذه الأسئلة من الابتعاد عن التقديرات الشخصية التي لا تستند بشكل كامل إلى نصوص الوحي، لأن المسألة كبيرة، تستهدف التعرف على حقائق الحياة البشرية في جوانبها الثابتة، وهو أمر لا يحيط به على وجه الدقة إلاّ الخالق، {أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ}[الملك:14]. ولذلك لابد من الإلتجاء إليه، {وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ}[فاطر:14].
    على أن الوصول إلى حقائق الحياة عن طريق الوحي متوقف على ملاحظة أن نصوصه كما جاءت لتضع منهجا للحياة كما أرادها الله، من خلال تشريع الأحكام التي تضبط الحركة، فإنها قد جاءت - كذلك - لإعطاء المؤمنين نظرة شاملة عن الحياة كما خلقها الله، من خلال إخبارهم عن الحقائق التي تحكم الحياة، فالأول هو الجانب التشريعي الذي يحدد "الأمر"، والثاني هو الجانب الإخباري الذي يتناول "الخلق"، وكلاهما من عند الله، وكلاهما جاء الوحي ليعالجه، {وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً}[الأنعام:115]، فالصدق وصف لكلمات الله في تناولها للخبر، والعدل وصف لكلمات الله في تشريعها للحكم. ومن الخطأ الكبير أن نقصر مهمة القرآن على الجانب التشريعي فقط، لأننا بهذا الصنيع نقزم من مهمته، ونقف دون الإفادة الكاملة من رسالته.
    1 - الغزوة وطبيعة العلاقة بين المعسكرين

    يظهر من خلال استقراء نصوص الوحي والنظر في معطيات حركة الحياة أن الطبيعة التي خلق الله عليها العلاقة بين المعسكرين هي الصراع.. الصراع في معناه الواسع الذي لا ينحصر في الحرب، وإنما يمتد ليشمل كل ألوان التدافع بين المؤمنين والكافرين، سواء كانت في شكل صراع فكري يتجسد في حوار هادئ {قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ}[الكهف:37]، أو في الجدال بالحسنى، {وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ}[النحل:125]، أو كانت في شكل عراك وخصام بين الطرفين، {فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ}[النمل:45]، أو كانت في شكل حرب ساخنة بين المعسكرين، {وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُم}[البقرة:217].. سواء كانت في هذه الأشكال أو في غيرها فإن الصراع هو الصراع، لا يكاد يهدأ في أحد أشكاله حتى يقوم في شكل آخر!!
    ويستند هذا الصراع في وجوده إلى العدواة المستحكمة بين المعسكرين، {إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا} [النساء:101]، أي أن هذا العداء ليس حالة عرضية خاضعة لاعتبارات شخصية، أو مواقف مؤقتة لا يتحكم فيها إلاّّ ميزان المصلحة والمفسدة الدنيوية، وإنما هي هيئة راسخة في نفوس الكافرين اتجاه المسلمين، يقابلها بشكل تلقائي عداء من المسلمين اتجاه الكافرين، {لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَه}[المجادلة:22].
    ولكي تكتمل صورة الأسباب الحقيقية للصراع الموجود بين المعسكرين لابد من استحضار طبيعة العلاقة بين الحق والباطل، فالحق لابد أن يتحرك لإثبات ذاته، ولا يكون ذلك إلاّ بزوال الباطل، فهما شيئان متناقضان لا يوجد أحدهما إلاّ بانتفاء الآخر، {وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِل}[الإسراء:81]، وحتى إذا لم يتحرك الحق فإن الباطل سوف يتحرك لأنه لا يطيق وجود غريمه بجانبه، وهذه بالذات هي طبيعة العلاقة بين المؤمنين والكافرين، {ذَلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الْبَاطِلَ وَأَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الْحَقَّ مِنْ رَبِّهِمْ}[محمد:3].
    فالعداوة القائمة بين المعسكرين والطبيعة الراسخة لعلاقة الحق بالباطل هي المحركات الأساسية للصراع، ونحن عندما نقرر أن هذه هي طبيعة العلاقة لا نزيد على أننا نعرض الواقع كما هو، أي كما خلقه الله، بعيدا عن الأحلام الوردية، وبعيدا عن الأفكار الخيالية، والمطلوب هو أن نواجه الحياة كما هي، من غير أي محاولة لتغييب الحقائق القدرية لأنها محاولة تؤدي إلى ظهور الباطل وانتشار الفساد، {وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الأَرْض}[البقرة:251].
    وفي سياق هذا الصراع الممتد امتداد الحياة البشرية جاءت غزوة نيويورك وواشنطن، لتكون شكلا من أشكاله، وواحدة من تجلياته، تتجسد بها الحقيقة القدرية، وتستجيب بها الجماعة المسلمة للإرادة الشرعية، لأن الإسلام يدعو إلى ضرورة مجاهدة العدو، والاستعلاء عن الاستسلام لـه أو الرضوخ لإرادته.
    2 - الغزوة ومفهوم السلام العالمي

    بعدما ذاقت أروبا ويلات الحروب الطاحنة بين قومياتها الفسيفسائية ظهرت بين بعض المفكرين الغربيين فكرة السلام العالمي، مما يوحي بأنها فكرة غربية جاءت كنـتاج طبيعي لتداعيات الحياة الأروبية، ولكن نظرا لأن بعض المفكرين العرب لا يعرفون إلاّ منهجية "النسخ" و "اللصق" فقد استوردوا هذه الفكرة وروجوا لها في الأوساط الفكرية العربية والإسلامية، حتى انتشرت وأصبحت مشهورة ومتداولة، إلاّ أنها لم تجد إلى الآن موطئ قدم في عالم الواقع، بل ظلت عبارة عن أفكار تتحرك في الدائرة النظرية لم تمنع حربا ولم تنشئ سلاما.
    وكل المؤسسات التي تأسست لتحقيق هذا الغرض كانت مجرد أداة طيعة في يد الدول القوية، تفرض من خلالها "أجندتها" السياسية لكن بطريقة مغايرة، فـ"عصبة الأمم" لم تحقق شيئا مما تأسست من أجله، و"هيئة الأمم" ليست إلاّ أداة لتدجين المسلمين وترويضهم على الخضوع التدريجي لأهداف المشروع الصهيوني والصلي بي، "وهذا التاريخ المعاصر الذي نعيش في تياراته يشعرنا بهذه الحقيقة، ويكفي أن نشير إلى أن الاستعمار لم تتوطد أركانه فيما مضى إلاّ بسبب خيانة المؤسسات الدولية". وهذا ما يعني أن السلام العالمي بالنظرة الغربية عبارة عن فكرة "مثالية" يستغلها القادة السياسيون لتخذير الشعوب وترددها الدول القوية لتسلب الآخرين إرادة الجهاد.
    وقد اشتركت في هذا التضليل أكثر الحكومات الجاثمة على صدر الأمة الإسلامية، فهي التي روجت لهذه الخرافة عبر وسائل الإعلام الرسمية، وعن طريق تشجيع الإنتاج الفكري المأجور، حتى أصبح "السلام" هو الخيار الاستراتيجي الوحيد، وألغيت كل البدائل الأخرى ولم تعد واردة في الحسبان، بل لقد صوروا للناس أن أي خيار غير السلام هو ضرب من المجازفة، ولون من ألوان التهور أو ربما الهمجية التي لا تليق بالإنسان المتحضر، في عملية غسيل للدماغ مبرمجة تهدف إلى إلغاء فكرة العدو أصلا، لا لشيء إلاّ لتصبح الأمة الإسلامية سهلة الابتلاع!!.
    لكن الغزوة المباركة كانت بكل تداعياتها الحدث الذي كشف هذا المستور، وأظهر للجميع أن للغرب تصورا خاصا عن السلام، لا ينسجم إلاّ مع إديولوجيته هو، ولا يخدم إلاّ مصالحه هو، أو لنقل بعبارة أدق إن الدول الغربية تعني بالسلام الاستسلام للإرادة الصهيونية، والانبطاح أمام القوة الصليبية، لكي تبقى الدول المستضعفة سائرة - دائما - على منهجية التبعية الذليلة!!
    طبعا الإسلام لا يرفض فكرة السلام العالمي، ولا يسير في اتجاهها المعاكس، فهو دين يريد نشر السلام وتوطيد الأمن للناس جميعا. ولكن الإسلام دين المضامين لا الشعارات الكاذبة، ودين الحقائق الواقعية لا الأماني الطائرة، ولذلك فهو يدعو إلى سلام حقيقي وواقعي، ولا يجعل من الحديث عن السلام مادة مخدرة تمتص غضب الشعوب المظلومة، بل ينظر إلى السلام نظرة شاملة تعطي للأفراد الذين لا يحاربونه وللجماعات التي لا تقف في طريق أدائه لرسالته حق حرية الاعتقاد وتكفل لهم مبدأ العدل في الحقوق والواجبات.
    ثم - وهذا هو الأهم - أن الإسلام وهو يدعو إلى السلام لا ينسى أن هناك أقواما سوف يرفضون هذا السلام، وسوف يقفون في وجهه، إذ من مسلمات الحياة أن الناس لا يزالون مختلفين، ولذلك يدعو إلى السلام ولكنه لا يدجن الناس، ولا يقلب في رؤوسهم الحقائق، ولا يصور لهم العدو وليا وصديقا حميما، إنه - باختصار - يدعو إلى السلام ولكنه لا يلغي خيار الحرب حين يكون للحرب ما يبررها من الوجهة الشرعية.
    وغزوة نيويورك وواشنطن واحدة من هذه الحرب التي يقرها الإسلام، ويعتبرها شيئا طبيعيا لا يتعارض مع مبدأ دعوته إلى السلام العالمي، لأنها ليست حربا لذاتها لا هدف لها إلاّ ممارسة شهوة القتل، وليست حربا من أجل الأطماع الاقتصادية واستغلال خيرات الشعوب كما تفعل الصهيونية والصليبية العالمية، ولكنها عملية عسكرية تدخل في إطار حرب معلنة ومفتوحة الجبهات بين الحركة الجهادية العالمية (قاعدة الجهاد) وبين الولايات المتحدة الأمريكية، وكانت بمثابة الرد الطبيعي على الاعتداءات المتكررة التي تمارسها أمريكا على الأمة الإسلامية.

    ثانيا: الغزوة والمبادئ الإسلامية للحرب

    يحلو للبعض أن يثير مسألة المبادئ الإسلامية للحرب، ويدّعي في هذا الإطار أن الغزوة لم تلتزم بتلك المبادئ، وأن أخطاء شرعية قد وقعت جعلها بعض فقهاء "آخر الزمان" من المخالفات التي تنال من شرعية الغزوة، ومما ساعد على خلط الأوراق بالنسبة للمسلم "العادي" أن هؤلاء يرددون: "نحن لسنا ضد الجهاد ولكن للجهاد أحكاما"!!.
    وبعيدا عن المناقشة الفقهية التي تقودنا إلى التفريق بين ما هو شرط صحة في هذه الأحكام، وما هو من الواجب الذي لا يدخل في شروط الصحة، وما هو من المستحبات التي لا ترقى أصلاً إلى درجة الوجوب الشرعي، بعيدا عن هذا حتى لا ندخل في مناقشة فقهية ليس هذا مجالها، فإن الجميع يعلم أن جماعات الحركة السنية المجاهدة هي أكثر الناس حرصا على التزام الشرعية في أعمالها، كيف لا وهي أعمال تكلفهم أعز ما يمكلون بعد الدين وهي أرواحهم.
    ولعل أهم ما أثير حول الغزوة من اعتراضات أمران إثنان، أولهما: أن الغزوة تعد نوعا من الاعتداء على الآخرين، وثانيهما أن الغزوة قد أصابت الأبرياء. وكما لاحظ كل المهتمين بتداعيات الحدث فإن مواقف التعاطف هذه لم تكن تهدف بالأساس إلى تحقيق حكم الله في المسألة وإنما كانت تهدف - بالدرجة الأولى - إما إلى كسب ود أمريكا، أو إلى تحسين صورة الإسلام الأمريكي في عيون الغرب، بحيث يثبتون للآخر أنهم وطنيون إلى النخاع، أي أمريكيون أولاً ثم مسلمون إن شاء الله.

    1 - الغزوة والرد على العدوان.
    لعل الاستناد إلى كون أمريكا دار حرب غير معاهدة وما يترتب على هذا الوصف من الأحكام الشرعية المعروفة في فقه الجهاد من شأنه أن يحسم مادة النقاش من أصلها، بل إنه ليضع الغزوة في قمة الأعمال الشرعية التي لا غبار عليها من الوجهة الإسلامية، لأن المتفق عليه عند علماء الإسلام أن دار الحرب غير المعاهدة يجوز إضرارها بكافة الأضرار الممكنة، كما فعل الرسول r مع المحاربين حين خطف رعاياهم (مثال مع بني عقيل)، وقطع الطريق على قوافلهم (مثال مع قريش)، واغتال رؤساءهم (مثال كعب بن الأشرف)، وحرق أرضهم (مثال مع بني النظير)، وهدم حصونهم (مثال في الطائف).
    لكن حتى لا ندخل في نقاش طويل مع الذين لم ترتق مداركه بعد إلى استيعاب الرؤية الإسلامية للجهاد، فإننا سوف نخـتصر المسافة ونتكلم بلغة يفهمها الجميع، وهي أن الغزوة تأتي في سياق الرد على العدوان البشع الذي تمارسه أمريكا على الأمة الإسلامية، وهو حق لا تكفله القوانين السماوية فحسب، وإنما الأرضية كذلك.
    فأمريكا هي التي أعانت اليهود على احتلال فلسطين وتشريد أهلها، بل ولازالت - إلى يومنا هذا - تمدهم بالمال والسلاح لاستعماله في صناعة المعاناة اليومية للشعب الفلسطيني، حتى لقد أبيد أكثر من ثلث هذا الشعب من جراء الاعتداء الصهيوني المستمر لما يزيد عن نصف قرن من الزمان، أضف إلى هذا كله الدعم السياسي اللامحدود في المحافل الدولية والمتمثل في رفض وقمع كل الجهود الرامية إلى إيجاد حل جاد وعادل للقضية الفلسطينية.
    وأمريكا هي التي قتلت المسلمين في العراق، مستعملة في ذلك جميع أنواع الأسلحة المحرمة دوليا، كما تعتبر المهندس الراعي للإبادة الجماعية التي تطال الشعب العراقي عن طريق فرض الحصار الظالم في عملية قتلٍ بطيء تستهدف القضاء على كل المقومات الحضارية في البلد.
    وأمريكا هي التي حاصرت الشعب الأفغاني حتى مات منه ما يزيد عن نصف مليون. وأمريكا هي التي قتلت المسلمين في الفلبين وأندونيسيا وكوسوفا والصومال وليبيا والسودان، وتلطخت أيديها بدماء جل الشعوب المسلمة فيما يظهر أنه تصميم جاد على الاستهداف المباشر لهوية الأمة الإسلامية والقضاء على كل مقوماتها الحضارية.
    إذن من الطبيعي جدا أن يكون الرد، بل من الواجب أن يكون، {أَلا تُقَاتِلُونَ قَوْماً نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَأُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ}[التوبة:13]، أي أن الرد على العدوان جزء من دوافع الجهاد في الإسلام، والغزوة المباركة تدخل في هذا الإطار، ولذلك لا يشك عالم صادق أنها عمل جهادي لا غبار عليه.

    2 - الغزوة لم تستهدف الأبرياء.
    خلافا لما تحاول وسائل الإعلام المأجورة للعدو الصهيوني ترويجه فإن الغزوة لم تستهدف الأبرياء وإنما استهدفت ابتداء مؤسسات تابعة بشكل مباشر للدولة المعادية، فمقر وزارة الحرب "الباتنجون" لا يوجد فيه إلاّ صانعوا الدمار للبشرية عموما، ومهندسو عمليات القتل للمسلمين على وجه الخصوص، فأين الأبرياء؟. وأما مقر منظمة التجارة العالمية فإنه العمود الفقري للقوة الأمريكية التي تمارس بها الوصاية على العالم، وتستغلها في ممارسة غطرستها على المسلمين، كما أنه يعج بمراكز الاستخبارات وأوكار الجاسوسية، وبالشركات الداعمة مباشرة وبلا حدود للعدو الصهيوني، والمسؤولة بشكل مباشر عن تجويع وتفقير الشعوب واستغلال خيراتها والسطو على مقدرات المستضعفين.
    لكن لعل البعض يقول قد راح ضحية هذه الغزوة بعض الأبرياء من النساء والشيوخ والأطفال، الذين تحرم دماؤهم حتى وإن كانوا من قوم حربيين، وطبعا نحن لا ننكر وقوع هذا، ولكن الذي نؤكد عليه في هذا الموضوع هو أن هؤلاء لا يخرجون عن إحدى الحالات الخاصة التي يجوز فيها قتلهم إذا كانوا من أهل الحرب، لأن المقرر فقهيا أن حرمة دماء المعصومين من الكفار ليست على إطلاقها، وإنما لها استثناءات، يكفي وجود واحدة منها ليرتفع الإشكال، أذكر منها على وجه الاختصار:
    الحالة الأولى: يجوز قتل المعصومين من الكفار الحربيين كمعاملة بالمثل، خاصة عندما يكون استهداف "الأبرياء" جزءا من الاستراتيجية العسكرية للعدو، فإذا كان الأعداء يستهدفون نساء وصبيان وشيوخ المسلمين فإنه يجوز للمسلمين أن يعاملوهم بالمثل، قال تعالى }فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ}[البقرة:194].
    الحالة الثانية: يجوز قتل المعصومين من الكفار الحربيين في حال إعانتهم على القتال سواءً بالفعل أو بالقول أو بأي نوع من أنواع الإعانة، لأمر النبي r بقتل دريد ابن الصمة لما خرج مع هوازن ليشير عليهم بالرأي وكان قد بلغ مائة وعشرين سنة.
    الحالة الثالثة: يجوز قتل المعصومين من الكفار الحربيين في حال الإغارة عليهم، بحيث لا يمكن أن يتميز المعصومون عن المقاتلين، فيكونون قد قتلوا تبعاً لا قصداً، وقد سئل الرسول r عن المشركين يُبَيَتون فيصيبون من نسائهم وذراريهم فقال (هم منهم)[أحمد].
    الحالة الرابعة: يجوز قتل المعصومين من الكفار في حال الاحتياج إلى ضرب حصون العدو، فيكونون قد قتلوا تبعاً لا قصدا، كما فعل النبي r في بني النضير.
    وهناك غيرها من الحالات التي ذكرها الفقهاء والتي يمكن أن يُقتل فيها غير المقاتلين من الكفار تبعاً لا قصدا، ولأسباب معقولة تجعل من الصعب جدا تفادي وقوع مثل هذه الأضرار، ولكن تكفي هذه الحالات التي ذكرنا لأن ضحايا الغزوة من غير المقاتلين يدخلون تحت واحدة منها ولا شك.
    وحتى إذا كان قد سقط بعض الأفراد من المسلمين في تلك الغزوة فلا داعي للضجيج ولا للصخب، لأن غلبة الظن قائمة على أن الأهداف التي ضربت (مقر وزراة الحرب ومقر التجارة العالمية) لا يوجد فيها إلا كفار، والعمل بغلبة الظن في الأحكام الشرعية هو الذي يُلزم به المكلف، كما هو مقرر في "الأصول"، على أن هناك من العلمـاء - وعلى رأسهم الإمام الشافعي - من قال بجواز تحريق وتغريق وهدم بلاد المحاربين حتى وإن غلب على الظن أن فيها مسلمين قد يموتون من جراء ذلك، لأن الكف المطلق عن ديار الحرب خشية إصابة بعض المسلمين مفضي إلى تعطيل جهاد الأعداء بالمرة.
    على أيٍّ لا أريد أن أدخل في مناقشة فقهية خصوصا أن العلماء قد كفونا مؤونة الرد على بعض فقهاء "آخر الزمان" الذين حصلوا علومهم الشرعية من عمود الفتوى في جريدة "الشرق الأوسط"، كما أنني لم أقصد أن يكون هذا المقال محلا لتنقيح المناط ولا لتحقيقه، وإنما قصدت فقط أن أعلم القارئ أن شقشقات علماء القنوات الفضائية وفقهاء "جهاد الكلمة" لا يمكن أن تنال من شرعية العمل الجهادي، لأنه قائم على ركيزة قوية من التناسب بين العلم والعمل.
    عموما المجاهدون لا يقصدون النساء ولا الأطفال ولا الشيوخ بالقتل، فإذا وقع أن تعرض بعض هؤلاء للقتل في غزوة ثلاثاء الفتح، فهو أمر وقع تبعا لا قصدا، ولأسباب معقولة تجعل من الصعب جدا تفاديه، بل من المستحيل تحقيق الجهاد دون وقوعه. أقول هذا ليعلم الجميع أن حربنا أولاً هي مع الأنظمة الكافرة والمعتدية على حقوق المسلمين، خلافا لما تحاول وسائل الإعلام المعادية تصويره للناس من أن المجاهدين لا همّ لهم إلاّ استهداف الأطفال والنساء !!

    ثالثا: الغزوة والبعد التعبوي

    تتفق فصائل الحركة الإسلامية على أنه لابد في مشروع التغيير الإسلامي من تفعيل دور الأمة، لتأخذ مكانها في الصراع مع العدو الذي يهدد وجودها وهويتها ويحول دون أدائها للرسالة التي أخرجت من أجلها، بحيث لا تكون الحركة الإسلامية بديلا عن الأمة وإنما تكون بمثابة الطليعة التي تتقدمها، لأن مشروع التغيير الإسلامي في أهدافه النهائية (الخلافة) أكبر من أن تنهض به جماعة معزولة عن الأمة مهما بلغت قدراتها.
    لكن المشكلة التي تواجهنا في هذا الاتجاه هي حالة السلبية التي تُميّز الأمة في هذه المرحلة من حياتها، إذ نلاحظ بوضوح أن ظاهرة الإنعزالية والإنكفاء على الذات قد أصبحت هي السمة العامة لأكثر المسلمين، مما يفرض أن يكون السؤال المهم في هذا السياق هو: كيف يمكن أن نصل بالأمة إلى ذلك المستوى الذي يمكّنها من أداء دورها، ويفعّل وجودها، بحيث تحتضن العمل التغييري، وتكون عنصرا فاعلا ومؤثرا في ساحة الصراع من خلال التجاوب الإيجابي مع احتياجات الطليعة؟
    قبل البحث عن الجواب الذي قد تطول تفاصيله وتتعدد برامجه تبعا لتعدد المناهج التغييرية، نريد أن نركز على أهمية البحث عن الأسباب الكامنة وراء هذا المرض (السلبية) الذي توغل في جسم الأمة، لأن تشخيص أسباب الداء يسهل علينا عملية العلاج، ويختصر الطريق إلى الهدف، خصوصا عندما نفرق عند تناولنا لهذه الأسباب بين الذاتي منها والموضوعي، ونركز على معالجة ما بالأنفس أولاً (الذاتي)، دون الاستغراق في الإلقاء باللوم على الآخر وكأننا نريد منه أن يحلّ مشاكلنا، قال تعالى: {حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ}[الرعد:11].
    عموما الأسباب التي أدت إلى تفشي مرض السلبية كثيرة ومتنوعة، لأنها نتجية تراكمات طويلة وعديدة، لكن المهم في المسألة هو أنه على اختلاف تعددها وتنوعها فإن هناك عاملان أساسيان للعلاج، ترى الحركة الجهادية أن الغزوة المباركة بما استجمعت من عناصر التأثير قد جاءت لتعمل على تحقيقهما.

    1 - تحرير الإرادة الإسلامية
    للانتقال إلى دائرة الفعل لابد للإنسان من أمرين اثنين، أولهما الإرادة القوية، وثانيهما القدرة الكافية، فبدون إرادة لا يمكن أن يوجد العمل أصلاً، وبدون قدرة كافية تبقى العين بصيرة واليد قصيرة، على أنه لابد من ملاحظة أهمية التناسب بين نوع الفعل ومستوى الإرادة والقدرة المطلوبة. لكنّ الحقيقة التي يركز عليها علماء النفس - وهي حقيقة واضحة - أنه كلما قويت الإرادة اتسعت دائرة الفعل، وأصبح الإنسان أكثر حركية وإيجابية في الحياة، لأن الإرادة تدفع الإنسان إلى توظيف وتفعيل كل الأداوت الممكنة مهما بدت "عادية"، بحيث تتميز الشخصية بالإصرار على السير في اتجاه صناعة القدرة. أما عندما تضعف الإرادة فإن الإنسان لا يستغل القدرة المتاحة مهما كانت كبيرة، ولا يوظف المقومات الظاهرة منها فضلا عن الخفية، بل قد تغلب عليه في المقابل ظاهرة التهرب من المسؤولية تُطرح في سلسلة من محاولات التبرير وألوان متجددة من مظاهر التلكؤ والتعلل.
    وضعف الإرادة هذا هو المرض الأخطر في أمتنا الإسلامية، فنحن كأمة لا نعدم مقومات القدرة، لأننا طاقة بشرية تقدر بمليار مسلم أكثرها لا زالت في عنفوان شبابها، ونتمتع بوضع جغرافي متميز يجمع الخبراء على أنه وضع استراتيجي بالغ الأهمية، ونتوفر على ثروات طبيعية هائلة تكفينا لسد حاجياتنا وزيادة، وحتى قضية التأخر التقني والقصور عن مواكبة التطور العلمي هي قضية مفتعلة، لأن العقول الإسلامية موجودة وبكثرة وذات خبرة عالية، لكنها مقموعة أو مهاجرة. إذن فنحن كأمة لا نشكو من ضعف مقومات القدرة، وإنما نشكو من حالة الضعف التي أصابت الإرادة.
    لكن المؤكد هو أن هذا الضعف الذي أصاب الإرادة الإسلامية لم يأت من فراغ، وإنما جاء نتيجة عوامل متعددة أهمها وأكثرها تأثيرا هي حالة التهيب والخوف التي أوحت بها الأوضاع القائمة، وما صاحبها من التصورات والأفكار التي أريد لها أن تبعث الرعب في المسلمين، مما شكّل - بفعل التراكم - ضغطا من الوزن الثقيل على الإرادة، وكبّلها بقيود سميكة، أصبحت تمثل الحاجز الأول أمام التحرك، والمانع الأساسي من الفعل!!
    إذن إذا أردنا الانطلاق وكنا جادين حقا في مشروع التغيير الإسلامي فإن الخطوة الأولى هي تحرير الإرادة الإسلامية، وإخراجها من القفص الذي أقامته التصورات والأفكار التي أوحت بها الأوضاع القائمة، ولا يكون ذلك إلاّ بكسر حاجز الخوف. لكن لا شك أن هذه المهمة تتطلب ما هو أكبر من عمليات الشحن الفكري التي تؤخذ في الدروس النظرية.. بل تحتاج - إضافة إلى التثقيف والتعبئة - نوعا من الدروس العملية التي تثبت بالدليل الملموس ومن خلال الواقع المشاهَد أن أكثر تلك التصورات والأفكار السائدة ما هي إلاّ أوهام وخيالات، استخرجها الظن الذي أثرت فيه الإرادة الضعيفة، وروجتها فلسفة الانهزام تحت دعوى الواقعية، وأن الحقيقة هي أن الباطل أصغر من أن يهاب مهما انتفخ وانتفش {إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً}[الإسراء:81].
    لهذا الغرض جاءت الغزوة المباركة، أي لتكسر حاجز الخوف، ولتقول للمسلمين بالدليل الملموس: هذه أمريكا التي يهابها الجميع تحت أقدام المجاهدين، وللتذكير فإنهم فقط تسعة عشر، لم يكونوا جيشا جرارا ولكنهم كانوا رجالا أحرارا!! فالله أكبر.. مجموعة صغيرة دمرت رموز الخلود، في عملية أدهشت الجميع، وأدخلت الهيبة الأمريكية في خبر كان. ولكل واحد منكم أن يسأل: أين الإمبراطورية الأمنية؟ لماذا لم تتنبأ بالغزوة؟ لماذا لم تمنعها؟ لماذا لم تقدر على إيقافها؟ الجواب: إن أمريكا بشر، {وَخُلِقَ الإِنْسَانُ ضَعِيفاً}[النساء:28]، ثم إنهم المجاهدون.. وحسبُك!! إذن بعد 11 سبتمبر كل شيء ممكن!! والمستحيل هو أن تستمر أمريكا.
    والحقيقة أن المجاهدين قد قدموا - عبر جهادهم الطويل - هذه الدروس مرات عديدة.. قدموها في أفغانستان ضد "الإتحاد سوفيتي"، وقدموها في البوسنة والهرسك ضد الصرب، ولا زالوا يقدمونها يوميا في الشيشان ضد الروس، ويتفنّنون في العرض مرة أخرى في أفغانستان مع أمريكا وحلفائها، لكن قليلٌ هم الذين سمعوا بتلك الدروس، وقليل من هذا القليل الذين استوعبوها، لأن السياسة الإعلامية العالمية تتحرك دائما في الاتجاه الذي يحرم الشريحة الواسعة من الأمة أن تذوق لذة النصر أو تستفيد من الدرس.
    أما في الغزوة المباركة فإن الإعلام لم يجد ما يخفيه، فقد قرر المجاهدون هذه المرة أن يكون الدرس على الهواء مباشرة، لكسر هيبة أمريكا أمام الجميع، ولتتحطم مع تحطم كبريائها تلك الأغلال المضروبة حول الإرادة الإسلامية، من خلال جعل ما هو مستحيل في تصور البعض داخلا تحت دائرة الممكن، وقد كان لهم - بفضل الله - ما أرادوا، وعلّموا الأمة الإسلامية أنها قاردة حين تريد، وأن مشكلتها الحقيقية ليست في قلة العدد أو العدة، ولكنها كما قال صلى الله عليه وسلم: (بل أنتم كثير ولكنكم غثاء كغثاء السيل، يكثر فيكم الوهن)[أحمد].
    القاعدة - ما شاء الله - خططوا، وتحركوا، ونفذوا، وذهب الشهداء إلى ربهم، وانسحب الآخرون بفضل الله لم ينلهم سوء، وتغير وجه العالم كلِّه في ساعتين، والمنهزمون لايزالون إلى الآن يتساءلون: هل حقا يمكن أن يكون الفاعل هو تنظيم "القاعدة" أم أنها مجرد خديعة يهودية؟ وهو تساؤل لم يكن ناتجا بالأساس عن قلة المعطيات التي تقود إلى الحقيقة، لأنه لو كان كذلك لكانوا معذورين، ولكن المصيبة أن أصحابنا يفكرون بعقـول قد وقـعت - منذ زمن - أسيرةَ الحالة النفسية التي تغلغل فيها الوهن!!
    إن الحل ليس في البكاء على الأطلال، ولا هو في النياحة لاستعطاف الآخرين، ولا حتى في التصعيد الخطابي الذي لا يتجاوز الدائرة الكلامية.. كل هذه المناهج لا يمكن أن تعالج المرض، بل ربما تكون لها آثار عكسية، ولكن الحل يكمن في عمل جاد ومستمر يحمل روح التحدي ويسير في اتجاه كسر حاجز الخوف وإعادة الثقة في النفس، لتتحرر الإرادة الإسلامية من الأغلال التي تجعلها مسلوبة الفاعلية.

    2 - استثارة الوعي بالأعداء
    لقد خضعت أمتنا الإسلامية لعملية تخذير خطيرة المفعول، فقدت على إثرها اليقظة الإيمانية، وأدخلتها في سبات عميقٍ كان من أخطر آثاره أنّ أكثر المسلمين لم يعودوا قادرين على التمييز بين من هم الأعداء ومن هم الأولياء، لأن مخلفات خيار السلام وتداعيات مسلسل التطبيع قد خلطت الأوراق بشكل كبير، وميعت المفاهيم بشكل خطير، حتى لقد أصبح الوضع يوحي بوجود حالة تهديد حقيقي لقضية الهوية!!
    عندما قامت انتفاضة الأقصى كان من أهم ما قدمته للأمة الإسلامية أن أحيت في وعيها الإحساس بالعدو، إذ رغم أنه كان موجودا وينخر في الجسم بقوة إلاّ أن حالة الاسترخاء التي أوحت بها طاولة المفاوضات وجو الإحساس بالأمن كان يحول دون استشعار وجوده، خاصة عندما أصبح التوجه العام للحكومات العربية يسير في اتجاه التطبيع الكامل مع العدو اليهودي، حتى حكومة بلاد الحرمين الشريفين!!
    ولعل من أهم الحكم المبثوتة في تكفل الله ببقاء الطائفة المجاهدة أن يحفظ بها حالة اليقظة الإيمانية للأمة الإسلامية، لأن الصراع بما يحدثه من أجواء التحدي يعرّفها بعدوها، ويزيل عنه القشرة الرقيقة التي وضعت للخداع والتمويه، مما يؤدي إلى الحيلولة دون تسرب داء الاسترخاء الذي يولده العيش في أجواء السلامة.
    على أن الحقيقة هي أن الحرب على الأمة لم تتوقف في يوم من الأيام، وإنما كانت فقط حربا خفية، تمارس من جهة واحدة، لأن الذي كان مُؤمّناً من طرف العدو هم الحكام العملاء، أما الشعوب فقد كانت دائما محاربة.. محاربة في دينها، ومحاربة في ثقافتها، ومحاربة في خيراتها وثرواتها، ومحاربة بالتجويع للقتل البطيء، ومحاربة بالتفقير لإدخالها في دوامة المشاكل الاجتماعية.. نعم محارَبة بكل هذا، ناهيك عن محاربتها علنا في فلسطين والعراق وكشمير والفلبين.. إلى آخر سلسلة ألوان المعانات التي لا زال الأعداء يصنعونها للأمة منذ عهد الاستعمار.
    وقد جاءت الغزوة المباركة لتنقل هذه الحرب من الخفاء إلى العلن، لتجعل الأمة واعية بالعدو، بحيث أبرزت أمامها المخاطر المحذقة بشكل يفهمه الجميع، ويجعل الكل يستشعر حجم الخطر القائم، حتى أصبح الجميع يردد: "كم كنا مخدوعين"!! خاصة أن الضربات بما حملته من النوعية في الأداء استطاعت أن تستخرج المكنون النفسي للأعداء، حتى أصبحنا نسمع بالحرب الصليبية من جديد، بكل الدلالات التاريخية التي يحملها اللفظ، دون أدنى تحرج، وتبين للجميع أنها حملة على المسلمين أكثر من كونها حربا مع المجاهدين، إذ لم تسلم لا المؤسسات الخيرية، ولا حتى البرامج التعليمية للمدارس الدينية، وظهر أن الإسلام هو نفسُه المستهدف إلاّ أن يكون أمريكيا، وعلى مضض.
    كما أظهرت هذه الغزوة مدى هشاشة التعايش المزعوم بين المسلمين والصليبين، إذ بمجرد ما وقع الحادث انهارت كل القيم التي كان يتغنى بها الغرب، وسادت مشاعر الحقد، وبرزت ألوان الممارسات العنصرية ضد كل ما هو إسلامي، ليتبين أن سياسة غض الطرف التي تتعامل بها الصليبية العالمية لم يكن الغرض منها إلاّ الاحتواء والتذويب للاستفادة من الطاقات المسلمة في سد النقص عند القارة العجوز.
    فالغزوة المباركة بما أوجدته من حالة التوتر بين الأمة وأعدائها التقليديين، تكون قد ساعدت على إحياء حقيقة العدو اليهودي والصليبي في ضمير الأمة، بعد أن كادت تمحى بفعل برامج التطويع التي أفرزتها سياسة سلام الخرفان، وبما حملته من طابع التحدي تكون قد عملت على استثارة الوعي بالأعداء، وعلى الإفاقة من الغفلة التي يشعر معها المسلم بالسلام في الوقت الذي يتحرك فيه الآخر بشكل جاد في اتجاه عملية تطويق محكمة، يكمن خطرها الأكبر في الخنق التدريجي الذي يقتل الجسم بطريقة لا تستشعرها الغالبية ولا تثير استفزاز الجماهير.
    إن الحفاظ على هوية الأمة يستدعي الإبقاء على حالة التوتر مع العدو الذي يهدد وجودها، ليس بالمفهوم الانفعالي الذي يخبط في أي اتجاه، ولكن بالحركة المدروسة التي تظل متحركة من موقع الصراع، بكل ما يحمله من طابع التحدي، لأن ذلك هو الذي يحرك القضية في الفكر والوجدان ويورث اليقظة المطلوبة.
    نعم قد يكون من المطلوب في المشاريع المحلية في بعض مراحلها أن تعتمد على منهجية الطبخ على نار هادئة، والحرص على البعد عن المواجهة، لأن الحركة المحلية محكومة بمعطيات محددة وأهداف خاصة تفرض عليها حسابات سياسية تُستحضر فيها التفاصيل الجزئية، بخلاف الحركة الجهادية العالمية التي تتحرك من خلال معطيات مفتوحة، ومن أجل أهداف عامة، يلاحظ فيها أولاً تفعيل الثوابت الاستراتيجية، بحيث تنظر إلى الأمة ككل، فتعمل من موقع طلائعي على مواجهة الأخطار الكبيرة!!.

    رابعا: الغزوة وقضايا الأمـة

    تعتبر الحركة الجهادية العالمية والمتمثلة اليوم في "قاعدة الجهاد" حركة طلائعية استطاعت أن تفرض نفسها على التفكير المعاصر، كخط حركي يستجمع كل مقومات الفاعلية، وكجماعة قريبة من الأمة في كل أقطارها وعلى اختلاف أجناسها، حيث جسدت فعلا أنه لا فرق بين عربي وعجمي، وأن التوحيد هو بطاقة التعريف عند الجماعة المسلمة، ولذلك ترى أن القاعدة تعيش هموم الجميع من غير الانحصار في الحدود الوهمية التي فرضتها الإرادة الاستعمارية.
    لكن معايشتها لهموم الأمة معايشة عملية وفعالة، تستعلي عن الانحصار في الدائرة الكلامية التي لا تتجاوز البيانات الاستنكارية والوقفات الاحتجاجية، لأنها أدوات يتبخر مفعولها سريعا في الهواء الطلق، خصوصا إذا لم تستند إلى فعل ميداني يثبت القوة ويدعو الآخر إلى اعتبار وجودك على الساحة. عموما منهجية "القاعدة" في التفاعل مع قضايا الأمة هي التي حررت أفغانستان من الاتحاد السوفيتي، وحررت البوسة من الصرب، وأخرجت أمريكا من الصومال، وقهرت الروس في الشيشان، وتلقن اليوم دروس العز والكرامة لأمريكا وحلفائها في أفغانستان مرة أخرى، وتهدف "القاعدة" من خلال هذه المنهجية إلى كفِّ بأسِ الذين كفروا، قال تعالى: {فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا تُكَلَّفُ إِلا نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا}[النساء:84]، أما سياسة الاستجداء والاجتهاد في التباكي على عتبات الأعداء فقد ثبت شرعا وواقعا أنها لن ترفع الظلم ولن ترد الحقوق إلى أهلها.

    1 - التجاوب العملي مع القضية الفلسطينية
    قصة العلاقة بين الدولة الأمريكية والحركة الصهوينية قصة طويلة، بدأت أحداثها مع الهجرة اليهودية إلى الولايات المتحدة منذ عام 1654 م حتى بلغ عدد اليهود في أمريكا عام 1924 حوالي 4 مليون و 200 ألف نسمة، أما اليوم فهم أكثر من خمسة ملايين، استحوذوا عبر خطة خبيثة على مجمل الأسواق التجارية، وتسربوا إلى المواقع ذات الصلة بصناعة الأفكار كالجامعات والمعاهد ومراكز الأبحاث، وتوغلوا في المؤسسات الإعلامية، وقد ساعدهم هذا كله على بسط نفوذهم على الدوائر السياسية ومواقع صناعة القرار حتى لقد أصبح من المعروف أن الحكام الفعليين لأمريكا هي الحركة الصهونية التي أسسها ويرأسها اليهود.
    فالإدارة الأمريكية إدارة صهيونية وقد كانت منذ فترة طويلة هي السند الحقيقي للدولة اليهودية في فلسطين. الرئيس "ويلسون" - على سبيل المثال - ما أن سمع بوعد بلفور حتى أعلن صراحة: "أعتقد أن الأمم الحليفة قد قررت وضع حجر الأساس للدولة اليهودية في فلسطين بتأييد تام من حكومتنا وشعبنا". ولعل المقام يطول بنا إذا حاولنا تتبع الدور الصهيوني الذي تقوم به الدولة الأمريكية التي نقش في داخلها حب الإرهاب الصهيوني، فقد عبر عن ذلك "نيكسون" بما لا يترك مجالا للتأويل حيث قال: "إن التزامنا ببقاء إسرائيل التزام عميق، فنحن لسنا حلفاء رسميين، وإنما يربطنا معاً شيء أقوى من أي قصاصة ورق، إنه التزام معنوي لم يخل به أي رئيس في الماضي أبدا، وسيفي به كل رئيس في المستقبل بإخلاص".
    فالعلاقة إذن علاقة وطيدة، وقوتها تستند إلى ما هو أكبر من المصالح المتبادلة، لأنها موجودة في ضمير ووجدان الإدارة الحاكمة في الدولة الأمريكية، يقول "كارتر": "إنها علاقات فريدة لأنها متأصلة في ضمير وفي أخلاق وفي معتقدات الشعب الامريكي نفسه"، وما كانت دولة اليهود لتوجد ولا لتستمر لولا هذا الدعم المطلق من أمريكا.
    وهذا بالضبط ما يجعل من القضية الفلسطينية قضية كبيرة ومعقدة، يحتاج حلها إلى تفعيل كافة جهود الأمة الإسلامية، في تفاعل إيجابي ملموس، يتجاوز المواساة الكلامية، ويرتقي إلى مستوى التحديات الموجودة، فكانت الغزوة المباركة جزءا من العمل الذي يسير في هذا الاتجاه، بحيث تدخل في سياق الجهود الرامية إلى الإطاحة بالدولة الراعية للإرهاب الصهيوني، والداعمة - بلا حدود - لدولة اليهود، لأنه بدون الإطاحة بأمريكا - أو على الأقل إضعافها لتنشغل بنفسها - لا يمكن أن تحل القضية الفلسطينية، فـ"إسرائيل" مركوزة في ضمير ووجدان الإدارة الصهيونية في الدولة الأمريكية.

    2 - رد الاعتبار لمكانة الأمة
    من المعلوم أن الأمة الإسلامية أمة مختارة، اصطفاها الله فجعلها أفضل الأمم، وخصها بمكانة متميرة، قال تعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ}[آل عمران:111]، وهذه الحقيقة يجب أن تدركها الأمة جيدا، وأن تكون دائمة الحضور في فكرها ووجدانها، لتعرف أنها أخرجت لتكون في الطليعة، ولتوجد في مقام القيادة، قال تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاس}[البقرة:143]
    ومن ثم لا ينبغي للأمة الإسلامية أن ترضى بالتبعية، ولا يجوز لها أن تدور في فلك الغير، ولا أن تخضع لإملاءات الأمم الأخرى، لأنها ما أخرجت لتقاد وإنما أخرجت لتقود.. هذا واجبها الذي يحتمه عليها مكانها الذي وضعها الله فيه، وتحتمه عليها الغاية التي أخرجت من أجلها، وتقرير هذه الحقيقة لا يعني أننا نقفز على معطيات الواقع، ولكنه تذكير بالهدف الذي يجب أن يظل ماثلا أمام الأمة، وبالحقيقة التي يجب أن تبقى حية في فكرها ووجدانها، لأنها تشكل المادة الأولية لقوة الدافع.
    والغزوة المباركة بما حملته من الفاعلية التي تجسدت في صناعة الحدث العالمي تكون قد ساهمت بحظ وافر في إخراج الأمة من العيش "في ظل" و"على ضوء" و"تحت تأثير"، بل لقد وضعت الحجر الأساس للانتقال من دائرة المفعول به إلى دائرة الفاعل، وأعادت الاعتبار لمكانتها الأصلية، لأن دورها الحقيقي لا يؤدى إلاّ من خلال ذلك الموقع، خاصة رسالتها العالمية في الدعوة وإقامة الحجة على الناس، وقد رأينا حركة كبيرة في اتجاه التعرف على الإسلام بعد الغزوة، كانت سببا في اهتداء الكثيرين، ولعل بلوغ صوت الإسلام إلى من - لولا أحداث الغزوة لما سمع به - من شأنه أن يرجح عند الله بكل تلك "المشاكل" الجانبية التي يرددها أصحاب المشاريع الجامدة.
    خامسا: الغزوة والنقلة البعيدة

    لقد كانت غزوة نيويورك وواشنطن حدثا كبيرا بكل المقاييس، استطاعت به الحركة الجهادية أن تضع أمريكا تحت النار، في عملية نوعية أصابت مفاصل الكبرياء الأمريكي فحطمت جبروته الكاذب، وأذاقته مرارة الذل بعدما أصر أصحابها على أن تكون الضربة هذه المرة في عقر دار العدو، ليكون الحدث قريبا من أجهزة الدولة الاستخباراتية والعسكرية والأمنية، وليعلم الجميع أن هذا الوحش أصغر مما يظن الناس، أو لنقل ليعلم الجميع أن المجاهدين أكبر من هذا الوحش الذي يخافه الناس، لتشكل بذلك نقلة نوعية لعل من أبرز مفرداتها:
    1 - أمريكا وبداية العد العكسي
    الذي يميز المجاهدين عن غيرهم أنهم أصحاب فهم صحيح للقدر وتجاوب إيجابي مع الشرع، ففي الوقت الذي ينشغل فيه البعض بالبكاء على الأطلال من خلال تعداد عوامل السقوط القدري في الولايات المتحدة، تجد المجاهدين يجتهدون في ترتيب تحرك فعلي يساعد على سقوط هذه الدولة ويجعل قدرها المحتوم يتحقق بأيديهم، إيمانا منهم بالتوافق القائم بين المطلوب شرعا والمكتوب قدرا.
    لقد تهاوى أقوى اقتصاد في العالم مع طبقات برجي التجارة، لأن الضربة أصابته في الصميم، ونفذت إلى العمق، فتكبد من الخسائر في الحادث وحده بلايين الدولارات، ناهيك عن تكاليف الإنقاذ، وأعمال إزالة الأنقاض التي استمرت ما يزيد عن ستة أشهر، كما أن الخبراء يؤكدون على أن تداعيات الغزوة قد أصابت الاقتصاد الأمريكي بأمراض مزمنة، يصعب جدا أن يتعافى منها رغم كل الجهود المبذولة في اتجاه التطبيب.
    وباستهداف الغزوة لمقر وزارة الحرب، وهدمها لجزء كبير من بنايته، تكون قد وضعت حدا للهيبة الأمريكية التي كانت تسيطر بها على العالم، وفتحت بابا واسعا "للجرأة " على أمريكا، لأن حاجز الخوف قد تحطم، إذ لم ينفع شيء من قوة أمريكا في صد الهجوم الذي نفذ بطريقة العناق المؤلم.
    وبتهاوي الاقتصاد الأمريكي وتلاشي الهيبة الأمريكية تكون غزوة نيويورك قد دشنت بداية العد العكسي لأكبر دولة إجرامية عرفها التاريخ الحديث، ووضعت الحجر الأساس لبداية النهاية للأمبراطورية الأمريكية.
    2 - نوعية الأداء والرسائل المشفرة
    الذي يجمع عليه الجميع وبلا استثناء أن الغزوة كانت نوعية إلى حد لا مثيل لـه في التاريخ الحديث، ويرى المفكرون أنها بهذه الطريقة في التنفيذ تكون قد حملت رسائل كثيرة فضل أصحابها أن تسطر بالمداد الأحمر، ليكون من الصعب جدا محوها من ورقة التاريخ.
    أولاً: إن الغزوة - بما تمتعت به من النوعية في الأداء - تقول للعالم أجمع إن حركة الجهاد قادرة على الفعل، وباستطاعتها صناعة الحدث الذي يصل في فعاليته إلى التأثير على مجريات الحياة، ويفرض على العالم إعادة تشكيل الخريطة من جديد، في إشارة واضحة إلى أن المجاهدين - بما يملكونه من الكفاءة والأمانة - هم الرقم الصعب في معادلة الصراع القائم بين الأمة وأعدائها في الداخل والخارج.
    ثانياً: إن الغزوة - بما تمتعت به من النوعية في الأداء - تدعو الجميع إلى محو تلك الصورة المشوهة التي حرص الأعداء على رسمها للمجاهدين، وأنهم مجموعة من البسطاء!! فقد ظهر للعالم أجمع أنها صورة مكذوبة روجتها الأداة الإعلامية المعادية لتحقيق أغراض خبيثة وأهداف قذرة، كان أهمها خلق حاجز نفسي بين الأمة الإسلامية وطلائعها المجاهدة للإبقاء على حالة الاستسلام والتبعية، وإذا كانت الحركة الجهادية قد أبانت عن قدراتها المتميزة عندما هدمت ما كان يعرف بـ"الاتحاد السوفيتي" فإنها بغزوة الثلاثاء تكون قد رسخت هذه الحقيقة بما لا يترك مجالا للتحفظ، ودللت على أنها تملك ما يجعلها أهلا لأن تنال ثقة الأمة في قدرتها على القيادة.
    ثالثاً: إن الغزوة - بما تمتعت به من النوعية في الأداء - تكون قد بشرت بجيل جديد من المجاهدين!! لعل أخص ما يميزه هو أنه رغم الثبات على المبادئ التي سار عليها الأولون فإنه لا يألو جهدا في الإفادة من الأدوات التي يتيحها الواقع، ولا يتوانى عن تفعيل كل ما هو شرعي من الأساليب والوسائل التي تتعدد وتتنوع بتجدد حركة التطور، مستندا في ذلك إلى رصيد كبير من الخبرات المتراكمة عبر التجارب السابقة، وهذا بالضبط ما يتيح لـه مجالا أكبر للمناورة، ويفتح أمامه أفاقا جديدة في صراعه مع العدو، نجزم أن غزوة ثلاثاء الفتح ما هي إلاّ الفصل الأول من المعركة وأن الدرس لازال مستمرا.
    رابعاً: إن الغزوة - بما تمتعت به من النوعية في الأداء - رسالة إلى العدو بأن المجاهدين قادرون على رد الصاع صاعين، وفي عقر داره، وبالطريقة التي يعجز أن يدركها خياله، وما غزوة ثلاثاء الفتح إلاّ نموذج للجيل الجديد من الضربات التي تنتظره، ولعل العالم قد اكتشف - خاصة بعد الحرب الصليبية العالمية - أن الحركة الجهادية كائن حي ومرن ويتمتع بقدرة عالية على التأقلم مع الظروف مهما كانت استثنائية، وأنه لن يثني عزمها تلك التهديدات الجبانة التي تطلق من وراء الجدر.
    إن غزوة نيويورك وواشنطن حدث كبير، وهو في دلالته أكبر من أن تطاله الحناجر الحاقدة أو الأقلام المأجورة، فقد أرخ للبشرية من جديد، وفتح للأمة نوافذ الأمل، ووطرح أمامها آفاق النهوض، خاصة أنه جاء في وقت أصبحت فيه التوجهات الانبطاحية هي البضاعة السائدة.
    طبعا لم تكن هذه إلاّ محاولة أولية لقراءة الحدث الذي أجاب عن "أين العمل؟" واستحضر بحق "لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُون"، ولسان حال الشهداء يقول:
    تلك آثارنا تدل علينا فانظروا بعدنا إلى الآثار
    رحم الله شهداء الغزوة الأبرار وتقبل الله أعمالهم ونصر إخواننا المجاهدين في كل مكان.
    كتب بمناسبة الذكرى الأولى لغزوة ثلاثاء الفتح.
    والحمد لله وهو ولي التوفيق¨
    غزوة 11 سبتمبر
    المستحيل إذ صار ممكنا
    أبو عبيد القرشي

    مرت سنة على غزوة 11 سبتمبر المباركة، أول غزوة جهادية في العصر الحديث تقوم بقتال الكفار في عقر دارهم. وفي الحقيقة إن الإنسان ليعجز أن يتكلم عن هذا المجهود الجبار الذي أحيى آمال الملايين من أبناء الأمة في غد أفضل تحت ظل خلافة إسلامية عنوانها العدل والكرامة. لقد تبع هذا الإنجاز خلال العام المنصرم متغيرات كثيرة، وعصفت رياح كثيرة بالمسلمين، رفع بها الله أقواما ووضع آخرين. ولا شك أن ممن رفعهم الله المجاهدين في سبيله، في مقدمتهم المنفذون التسعة عشر للغزوة المباركة، وآخرون ممن يذبون عن الإسلام في مشارق الأرض ومغاربها، ويقارعون طاغوت العصر أمريكا.
    لقد عززت الغزوة إيمان المسلمين بالله القوي العزيز، فلم يكن أحد يتصور - حتى في منامه - أن أمريكا القوة العظمى، التي تمتلك أكبر قوة اقتصادية وعسكرية في العالم دون منازع، ستضرب في عقر دارها ضربة مدوية ستتركها في أزمة سياسية واقتصادية وأمنية وعسكرية من حينها.
    ولهذا كان لا بد بعد مرور عام على ذكرى غزوة 11 سبتمبر من النظر مجددا في العديد من خلفياتها وعبرها وآثارها، حتى تكون نبراسا للجميع في سعيهم لاسترجاع العز الإسلامي المفقود.

    1 - الخلفية التاريخية

    كان الجهاد ضد الاتحاد السوفييتي على أرض أفغانستان مناسبة لا مثيل لها لصقل الأفكار الجهادية ونقلها لأرض التطبيق، خاصة وأن هذا الجهاد جاء بعد عقود عجاف من اضمحلال حضور الإسلام على كافة الأصعدة، وطغيان الأيديولوجيات المستوردة من الشرق والغرب، وتمكن العلمانية والتغريب من مقاليد الحكم في كل البقاع الإسلامية تقريبا. صحيح أن العالم الإسلامي كان قد شهد جهادا ضد الاستعمار البريطاني والفرنسي والإيطالي والإسباني والهولندي، لكن العناصر الإسلامية لم تتمكن آنذاك من فرض طرحها أمام سيول المنبهرين بالغرب والشرق، ولا سيما أن أيادي الاستعمار كانت تشجع هذه العناصر، خِفية تارة وعلنا تارة أخرى، لتيقنها بالتبعية المخلصة لهذه الأطراف للاستعمار وتحقيقها لمصالحه.
    على أي حال جاءت مناسبة الجهاد الأفغاني الأول لينتهزها بعض الدعاة الربانيين والرجال المخلصين ليوقظوا همم المسلمين. وما أن جاء عام 1984 حتى بدأت تظهر نماذج العمل المؤسسي لجهاد العرب في أفغانستان كبيت الأنصار الذي أسسه الشيخ أسامة بن لادن حفظه الله، ومكتب الخدمات الذي أسسه الشيخ عبد الله عزام رحمه الله. فلقد تأسس بيت الأنصار في بيشاور ليكون محطة استقبال مؤقت للقادمين للجهاد قبل توجههم للتدريب ومن ثم المساهمة في الجهاد. كما أدى تأسيس مكتب الخدمات إلى تحسين الأداء على الصعيد الإعلامي وجمع التبرعات وحث المسلمين وخاصة العرب على الجهاد بالنفس والمال.
    ولم تكد تحل سنة 1986 حتى قرر الشيخ أسامة بن لادن أن يتوسع في تنظيم العملية الجهادية وأن يُكَوِّنَ معسكراته وخطوط إمداداته. وفعلا تمكن الشيخ أسامة من إعداد ستة معسكرات وتمكن من خلال خبرته في الإنشاءات من تحريكها ونقلها أكثر من مرة تبعا لظروف الحرب. وبدأت سمعة أسامة تسري بين المجاهدين العرب وبدأ يتقاطر على بيت الأنصار والمعسكرات عدد هائل منهم. وبدأ المجاهدون العرب يشاركون في مناوشات عديدة مع السوفييت وعملائهم، ثم ما لبثوا أن دخلوا في معارك طاحنة كان أشهرها معركة جاجي في نهاية ذلك العام، والتي هزم فيها المجاهدون العرب إحدى أفضل وحدات الروس تدريبا وتسليحا وقتلوا فيها عددا كبيرا من الكوماندس الروس.
    ومنذ السنوات الأولى ظهر الطموح العالمي للمجاهدين، فقد كانت المساعدات الزائدة عن الحاجة في أفغانستان، تعطى للمجاهدين في بقاع الله الأخرى، ككشمير والفلبين وتاجيكستان الخ. لكن ما أن اجتاح العراق الكويت، واستعان النظام السعودي بالكفرة الأنجاس للدفاع عن أراضيه، حتى تبين لقادة المجاهدين أن الجهاد الأعظم مقبل مع أمريكا، خاصة بعد أن دكت أمريكا وتد استعمارها ليطال أشرف بقاع المسلمين على الإطلاق، ولعلمهم المسبق بأن أمريكا إذا وضعت قاعدة في بلاد لا تخرج منها أبدا إلا مرغمة.
    جاء التدخل الأمريكي في الصومال ليعطي المجاهدين الفرصة للاحتكاك بأعدائهم الجدد، فقامت مجموعة صغيرة من قدماء أفغانستان بعدد من العمليات النوعية ضد الأمريكيين في الصومال، اضطرت على إثرها أمريكا للانسحاب. أما في اليمن فقد قتل عدد من الأمريكيين في أحد الفنادق في عدن حينما كانوا في طريقهم إلى الصومال. وفي كلتي الحالتين خرج المجاهدون مقتنعين بهشاشة الجندي الأمريكي وجبنه، وأنه لولا التفوق التكنولوجي والوسائل اللوجيستيكية المتطورة لأمريكا لما قامت لها قائمة على وجه الأرض.
    ثم بدأ الشباب الجهادي سلسلة عملياتهم النوعية ضد الوجود الأمريكي على أرض الجزيرة، ابتداء بانفجار الرياض ثم تلاه انفجار الخبر في يونيو 1996، والذي أودى بحياة عشرين من العسكريين الأمريكان وجرح مئات آخرين. وبعد انفجار الخبر بفترة بسيطة أصدر الشيخ أسامة بن لادن بيانه الأول بعنوان "إعلان الجهاد لإخراج الكفار من جزيرة العرب"، وهو أول بيان يصدر عنه بشكل شخصي وباسمه. وفي نهاية عام 1997 استصدر الشيخ أسامة فتوى من حوالي أربعين عالما من علماء أفغانستان وباكستان تؤيد بيانه لإخراج القوات الكافرة من جزيرة العرب.
    بالموازاة مع هذا التحرك، تجمع عدد من قيادات الجماعات الإسلامية وخاصة جماعة الجهاد المصرية في أفغانستان، وتقاطر عدد كبير من الوفود من باكستان وكشمير وبنغلادش على ضيافة الشيخ أسامة. وأثمر هذا التحرك إعلان بيان الجبهة الإسلامية العالمية في فبراير عام 1998 الذي يدعو إلى قتل الأمريكان واليهود في كل مكان وزمان. وقع البيان مع الشيخ أسامة بن لادن أمير جماعة الجهاد المصرية الدكتور أيمن الظواهري، ورفاعي طه أحد مسئولي الجماعة الإسلامية المصرية، كما وقعه رئيس أحد الفصائل الكشميرية وأحد القيادات الباكستانية المشهورة. وبعد إعلان بيان الجبهة الإسلامية العالمية بقليل صرح بن لادن بأنه سيضرب خلال أسابيع، وبقي الأمريكيون في حالة ترقب في المنطقة العربية والخليج وإلى حد القرن الأفريقي. وبينما هم في كامل التأهب أتتهم الضربة في الموقع الذي لم يتحسبوا له، سفاراتهم في كينيا وتنزانيا وذلك حين نسفت السفارتين شاحنتان ممتلئتان بالمتفجرات يوم السابع من أغسطس 1998.
    وقد أثبتت العناصر الجهادية من خلال العمليتين أن لديها القدرة اللوجستية والفنية والبشرية على تنفيذ مهمات خاصة ومعقدة، وأنها استطاعت استغلال عنصر المفاجأة إلى أقصاه، كما أنها استطاعت كذلك التنسيق بين الحادثتين وبكمية تدمير هائلة. وكرد فعل قام الأمريكيون بعمليتهم المشهورة في ضرب السودان وأفغانستان، حيث انهالت على السودان وأفغانستان عشرات صواريخ كروز موجهة لضرب هدفين محددين في السودان وأفغانستان. لكن هذه الضربة الأمريكية لم تكن موفقة البتة لا من حيث نوعية الهدف ولا من حيث الطريقة.
    وجاءت العملية الاستشهادية ضد المدمرة كول في ميناء عدن في أكتوبر 2000 لتزيد من غيظ الأمريكيين وأتباعهم في المنطقة، فقد تمكن أحد العناصر الجهادية من إلحاق أضرار قاتلة بالمدمرة الأميركية المزودة بأفضل التكنولوجيا الحربية، وتبلغ حمولتها 8600 طن، وتنقل طاقما من 350 شخص، ويبلغ ثمنها ما يزيد على بليون دولار. وقد تمكن المجاهد من إحداث فجوة فيها يتراوح قطرها بين ستة أمتار و12 مترا وسبٌَبَ أضرارا فادحة في داخلها، قتل على إثره في الانفجار 17 من البحارة الأميركيين وجرح أكثر من ثلاثين آخرين. كل هذا بواسطة قارب مزود بمحرك جرار زراعي ومملوء بالمتفجرات في عملية لم تزد تكلفتها على العشرة آلاف دولار. وأبرزت هذه العملية ضعف الأمريكيين أمام الابتكار والتنويع في العمليات والمسارح، وأن المقاومة لغطرستها ممكنة بوسائل محدودة إذا توفرت الإرادة لذلك. تعاملت الإدارة الأمريكية إعلاميا بشكل مختلف مع العملية في حرص منها لئلا تزيد من شعبية الشيخ بن لادن، لكن ورغم ذلك صار الشيخ بن لادن رمزا في المنطقة العربية برمتها، ولا أدل على ذلك من رفع اللافتات باسمه في الانتفاضة الفلسطينية لأول مرة بعد عملية المدمرة كول.
    ويمكن القول أن تنظيم القاعدة كان يمتلك منذ البداية نظرة استراتيجية ثاقبة، فلذلك سعى لإقامة العلاقات مع كل الحركات الجهادية عبر العالم، وهي علاقات أخذت وقتا وجهدا لا يستهان به من أجل بناء الثقة وإقامة تعاون متين على أرضية صلبة.
    كما أن هذا التنظيم ونظرا لدراسته بعمق للتجارب الإسلامية والجهادية منها على وجه خاص، ركز منذ البداية على الجوانب التنظيمية والأمنية لمنع كل أشكال الاختراق، وهذا مما أفاده بشكل كبير لإدارة الصراع مع أمريكا منذ بداية التسعينات. ولهذا يستغرب المرء بشدة لما يجد أن أعتى الاستخبارات الغربية تقدر أعداد المجاهدين المتدربين في معسكرات تنظيم القاعدة ( في سنوات 1989-2001) بين 10000 و110000 وهو فرق في التقدير شديد الضخامة، مما يبين أن هذا ليس تقديرا وإنما هو تكهن ليس إلا.

    2 - تنظيم القاعدة وإعداد غزوة 11 سبتمبر
    أ - إعداد المجاهد
    مما لا شك فيه أن تنظيم القاعدة ركز تركيزا خاصا على تكوين الطليعة المجاهدة التي هي عماد العمل الجهادي وركنه الأول، ولذلك كانت النتائج باهرة على جميع الأصعدة. ولهذا يمكن القول بأن المجاهد المتوسط من تنظيم القاعدة هو أفضل تدريبا وإعدادا واستعدادا لمهمته مقارنة بأي مقاتل غوار آخر على الإطلاق.
    من الناحية النظرية لم يأل تنظيم القاعدة جهدا في إرساء وتثبيت مختلف النظريات العسكرية اللازمة لتطوير القدرات الجهادية. فالموسوعة الجهادية الشاملة التي هيأها التنظيم لكل المجاهدين أيام الجهاد الأفغاني الأول وعمت كل تفاصيل العمل المسلح، كانت سابقة نوعية منذ ذلك الوقت. فهي عبارة عن حوالي 7000 صفحة (10 مجلدات) وبذلك تعتبر جهدا منقطع النظير في تهييء المجاهد لمشاق طريق الجهاد. وتشمل المواضيع المطروحة التكتيك العسكري، الأمن والاستخبارات، السلاح الخفيف، الإسعافات الأولية، المتفجرات، القنابل اليدوية والألغام، الدروع ، تصنيع السلاح، الطوبوغرافيا الخ.
    وبعد الجهاد الأفغاني الأول وأمام التحديات الكبيرة التي واجهتها الأمة الإسلامية على مسارح الحرب المختلفة (فلسطين - وسط آسيا - البلقان - القوقاز - كشمير - الفلبين الخ)، والتي كان لا بد لتنظيم القاعدة حامل راية المشروع الجهادي العالمي أن يتعامل معها، أضاف التنظيم أسسا نظرية جديدة لتحسين القدرات التدريبية والقتالية للمجاهدين. فقد تم إصدار جزء آخر خاص بالعمليات الخاصة، وفيها أبواب تهتم بإعداد أوراق الهوية، تنظيم القواعد العسكرية، البنايات السكنية، إخفاء وسائل الاتصالات والمواصلات، شراء وإيصال الأسلحة، سلامة الأعضاء، الخطط الأمنية الخ.
    وكانت معسكرات التدريب مناسبة لتدريب الفعاليات الجهادية على أحسن وجه ممكن لمواجهة الطغيان. وقد قسمت الدورات التدريبية على ثلاث دورات أساسية ومتقدمة ومتخصصة. وإذا كانت الدورات التدريبية قد تم تقديمها لعشرات الآلاف من المجاهدين، تقربا لله ونصرة لدينه والمستضعفين في الأرض، دون أن تكون هناك بالضرورة علاقة تنظيمية بتنظيم القاعدة، فإن جزءا فقط من هؤلاء هو الذي تم مفاتحتهم حول الانضمام لتنظيم القاعدة بناء على استعدادهم الإيماني وقدراتهم العقلية والنفسية والبدنية. وكان هذا الإجراء كفيلا ليس فقط بمنع الاختراق، إذ لم تستطع أي جهة مهما كانت قدراتها وإمكانياتها من اختراق التنظيم، نظرا لأن العضوية فيه لا يأخذها الفرد متى شاء، وإنما تُمنح من لدن القيادة وفق معطيات دقيقة كثيرة. وهذا ما سمح كذلك لتنظيم القاعدة بتجنيد زبدة النخبة من الفعاليات الجهادية مما انعكس إيجابا على العمل الجهادي لتنظيم القاعدة منذئذ.
    ولهذا لم يكن مفاجئا قط قيام أبطال سبتمبر بعمليتهم الخارقة، بالنظر إلى التراكم المعلوماتي والتجريبي لدى تنظيم القاعدة. فالتاريخ يشهد أنه لم ينكص أحد من هؤلاء الأفذاذ على عقبيه أو يتراجع في الرحلة نحو الموت المحقق. ومع أن التحقيق الذي قادته الاستخبارات الأمريكية يبين أن الجزء الأكبر من المنفذين لم يتلق تدريبا في معسكرات تنظيم القاعدة، إلا أن الإعداد الإيماني القوي الذي ركز معاني التفاني والإتقان والتضحية، ثم القيادة الراشدة الفعالة لرؤساء المجموعات - والذين تلقوا التدريب اللازم في أفغانستان حسب بعض التقارير- مكنت من تفعيل الطاقات الكامنة لدى كل الأفراد المختارين لهذه العملية المحورية في تاريخ الأمة الإسلامية.
    ب - إعداد الوسائل المادية اللازمة
    لقد كان بعض قادة الجيوش يقولون "المال هو عصب الحرب". وهذه المقولة ازدادت صلاحيتها مع مرور الوقت حيث تطورت الحياة وتعقدت تكاليفها بشكل غير مسبوق. ولا يخرج العمل الجهادي عن هذه القاعدة، فكل عملية جهادية منظمة وذات آثار تحتاج إلى تمويل مادي سخي. وغالبا ما يحتاج هذا الأمر إلى شهور بل إلى سنوات من التحضير حتى يتم العمل بشكل هادئ لا يثير شكوك العدو. وقد فطن تنظيم القاعدة لهذا الأمر مبكرا، ولذلك أعد عبر السنين شبكة مالية معقدة لتمويل احتياجات التنظيم، وهو ما جعل العديد من الباحثين المقتدرين يجزمون أنه لم يسبق لا في تاريخ الاستخبارات الأمريكية C.I.A ولا الاستخبارات البريطانية M.I.6، أن واجهتا شبكة مالية عالمية معقدة كالتي بناها تنظيم القاعدة. والذي يزيد من تعقيد الأمر على الاستخبارات المعادية أن الشبكة مقسمة إلى أجزاء عديدة لا يربط بين بعضها البعض سوى خيوط رقيقة في أغلب الأحيان.
    وحسب تقارير المعاهد الاستراتيجية المتوفرة فإن تقييم احتياجات تنظيم القاعدة لتسيير التداريب والاحتياجات العملياتية في أفغانستان وخارجها قد يكون في حدود 50 مليون دولار سنويا. وإذا كان هذا التقييم صحيحا فلا غرابة إذن في أن يضم التنظيم العديد من المختصين الماليين، ويولي اهتماما كبيرا للتدبير في مجالات المال والأعمال، ويقوم بجهود كبيرة في مجال الاستثمار عبر القارات.
    ورغم ذلك فإن مجاهدي غزوة 11 سبتمبر أثبتوا مدى زهدهم، فقد تعاملوا بالروية مع إمكانيات المادية للتنظيم، خاصة فيما يتعلق باحتياجاتهم الخاصة. فقد كانوا لا يذهبون إلا إلى الفنادق والمطاعم الاقتصادية، ولا يستعملون إلا السيارات رخيصة الثمن، بل وأرجعوا ما تبقى من أموال إلى التنظيم، في إخلاص وتفان لا مثيل له في عالم العولمة المادية وعبادة المال. لكن ما أن كان صرف الأموال ضروريا في خدمة العملية، حتى قام هؤلاء المجاهدون باقتناء تذاكر سفر درجة أولى، ليكونوا أقرب إلى مقصورة القيادة. وهذا ما يبين قمة الفعالية والاتزان لدى هؤلاء الأبطال.
    لكن هناك من الباحثين من لا يرى أن القدرات المالية للتنظيم ضخمة كما تصفها التقارير، فالعمليات التي استهدفت سفارتي أمريكا في نيروبي ودار السلام لم تحتاجا لتمويل كبير، أما العمليات التي كانت ستعصف بمطار لوس أنجليس وكذلك التي كانت ستصيب فنادق المجون الصهيوني والأمريكي في الأردن، فكانت ممولة عبر أعمال مسلحة وغير مسلحة قام بها المجاهدون في كلتي الحالتين. كما أن عملية المدمرة كول قد كلفت أقل من 10000 دولار أمريكي، وهذا ما يبين أن تنظيم القاعدة لا يحبذ الإسراف المبالغ فيه إذا توفرت شروط النجاح للعملية، بل يضع الدينار المناسب في المكان المناسب، دون إسراف ولا تقتير.
    ج - التخطيط
    من الواضح أن تنظيم القاعدة يهتم كثيرا بالتخطيط لكل تفاصيل العمليات التي يقوم بها. وقد اعترف كل الباحثين بأن أحد عوامل القوة التي أظهرها تنظيم القاعدة هو استثمار جهود عملاقة في التخطيط والإعداد لكل العمليات. ففي سعيه لمزيد من الفاعلية كان التنظيم يقسم أي عملية على ثلاث مراحل: جمع المعلومات، الإعداد اللوجيستي، التنفيذ. وتقوم كل مجموعة على حدة بتنفيذ المرحلة التي تختص بها. وتعتبر مرحلة جمع المعلومات حساسة للغاية، ولذلك فإن تنظيم القاعدة يعطيها ما يلزمها من عناية وصبر، وقد اتضح ذلك بجلاء في غزوتي نيويورك وواشنطن، اللتين استغرقتا سنة ونصف من التخطيط والإعداد.

    3 - العبر المستفادة من الغزوة
    فيما يخص تنظيم القاعدة:
     استطاع تنظيم القاعدة -كونه يعمل بالسنن الشرعية والكونية- أن يشكل تهديدا لأكبر قوة في العالم رغم الفرق الشاسع في الإمكانيات. ومن أهم السنن الكونية التي أخذ بها هذا التنظيم إلى جانب الإعداد المادي والعسكري، تركيزه على تأسيس بنية تنظيمية قوية لا تفت في عضدها الضربات المتتالية والتتبع الأمني العالمي. ويمكن القول أن التنظيم الشبكي المعقد والعقلية اللا مركزية ومفهوم الجامعة الجهادية، كلها عوامل ساهمت في نجاح القاعدة على امتصاص كل الضربات المعادية والتقليل من تأثيرها إلى أقل حد. كما أن عامل السرية والأخذ بالتدابير الأمنية في كل الحالات والأوقات يعتبر عاملا مهما يجدر الاقتداء به من طرف الحركات الإسلامية الأخرى.
     إن تنظيم القاعدة يمشي وفق استراتيجية واضحة لا غبار عليها. لقد كان استهداف أمريكا منذ البداية - بالنسبة للحركة الجهادية العالمية - خيارا استراتيجيا ذكيا، وذلك لأن الصراع مع أذناب أمريكا في المنطقة الإسلامية بيّن أن هؤلاء الأذناب لا يستطيعون البقاء دقيقة واحدة في حكمهم الطاغوتي دون مساندة أمريكا. ولذلك لابد من ضرب الرأس لأنه العامل الأساسي في سقوط الباقي. كما أن خيار استهداف أمريكا مفهوم ومقبول على طول الأمة الإسلامية وعرضها لعلم الجميع بما اقترفته أمريكا من جرائم في حق الإسلام والمسلمين، وهذا ما يضمن التعاطف والتأييد الشعبي.
     إن قادة التنظيم استعدوا منذ البداية لكل الاحتمالات - وخاصة الأكثر سوءا - وهيؤوا البدائل المناسبة. فسواء تعلق الأمر بالحرب داخل أفغانستان حيث تم سحب التشكيلات المقاتلة بطريقة ذكية، وتم إخلاء المعدات وتخزينها في الجبال، والتهييء لحرب عصابات طويلة الأمد. وسواء على الصعيد الخارجي حيث تفرقت الخلايا الجهادية بين الأمم، بحيث تتهيأ كل خلية لأداء مهمتها وفق مخطط دقيق، لا مجال فيه للارتجال والارتباك. وقد أثمر نجاح التخطيط الجهادي عن قذف الرعب الهائل في قلوب الأمريكيين كل يوم وحين، حيث الإنذارات بوشوك هجمة جهادية تتوالى بوتيرة قاتلة لأعصاب الجمهور الأمريكي، الذي لم يفهم لماذا فشلت آلته العسكرية الضخمة في إيقاف هذه الاعتداءات.
    · لقد سطر تنظيم القاعدة بهذه الغزوة نموذجا لما يجب أن تكون عليه النفسية الإسلامية الأبية. فهذه النفسية لا تعرف شيئا اسمه مستحيل. كما أن التنظيم باعتماده على مبدأ المبادرة والفعل بدلا من رد الفعل،· وإعداد الخطوة التالية قبل أن ينهي الخطوة الحالية، دون الانجرار إلى رد فعل يربك خطته، أعطى نموذجا لما يجب أن تكون عليه الحركات الإسلامية الأخرى.
     شكلت التربية الإسلامية الجهادية التي تجمع بين الانضباط والطاعة للقيادة والثقة المطلقة بتوفيق الله والاستعداد الكامل للموت في سبيل الله والصبر وطول النفس، أسس صفات المجاهدين من تنظيم القاعدة، وهي صفات ستؤدي إلى النصر دون شك بإذن الله.
     جسد تنظيم القاعدة وحدة الإسلام، فقد امتزجت دماء أبناء الأمة الإسلامية قاطبة في العمل الجهادي الذي يقوده هذا التنظيم، دون فرق بين عربي ولا عجمي. وهذا في حد ذاته لبنة على طريق الوحدة الإسلامية وتحطيم أوثان الاتفاقيات الاستعمارية التي نهشت جسم الأمة الإسلامية نهشا.
     "احفظ الله يحفظك" حديث نبوي شريف طبقه مجاهدو القاعدة، فرأوا تجلياته على أرض الواقع. فكم قصفت أمريكا الجبال الأفغانية بهيستيريا، واستعملت في ذلك كل قنابلها المحرمة دوليا، حارقها وسامِّها، ذكيها وغبيها، ومع ذلك لم يفت ذلك في عضد المجاهدين شيئا... وسبحان الحفيظ العليم.

    فيما يخص أمريكا:
     لأول مرة تشعر أمريكا بتهديد مباشر لكيانها - وليس لمصالحها فقط - منذ أن كان الاتحاد السوفييتي في أوج قوته. والعجيب هذه المرة أن التهديد ليس قادما من دولة قوية أو تحالف جبار، إنما جاء التهديد من منظمة لا تمتلك مقومات القوة التي قد تمتلكها الدول العتيدة. ومع ذلك اضطرت أمريكا لحشد التحالفات الدولية بدءا بحلف الناتو الذي أعلن لجوءه للنص الخامس من قانونه الأساسي، والذي يعني أن كل الدول المنضوية في الحلف مستهدفة ما دامت إحداها تعرضت للهجوم. كما أن أمريكا ركزت على حلفائها التقليديين (الكيان الصهيوني- اليابان - كوريا - أستراليا الخ.) لتقديم كل المساعدات اللازمة للقضاء على تنظيم القاعدة، بل ولجأت كذلك إلى قوى معادية تقليديا كروسيا والصين لفعل كل ما يمكنهم فعله من أجل مساعدة أمريكا. وإن المرء لا يملك إلا أن يقف إجلالا للقوة الربانية التي تنصر المجاهدين في سبيل الله، فهذا الحشد الرهيب - الذي لا تحتاجه أمريكا أصلا بسبب قوتها الجبارة - كفيل بأن يدمر كل ما يتحرك على وجه الأرض، ومع ذلك لم تتمكن أمريكا من النيل من المجاهدين. وبعد مرور عام على إصابتها في مقتل، لم تشف أمريكا غليلها بعد، ولذلك فهي تبحث عن انتصارات حقيقية أو وهمية على أعداء ربما لا ناقة لهم ولا جمل، تقنع بها نفسها وحلفاءها بأنها لا زالت قوة عظمى.
     عند أول أزمة حقيقية تعرضت لها أمريكا ممثلة في أحداث سبتمبر، أضحت أمريكا مضرب المثل في مخالفة الشعارات التي تحملها كاحترام الحريات وحقوق الإنسان. فهذا معتقل غوانتانامو - الذي أرادت به أمريكا إرهاب المسلمين - شكٌَلَ أكبر وصمة عار في جبين "الديموقراطية" الأمريكية. كما أن الاعتقالات الظالمة التي طالت اللآلاف من أبناء الجاليات المسلمة في أمريكا، والتي تم فيها تجاوز أبسط الحقوق المدنية للمعتقلين،· لطخ إلى الأبد الصورة الوردية التي تصورها أمريكا عن نفسها. فالاعتقال دون تهمة محددة،· وإخفاء أسماء المعتقلين،· وممارسة كل أنواع الضغوط والتعذيب،· والادعاء بغير دليل،· ومراقبة التليفونات والبريد الإلكتروني بصورة واسعة، والكشف عن الحسابات الفردية في البنوك وغيرها من الإجراءات الاستثنائية،· وتشكيل محاكم عسكرية سرية،· يحق للرئيس فقط تحديد من يحاكم أمامها،· على أن تكون كل إجراءاتها سرية، ولا يحق للمتهمين أن يستأنفوا أحكامها (وضمنها الإعدام) صار هو النموذج الأمريكي للعدالة.
     لقد كانت غزوة 11 سبتمبر نموذجا في بيان إخفاق الأجهزة الاستخباراتية الأمريكية،· التي كان يرتعد لذكرها فرائص الكثيرين فيما سبق. فأمريكا لم تستفد لا من منظومة المراقبة عبر الأقمار الصناعية إشلون (تضم 120 قمرا صناعيا تجسسيا وكلفت ملايير الدولارات)، ولا من الوكالات التجسسية الأمريكية الثلاثة عشر ذات الميزانيات الضخمة، في إيقاف 19 مجاهدا مسلحين بسكاكين، والذين استعملوا أدوات الخصم في الإجهاز على معالمه الاقتصادية والعسكرية.
    · استراتيجيا دمر تنظيم القاعدة بغزوة 11 سبتمبر ركائز الاستراتيجية الدفاعية الأمريكية،· والتي لم يستطع الاتحاد السوفييتي السابق ولا أية دولة معادية النيل منها. وهذه الركائز هي: الإنذار المبكر،· الهجوم الوقائي ومبدأ الردع. كما سببت هذه الغزوة تمططا كبيرا لقدرات أمريكا التي اضطرت لنشر قواتها في مسارح كثيرة دون أن تحرز النصر في أي منها. من ناحية أخرى بينت الغزوة أن أمريكا تعاني من أزمة استراتيجية بعد انتهاء الحرب الباردة،· بمعنى أنه لم يعد لديها استراتيجية واضحة وكاملة وذات هدف واحد كما كان الحال إبان الحرب الباردة،· ومن ثم فهي تتعامل مع كل طرف وفق استراتيجية مفتوحة قائمة على التجريب أكثر منها قياماً على الرؤية المستقبلية. ولعل من أسباب ذلك أنها تواجه عدواً هلامياً وعقدياً،· يصعب ضربه أو اختراقه، ويمكن أن يتشكل في صور مزعجة ودون إمكان رصده.
     عسكريا شكلت غزوة 11 سبتمبر أكبر تهديد للوضع العسكري الأمريكي القائم. فالاستراتيجية غير المتوازية (Asymmetric) الذي ينتهجها تنظيم القاعدة، والتي تقضي بأن يستخدم الخصم وسائل وأساليب يستحيل على المدافع عن نفسه أن يستخدمها أو يتعرف عليها أو يتفاداها،· جعلت التفوق العسكري الهائل لأمريكا دون فائدة، مما قلل من فاعلية الردع العسكري الأمريكي دوليا. كما أن انتشار سلاح القنبلة الاستشهادية، وكونها لم تعد قاصرة على فلسطين بل انتقلت إلى أهداف أمريكية أربك الحسابات الأمريكية وجعل الإحساس الأمريكي بالأمن يتبخر.
     إعلاميا فشلت أمريكا في تسويق حملتها الصليبية. فالآلة الدعائية الأمريكية لم تتمكن من هزم مشاعر الكراهية لأمريكا، بل ولم تبدد حتى الشكوك الأمريكية الداخلية. إن ضخامة الآلة الدعائية الغربية لم تمنع هزيمتها على يد الشيخ أسامة فيما يشبه حركة جودو. فكاميرات C.N.N وغيرها من ديناصورات الإعلام الأمريكي هي التي تكفلت بالإشهار للغزوة وبثت الرعب المرجو منها، دون أن يكلف ذلك تنظيم القاعدة مليما واحدا. كما أن أشرطة "الرعب" التي أذاعتها C.N.N مؤخرا، زادت من تبيان القدرات التي يملكها المجاهدون وتمكينهم من قلوب أبناء الأمة الإسلامية. أما أشرطة الفيديو للشيخ أسامة وغيره من القياديين، والتي انفردت بها قناة الجزيرة وجلبت لها الشهرة الدولية، فقد ضمنت نقل صوت المجاهدين للأمة الإسلامية والعالم بأسره دون كلفة تذكر مقابل خدمة لا تقدر بثمن. وللمفارقة تجدر الإشارة أن العديد من المنظمات الثورية قامت في الماضي بعمليات خطف للرهائن فقط من أجل إذاعة بيان لها،· بينما اليوم تتسابق كل وسائل الإعلام الدولية على نيل السبق في نشر ما يقوله المجاهدون. كما تم توظيف الإنترنت من قِبَلِ المجاهدين بشكل فعال لإيصال صوتهم ووجهات نظرهم لمئات الآلاف من المسلمين.

    4 - الآثار المرحلية والمستقبلية

     إن غزوة 11 سبتمبر تؤرخ لبداية انهيار الإمبراطورية الأمريكية. فقد أثبتت الضربات على أن أسس القوة الأمريكية من الهشاشة بمكان، وذلك أن الاقتصاد وهو أهم هذه الأسس قائم على أسس ربوية كاذبة خاطئة وعلى الاستهلاك الشره، الذي متى توقف تضرر الاقتصاد. ونظرا للانعكاس النفسي الكبير لهذه الغزوة على الجمهور الأمريكي، فإن أنماط الاستهلاك تغيرت وازدادت الخسائر المتعلقة بقطاعات الطيران والسياحة والتأمينات لتضفي ضلالا من الشك على صحة الاقتصاد الأمريكي. ويكفي معرفة أن الخسائر الاقتصادية للولايات المتحدة (المتعلقة بقطاع الطيران فقط) عقب الأحداث بلغت 100 مليار دولار إضافة إلى إلغاء ما يقارب من 100 ألف وظيفة، ثم الخسائر الأخرى التي بلغت بمجموعها تريليون دولار وتسببت في فصل مئات الآلاف من الأمريكيين عن عملهم، لإدراك هول الضربة وتأريخها للبداية الفعلية للانهيار الأمريكي.
     إن إفرازات الغزوة فيما يخص العلاقات الدولية شكلت زلزالا جيوسياسيا، ومن تجليات ذلك الزلزال:
    - استفادة الولايات المتحدة الأمريكية من دخولها ساحة صراعها السابق مع السوفييت وخاصة الجمهوريات المستقلة عن الاتحاد السوفييتي السابق، وتكريس وجودها معززة قواعدها بشكل يوحي بالبقاء الطويل في تلك المنطقة. وهذا بالذات عامل سيزيد من فرص الاحتكاك مع روسيا والصين في المستقبل المنظور.
    - اهتزاز التحالف الأوروبي ـ الأمريكي، خاصة عندما حددت أمريكا أهدافها الحقيقية وهي «التدخل في الشؤون الداخلية لدول العالم الثالث»، بهدف رسم معالم عالمها الجديد أو إعادة أقلمة المناطق وفق مصالحها واستراتيجياتها.
    - ظهور ملامح الانهيار على تحالف أمريكا مع السعودية وبدرجة أقل مع مصر. فلم يعد النظام السعودي الطفل المدلل لدى أمريكا، بل أصبح أقطاب هذا النظام ينعتون في الإعلام الأمريكي بالفساد والعبث بأموال شعبهم ودعم "التطرف". ويبدو أنها مقدمات للسيطرة المباشرة على شؤون الحكم في السعودية، بعدما لم تعد ديبلوماسية الشيكات التي كان ينتهجها حكام السعودية كافية لإرضاء الأسياد في البيت الأبيض.
    - تثبيت سيطرة أمريكا على أغلب المنافذ البحرية العالمية بحجة مطاردة الشيخ بن لادن ومنعه من الفرار، مما دفعها لترسيخ قواعدها في المحيطات والزيادة في العدة والعتاد هناك، وهي خطوة ستكلف واشنطن كثيرا عسكريا وماليا خاصة في ظل استمرار تدهور الاقتصاد الأمريكي.
     إن الغزوة أدت بأمريكا للاتجاه نحو الحكم العسكري،· فللمرة الأولى في تاريخ الولايات المتحدة يتم تشكيل قيادة عسكرية للإشراف على الأمن الداخلي،· يرأسها جنرال. كما تم تشكيل حكومة سرية تعمل في موقعين حال تعرض الولايات المتحدة لهجوم عسكري مفاجئ،· وتتولى إدارة الوظائف الحيوية،· ولا رقيب عليها من جانب أي مؤسسة دستورية،· وقد وضعت إدارة بوش هذا السيناريو في ظل غياب كامل للكونغرس، مع الإصرار على رفض أي معلومات حول خططه بشأن آليات تلك الحكومة. وهي خطوة تؤكد الاتجاه نحو حكم شمولي عسكري،· وتشكل انهزاما ساحقا للقيم الأمريكية عند أول صدام. كما أن مطالبة الرئيس بوش بمنع التسريبات،· أدت على الصعيد العملي إلى فرض ستار كثيف من السرية بعيدا عن الشفافية والمساءلة البرلمانية،· وكانت الحصيلة عدم تحديد المسؤولية،· أو حساب أي مسؤول عما حدث في 11 سبتمبر.
     لقد كانت طالبان حجرة عثرة أمام الأطماع الأمريكية في الاستحواذ على نفط بحر قزوين، لكن بإزاحة حكومة طالبان (مؤقتا إن شاء الله) وتأسيس حكومة عميلة في أفغانستان، أصبحت الساحة مهيأة لبناء أنابيب للنفط والغاز الطبيعي تربط بين بحر قزوين وتركيا وأوروبا. وهذا يعني أن الطلب على النفط العربي سينخفض بعد أن يصبح بترول بحر قزوين مطروحا في الأسواق. وعليه فقد كانت المساندة الرسمية الخليجية للحملة الصليبية خطأ فادحا ستتجلى آثاره على الاقتصاد الخليجي، بعد أن صار بالفعل تحت وطأة صدمة خارجية عنيفة سوف تدفع إلى خفض نمو الناتج المحلي لدول الخليج.
     لقد توافقت الغزوة مع ارتفاع حدة وموجة العداء الشعبي للولايات المتحدة الأمريكية بعد أن كانت تمثل نموذج العالم الحر ونموذج القيم الديمقراطية. فقد التقى في هذه النقطة القوى الشعبية الإسلامية مع قوى أخرى في العالم لها مواقف مناهضة للولايات المتحدة الأمريكية. فموجات مناهضة العولمة/الأمركة بدأت تتسع، وظهر ذلك جليا في المظاهرات الكثيرة التي شهدتها أمريكا نفسها وكذلك أوروبا وجنوب أفريقيا، فهناك رفض شعبي حقيقي متعدد المشارب (مثقفون، مهتمون بالبيئة، معارضو الحروب) للسياسة الأمريكية. وما الصـراخات والهتـافات التي جابهت خطـاب وزير الـخارجية الأمـريكي خـلال قمـة الأرض (04/09/02) إلا نموذجا للوعي الشعبي العالمي تجاه السياسات الأمريكية الظالمة.
    · لقد تكثف الاهتمام بالإسلام على مدى السنة المنصرمة في كل أنحاء الأرض، وراجت الكتب الإسلامية، وخصوصا اقتناء نسخ المصحف الكريم. وهذا مما يبين أن نور الجهاد والتضحية من أجل الدين تحمل من القوة على إقناع الآخرين بما عليه المسلمون من الحق، أكثر من ملايين الكلمات والخطب.

    لقد كانت غزوة 11 سبتمبر دون جدال عملية محورية في تاريخ الأمة الإسلامية. ويكفي أن الأمة كانت تعيش في براثن الذل بعد أن صار الممكن (تطبيق الشريعة الإسلامية - تحرير فلسطين الخ.) مستحيلا بسبب خيانة وعمالة الأنظمة العربية، لتأتي الغزوة فتحول المستحيل ممكنا. ¨

    المراجع:

     "قراءة لمستقبل المعركة بين فاروق العصر أسامة وأمريكا"، مركز الدراسات والبحوث الإسلامية.
     "التقرير السنوي عن التغيرات الاستراتيجية الدولية التي أحدثتها اعتداءات 11 سبتمبر في الولايات المتحدة وعن إنتاج وتجارة السلاح في العالم"، معهد ستوكهولم لأبحاث السلام ( SIPRI)، 06/2002
     العدالة في ميزان حرب الإرهاب الأمريكية، جريدة البيان الإماراتية، الأربعاء 20 محرم 1423 هـ الموافق 3 أبريل 2002.
     Rohan Gunaratna, “Inside Al Qaeda: Global Network of Terror,” Hurst&Company, London, 2002.
    · Rohan Gunaratna, “The Lifeblood of Terrorist Organizations: Evolving Terrorist Financing Strategies” in Alex Schmid (ed.) Countering Terrorism Through International Cooperation, Rome, International Scientific and Professional Advisory Council of the UN and The UN Terrorism Prevention Branch, 2001.
    · Victoria Grifith, Peter Speigl, and Hugo Williamson, “How the Hijackers Went Unnoticed”, Financial Times, November 29, 2001
     Walden Bello, “Washington: Triumphant Or Overextended?” Focus Web, Jul 22/ 2002
     Steven Simon and Daniel Benjamin, 'The Terror', Survival, Volume 43 Number 4, January 2002
    · David Cole, “Trading Liberty for Security after September 11,” Foreign Policy in Focus, September 2002


    الأبعاد الحقيقية
    لغزوتي نيويورك وواشنطن

    أبو أيمن الهلالي
    أدى الهجوم الاستشهادي/غزوتي نيويورك وواشنطن الذي نفذه مجاهدو تنظيم القاعدة بزعامة الإمام أسامة بن لادن - حفظه الله ونصره -يوم الثلاثاء 11 سبتمبر/أيلول 2001، والذي استهدف رموز الهيمنة الأمريكية وعنوان سطوتها الاقتصادية والسياسية والعسكرية المتمثلة بمقر وزارة الدفاع وبرجي مركز التجارة العالمي، إلى إحداث صدمة عنيفة وهزة قوية لأمريكا حكومة وشعبا، وأيضا لكل دول العالم فضلا عن السياسيين والمفكرين والعسكريين...
    هذه الصدمة زرعت الرعب والخوف وعدم الأمان في نفوس الأمريكيين، لأنهم أصبحوا هدفا سهلا للمجاهدين وعرضة لهجمات مماثلة - حتى ترجع أمريكا عن طغيانها وجبروتها وظلمها للشعوب المستضعفة ومشاركتها للإرهاب الصهيوني ضد إخواننا الفلسطينيين-، لأن أمريكا الدولة العظمى/الضعيفة غير قادرة على حماية مؤسستها ومصالحها الحيوية فضلا عن حمايتهم، وأن بعبع المخابرات المركزية (CIA) ومكتب التحقيقات الفيدرالية (FBI) أتبت فشله الذريع في معرفة أو حتى في مجرد التكهن بالحدث التاريخي العظيم الذي عرض الهيبة الأمريكية للاهتزاز والشك والارتباك إلى حد هروب بوش الجبان ونائبه تشيني واختفائهما عن العاصمة ذعرا وهلعا خوفا من التصفية، وإفراغ الدولة العظمى/الضعيفة بكل طغيانها وجبروتها من سلطتها، وبدت نيويورك وواشنطن عاصمة المال والسياسة وكأنهما مدينتان للأشباح.
    إضافة إلى ما سبق ، فإن رد الفعل الأولي للنظام الأمريكي يعكس بشكل واضح هول الصدمة والارتباك الذي وقعت فيه القيادة الأمريكية، حيث صرح بوش الجبان يومه الثلاثاء بقوله: "إن الولايات المتحدة تتعرض لكارثة وطنية من خلال هجمات إرهابية، هذه لحظة صعبة للشعب الأمريكي"، وقال: "لقد أمرت بإتاحة كامل مصادر الحكومة الفيدرالية لمساعدة الضحايا وعائلاتهم، وإجراء تحقيقات شاملة لمطاردة والعثور على أولئك الذين ارتكبوا هذه الأعمال" وقال: "لن يستمر الإرهاب ضد أمتنا"، وقال في اليوم الثاني يوم الأربعاء بعد اجتماعه مع فريق الأمن القومي في البيت الأبيض: "الهجمات المتعمدة والقاتلة التي نفذت ضد بلادنا كانت أكثر من عمليات إرهابية كانت عمليات حربية"، وأيضا التغير الجذري الذي حصل في سياساتها الداخلية والخارجية وفي نوعية خطابها، لأنها بدأت تشعر بخطورة الوضع، وأن هناك من يتحداها - بعد سقوط الاتحاد السوفيتي - على المسرح العالمي، ويزاحمها في النفوذ السياسي العالمي وتشكيل الخارطة السياسية العالمية، لكن هذه المرة من طرف عدو مخالف لا يعترف بالقاموس السياسي العالمي الظالم، الذي يقضي باستعباد الناس والجماعات والنظم للنظام الصهيوني والأمريكي، من خلال استراتيجية العولمة التي ترتكز على الأذرع الرئيسية التالية:
    عولمة اقتصادية: و التي تتجلى في ربط الاقتصاد العالمي بأمريكا للسيطرة في نهاية المطاف على رأس المال عبر منظمة التجارة العالمية، والشركات المتعددة الجنسيات، وصندوق النقد، والبنك الدولي...
    عولمة سياسية: وذلك بالتدخل السياسي المباشر في البلاد المختلفة، وتقسيم العالم إلى مناطق جيوسياسية ووضع إطار استراتيجي لها على أساس مصالحها الحيوية، وفرض العقوبات الاقتصادية على المخالفين بحجة الإرهاب وعدم احترام حقوق الإنسان ونهج سياسة الاستبداد، وحماية آل صهيون وكل حلفائها من خلال سلاح الفيتو...
    عولمة تربوية وتعليمية: عبر التدخل المباشر في المناهج التربوية والتعليمية لتغيير العقول وتربية الشعوب على القيم الأمريكية، وتعتبر مصر نموذجا حيا في هذا الإطار، حيث قدمت هيئة المعونة الأمريكية 90 مليار جنيه منحا ومعونات للنظام المصري خلال 25 سنة الأخيرة، و185 مليون دولار للتعليم منذ عام 1981، ومعها خبراء وبرامج وتوصيات.
    عولمة ثقافية: بفرض ثقافة الأمريكي ونمط عيشه على الشعوب من خلال المدارس والمطاعم الأمريكية...
    عولمة أمنية: عبر التنسيق والتعاون مع كل المخابرات الدولية من أجل ضرب كل من تسول له نفسه بالتطاول عليها عن طريق وكالة الاستخبارات المركزية (CIA). ويعكس هذه الحقيقة الاجتماع السري والمفاجئ الذي عقد يوم الأحد 16/09/2001، أي بعد الغزوة المباركة بخمسة أيام حضره رؤساء الاستخبارات في عدد من الدول الأوروبية والشرق أوسطية مع رئيس وكالة الاستخبارات الأمريكية بهدف وضع خطة أساسية للتنسيق المقبل بين أجهزة الأمن في الدول المختلفة من أجل محاصرة الإرهابيين.
    إن غزوتي نيويورك وواشنطن تعتبر رسالة واضحة وصريحة لكل رواد التغيير والإصلاح، ودعوة مباشرة إلى الانتفاضة والتمرد على القيادات الفكرية والسياسية المهترئة التي يجب إحالتها على التقاعد الفكري والسياسي، لأنها من اللحظات التاريخية المتاحة والناذرة، ونقطة تحول أساسية في مسيرة الصراع، التي يجب التقاطها والاستفادة منها.
    كما أجمع المحللون حول تاريخية الغزوة ومفصليتها في العلاقات الدولية والمشهد السياسي العالمي، بسبب التحول الكبير الذي أحدثته في سياسة زعيمة العالم/أمريكا، والتغير الجذري الحاصل في المشهد الجيوسياسي بآسيا الوسطى والبلدان العربية والإسلامية، مما جعلها تفجر جدلا فكريا وسياسيا واسعا- الذي لم ينتهي بعد - حول مجموعة من القضايا السياسية العالمية ذات حساسية خاصة بالنسبة للمستقبل السياسي للعالم (قضية فلسطين، حرية الشعوب المستضعفة، إقامة العدل، استغلال الثروات كالنفط مثلا، الاستقلال، تطبيق الشريعة، عدم الخضوع للطاغوت الأمريكي وذراعه التنفيذي كمجلس الأمن والأمم المتحدة...)، نتيجة دخول فاعل سياسي جديد غامض لا يعرف عنه الكثير سوى تخمينات العدو الأمريكي والصهيوني وملحقاته من أنظمة عميلة، والمرتزقة من المفكرين والسياسيين ووسائل الإعلام...، أراد تكسير الجمود الفكري والسياسي المتعدد الوجوه الذي تتسم به الحركات السياسية التقليدية، والذي يتمثل وكما يعرف الجميع في تنظيم القاعدة وحركة طالبان بشكل خاص والحركات الجهادية بوجه عام.
    إزاء هذا الحدث التاريخي العظيم/الغزوة المباركة، طرحت مجموعة من التساؤلات من طرف المحللين والمتتبعين للشأن السياسي العالمي، حول خلفية الغزوة وأبعادها، ومغزاها السياسي، وتداعياتها الدولية وخطورتها على النظام الدولي الجديد، والقضية الفلسطينية، ومفهوم المشاركة السياسية، وكيفية نصرة المستضعفين، ومستقبل الحركات الإسلامية وغيرها من القضايا، إلا أن مختلف القراءات السياسية المقدمة لم تتحرر من المسطرة السياسية العالمية التي وضعت لها، بل ما زالت تردد مقولات انهزامية واستسلامية التي أصبحت متجاوزة في ظل المتغيرات السياسية الكبرى (انتفاضة الأقصى، انتفاضة الجماهير في الشوارع العربية والإسلامية، الهجوم الصهيوأمريكي، العمليات الاستشهادية، الغزوة المباركة، الجهاد في كل من الشيشان وكشمير وأفغانستان...).
    وعليه، انطلاقا من المسؤولية الشرعية والسياسية التي تقضي بتجلية الأمور والإجابة على الإشكاليات المطروحة بخصوص الغزوة المباركة، نقدم المقاربة التوضيحية التالية:

    أولا - الوضع السياسي العام قبل غزوة 11 سبتمبر:
    سنركز على مجموعة من الحقائق السياسية العامة التي لها علاقة بالمنطقتين الساخنتين في العالم، أي فلسطين وأفغانستان لارتباطهما المباشر مع العدو الصهيوني والأمريكي وتمثليهما لجوهر الصراع الدائر بين الأمة الإسلامية والعدو الصليبي والصهيوني، أي الخط الفاصل بين معسكر الأمة الإسلامية ومعسكر الأعداء، والتي:
    أ - على المستوى الفلسطيني:
    - تدنيس المسجد الأقصى من طرف الصهاينة، طبعا تحت زعامة الخنزير شارون، وانطلاقة انتفاضة الأقصى المباركة.
    - تمادي الصهاينة في قتل الشعب الفلسطيني، وعلى رأسهم الأطفال والشيوخ والنساء، والذي تم تتويجه بمقتل الطفل محمد الدرة الذي تمكنت أجهزة التصوير من التقاط لحظات مقتله، ليكون شاهدا حيا على وحشية الصهاينة.
    - الرد الفلسطيني كان قاسيا، حيث تم تكبيد العدو الصهيوني خسائر فادحة على المستوى العسكري والاقتصادي والإعلامي منذ انتفاضة الأقصى المباركة، ولاسيما عندما تحولت إلى انتفاضة مسلحة، وبدأت في استعمال مدافع الهاون، والتصعيد من العمليات الإستشهادية التي توجت بعملية مرقص تل أبيب المباركة التي نفذتها كتائب القسام، والتي أسفرت عن مقتل 21 صهيوني وإصابة أكثر من 120 حسب المصادر الصهيونية.
    - زيادة الوعي بالقضية الفلسطينية الذي ترجم بتضامن فلسطيني أراضي 48 والشعوب العربية والإسلامية من خلال المظاهرات، وقيام تنظيم القاعدة في 12 أكتوبر/تشرين الأول عام 2000 بتفجير المدمرة كول في ميناء عدن قتل عل إثرها 17 أمريكي، وكذلك الهجوم على سفارة بريطانيا في صنعاء، أدى إلى إحساس العدو بالخوف من تدويل الصراع الفلسطيني - الصهيوني، مما يهدد مصالحه ووجوده في المنطقة.
    - إذاعة شريط للإمام بن لادن - حفظه الله - في قناة الجزيرة يدعو فيه الأمة إلى نصرة الشعب الفلسطيني، ويحرض أتباعه على الإثخان في العدو، ويقدم فيه البيعة لأمير المؤمنين الملا عمر- حفظه الله -.
    - تدهور خطير في أمن العدو الصهيوني والأمريكي، وشعورهم بعدم الأمان والاستقرار، والذي ترجم بهجرة آل صهيون خارج فلسطين، وإغلاق معظم سفارات وقنصليات العدو الأمريكي في الشرق الأوسط وإفريقيا.
    - إحساس الصهاينة بالعبثية والندم والإحباط بخصوص وعود/أوهام شارون بشأن أمنهم، وهذا ما عبر عنه بشكل واضح جولد شنانيني بقوله: "نحن محبطون جدا لأننا انجررنا وراء العديد من الأوهام، وغاضبون لأن القادة المتسرعين وعدونا ثانية وثالثة بإنهاء عهد الحروب وأن آل صهيون ستقوم على أرضها بأمان، وأن ليس ثمة خطر خارجي يهددها وبدا ذلك وهما عابثا وأمنية لم يكن لها أساس في الواقع.
    - إدانة آل صهيون بالعنصرية في مؤتمر "ديربان"، وفشل أمريكا في إبطال الإدانة، ومن تم انسحابها من المؤتمر في محاولة لإحباطه، وتضامنا مع آل صهيون.
    - التمادي في الإجرام الصهيوني والأمريكي على إخواننا الفلسطينيين، والضغط على العميل عرفات وتأديبه عبر حرمانه من الاستقبال الأمريكي حتى يقضي على الانتفاضة ويعتقل كل من المقاومين، مما أدى إلى قبوله بالمهمة القذرة.
    - إرسال السناتور "ميتشل" لتقصي الحقائق، وبعد شهور جاء التقرير ليلقي بعض اللوم على الصهاينة فتم رفضه من طرفهم، مع العلم أنه يصب في مصلحتهم القاضية بتوقيف الانتفاضة.
    - إرسال مدير المخابرات الأمريكية "جورج تنيت" اليهودي المتخصص في حركة حماس والجهاد الإسلامي، ووصوله يوم 06/06/2001 الذي لـه دلالة سياسية كبيرة عند الصهاينة، أي في ذكرى هزيمة حزيران 1967 بيوم واحد، لإجهاض الانتفاضة والقضاء على المجاهدين عبر اعتقال المقاومين والمساعدة على التخلص منهم، طبعا تم ذلك بموافقة بعض الدول العربية العميلة التي مر منها كالأردن ومصر، وهذا ما ذكرته بعض الصحف العربية وأيضا إذاعة العدو الصهيوني يوم الأربعاء 13/06/2001، وكذلك ما أذعته ب.ب.س يوم 16/06/2001، مخافة تداعيات الانتفاضة والمقاومة على المنطقة العربية والإسلامية، وهذا ما جاء في تقرير "تنيت" أمام الكونغرس عن تهديدات عام 2001.
    ب : على المستوى الأفغاني:
    - تطبيق الشريعة الإسلامية في أفغانستان من خلال مجاهدي طالبان، حيث بدأ الناس ولأول مرة في تاريخ أفغانستان يشعرون بالأمن على أنفسهم وأموالهم وأعراضهم، مما شكل تحديا صريحا لحضارة الشيطان التي تتزعمها أمريكا وآل صهيون، وأيضا خطورة انتقال المثال النموذجي"الطالباني" إلى البلدان الأسيوية المجاورة والعالم بأسره.
    - قيام دولة إسلامية فتية ومستقلة في مناطق وسط آسيا الإسلامية، أغاض الأعداء والحاقدين وبعض المتخلفين من المبتدعة المحسوبين على التيار الإسلامي، حيث دفع بمجموعة من الجهات إلى شن حملة شرسة على الإمارة الإسلامية متهمة إياها بتطبيق أحكام الإسلام ومناصرة القضايا الإسلامية وإعداد القوة تحت عنوان إيواء الإرهابيين، وغياب حقوق الإنسان، وعدم الخضوع للقوانين الدولية ومنع الموسيقى وشرب الخمر...، وأما الجهات الرئيسية المحركة لهذه الحملة المسعورة فهي أمريكا والاتحاد الأوروبي وآل صهيون وروسيا والهند والجمهوريات الإسلامية والأمم المتحدة ومعظم دول المنظومة الإسلامية والعلمانيون بشكل عام.
    - اجتماع منظمة دول شنغاي التي تضم ست دول وهي روسيا، كازاخستان، قيرغستان، أوزبكستان، الصين، وطاجكستان لتغيير مهمتها وأهدافها من التحالف الاقتصادي والسياسي ومواجهة الهيمنة الأمريكية إلى مواجهة التطرف في آسيا الوسطى وتشكيل وحدة مكافحة إرهاب إقليمية.
    - اشتراك كل من إيران والهند وروسيا على دعم التحالف الشمالي ضد الإمارة الإسلامية.
    - حصار شامل على الإمارة الإسلامية بحجة إيواء الإرهابيين وعدم التعاون مع أمريكا لتسليم الإمـام بن لادن - حفظه الله -، بل وضرب كل أسوار التكبيل والتنكيل عليها جوا وبرا ليقتلوا الشعب الأفغاني المجاهد، ويؤلبوه جوعا وقهرا عليها، تم يقولوا بعد ذلك قتلته طالبان وقهرته.
    هذا الحصار مات على إثره أكثر من 70 ألف أفغاني ما بين الأطفال والنساء والشيوخ ناهيك عن المرضى، وخسرت بموجبه الإمارة الإسلامية المليارات التي كانت كفيلة بحل مشاكل الشعب الأفغاني.
    - بدأت الإمارة في تكسير الأصنام وعلى رأسها بوذا، مما دفع العالم إلى استنكار الحدث، بل وتم الدفع ببعض الدعاة والعلماء إلى زيارة الإمارة بهدف الضغط عليها من أجل التراجع عن قرارها، لكن والحمد لله كانت زيارتهم في صالح الإسلام والإمارة الإسلامية بوجه خاص، حيث جعلتهم يعيشون عن كثب حقيقة طالبان والتأكد من إشاعات الأعداء، ودفعت بعضهم إلى نقل الصورة الصافية والمشرقة للإمارة وإذاعتها في وسائل الإعلام المختلفة، وتعتبر شهادة مفتي مصر د. نصر فريد واصل بشأن زيف ادعاءات الأعداء مثال حي، فانقلب بذلك السحر على الساحر وانتصرت الطالبان وانهزم الأعداء، لأن الأمة الإسلامية أدركت الحقيقة قبل الحرب لحكمة يعلمها الله سبحانه وتعالى، ولتكون حجة عليها غدا يوم القيامة إن لم تقم بواجب النصرة للإمارة الإسلامية.
    - عملت الإمارة على سجن مجموعة من المبشرين، ومحاكمة المرتدين من الأفغان للنصرانية.
    - اغتيال زعيم تحالف الشمال أحمد شاه مسعود بيومين قبل الغزوة المباركة، وهذا يعني الكثير، بل وبركات اغتياله نراها بوضوح في الوضع الأفغاني الحالي.

    ثانيا - ضرورة الغزوة وحتميتها:
    إن المعركة مع العدو الأمريكي والصهيوني مفتوحة، ودلائلها الساطعة واضحة في كل البلاد الإسلامية، حيث لم يكتفي أرباب العولمة/الأمركة بفسادهم وإلحادهم الصارخ، وإنما أرادوا فرضه بالقوة على جميع البشر بمن فيهم من ارتضى شرعه الله وطبقه على الأرض كحركة الطالبان المباركة، منتهجين سبيل فرعون كما جاء في كتاب الله حين قال: {قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلاَّ سَبِيلَ الرَّشَادِ} (غافر: 29)، وهذا ما تقوم به أمريكا الكافرة في تعريفها للإرهاب والسلام والعدل...، فهي بسياستها هذه تنازع الله سبحانه وتعالى في كبريائه وعظمته وأمره وشرعه.
    إن أمريكا عدوة لدين الله وللمسلمين ومحاربة لهما، وحالة أفغانستان وفلسطين قبل الغزوة خير شاهد، بل كانت تسعى إلى شن هجوم عسكري على الإمارة الإسلامية ولو لم يقم تنظيم القاعدة بالغزوة، لأن هجومها الاقتصادي والإعلامي لم يحقق النتائج المرجوة والمنتظرة، وهذا ما صرح به وزير الخارجية الباكستاني السابق ل BBC بتاريخ 19/09/2001 بقوله: "إن مسؤولين كبار في الحكومة الأمريكية أبلغوه في منتصف شهر يوليو بأن أمريكا ستتخذ إجراءات عسكرية ضد أفغانستان بحلول منتصف شهر أكتوبر وأنهم أبلغوه بالخطة أثناء انعقاد مؤتمر دول مجموعة الاتصال الخاصة بأفغانستان الذي عقد ببرلين تحت راية الأمم المتحدة، وأن الهدف الأوسع من تلك العملية سيكون إسقاط طالبان وتنصيب حكومة انتقالية من الأفغان المعتدلين، وأن واشنطن ستشن عملياتها من قواعد في طاجيكستان حيث يقيم عدد من المستشارين الأمريكيين، وأن أوزبكستان ستشارك في العمليات وروسيا أيضا، وذلك قبل سقوط الثلج في أفغانستان.
    كما أكد رئيس الاستخبارات الباكستاني السابق في حديث صحفي أن أمريكا تسعى من وراء ضرب أفغانستان إلى تحقيق هدفين أساسين:
    أ - ضرب ظهور حلف إسلامي يضم كل من باكستان وأفغانستان.
    ب - تفعيل الخطة البريطانية القديمة في المنطقة والقاضية باحتواء روسيا وعدم السماح لها بالوصول إلى المياه الدافئة، إضافة إلى احتواء شمال غرب الصين الطامعة إلى الحصول على ممر إلى المحيط الهندي عبر باكستان وأفغانستان، فضلا عن نفط بحر قزوين حيث أكبر احتياط للنفط في العالم.
    وعليه، فالغزوة أو أي هجوم آخر على المصالح الأمريكية كانت ضرورة ومنتظرة من طرف المجاهدين، لأنها تعبر عن جدية سياستهم وفاعليتهم، وتعكس بشكل عميق فهمهم لمعنى العداء والمواجهة وما يعني ذلك على الأرض، عكس العقلية الانتظارية التي تتسم بها السياسة العربية والإسلامية، بحيث تكتفي بمجرد الكلام وتنتظر مبادرة العدو لتنهمك في تحليلها ومعرفتها، أي أنها دائما في دائرة رد الفعل.
    إن تنظيم القاعدة سبق العدو بقيامه بغزوتي نيويورك وواشنطن، فأصبحت الآية معكوسة، أي العدو هو المنفعل بالحدث، وهو الذي يبحث عن تفسير له، وأنه أصبح أسيرا لردات الفعل، وأن المجاهدين هم المحركون والمتحكمون في سير المعركة، وهذا عنصر قوة لصالحهم.
    وهذا هو سر خشية أمريكا من تنظيم القاعدة، لأنه أدرك الطريقة المناسبة في مواجهتها وهزيمتها بإذن الله.
    ثالثا - دلالة الغزوة:
    إن غزوة 11 سبتمبر تعتبر تاريخا مفصليا في العلاقات الدولية، وتكتسي دلالات كبيرة وعظيمة، من ضمنها:
    1 - أن الدولة المستهدفة وهي أمريكا، الدولة العظمى التي لا يجرؤ أحد على منازعتها أو منافستها على الريادة، لأنها تملك أحدث الأسلحة في البحر من حاملات طائرات ومدمرات وغواصات، وفي الجو طائرات الشبح، وفي الفضاء الدرع الصاروخي...
    2 - أنها استهدفت في عقر دارها وفي واضحة النهار، وهذا يعتبرا تحديا قويا لها.
    3 - البعد الرمزي والسياسي للغزوة، لأنها تعرضت لمؤسسات حيوية تمثل الواجهة السياسية والعسكرية (البنتاغون) والاقتصادية (مركز التجارة العالمي)، وأيضا لما تحمله من ثقل كبير في ذاكرة ووجدان الشعب الأمريكي.
    4 - النتائج الاقتصادية الضخمة والخطيرة التي ترتبت عن تدمير من يحتضن مكاتب أكبر المؤسسات الدولية، لأنه كان من نتائجه موت كثير من العقول التي تصنع الحياة الاقتصادية، وضياع قدر من الوثائق والأموال، ناهيك عما لحق كثيرا من الشركات من خسائر فادحة، الذي أدى إلى إضعاف المنظومة الاقتصادية، وكذلك الاستنزاف السياسي والاقتصادي والعسكري والأمني الذي مازال العدو يعاني منه إلى يومنا هذا.
    5 - أنها جاءت خارج سياق مخططات العدو الأمريكي، لأن تقريرا لوزارة الخارجية جاء فيه قبل شهرين من الغزوة: "أن من شبه الأكيد أن الولايات المتحدة ستبقى حتى عام 2030 القوة العسكرية والاقتصادية الوحيدة في العالم"، وهذا هو سر التخبط السياسي الذي ما زالت تعانيه لحد الآن.
    6 - ضربت مصداقية وفعالية الأجهزة الأمنية والاستخباراتية ذات الصيت الأسطوري في الخيال الداخلي والعالمي، حيث ظهر ضعفهم وعجزهم أمام المجاهدين، كما أثبتت خطأ حساباتها، لأن العقول القابعة خلف أجهزة التكييف والحواسب الإلكترونية لا يمكن أن تحسب شيئا.
    7 - أن مجموعة محدودة من الأفراد (19 استشهاديا) تمكنت بعملية استشهادية غير مسبوقة من حيث الحجم وطريقة تنفيذها من إنتاج تداعيات بالغة الخطورة على المستوى العالمي، وهذه رسالة واضحة إلى الأمة الإسلامية بخصوص كيفية مقاومة العدو الأمريكي وهزيمته.
    8 - إن القلة تستطيع أن تنتصر على الكثرة والقوة، وأن تحيل حياتها إلى جحيم لو توفر لها التنظيم والشجاعة والتصميم والفدائية، وهذه المواصفات موجودة في التنظيمات الجهادية وصدق ربنا إذ يقول: {قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ} (البقرة: 249).
    9 - إظهار الوجه الحقيقي لحضارة الوحش الأمريكي، وأيضا الوجه القبيح لأوليائه من الغربيين ومن بني جلدتنا، حيث تم إزالة اللبس على كثير من المسلمين الذي صدقوا مقولة العلمانيين بخرافة العداء الغربي للإسلام، وأصبحوا يعرفون طبيعة المعتقدات والقيم والمبادئ التي يعادون من أجلها، أي حقيقة الصراع وجوهره، أي أن المعركة صليبية وهو ما صرح به بوش في حديقة البيت الأبيض عقب عودته من مناقشات عقدها مع مستشاريه المقربين في كامب ديفيد يوم 16/09/2001، حيث أعلن الحرب على الإرهاب متوعدا: "بشن ما سماه حملة صليبية طويلة الأمد لتخليص العالم ممن وصفهم بفاعلي الشر"، ثم تبعه رئيس الوزراء الإيطالي "سيليفيو بيرلوسكوني" عندما صرح بقوله: "سمو الحضارة الغربية على غيرها من الحضارات لأن الغرب يضمن حقوق الإنسان وحرية الأديان، وهو ما لا وجود له في العالم الإسلامي"، وكذلك الوزير الفرنسي فيدرين الذي يقول باستمرار: ومسؤولية فرنسا منذ الحروب الصليبية، ونحن نشهد اليوم الطائرات فوق أفغانستان والبابا يبشر ويحتفل في كازخستان، هكذا الإنجيل بيد والقنبلة النووية بالأخرى.
    10 - كشفت الضعف والرعونة والتردد والتخبط الذي تتسم به الإدارة الأمريكية بزعامة بوش الأحمق، وهذا ما عكسته التصريحات المتناقضة بشأن عنوان المعركة (الحرب الصليبية، النسر النبيل، العدالة المطلقة، الحرية الدائمة...)، وأيضا الحركة الضخمة للآلة العسكرية لإثبات الوجود والقوة - المشكوك فيهما - حتى لا يظن أحد أن القوة العسكرية الأمريكية في حالة ضعف واسترخاء.
    11 - فضحت الدعوات البرغماتية الزائفة الداعية إلى التسليم بالواقع مهما بلغت درجة تناقضه مع الحق، أي التسليم لإرادة الأقوى عالميا.
    12 - أحدثت انقلابا في الفكر الإستراتيجي الذي كان يرتكز على صراع التوازنات الاقتصادية والعسكرية والسياسية، وتحرير الاقتصاد...، وفي طبيعة المعارك المستقبلية بحيث شكلت صدمة كبيرة لمؤسسة البنتاغون التي كانت تعتمد في سيناريوهاتها الجاهزة على المعركة التقليدية (الحرب العالمية الثانية، الحرب الباردة...)، ولم يخطر ببالها التغير الذي قد يحصل في طبيعة الموجهات المسلحة/غزوة 11 سبتمبر، ولقد عرفها تقرير لهيئة الأركان الأمريكية بقيادة هنري شيلتون كالتالي: "وهي محاولة طرف يعادي أمريكا أن يلتف حول قوتها ويستغل نقطة ضعفها معتمدا في ذلك وسائل تختلف بطريقة كاملة من نوع العمليات التي يمكن توقعها، وعدم التوازي يعني أن يستعمل العدو طاقة الحرب النفسية وما يصاحبها من شحنات الصدمة والعجز لكي ينتزع في يده زمام المبادرة وحرية الحركة والإدارة.
    13 - أظهرت للعالم بأسره بأن الصراع الدائر حاليا بين الشرعية الإسلامية العادلة والشرعية الدولية الظالمة، وبين السيادة الأمريكية وسيادة التنظيمات الجهادية بزعامة حركة الطالبان وتنظيم القاعدة، التي تعتبر منظمة أممية تتوزع عبر العالم، وتتمتع بقدرة كبيرة على اختراق مؤسسات الدول الأكثر حساسية، وضرب أهدافها بدقة متناهية…
    14 - أن الحركات الجهادية تمتلك مفاتيح التفوق في مجال الفكر الإستراتيجي، والذي يعتبر العامل الأكثر فاعلية في مجال إدارة الحرب.
    15 - أن العالم الإسلامي الذي وجد نفسه في دائرة الاستهداف الأمريكي (الحصار والاتهام...) ستجعله يبحث عن هويته وأهدافه وقد يتوحد بسبب ذلك.
    16 - أن للقوة سقفا وللضعف قوة.
    17 - القناعة المطلقة بأن كل شيء ممكن، وأن هذه الأمة فيها ما يكفي من الشجاعة وروح التضحية والذكاء والقدرة لتواصل جهادها ضد العدو الأمريكي والصهيوني.
    18 - أن العمليات الجهادية والاستشهادية هي سلاحنا الاستراتيجي في مواجهة العدو، وأن الشهادة هي عنوان كل برامجنا العقدية والفكرية والسياسية والاقتصادية والعسكرية...

    رابعا - الثورة السياسية والإستراتيجية:
    إن غزوتي نيويورك وواشنطن، وما نتج عنها من صراع واضح المعالم بين قطبين رئيسيين في الساحة السياسية الدولية؛ القطب الإسلامي بزعامة الإمام بن لادن وأمير المؤمنين الملا عمر- حفظهما الله ونصرهما بإذنه - والقطب الصليبي الصهيوني بزعامة أمريكا، أحدثت ثورة جذرية في الفكر السياسي الإستراتيجي سواء على مستوى المفاهيم السياسية التقليدية المتداولة أو جوهر الصراع وأدواته...، التي كانت معتمدة من طرف المحللين الغربيين وأذنابهم في المنطقة.
    إن المشهد السياسي العالمي كان يرتكز في الماضي - أي قبل غزوة 11 سبتمبر - على الديمقراطية المزيفة بمقتضى القانون الدولي والدساتير الوضعية على المستوى المحلي، والتي تكرس بالفعل علاقات القوى السائدة والمهيمنة، حيث نجد المشاركون في "اللعبة الديمقراطية" مجرد أثاث وزينة وديكور لا تأثير لهم في القرار السياسي الإستراتيجي، وسياسة أمريكا الصهيونية في مجلس الأمن والأمم المتحدة... خير مثال، بل الأمم المتحدة تعتبر الذراع التنفيذي لسياستها، وكذلك سياسة الأنظمة العميلة المستبدة اتجاه الشعوب والنخب السياسية والثقافية خير مثال.
    هذا الوضع السياسي المتردي يعبر بشكل واضح وصريح عن التدهور السياسي الخطير الذي تعيشه النخب السياسية، والفشل السياسي الذريع الذي منيت به من جراء تسبيحها بالديمقراطية، وأيضا العقم السياسي الذي أصابها بسبب اعتمادها على مفاهيم سياسية مجردة ليس لها أي رصيد في الواقع كخرافة المجتمع المدني والمشاركة السياسية والتنمية السياسية... التي تحافظ على الأوضاع السياسية القائمة، بل هي في حقيقتها وكما أرادها أصحابها ليست سوى مخدر للبعض ومسكن للآخر.
    وعليه، فإن الغزوة المباركة تعتبر حركة سياسية تجديدية استطاعت أن تخرج العمل السياسي التقليدي المتخلف والفاشل من عنق الزجاجة، أي من المأزق السياسي والإستراتيجي الذي يعانيه، وتؤسس في نفس الوقت لمفاهيم سياسية جديدة تتناسب مع العولمة/الأمركة وقادرة بإذن الله تعالى على مواجهة أخطبوط الهيمنة الأمريكية.
    كما لا يسع كل مفكر سياسي موضوعي إلا أن يسجل حقيقة سياسية تاريخية مفادها أن تنظيم القاعدة بزعامة الإمام بن لادن - حفظه الله ونصره - أخرج عالم المستضعفين والمظلومين من حالة العجز والركود والاضطراب والتناقض الذي لحق بهم بسبب الكائنات السياسية المتخلفة التي ترهلت واضمحلت وماتت لكن تأخر دفنها، وأسس في المقابل لخط سياسي جديد ومفاهيم سياسية جديدة وفاعلة تساهم في صنع القرار السياسي العالمي (المشاركة السياسية، الواقعية السياسية، المبادرة السياسية، التنمية السياسية...)، وأيضا للآليات جديدة يمكن توضيحها وبلورتها مستقبلا كالحرب العصابات السياسية والثقافية...

    خامسا - المشاركة السياسية:
    إن الهدف من المشاركة السياسية بشكل عام هو تغيير مفردات القرار السياسي من خلال تنظيم المجتمع لتوسيع درجة المشاركة، مما يستوجب الانخراط الفعلي في الواقع السياسي ومعايشة ألام الناس ومشاكلهم والتفاعل معهم عمليا على الأرض، أي عدم الاكتفاء بالعويل السياسي والصراخ ودغدغة عواطف الناس كما يفعل الرسميون (البرلمان، الحكومة، الأحزاب...).
    كما تتخذ المشاركة السياسية أشكالا كثيرة ومختلفة بدءا من أدناها وهي توفير الحاجات الرئيسية للناس (طعام، شغل، علاج...) ووصولا إلى أرقاها وهي إقامة حكم الله و معاقبة الظالم، وكذلك تتأثر بالتوصيف السياسي للواقع، أي بمعنى المشاركة السياسية في ظل نظام سياسي عميل تختلف عن المشاركة في ظل نظام سياسي إسلامي.
    لذا، وفي ظل العولمة/الأمركة، حيث يوجد إجماع حول خضوع كل البلدان العربية والإسلامية لهيمنة أمريكا الصهيونية، أي أنها مازالت مستعمرة، فإن المشاركة السياسية في هذه الحالة تهدف إلى تحرير البلدان العربية والإسلامية وعلى رأسها فلسطين، وهذا يقتضي بلورة فريق التغيير، أي بمعنى إيجاد قوة سياسية تحريرية /طليعة تغييرية تنزل إلى الأرض (ولا تكتفي بالكلام) وتبدأ في تنظيم الناس ليشارك الجميع في جهاد المستعمر أو من ينوب عنه وتحرير البلد.
    وهذا ما ينطبق على الغزوة المباركة التي قام بها تنظيم القاعدة، وأيضا دعوة الإمام بن لادن للأمة من أجل المشاركة.
    وعليه، فإن تنظيم القاعدة - وكل الحركات الجهادية - حركة عقائدية فكرية تربوية سياسية عسكرية، أي صاحبة مشروع حضاري، تساهم في تحرير الفكر السياسي العالمي، والواقع السياسي الراهن من قيود الهيمنة الأمريكية المرتكزة على مشروع العولمة، والتأسيس لمشروعها السياسي من خلال إستراتيجية الجهاد، أي على الخيار العسكري الذي يترجمه شعار: "بالعمليات الجهادية والاستشهادية نقيم ديننا ونحافظ عليه، وننال حريتنا وكرامتنا وعزتنا"، طبعا هذا لا يلغي واجب الدعوة والتربية وإغاثة الملهوف ومواساة المنكوبين والمحرومين..
    فهي لم ترضى بموقع الديكور الذي تتسم به الديمقراطية العالمية المزيفة، وسياسة أمريكا الإجرامية خير دليل...، لذا فعملها السياسي الجاد يعتبر صادما للعقل السياسي والثقافي السائد، الذي يخشى لغة تفكيك مشاريعه الوهمية الفاشلة، والتي ترتكز على المطالبة بلاهوت اللبرالية الجديدة/الديمقراطية.
    إن أمريكا زعيمة العالم الحر، ورمز الديمقراطية اللبرالية التي ما زال بعض المجانين يقدسونها، لم تستطيع تطبيقها في معركتها مع حركة طالبان وتنظيم القاعدة، بحيث كانت تخشى من رجل واحد كان يتكلم باسم الطالبان وهو المجاهد عبد السلام ضعيف - فك الله أسره ونصره بإذنه تعالى-، رغم ترسانتها الإعلامية الهائلة، وهيمنتها على معظم - إن لم نقل الكل - وسائل الإعلام، وكذلك بالنسبة لموقع القاعدة على الانترنيت...
    إن تنظيم القاعدة يعتبر مشارك سياسيا فعالا في المشهد السياسي العالمي، وغزوتي نيويورك وواشنطن تدخل في هذا الإطار، لأنها تهدف إلى تغيير سياسة أمريكا، وخصائص شعبها باللغة التي تفهمها، أي بالعملية الجراحية/الغزوة.
    وهذه السياسية/العملية الجراحية طبقها العدو مع اليابان وألمانيا، ويطبقها حاليا مع الشعوب العربية والإسلامية، ونجح إلى حد ما في ذلك.
    وكذلك نجحت معه بسبب الغزوة المباركة، حيث اتخذت مجموعة من القرارات السياسية والعسكرية والأمنية المخالفة لما كان مسطرا في الماضي، إضافة إلى الروح المعنوية الهابطة التي أصبح يتمتع بها الشعب، وأيضا نفس الأمر وقع لآل صهيون بسبب العمليات الاستشهادية.
    فمفهوم المشاركة السياسية بشكل عام يعني تلك الأنشطة الإرادية التي تقوم بها في صنع السياسة العامة، أي أنها نشاط اختياري يهدف إلى التأثير في اختيارات السياسة العامة، وهذا ما جاء في الموسوعة الدولية للعلوم الاجتماعية: "أنها تلك الأنشطة الإرادية التي يقوم بها أفراد مجتمع معين بغية اختيار حكامهم والمساهمة في صنع السياسة سواء بشكل مباشر أو غير مباشر".
    وعليه، فالجهاد بأنواعه وأشكاله المختلفة يعتبر الصيغة الصحيحة والمثلى للمشاركة السياسية في ظل العولمة/الأمركة، لأن المشاركة السياسية الحقيقية فعل مادي وسلوك ملموس، وليس مجرد اتجاهات ومشاعر، وأن ضرب الاقتصاد يؤثر في السياسية، وهذا ما حصل بالنسبة للاتحاد السوفيتي سابقا ولمرتزقة العرب، ونفس القانون ينطبق على عدونا الأمريكي.

    سادسا - الواقعية السياسية:
    لقد جسد تنظيم القاعدة من خلال غزوة 11 سبتمبر حقيقة وعلى أرض الواقع مفهوم "الواقعية السياسية"، بل وساهم بشكل فعال في تجديده عكس هؤلاء الغوغائيين الذين يمارسون الدجل السياسي الذي يكرس الأوهام.
    إن الواقعية السياسية وكما يعرف الجميع تعني استيعاب الواقع دون تهويل ولا تهوين، ومعرفة الإمكانيات، واعتماد وسائل واقعية، إضافة إلى التمسك بالأهداف وعدم التنازل عنها أو تغييرها بحجة ضعف الموارد أو الإمكانيات، بل السعي الحثيث والجاد في حسن توظيفها مهما كانت ضعيفة ومتواضعة...
    وهذا ما قام به مجاهدو القاعدة، حيث تمسكوا بهدفهم المعلن وهو ضرب مؤسسات العدو الأمريكي معتمدين بذلك على أدوات واقعية موجودة مثل الطائرات، ولقد أشار الله سبحانه وتعالى إلى هذا في قوله: {وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ} (التوبة: 46)، أي أن شروط المواجهة السياسية والعسكرية أو ما يمكن الاصطلاح عليه ب"معادلة الخروج" تقتضي توفر شرطين أساسين وهما: الإرادة (لا إرادة بدون عقيدة) والعدة (المعنوية/الإيمانية والمادية).

    سابعا - تحرير فلسطين:
    حاولت مدرسة "الدجل السياسي" التشكيك في توقيت الغزوة المباركة، وأيضا في جدوائيتها السياسية متهمة الإمام بن لادن- حفظه الله ونصره - بالتهور والإضرار بالقضية الفلسطينية..
    هذا الموقف الاستسلامي يعبر بوضوح عن الفقر المعرفي الذي تتسم به هذه الفئة، سواء على المستوى الإستراتيجي أو السياسي، وهذا راجع بالأساس إلى ما يمكن الاصطلاح عليه ب"اللاشعور السياسي" الذي مازال متحكما في سلوكها وعلاقتها ومواقفها، حيث يستحوذ على عقلها السياسي جمود فكري متعدد الوجوه تضبطه أفكار محسوبة يدور في فلكها، ومحكومة بثابت سياسي واحد وهو المحافظة على النظام، مما جعلها تتسم بالشلل في الإرادة، والتبلد في الحس السياسي والاجتماعي، والاستقالة من الحياة السياسية.
    إن هذه المدرسة - رغم عوليها الذي لا تخجل منه - لم تقدم لحد الآن مشروعا متكاملا ولا حتى تصور أولي عن منهج وآليات تحرير فلسطين، بل ما زالت تراوح مكانها مكتفية بالشعارات الفضفاضة الفارغة، أي لم تستطيع الانتقال من مرحلة الشعارات إلى مرحلة التفكير الجدي في وضع الإستراتيجية وأسس برنامج تحرير فلسطين.
    أما الغزوة المباركة فتخدم جيدا القضية الفلسطينية، وتعبر عن جدية مجاهدي القاعدة، حيث لم يكتفوا بالانتظار والتفرج الذي تتقنه مدرسة الدجل، وأن الفرق بينهم يمكن توضيحه بالمثال التالي:
    هب أن رجلا تعرض لحادثة سير مؤلمة فبدأ ينزف دما، فتجمع حوله الناس يرددون بصوت عالي: "إن الرجل يموت" دون أخذ المبادرة في التحرك لإسعافه، فهل ينقد هذا السلوك الرجل من الموت؟ وهذا هو السلوك السياسي لمدرسة الدجل مع القضية الفلسطينية، بحيث وفي أفضل الأحوال تكتفي بالصراخ في الشوارع أو في شاشات التلفاز وتندد - كما تقول - بالإجرام الصهيوني وتترك الفلسطينيين يموتون.
    أما في المقابل، لو مر رجل بجانبه فتألم لحاله وبدأ يتحرك لإنقاذه بما يملك، فهل سيغير هذا السلوك من حالة الرجل المهدد بالموت؟ وهذا هو حال الإمام بن لادن وجنده.
    وعليه، فإن الغزوة المباركة تخدم القضية الفلسطينية من عدة جوانب:
    - أنها أعادت القضية الفلسطينية إلى عمقها الإسلامي، بحيث تم الربط بين الغزوة وما يجري في فلسطين، وهذا ما دفع بوش إلى طرح مسألة الدولة الفلسطينية، طبعا لا ننفي دور العمليات الجهادية والاستشهادية داخل فلسطين.
    - استدرجت أمريكا إلى أفغانستان والفلبين...، مما جعلها تفتح جبهات جديدة التي ستخفف الضغط على إخواننا الفلسطينيين ويعرضها للاستنزاف، وهذا يضر بالمصلحة الصهيونية على المستوى الإستراتيجي.
    - دفعت المجاهدين من البلاد العربية والإسلامية إلى ضرب المصالح الأمريكية والصهيونية في كل مكان، وهذا يضر بالمصالح الأمريكية، والذي قد يدفعها إلى مراجعة حساباتها.
    - كشفت بشكل مفضوح الحماة الحقيقيين للكيان الصهيوني.
    - كلما طالت الحرب في أفغانستان كلما طالت حالة الطوارئ داخل أمريكا، وهذا يشكل ضغط كبير على أمريكا لعلها تتراجع.
    أما الكلام السخيف الذي يذاع في القنوات الفضائية من كون الأفغان العرب أو التيار الجهادي بشكل عام يجب أن يجاهدوا الصهاينة في فلسطين فيعبر عن سذاجة سياسية أو عمالة للعدو، وهذا راجع للأسباب التالية:
    - أنهم يفتقرون إلى فكر سياسي استراتيجي، حيث لا يدركون أبعاد الصراع في فلسطين والأطراف المشاركة فيه.
    - أنهم الحماة الحقيقيون للكيان الصهيوني، ويضرون بالقضية الفلسطينية، وأيضا المانعين لإخواننا المجاهدين من القيام بعمليات جهادية ضد العدو، ويعتبر غسان بن جدوا الرافضي الصهيوني الأمريكي (لأن برامجه ومداخلته تصب في مصلحة الثلاثة، دفاعه التعسفي والمفضوح في نشرات الأخبار عن سياسة ومواقف إيران، وتنديده بالعمليات الإستشهادية بالنسبة للصهاينة، وكذلك بالغزوة المباركة بالنسبة للأمريكيين) خير مثال في برنامجه الشهري "حوار مفتوح" التي تم إذاعته في قناة الجزيرة يوم السبت 31/08/2002، حيث مهد في مقدمة البرنامج بمواقف خبيثة ليست لها أي علاقة بالعمل الصحفي يخجل حتى الأمريكي من تبنيها لتكون إطارا ضابطا/إرهابا للمتحاورين، إضافة إلى ممارسته للإرهاب وبشكل هستيري على متدخل وصف ما يقع في أفغانستان بالمقاومة ضد المحتل الأمريكي وأن ذلك يخفف من الضغط على الفلسطينيين وكأنه الناطق الرسمي لبوش، فضلا عن دفاعه عن الأنظمة العميلة المستبدة ردا على عصام العريان بخصوص أزمة الحرية.
    ويمكن الوصول إلى هذه الحقيقة من خلال التساؤلات التالية:
    - من يحمي آل صهيون؟ أمريكا، ومن يحمي أمريكا؟ الأنظمة العميلة، ومن يحمي الأنظمة العميلة؟ مدرسة الدجل.
    - من يمنع المجاهدين من التسلل إلى فلسطين؟ الأنظمة العميلة، ومن يدافع عن الأنظمة العميلة؟ مدرسة الدجل.
    - من يمنع الناس من التعاون مع المجاهدين؟ تنديدات مدرسة الدجل لنهجهم وسياستهم ضد الأنظمة العميلة.
    وبالمناسبة نرفع التحدي ونقول لمدرسة الدجل:هل تستطيعين تقديم الدعم اللوجستي للمجاهدين من مال ومأوى... ليقوم المجاهدون بالتسلل إلى فلسطين؟ أم كعادتك لا يمكن لك الخروج عن سياسة الأنظمة.
    إذن من يحمي حقيقة آل صهيون؟ ومن يخدم حقيقة قضية فلسطين؟

    ثامنا - بداية النهوض للمستضعفين:
    بسبب غزوة 11 سبتمبر، تم بفضل الله سبحانه وتعالى إسقاط أسطورة الدولة العظمى، والقارة الحصينة الآمنة التي يحميها محيطان عظيمان هما الأطلنطي والهادي.
    إن قوة الغزوة وخطورتها على العدو الأمريكي لا تكمن فقط فيما أحدثه من خسائر بشرية ومادية، وإنما في الرسالة السياسية التي تركتها في نفوس المستضعفين الأحرار الذين يتوقون إلى الحرية والكرامة والعزة، وأيضا في التخبط والارتباك الذي أحدثته في سياسته والتي ما زال يعاني من تداعياتها إلى يومنا هذا لأنه لم يكن يتوقعها، بل كانت أكبر من خياله، بحيث دهمت هبل العصر/أمريكا من حيث لم يحتسب أو يقدر، لأنه كان منصبا على تحقيق الأمن المطلق لمواطنيه من خلال بناء درع صاروخي يواجه به أي هجوم محتمل من ما يطلق عليه ب"الدول المارقة"، وإذا الضربة تأتيه في عقر داره ومن أناس لم يعتقد العدو أنهم بذلك الفكر و تلك الإرادة وأيضا القدرة.
    إنهم أحرار العالم وممثلي المستضعفين في هذه الأرض وعشاق الحرية الحقيقيين أبناء الإمام بن لادن حفظه الله، وهو ما لم تحلم به مخابراته الغبية أو كان يدور بخلدها، بل ما لم يعرفه المواطن الأمريكي منذ الحرب الأهلية في أواسط القرن 19.
    إن الغزوة المباركة تشكل منعطفا سياسيا رئيسيا في تاريخنا المعاصر، لأنها وضعت قوة أمريكا في الميزان، وأن هذه الأخيرة لن تعود كما كانت في السابق مهما حاولت، وهذا ما ذهب إليه المؤرخ الأمريكي المعروف"بول كندي" حيث اعتبر أن البداية الحقيقية للقرن 21 تم تدشينها بالضربات القاتلة، ومن تم فهذه الهجمات هي حدث فارق في التاريخ الإنساني، ولذلك مهما حاولت أمريكا استعادة توازنها وتأكيد هيمنتها فلن تعود كما كانت قبل انهيار رموزها، أي البنتاغون ومركز التجارة العالمي.
    وعليه، فلقد أعادت غزوتي نيويورك وواشنطن أمريكا إلى حجمها الحقيقي، حيث يجري عليها من السنن ما يجري على غيرها، أي من الضعف والقوة، ومن عوادي الزمان، لأنها كانت متألهة حتى ظن عبيد أمريكا بأنها لا يعجزها شيء مصداقا لقوله تعالى: {إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَاراً فَجَعَلْنَاهَا حَصِيداً كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآياتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} (يونس: 24)، بل ودخلت في أطوار بداية الهبوط والانحطاط، وحركة عوامل الضعف ظاهرة للعيان في سلوكها السياسي الهستيري، وأن الانحطاط كما يعلم أهل السياسة والتاريخ في العادة يكون غير محسوس، وأن نتائجه تحتاج إلى وقت، وأنها إن شاء الله مؤشر قوي عل بداية نهوض المستضعفين الذين قال فيهم الله عز وجل في كتابه الحكيم: {وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ} (القصص: 5).
    وعليه، يجب علينا أن نساهم في مراكمة الوعي حول الطغيان الأمريكي الصهيوني والسياسات التي يتبناها من أجل استمرار ظلمه وطغيانه/استعباد الناس إلى أن يشمل أغلب الناس ليؤدي في نهاية المطاف إلى تغيير موازين القوى وقلبها من خلال عمليات ملموسة على الأرض.
    ويمكن ملامسة تجليات هذا الوعي في حديث الناس، و المسيرات الشعبية المنددة بالإرهاب الأمريكي والصهيوني، وأيضا المظاهرات التي تناهض العولمة/الأمركة، والعمليات التي تستهدف رموزه...، حيث إجماع كل المستضعفين والمظلومين والمحرومين على محاربة الطغيان الأمريكي والصهيوني.
    إن المستضعفين في هذه الأرض متذمرون من سياسة الهيمنة الأمريكية الصهيونية التي تريد استعباد الناس، واستياءهم سائر في الارتفاع، وأن الوحي والتاريخ والواقع/الغزوة المباركة يبشرنا بحتمية نهوض المستضعفين ومواجهتهم المباشرة لهذا الطغيان، لأن مسألة الخوف الذي ترتكز عليه في تماديها للظلم والطغيان تتقلص مع الزمن وذلك تبعا لحدة التذمر، وأنه كلما طال الاستعباد زاد التذمر والاستياء والرغبة في الخلاص، وكلما زاد التذمر ارتفعت رغبة الإنسان في التحدي وتغيير الواقع.
    وبالمناسبة نبشر إخواننا المجاهدين في فلسطين والشيشان وأفغانستان وكشمير والفلبين...، وكذلك عقلاء العالم بحتمية زوال الطغيان الأمريكي، وأن تنصيب بوش على أمريكا وابنه البار شارون على آل صهيون فيه خير كثير للأمة وصدق ربنا إذ يقول: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ} (البقرة: 216).

    تاسعا - الخاتمة:
    هل حققت أمريكا أهدافها المعلنة؟ أي هل قضت على تنظيم القاعدة وحركة الطالبان؟ وهل تمكنت من إلقاء القبض على الإمام بن لادن وأمير المؤمنين الملا عمر-حفظهما الله-؟ وهل توصلت إلى أماكنهما؟ أم ما زالت تتخبط؟ وهل حققت الأمن والسلم للشعب الأفغاني؟ ومن يحكم الآن في أفغانستان؟ طالبان أم كرزاي؟ أم أنها غيرت وجهتها وأهدافها؟ وهل الاعتداء على المدنيين في أفغانستان، والتعامل الوحشي مع معتقلي غوانتانامو، والانقلاب على حلفائها، بدءا بالعميل عرفات ومرورا بالعميل السعودي ووصولا إلى العميل المصري يدخل في التخبط السياسي الذي تعانيه وتنفيسا سياسيا على هزيمتها النكراء في أفغانستان والفلبين وفلسطين...؟ وهل تغيير العميل المصري بالعميل السوداني يدخل في هذا الإطار؟ أم أن العملاء السابقين استنفدوا أغراضهم؟، وهل التلويح بالحرب على العراق ناجم عن الهروب من كشف الحساب للشعب الأمريكي الغبي؟ أي سياسة الهروب إلى الأمام؟ أم تدخل في الحسابات الإستراتيجية؟.
    إن أمريكا خسرت معركتها في أفغانستان، ولم تحقق أي شيء يذكر سوى قتل المدنيين الأبرياء، وأن الحاكم الحقيقي في أفغانستان هو حركة طالبان وتنظيم القاعدة، ويكفي دليل واحد على هذه الحقيقة وهو أن رأس الدولة المصطنعة يتم حراسته وحمايته من طرف الأمريكيين، بحيث ليست لـه أدنى ثقة في الشعب المجاهد - ولا حتى في المرتزقة - لأنه يعرفه جيدا ويعرف انتقامه من الخونة، ولقد مورس ذلك على نائبه، إنها مهزلة سياسية تاريخية لأمريكا ولكرزاي وللتحالف الدولي...
    إن الطالبان وتنظيم القاعدة وكافة الحركات الجهادية أصبحت أكثر خطرا من ذي قبل، لأنها تملك وعيا سياسيا استراتيجيا، يرتكز على تعاليم الإسلام السمحة، والوعي الدقيق بخطط العدو وتكتيكه، وأيضا تاريخ صراع أمتنا، والجدية في الإعداد والمواجهة...، عكس الدول العربية العميلة، حيث وكما يعلم الجميع دخلت في الحرب العالمية الأولى مع بريطانيا، وقاتلوا الخلافة العثمانية فكافأتهم بريطانيا بالاستعمار وإعطاء فلسطين للصهاينة، وتحويل الثروات للغرب، وقهر الشعوب الإسلامية، وكذلك التحالف مع أمريكا ضد العراق، حيث تم مكافأتهم بمؤتمر مدريد واتفاق أسلو...، وأيضا تحالفهم مع أمريكا وآل صهيون ضد المجاهدين في كل من فلسطين وأفغانستان، فتم مكافأتهم بما يعيشه الآن كل من العميل عرفات والعميل المصري والسعودي...
    هل آن الأوان للاستفادة من التاريخ أم على قلوب أقفالها؟.¨

    وقفات تربوية
    مع غزوة نيويورك وواشنطن

    أبو سعد العاملي

    الحمد لله رب العالمين القائل {وَلا تَحْسِبَنَّ الَّذيِنَ كَفَرُوا سَبَقُوا إِنَّهُمْ لا يُعْجِزُون}، وأشهد أن لا إله إلا الله الفرد الصمد، الجبار المتكبر، الفعال لما يريد، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله القائل: "إن الله زوى لي الأرض فرأيت مشرقها ومغربها، وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زوي لي منها" [مسلم]، والقائل: "ليبلغن هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار ولا يترك الله بيت مدر ولا وبر إلا أدخله هذا الدين، بعز عزيز أو ذل ذليل، عزاً يعز به الله الاسلام وذلاً يذل به الكفار" [رواه أحمد والطبراني]، وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وبعد
    فإنه مما لا شك فيه أن الأيام دول بين الحق وأنصاره من جهة وبين الباطل وأعوانه من جهة أخرى، وبأن الباطل مهما علت رايته ومهما شع نجمه، فإنه لابد إلى زوال على أيدي معاول أصحاب الحق {وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً}[الإسراء]، {بل َنَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِق}[الأنبياء 18].
    ومن سنن الله تعالى في هذا الكون أن يسلط أعداءه - في بعض الأحيان- على أصحاب الحق تسليطاً قدرياً، وذلك بسبب تخلف أسباب القوة والتمكين لدى هؤلاء وبعدهم عن المنهج الحق، وامتلاك هذه الأسباب المادية القدرية من قبل أعدائهم، فيتحقق لهم النصر والتمكين على أصحاب الحق.
    ولكن في نفس الوقت، لا يمكننا القول أن هذه الفترات شر كلها بل قد يكون فيها الخير الكثير لأصحاب الحق، باعتبار أنها تجعلهم يتعرفون على حقيقة الباطل ويذوقون من بطشه وذله، وهذا بدوره يدفعهم إلى البحث عن تجاوز مرحلة الهزيمة والرجوع إلى وضعهم الطبيعي والشرعي {وَلَنْ يَجْعَلَ اللهُ لِلْكاَفِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً}[النساء].
    لقد مرت الأمة الإسلامية بفترات حالكة، تميزت ببعدها عن منهج ربها وتمكُّنِ الأعداء منها، ولكن سرعان ما كانت تتدارك الأمر فتعود الأوضاع إلى سابق عهدها {خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِالله}[آل عمران]. فكانت الحلقة الأخيرة من سلسلة الكبوات تلك التي تعيشها الأمة منذ إسقاط الخلافة العثمانية في الربع الأول من القرن الماضي، والتي تميزت بالسيطرة المطلقة لقوى الكفر والردة على مناصب الحكم، بعدما قسّموا الأمة الإسلامية إلى أجزاء متناثرة، ووضعوا الحدود والسدود لعزل الشعوب ومنعها من العودة إلى دينها لتغيير الأوضاع. ولكن رغم كل هذا خرجت جماعات الحق من تحت ركام الذل والصغار، جماعات متناثرة هنا وهناك، قدمت الغالي والنفيس وسبحت ضد التيار وخالفت كل الأعراف والقوانين الوضعية، فأحيت فريضة الجهاد في النفوس، وأعادت الأمل للشعوب بإمكانية الرجوع إلى موقع الريادة وإزالة هذا الركام من التبعية والذل والهوان. فتحقق لها ما عملت لـه وما أراد الله لها أن يكون، وفق قضائه وقدره، وتبعا لحكمته، وبالقدر الذي يكون فيه المصلحة لدينه ومنهجه.
    وقد كان تنظيم القاعدة رأس الحربة في قافلة التغيير هذه، والضمير الحي لهذه الأمة وقلبها النابض في مقاومة هذه السلبيات ومحاولة النهوض بالأمة للعودة إلى دورها ومكانتها الريادية.
    إن تنظيم "قاعدة الجهاد" يمثل مَصبا للتجارب الجهادية التي عرفتها العقود الأخيرة، سواء في داخل بلداننا أو داخل أفغانستان والبوسنة ثم الشيشان، حيث التقت هناك جماعات الطائفة المنصورة من كل لون وجهة، أتوا من كل فج عميق، لنصرة المسلمين على هذه الأراضي أولاً {وَإِنْ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمْ النَّصْرُ إِلاَّ عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاق}[الأنفال]، وأداء فريضة الجهاد ثانياً {انْفِرُوا خِفَافاً وَثِقَالاً وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِ اللهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ}[التوبة]، وتطبيقاً لواجب الإعداد ثالثاً {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْل}[الأنفال].
    فهذا التنظيم عصارة نادرة وثمينة ترعرعت على يد الله وتحت عينه، كأن الله تعالى كان يُعدِّها لهذه الأيام التي لها ما بعدها {وَلِـتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي وَلَقَدْ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى}[طه]، فموسى عليه السلام ترعرع في كنف فرعون الذي كانت نهايته على يد موسى بقدر من الله وإرادته بعد بضع سنين، فنبي الله موسى لم يتربَّ على يد فرعون بل على يد الله عز وجل وتحت عينه ولكن داخل قصر فرعون {وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي}[طه]، حيث سخَّر الله تعالى فرعون وما يملك كأداة ووسائل قدرية ساعدت على تنشئة موسى بدنياً وعقلياً وحتى علمياً، وهي كفاءات يحتاج إليها كل قائد فضلاً عن نبي مرتقب. أما الشطر الأهم الذي يتعلق بالجانب الروحي والإيماني فقد تلقاه موسى خارج القصر وبعيداً عن التلوث الفرعوني وفساده النموذجي {إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلاَ فِي الأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينْ}[القصص]، وكذلك صنعت وريثته أمريكا وهاماناته وجنودهما في هذا العصر، فما تركوا فساداً إلا ونشروه في الأرض، وما تركوا صلاحاً إلا وحاربوه وحاولوا إزالته.
    تلقى موسى هذه التربية الإيمانية تحت عين الله وبصره، في أجواء نقية صافية من كل الشوائب {اِخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِي الْمُقَدَّسِ طُوَى وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى}[طه].
    وها نحن نرى هذه الآية تتكرر اليوم حيث كان مجاهدو القاعدة قد تربوا وكسبوا الخبرات العسكرية والأمنية على مرأى ومسمع من القوات الصليبية والمرتدة خلال الجهاد الأفغاني ضد القوات الشيوعية، بل أحياناً كانت تأتيهم بعض المساعدات المادية واللوجستية من قبلهم، فكان هؤلاء الصليبيين والمرتدين كمن يحفر قبره أو يخرب بيته بيديه. فأرسل الله تعالى على فرعون العصر/ أمريكا وحلفائها، الآيات العظيمة وهي عبارة عن آلام عديدة ومتنوعة.
    ولا زالت هذه الآلام مستمرة وقائمة على جميع الأصعدة، وآخرها هذه الحرائق والفيضانات والأعاصير التي أرسلها الله تعالى وأشغل بها فرعون العصر/أمريكا، والقادم أعظم وأدهى وأمر.
    ما يمكننا تسجيله بمناسبة الضربة الجهادية العظيمة في قلب أمريكا وما اصطلح عليه إسلامياً بغزوة نيويورك وواشنطن (نيويورك مثَّلت غزواً ونصراً اقتصادياً عميقاً، وواشنطن مثَّلت غزواً ونصراً عسكرياً وسياسياً).
    قبل الغزوة المباركة كانت أمريكا تظن نفسها إلهاً ورباً أعلى وذلك بسبب خضوع الناس وطاعتهم لها، {أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى}[النازعات]، {مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي}[القصص]. فكانت تظن أنها ستبقى تتحكم في رقاب البلاد والعباد إلى ما لا نهاية، خاصة بعدما انهار النظام الشيوعي- سياسياً واقتصادياً - وخلت لها الساحة لتنشر دينها دون رقيب ولا حسيب، وبالرغم من تواجد بعض الحركات الاسلامية هنا وهناك ومباشرتها لبعض الأعمال في بعض البلدان، فقد كانت تحسبها أمريكا مجرد فقاعات صابون سرعان ما ستختفي بسبب غياب القيادة القادرة عل جمع هذه الفلول الشاردة، والدليل أنها لم تراع الاهتمام اللازم والكافي لجماعات الجهاد التي شاركت وساهمت في هدم النظام الشيوعي البائد، وكانت تنظر إليها على أنها مجموعة من المرتزقة جاءوا ليأخذوا نصيبهم من الغنائم في هذه الحرب الطاحنة ثم يخدمون مصالحها بالقضاء على النظام الشيوعي البائد، وسرعان ما سيسيحون في الأرض بحثاً عن مواقع جديدة يشفون فيها غليلهم، فانتقلوا - بالفعل - إلى أراضي جديدة مثل بلاد البلقان خاصة البوسنة والهرسك وكوسوفا ثم إلى الصومال وأخيراً إلى بلاد القوقاز خاصة داغستان والشيشان، التي تحولت إلى أفغانستان ثانية. ثم أخيراً وليس آخراً ها هي عصابات الجهاد تبدأ بمقارعة أنظمة الردة في بلداننا المحتلة.
    فلم يكن يخطر ببال هؤلاء الأمريكان وحلفائهم أن يأتي اليوم الذي تلتحم فيه هذه العصابات المقاتلة في شكل تجمع محكم التنظيم قادر على مواصلة مغامرة الجهاد فضلاً عن مواجهتهم وتهديد وجودهم كما هو حاصل اليوم.
    لاشك أن الدروس المستفادة من هذه الغزوة عديدة ومتنوعة، بحسب مواقف الناس منها، ولكن المجمع عليه أن هذه الغزوة، قد نجحت في التأثير على مجريات الأحداث على جميع الأصعدة، بدءاً بالجانب السياسي مروراً بالصعيد الإقتصادي والعسكري وانتهاءاً بالصعيد الاجتماعي، سواء داخل كيانات الأعداء أو على مستوى الأمة ذاتها، فقد كانت بداية الألفية الثالثة مطبوعة ببصمات جهادية وضربات مفاجئة ستكون بحول الله بداية النهاية لأعداء الله ونهاية الانتكاسات والذل والصغار لعباد الله وأوليائه المجاهدين.
    فالزلزال كبير والتصدعات عميقة والتشققات واسعة، يصعب لملمتها وإعادة البناء كما كان من قبل، فالضربة جاءت مفاجئة للجميع، وهذه هي عين الحكمة والتطبيق السليم لأمر رسولنا الكريم: "الحرب خدعة". وقوله عليه الصلاة والسلام: "اليوم نغزوهم ولا يغزوننا".
    سأقف على بعض الجوانب التربوية لهذه الغزوة المباركة، على أن يغطي الإخوة الأحبة الجوانب المتبقية من الصورة وأقصد الجوانب الإيمانية والاستراتيجية والسياسية.
    سنذكر أهم مميزات الغزوة عن باقي الغزوات أو بالأحرى المعارك التي دخلت فيها جماعات الجهاد مع طوائف الكفر والردة؟ ثم نبين أهم مميزات رجال الغزوة؟ ثم ما هي التأثيرات العميقة التي أحدثتها في النفوس، نفوس مختلف الطوائف المشاركة أو المحيطة بحلبة الصراع؟ وأخيراً ما هي الواجبات المطلوب أداؤها من قبل هذه الطوائف، لكي يأخذ هذا الصراع منحاه الطبيعي أو السنني؟ هذا ما سأحاول الإجابة عليه في الصفحات القادمة من هذا المقال.

    أولاً: أهم مميزات الغزوة

    - أنها غزوة ذات طابع ديني بحت، حيث أن الأهداف المعلنة من قبل المجاهدين هي ضرب العدو من أجل إخراجه من جزيرة العرب، تنفيذاً لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أخرجوا المشركين من جزيرة العرب" وهو شعار مهجور ومن شأنه أن يجمع شتات المسلمين والمجاهدين تحت قيادة واحدة، لإعادة مفهوم الخلافة والأمة الواحدة، ولا شك أن العدو نفسه قد أدرك هذه الخاصية وأعلن هو الآخر عن الصبغة الدينية لهذه الغزوة حينما أعلنها حرباً صليبية على المجاهدين بخاصة وعلى الأمة بعامة.
    - أنها غزوة شاملة، بحيث غطت جميع الميادين الحيوية، ولم تعد عسكريةً أو تقليدية كما هو شأن المعارك السابقة، حيث طالت الميدان الثقافي والإعلامي والاقتصادي بدرجة كبيرة. وعليه فقد أصبحت الحرب من التعقيد بمكان، كما أنها باتت تتطلب جنوداً يتوفرون على كفاءات متميزة وفعالية عالية في الأداء، بالإضافة إلى السمات الإيمانية والجهادية التي تميزهم عن جنود الأعداء. وبالتالي فإن هذه الغزوة قد أججت مشاعر المجاهدين وأنصارهم وشحذت هممهم من أجل تطوير هذه الكفاءات والخبرات والبحث عن مواطن الضعف في بنيات العدو، الشيء الذي لم يكن متوفراً من قبل، حيث كان هناك نوع من الإحجام والتخوف والاحساس بالدونية والضعف لدى المجاهدين.
    لقد تعقدت المعركة وتشعبت سبلها، مما أدى إلى تشتت قوات العدو وتبعثرها ومن ثم ضعفها في مواجهة المجاهدين فضلاً عن القضاء عليهم - كما كان يحلم ويدّعي قبل بدء الحرب -، وكلّما استطاع المجاهدون أن يوسعوا رقعة وقطر المعركة، كلَّما نجحوا في إضعاف العدو وإرباكه أكثر، وكلَّما اقتربوا من تحقيق الانتصار وقلب السحر على الساحر.
    - أنها غزوة ميدانها عقر دار العدو.
    كل المعارك السابقة كانت تدور رحاها في أراضي بعيدة عن أمريكا، وبالتالي فالخسارة كانت قليلة إن لم أقل منعدمة على مستوى البنيات التحتية (عسكرياً واقتصادياً) أو على المستوى الأمني بصفة خاصة، ولكن الأمر يختلف هذه الأيام، حيث تحولت الأراضي الأمريكية إلى الساحة الرئيسية للحرب الدائرة، وبالتالي فوقودها هو مؤسساتها الاقتصادية والعسكرية وحتى البشرية، وهو شيء جديد بالنسبة للأمريكان لا يمكن أن يتحملوه لحظة واحدة فضلاً عن تحمله لسنوات. وهذا في حد ذاته يعتبر أكبر نصر عليهم، وأعظم خطر على مستقبلهم.
    - أنها غزوة مباغتة في بدايتها، وخفية في استمراريتها " إنهم (أي المجاهدون) يرونهم من حيث لا يرونهم (أي أعداء الله)"
    وهذا هو الفهم السليم والعميق لقول رسول الله r: "الحرب خدعة" وقوله r: "الآن نغزوهم ولا يغزوننا"، فالعدو ينبغي ضربه على حين غرة، فهي من سنن نبينا الكريم في الحروب، وهي نقطة قوة ترجح كفة الجيش في الحرب، وتربك العدو أيما إرباك.
    فالمجاهدون باغتوا العدو مرتين في هذه الغزوة المباركة، الأولى حينما ضربوه في عقر داره في الوقت الذي كان ينتظر فيه الضربة في الخارج، والثانية أن الضربة جاءت في وقت غير منتظر ودون سابق إنذار، بالرغم من تشـدق العـدو - فيما بعد - أنه كان على علم بالضربة ولكنه لم يكترث لها. والجميع يعلم أنه مجرد كذب لتبرير عجزه وضعف أجهزته المخابراتية في حماية كيانه.
    وخفية في استمراريتها، بحيث أن الأعداء - بالرغم من كثرتهم وحسن عتادهم وامتلاكهم لكل الأسباب المادية الظاهرة - لم يستطيعوا إلى الآن أن يتوصلوا إلى القوة الحقيقية للمجاهدين، فضلاً عن معرفة أعدادهم بالتحديد أو أماكن تواجدهم، ناهيك عن القضاء عليهم، فهم يحاربون قوماً لا يرونهم ولا يمكن لهم التصدي لضرباتهم، وهذا هو رأس الرمح لدى العصابات المجاهدة، والسلاح الجديد في هذه الحرب، واللغز الذي ما زال يحير الأعداء ويرجح كفة المجاهدين في ساحات القتال إلى ما شاء الله.
    الحرب مستمرة، ويستمر معه نزيف العدو على جميع المستويات، خاصة في الجانب الاقتصادي، الذي يمثل نقطة قوته وعموده الفقري، وكل المؤشرات الراهنة تشير - من الآن - إلى أن المجاهدين سيحتاجون إلى وقت غير طويل للإجهاز على العدو بصفة نهائية وهدم ما تبقى من رصيده الاقتصادي الذي ما فتئ يفخر به ويتخذه عصا سحرية لتأديب من يخرج عن فلكه أو إغراء من يدور معه حيث دار، وها هي بوادر هذا الانهيار تلوح في الأفق، وكل يوم نسمع عن فضائح جديدة في المؤسسات الاقتصادية للعدو، ولائحة الشركات المفلسة في تصاعد، وتصعد معها أمريكا كل يوم إلى الهاوية.
    وسوف تستمر المفاجئات السارة للمؤمنين والمفجعة لأعداء الله، مباغتة في إصابة الأهداف وخفاء في التحرك والتخطيط والتنفيذ.

    ثانياً: مميزات رجال الغزوة
    في البداية نود أن نسجل بأن هذه الغزوة المباركة استطاعت أن تخرج للأمة نماذج نادرة، كانت بحاجة إليها لتخرج من مرحلة الاستضعاف والجمود والصغار الذي كانت تتواجد فيها منذ عشرات السنين، وهذه النماذج - قيادة وقاعدة - أصبحت اليوم قدوة للأمة، يدعو معها شيبها ويتعلق بها شبابها ويسعون إلى تقليدهم واتخاذهم مثلاً أعلى في حياتهم. وكيف لا وهم قد تميزوا بصفات سامية تجعلهم كذلك، منها:

    1 - التضحية
    لقد ضحى هؤلاء الأبطال بكل ما يملكون في سبيل نصرة هذا الدين، ومنذ اليوم الأول لالتحاقهم بجبهة الحق، كانوا يعلمون أن هذه البيعة ستأخذ منهم الكثير، ولقد استرخصوا كل شيء في سبيل الفوز برضا الله تعالى، فآمنوا وخالفوا بذلك كل الأعراف والقوانين، فوضحوا بمصالح مادية كثيرة وبمعارف عديدة، ثم حينما سمعوا منادي الجهاد، هاجروا ليعدوا العدة ويشاركوا بأنفسهم في هذا الجهاد المبارك - على كل أرض يوجد فيه جهاد ومجاهدون - يتنقلون بين أرض وأخرى، يبتغون الشهادة ولا شيء غيرها، ثم هاهم قد وصلوا إلى المحطة الأخيرة، حيث اختارهم الله تعالى ليكونوا من زمرة الشهداء، {وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاء} [آل عمران]، وليكونوا قرباناً لهذه الأمة ليخرجوها من هذا الهوان والاستضعاف، فقدموا أنفسهم رخيصة في هذه الغزوة المباركة وهم يعلمون أن لا رجعة بعدها إلى هذه الدنيا الفانية، بل هو تقدم وولوج إلى جنات الخلد - إن شاء الله -. فكانت هذه آخر حلقة من سلسلة التضحيات الجسام في رحلة الإيمان والهجرة والجهاد.
    2 - الانضباط
    إنه من أهم العناصر التي يتميز بها التنظيم الجهادي عن التجمعات الإسلامية العادية، حيث أن تحركات الأفراد ينبغي أن تكون دقيقة ومحسوبة، ولا يُترك شيء سدى.
    وقد رأينا هذا العنصر أكثر حضوراً وأعمق تجذراً في هؤلاء الأبطال الذين قضوا نحبهم في الغزوة، وفي الذين ينتظرون داخل التنظيم، لإيقاع المزيد من الأذى والألم والنكاية في الأعداء.
    وما كان لهم أن يحققوا ما حققوه من نجاح في هذه الدنيا وينالوا ما نالوه من شهادة عليا - عند ربهم -، بغير الانضباط والطاعة لقياداتهم.
    3 - الشجاعة
    كثيرون هم الذين يدّعون الجهاد ويتمنون لقاء الأعداء للإثخان فيهم، ولكن القليل من هذا الكثير من لـه الشجاعة الكافية في تخطي كل العقبات - المادية والمعنوية - لتنفيذ ادعاءاته. فالمسلم يتمنى أن يلتحق بجماعة أو تنظيم جهادي، خاصة إذا كان على مستوى تنظيم قاعدة الجهاد، ولكنه حينما تتاح لـه الفرصة لذلك، تجده يراجع حساباته وارتباطاته مع الدنيا، فيحجم في آخر لحظة ولا يستطيع اختراق هذا الحاجز الأول. ثم إذا ما نجح في تجاوزه، فإنه يجد نفسه أمام الحاجز الثاني، ألا وهو حاجز الهجرة، حيث يتحتم عليه - في كثير من الأحيان - أن يترك منصبه أو تجارته و أهله وعشيرته ليلتحق بصفوف المجاهدين، وقليل من هذا القليل يملك الشجاعة اللازمة لتجاوز هذا الحاجز الثاني.
    ثم إذا ما تجاوزه بنجاح، فسيجد نفسه أمام حاجز ثالث، وهو الالتحاق بصفوف القتال فعلاً وحالاً لا ادعاءاً وقولاً، وهذا هو ذروة سنام الإسلام. وحينما يتجاوزون هذه الحواجز الثلاثة - وقد تجاوزها أبطال الغزوة بكل نجاح - فإنهم وجدوا أنفسهم أمام الحاجز الأخير، وهو تقديم هذه النفس لبارئهم ووضع أرواحهم على أكفهم وتسابقوا إلى خالقهم وهم يهتفون: " عجلنا إليك ربنا لترضى"، فسَمَوْا إلى ذروة سنام الجهاد وهو الاستشهاد في سبيل الله تعالى، نصرة لدينه وإثخاناً في عدوه وعدهم. ولم يكن بإمكانهم تجاوز كل هذه العقبات بغير الشجاعة الفريدة التي تميزوا بها، وهي قوة الدفع الربانية، التي لا يقف في وجهها حاجز.
    4 - التناسب بين العلم والعمل
    من بين الشبهات التي يحاول الطغاة ترويجها في حق المجاهدين - ويحذو حذوهم بعض المخذِلين والمتقاعسين الجبناء من دعاة العمل الإسلامي - هو وصف المجاهدين بقلة العلم والفقه، وبأنهم ينجرون وراء قياداتهم بدافع العاطفة أو الإكراه أو غيرها من الدوافع، وهي تهمة قديمة وُوجِه بها الأنبياء وأتباعهم، {وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلاَّ الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ}[هود: 27]، وقوله تعالى {وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيَِ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ، وَلاَ تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا، وَلاَ تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبِعْ هَوَاهُ، وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً}[الكهف].
    فشباب جماعات الجهاد - ومنهم أبطال الغزوة المباركة -لم يسلموا من هذه التهم، ولكنهم كانوا فوق الشبهات، فقد فقهوا مبادئ وأصول هذا الدين، وفقهوا مبادئ الكفر والردة، وانطلقوا يعملون بما عَلِمُوا، على بصيرة ووفق ما شرعه الله تعالى وسنَّه رسوله r وما كان عليه أصحابه وسلفنا الصالح رضوان الله عليهم أجمعين، فكانت أعمالهم مطابقة لعلمهم، وتنفيذاً لأوامر ربهم، وليس بدافع الجهل أو العصبية أو الانتقام أو الهروب من هذه الحياة، كما يردده الأعداء والكثير من الجبناء والقاعدين من دعاة التغيير المزيف.
    فالمنهج الجهادي هو الذي أخرج هذه النماذج الفريدة، التي تذكرنا بأصحاب رسول الله r، جيل قرآني فريد، يقول ما يفعل ويفعل ما يقول، يتقيد بأوامر الشرع الحنيف، وينضبط بها، ويملك الشجاعة الكبيرة على تنفيذ هذه الأوامر، ويضحي بكل غال ونفيس من أجل إرضاء الله وحده، دون سواه.

    ثالثاً: تأثيرات الغزوة على النفوس
    قبل الحديث على هذه التأثيرات، يجدر بنا أن نعدد الطوائف التي تأثرت - سلباً أو إيجاباً أو عدماً - بهذه الغزوة، وأود أن أشير إلى أن هذه النقطة تشكل صلب هذا الموضوع، كونها تمثل المادة الأساسية لهذا الصراع الدائر بين الحق والباطل، وبإمكانها - حسب موقفها وموضعها في ساحة الصراع - أن ترجح كفة هذا الطرف أو ذاك {هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِين}[الأنفال]، فلا يمكننا أن ننكر الدور الكبير وربما الحاسم للعنصر البشري في كل معركة، وهذا ما سنحاول بيانه في السطور القادمة بحول الله، كوننا نريد أن نركز على الجانب التربوي لغزوة نيويورك وواشنطن، وهو ما سيتيح الفرصة للكثير من الناس لمراجعة موقفهم أو التمسك به تجاه مستقبل هذه الحرب الصليبية الجديدة على أمة الإسلام بعامة وعلى مجاهديها بخاصة.
    يمكننا تصنيف هذه الجماعات حسب أهميتها وارتباطها بالصراع القائم كالتالي:
    جماعات الأنصار
    منهم من يقف إلى جانب المجاهدين في خنادق الصراع، بالنفس والمال وبكل ما يملك، فارتبط مصيرياً بالمجاهدين والجهاد، ولم يعد لديه ما يخسره أو يخاف على ذهابه من المتاع أو المناصب الدنيوية، فهو جزء لا يتجزأ من التجمع الجهادي، يأتمر بأوامره وينتهي بنواهيه، يدور مع مصلحة الجهاد حيث دارت. يتمثل اليوم في الآلاف من الشباب الذين هاجروا إلى أرض الجهاد والتحقوا بصفوف المجاهدين هناك، فمنهم من يخوض المعارك مباشرة ومنهم من لا يزال في مرحلة الإعداد، ومنهم من تفرق في الأمصار في انتظار أداء دوره في هذه الحرب، في الوقت والمكان المناسبين، إنه في رباط مستمر، أينما وضع جهده فثم أجر الله إن شاء الله تعالى.
    هذه الطائفة تتسم بصفات عالية من الانضباط والتنظيم، وتعتبر اليد الطولى للتجمع الجهادي، فالعدو يسميها "خلايا نائمة" بينما الحقيقة أنها خلايا يقظة وحذرة، ولهذا لم يستطع العدو كشفها ولن يستطيع بإذن الله، حتى تقوم بمهامها على أحسن ما يرام في حفظ الله ورعايته.
    هناك نوع آخر من الأنصار، لم يلتحقوا بعد بساحات القتال، سواء من أجل ممارسة عبادة جهاد الطلب على أراضي العدو أو ممارسة عبادة جهاد الدفع والقيام بواجب النصرة عل أراضي المسلمين المحتلة من قبل الكفار الأصليين كأفغانستان والبلقان والقوقاز وغيرها من البلدان، وذلك نظراً للقيود التي تمنعهم وللحدود التي تحول بينهم وبين تحقيق هذه المهام، هؤلاء يتواجدون في كل مكان وبالأخص في البلاد الاسلامية تحت حكم أنظمة الردة، وهم في أشد الشوق إلى ممارسة عبادة الجهاد، ولكن ينقصهم الإعداد الجيد والمطلوب، وفي انتظار تحصيل هذا، نجدهم يقومون بأعمال كثيرة تصب في نصرة المجاهدين، سواء في ميادين الدعوة أو الإعلام أو الميدان الاقتصادي والأمني ويسعون في الوقت ذاته إلى الإعداد لجهاد الدفع داخل بلدانهم المحتلة من قبل المرتدين، وقد فهموا جيداً أن لا فرق بين الكفار الأصليين وبين الحكام المرتدين على مستوى ضرورة جهادهم، فهم وجهان لعملة واحدة، بل إنهم فقهوا أن قتال المرتد الأقرب أولى من قتال الكافر الأبعد.
    فغزوة نيويورك قد علمتهم أن يكونوا في الصف الثاني وفي أهبة دائمة لمواجهة الحرب الصليبية، وغرست فيهم الإحساس بالعلو والقوة مع الحذر والحيطة، وذلك حينما رأوا انبطاح الأعداء وتوليهم وعجزهم المخزي في تتبع المجاهدين أو إيقاف تحركاتهم، فقد دفعهم هذا إلى المزيد من العمل والتوكل على الله لمواصلة الطريق من أجل النكاية في العدو. ولسان حالهم يقول {وَلَمَّا رَأى الْمُؤْمِنُونَ الأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلاَّ إِيمَاناً وَتَسْلِيماً}[الأحزاب 22].
    إنهم جنود أخفياء لهم قدرة كبيرة على تغيير مجريات الأحداث، وصبر كبير وطويل على الرباط في مواقعهم انتظاراً للأوامر وتحيناً للفرص قبل تنفيذ المهام الموكلة لهم، يكتفون بأزهد الزاد وأقل العتاد، إنهم جنود من نوع جديد لم يعهده العدو من قبل ولا يستطيع كشفه، فضلاً عن القضاء عليه، وإذا ما سقطوا في أيدي الأعداء فلا يستطيع أن يُخرج من صدورهم سوى السراب، ويجعل الله ذلك حسرة في قلوبهم.
    هذه النماذج تذكرنا بأنصار رسول الله r يوم العقبة ويوم بدر ويوم بيعة الرضوان ويوم غزوة الأحزاب وغيرها من المواقع الخالدة، بيعة على الموت وغاية البذل والعطاء والفداء، وبهذه النماذج يمكننا تحقيق النصر ودحر الأعداء ولا معنى لجهاد بدون أنصار، الظاهرون منهم والأخفياء.
    طائفة النفاق والخذلان
    لا تخلو ساحة الصراع منها عبر التاريخ كله، وقد كانت السند الرئيس لفسطاط الباطل، حتى مع وجود الأنبياء والمرسلين، فتواجدهم يكاد أن يكون جزءاً لا يتجزأ من بنية هذا الصراع وهيكله، وطرفاً أساسياً يعتمد عليه الباطل، وبدونه لا يمكن أن يثبت كثيراً في وجه الحق. لذا وجب على أصحاب الحق أن لا يغفلوا عن هذا الصنف و يتحركوا في ساحات المعارك وقد أخذوهم بعين الاعتبار، وعليهم أن يوجدوا ويجددوا الأسلحة المناسبة للتعامل معهم وكبح جماحهم.
    هي التي تشتهر بالقيل والقال وطلب المعركة والنزال في أيام الرخاء {قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلا تُقَاتِلُوا قَالُوا وَمَا لَنَا أَلاَّ نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا، فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلاَّ قَلِيلاً مِنْهُمْ وَاللهُ عَلِيمُُ بِالظَّالِمِيْن}[البقرة]، ويا ليتهم وقفوا عند حد التقاعس والفرار من القتال، بل ذهبوا إلى أبعد من ذلك، وهو أنهم راحوا يسلقون المجاهدين بألسنة حداد، ويتهمونهم بصفات صنعها لهم الأعداء لتشويههم وإبعاد الناس عنهم، ولكي يحافظوا هم على مواقعهم ومناصبهم في ساحات القيل والقال البعيدة عن التطبيق والأفعال.
    قبل غزوة نيويورك المباركة، كانت لدى هؤلاء المنافقين والمتخاذلين بعض أوراق التوت التي تستر عوراتهم وحقيقة خبثهم، حيث كانوا يملأون الدنيا بخطبهم الرنانة وبفتاواهم العجيبة، وكان الناس يقصدونهم للتوجيه وإيجاد الحلول لمشاكلهم - وهي في الغالب مشاكل تتعلق بالحفاظ على الدنيا ومتاعها -، ولكن بعد الغزوة سقطت كل هذه الأوراق، وظهرت عورات هؤلاء الأدعياء وانكمشوا ثم أزبدوا وحملوا سلاح الفتوى والبيان للتنديد بالعمليات الجهادية المباركة، واعتبارها أعمالاً وحشية لا تمتُّ إلى الاسلام بصلة ولا يمكن أن يكون أصحابها سوى وحوشاً لا تعرف الرحمة، فقدموا أصدق التعازي للأعداء، ومنهم من كاد يحسب قتلاهم شهداء من فرط تأثره بما حدث ورحمته على هؤلاء "الأبرياء".
    إنهم يندفعون بدافع الحسد والبغضاء للدعاة المخلصين والمجاهدين الأخيار، لأن هذا الجهاد يفضحهم ويبين حقيقتهم للناس، على أنهم مجرد جبناء مستسلمون لضغوط الواقع، يرضون بالفتات ويعملون في الإطار الضيق من الحرية الذي تعطيهم إياه هذه الأنظمة المرتدة، دين مجزأ ومشوه، يوافق أهواء وسياسات الحكام ولا يوقظ همم المسلمين ويوجهها نحو أوجب الواجبات المنوطة بأعناقهم، من دعوة وحسبة وجهاد.
    لم تكتف هذه الطائفة بالتقاعس عن الجهاد وخذلان المجاهدين، بل راحت تثبِّط الناس عن ذلك وتنشر الأباطيل والإشاعات المغرضة لصد الناس عن طريق الجهاد أو نصرة المجاهدين، ومن هنا يكمن خطرهم ويتعين على جماعات الحق أن تتنبه لدورهم الخبيث والمخزي وتسعى إلى التعامل معهم بكل حزم وشدة، لأنه ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، ولن يكون من الحكمة ترك الفرصة لهؤلاء الخبثاء أن يلعبوا هذا الدور الخطير في مأمن وفي منأى من رد الفعل الصارم الذي يُقزِّمهم ويفضحهم أمام الملأ، ويقلب سحرهم عليهم.
    طائفة الوسط: السمَّاعون لهم
    هم الذين يمسكون العصا من الوسط، أو يقفون موقفاً وسطاً بين طائفة الحق وأنصارهم وبين طائفة النفاق والخذلان، وهم الذين يحتاجون دوماً وفي كل لحظة إلى من يذكِّرهم بواجباتهم تجاه دينهم، وبمجرد أن تغفل عنهم لفترة ولو قصيرة فإنك ستجدهم قد غيروا مسارهم وتخلَّوا عن الصف والتحقوا بالمُخذِلين {وفيكم سَمَّاعُونَ لَهُمْ}[التوبة]، وتجدهم يرددون شبهات هؤلاء بغير فهم ولا وعي، بعيداً عن سنن الله في الدعوات والصراعات مع الباطل.
    لسان حالهم يقول كما قالت بنو إسرائيل لموسى عليه السلام {قَالُوا أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا}[الأعراف]، إنه موقف متشابه ومتكرر وكأن هذا النوع من النفوس قد شربت من نفس النبع وجبلت على التذمر والشكوى وعدم التحمل في سبيل الله، تود لو أن الله تعالى يمنحها الجنة في الدنيا وفي الآخرة دون أن تقدّم أدنى ثمن في سبيلها.
    قبل الغزوة المباركة كان هؤلاء القوم يلقون بعض الأذى من طرف الطغاة من المرتدين والكفار الأصليين، سواء داخل بلداننا المحتلة أو داخل بلدان الكفر الأصلية، ويتمثل هذا الأذى في المضايقات المتكررة والمتواصلة على بعض الأنشطة والأعمال التي يريدون أن يتميزوا بها على الأعداء خاصة على مستوى الهدي الظاهر، وبعد الغزوة تضاعف هذا الأذى وتنوعت هذه المضايقات حتى طالت هذه الفئات في بعض مصالحهم الدنيوية، وعندئذ ثار غضبهم وألقوا اللوم على المجاهدين الأبرار واعتبروهم السبب المباشر والوحيد فيما يلاقونه.
    لقد أوذينا من قبل الغزوة وها نحن نلقى أذى أكبر ومضايقات أوسع بعد الغزوة، ها نحن نخسر مواقع كثيرة ومكاسب عديدة وتُسد في وجوهنا أبواب للخير متعددة، فلا بارك الله في هذه الغزوة ومن كان وراءها. وهكذا تظل هذه الفئات تردد هذه اللعنات ما دامت الابتلاءات والمحن تنزل عليها، وهي مرشحة للمزيد والتصعيد والاستمرارية ما دامت الحرب دائرة بين معسكر المجاهدين وبين أعدائهم من حلف الصليبيين واليهود والمرتدين.
    ستظل هذه الفئة مستاءة من الوضع القائم، حتى تغير ما بداخلها، وتقرر الانتقال إلى مستوى أعلى من الالتزام وتَحَمُّلِ المسؤوليات، وستظل ظاهرة الوسطية أو "السمَّاعون لهم" موجودة في الساحة ولا يمكننا القضاء عليها بصورة نهائية، ولكنه باستطاعتنا تحويل أسماعهم إلى خطابات وبيانات الحق ليتحولوا إلى "سمَّاعون لنا" ريثما يلتحقوا بالصف المجاهد ولو في موقع النصرة والتأييد بدلاً من هذا الموقف المعادي والمثبط.
    ولاشك أن المجاهدين (سواء في تنظيم قاعدة الجهاد أو من يناصرهم) قد أصبح لخطاباتهم دويُُّ وتأثير حسن لدى الكثيرين، وأصبح باستطاعتهم أن يؤثروا إيجاباً ويصنعوا لأنفسهم مكانة مرموقة ومحترمة حتى بشهادة الأعداء أنفسهم، وخير دليل على صدق هذا الكلام هو الخوف الكبير الذي أحدثته خطابات وبيانات المجاهدين في أوساط العدو ومسارعة هذا الأخير إلى إغلاق كل المنابر الإعلامية للمجاهدين ومناصريهم لمنع هذا التأثير الخطير على نفوس الناس، وتحولت أسماع هذه الطائفة/ الوسط - شيئاً فشيئاً - إلى خطاب المجاهدين بعد أن ظلت حبيسة الخطاب الطاغوتي ردحاً من الزمن.
    طائفة المتفرجين
    يشكلون نسبة لا بأس بها في الساحة، لا ينتمون للطوائف سالفة الذكر، أهم سماتهم أن لديهم القابلية للانتماء لطائفة الحق أكثر من غيرها، ويفضلون - خلال فترة الحرب - أن يبقوا بعيدين عن الخنادق ينتظرون النتائج، وربما يصفقون ويفرحون لانتصارات المجاهدين، لكنهم لا يشاركون أبداً باليد أو اللسان، إما خوفاً من الأعداء أو لعدم قناعتهم الكاملة بخط المواجهة، يكتفون بالتفرج، لا يخذلون الباطل ولا ينصرون الحق، ينطبق عليهم قول ربنا عز وجل {مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لاَ إِلَى هَؤُلاَءِ وَلاَ إِلَى هَؤُلاَء}[النساء]
    فما دامت حرارة المعارك لا تمسهم فإنهم يقفون هذا الموقف المحايد، والذي يعتبر إيجابياً نوعاً ما بالنسبة للمجاهدين ، وهو خير من أن يكونوا مع جبهة الباطل يكثِّرون سوادها وينصرونها، فيسقطون في دائرة: "السَّمَّاعُونَ لَهُمْ".
    إن موقع هؤلاء وموقفهم من الصراع مرتبط بموقف الأعداء منهم، بمعنى أنه غير ثابت، فكلما زاد ضغط العدو عليهم كلما زاد اقترابهم منهم وأدى بهم هذا إلى الدخول في معسكر هذا الأخير وأصبحوا طرفاً غير مباشر في الصراع الدائر.
    وفي الجهة المقابلة،كلما حقق المجاهدون انتصاراً أو تقدماً واقتربوا من النصر النهائي، رأينا هؤلاء يلتفون حولهم ويعبِّرون عن فرحهم والكثير منهم ينضم إلى الصف الإسلامي ويوسع دائرة الإسلام، كما يشير إلى ذلك قوله تبارك وتعالى {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللهِ أَفْوَاجاً فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّاباً}[النصر].
    والناظر إلى الصراع القائم اليوم بين أهل الحق والإيمان بقيادة تنظيم "قاعدة الجهاد" وحركة "طالبان" وبين أهل الباطل والكفر بقيادة أمريكا، يجد نماذج كثيرة من هذه الطائفة تتمثل في أفراد وجماعات محسوبة على الإسلام ويدّعي الكثير منهم أنه من أقطاب العمل الإسلامي، نراهم في قاعة الانتظار يتفرجون على المعركة ولا يقومون بأي شيء في سبيل نصرة الحق، رغم وضوح طبيعة المعركة وتميز الصفوف، وتراهم أحياناً يقومون بدور التثبيط وتشويه سمعة المجاهدين، بحجة أن الوقت غير مناسب للدخول في معارك مع العدو، أو أن هذا من شأنه أن يعرقل مسيرة الدعوة ويشوهها في عيون غير المسلمين. ويا ليتهم وقفوا موقف الحياد واكتفوا بالتفرج لكان خيراً لهم، ولكفوا المجاهدين عناء الرد عليهم وكشف شبهاتهم وفتح معارك هامشية ستهدر فيها الكثير من الجهود نحن في حاجة إليها لمقارعة شبهات الأعداء والإعداد لهدم ما تبقى من كياناتهم وهالاتهم المنتفشة.
    وكأني بلسان حال هؤلاء المتفرجين يقول: " قلوبنا من الآن معكم، أما ألْسِنَتُنَا فَتنتظر ما ستسفر عنها المعارك لتقول كلمتها، وأما جوارحنا فهي مكبلة فاعذرونا"، وهذا هو حال غالبية المسلمين اليوم تجاه الأحداث.
    صمت وترقب، لامبالاة وجمود، حسرة وأسى، ولا شيء يُتَرجَمُ فعلاً على أرض الواقع، بل إن الكثير من هؤلاء قد فقَدَ حتى ذلك التفاعل السلبي، ولم يعد يملك الوقت للتفرج أو الترقب، فتراه لاهياً يحرق ساعاته في اللهو واللعب أو في الركض وراء لقمة العيش الملوثة بالذل والصغار في ظل أنظمة الكفر والردة.
    إن تأثير الغزوة المباركة على نفوس هؤلاء كبير، لكنهم وضعوا رؤوسهم في رمال اللامبالاة، يحاولون إشغال أنفسهم في متطلبات الحياة اليومية للابتعاد عن متطلبات النصرة والتأييد للمجاهدين الأخيار.
    إن الموقف الواجب اتخاذه تجاه هؤلاء هو المحافظة على بصيص الأمل لضمهم إلى صفوف الأنصار، والحفاظ على رابط العلاقة الطيبة بيننا وبينهم بالتعامل الحسن والكلمة الطيبة والعمل الدؤوب والتضحية المستمرة أمام أعينهم لعلَّ هذا سيؤدي في آخر المطاف إلى كسب قلوبهم واستمالتها إلى صف الحق من أجل البذل والعطاء، وهذا لعمري من أفضل الوسائل وأحكمها بدلاً من إعلان الحرب عليهم.

    وبعد
    فكانت هذه أهم الطوائف الموجودة داخل ساحة الصراع أو حولها، منها من يشارك مباشرة في هذه الحرب الصليبية، ومنها من يساهم بطريقة غير مباشرة، ومنها من يقف موقف الحياد يتفرج على المعركة وينتظر نتائجها، والقاسم المشترك بين هذه الطوائف هو تأثرها المتفاوت بهذه الغزوة المباركة، حيث تغيرت أوضاعها ووسائل عملها بل طالت حتى طرق تفكيرها ومناهجها، فكانت هذه الغزوة بمثابة زلزال عنيف أحدث تغييرات جذرية في النفوس والأفكار ومناهج العمل على حد سواء، وإذا صحَّ لنا أن نطلق عليها اسما فإن هذه الحرب الجديدة - مع انطلاقتها الموفقة في نيويورك وواشنطن - تستحق أن توصف بالحرب العالمية الثالثة، نظراً للتغييرات الكبيرة والتشققات العظيمة التي أحدثتها في جميع بنيات العدو ولا تزال مرشحة للارتفاع.
    فالذي ينبغي أن نخلص إليه في نهاية هذا البحث هو أن هذه الغزوة قد أيقظت الأمة وبصَّرتها بالمخاطر والمكائد التي كانت تحاك من أجل تركيعها واستغلالها وإفسادها وهي لا تعلم، كما أن تنظيم "قاعدة الجهاد" بقيادة الشيخ المبارك أسامة بن لادن وحركة طالبان بقيادة أمير المؤمنين الملا محمد عمر مجاهد، قد أحيوا فريضة الجهاد وأعادوا فقه الجهاد إلى ساحة التطبيق، كما واستطاعوا أن يجمعوا شتات المجاهدين في تنظيمات محكمة ووفق تخطيط موفق ودقيق، يراعي مصالح الإسلام أولاً ويضحي في سبيل ذلك بالملك والجاه والسلطان. وعاد المسلمون - بفضل هذه الغزوة المباركة - إلى فهم نصوص الكتاب والسنة وكأنها تتنزل عليهم من جديد، كما وعادت الكثير من المفاهيم الشرعية المغيبة إلى واقع الناس لتحل محل المصطلحات الجاهلية والدخيلة على الأمة، وبدأ المسلمون يسترجعون شيئاً من عزتهم - وإن كانت مصاحبة لبعض الأذى والبطش من قبل الكفار والمرتدين - وأصبحوا مرهوبي الجانب، يحسب لهم العدو ألف حساب.
    لقد تحقق قسط كبير من وعد الله تعالى بالنصر والتمكين لعباده، ولم يبق سوى القليل، ولكنه يتطلب منا - معشر المؤمنين ، مجاهدين وأنصار، - أن نواصل تشبثنا بديننا وقيمنا، ونواصل طاعتنا وانقيادنا لقياداتنا الرشيدة، ونواصل صبرنا وثباتنا على طريق الجهاد والاستشهاد، فإنه طريق النجاة والسؤدد لنا، والاندحار والهزيمة لأعدائنا.
    وإن غداً لناظره قريب، {إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيداً وَنَرَاهُ قَرِيباً}.
     
  2.   مشاركة رقم : 2    ‏2003-10-06
  3. ابو خطاب

    ابو خطاب قلم ماسي

    التسجيل :
    ‏2002-10-31
    المشاركات:
    13,910
    الإعجاب :
    1
    بارك الله فيك يااخونا عمران حكيم على هذا الموضوع القيم والذي جاء في وقته ليخرس كل من تطاول على المجاهدين او سفه جهادهم .........
     
  4.   مشاركة رقم : 3    ‏2003-10-07
  5. أبو يمن اصلي

    أبو يمن اصلي قلم فضي

    التسجيل :
    ‏2003-09-20
    المشاركات:
    4,691
    الإعجاب :
    0
    "لولا احمد ابن اخته طلعني من تحته لاكنت موتته"
    هذا مثل صنعاني يقال أن اصله ان شخص (فشار او قولو يعني يتباهي بكل شيئ حتى بخيبته ويحولها مجداّ) هذا الشخص تعارك مع اخر وكان الاخر يضربه حتى كاد يقتله لولا ان ابن اخت الضارب (احمد) هب لانقاذه.
    المهم بعد المعركة اخذ (المضربة) هذا يتباهى وكان هذا المثل هو ما بقي من تباهي الفشار. وانا هنا اهديه لمن قامو بهذا الجهد في البحث واضاعو فيه وقتا سيسئلون عنه يوم لا ينفع مال ولا بنون, الا من أتى الله بقلب سليم.
    اسأل الله الهداية لكل المسلمين حتى يستقيم امر هذا الدين ونعلم الفرق بين الجهاد والارهاب والدعوة والتطرف, وابسط شيئ هو ان نعلم ما ينفعنا وما يضرنا. اللهم أرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه وأرنا الباطل باطلا وارزقنا اجتنابه يأرحم الراحمين, اللهم اني أرى هذا باطلاً وارهاباً واضراراً بالمسلمين في كل اصقاع الأرض, اللهم فاهد من يؤيد هذا الظلال حتى تستقيم قائمة المسلمين.
     
  6.   مشاركة رقم : 4    ‏2003-10-07
  7. Time

    Time مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2003-07-14
    المشاركات:
    18,532
    الإعجاب :
    1
    اللقب الاضافي:
    نجم المجلس اليمني 2004
    [poet font="Simplified Arabic,6,darkblue,bold,normal" bkcolor="transparent" bkimage="backgrounds/8.gif" border="none,4,gray" type=0 line=200% align=center use=ex length=0 char="" num="0,black" filter=""]
    لكل داء دواء يستطب به = إلا الحماقة أعيت من يداويها
    [/poet]
     
  8.   مشاركة رقم : 5    ‏2003-10-07
  9. أبو يمن اصلي

    أبو يمن اصلي قلم فضي

    التسجيل :
    ‏2003-09-20
    المشاركات:
    4,691
    الإعجاب :
    0
    وضح
    أبن
    افصح ياتايم
     
  10.   مشاركة رقم : 6    ‏2003-10-07
  11. Time

    Time مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2003-07-14
    المشاركات:
    18,532
    الإعجاب :
    1
    اللقب الاضافي:
    نجم المجلس اليمني 2004
    نص مقتبس من رسالة : أبو يمن اصلي
     
  12.   مشاركة رقم : 7    ‏2003-10-07
  13. ابو خطاب

    ابو خطاب قلم ماسي

    التسجيل :
    ‏2002-10-31
    المشاركات:
    13,910
    الإعجاب :
    1
    الى الاخ ابو يمن اصلي كلامك مردود عليك ولايواخذ به او ينظر اليه لانه يمثل قمة الجبن والخوف من افعال امريكا في المسليمن بعد ان انكشف وجهها الحقيقي ..

    واما تايم

    فبيت الشعر الذي اوردتها ينطبق على بيننا على الاحمق الذي لايفقه شيئا من مهاجمة امريكا في قعر دارها بأيدي هؤلاء المجاهدين الابطال الذين يقفغ الحمقى عندهم مثل الاقزام ......

    واما ما يتحمله المسلمين جراء هذه الهجمة المباركة فهذه ضريبة الجهاد لكي يصحو المسلمين مما هم فيه من نوم وذل .....والحمدلله عرفنا من هي امريكا ومن هم اعداء الاسلام الذين يقفون معها واصبح الناس يعرفون ذلك جيدا وكانوا قبل ذلك مخدوعين بأمريكا واعداء الاسلام المتمثلبين بالعلمانيين والحكام الخونة ومن هم على شاكلتهم ......


    قال تعالى :
    [TABLE="width:70%;"][CELL="filter:;"][ALIGN=center] قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ {24}[/CELL][/TABLE]
     
  14.   مشاركة رقم : 8    ‏2003-10-07
  15. محمد حجر

    محمد حجر عضو فعّال

    التسجيل :
    ‏2003-09-05
    المشاركات:
    728
    الإعجاب :
    0
    نص مقتبس من رسالة : Time
    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاء تُلْقُونَ إِلَيْهِم
    بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءكُم مِّنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَن
    تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِن كُنتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَاداً فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاء مَرْضَاتِي
    تُسِرُّونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنتُمْ وَمَن يَفْعَلْهُ
    مِنكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاء السَّبِيلِ


    يا تايم اتق الله في كلامك ...الا يكفي المجاهدين ما يلقونة فتخرج لهم انت ...
    اني اقول لك اتق يوم تقف فيه بين يدي الله ..
     
  16.   مشاركة رقم : 9    ‏2003-10-08
  17. أبو يمن اصلي

    أبو يمن اصلي قلم فضي

    التسجيل :
    ‏2003-09-20
    المشاركات:
    4,691
    الإعجاب :
    0
    قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا(*)
    الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا (*)
     
  18.   مشاركة رقم : 10    ‏2003-10-08
  19. أبو يمن اصلي

    أبو يمن اصلي قلم فضي

    التسجيل :
    ‏2003-09-20
    المشاركات:
    4,691
    الإعجاب :
    0
    سؤال: هل يجوز تسمية اعمال كهذه "غزوات"؟ هل كل المسلمون راضون عن هذه التسمية وعن نسبتها الى الغزوات المقدسة التي خاضها أعظم من وطأ الثرى (صلى الله عليه وسلم) وهو ينشر الرسالة السماوية السمحاء فكانت غزوات من اجل نشر الاسلام, ولم تكن اعمالا متهورة تضر بالاسلام ولا تنفع الا اعداؤه.
    الله المستعان على ما تصفون. اللهم اهدهم حتى لا يشوهو دينك الذي ارتضيت للناس. اللهم اخرجهم من الضلالة حتى لا نتفرق فنفشل وتذهب ريحنا.
     

مشاركة هذه الصفحة