رواية لا جئة

الكاتب : بن ذي يزن   المشاهدات : 727   الردود : 2    ‏2001-07-22
      مشاركة رقم : 1    ‏2001-07-22
  1. بن ذي يزن

    بن ذي يزن بكر أحمد مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2000-09-30
    المشاركات:
    3,545
    الإعجاب :
    1
    بسم الله الرحمن الرحيم

    روايــة لاجــئــة


    بقلم / سحر الرملاوي
    بين يدي الرواية سيظل تاريخ اللاجئين الفلسطينيين وصمة عار ··· في جبين عالم ... يدعي التحضر ... !!

    إهداء
    إلى أحمد …
    كلما أوغلت طيورك في سماء الغربة
    و دارت بك أيام … فأدارتك
    سيبقى ــ يا أخي الحبيب ــ
    ثمة أمل ننتظر وغد يحمل البشرى…
    سحر
    الجزء الاول:

    الأسم :ريم جهاد القاسم
    المهنة : طالبة
    محل الميلاد : القاهرة
    تاريخ الميلاد : 1966م
    لون العينين : كما في الصورة
    وثيقة سفر للاجئين الفلسطنيين ··دفتر أزرق بحجم جوازات السفر العادية ··
    كان هذا الكتيب أول علاقة رسمية حقيقية لها بالدنيا ··
    عندما أعطاه لها أبوها قال :
    - حافظي عليه فبدونه أنت لاشيء ··
    استلمته و كأنها تستلم قطعة منها ، بين دفتيه يكمن وجودها و لا معنى لكل حياتها ما لم يكن معها ·· فتحت صفحاته بيد مهزوزة ، كان ثمة ختم مطبوع باللون الأزرق مسجل فيه أيضا حدودها : " لجميع البلدان العربية ما عدا سوريا و اليمن " ··
    رفعت عينيها تتساءل عن السبب أجاب أبوها بلا مبالاة :
    - عادي ··
    حملته برفق و سارت به نحو غرفتها و في صندوق مقتنياتها الثمينة وضعته ، بجوار شهادة ميلادها التي ليست كأي شهادة فعنوانها " مسجل رسمي " و شهادات دراستها حتى الثانوية العامة
    قبل أيام أكملت ريم ثمانية عشر عاما و اليوم أصبحت بهوية منفصلة تخصها وحدها بعد أن قبعت راضية في هوية أبيها سنين عمرها الماضية كلها منذ ولدت و حتى الآن ··
    عادت تفتح صندوقها الثمين مجددا و تخرج الوثيقة تتأملها مرات و مرات ، وثيقة سفر للاجئين الفلسطنيين ، ما معنى هذه الكلمة ، ما المقصود بوضعها على غلاف الوثيقة أليست مثل أية وثيقة ؟ أليست جواز سفـــر مثل الجــواز الذي يمتلــكه أبوها و تمتلكه أمها ·· لكن لا ·· لقد تذكرت ، إنه فقط يشبه وثيقة أبيها لكنه لا يشبه وثيقة أمها فوثيقتها خضراء و مكتوب عليها جواز سفر للمصريين ··
    ما الفرق ؟
    كانت أمها تطهو في مطـــبخ بيتهم الصغير ، كـــانت قد نــادتها حتى الآن ثـــلاث مرات و عندما رأتها على باب المطبخ بادرتها :
    - صح النوم ، ألم تسمعي النداء منذ المرة الاولى ؟
    - أمي ما الفرق بين الجواز و الوثيقة ؟
    فوجئت الأم بالسؤال ، كان ذلك واضحا من اتساع حدقة عينيها و توقف يديها عن تقليب الطعام ، على أن هذه الدهشة لم تدم سوى ثانية واحدة لأنها عــادت إلى التقليب و تنهدت و هي تنظر في محتويات القدر قائلة :
    - الجواز لمن لهم وطن ، أما الوثيقة فهي للاجئين ··
    هذه المرة كان دورها في الدهشة و سألتها :
    - هل يعني هذا أنني صرت لاجئة ؟
    ابتسمت أمها رغما عنها و قالت :
    - رسمية يا ريم ، رسمية فأنت لاجئة منذ ولدت و لكنها اليوم رسمي ··
    و كأنها كانت نائمة فاستيقظت ، أو صماء و فجأة سمعت ، أو عمياء وبدون مقدمات أبصرت ، حامت حول رأسها كلمة لاجئة لبعض الوقت ثم حطت كرخ عملاق بأظافر وحشية و أخذت تشد شعرها من منابته ··
    نظرت لها الأم و قالت :
    - اللجوء يا حبيبتي مصطلح يعني أن هذا الانسان بلا وطن ··
    - لكنني فلسطينية ووطني فلسطين ··!!
    - الوطن يا ابنتي ليس مجرد كلمة نسجلها في بطاقاتنا ، إنه أرض و انتماء ، دار و كرم ، مدرسة و جيران ، أقارب و معارف ، خدمات صحة و تعليم ، وظيفة ثابتة و معاش عند التقاعد ، الوطن رئيس يتكلم باسمك و سفارة ترعى مصالحك و رجل أمن يسهر على حمايتك ، فهل لديك أيا من هذه الاشياء ؟
    - لا ··
    لم يكن لها يوما أيُّ من هذه الاشياء ، تعلمت ، هذا صحيح و لكن في مدرسة خاصة كان أبوها يقتطع من لحمه كي يسدد أقساطها ، و عندما كانت تمرض كان الدعاء و الأسبرين دواءها لأنهم يعتبرون المرض رفاهية لا يستطيعها إلا القادرين ، لا يملك أبوها بيتا فهو "وافد "و ليس من حقه تملك و أنى له هذا ؟!
    لكنها كانت تعتقد أنهم لا يملكون بيتا لأنهم لا يملكون نقودا و ليس لأنهم لا يملكون وطنا ··
    توجهت إلى أبيها ، كان يعالج كرسيا قديما يقلبه و يفحص مكان الخلل به ، سألته :
    - أبي ··ألا نملك في فلسطين بيتا ؟
    طالعها بدهشة ، ثم عاد الى كرسيه المكسور يقلبه ، ظلت واقفة تراقب سؤالها وهو يفترش سماء الغرفة سحابة داكنة ، و خيم الصمت ، حتى ظنت أن أباها كف عن التنفس ، بقيت لحظه تراقبه ، كانت عيونه في منأى عن عيونها لكن قلبها استشعر شيئا فيهما ، ركعت بجوار الكرسي المكسور و طالعت وجه أبيها باهتمام ، كانت عيونه تلمع ، لكنه لم يبك ، أبوها لا يمكن أن يبكي ، إنه رجل قوي ، و الدموع للنساء فقط ، سألته :
    - أين كنت تعيش هناك يا أبي ؟
    رفع رأسه و تلألأت ابتسامة حنين على شفتيه تحت شاربه الكث و قال :
    - في غزة ·· كنت أعيش في غزة ، قرب الشاطيء ··
    - في بيت ؟
    ضحك ضحكة صغيرة ، لم تخرج طربا و لكنها كــانت مقدمة لسيل من الكلمات ··
    - بيــت ؟ و أي بــيت يا ريم ، و أي بيــت ·· كان لــديــنا بيت واسع ، كبــيـر، نصفه حجرات و نصفه مكشوف و في وسطه بالضبط بئر قديمة بجوارها نخلة سامقة ، طويلة جدا ، أطول من كل النخيل الذي تعرفين ، كانت النخلة تمد جذورها في أعمق أعماق البئر و كنا نرى تلك الجذور الغريبة الطويلة حين ندلي رؤوسنا داخل البئر ، كانت مياهه بعيدة و لذلك فقد احتالت النخلة لتصل إليها بالجـــذور ، كـــانت أمي تــصيح فينا دائما لنبتــعد عن الــبئر ، و كانت دائما تردد لأبي يرحمه الله : "يوما ما سيسقط أحد أطفــالنا في هذا البئر ، أشعر بهذا "··
    و عاد أبوها يضحك ضحكته القصيرة و أكمل :
    - كانت متعتي و إخوتي أن ننزل على هذه الجذور داخل البئر حتى يصبح طوق البئر في ضوء الشمس كقرص من ضياء أمام عيوننا ، كنت أحب هذا على الأقل ، لكن أمي كانت تكرهه ، كانت تتفقدنا كلما انتهت من أحد اعمالها و هي كثيرة فاذا وجدت أحدنا في البئر كانت تصيح و تولول حتى يخرج فإذا خرج أوســعته ضربا و بكت بدلا عنه ، رحمة الله عليها ··
    - لكنها لم تمت
    - الرحمة للأحياء قبل الأموات يا ابنتي ··
    عاد الأب إلى كرسيه أمسك قدومه و أعمل به الدق ، وقفت برهة مترددة لكن السؤال عاد فغلبها فنطقت :
    - أبي ، و هل كان لكم كرم ؟
    نظر إليها مجددا و المسمار الأسود بين شفتيه يمنعه عن الكلام ، أو أن هذا ما أراده ، هز رأسه بالنفي و عاد يدقدق ··
    - لكن لنا أقارب و أعمام ، معارف و أصدقاء ، إذن نحن لنا وطن ، لنا وطن يا أبي أليس كذلك ؟ لماذا إذن كتبوا على جواز سفرنا اللاجئين ؟
    ترك أبوها قدومه يسقط منه أرضا و أزاح الكرسي عنه و قال :
    - تعالي ··
    اصطحبها إلى غرفته ، كانت مظلمة ، لكنه فتح النور و هو يقول :
    - سأريك الوطن الآن ··
    فتح خزانة ملابسه و أخرج صندوقا من خشب اللوز القديم و قال :
    - هنا في هذا الصندوق احتفظت طوال سنين غربتي بما تبقى لي من وطني ، انظري ··
    أخرج ألبوما مهترئا ·· أخذ يقلب صفحاته أمامها ، صور تتابعت بالأبيض و الأسود ، رديئة الإضاءة ، لم تعن لها شيئا ، فهي لا تعرف أصحابها ، أشار :
    - هذه أمي ، و هذا أبي يرحمه الله ، و هؤلاء إخوتي ، الكبير عمك عامر ، لقد توفي قبل عشرة اعوام و له أولاد لا أعرف عددهم ، لكنهم كثر ، و هذا عمك عمر ، كان أكبر مني بأربعة اعوام ، منذ سنين لم تصلني أخباره ، و هذا أنا ، انظري كنت أطولهم ، لكنني كنت شديد الخجل ، لذا ترين وجهي يختبىء خلف الوجوه ، و هذا أخي بدر ، إنه اصغر مني بعام واحد فقط ، و هذا محمد ، أصغرنا و أكثرنا شقاوة ··
    تنهد و هو يتذكر :
    - سقط مرة في البئر، و ظل يصارع الموت قرابة الخمس ساعات فيما أعيتنا الحيل لإخراجه و انتظرنا أبي حتى عاد من الكرم مساءا ، كان أبي قويا ، صاح فينا لما وجدنا نبكي ، قال : " يا عيب الشوم عليكم ، رجال و تبكون ؟"
    ربط حبلا في وسطه و نزل في البئر و هو يصيح بمحمد :" ها هل مت يا محمد ، اسمعني صوتك يا ولد "
    و عندما خرج محمد من البئر كان مبللا و يرتجف لكنه كان مبتسما ، قال :" أقــسم بالله إني لم أخــف و لم أبــك ، أنا رجل ، أليــس كذلك يا أبي ؟ "
    ظلت تراقب وجه أبيها و هو يحكي ، أشفقت عليه ، بدا مستمتعا جدا بما يقول ، وكانت عيونه تلمع و على طرفي شفتيه استقر زبد أبيض ، صوته متهدجا ، حالما ، كأنه يسمع أصواتهم و هو يحكي ··
    أخرج لها من صندوقه جرسا صغيرا ، أعطاها إياه و قال :
    - بهذا الجرس كانت تذكرنا أمنا إذا نسينا ، كان علينا كلما سمعناه و نحن صغار أن نركض إليها تجمعنا حولها ، تسألنا عما أنجزنا ، و عما ينبغي أن نفعل ، أحيانا كانت تقص علينا قصة ، أو تدعونا إلى طعام ، ثم تعود لأعمالها ··
    صمت فجأة فيما كانت أصابعه الطويلة تعبث في صفحات الألبوم المهتريء ، تعبث لكأنما تخفي ارتجافة تراها و تحس بها لكنها لا تفهم لماذا ··
    ***
    و ريم ليست صغيرة و هي تعرف جيدا أن فلسطين اكتسبت لقب المحتلة منذ أعوام عديدة و تعرف نتفا من تاريخها المظلم ، درستها و لم تعشها ، درستها مثل أية طالبة مصرية زاملتها يوما مقعد الدراسة ، كانت تعرف دوما أنها مميزة ، إن النظرات تتجه إليها بالضرورة عندما يأتي المعلم على ذكر فلسطين ، و عندما تعلق الفتيات على حدث ما سمعنه في نشرة الأخبار ليلة البارحة ، كانت ترى في عيونهن الأسئلة التي ينتظرن إجابتها منها ، لكنها لم تكن تجيب ، فهي لا تعرف ، حتى أبوها كف عن الحديث عن بلده منذ وقت طويل و لزم صمتا قهريا يمارسه معهم في المنزل لا يقطعه إلا الحديث العابر ، فهو عامل بناء يشقيه العمل طوال النهار فيعود آخر الليل متلهفا على لقمة يقيم بها أوده و رشفة شاي تزن رأسه و راديو قديم يبث أخبارا من كل المحطات ، ،
    ***
    دوامة كبيرة عاش فيها جهاد القاسم منذ أن جاء إلى مصر ، شابا في العشرين من عمره ، و كانت غزة آنذاك تتبع مصر إداريا و يحكمها حاكم مصري و يجوس شوارعها ليلا رجال أمن مصريين ، كان عليه مثل إخوته أن يسعى في الأرض وراء الرزق العصي ، في حياة شديدة القساوة عليهم ، و كان يتعين على الرجال و الشباب أن يتعرضوا كل يوم للموت في سبيل بضاعة مضحكة يأتون بها من فم السبع ، من الأراضي التي احتلتها إسرائيل عام 1948م ، البعض كان يجز حشيشا من تلك الأراضي في عتمة الليل ليبيع الجوال منه بخمسة قروش مصرية ، و البعض كان يقوم بقطع أنابيب الري المعدنية التي زرعها العدو بطول الساحل ضمن نظام ري حديث ليبيع القطعة التي اقتطعها بعشرة قروش أو يزيد و أيضا في عتمة الليل ، مازال جهاد يذكر جيدا سمت الاشخاص الذين سقطوا أمام عيونه برصاص العدو عندما كانت مصابيحهم القوية تكشفهم ، كان من المضحك المبكي أن هؤلاء يموتون بمنتهى البساطة ، يموتون و كأنهم كلاب ضالة راحت تفتش في أكوام القمامة عن قطعة عظم جرداء ،
    جاء جهاد بعد أن حزم أبوه أمره و قرر الرحيل إلى حيث مظان الرزق الأوسع في الاراضي الأردنية المجاورة ، كان يجلس مع أبيه و صحبه و هم يتحدثون حول خطة السفر الغريبة ، كان عليهم وفق خطتهم أن يقطعوا الطريق عبر صحراء النقب ليصلوا إلى ميــناء العقبـــة حيث تتفتـــح الطرق و تنقســـم أربعة اتجــاهات مـــا بين مصـر و الأردن و السعودية و الأرض المحتلة من اسرائيل ، و كان عليهم ــ و هذا أخطر ما في الموضوع أن يقدموا قربانا منهم للطريق لكي يفتح عليهم ما استغلق منه ، فالجميع عندما يصل هناك لم يكن ليعرف أي الطرق أكثرها أمنا و كان على أحدهم لعب لعبة الموت مع مربع المتاهة و كان الاقتراع ، ووقع الاختيار على أبيه ليكون هو الفداء يسير فإذا ما قتلوه كانت أرضا اسرائيلية ووجب على الباقيين اختيار طريق آخر ··
    شيء يشبه أن تطلق الرصاص على رأسك مخيرا من مسدس ليس فيه سوى رصاصة واحدة لا تعرف مكانها، فإما أن تكون الرصاصة في فوهته تحمل موتك أو تنجو إذا لم تكن الأولى ·· لم يتحدث جهاد كثيرا معهم و هم يضعون خطتهم و عندما وصلت الخطة إلى هذا الحد استشعر غصة ألم و نظر الى أبيه يستجديه الرفض ، إلا أن الاب أشعل لفافته اليدويه و رشف من كأس الشاي البارد أمامه و تطلع مليا في وجوه صحبه و ابنه و نفث الدخان أمامه و هو يقول :
    - على خيرة الله ·· موافق
    و عندما انفض الجمع بقي جالسا مع أبيه يتطلع إليه ، كانت هناك العشرات من علامات الاستفهام ترتسم على وجهه ، و كان الليل المخيم على حوش منزلهم يخفيها رسما و إن رسخها شعورا ، و رغم الظلام الدامس الذي ما كان لأبيه أن يراه فيه إلا أنه استحى من دمعة ترقرقت في عينيه و لم تسقط ، و بصعوبة فتح فمه ليطلق لســيل الأسئلة العنان و لكن كلمة واحدة خرجت من فمه ، هادئة رغم الهدير داخله ، منخفضة رغم الصياح المختبيء في حلقه :
    - لماذا ؟
    حدق والده إليه طويلا و تنهد و قال :
    - منذ عشرين عاما كانت أحوالنا صعبة و لكن بالقدر الذي نحسن العمل معه ، كنا أصحاب وطن ، أحرارا في حركتنا نمارس الصيد من بحر غزة أو التجارة من ميناء حيفا ، كنا سباع لا يقهر شبابنا و فتوتنا خوف أو يكسرها احتلال ، و لكن منذ أن انغرست الشوكة الإسرائيلية سيفا في خاصرة الوطن و أصبح ما نملكه سجنا كبيرا ، أصبح لزاما علينا أن نسعى و عرفنا معنى اللقمة المغمسة بالدم و العار ، و لكن ··
    و نفض الأب دخان اللفافة الذي سقط على ثوبه و قال :
    - حتى هذه اللقمة يا جهاد أصبحت عزيزة ، حتى القروش الخمس التي نحارب شبح الموت من أجلها أصبحت غالية ، أغلى من أرواح رجالنا و شبابنا ··
    اعتصر يديه حتى كاد ان يخلعهما و أكمل بحرارة كتم معها جهاد أنفاسه :
    - أمس ·· عندما كنت أتسلل في جنح الظلام نحو المستعمرة اليهودية القريبة لاجتث العشب أو أقطع ماسورة معدن و بعد أن غافلت الأمن المصري و أصبحت في مرمى الصهاينة أحمل جوالي ممتلئا فوجئت بشبح جندي يحمل بندقية و يصوبها نحوي ، لزمت مكاني و نطقت بالشهادتين ، قلت هي النهاية ، و لم أكن أفكر إلا في القروش الخمسة التي ستضيع لأن لا أحد منكم يحمل هذا الجوال ، أتدري لقد مكثت على حالي هذا دقيقة مضت كأنها دهر ، فرفعت رأسي إلى الجندي و صرخت فيه ، هيا اقتلني ، لماذا لا تطلق النار ، كنت أريد أن أرتاح من معاناة طالت و اختصرها الزمن في هذه الدقيقة الكبيسة ، و لكن الجندي لم يتحرك و امتلئت غضبا ، حتى الموت أصبح عزيزا في هذه اللحظة القاصمة ، أحكمت قبضتي على منجلي و قست المسافة بيني و بينه و قدرت سرعتي المطلوبة ووثبت وثبة واحدة نحوه لأغرس منجلي في قلبه ·· أتدري ·· لقد اكتشفت انني غرست منجلي في شجرة مالت غصونها و تشابكت حتى اخذت في الظلام شكل الموت المصوب من بندقية عدو ··
    و استشعر جهاد في صوت أبيه يأسا اعتصر قلبه و عندما هم بالحديث أكمل الأب بهدوء من وصل إلى الحقيقة :
    - من أجل هذا يا جهاد ، من أجل ألا نموت بذل الخوف ، كان اختيار الموت على مفترق الطرق أمرا فارقا يعني بالنسبة لأبيك الحياة ··
    و لم ينس جهاد أبدا هذه الكلمات ، كانت هذه الليلة هي آخر مرة يشاهد فيها أباه ، فقد اختفى مع بقية الرجال منذ الصباح الباكر بدون وداع رغم أن موعد تنفيذ خطتهم كان في المساء ·· اختفوا و لم يكن لدى الأم وقت للنواح ، كان الوقت عاملا مهما في أن يكون للناس رمق أو أن يلفظوه ··
    لذا جمعتهم الأم رجالا خمسة في ريعان الصبا و أبواب الشباب و قالت دون أن تحدد :
    - و أنتم ماذا تنتظرون ؟ الموت القادم خلف كل شجرة ، أو الهلاك جوعا و عارا ؟ انتم رجال فليسع كل منكم في طريق ، لا أريد أن أراكم إلا و قد وجد كل منكم طريقا ، هيا تحركوا ··
    و أيضا أيضا كانت هذه هي المرة الاخيرة التي يرى فيها أمه ··
    قرر كل من عامر و عمر الذهاب في إثر أبيهم و لكن عبر الضفة الغربية التابعة إداريا الى الأردن ، و قرر بدر البقاء إلى جوارها و الاسترسال في جمع الرزق من فم السبع فيما قرر محمد الاستمرار في طريق اختطه لنفسه منذ طفولته المبكرة في الانضمام لجماعات الثورة و حركات المقاومة ، و قرر هو الرحيل إلى مـــصر ، و هـــكذا تفرق الجمع و انفض السامر و ضاعت الصلات إلا من حنين قديم يربط الاخوة المتفرقون قد يعتريهم في لحظة واحدة فيتطلعون بعيون ملؤها الرجاء إلى سماء مازالت تظللهم جميعا و إن اختلفت أماكنهم و تباعدت ، فيرسلون إلى بعضهم البعض عبرها تنهدة شوق حارة تخرج من قلوب شتتها احتلال ··
    ***
    اجتمعت الأسرة على مائدة الغذاء الأرضية و أخذ كل منهم يتناول وجبته بصمت مترقب كأنما حط على رؤوسهم الطير ، و فجأة قطعت الأم الصمت و وجهت كلامها إلى سمر الاخت الصغرى :
    - ألن تتعلمي أبدا الأكل بطريقة صحيحة ··
    انتبه الجميع و كأنما اكتشفوا فجأة أن ليس لهذا الصمت من معنى فقالت ريم :
    - أمي ·· المزيد من السلاطة لو سمحت ··
    مدت الأم طبق السلاطة إلى ابنتها و أشارت بطرف عينيها إلى أبيها ، و فهمت ريم ، أخذت الطبق و قالت لأبيها :
    - المزيد يا أبي ؟
    رفع رأسه نحوها و ابتسم قائلا :
    - لا ، لقد شبعت ··
    فقالت الأم :
    - و لكنك لم تكمل طبقك على الأقل ··
    سحب علبة الدخان و أخرج سيجارة و هو يقول :
    - ليست بي شهية للطعام ··
    نهض فنهض الجميع ، ساعدت ريم أمها في جمع البقايا فقال الأب :
    - اين قاسم ؟
    - في رحلته المدرسية إلى الفيوم ، لقد أخبرك بهذا البارحة ··
    - نعم ··
    وضعت ريم ما بيدها في المطبخ و انفلتت إلى إبيها ، كان يجلس بجوار المذياع يقلب المحطات بادرته :
    - أبي هل انت غاضب ؟
    اجاب باسما :
    - لا ··
    - إذن لماذا لم تأكل ؟
    همس الاب باسما :
    - هل أخبرك بسر ؟
    أومأت برأسها إيجابا و اقتربت من أبيها فهمس :
    - لقد اشتقت فجأة لطعام أمي ، و تعرفين أن أمك حاولت مرارا صنع مثله لكنها لم تنجح و خشيت إن أعلنت رغبتي هذه أن تتحمس فتصنعها ثانية و هذا كثير !! أليس كذلك ؟
    ضحكت ريم و همست موافقة :
    - بل هو كثير جدا يا أبي ·· معك حق ··
    و عندما دخلت الأم تحمل الشاي وقفت لبرهة تراقبهما ثم قالت :
    - لابد أن حديثكما السري هذا عن طبخي أليس كذلك ؟
    ضحك الاب و قال :
    - لا يا أم قاسم ··لم يكن عنك أبدا أليس كذلك يا ريم ؟
    شعرت ريم أنها تريد احتضان أبيها ، تريد أن تواسي هذا القلب الوحيد الذي يخفق بين جنبيه ، تريد أن تدق الأرض فتخرج منها وطنا قديما ما زال يعيش في ذاكرته العجوز ، لكنها عوضـــا عن ذلك توجـــهت إلى حــــجرتها ، أغـــلقت بابها بهدوء و أخرجت صندوقها و فتحته ، دقت بالجرس الصغير قليلا ثم وضعته ثانية بعناية و تطلعت بغيظ إلى وثيقة سفرها ، دقت عليها ، عضت على شفتيها ، همست :
    - لماذا ؟
    توجهت إلى حيث ركنها الأثير ، لوحة رسم مغطاة بعناية رغم أن لا شيء عليها ، كانت الألوان مرتبة على حامل اللوحة ، كشفت غطاءها و تركت لمساحة اللون الأبيض احتلال عينيها و همست :
    - مضى وقت طويل ··
    أمسكت بقلمها الفحمي و خطت بضعة خطوط ··
    في المساء كانت الورقة البيضاء تحمل رسما مبدئيا لبئر قديمة تغرس فيها شجرة نخيل عجوز جذورها حتى الأعماق فيما طفل صغير يراقب قرص الشمس الغارب من خصاص نافذة خشبية في طرف اللوحة ·· نظرت ريم إلى ما رسمت و بدت راضية عنها و عادت فغطت اللوحة بعناية و خرجت لتفتح الباب الذي كان يدق بإلحاح ··
    كانت الأم تطالع التلفاز و الأب كعادته غارق في النوم بجوار المذياع و سمر الصغيرة ذات الخمسة أعوام تلعب أمام التلفاز فتثير أمها و يضيع المسلسل ·· في طريقها إلى الباب أجابت ريم على سؤال لم يسأله احد :
    - كنت أرسم
    همست الأم :
    - أعرف
    كان قاسم ابن الخامسة عشر شبيه أبيه ، صاحت ريم بمجرد رؤيته :
    - قاسم ، عدت مبكرا
    تركت الأم مسلسلها المفضل و توجهت نحو ابنها احتضنته و هي تقول :
    - أي مبكر يا ريم ، إنها العاشرة ، أهلا حبيبي
    رمقته ريم و لاحظت ارهاقه و هو ينفلت من حضن أمه و أشارت بطرف عينيها نحو أبيها النائم هامسة بمكر :
    - سأوقظه !! ··
    أشاحت أمها بيدها و قالت :
    - حتى الحب تريدوننا أن نخفيه أيها الفلسطنيون الغلاظ !!
    سألته ريم :
    - هل هناك ما يحكى ؟
    أومأ برأسه موافقا و همس :
    - الكثير ··
    قالت بلهفة و هي تشده من يده :
    - إذن تعال
    استوقفتهم الأم بحزم و قالت :
    - لابد أن قاسما جائع ، أليس كذلك يا حبيبي ؟
    نظرت ريم إلى قاسم مبتسمة و رددت :
    - هل حقا أنت جائع يا حبيبها ؟
    قال قاسم متذمرا :
    - لا ·· لست جائعا أكلت في الحافلة آخر شطيرة صنعتها أمي ··
    ثم نظر الى أمه و قال بامتنان :
    - أشكرك يا أمي ، لكنني حقا لست جائعا ··
    عبر تهاويم النوم جاءهم صوت الأب الغافي :
    - جئت يا قاسم ؟
    - نعم يا أبي ، أنا هنا
    لاح طيف ابتسامة أمن على وجه الأب و استرسل في نومه
    - يا أبا قاسم قم إلى فراشك ، تعدت الساعة العاشرة و أنت تستيقظ باكرا ··
    همهم الأب ببضع كلمات ثم قام متكاسلا و لم ينس إغلاق المذياع و في طريقه ربت على كتف قاسم و قال :
    - غدا ستحكي لي كل شيء ··
    راقبه الجميع و هو يمضي متثاقلا إلى غرفته و تحدث قلب ريم إليها بشيء ما ، استشعرت خوفا غريبا لازمها لحظة واحدة ثم انتهى كل شيء ، قالت لأمها :
    - هل آخذ قسوم الآن ام تريدينه بعد يا امي ؟
    لم تتكلم و لكنها ذهبت في إثر الأب المتعب و هي تغمغم بتحية المساء و توصي ريم بأختها سمر التي كانت تعالج نعاسا و تقاومه إلا أنها استسلمت له أخيرا و غفت على البساط حيث تلعب ، حملتها ريم و تبعها أخوها إلى غرفتها و عندما وضعتها في الفراش التفتت إلى قاسم و قالت :
    - و الآن احكي كل شيء ··
    ***
    كان قاسم في حياة ريم صديق أكثر منه أخا و كانت تتقبل راضية تدليل أمه له على أنه أمر مسلم به ، باعتباره الذكر الوحيد و لأنه جاء بعدها بثلاثة أعوام فقد اعتبرته في مثل عمرها ، خاصة لتمتعه برجاحة العقل و الاتزان اللذين لطالما اشتكت زميلاتها من عدم وجودهما عند إخوتهم الذكور ، لذا لم يكن مستغربا أن تكون جل أسرارهم عند بعضهما البعض ، و رغم أن قاسم لم تكن له أسرار بالمعنى الذي يعطي للكلمة هذا العمق إلا أنه كان يحتاج إلى من تسمعه في هذا السن الذي يبدأ فيه اليافع بقرض الأشعار و السباحة في دنيا الخيال و كتابة المذكرات الخاصة التي يضمنها أحلام الشباب اللاهبة ، و كان قاسم يعكس كل أحلامه المبكرة على سوسن صديقة ريم ، رغم أنها تكبره بثلاثة أعوام ، إلا أنها كانت تستمع إلى حكاياته عندما تزورهم باهتمام و تعلق على أشعاره و تبتسم له كلما بدأ الكلام ليسترسل دون أن تشعره بتفاهة ما يقول ، أو بأنه يضيع عليها وقتا ثمينا ينبغي أن تقضيه مع صديقتها ، و في هذه الرحلة الأخيرة كان جل ما يشغل بال ريم هو الانطباع الذي تركه سيد أخو سوسن لدى قاسم أخيها ··
    و سيد هذا هو الأخ الاكبر لسوسن و هو معلم اللغة الانجليزية لأخيها قاسم ولقد أبدى مرارا إعجابه بها لأخته التي كانت تنقل حديثه إلى ريم فتلقى منها صدودا مفتعلا و كأنها لا تريد أن تسمع ، و مع ذلك فلقد تركت لصديقتها المجال لتسمعها عبارات من نحو :
    - سيد شديد الإعجاب بك ، وصف أول لقاء له بك في منزلنا بأنه لقاء العمر ، قال إنه لم يكن يعتـــقد أن هنـــاك من هي في مثل سنــنا و لكـــنها تحمل كل هـــذا النــضج و الوعي و الثقافة و الأهم الرقة و العذوبة و الجمال ، قال إنك أسريته من أول لقاء ··
    و ترد ريم بعصبية مفتعلة :
    - سوسن لا تقولي هذا الكلام ، أنا لا أسمح به ، ليس لدي وقت لاضيعه على قصص الكلام الفارغ التي تشغل معظم بنات اليوم ··
    و لكن في أعماق ذاتها كانت مستمــتعة ، سعيدة ، و رسمت قلبا كبيرا يضم وجهين لرجل و امرأة مظللين بلا ملامح ، كانت اللوحة كلها سوداء ما عدا القلب الذي شغل ركنها الأيسر كله بلون أبيض ناصع يحتوي هذين الوجهين ، و لم تستطع أن تجيب على أسئلة سوسن التي لاحقتها عندما رأت لوحتها :
    - لماذا السواد في كل اللوحة ؟ أين الأزهار الجميلة و ضوء القمر و الشجرة التي يقبع عليها هذا القلب محفورا ، لم كل هذه القتامة و الغموض في الملامح ؟
    لم ترد ريم ، كل ما قالته أن ما رسمته كان التعبير الوحيد الذي شعرت به عندما أرادت أن ترسم بعد حديثهما عن أخيها ، و حاولت تغيير الموضوع ··
    و جاءت رحلة أخيها قاسم إلى الفيوم حيث سيرافق بشكل ودي أستاذه سيد و يجالسه طوال الوقت ، وكان قاسم يعرف ما دار بين الصديقتين عن سيد ، و كان له رأي سابق فيه يصفه بالجمود و عدم المرونة و الوجه الخالي من التعبير ، و لكن بعد أن طلبت إليه أخته محاولة استكناه هذه الشخصية و الوصول إلى وصف تقريبي لها أثناء الرحلة على اعتبار أن المرء يتحلل من جموده عندما يكون في قلب الطبيعة و في جو الرحلات ، ركز كل جهده على مراقبة و مجالسة الأستاذ أثناء الرحلة و خرج بانطباعات عديدة :
    - الأستاذ سيد و إن حاول التودد إلي هذه المرة ، إلا أنه يظل كما أخبرتك من قبل ، وجه بلا ملامح ، جامد ، حتى ضحكته لا تخرج صافية لا تخرج من القلب يا ريم ··
    - هذا ما شعرت به أنا أيضا عندما رأيته صدفة في منزل سوسن ··
    هزت رأسها و ابتسمت :
    - لا بأس يا فتى ، هذا الرجل لا يعني لي شيئا ·· و بالمناسبة فسأريك شيئا ··
    تحركت و اتجهت نحو الخزانة أخرجت وثيقتها للمرة العشرين هذا اليوم ألقتها إلى أخيها بغير اعتناء :
    - انظر ··
    - الوثيقة ؟ متى جاءت ؟
    - أحضرها أبي اليوم ··
    - مبروك ، صرت مستقلة الآن ··
    - هل لاحظت عنوان الوثيقة ؟
    - و ثيقة سفر للاجئين الفلسطنيين ، ما به ؟
    - قاسم ·· نحن لاجئون ، هل تعرف معنى هذه الكلمة ؟
    - و من لا يعرف ؟
    أطرقت ريم قليلا و نبض قلبها بشدة و عندما رفعت وجهها كانت عيناها تلتمع :
    - أراني أبي جزءا مما تحفظه ذاكرته للوطن ، أخذني إلى غرفة نومه ، أعطاني جرسا صغيرا كان لأمه ، و أراني ألبوما قديما ما زال يحمل صور عائلتنا هناك ·· هل رأيته ؟
    نهض قاسم واقفا و همس :
    - نعم ، أراني إياه ، بعد أن تشاجرت مع عادل في المدرسة الشهر الماضي ، كان يعيرني بوطني ، قال إنني بلا وطن و ينبغي أن أشعر بالأمتنان لهم لأنهم آوونا و رحمونا من التشرد ، صاح بي يا لاجيء ·· يومها جئت إلى المنزل باكيا ، كان أبي نائما بجوار المذياع لكنه بطريقة ما لمح دموعي ، و من الكلمات الأولى فهم كل شيء و صحبني إلى غرفته ، أراني كل شيء و قال لي إنه ما زال يحلم باليوم الذي يرى فيه أهله مجددا ··
    زفرت ريم و تنهدت
    ـ من يصدق عشرون عاما منذ غادر أبي أرضه ، عشرون عاما لم ير خلالها أحدا من إخوته أو أمه ··
    - حتى خبر وفاة جدي يرحمه الله عرفه صدفة ··
    - هل تعتقد أن شيئا ما يمنع ابي من الذهاب إلى هناك ؟
    همس قاسم و ملامحه تحمل صورة غامضة لم تستوعبها ريم كثيرا قال :
    - الخوف ··
    ران صمت طويل على الغرفة بعد هذه الكلمة لم يقطعه إلا صوت أنفاسهما و تقلب الصغيرة في فراشها ، عبر ضوء القمر خصاص النافذة فتبينته ريم و عندما همت أن تنهض إليه ودعها أخوها :
    - أنا ذاهب للنوم ·· لدي مدرسة غدا ··
    أومأت برأسها ، و عندما أغلق الباب خلفه نهضت ففتحت النافذة تطلعت إلى القمر ، كان مكتملا ، شيئا ما يخيفها عند اكتمال القمر بدرا ، تشعر أن اكتماله إيذانا ببدء النهاية ، و رغم ذلك لا تملك في كل شهر إلا أن تقف تراقبه و هو يفترش السماء و يقرأ عليها الرسالة ، همست و هي تتمطى :
    - يوما ما سأعود الى الوطن ··
    و عندما همت باغلاق النافذة رأته ··
    ***
    سعيد محام غير نابه ، شاب في الخامسة و العشرين من عمرة يقطن المنزل المجاور لهم ، متزوج و عنده ثلاثة أطفال ، اشتهر عنه أنه شاب لاهي ، لا يعترف بالمسئولية ، يؤدي عمله في مكتب المحاماة الصغير الذي يملكه بشىء من اللامبالاة ، عانت زوجته طويلا من عيونه الزائغة وراء كل حسناء ، لا يبالي أبدا بالاعتراف أمام الملأ بأنه لا يحترم النساء ، و أن المرأة تكوين جسدي مثير خلق للمتعة و ليس للوفاء و ليس للحب ، إنه أساسا لا يعترف بشيء اسمه الحب ، و لديه القدرة دائما على تسفيه كل شعور بالحب قد يخطيء صاحبه و يصفه له ··
    - هاه ·· إذن تحب ؟ يا أخي خذها إلى مكان بعيد و تمتع بها ، ثم عد إلى منزلك و أغلقه عليك و نم ··
    قبل شهر خرجت زوجته من حياته و أخذت أطفالها الثلاث ، قـــالت له إنها تخشى عليهم و على نفسها من وجودها معه ، قالت إنها حاولت المستحيل ليصبح إنسانا مسئولا ، لكنها فشلت ، اعترفت له أنها استسلمت و أنه إنسان غير قابل للتغيير و تركته ، بدوره لم يتمسك بها ، كان يعرف أنها لن تستمر معه طويلا ، يعرف أن استمرارهما معا هو من قبيل نفخ الرماد لإنعاش نار غافية ، كانت و ظلت و ستظل طوال الوقت غافية ، أعتقد أنه أصبح أكثر حرية عندما تركته ، و لكنه فوجيء كثيرا بالتغيير عندما وجد نفسه أكثر التزاما و هو وحيد على عكس ما كانت حياته و هي معه ، وجد نفسه زاهدا فجأة في النساء و عندما كان أصحابه يسألونه عن السبب كان يلوي رأسه قرفا و يقول :
    - لا راحة في دنياك إن اقتحمتها امرأة ··
    ذات صباح ، كان عائدا من العمل ، لم يعرج على أي مكان اتجه فورا إلى منزله ، كان يشعر برغبة قوية في ترتيبه و تنظيمه بعد أن تركه طيلة الأسابيع الماضية في حالة إهمال جسيم ، بجوار مدخل العمارة كانت ريم واقفة ، تعمدت التلكؤ حتى يراها و عندما اقترب منها ، لم يلاحظها ، إلا أنها نادته :
    - أستاذ سعيد ··
    رفع رأسه باتجاهها ، ارتسمت على وجهه علامة استفهام كبيرة ، و بدا أنه لا يعرفها قال : - ناديتني ؟
    أومأت برأسها و قالت :
    - نعم ·· في الواقع رأيتك و أنت قادم من بعيد و انتظرتك ··
    ابتسم ابتسامة ذات مغزى و قال و هو يقيس بنظراته تفاصيلها :
    - خيرا إن شاء الله ؟
    ضغطت ريم بأصابعها على شيء تحمله و مدت يدها به قائلة :
    - هذا للسيدة مريم ··
    - ما هذا ؟
    أعادت اللفافة إلى حضنها و قالت :
    -إنه ثوب كنت قد اقترضته منها قبل فتــرة و جئت اليوم لأعيده إليها لكنها غير موجودة ··
    - آه حقا ، هي غير موجودة ، و لن تكون موجودة أبدا ، احتفظي بالثوب لنفسك فهي لن تعود ··
    همست كأنها تقرر حقيقة كانت تعرفها :
    - انفصلتما ، أليس كذلك ؟
    قال باقتضاب :
    - نعم ··
    نظرت إليه بتحفز و لا تدري من أين واتتها القوة لكنها قالت :
    - هذا أفضل لها ، فمثلك لا يصلح زوجا ··
    انفلتت إلى منزلها ، و لم تلتفت وراءها ، و عندما وصلت إلى البيت حكت لأمها ما حدث ، تحدثا قليلا و علقا على الانفصال المتوقع ، ثم نسيا الأمر ، و لم تدرك أنها تركت أثرا عميقا منذ ذلك الوقت لم تستطع الأيام أن تمحوه لدى سعيد ··
    ***
    عندما همت ريم بإغلاق نافذتها لمحت سعيدا جالسا في شرفة منزله يحتسي كوبا من الشــاي و ينظــر باتجاههــا مبتسمــا ، لم تعط للأمر أية أهــمية إلا أنها تذكــرت زوجــته و شعرت بغصة غضب تجاه هذا المخلوق ، حنقت عليه جالسا يسامر القمر فيما أسرته بعيدة ، أغلقت النافذة بقوة كأنها تصفعه و هدهدت سمر قليلا حتى نامت مجددا بعد أن أيقظها صوت النافذة الغاضب ، و نامت ··
    حلمت في هذه الليلة حلما غريبا ، رأت نفسها فيما يرى النائم كأنها تسير في صحراء مترامية الأطراف ، لاشـــيء أمامها ســـوى هذه الصحراء ، كــانت تشعر بالعطش الشديد و في كل مرة تترآى لها بحيرة تركض نحوها فتجدها سرابا و يزداد العطش ، رأت بحيرة ، ثم بحيرة ، ثم جبلا عاليا تسلقته حتى القمة و اعتلت سحابة بيضاء و كانت ماتزال عطشى و فجأة أمطرت السحابة مطرا ، و أخذت منها الحيرة كل مأخذ لأنها لم تستطع أن تشرب من ماء المطر المنهمر تحتها رغم عطشها الشديد و استيقظت و هي تحاول التقاط بعض القطرات بكفها و لكنها لم تستطع ··
    ***
    كانت قد أنهت للتو مساعدة أمها في أعمالها المنزلية ، و كانت أمها تستحثها الأسراع في تجهيز الطعام و فرشه قبل وصول أبيها المتوقع بعد لحظات ، و عندما انتهتا من وضع كل شيء في مكانه جلستا صامتتين تنظران للباب تارة و لساعة الحائط تارة أخرى قالت الأم و قد شعرت أنه لابد من الكلام :
    - أبوك متعب
    نظرت إليها ريم ، صمتت قليلا ، كانت تبحث عن الكلمات المناسبة ، كانت تريد أن تخبرها أنها تعرف ، شعرت بهذا منذ فترة ، منذ أن اصبحت خطواته واهنة و دموعه التي لا تسقط قريبة ، في الحقيقة هي تعرف أنه ما فتح لها كنزه المخبوء منذ سنين الا لينقل لها عبر ذكرياته وصية ما حفرت في قلبها إلا أنها لم تستبن كلماتها ، أوجعها قلبها و أحست بالغصة منذ أن أعطاها وثيقتها ثم الجرس و لكنها كانت تريد أن تحتفظ بكل مشاعرها داخلها فهي لا تريد أن تخرج كلماتها فتقرر واقع لذا اكتفت بأن تقول :
    - العمل مرهق لمن في سنه يا أمي ، اطمئني و دعينا نعمل على راحته أو نطلب إليه أن يتوقف قليلا عن العمل بضعة أيام فقط ··
    - أي سن يا ريم ؟ إن والدك ما زال في الخامسة و الأربعين من عمره لم يتمهم ، لكنه يبدو و كأنه تجاوز الستين ، بل السبعين ·· انني شديدة القلق عليه ··
    أدارت ريم وجهها عن والدتها لا تريدها أن ترى دمعة ترقرقت لامعة في عينيها تعتمد الحقيقة التي ذكرتها أمها ، صاح شيء بداخلها :
    - إنه الحنين يا أمي ·· الحنين إلى منزل قديم و بئر معــطلة و أم ربطــت حجرا على قلبها و دفعت أولادها يوما إلى الغربة لكي يعيشوا ·· إنه الحنين أيتها الأم الحبيبة ، الحنين إلى صخب أخوة جمعتهم يوما أرض كانت لهم ، وطن كان فرشهم و غطاؤهم زادهم و زوادهم ·· إنه الحنين يا أمي و ليس تعب السنين كما أقول و ترفضين ، إنه فقط الحنين ··
    عندما فتح جهاد الباب ، لمح في نظرات زوجته كل ما توقع و أكثر ، قــلق و حيرة ، خوف و ضيق ، تنهد :
    - السلام عليكم ··
    توجه إلى غرفته تتبعه عيونهما :" إيه يا أم قاســم ·· إيه أيــتها الغــالية ، رفيقة الدرب و الكفاح ، هل تشعرين بحالي ، هل أخبرك صمتي أنني أعاني ، هل سمعت هدير أمواج غزة في زفيري و شهيقي ، لابد لكل طير أن يعود ، و لقد طالت غربتي ، فهل سأعود يوما ، أم أنه كان فراقا للأبد ، شيئا يشبه الموت ، لكنه موت مؤجل ، إيه يا أم العيال إنني محطم حتى النخاع ، وحيد رغم العمل و البيت و الأولاد ، شيئا عزيزا قطعوه من لحمي يحن إلي الآن ··"
    التفت إلى الباب كانت تملأ تجويفه الخالي ، تنظر إليه بقلق همست :
    - هل أساعدك ؟
    هز رأسه مبتسما و قال :
    - مازلت شابا يا أم العيال ، من في سني لم يتزوجوا ، أنت التي شيبتني بالعيال مبكرا قبل الآوان ، صدقيني سأتزوج عليك يوما شابة صغيرة تعيد إلي الشباب !!
    أشاحت أم العيال بيديها و قالت باسمة :
    -و هل كنت ستجد من تتحملك مثلي أيها الفلسطيني التائه ، أم نسيت ؟ هل أذكرك بيوم جئت لأبي ترجوه أن يقبلك زوجا لي و تعده بأن تصونني في العيون و في حبة القلب ··
    - أنا ؟ !! أنا الذي ذهبت أم أنت من طاردتني حتى قبلت الزواج منك ·· هيا لا تغالطي التاريخ يا أم قاسم ··
    كانت ممازحة يبعد بها كلاهما شبح النهاية عن سمائه ، و كان يحلو لهما دائما تبادل اتهامات السبب في هذا الزواج ، لكن الممازحة اليوم كانت هما ثقيلا على القلبين لذا صمتا فجأة كما تكلما فجأة و نظرت إليه مليا فاطرق برأسه و قال :
    - نعم ·· ساعديني يا أم العيال ··
    ***
    كانت سميحة والدة ريم الآن هي ذاتــها تلك الشــابة المصــرية التي تلبس الملاءة السوداء و تغطي شعرها بمنديل مزركش الأطراف و تحمل الغذاء كل يوم إلى أبيها ملاحظ العمال ، فيلتفت لمقدمها كل عامل بناء و كل مهندس يصادف وجوده في موقع العمل ، عندما رآها جهاد لأول مرة كان قد مضى على وجوده في مصر ثلاثة شهور ، عمل خلالها في عدة أعمال صغيرة و سافر إلى مدن عدة قبل أن يستقر به المقام في القاهرة حيث تلقفه عم صابر والد سميحة و تعهده بالرعاية عندما علم أنه غريب من فلسطين ، كان يسأله عن الأحوال هناك و كان كغيره من المصريين آنذاك يعتبر أن فلسطين هي القضية التي خانها مليكهم يوما حين كانت في مرمى اليد ، أسلحة فاسدة و قصة قديمة تحولت مع مرور الوقت إلى عقدة ذنب خفيه في الضمائر ليس لها سببا مباشرا ، لذا فقد رأى فيه العم صابر ممثلا جيدا لبلاده يمكنه من خلاله أن يقدم شيئا لتــلك البلد البعيـــدة التي تــضم قدس جريح ، و لم يكن هذا الحال مستغربا لدى الجميع ، لذا فقد كان لدى جهاد فرصة جيدة ليقف على أقدامه بمنأى عن أية مكائد قد يدبرها زملاء المهنة لبعضهم الــبعض ، كان هو اســتثناء ، و كان سعيدا بهذا الاستثناء ، و عندما رأى سميحة قرر أن يختبر هذا الاستثناء عــمليا و أضمر في نفسه أنها ستكون زوجته ، لم يكن يعنيه تلهف الرجال عليها و حديث بعضهم علنا عن رغبتهم في الزواج منها كان في قرارة ذاته يشعر أنها له ، شعر بذلك من عينيها عندما التقت بعيـــنيه في لحظة واحـــدة ، وقعا خلالها بالأحــرف الاولى علاقة لن تنــقطع ، و كان كلما سمع أن أحدهم تقدم لها ينتظر بقية الحكاية التي يعرفها··" و رفضت هي " لكنه لم يتكلم و لم يشر حتى بأنه يريدها ، كان يعرف أنه لابد أن يكون مستعدا للزواج قبل أن يقدم على هذه الخطوة ، و بالفعل ، بعد عام كامل تقدم إلى العم صابر و قال بمنتهى الثبات :
    - عم صابر ·· أحبك كثيرا و أريد أن ارتبط بك ارتباط دم و نسب فهل تقبل أن تزوجني ابنتك ؟
    تطلع اليه العم صابر مليا و سأل ضميره إن كان اشفاقه و محبته لهذا الفتى يبرران أن يعطيه ابنته لتشاطره غربة لا يعلم حدودها إلا الـــله أم لا ، لكنه حسم الموقــف في دقيقة و قال :
    - إن وافقت هي فأنا موافق ، و لن أجد لها أفضل منك ··
    هذا الرد كان جهاد قد سمعه قبل أن ينطق به الأب ، كان قد أحسه و قلما أخطأ إحساسه ، سميحة له الآن و ليحمل الغد ما يشاء من مفاجآت فإنه سيصنع أسرة من جديد بعد أن تشتت أسرته الأصلية اختياريا ، و ربما صنع وطنا ··
    و في أقل من شهرين كان المنزل الجــديد قد أُجر و الفرش بالتقسيط قد اشــترى و فرش و الزفاف تم كأحسن ما يمكن لشاب فلسطيني غريب و شابة مصرية كانت محط أنظار الجميع ، و جاءت ريم بعد تسعة أشهر بالضبط و تنهد جهاد ساعة أن سمع خبر الولادة الأولى و قال :
    - الحمد لله الآن أصبحت لي أسرة ، الآن عاد لي بعض من بعض الوطن ··
    ***
    تأخر الغذاء هذا اليوم عن موعده كثيرا و اضطرت ريم لتسخينه مجددا مرتين على الأقل قبل أن يقبل الأب و الأم و حتى قاسم كان قد عاد من مدرسته و علقت سمر :
    - هذه هي المرة الاولى التي نأكل فيها معا ··
    ربت قاسم على ظهر الصغيرة و قال :
    - غريب أنكم انتظرتموني اليوم ، هل من جديد ؟
    قالت ريم بمكر و هي تبتسم :
    - هذا السؤال يجيب عنه أبي ، أو أمي ، فهما السبب
    و قال جهاد :
    - السبب خير إن شاء الله ، خير للجميع و خصوصا لك يا ريم ··
    تركت ريم ملعقتها تتوجه إلى فمها دون وعي منها فأسقطت الحساء على ثوبها و هي تسأل بلهفة :
    - خيرا إن شاء الله ؟
    ضحك الأب و أشار لثوب ريم المتسخ و قال :
    - خير حتى انسكاب الحساء خير ··
    و تمتمت الأم :
    - طبعا خير ما دامت هي لا تغسل الثياب فما الذي يهمها ··
    أشاح الأب بيده و قال :
    - يا أم ريم دعيها ، اليوم تحديدا لها أن تفعل ما تريد ··
    تعمق السؤال في عيون ريم و تطلعت إلى أبيها تحاول أن تقرأ ما يخفيه و سألت نفسها :
    - هل هو عريس ؟
    قال الأب :
    - ما اخرني عن الحضور اليوم إلا مقابلة غير متوقعة مع جارنا الأستاذ سعيد ··
    استغرقت الأم وقتا لتتذكر من سعيد فيما عرفته ريم فورا و لم تخف تعجبها الذي لم يطل فقد قال الأب :
    - قرب منزلنا وجدته واقفا و كأنه كان بانتظاري ، سلم علي بحرارة رغم أننا بالكاد نعرف بعضنا ، فهو لم يسكن في الجوار إلا منذ سنة تقريبا و الحياة تلاهي ··
    شيء ما في نفس ريم كان يستحث الأب على سرعة إتمام الحديث الهام و البعد عن التفاصيل الصغيرة التي لا معنى لها ، لكنها لم تبده و رفعت ملعــقتها إلى فمهــا مجددا و هي تسأل بلا مبالاة مصطنعة :
    - ماذا كان يريد ؟
    و سبقت الأم بالكلام قائلة :
    - إياك أن تقول أنه يريد الزواج منها ، هذا الشاب اللاهي ··
    هز الاب رأسه مبتسما و قال :
    - لا يا أم قاسم ، لم يكن هذا محور حديثنا ، اتركيني لأكمل ، لقد رحب بي بحرارة متعجبا من عدم معرفتنا ببعضنا البعض طيلة هذه السنة و ذكر شيئا كثيرا عن إعجابه بي و بكفاحي في الحياة ، كنا نسير معا و وجدت نفسي فجأة أمام باب بيته لا بيتي فدعاني للدخول و شدد في دعوته فلم أملك إلا الاستجابة ··
    ـ آه هذا اللاهي ماذا يريد منك ، هل يريد جرك الى طريقه ، لا تنس ذكرت قبل قليل انك صغير و تريد الزواج من اخرى ··
    هذه المرة تكلمت ريم ووجهت حديثها لأمها :
    - أمي بالله عليك دعينا نعرف ماذا يريد هذا السعيد من أبي و ما علاقتي بالموضوع ، ماذا هناك يا أبي ؟
    ترك الأب ملعقته و نهض قائلا :
    - الحمد لله ، الشاي يا ريم و تعالي سأحكي لك كل شيء ··
    مرت الدقائق التالية بصعوبة على ريم التي كانت تصنع كل شيء بآلية و كأنها مسيرة من أجل الانتهاء بسرعة ، رفعت الطعام ، غسلت الأواني ، أعدت الشاي و عندما جاءت به إلى حيث يجلس الجميع ، كانت قد خطرت في بالها الفكرة ، قالت و هي تضع الصينية :
    - أبي هل للأمر علاقة بإكمال دراستي ؟
    ابتسم الاب و هو يأخذ كوب الشاي و هز رأسه قائلا :
    - هذا صحيح يا ريم ، لقد سألني الاستاذ سعيد عنكم جميعا و عرف أنك منذ عام تجلسين في البيت لأننا لا نستطيع تأمين مقعد لك في الجامعة ، و بالصدفة هو يعرف مسئولا كبيرا يعمل في الجامعة مدرسا ··
    - تقصد أستاذ يا أبي ··
    - نعم يا قاسم هذا ما قاله ، أستاذ في الجامعة ، و قال أنه سيسأله عن إمكانية التحاق ريم بالجامعة خاصة بعد أن عرف أنها كانت من المتفوقين دراسيا و أن مجموعها كان كبيرا جدا في الثانوية العامة و أخيرا فقد أخبرته عن أنك تتقنين الرسم و تتمنين الالتحاق بقسم الرسم في الجامعة ··
    - الفنون التشكيلية يا أبي ··
    - نعم بالضبط الفنون التشكيلية ، و لكـــن يا ريم هـــــل من الفنـــون التشكيلية الرقص أو الغناء أو أي شيء من هذه الفضائح ؟
    هزت رأسها بسرعة مؤكدة :
    - لا ·· لا و الله يا أبي ، أنها كلية تدرس فقط فنون الرسم و النحت و لا علاقة لها بفن السينما و المسرح و الغناء ··
    كانت الأم تستمع و لم تشارك في الحديث ، لذا عندما نظر إليها الأب سائلا إياها عن رأيها تنهدت و قالت :
    - إنه حلم حياتي كما تعلم ، أن يتعلم أولادنا أحسن تعليم ، و لكن يا أبا قاسم لقد نسيت شيئا هاما جدا ··
    نظرت ريم الى أمها و كأنها ترجوها ألا تفسد الخبر الجميل ، فنظرت إليها الأم و قالت بحنان بالغ :

    - المصاريف ·· مصاريف الدراسة الجامعية فوق قدرتنا يا أبا العيال ، كيف لم تفكر في هذا ؟
    ران صمت طويل على الجميع ، كان الأب خلاله ينفث دخان سيجارته ، و يرشف من كوب الشاي و يفكر ، فيما تطلعت ريم الى أبيها برجاء ، ثم باشفاق ، و في الدقيقة التالية كانت قد مسحت فكرة دخول الجامعة من خيالها و همست الأم :
    - لا يقدر على القدرة إلا الله ··
    نهضت ريم و حملت الأكواب الفــارغة و هي مطــرقة و اتجــهت الى المطبخ ، تنحنح قاسم و قال :
    - أبي ، لو أذنت لي ·· التعليم الجامعي هو حلم ريم و هي بالفعل إنسانة موهوبة و ربما في المستقبل يكون لها شأن كبير ، فلماذا نجعل من المصاريف عائقا و هو أمر قد يرهقنا إلا أنه غير مستحيل ، و أنا قد كبرت و أستطيع مساعدتك فترة بعد العصر إلى العشاء ، ألم تكن تعمل و أنت في سني بل أصغر ؟
    شهقت الأم و قالت :
    - و الدراسة ؟
    رد عليها قاسم قائلا :
    - لن تتأثر كثيرا ، أستطيع تنظيم وقتي ··
    هز الأب رأسه و قال :
    - لمن لا وطن له و لا أملاك تعينه ليس بعد الله الا العلم يا قاسم ، و لن أسمح لشيء أن يؤخرك عن دراستك ، و إلا يا بني أكون قد أضعت عمري هباء ، فلن أترك لكم عندما أموت مالا ، لكنني أكون على الاقل مطمئنا أنكم على الطريق الصحيح ··
    هزت الأم رأسها موافقة و تمتمت :
    - أطال الله عمرك يا أبا العيال ، و لا حرمنا الله منك ، تعيش إن شاء الله حتى ترى أولادك و هم متزوجون و تلاعب أحفادك و تراهم بدورهم كبارا متزوجين و ··
    قاطعها الأب قائلا :
    - كفى ·· كفى لقد أوصلتني إلى المائة أو يزيد بدعائك هذا ·· ما يهمني أن يطيل الله في عمري حتى أكمل رسالتي و بعد ذلك لا يهم ·· هيا ، اذهب يا قاسم لتستريح و من ثم تذاكر دروسك ، أريدك دائما الاول ··
    تابعه بعينيه و هو يمضي إلى غرفته و قال :
    - حماه الله ·· رجل صغير ··
    كانت ريم تستمع إلى الحديث بجوار المطبخ يراودها الأمل تارة و يموت أخرى و عند هذا الحد منه اتجهت إلى غرفتها و هي تبتسم ممتنة لأخيها ، و تذكرت حلم الليلة الماضية ، الظمـــأ و السراب و الســحابــة التي لا تســتطيـــع أن تشرب منــهــا رغـــم أنها تعتــليها و تساءلت :
    - ترى هل هذا هو تفسير الحلم ، أم أن ما يخبأه لها القدر من العطش أكثر بكثير مما ترى أو تتوقع ؟
    ***
    منذ أن ألقت ريم كلمتها الغاضبة إلى سعيد و شيء ما انبش مخالبه في صدره ، زحف جيش مجهول الهوية و استوطن مكانا ظل خاليا في جوفه :
    - قالتها و مضت ، و كأنها طيف أو حلم ··
    من هذه الفتاة ، و كيف لم يلاحظها منذ سكن الشارع رغم أنها جارته ، من أين واتتها القوة لتقول رأيها بصراحة في الوقت الذي استغرق الامر من زوجته عمرا و ثلاثة اطفال كي تنطقها ·· ماذا تعرف هذه الصغيرة الجريئة عنه ، ماذا كانت تخبرها مريم و كيف كانت تنظر إليه ، هل تحتقره في قرارة نفسها ··
    اسئلة كثيرة حرمت عليه النوم ذلك اليوم ، و قرر أن يعرفها أكثر ، قال أنها بكل تأكيد مثل كل النساء و لكن تنقصها الخبرة و وعد نفسه أن تستقي هذه المخلوقة خبرتها على يده ، اسعده كثيرا أن اكتشف أن نافذة في منزلهم تطل على شرفته المهجورة ، قام ففتح الشرفة و رتبها و أزال منها غبارا كثيرا ، ثم وضع فيها كرسيا و طاولة و قرر أن تكون جلسته الدائمة في هذا المكان في حالة كانت الغرفة لها ، و ابتسم و هو يقول لنفسه :
    - اللعبة القديمة ، ابن الجيران و ابنة الجيران ، كبرت قليلا عليها و ربما جاءت متأخرة لكنها جاءت على أية حال ، و لن تضيع الفرصة ··
    كان هذا ما يقوله بصخب لسانه ، أما ما استقر في نفسه فكان مختلفا بعض الشيء ، كان هناك ما يربطه بهذه المخلوقة ، ليس جمالها فلقد عرف من هن أجمل منها عشرات المرات ، و لا لسانها الطويل الذي فاجأه برأي من غريبة ذات ظهر أحد الايام ، أنه شيء ما في عينيها ، نظرات بريئة ، مفعمة بالتحدي و بالحزن ، بل و بالضحك أيضا ··
    - كل هذا كان في نظراتها ؟!! يا لك من مغفل كبير ·· هي فريسة و أنت الصياد و أنت صياد ماهر ·· هذا كل ما في الأمر ··
    و عندما جلس ذلك المساء في شرفته للمرة الاولى يحتسي الشاي ، كانت نظراته مصوبة على النافذة ، و أمنية تجوس في خاطره أن تكون الغرفة لهـــا ، كانت الغـــرفة مظــلمة ، و كان القمر بدرا ، لأول مرة يلاحظ القمر ، عادة في مثل هذا الوقت لا يكون في مكان مفتوح يطل عليه القمر ، إنه يكون في مكان مغلق ، مغلق حتى الاختناق يمارس لعبته الدائمة في خداع الفرائس الخبيثة ، الفرائس التي تريد الخداع و تطلبه ، هذه هي المرة الاولى التي يطالع فيها القمر وجها لوجه ، ترى هل اكتمل متعمدا اليوم ، أم أن القمر يسير في دورته الاعتيادية غير آبه بمريديه زادوا واحدا أو نقصوا عشرة ، المهم أنه ما زال متربعا في السماء يلعب دور قديم متجدد ، لم يمله منذ بدء الخليقة :
    - سبحان الله ، كيف لم ألاحظك أيها القمر من قبل ؟ لماذا تحمل ملامحك وجه إنسان غاضب ، هل أنت غاضب مني أنا تحديدا أم من كل البشر ··هل تعرفها أيها القمر ·· ما اسمها ·· هل هي صديقتك ، أم أنها بدورها لا تعرفك ·· ؟
    لاحظ الضوء ينبعث من خصاص النافذة ، أمعن النظر عله يرى خيالها لكن النافذة كانت ساترا قويا دون عيونه ، عاد يرشف من كوبه و يطيل النظر إلى النافذة يستجديها أملا ، أو خيالا ·· ثم توجه إلى القمر و همس :
    - إذا كانت صديقتك فأرسل في طلبها ، أرني مقدار حظوتك عندها أن استطعت ··!!
    و كأنما استجاب القمر للتحدي فأرسل شعاعا منه إلى النافذة المغلقة و انتظر ، بعد قليل فتحت ريم النافذة ، أطلت منها فورا إلى القمر ، نفخ سعيد الهواء و نظر للقمر مبتسما و قال :
    - إيه أيها القمر لقد نجحت ··!!
    راقبها و هي تطالع القمر ، لاحظ على البعد تقطيبة حزن و هي تمعن النظر إليه ، شعر بها و إن لم يستبنها ··و ظل مركزا نظره عليها علها تراه ، و بالفعل نظرت ريم باتجاهه ، و لكنه هذه المرة سمع زمجرة غضب حملها النسيم إليــه رغم أن المسافة ليســت قصيرة و أصابه الذهول حين ردت على ابتسامته الساحرة باغلاق النافذة بقوة و كأنها تصفعه ··
    - للمرة الثانية تتعمد هذه المخلوقة الصغيرة تقليم أظافرك و إدارة رأسك ·· لا يا سعيد يجب أن يكون هناك حل ·· و بسرعة ··
    بعد تفكير عميق قرر أن يعرف عنها كل شيء ، راقب المنزل ، عرف أباها و أخاها و حتى أختها الصغيرة تمرح مع الصغار أمام الباب و عندما عرف ميعاد عودة الأب اليومي من العمل كان بانتتظاره عازما على معرفة كل شيء ، و قد كان له ما أراد ، عندما ألح على أبيها بدخول منزله تعمد ألا يرى الغرفة التي تطل بشرفتها على نافذة ابنته ، و جاذبه أطراف الحديث و عرف ما أراد ، و لدهشته وجد نفسه مدفوعا للكذب ، قال أنه يعرف أستاذا في الجامعة و يستطيع إلحاق ريم فيها ·· كان اسمها يعجبه ، استزاده و كان الأب مستـــعدا للمزيـــد ، بدا متلــهفــا على تعليــم أولاده ، تمسك بالأمل و عــرض عليه حــالتها و موهبتها و أخبره كثيرا عن لوحاتها الجميلة ، و تطور الكذب و قال سعيد :
    - لا تخف يا عم جهاد سوف تلتحق ريم بكلية الفنون الجميلة ، هذا وعد ··
    عندما غادره الأب ، طالع وجهه في المرآه ، صاح :
    - كاذب ··
    ***
    فتحت ريم نافذتها و استقبلت بعض النسمات الصيفية مع الشمس و هي تلملم شعاعاتها لترحل ، كان لون الشفق يريح أعصابها ، و تحبه كثيرا رغم أنه يعني الوداع ، وصفته ذات مرة لصديقتها سوسن قائلة :
    - عندما يصبغ الشفق الأفق بالحمرة يغلبني يقين بأنني أمام عيون بكت حتى الإحمرار على الفراق ··
    و يومها علقت سوسن قائلة :
    - دائما الفراق يا ريم ، لماذا يغلب عليك الشعور بالفراق رغم استقرارك و تمتعك بعائلة يحسدك عليها الجميع في التفاهم و الترابط ؟
    همست ريم قائلة و هي مطرقة :
    - لأن الفراق يكون أقسى عندما نحب من نفارق و ما نفارق ··
    و تنهدت و أكمل شيء داخلها ··
    - الوطن ·· الانتماء ·· هل تشعرين ؟
    لا ·· لا يمكن لمن يعيش في وطنه أن يعرف يقينا معنى و قيمة أنه ينتمي له ، كيف يمكن لمن يصحو مطمئنا أن يشعر بالخوف من مستقبل غامض ككهف أسود فاغر فاه على المجهول ، لا ·· لن تستطيعي يا سوسن أن تعرفي و لن يستطيع أحد أن يعرف ، حتى أهلونا هناك لن يعرفوا ، سنظل دائما في نظر الكل أولئك الذين هربوا من المواجهة مع الموت ليعيشوا ، سنظل دائما في عيون الآخرين النقطة في آخر سطر عذاب يعيشه الآخرون ·· لن يشعر بالمعذبين في بوتقة اللجوء إلا من عاشه ، فهل عشته يا سوسن ، حتى أنت يا سعيد هل عشت اللجوء يوما ؟ ، لو أنك عشته ما وجدت فراق زوجتك و أولادك هينا ، ما وجدت الانفصام سهلا ، لكنك في بلدك ، الكل أهلك ، الجميع ناسك ، فلم تخاف من فراق إرادي ؟ ما زلت رغم الفراق تملك أن تجلس باستكانة على كرسيك الهزاز في شرفة منزلك تغازل القمر و تبتسم ، أي اطمئنان يعيشه من له وطن ··
    تطلعت في وقفتها طويلا إلى شرفته الخالية و تساءلت :
    - هل حقا بمقدورك المساعدة أيها الرجل اللاهي ، هل حقا يمكنك أن تقدم عونا ؟ و لم لا·· أنت في وطنك و بامكانك أن تفعل ، كما أنك جريء ، جريء جدا ، لقد استطعت في مقابلة واحدة مع أبي أن تعرف كل شيء ·· و لكن عرضك مرفوض ·· لن نستطيع أن نقبله ، فهناك دائما المال ، الحاجز الذي لا يقهر ، اللجوء الآخر ، الأمنيات الصعبة ، الأحلام المستحيلة و ·· نعم و العطش ، الظمأ الشديد رغم سحابة الماء ، سأظل دوما ظمأى هذا قدري ، و لن تستطيع تغييره ··
    أغلقت نافذتها و توجهت إلى حامل لوحاتها رفعت الغطاء فبدا شكل البئر و الشجرة تدب أغصانها فيه موحشا ، مرعبا ، مخيفا ، حتى الصبي الذي يتطلع إليه كان غريبا ، عضت على شفتها السفلى و همست :
    - كيف رسمت هذا المنظر الفظيع ؟
    كان كل شيء أمامها في هذا اليوم يفقد قيمته ، شعرت للحظة أنها عاجزة ، أنها مبتورة الساقين و اليدين ، أنها تريد أن تصرخ لولا لسانها المقطوع ، وضعت لوحا أبيض فوق لوحة البئر و خطت بالفحم خطوطا سوداء كئيبة لوجه يطحنه الظمأ ··
    دخل أبوها الى الحجرة دون أن يدق الباب ، نظرت إليه بعيون مغرورقة و لم تتكلم ، اقترب و نظر في لوحتها و هز رأسه رافضا لما فيها ·· قال:
    - أنت غاضبة يا ريم ·· هل خيبت أملك يا ابنتي ؟
    نظرت اليه ريم و حاولت الكلام إلا أن غصة منعتها و شرقت بدموعها ، فاقترب منها أبوها جدا و أخذ رأسها بين يديه ووسده كتفه ، قال :
    - لا تبكي يا صغيرتي ·· عندما تكون المشكلة نقودا ، فلا مشكلة ، مازال أبوك قويا ، قادرا على العمل و العطاء ، و إذا صدق الأستاذ سعيد في وعده فإنني سوف ألحقك بالجامعة ··
    رفعت ريم وجهها و مسحت دموعها بباطن كفها و ضحكت و هي تقول بحروف متعثرة :
    - لا يا أغلى أب ، لا أريد الجامعة ، و لا أريدك أن ترهق نفسك أكثر من أجلي ·· صدقني لن أكون سعيدة و أنا أحقق أحلامي على أنقاض صحتك ، يكفيك ما عانيت حتى وصلنا إلى ما نحن فيه ، لا أريد المزيد ··
    أمسك وجهها بين يديه و قال لدموعها النازفة :
    - أقسم بالله العظيم أن أمسح هذه الدموع و لو كلفني هذا عمري ·· أنتم كنزي أيتها الفتاة الرهيفة و أنتم وطني الذي تركته مخيرا قبل عشرين عاما و لن أسمح لهذا الوطن الصغير أن يضيع مني بدوره ··
    - و لكن يا أبي ؟
    وضع الأب أصبعه على فمها ليمنعها من إكمال أعتراضها و أمسك لوح الرسم الحزين ، رفعه و وضعه جانبا و عندما نظر إلى لوحة البئر تحته ، وقف واجما و ريم تراقبه ·· مرر أصابعه على حافة البئر ببطء و لمس غصون النخلة السامقة ·· قال :
    - هل يمكن أن أحتفظ بهذه اللوحة ؟
    قالت ريم :
    - لكنها لم تكتمل يا أبي ، كما أنها بشعة جدا ··
    - لكنني أريدها ··
    همست ريم :
    - كنت أريد تقديمها لك عندما أكملها ، لكنني فجأة زهدت فيها و شعرت أنني لا أريد إكمالها ··
    ابتسم الأب و هو يرفعها و قال :
    - لو اكتملت لخالفت الحقيقة ، إن نقصانها هو كمالها أيتها الفنانة الصغيرة ··
    راقبت ريم والدها و هو يغادر الغرفة حاملا اللوحة بين يديه ، همست :
    - صدقت ··
    ***
    في طريقها إلى منزل سوسن كان لابد لريم أن تقطع المسافة بين بيتها و بيت سعيد أولا قبل أن تنعطف يمينا لتسير باتجاه بيت سوسن الذي لا يبعد كثيرا عن منزلها ، عشر دقائق سيرا على الأقدام ، و عندما اجتازت واجهة بيت سعيد و بدأت طريقها إلى سوسن وجدته فجأة أمامها ·· كان سيد أخو سوسن ، اعتراها ارتباك و لم تدر إذا كان من اللياقة أن تحيه أو من الأدب أن تتركه دون كلام ، لكنه كان أسرع في أخذ المبادرة إذ حياها قائلا :
    - آنسة ريم ، كيف حالك ؟
    همست :
    - الحمد لله
    - متجهة إلى بيتنا ؟
    أومأت برأسها أن نعم ··
    - هذا جيد ، ساذهب في مشوار صغير و عندما أعود آمل أن أجدك هناك فلدي ما أقوله لك ··
    أسرعت في مشيتها بدون رد و عندما اقتربت من منزل سوسن وقفت برهة مترددة هل تطرق الباب أم تنسحب قبل مجيء الاستاذ سيد ثقـــيل الدم ·· و أخــيرا حزمت أمــــرها و أقفلت عائدة ، لكنها و للمرة الثانية في أقل من عشر دقائق تجد من يستوقفها و هذه المرة كان سعيد الذي بادرها :
    - آنسة ريم ··
    نظرت إليه مندهشة ، ثم تذكرت أن أباها أعطاه اسمها قالت :
    - نعم
    - رأيتك تسيرين حتى نهاية الشارع ثم تعودين ، هل هي رياضة ؟
    تطلعت إليه بحنق و همت أن تجيب ، إلا أنها آثرت عدم الكلام ، هزت رأسها و سارت في طريقها ، ظل واقفا في مكانه يراقبها تسير و قال و هي تكاد تختفي في انعطافة منزلها :
    - يا لك من طفلة ··
    عندما وصلت ريم إلى منزلها أجابت أمها قبل أن تسأل :
    - سوسن ليست هناك ··
    نظرت إليها الأم و قالت :
    - و هل في عدم وجودها ما يستدعي هذا الغضب في عيونك ؟ ما بك ؟
    نظرت ريم إليها و قررت أن تقول :
    - في طريق الذهاب وجدت فجأة أمامي سيد ، قال أنه يريد محادثتي و لا أعرف ما الذي يريده ··
    و قبل أن تعلق الأم أكملت و كأنها ترمي حملا أثقلها :
    - و في طريق العودة وجدت أيضا فجأة أمامي الاستاذ سعيد ، جارنا اللاهي ، أعتقد أنه خفيف الدم و سألني إن كنت أجوب الشارع على سبيل الرياضة ··
    و للمرة الثانية همت الأم أن تعلق إلا أن ريم عاجلتها و هي تلقي بنفسها غضبا على أريكة الصالة :
    - ثم وصفني بصوت عال بأنني طفلة ، أعتقد أن كل من في الشارع سمعه ··
    تطلعت الأم إلى ريم ، مقطبة ، إلا أنها فجأة وجدت نفسها تبتسم و قالت و هي تمعن النظر فيها :
    - كبرت و الله يا ريم ··
    نظرت إليها ريم و قالت بغيظ :
    - هذا ما لا يعرفه الأستاذ سعيد ··
    ضحكت الأم و قالت :
    - بل ربما كان هذا هو الشيء الوحيد الذي يعرفه الأستاذ سعيد يا ريم
    توجهت ريم بنظراتها المتسائلة لأمها التي أكملت :
    - مثل هذا الرجل يعرف تماما متى تكون الثمرة ناضجة ، و يعرف إن كانت حلوة أم مرة و يعرف أخيرا متى و كيف يجب أن تؤكل ··
    - ماذا تقصدين ؟
    تنهدت الأم و قالت :
    - أقصد حماك الله من هذا الأستاذ و أشباهه ووقاك شر أولاد الحرام ، لقد بدأ سعيد يلعب لعبته و اختارك أنت هذه المرة فكوني حذرة ··
    - لكنه تحدث مع أبي و كان الحديث عابرا ، و عرض المساعدة ··
    - هذه البداية يا بنت أبيك ، احذري و اخبريني دوما بكل شيء و الله يرعاك ··
    - هل أقول لأبي ؟
    - لا يفهم الرجال هذه الأمور و لا يستطيعون استيعابها و خاصة عندما يظل الأب على اعتقاده أن ريم ابنة الثمانية عشر عاما ما زالت في مثل عمر سمر ·· أبوك لن يصدق ، لكنه سيقلق و لاأريده أن يقلق ، يكفيه قلق ··فهمت يا حبيبتي ؟
    هزت ريم رأسها :
    - فهمت ··
    ***
    كانت سوسن في حجرتها عندما طرق عليها أخوها الباب و دخل ، تلفت حوله و سألها مباشرة عن ريم :
    - غادرت مبكرا ، أنا لم اتأخر ··
    رفعت رأسها عن كتابها و سألته بدورها :
    - عمن تتحدث ؟
    - ريم
    ضحكت سوسن و أغلقت الكتاب و قالت :
    - هيه ·· بدأنا نتخيل ، هو العشق إذن يا أخي الكبير العاقل ··
    - أي تخيل يا سوسن ، لقــد قابلت ريم في طريقها إلى هنا و طلبت منها انتظاري ، فلم رحلت باكرا ؟
    - ريم لم تأت أصــلا ، رغم أنهــا كانت قد وعدتني بزيارة الـيوم ، آه إذن هي لم تأت بسببك ··
    - بسببي أنا ؟
    - نعم ·· ريم خجول للغاية و مجرد مخاطبتك لها في الشارع أثار حفيظتها ، و لا استغرب تصرفها ··
    ابتسم سيد بارتياح و قال :
    - هذا هو النمط الذي أريد ·· ريم فتاة خام و هي ما يتمناه كل شاب ··
    قالت سوسن :
    - و لكن ماذا عنها هي يا سيد ، إن ريم لا تحب الحديث حولك ، و كم حاولت أن أنقل لها انطباعاتك و مشاعرك فكانت دائما تصدني و ترفض مجرد الكلام ··
    - خجل العذارى ··
    - ليس مع صديقتها ، إنني أعرف عنها كل شيء و لا مكان للمواربة بيننا ، علاقتنا منذ الطفولة كما تعلم و ريم حازمة في مثل هذه الأمور ، كل ما يعنيها الرسم و لا شيء غير الرسم ··
    - عادة غبية ينبغي أن تتركها عندما نتزوج ··
    نظرت إليه سوسن ممتعضة ، غادر الغرفة و قالت هي :
    - هذا إذا تزوجتها ··
    ***
    كان سيد نموذجا لشباب فقد رغبته في الجديد ، كان قديم المشاعر و التفكير و الأخلاق ، يزن الناس بمقدار ما لديهم من هذا القديم ، يعتبر كل جـــديد انحلال و تفـــسخ عن القــيم و الأخلاق ، و في سبيل تكريس هذه الحقائق جار على الابتسام حتى نسيه و تعلم أن البنت وسيلة إنجاب و تكوين أسرة ، ينبغي ألا يكون لها في الحياة رأي أو موقف ، و كان يعتقد أن تعليم الفتاة ينبغي أن يتوقف عند الثانوية العامة ، لذا فقد فرض على أخته حياة البيت بعدها مباشرة ، و لما كان هو ولي امرها بعد وفاة والدها فقد رضخت لأمره و لم تكمل تعليمها ، شجع سيد منذ البداية العلاقة بين أخته و بين ريم ، في الوقت الذي وقف فيه بالمرصاد لأية علاقة أخرى مع صديقات أخريات ، كان يعرف العم جهاد و يقدره كثيرا و يرى فيه النموذج الحقيقي للرجل ، يكدح من أجل أسرته و زوجته في المنزل تسهر على رعايته و إنجاب الأطفال له ، و بلغ تقديره له كل مبلغ عندما وجده أجلس ريم بعد الثانوية العامة كما فعل هو مع اخته و بهذا اتفقت الميول و صار زواجه من ريم مسألة وقت ، لا يقف أمامها رفض ريم أو ممانعة والدها :
    - و كيف يرفض و أنا معلم محترم ، لي راتب و بيت و شخصية قيادية يلمسها الجميع ··
    وأد في نفسه ميلا إلى الشعر لمسه لديه معلم اللغة العربية عندما كان طالبا ، أعتبر أن الشعر مضيعة للوقت و سبب في مياعة الشباب و تأخر رجولتهم لذا فقد كان حازما مع نفسه ، مزق كل أشعار المراهقة و ترك للأيام قيادته وفق التقسيم التقليدي ، دراسة فعمل فزواج ·· لكنه بعد أن رأى ريم و قد صارت عروسا جميلة عاوده حنين قديم للشعر ، و عندما أسهده التفكير فيها ذات ليلة ، ضبط نفسه متلبسا بالشعر ، و كانت الساعة تدق الثانية بعد منتصف الليل و قصيدة متينة مستقرة بين يديه تطلب إليه أن يهديها لصاحبتها ·· لكنه عاد فهزأ من نفسه و طوى القصيدة و ألقــاها بلا اهتــمام في درج مكتبه ··
    ***
    خلال سني عمله في مصر ، و بعد زواجه من سميحة عمل جهاد في مجال البناء و شيئا فشيئا تعلم أن يقتحم مجالات أخرى تتعلق به ، فأصبح بامكانه أن يقوم بالطلاء و برع أيضا في أمور السباكة و الكهرباء و حتى النجارة إذا لزم الأمر ، و اكتسب ثقة كل من عمل معهم لذا لم تتوقف أعماله يوما و كان يعتبر أن هذا رزق تعليم و رعاية الأولاد ، فلم يكن يبخل عليهم بكل قرش يجنيه من كده ، و كان لتدبير سميجة زوجته أبلغ الأثر في سير الحياة وفق ما تمنــوا و رغبوا ، فعلى قـــدر أحلامــهم الصــغيرة كانت أيضا أهدافهم و سيرتهم في الحياة ، و لكن بعد أن لاح أمل الجامعة مجددا في أفق حياتهم أصبح هذا الأمر هو الشغل الشاغل لدى العم جهاد ، كان لابد من وسيلة يحقق بها حلم ابنته و من بعدها ابنه ثم ابنته الأخرى ، و بهذه الطريقة لا يمكن ··!!
    كان يتأمل لوحة البئر التي أخذها من ريم و آلاف الافكار تتصارع في رأسه ، تصب كلها في السؤال اليتيم :
    - من أين ؟
    كانت أم ريم تنظر إليه منذ فترة بدون أن يشعر ، كانت تعرف تماما ما يدور في خلده ، كانت مدركة أن الفكرة لم تغادر رأسه منذ زرعها سعيد فيه و هي تعرف جهاد عشرة العمر جيدا ·· أخيرا تنهدت لتنبهه و قالت :
    - وحد الله يا رجل ··
    تطلع إليها و تنهد بدوره و قال :
    - لا إله إلا الله سيدنا محمد رسول الله
    - عليه أفضل الصلاة و أتم التسليم ·· ما بك يا أبا العيال ؟
    - ريم يجب أن تدخل الجامعة ··
    و قبل أن تتكلم حذرها :
    - و لا تقولي من أين ، الرزاق موجود ··
    - و نعم بالله ، و لكن حقا ، حقا من أين ؟
    - أفكر في أمر و لا أدري إذا كان ممكنا أو لا ··
    - لا تقلها ··
    - يجب يا أم العيال ، آن الآوان لتنفيذها ، أجلناها كثيرا و لكن آن الآوان
    - تريد أن تسافر و تتركنا ؟
    - قاسم صار رجلا يعتمد عليه ، و الغربة لن تطول ··
    صمتا كلاهما بعد هذه العبارة ، كان كلاهما يفكر في نفس الأمر :" الغربة لن تطول عبارة حدثته بها نفسه قبل عشرين عاما حين غادر غزة و ها هي طالت و طالت حتى صارت عمرا ، فلماذا لن تطول بدورها غربة الكفاح من أجل تعليم الأولاد؟ "
    همست :
    - لا أحتمل الفراق ··
    قال :
    - سنين قليلة ، اجمع فيها بعض النقود و اعود و ربما تمكنا حتى من بناء بيت خاص لنا بدلا عن هذا المنزل ذي الأجرة القديمة و الذي يراودني صاحبه عنه منذ فترة ·· أنت تعلمين كل شيء يا سميحة ، فلماذا تمانعين ؟
    - لا ·· لا يا أبا قاسم · لا ·· لقد كبرنا على غربة تفرقنا ، لن أطيق الفراق بعد أن صرت أنت كل حياتي ، لن أطيق أن أعيش مع الأبناء ، أقاسي الأمرين بدونك ، و أنت هناك في بلاد الله خلق الله تكافح و تعود آخر النهار فلا تجد من تمسح عرقك و تشد أزرك ، هذا فوق احتمالي يا جهاد فوق احتمالي ··
    - لكن الأولاد بحاجة للمزيد ··
    - بل يممكننا الاستغناء عن هذا المزيد ، يمكنــنا أن نرضى بما قسمه الله لنا و نكمل حياتنا ··
    - نحو أي اتجاه يا أم العيال ؟ تمضي حياتنا نحو أي اتجاه ؟ نعلمهم حتى الثانوية ثم نتركهم يصارعون فقرا و قلة وظائف و لجوء ، ما الذي فعلته إذن ·· ما هي الثمرة التي رويتها بسنين غربتي و لجوئي ·· ماذا سيقول أولادي بعد موتي ، هل سيترحمون علي ، ام سيقولون سامحه الله تركنا ريش في مهب الريح ·· نحن فلسطنيون يا أم قاسم ، هل تدركين معنى هذه الجنسية علينا ، فلسطيني لا أرض تقبله و لا مكان يرحب به ، يعيش حياته مشتتا بين أمل كاذب و سياسة فاضحة و كفاح مسلح استمر سنينا و حصد أذكى الأرواح و لم يسفر عن شيء ·· هل تفهمين قصدي ؟
    - و من غيري يمكنها ذلك يا أبا العيال ، من غيري بوسعها أن تعصر سنين العمر الماضية و تقدمها دماءً في عروق الصغار ، من غيري يا أبا قاسم ، و لكن ، الفراق ؟
    - حتى حين ··
    - و الأولاد ؟
    - سيفهمون و سيعينونك ··
    - و الوحدة ؟
    - سأرسل لك كل يوم خطاب ··
    - و السفر؟
    - سيكون في أسرع وقت ·· إن شاء الله
    ***
    كان سعيد يداري نفسه بعدما لمح العم جهاد في الطريق ، خشى أن يسأله عن الأمل الكاذب الذي زرعه برعونة في حياته و كان أخشى ما يخشاه أن يعيد العم جهاد عليه الحوار الذي دار بينهما البارحة ، عندما كان عائدا من عمله فإذا بالعم جهاد ينتظره و يلح عليه أن يدخل بيته ليتحدثا ، كانت المرة الاولى التي يدخل فيها هذا البيت ، تمنى رؤية ريم و لكن الأب فتح له غرفة الصالون و استأذنه دقيقة عاد بعدها يحمل صينية الشاي ، قدم له كوبه و هو يقول :
    - أستاذ سعيد ·· تفضل ·· أرجو ألا أكون قد فوت عليك عمل ما في هذه الظهيرة ··
    - لا لا أبدا يا عم جهاد ··
    - اسمع يا بني منذ أن تفضلت و قلت أنه بامكانك الحاق ريم بالجامعة و أنا أفكر مع أم العيال في الطريقة التي نجمع بها المال من أجل هذا الهدف الذي نحلم به ··
    وضع سعيد كوب الشاي و هم بالكلام ، لكن العم جهاد كان متحمسا لإكمال ما يريد قوله فأكمل :
    - و بعد تفكير قررت أن السفر هو الوسيلة الوحيدة التي يمكنني من خلالها تحقيق هذا الحلم لأولادي تباعا
    - و لكن يا عم جهاد ··
    - و لكن يا بني أنا أريد أن أعرف الآن ماذا تم بهذا الخصوص ، فلدي فرصة للسفر الى السعودية بعد شهرين من الآن صديقي الحاج محمود وفرها لي مشكورا ، سأعمل هناك في البناء أيضا براتب كبير ، حوالي ألف جنيه ، هكذا قال لي الحج محمود ، و أنا أريد منك تأكيدا ··
    - نعم يا عم جهاد و لكن ··
    - يا بني الجامعة حلم ريم الدائم ، و أنا لا أريد أن أثقل علــيك ، فقط أجبني هل هو ممكن ام لا ؟
    ترك سعيدا كوبه و نهض قائلا :
    - في أقـــرب فرصـــة سأخبرك بكــل شيء ، لقد ســرت بعــض الخطوات في هذا الموضوع و عندما أنتهي سوف أخبرك بكل شيء
    - بارك الله فيك يا بني ، بارك الله فيك ، اجلس نتغدى سويا ··
    لكن سعيد لم يجلس ، لقد خرج مسرعا و كأنه كان في الجحيم ، لمح ريم و هو يغلق الباب خلفه ، لمح عيونها ، تلك العيــون التي حيـــرته كثيرا منــذ اللحظة الأولى ، رأى فيها أملا و رجاء و اعتماد ·· خرج مســـرعا لا يلـــوي على شيء فتح باب منزله و نظر لمــرآة الباب و صاح بغضب :
    - كاذب ، كاذب ··
    ***
    نزل خبر سفر الأب المزمع على رأس ريم كالصاعقة ، رفضته منذ اللحظة الاولى ، توسلت إليه ألا يفعل ، قالت أنها راضية تماما بتعليمها إلى هذا الحد ، دللت على أن الأمر عادي بصديقتها سوسن ، لكن الأب اكتفى بقوله :
    - سوسن مصرية و أنت فلسطينية ··
    توسلت إلى أمها أن تثنيه عن قراره ، تحدثت الليالي الطوال إلى أخيها عن غول الغربة الذي سيقتحم حياتهم اذا سافر الأب في غربته الثانية ، بـــكت ، تــوسلت ، ألحت ، صــلت و دعت الله كثيرا و لكن أباها لم يستجب ، لقد قرر و انتهى ··
    و عندما دخل سعيد بيتهم تلك الظهيرة مع أبيها شعرت أنها تريد أن تقتله ، وقفت على باب غرفة الصالون تستمع إلى الحديث ، بدا و كأنه حديث من طرف واحد ، أبوها فقط يتحدث و سعيد يقول "و لكن " حنقت عليه أشد الحنق ، إنه هو السبب ، ليته يستطيع أن يثنيه عن قراره ، ليته يكمل " و لكن " بحديث طويل يقنعه فيه أن غربته عن أولاده ثمنا كبيرا جدا على تعليم الأولاد ، تمنت أن يقول له أنه كان يكذب و أن الجامعة كذبة كبيرة اتخذت شكل البومة و لعبت لعبتها الأبدية في تفريق الشمل و بعثرة الأسرة ، لكنه لم يقل ، و حين خرج ، لا تدري لماذا نطقت عيونها بالتوسل بدلا عن الغضب الذي كان يغلي داخلها ، و تساءلت :
    - هل فهم ·· هل سيحاول ·· لابد أن يفهم ، لابد أن يحاول و هي ستقنعه بذلك ··
    حزمت أمرها و انتظرته في اليوم التالي بجوار منزله ، في نفس المكان حيث رآها للمرة الاولى ، عندما أقبل عليها بدا للوهلة الأولى غير مصدق ، ثم تحولت ملامحه إلى الابتسام تعبيرا عن سروره ، لكنه ما أن اصبح في مواجهتها بوجهها الحانق حتى انقلبت ملامحه رأسا على عقب ، وقف واجما و لم يعرف ماذا يقول و بادرته هي :
    - أستاذ سعيد ، أريد أن أتحدث معك كلمتين لو سمحت ··
    ابتسم مجددا و لكن بحذر و دعاها للكلام قالت :
    - ينبغي أولا أن أشكرك على عرضك الكريم على أبي بإلحاقي بالجامعة ، لكنني أريد منك أمرا لو سمحت ··
    بلع غصة قريبة و ظن أنها ستطلب منه مثلما طلب أبوها الإسراع في المجيء بالرد لذا هم بالكلام :
    - لقد قلت لأبيك ··
    قاطعته :
    - دع عنك أبي الآن ، أنا صاحبة القضية ، و أنا من تعنيها بالمقام الاول ، و بقدر اشتياقي و رغبتي الحقيقية في الالتحاق بالجامعة ، و بقدر أمنيات أبي و رغبته العارمة في تعليمنا حتى آخر التعليم العالي ، أطلب منك أن تعدل عن خدمتك و أن تخبر أبي انك كنت تكذب عليه و لا تستطيع خدمتنا بهذا الخصوص ··
    بلع ريقه و نظر إليها و الدهشة تكسو كل ملامحه ، ماذا تطلب هذه الشابة ؟·· ترجم دهشته في كلمة استنكار بدت حقيقية جدا :
    - أنا كاذب ؟
    تلعثمت ريم لكنها سرعان ما استعادت قوتها و قالت :
    - آسفة ·· لم أقصد ما قلت حرفيا و إنما اردت إبلاغك أنك بهذا الحلم الذي دخلت به حياتنا أعملت معولك في هدمها ··
    أشاحت بوجهها تخفي دمعة ، ثم نظرت إليه و ملامحها تحمل رجاء و استعطاف و قالت :
    - أبي سيسافر و يتركنا من أجل هذا الهدف··
    شيء يشبه الزلزال تحرك داخله ، شيء ما هزه حتى الأعماق ، تمنى لو يأخذ هذه المخلوقة في حضنه و يعتصرها بين يديه ، تجاوبا مع نظرة الاستعطاف ، تمنى لو أمكنه حتى أن يمد يده فيمسح دمعتها الخجول ، صمت قليلا ثم قال :
    - لكنه هدف نبيل و يستحق الكفاح ··
    صاحت :
    - أنت لا تفهم ، لا يمكن أن تفهم معنى غربة أبي الثانية ·· أنت لن تفهم ، لن تفهم ··
    لم تستطع أن تكمل ، بدأت دموعها تغلبها ، و لمح هو اللؤلؤ يتساقط بسرعة غريبة من عيونها ، كانت عيناها مفتوحة و دموعها بلا صوت لكن النشيج كان في قلبه ، و الأسى ملك عليه نفسه همس :
    - اهدئي أرجوك ··
    - ستخبر أبي أنك لم تسطع عمل شيء و أنني لا يمكنني الدراسة في الجامعة ؟
    - سأفعل ··
    - وعد ؟
    - اعتبريه كذلك ··
    - أشكرك ··
    و مثلما حدث في اللقاء الاول في نفس المكان انسلت من أمامه كالطيف و غابت في انعطافة منزلهم و هي تحدث نفسها :
    - ربما ينجح هو فيما فشلنا فيه ··
    ***
    ذلك المساء كان مميزا جدا فقد جاء سعيد إلى منزل العم جهاد بنفسه و بدون دعوة ، طرق الباب و عندما فتح له قاسم سلم عليه كرجل راشد و سأله عن أبيه ، فأدخله قاسم الصالون و نادى أباه و أخبره عن الزائر الغريب فنهض الأب مبتسما و طلب من أم العيال أن تعد الشاي بسرعة ، كان سعيد يرتدي ملابس أنيقة صيفية ، حليق الذقن تنبعث منه رائحة ذكية ، و كان مبتسما ، سلم على العم جهاد بحرارة و جلس و بادر فورا بالكلام :
    - عم جهاد ، لقد تحدثت اليوم مع الآنسة ريم بشأن تعليمها و سفرك ··
    عقدت الدهشة لسان الأب و هم بالحديث فعاجله سعيد :
    - لا أحب أن ألف و أدور كثيرا ، لقد وجدت الآنسة ريم بانتظاري أمام البيت في الشارع ، رجتني أن أثنيك عن عزمك على السفر و أعلنت أنها لا تريد إتمام تعليمها ، طلبت مني أن أخبرك أنني كاذب و أنني لا يمكنني إلحاقها بالجامعة لكي تتنازل عن فكرة السفر ، لذا آمل منك أن تتكرم بدعوة الآنسة ريم لنناقش الموضوع معا و بمنتهى الصراحة لنخلص إلى رأي يرضي جميع الأطراف و يريحني من عقدة ذنب أبت كريمتكم إلا أن تحملها لي ، فهل هذا ممكن ؟
    كان الأب ما زال غير مصدق لما يسمع ، غير موقن أساسا أنه سمع هذه العبارات ، ابنته ريم تقابل هذا الرجل و تتحدث معه ، ماذا حدث ··؟!
    أسرع الأب فنادى زوجته و ابنته ، كان يبدو عليه الغضب ، جاءت الأم و الابنة و في أثرهم قاسم و حتى سمر الصغرى جاءت ، قالت الأم بلهفة :
    - ماذا حدث يا أبا قاسم ؟
    قال الأب و هو ينظر إلى ريم بغضب :
    - ابنتك قابلت الأستاذ و طلبت إليه أن يثنيني عن السفر ·· أليس كذلك يا ابنة عمري ، أليس كذلك ؟
    نهض الاستاذ سعيد بسرعة و توجه إلى الأب و هو يقول :
    - اهدأ يا عم جهاد ، اهدأ و أخبرني ما الذي يضايقك ·· إذا كان ما يضايقك هو مقابلة الآنسة ريم لي فقد تمت في الشارع و على مرأى كل من فيه و أنت تسعى لإلحاقها بالجامعة و هناك سوف تكلم الكثير من الرجال سواء أكانوا أساتذة أو زملاء ، ما الفرق ؟ أما إذا كان ما اغضبك هو أنها سألتني منعك من السفر فهذا لأنها خائفة من فراقك لهم و لا تريد هذه الغربة ··
    جلست سميحة بجوار زوجها و ربتت عليه و هي تقول :
    - نعم يا أبا قاسم ، و لقد حكت لي ريم كل شيء و لم أجد غضاضة فيما فعلت ، ابنتنا مرباة و مؤدبة و نحن نثق بها أليس كذلك يا أبا ريم ؟
    تطلع الأب نحو ريم و غمامة غضب صغيرة جرداء تلوح في عيونه ، في الحقيقة كان عتابا أكثر منه غضبا ، تقدمت ريم بهدوء و نظرت إلى الأرض و هي تقول :
    -أنا حقا آسفة يا أبي ، كنت أريد منعك من السفر بأية طريقة ··
    - و لماذا لم تكلميني أنا ؟ لماذا لم تخبريني أنا ؟ ألست أباك و موطن أسرارك ، مصب أمنياتك و محقق أحلامك ؟ ألست هو يا ريم ، ما الذي تغير يا ابنة جهاد ، ما الذي تغير ؟
    جثت ريم على ركبتيها أمام أبيها و أمسكت يديه و مالت فقبلتهما و قالت :
    - و ستظل دوما واحتي و الوطن أيها الأب الحبيب ، ستظل دائما مرفئي و بيتي و بئري الذي منه أرتوي ·· إنما هي محاولة رجوت لها النجاح ··
    رفع الأب رأسها و تطلع اليها و قال وهو يكز على أسنانه :
    - لماذا ؟ لماذا ، آلاف غيري يسافرون ، و ربما كانت أهدافهم أقل قيمة من هدفي ، إنهم يبحثون عن بيت أوسع و أرض أكبر و تجارة لا تبور ، بينما أبحث عن وسيلة أؤمن لكم بها العلم ، سلاحكم الوحيد في مواجهة الزمن من بعدي ، أنا لا أريد لنفسي شيئا ، لا أحلم بأكثر مما أنا فيه ، لكنني أريد الدنيا لكم ، الحياة الكريمة ··
    رفعها من على الأرض و أجلسها بجواره و أكمل فيما الجميع يشاهد صامتا :
    - أنتم كنزي يا ابنتي و سفري ليس تضحية ، إنه رسالة تكتمل و أيام تمر بسرعة إن شاء الله و أحلام تتحقق ··
    شدت ريم على يد أبيها و قالت و هي تغالب دموعها :
    - لكنني لا أريد لغربتك أن تصبح أكبر و لا أريد لعذابك أن يطول ، لا أريد لأمنا و لنا الوحدة بدونك ، لا أريد ، بل لا أحتمل أن أصحو ، و أنت غير موجود بيننا ، أن أحتاجك فلا أجدك ، أن أمد إليك يدي فلا تحتـــويها و تحــتــويني ، يا أبي إذا سافرت يضيع الأمان ، و إذا تركتنا حتى و إن تحققت الاحلام ستكون مجروحة ، مصبوغة بعرق الغربة و ليالي التعب و الفراق ، كيف نهنأ بها و هي من بعض دمك ، كيف ؟
    تنحنح سعيد و قد غلبه التأثر فلمعت عيناه لكنه قال :
    - لا أملك أمام هذا الموقف إلا أن ألغي فكرة التعليم ، أنا أقول لأبيك يا ريم كما طلبت أنني كاذب ، ليس لدي أية وسيلة أساعدكم بها ··
    نهض الأب مسرعا ، أمسك يده بحرارة قال:
    - لا ·· لا يا أستاذ سعيد ، لا تتخذ هذا الموقف ، لا تبال بما سمعت ، إنهم صغار و أنا ذاهب و هم قادمون ، و عندما يكبرون على دنيا ليس فيها أبوهم و ليس لهم فيها ميراث يستندون عليه ، لن يكونوا سعداء بهذا المــــوقف ، و لن أكــــون راضيا عن كفاح عمري ·· لا يا أستاذ سعيد ، أمض في اجراءتك و سأمضي في اجراءاتي علنا في النهاية نصل الى نقطة تتلاقى فيها الأهداف و أنطلق منها إلى تحقيقها ··
    و نظر إليه متوسلا ، همس و هو ما زال يضغط على يده :
    - أرجوك ··
    ران صمت طويل على الجميع ، نظر سعيد إلى ريم مطولا ، كانت تنظر في الأرض تحرك قدمها فوق أشكال البساط الهندسية ، يدها منعقدة خلف ظهرها و في ملامحها تجمع ألم الدنيا ، منظر أعاد إليه الرغبة ذاتها في أن يعتصرها و يهدهد قلبها و يطمئنها على غد تخافه و مجهول تشعر أنه يتربص بها ··
    لا يدري لماذا شعر أن إحساسا بالمسئولية يترسخ في ذاته تجاه هذه الأسرة ، لم تعد ريم فريسة يريد اقتناصها و لكن ضعيفة يريد حمايتها ، حزينة يريد إسعادها ، وحيدة يريد أن يملأ عليها أيامها ، نظر إليها طويلا يطبع ملامحها في وجدانه ، يكرس مشاعره نحوها ، يجمعها من شتاتها البعيد ليصبها في مجرى أيامها و عندما طال الصمت تنهد و قال :
    - و الآن ماذا قررتم ؟
    رفعت ريم وجهها إلى أبيها و رفع الأب وجهه إليها ، كانت الرغبات المتعارضة لأول مرة تتضافر تشكل لحمة ، وشيجة ، تؤصلها أكثر ، تغرسها في أرض لا يراها إلا هما و لا يحسها إلا أب قرر التضحية حتى آخر نفس و ابنة ترفض هذا العذاب ·· و صمتا كلاهما فتكلمت الأم :
    - على بركة الله يا أستاذ سعيد ، جهاد زوجي و أعرفه إذا قرر أمرا ·· مخ فلسطيني عنيد ·· و ليكن دعاؤنا أن يقصر الله ليالي غربتنا و يحقق أهدافنا بها ··
    نهض الأب مبتسما و أمسك يدي زوجته و قال :
    - بارك الله فيك يا أم العيال ، و صبرك على المـــخ الفلسطيني العنيد ، يا رفيقة الكفاح و العمر الذي مضى و العمر القادم ، إنني أعتمد عليك بعد الله كثيرا ··
    انسحب الجميع من الغرفة بهدوء و ظل الأب جالسا على طرف الأريكة و سعيد واقفا ينظر إليه و سمعه يقول :
    - كم أخاف عليكم يا أحبائي ·· ما أقسى أيامي بدونكم ··
    مال عليه الأستاذ سعيد و ربت على كتفه و قال بصدق :
    - هم أهلي منذ الآن يا عم جهاد و لن يصيبهم مكروه طالما في صدري نفس يتردد ، فلا تقلق ··
    ***
    كان الشغل الشاغل لسعيد بعد هذه الأمسية الغريبة ، أن يحقق ما وعد به الأب ، و في سبيل ذلك ذهب إلى وزارة التعليم و سأل عن الطريقة التي يمكن لفلسطينية إكمال تعليمـــها العـــالي و دهش عنـــدما عـــرف أن للفلسطنيــين نسبـــة 5% في مقاعد الدراسة و ازدادت فرحته بهذا النبأ عندما وجد أحد معارفه القدامى في الوزارة ، يرشده على طريقة التقديم و يعده أن يكون مع الورق حين يذهب إلى مكتب التنسيق بعد ثلاثة شهور ··
    كانت الأمور تجري على خير ما يرام ، بل على أكثر مما توقع ، تحمل سخرية صديقه و هو يراه مهتما بهذه الفتاة و لم يصدق أن هذا الاهتمام لا يعدو كونه عملا إنسانيا في المقام الاول قال له :
    - أنا أعرف ذوقك تماما و أعرف أيضا أن الفلسطنيات جميلات ، فإذا كانت هذه الفتاة على درجة الجمال التي أتوقعها فإنني لن أخذلك أبدا ، ناهيك عن أن معظم الفلسطنيين لا يتقدمون لإكمال دراستهم لقلة المعلومات عندهم و لقلة ذات اليد في أحيان كثيرة و لذا فإن مقاعد الدراسة في نسبتهم المقررة سنويا يبقى أكثر من ربعها فارغا ·· فاطمئن ، حبيبة القلب ستجد مقعدا ··
    همس سعيد مستبشرا :
    - إن شاء الله ··
    و عندما سار في اتجاه منزلهم ليخبرهم بالبشرى ، كان يحدث نفسه بأن صديقه هذا لا يفهم و لن يفهم ، ثم فجأة سأل نفسه : و ما الذي تفهمه أنت ، ما الذي يدفعك إلى كل هذا ، لماذا تفرغت للسؤال ، هل هو الخجل من أن أبدو كاذبا أمامهم ، و ماذا يعنيني في هـــذا ، يا جاري أنت في حالك و أنا في حالي ·· أم هي عيونها الحزينة ؟ إذن هي الشفقة أيها الرجل ؟ ·· لا ليست الشفقة ، ليس في حياتهم ما يدعو للشفقة ، لم يمدوا يدهم ليستجدوا إحسانا ، أنت من عرضت و أنت من فكرت ، و بناء على عرضك و قرارك سيسافر الأب ، هل هو الإحساس بالذنب ، لا ·· فكما قال الأب كثيرون يسافرون ، و ربما كان سفره فاتحة خير عليه و عليهم ، إذن ما هو ، ما الذي يدفعك إلى كل هذا العناء ··؟
    عندما اقترب من الشارع تمنى أن يراها ، ثم أنب نفسه بسرعة :
    - و لماذا هي بالذات ·· بعد دقائق سوف ترى الأب و تخبره أنك لم تكن كاذبا و تبشره بأن ريم ستلتحق بالجامعة إن شاء الله ، و لكن ·· ليتها تفتح على الأقل الباب !!
    لم يتحقق له ما تمنى و عوضا عن ذلك فتح الأب الباب ، بدا و كأن ليلة سهد طويلة عاشها البارحة ، كان ذابلا ، داكن البشرة ، مشوش الرأس و في فمه سيجارة كأنه يمضغها ، ابتسم فور رؤيته للأستاذ سعيد و نزع السيجارة و فتح باب الصالون و أدخله مصحوبا بعبارات الترحيب المعتادة و عندما أطفأ سيجارته في المطفأة ، كان سعيد يبادره بقلق :
    - ما بك يا عم جهاد ؟
    هز رأسه نافيا أن يكون هناك شيء و لم يقو على الكلام ··شعر سعيد بقلق مفاجيء ، انتظر قليلا قبل أن يعاود السؤال ، و لدهشته فوجيء بالأب يبكي ·· نعم هكذا فجأة انخرط الرجل العجوز في بكاء غريب ، كانت كل أعضاؤه تتحرك حركة قوية ، ترتفع اكتافه و يغوص رأسه بين ذراعيه و و يعلو ظهره و ينخفض ·· كان الرجل يحاول إسكات نفسه ، يكتم أنفاسه ، يقاوم نهنهاته ، و سعيد واقف لا يدري ماذا يقول ··
    - وحد الله يا عم جهاد ، وحد الله يا رجل ·· أين زوجتك ، أين ريم ؟ نريد كوب ماء ··
    قال الأب و هو يهز رأسه :
    - لا أحد هنا ذهب الجميع إلى السوق ··
    - سأحضرها بنفسي إذن ··
    هم الأب أن يمنعه إلا أنه كان أضعف من ذلك فربت سعيد على يده و خرج من الغرفة ·· لاول مرة يرى منزل ريم من الداخل ، خمن موقع المطبخ و توجه إليه مباشرة ، جلب ماءً من البراد و لفت نظره و هو في طريقه للخروج باب الغرفة التي تطل على شرفته ··
    - لابد أنها غرفة ريم ··
    شيئا ما أقوى منه دفعه إلى دخول الغرفة بخطوات حذرة كأنه يدخل صومعة راهب ·· أول ما لفت نظره كان فراشها ·· كان مرتبا و عاديا ، إلا أن شيئا فيه أعجبه ، شيء لا يراه البشر ، مد يده تحسسه ·· ثم لفتت انتباهه اللوحة المعلقة على الحائط فوق السرير ، كانت لمنظر طبيعي وقت الغروب ، و رغم أن اللوحة كانت ترسم بدقة هذا المنظر إلا أن شيئا مخيفا كان فيها ·· إحساس بالرهبة يشعر به من ينظر إليها لا يدري مبعثه ··
    - هذا رسمها ··
    التفت بسرعة إلى الأب الذي كانت يده تسكن كتفه و نظرة لوم صغيرة تقبع في عيونه المغسولة بالدموع للتو ··
    ارتبك سعيد أيما ارتباك و اهتز كوب الماء في يده فسقطت منه بضع قطرات على الأرض ، مسحها بحذائه و لم يدر ما يقول فآثر الصمت
    - هنا كل مملكة ريم ، إنها ترسم أحيانا من الصباح إلى المساء ، انظر هذا حامل الرسم الذي ترسم عليه ··
    توجه الأب إلى الحامل بخطوات واهنة و رفع الغطاء بأصابع مرتجفة و قال:
    - تأمل معي ··
    وقف سعيد يطالع الرسم أمامه ، كانت خطوط مبدئية بالفحم لفتاة منهكة تعتلي جبل عال و عند السفح بحيرة صغيرة نبت الصبار على جانبيها و عند القمة سحابة مثقلة ··
    أشار الأب على البحيرة و قال :
    - هذه ليست بحيرة ، إنها سراب ··
    هز سعيد رأسه و قال :
    - لاحظت الصبار ··
    جلس الأب على حافة السرير و قال كأنه يكمل حديثا :
    - هذه اللوحة ترسم حلما شاهدته ريم قبل فترة ·· لم انتبه إنه يصلح لوحة ··
    مد سعيد كوب الماء إلى الأب مبتسما فأخذه منه و تبلغ ببعضه و ظل الكوب في يده ، قال سعيد :
    - لماذ كنت حزينا يا عم جهاد ؟
    أطرق العم جهاد قليلا و تطلع حوله ثم نهض و قال لسعيد :
    - تعال ·· سأعد شايا ··
    توجه كلاهما إلى المطبخ ، كان العم جهاد يعرف مكان كل شيء بالضبط ، و عندما فتح خزانة المطبخ ليخرج منها الأكواب تنهد و قال :
    - أنا صنعتها ·· هذه الخزانة ، و طقم الصالون و سرير ريم و سرير قاسم و حتى طاولة التلفاز ، تلك في واجهة الصالة ··
    أومأ سعيد برأسه و قال :
    - فنان و الله يا عم جهاد ، إنها قطع جميلة و متينة ·· ليس مــستغربا أن تكون ريم فنانة و هي ابنتك ··
    ربت الأب على كتف سعيد ممتنا للمجاملة و صب الشاي و تقدمه في الخروج و الاتجاه إلى غرفة الصالون ، و عندما وضع الشاي على الطاولة و تناول كل منهما كوبه قال العم جهاد :
    - خيرا يا بني ؟
    ابتسم سعيد مرة اخرى و قال :
    - بل هو كل خير إن شاء الله ، وجدت من يساعدني في تقديم أوراق ريم للعام الدراسي الجديد ، و لقد وعدني خيرا و عنـدما يحين موعـــد التقديم ســأكون معها و إن هي إلا أيام و تظهر النتيجة و إذا ريم طالبة جامعية كما تمنيت ··
    ابتسم الأب ممتنا و قال :
    - على بركة الله ·· أتعبناك معنا يا أستاذ سعيد و شغلناك بهمومنا ··
    هز سعيد رأسه رافضا الكلمة و قال بصدق :
    - لا تقلها يا عم جهاد ، أنت مثل أبي و أولادك إخوتي ··
    - بارك الله فيك يا بني ، و أعطاك على قدر نيتك ··
    - عم جهاد ·· إذا سمحت لي ما الذي أحزنك حد البكاء ، لقد أفجعتني ··
    ابتسم الأب ابتسامة صغيرة حزينة و قال :
    - لو شاهدوني لماتوا رعبا ، كانت الفرصة الوحيدة لي للتنفيس عن مشاعري ، خروجهم للسوق أتاح لي أن افعل ما كنت أقاومه و بشدة ··
    - و لكن لماذا الحزن يا عم جهاد ، إذا كنت لا ترغب في السفر ابق و مصاريف الدراسة يدبرها الله ··
    - أنت لا تفهم يا أستاذ سعيد ، أنا لا أسافر من أجل مصاريف قد أستطيع تدبيرها إذا بقيت ، إنني أذهب و أنا أعلم تمام العلم أن أمامي دربا طويلا طويلا ، دربا تأخرت عن المشي فيه بسبب نوازع العاطفة و رغبتي في عدم ترك أولادي ، و أسلكه اليوم بسبب نوازع العاطفة أيضا و بسبب العقل ·· قدر محتوم ظللت أخافه و أهرب منه و أتحاشاه قدر الإمكان لكــــن آن الأوان أن أرضـــــخ له و أن أترك سيـــفه يجتز أمني و استـقراري و راحتي ·· قاسم في الصف الأول ثانوي ، هل تعرف ما يعنيه هذا ؟
    - بقي له عامان و يدخل الجامعة ··
    - بالضبط ، لن تكون ريم قد أكملت دراستها ، و ستتضاعف المسئولية ·· و سمر هذه الصغيرة بعد عام بدورها ستدخل المدرسة ، مدرسة خاصة مصاريفها فوق القدرة و الاحتمال ، لكنني لن أحرمها حقها في العلم ، أولادي يا أستاذ سعيد هم الشيء الحقيقي الوحيد الذي منحه الله لي ·· الشيء الذي لا ينازعني على ملكيـته مخلوق ، الوطن الذي لا ينتمي إلا لي و لا أنتمي إلا له ، و من حقهم أن أبذل من أجلهم كل غال و نفيس ··
    -لكنك بذلت بالفعل ··
    - مازالوا بحاجة لبذل المزيد ··
    نهض العم جهاد واقفا و ، استشرف من باب الصالون منزله ، كان يمسك بيده حاجز الباب كأن الحاجز يسنده ، تكلم إلى لا أحد قال بصوت واهن ··:
    - في هذا البيت عشت عشرين عاما ، دخلته بالضبط يوم تزوجت سميحة عام 66 ، كان إيجاره تلك الأيام 561 قرش صاغا ·· ارتفع مرتين فقط خلال هذه السنين و توقف منذ أكثر من عشر سنوات على ثلاثة جنيهات و نصف ·· تعمدت أن يكون زواجي في اليوم الاول من العام الجديد لكي اؤرخ به لنفسي ، لأقــــول أنني أعلنــت دولتي في هـــذا العام و أرسيت رايتي في هذا اليوم ·· ضحكت سميحة كثيرا وقت أن أخبرتها بهذا الكلام ، كانت عروسا جميلة ، جميلة جدا ، كانت فوق أحلامي لولا كرم عم صابر يرحمه الله معي آنذاك ، و كرمها هي ·· لقد تزوجت غريبا ، أرضه منهوبة و لا يعرف متى سيكون له وطن ·· تزوجت إنسانا مثقلا بهموم الفراق ، يقيده شوق لا منتهي إلى أم و أب و إخوة تفرقوا ذات يوم ، أتصدق يا أستاذ سعيد ··
    و إلتفت إليه كان سعيد يطالعه بحنان و إصغاء كامل ، أكمل :
    - أنا لا أزوج ابنتي لشخص مثلي لو كنت في ظروفهم ·· هذا صحيح ·· لكنهم فعلوها ، فلماذا إذن ضحكت سميحة يوم أخبرتها أنني صار لي وطن بزواجنا ··؟
    ضحك ضحكة صغيرة و فرك يديه و أكمل :
    - السفر أمر أريده و يحتمه الواقع و مصلحة الأبناء ، و لكنه قاس ، مر ، يعني فراقا جديدا في حياة إنسان الفراق نصيبه منذ خلقه الله ··أتدري يا أستاذ سعيد ··؟
    تطلع إلى وجهه مليا ، لكنه لم يكن يرى ملامح ، لم تسجل ذاكرته في تلك اللحظة إلا شكلا هلاميا كان يعيش داخله منذ سنين ، قال بصوت واهن :
    - اليوم فقط شعرت أن أبي مات ·· أحن إليه كثيرا ·· أشعر أنني كنت عاقا عندما تركته يموت في أرض غريبة و لست معه ، علمت بخبر وفاته بعد سنة كاملة من موته ، مثلي مثل الغريب ·· عندما أعلنتها حدادا في المنزل ، لم يفهم الصغار لماذا عليهم ان يطفئوا التلفاز و الراديو و لماذا تلبس أمهم السواد ، عندما حدثتهم عن أبي ظنوا الحديث عن جدهم صابر يرحمه الله و قالوا أنه مات منذ زمن بعيد فلماذا الحزن الآن ·· لم أكمل أيام الحداد الثلاث ·· قطعتها لأنني وجدت نفسي سخيفا ، لن يشعر هؤلاء و هم قطعة مني بمقدار حزني فكيف سيشعر به أي معز جاء من قبيل المجاملة و شرب القهوة السوداء على روح رجل لا يعرفه ·· تعاظم يومها شوقي إليه و لكنه كان شوقا يشبه أياما كثيرة سبقته و سيشبه أياما كثيرة مقبلة ·· و قلت أبي لم يمت ، و ليكن الخبر كاذبا ·· يوما ما تنتهي سنين غربتي و ارتهاني بعيدا عن وطني و سأعود لاجد أبي في ساحة دارنا يدخن سيجارته و أمي تصيح علينا ·· ابتعدوا عن البئر ، يوما ما سيموت أحد أولادنا في هذا البئر ·· أشعر بذلك ·· كانت دائما تقول هذه العبارة ··
    أحس أنني سأعود لأجد كل هذا أمامي مجددا ، الجمــــيع ينـــتظرني ، إخوتي و أنا و أمي و أبي يرحمه الله ·· حلمت كثيرا بعودتي تلك ، و كنت قد قررتها مرارا خلال العامين الاولين على قدومي هنا ، لكنني كنت اخشى غضبة أمي حينما تراني و تعرف انني بعد لم أجد طريقي ·· حين جمعتنا بعد سفر أبي قالت تفرقوا و ابحثوا عن طريقكم و لا تعودوا إلا و كل واحد منكم قد وجد طريقه ·· خفت أن أعود فتسألني :"هل وجدت الطريق يا جهاد ؟" فأقول لها: "بعد يا أمي" فتقول :"و لماذا عدت ؟" فأقول :"الشوق و الحنين" فتقول :"يا عيب الشوم على الرجال ··"
    و لم اعد و في 67 انتهى آخر أمل لي بالعودة ، أصـــبح بحر غزة رهين الاحـــتلال بدوره ، و اصبح أختيار العودة الذي كنت اراود نفسي عنه و أمنيها به أمرا من الماضي ··
    هل تصدق هذا يا أستاذ ·· بيتي و بلدي و أمي و إخوتي على بعد قليل مني و لم أرهم منذ عشرين عاما ·· عشرين عاما يا أستاذ ·· أليس كثيرا هذا الزمن ؟ بل هو أكثر من كثير ، أكثر من كثير و الله العظيم ··
    هذه المرة كان البكاء من نصيب سعيد ، كانت دموعه الصامتة تسقط رغما عنه ، كان أمامه رجل يتعذب بنبل منقطع النظير ، يعذبه شـــوق وواجب و حنين قاهر ، مسؤولية و ذكريات و حياة تريد دوما المزيد ··
    عندما ران الصمت على الغرفة ، لم يجرؤ سعيد على اختراقه ، كان يعلم أن جو الغرفة مثقل بكلام أهم بكثير من أية كلمة يمكن أن تقال ، كان يشعر أن كلمة واحدة تخرج منه كفيلة بأن تسمه بالسخف طوال العمر ، صمت ، راقب العم جهاد و هو يضع وجهه بين راحتيه ، سمع تنهداته الحرى ، لاحظ الارتعاشة التي كانت تسري في يديه و يقاومها الرجل فلا يستطيع و تغلبه ، فيمعن في دفن وجهه فيهما حتى لا يلمس هو الغريب ضعفا في هذا القوي القادم من خلف حدود سيناء ··
    نهض سعيد بعد قليل و سار باتجاه الباب بخطوات متثاقلة ، لم يتطلع خلفه ، كان يريد أن يتنفس هواءً نقيا و كان حسابا عسيرا ينتظره خارج حدود هذا البيت ، حسابا لابد أن يقابله بعد أن قابل هذا المطعون في قلبه منذ سنين و رغم ذلك لديه القوة على إعطاء أولاده بقية من نزف روحه لكي يعيشوا ، عندما فتح الباب و خرج و أغلقه خلفه ، أخذ نفسا عميقا و توجه بخطوات سريعة إلى منزله ، فتح الباب ، وقف أمام المرآة لم ينتظر حتى أن يغلق بابه صاح لصورته المتأنقة :
    - تافه ··
    ***
    بدا و كأن مشوار السوق لن ينتهي بالنسبة لريم و إخوتها ، فيما حرصت الأم على دخول كل محل تجد فيه شيئا قد يحتاجه زوجها في غربته ·· الأثواب الفضفاضة الفاتحة الالوان من أجل أخذ راحته بعد عودته للمنزل ، افرولات العمل ، المناشف ، الملابس الداخلية ، العطارة : بهارات ، و زعتر و ملح و الشيح لزوم البرد و الصابون المصنع من زيت الزيتون فهو لا يحب الشامبو ، و ليفة حمام جديدة و فرشاة أسنان و معجون و فرشاة شعر ، و زيت شعر ، و كانت الأم تتلفت على كل محل و تسأل الاولاد :
    - هل نسيت شيء؟
    فيهزون رؤوسهم فلا تقتنع و لابد أن تتذكر شيئا جديدا كلما نظرت في واجهات المحلات ·· و أخيرا تذكرت الحقيبة التي ستحمل كل الاشياء ، و عندما استقرت في يد ريم فيما استقرت بقية الأغراض موزعة بين قاسم و بينها ، شعرت و هي تنظر للحقيبة الكبيرة بغصة فظلت تتمتم داخل نفسها بأدعية كثيرة تسأل الله فيها تقصير أيام الغربة و سرعة تحقيق الهدف و تستعيذ من أولاد الحرام و أفكار سوداء ألحت عليها ··
    - ماذا لو مات الرجل في غربته ·· ماذا لو تيتم أولادها و هم ما زالوا في أمس الحاجة إلى أبيهم يزود عنهم مصائب الحياة ، من سيزوج ريم و من سيختار لقاسم كليته و يخطط معه مستقبله ، من سيدلل سمر و يضعها في حجره كل مساء و يطعمها بيده و يدافع عنها ضد احتجاجات إخوتها ·· من ، و آه من هــــذه المن ·· من ســـيشاركها ليلها الطــــويل و فراشها الكبير ، و همومها الصغيرة ، لم تعرف لنفسها منذ مات أبوها أحدا سوى زوجها ·· لم تعرف حقا معنى الفراق الذي عانى منه زوجها طوبلا و تقلب من أجله على فراش الشوك سنين عمره كلها ، فهل آن الآوان أن تطعمه ، هل ستعيش ما بقي لها من أيام تعاني شوقا و حنينا ، لقد كان رجلا فلم يكن يبكي ، أما هي فهل تملك إلا الدموع ، هل ستصبح الدموع سلوتها حتى يعود زوجها ·· و ما بال الأخريات ، نصف نساء الشارع أزواجهن يعملون خارج مصر ، لماذا يخيفها عمل الرجل في الخارج و هو الأمر الذي اعتاد عليه الجميع ، هزت رأسها و كأنها كانت تكمل حديثا مع أولادها سمعوها تقول :
    - و ماذا لو سافر ·· إنه ذاهب إلى أطهر أرض ·· بلد المصطفى عليه السلام ·· سيعمل سنة أو سنتين ثم يعود ، و ننسى الغربة ، و يتعلم الأولاد و تصبح الحياة أفضل و ربما صار لنا بيتا نملكه ·· أليس كذلك يا أولاد ··؟
    لم يرد احد ، و هي لم تنتظر حتى أن تسمع همهماتهم ، أرخت طرحتها السوداء الشفافة على وجهها و كأنها تدرء بها رياحا وقضمت طرفها باسنانها و سمحت لدموعها أن تسقط بهدوء ·
    ***
    أزف موعد الرحيل و هذه الليلة كانت آخر ليلة ، هكذا سماها الأب و هو يبتسم مشجعا لأهل بيته بينما يضع آخر حمولة مما حمله اليوم إليهم من السوق ، كل أنواع الأطعمة التي تكفي البيت شهرا ، أحضر الدقيق و الأرز و السكر و الزيت و السمن و حتى علب الكبريت و علب البسكويت التي تحبها سمر و الصابون الذي يحتاجه البيت و لحم كثير و خبز أيضا كل شيء أحضره الأب و حمله معه قاسم قال :
    - إيه يا أولاد ، هذه هي آخر ليلة أبيتها معكم ·· هل تحتاجون لشيء بعد ··
    كانت الأم و الابنة تحملان المواد بين الصالة و المطبخ و الأم تقول :
    - لما كل هذه الأغراض ، هل ستنتهي الدنيا فلن نجد قوت يومنا ، أم هل سيتوقف العالم عن توفير الحاجيات ، ما كل هذا يا أبا قاسم ؟
    و يتمتم الأب من بين غمامات رهبته المخفية :
    - ستحتاجون هذه الأغراض ، لست أعرف متى سأتمكن من إرسال النقود إليكم ، لا أحد يعرف ظروف الغربة الجديدة ··
    بعد ساعة كان الجميع حول سفرة العشاء ، و بدا أن الكل يزدرد طعامه إزدرادا فلا يستسيغه و لا يحس له طعما ، و خيم الصمت ، و بعد العشاء و فيما أكواب الشاي تدار على الجميع قال الأب :
    - ريم و قاسم ، أريد منكما عهودا و مواثيق ، و أريد صـــدقا و مســــئولية ، و أريد صبرا و طريقا مستقيما لا يصيبه العوج لأي سبب كان ، فهل أجد ما أريد لديكم ؟
    أخفت ريم وجهها خلف جرم أمها و لم تنطق ، في الواقع كانت جدا مقلة في الكلام في الأيام الأخيرة فيما تحدث قاسم كرجل قال :
    - لك ما تريد و أكثر يا أبي ·· أنت تسافر و قد تركت رجلا هنا بين أهلك ، لا تخف ، نحن نقدر تماما غربتك من أجلنا و لن تسمع عنـــا أو ترى إلا كل ما يريحك و يطــــمئن بــالك و يشعرك إنك لم تكن مخطئا حين اعتمدت علينا في إدارة شؤون حياتنا بدونك و إلى وقت قصير فقط إن شاء الله ··
    - بارك الله فيك يا بني ، و أنت يا ريم ما هو ردك ··؟
    حاول أن يرى وجهها ، لأول مرة منذ أسبوع على الأقل يبحث عن وجهها ، كانت تتعمد ألا يراها ، و كان يتعمد ألا يراها ، كان يشعر أن حبل موصول من حديث لا ينقطع موجود بين قلبيهما و أن الحديث مهما بدا مهما لا يعني شيئا ، كان واثقا أشد الثقة فيها و يعلم كم تتعذب و يعلم أنها تحمل ضميرها الغض مسؤولية غربته القادمة ، لذا آثر و آثرت الصمت ، لكنه الليلة كان مصرا على قطع هذا الصمت ، على اخراج الكلام من قلب قلبها و من قلب قلبه رفقا بها و بنفسه ، لذا أصر على مواجهتها ، أصر على أن تقابل عيونه عيونها و أن يتحدثا الحديث الذي منعاه منذ قرار السفر ، ظل مـــركزا نظره باتجــــاههـا و ظلت لفترة قليلة مختفية وراء أمها ، إلا أنها لمست نظراته عليها و شعرت بها حريقا في جسدها و نداءً ملء وجدانها و لابد أن تلبيه ، أخرجت نفـــسها من حيز الخفاء المتعمد و تطلعت إلى أبيها ، كانت عيونها مغسولة و حزينة و مليئة بالكلام ، ظلت صامتة ، حاولت أن تشد الكلام من أعماقها لكن الحروف كانت عصية ، غريبة لا تحمل معنى ، حركت فكيها و بدا أن همهمة خرجت منها و لكن صوتا لم يسمعه أحد منها ·· تقلصت ملامحها و حرقها أنفها فكزت على شفتيها و انــدفــــع قلبها في دقــات ســـريعة متـهورة و عنيفة و لم تشعر بنفسها إلا و عبراتها تطارد بعضها بعضا في سباق محموم ، التفتت إليها الأم ، نظرت إلى الأب ، دعته أن يفعل شيئا بعيونها و استـــجاب الأب ، تنــحت الأم و جلس الأب بجوارها ، مد يده إلى خدودها ، مسح سيل الدموع و أسكن رأسها كتفه ، ربت عليها و قالت هي بصوت عال ، عال أكثر مما توقعت :
    - لا تسافر يا أبي ، أتوسل إليك ··
    و انخرطت في بكاء عنيف عنيف ، بكاء ظل حبيس صدرها الشفاف طيلة أسبوع ، شعرت أن أوردتها منتفخة حد الانفجار و رأسها ثقيل لا تكاد تطيقه و عيونها سكنتها النار حتى أصبحت عروقها الحمراء تحمل لسعات من لهب كلما اغمضتهما تزيح دمعا ·· كان قلب المسكينة ينفطر ، كانت تشعر أنها تقتلع من جذورها ، أنها تطيح في فضاء ليس تحته أرض و لا فوقه سماء ، و الجميع تفهم ، الجميع صمت احتراما لنحيبها العالي ، حتى أبوها الذي كان يشعر بها فوق كتفيه كزلزال يتحرك و أمطار تتساقط ، كان صامتا ، لم يربت عليها لئلا يجرح حزنها ·· صمت الجميع حتى انتهت من بكائها و ابتعدت عن كتف أبيها و قالت بهدوء يحمل بقايا نشيج ··:
    - آسفة ··
    قال الأب و هو يغالب ضعفه و يحاول أن يتناسى تماما ما حدث و يجرهم جميعا إلى جو آخر :
    - سوف تكون جدة مرفأي الأول هناك ، و منها سوف يتم توزيعنا إن شاء الله على أعمال البناء ، و أسأل الله أن يكون نصيبي في أعمال توسعة الحرم الشريف بمكة ، ادعو لي أن يحقق الله طلبي ··
    صمت و هو يستمع إلى دعائهم له و نظر إلى ريم و هي تلتقط أنفاسها بصعوبة و تقول :
    - إن شاء الله ستذهب هناك يا أبي ··
    ابتسم الأب و ربت كتفها و قال :
    - فرصة لأداء فريضة الحج أيضا عسى ربي يتقبلها و يعينني على أدائها و أداء أعمالي ، فإذا كان العام التالي حججت عن أبي يرحمه الله ··
    شهقت ريم و قالت :
    - العام التالي يا أبي ؟
    ابتسم بهدوء و هو يقول :
    - لست ذاهبا في نزهة يا حبة القلب ·· العمل عمل و لا أدري متى ينتهي أو كيف سيسير فلا تفزعي ، بامكاني الحضور في الأجازات ، عادي جدا مثل كل رجال شارعنا المسافرين ، و عندما أعود في الأجازات سوف أكون محملا بالهدايا التي تريدون و الذهب لأمكم هذه المسكينة التي لم ترتد إلا هذه الأسورة منذ تزوجنا ··
    ابتسمت سميحة بوهن و تمتمت بدعاء ، لم تكن تريد خلق حوار أو المشاركة فيه ، فالليلة ملك الأولاد و أبيهم ، أما هي فيكفيها ساعة خلوة مع زوجها تبثه خلالها لواعج قلبها ، بدون أن يسمع أولادها ما تقول و لا يشعر بحزنها هذا الـكــــم من الملتاعين ، هدهدت سمر و هي تغالب النوم على حجرها ، و عندما مد الأب يده ليحملها أعانته فلما استقرت في حضنه مال عليها و قبلها و أكمل :
    - و لسمر أيضا بعض الذهب ، و لك بالطبع يا ريم ، أما أنت يا قاسم فعندما أعود سيكون نصيبك سيارة ، سوف تكون كبرت يا ولد ، كبرت و طولت أكثر و صـــار لابد للــطبيب او المهندس قاسم من سيارة يذهب بها إلى كليته و يعود ، أليس كذلك ؟
    التفت الأولاد حول أبيهم ، يوزع عليهم لمساته و مداعباته ووعوده الجميلة لهم ، تشرق دموعهم لحظة و تصدح ضحكاتهم لحــــظة و بين هــــذه و تلــك يربت الأب الحاني الظـــهور و يقرص الخدود و يشير بدعابة إلى هذا و إلى هذه و يمسح دمعة هنا و يأمن على دعوة هناك ، يضحك و يضحك ، و الألم في قلبه يعتصره و يود لو يفتح قلبه فيودع هؤلاء فيه و يصحبهم معه أينما حل ، أو راح ··
    ***
    عندما جلس الأب آخر الليل على طرف فراشه ، كانت قدماه ترتجفان و يداه ترتعشان ، ارتجافة قلق و ارتعاشة خوف ، كان يحاول اسكـــاتهم عن الحركة فتظاهر بانه يدفء يديه و أخذ يفركهما ، كانت سميحة تراقبه بصمت و عند لحظـــة فاصلة وضعت يدها على يده و احتوتهما و قالت بحزم :
    - كفى لقد أدميتهما ··
    استكانت كفوفه بين راحتيها و هدأ قليلا ، ابتسم و قال :
    - يجب المحافظة عليهما ، سأحتاجهما كثيرا هناك ، أليس كذلك ؟
    أومأت برأسها مبتسمة و ظلت تدلكهما برفق و قالت :
    - كان لحديثك مع الأولاد الليلة وقع السحر في نفوسهم ، حتى ريم التي لم تكف عن البكاء منذ اتخذت قرارك ، كانت تضحك و تحدثت آخر الليل بانطلاق كعادتها ··
    سحب الأب يديه من يديها بهدوء و ربت على كفيها و نهض ففتح شباك الغرفة ، تطلع منه ، كان كل شيء هادئا في الخارج ، و كان الصمت يلف المكان متضافرا مع الليل ، على أن النجوم كانت تلمع على البعد كأنها توجه تحية ، أخذ جهاد نفسا عميقا و قال دون ان يستدير :
    - هل نسيت شيئا يا سميحة ؟ لم يعد هناك وقت ، و أعتقد أنني نسيت إحضار بعض الأغراض ··
    نهضت سميحة فوقفت بجواره بعد أن أفسح لها مكانا ، أطلت على السماء و لم تتكلم ، قال :
    - منذ زمن بعيد لم نقف هنا لنراقب السماء ، تبدو مألوفة رغم أننا هجرناها زمنا طويلا ··حتى هذه النجوم التي تلمع ، أشعر أنها تعبر عن فرحتها بعودتنا إليها ، أليس كذلك ؟
    تنهدت سميحة و قالت بصوت هاديء :
    - منذ ولدت ريم لم تجمعنا هذه النافذة ، بعد زواجنا بعشرة شهور فقط ، انشغلنا بعدها بالتفاصيل الصغيرة للحياة حتى ابتلعتنا الدوامة و أصبح الوقوف هنا بعضا من بعض الترف الذي لا تحتمله حياتنا ··
    زحف بأصابعه حتى لامس أصابعها قبض عليهم و قبضت عليه ، قال :
    - عانيت كثيرا يا سميحة ، لم تكــــن حيــاتنا نزهة كما تمنيت ، كانت كمـــا تـــوقع أبوك و اكثر ، رحلة سفر متعبة ، مع رجل غريب ··
    التفتت إليه سميحة بسرعة ، وضعت يدها على فمه قبل أن يسترسل ، قالت :
    - لا تقلها يا أبا العيال ، حياتنا كانت شاقة لكنها لم تكن مستحيلة ، لم تكن سيئة ، الحب و التفاهم و الثقة التي جمعتنا جعلت من حياتنا جنة رغم الفقر و سعادة رغم تبعات الحياة ، لا أعتقد أنني نادمة على يوم واحد قضيته في كنفك و لو عاد بي الزمن فلن أقبل بغير ما كنت فيه معك ··
    أمسك كفها و قبلها بهدوء و عادا مجدداً يراقبان السماء معا ··
    كانت سميحة تريده أن يتكلم ، تريد أن تختزن في ذاكرتها الكثير الكثير من حديثه لتسترجعها فيما هو قادم من أيامها ، لكنها أيضا كانت تريده هكذا صامتا يحتضن كفها بكفه و قلبها بقلبه ·· كانت أيضا تريد أن تقول الكثير ، كانت تريد أن توصه على نفسه ، تخبره أنها قلقه على صحته ، تسأله أن يبعث لها كثيرا ، لكنها لم تقل ، اكتفت بالضغط على كفه ··
    و كان يريد أن يقول الكثير ، و يسمع منها الكثير ، كان يعرف أنه رجل لا يجيد التعبير و لا يعرف كيف ينمق كلامه بحيث يخلق عبارات ملتهبة تعبر عما يجيش بداخله من مشاعر ، كانت مشاكلهم في بداية الزواج تصب كلها في عجزه عن الكلام و حاجتها له ، كان يقول لها الرجــال أفعــــال لا أقوال ، و مــــع مـــرور الزمن اعتادت على صمته و فعله و أحبت هذا و أصبحت عبارات الحب النادرة شهـــادات مطرزة يمنحــها لها فلا تنســــاها و يقولها أحيانا عفو الخاطر فتطير بها فرحا فيهز رأسه عجبا و يقول :
    - أنتن ناقصات عقل و دين ··
    شد على يدها و قال :
    - سميحة ··
    التفتت اليه ، قال لعيونها الجميلة :
    - أقسم بالله العظيم أني أحبك ·· أحبك جدا ··
    اجتاحها الخجل و و كأنها عروس تسمع عبارة حب من زوجها ليلة الزفاف ، نكست عيونها و إن ضغطت على كفه ، قال :
    - لا أحد يعرف الحياة من الموت ، و أريدك أن تسامحيني على أية غلطة أكون قد أخطأتها في حقك يوما متعمدا أو غير متعمد ، فهل تسامحيني ؟
    فتحت عيونها دهشة قالت بصوت كاد أن يصبح عاليا في هدأة الليل :
    - جهاد ·· لماذا تقول هذا الكلام ، إنه كلام مودع ··· أسامحك ؟ ، علام أسامحك و قد كنت لي و ستظل نعم الزوج و الأب و الحبيب ، أرجوك يا جهاد لا داعي لهذا الكلام الآن إنك توجع قلبي ··
    شدها من يدها برفق و هو يبتسم و قال :
    - سلامة قلبك يا غالية ·· اسمعي يا سميحة سأعطيك شيئا فاحفظيه حتى يحين موعده ··
    - أي شيء ؟
    فتح الدولاب و أخرج حقيبة قديمة مغلقة طالما رافقتهم و كان يضع فيها أوراقا كثيرة هامة ، شهادات ميلاد و تطعيم و قصاصات صحف قديمة و وثائق سفر و غير ذلك ، فتحها بهدوء و من تحت قاعدتها الجلدية أخرج ملفا أصفر قديما و قال لزوجته :
    - في هذا الملف سوف يجد أبناؤنا دوما الإجابة عن أسئلة ما زالت لم تؤرقهم و لم تعن لهم شيئا ، لكنني أكيد أنهم سوف يطرحونها في يوم من الأيام ، فيه شجرة العائلة في فلسطين ، كل ما حوته ذاكرتي عن أهلي و أقربائي و أصدقائي هناك ، عناوينهم كما كانت حين غادرت فلسطين و عناوينهم التي وصلتني في سنين غربتي ، كنت أخاف إذا أنا نسيت هذه الأسماء و العناوين أن أفقد وطني إلى الأبد لذا احتفظت بكل ما وقعت عليه من عناوين في كل بقاع الأرض ، هنا أسماء أشخاص يسكنون كل قارات العالم ، سيجد أولادي حين يسألون أن اقرباءهم كثر و منتشرون و لدينا أغنياء أيضا في العائلة ، و هذه يا سميحة ·· أتعرفين ما هذه ··؟
    أخرج من الملف ورقة صفراء كانت تقبع خلف كل الأوراق كانت يده تهتز و هو يمسك بها ، تطلعت فيها سميحة فلم تستطع فهم ما فيها فهزت رأسها فقال :
    - هذه ورقة رسمية من حكومة عموم فلسطين مثبوت فيها أن البيت الذي كنت أسكنه في غزة هو ملكنا ، ملك أبي يرحمه الله ، هذه الحجة حصلت عليها ليلة مغادرة أبي لنا متوجها إلى الأردن ، في تلك الليلة أعطاها لي أبي و طلب مني المحافظة عليها فهي الإثبات الوحيد لحقي و إخوتي في البيت ، كنت أنا الوحيد معه تلك الليلة ، و عندما تفرقنا أنا و إخوتي ظلت معي و لم أنتبه إلى أنني أخذتها إلا عندما وصلت إلى مصر منتصف عام 46 ، لا أدري ما قيمتها الآن و لكنها هامة جدا ، لذا حافظي عليها و أعطيها إلى قاسم عندما يكبر ليحافظ عليها بدوره ··
    همست سميحة بجزع :
    - و لماذا لا تبقها في حقيبتك و تعطها لولدنا عندما يكبر بنفسك يا أبا العيال ؟
    أعاد وضع الملف في الحقيبة بحرص و أغلقها و أعادها إلى مكانها و هو يقول :
    - من ذا الذي يعرف الحياة من الموت يا أم العيال ··
    أمسكته من كتفيه هزته صاحت :
    - إنك تميتني رعبا يا جهاد ، ألا تدرك معى ما تقول في ليلة كهذه ، سوف تغيب الوجوه بعد ساعات و لن يبقى لي إلا خوفي و جزعي من مستقبل لا أعرف عنه شيئا ، ألا تفهم ··؟
    نهض و أخذ بيدها مهدئا و قال:
    -أفهم تماما ما تشعرين به ، إنه نفس شعوري قبل عشرين عاما عندما أعطاني أبي هذه الحجة ، شعرت بالفقد و شعرت باليتم و شعرت أنني أريد أن أفتح عيوني و قلبي لأضع الرجل فلا أسمح لغربة أن تفرقنا و لا لسفر أن يشتتنـــا ، لكنه سافر ، و أنا ســــأسافر ، و في الغربة مات ، و انا ··
    - لا ··
    لم يكن من معنى لأي شيء في هذه اللحظة ، اللحظة التي يجب أن يواجه المرء فيها مصيره و يتحسب لأي ظرف طاريء و يقدم بنفسه تأبين ذاته على مرأى و مسمع ممن يحب ، كان هذا قدر جهاد و سلمه في تلك الليلة طوعا إلى سميحة ··
    حياة لابد أن تمضي ، و فراق لابد أن يكون ، و لا يملك الإنسان مهما كان قويا أن يقف في وجه مصير محتوم ، هكذا شعر جهاد ، و شعرت سميحة و هناك على بعد خطوات منهما كانت أيضا ريم ، تشعر بكل شيء و تعرف أن عهودا أخذها أبوهم منهم كانت بمثابة وثيقة سفر للاجئين منحتها لهم سلطة لا ينتمون إليها ليحققوا بها قدرا لا يريدونه لأنفسهم ··
    و عندما نامت عيون كل من في البيت ، كان هناك عددا من القلوب الواجفة ، تردد أدعية كثيرة تختلط مع بعضها صاعدة إلى رب قدير عله يحفظ هذه الأسرة من ضياع يدق الباب و غربة ترعى في الأخضر و اليابس بلا تفريق ·
    ******


    يتبع
     
  2.   مشاركة رقم : 2    ‏2001-07-23
  3. المتمرد

    المتمرد جمال عيدروس عشال (رحمه الله) مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2000-10-13
    المشاركات:
    6,577
    الإعجاب :
    0
    اللقب الاضافي:
    توفى يوم الأربعاء 5 يناير 2005
    بن ذي يزن القصة طويلة جدا ولا تساعد على القرأه حبذا لو انك تعيدها وتزلها اجزاء مختصرة حتى يتسنى لنا قرائتها .

    عجباً ان احيا في المنفى***بوثيقة سفرا مصرية
    وانا من غزة في فلسطين**وارضي أرض سلامية
     
  4.   مشاركة رقم : 3    ‏2001-07-24
  5. بن ذي يزن

    بن ذي يزن بكر أحمد مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2000-09-30
    المشاركات:
    3,545
    الإعجاب :
    1
    المتمرد الكسول :)

    ما كتب اعلاه هو الجزء الأول وانا حاليا اقراء الجزء الثاني والروايه مكونه من أربعة اجزاء كلها بنفس الإطاله .......ولكن صدقني يا صديقي انها رائعة وفيها من فيض المشاعر الكثير .

    تحياتي يا رفيق
     

مشاركة هذه الصفحة