مقال هيكل الاخيراستأذن في الانصراف00 رجاء ودعاء وتقرير ختامي

الكاتب : ابو عصام   المشاهدات : 520   الردود : 1    ‏2003-10-04
      مشاركة رقم : 1    ‏2003-10-04
  1. ابو عصام

    ابو عصام قلم فضي

    التسجيل :
    ‏2001-07-21
    المشاركات:
    3,772
    الإعجاب :
    0
    مقال هيكل الاخيراستأذن في الانصراف00 رجاء ودعاء وتقرير ختامي



    لقد كان يرد علي بالي منذ سنوات أن الوقت يقترب من لحظة يمكن فيها لمحارب قديم أن يستأذن في الانصراف‏,‏ وظني أن هذه اللحظة حل موعدها بالنسبة لي‏,‏ ففي يوم من أيام هذا الشهر‏(‏ سبتمبر‏2003)‏ استوفيت عامي الثمانين وذلك قول شهادة الميلاد وهو دقيق‏-‏ يومئ بحمد الله إلي عمر طويل مديد‏-‏ لكن هناك مع ذلك قولا آخر أكثر صوابا هو حساب زمان العمل علي مساحة العمر‏,‏ والحقيقة أنه في حالتي تواصل دون انقطاع لأكثر من ستين سنة‏(‏ قرابة اثنتين وستين‏)‏ لأن تجربتي معه بدأت بالتحديد يوم‏8‏ فبراير‏1942‏ حين رأي أستاذنا في مادة‏ جمع الأخبار‏ أن يعرض علي أربعة من تلاميذه‏-(‏ تكرمت المقادير وكنت أحدهم‏)-‏ فرصة التدريب العملي تحت إشرافه في جريدة الإجيبشيان جازيت وهو يومها مدير تحريرها‏,‏ وهي وقتها ـ وبسبب ظروف الحرب وزحام الجيوش ـ أوسع الجرائد الصادرة في مصر انتشارا‏(‏ رغم لغتها الإنجليزية‏).‏
    وكانت فكرة هذا الأستاذ وهو‏ سكوت واطسن‏-‏ أن التدريب العملي يعطي تلاميذه إمكانية الجمع بين الدراسة والممارسة وذلك تأهيل ناجز ونافع‏.‏ وكان الرجل خبيرا عارفا‏,‏ فقد كان قبل التدريس مراسلا صحفيا غطي الحرب الأهلية في أسبانيا‏(1936-1939)‏ وفي تلك المهمة زامل أسماء علت ولمعت في آفاق النجوم‏(‏ من طراز‏ أرنست همنجواي‏‏ و‏‏جورج أورويل‏ و‏‏آرثر كوستلر‏‏ و‏أندريه مالرو‏ وغيرهم‏)‏ ولم نكن وقتها ندرك ما فيه الكفاية عن هؤلاء الرجال ولا عن المعركة الإنسانية الكبري التي نبهوا العالم إليها خبرا ورأيا لكن شخصية أستاذنا وما تميزت به من الحماسة المشبوبة بالنار‏-‏ تكفلت بتعويض النقص في معارفنا حتي أتيح لنا فيما بعد أن نستوعب تلك الرابطة الدقيقة العميقة بين الحرف والموقف‏.‏
    وعلي أية حال فإنه من‏8‏ فبراير‏1942-‏ وحتي سبتمبر‏2003-‏ مشت الدراسة والممارسة بسرعة ومسافة فلكية باعتبار متغيرات العصور والعلوم وتكنولوجيا المعلومات والاتصالات‏.‏



    وكان تقديري أن أي حياة‏-‏ عمرا وعملا‏-‏ لها فترة صلاحية بدنية وعقلية وأنه من الصواب أن يقر كل إنسان بهذه الحقيقة ويعطيها بالحس‏-‏ قبل النص‏-‏ واجبها واحترامها‏,‏ ثم إنه من اللائق أن يجيء مثل هذا الإقرار قبولا ورضا وليس إكراها وقسرا كما يستحسن أن يتوافق مع أوانه فلا ينتظر المعني به حتي تتطوع مصارحة مخلصة أو تداري مجاملة مشفقة لأن انتظار المصارحة مؤلم وغطاء المجاملة مهين‏.‏
    وكذلك حاولت من سنوات أن أنبه نفسي‏-‏ بين وقت وآخر‏-‏ إلي مزالق الانتظار وضمن ما فعلت أنني وضعت حدودا لما أكتب بأفضلية أن يتساءل الناس‏ لماذا لا يكتب هذا الرجل‏-‏ أكثر‏‏ بدلا من أن يكون سؤالهم‏ لماذا يكتب هذا الرجل‏-‏ أصلا‏‏ وعلي نفس المنوال فإن ما يساورني الآن يتلخص في أفضلية أن يتساءل الناس‏‏ لماذا يستأذن هذا الرجل في الانصراف متعجلا‏-‏ بدلا من أن يكون سؤالهم‏‏ لماذا يتلكأ هذا الرجل متثاقلا‏.‏

    وللحق‏-‏ وذلك اعتراف بالفضل واعتزاز بأصحابه‏-‏ فإن كثيرين تكرموا بجهدهم في تحويلي عما رأوه اتجاهي راغبين إقناعي بأني مازلت‏-‏ جسدا وفكرا‏-‏ قادرا علي الاستمرار مع إشارات عطوف إلي أنه ليس من حق محارب أن يلقي سلاحه مهما تكن الأسباب ولا من حق كاتب أن يتخلي عن قلمه مادام استطاع‏,‏ وكان جوابي‏-‏ مقدرا وليس معاندا‏-‏ أن عدد السنين حقيقة حساب ودوران أي عجلة طوال الوقت طاقة مستنفدة‏-‏ مؤثرة علي صلب معدنها ذاته ولو تعطل الناس مع حاصل الجمع أو تمنوا لو تتحمل المعادن إلي الأبد فذلك ليس من شأنه إلغاء قواعد الحساب أو تعطيل قوانين إجهاد المواد واستهلاكها‏.‏
    ‏ومن باب الدقة‏-‏ فإن هاجس الانصراف‏-‏ حتي بدون استئذان‏-‏ ومض لأول مرة في خواطري مساء يوم‏28‏ سبتمبر‏1970‏ في غرفة نوم‏ جمال عبد الناصر‏ نفسه وكان ذلك الصديق الكبير أمامي علي فراش نومه وقد تحول في دقائق إلي فراش موته‏.‏
    ولم يكن سبب ما لمع‏-‏ برقا‏-‏ في خواطري مجرد التفجع والأسي‏-‏ وكان هناك منه كثير‏-‏ لكن السبب أنني وقد أدركت هول ما جري بعد فترة من العجز عن التصديق‏-‏ تلفت حولي ولمحت‏-‏ أو خيل إلي أنني لمحت‏-‏ ما أثار عندي ظنونا غامضة‏.‏
    كنا في غرفة النوم‏-‏ أو الموت‏-‏ سبعة رجال بالعدد من حول جثمان الراحل الكبير الذي تقدم نحوه كبير أطبائه وسحب الملاءة علي وجهه في حركة بدت وكأنها فعل رمزي يقطع بالنهاية‏-‏ مهما كان العجز عن تصديقها‏.‏
    وتردد الكلام همسا في الغرفة عن الإجراءات والترتيبات لهذه الليلة الحزينة وما بعدها ولمحت في عيون البعض تعبيرات أو إشارات توحي‏-‏ ربما‏-‏ بنذر غير محددة في أجواء هذه اللحظة لكنها بعد مفاجأة الأحزان قد تصبح خطيرة‏!‏
    ومن الإنصاف أن ما لمحته في العيون والإيحاءات لم يكن ظاهرا بوسواس طمع في إرث سلطة أو علو موقع بل لعل‏ العام-‏ أو ما يبدو عاما‏-‏ بدا طاغيا علي‏‏ الخاص‏-‏ أو ما يبدو خاصا‏-‏ لأن المنطق الظاهر كان شدة الحرص علي الرجل الكبير الراحل والعزم علي تكملة مسيرته كهدف مقدس يتسابق الجميع عليها‏-‏ وفاء بأحقية يستشعرها كل منهم‏-‏ ويري نفسه أهلا لها بمسئولية وظيفة أو قرب اتصال لكن البشر هم البشر وفي أعماق نفوسهم فإن شدة الحرص والتفكير بأفعال التفضيل تحرض أصحابها وتدفعهم إلي سباق يعتقد كل منهم‏-‏ فيه‏-‏ أنه الأجدر والأولي‏-‏ وهنا موضع الالتباس وربما الاشتباك‏.‏
    والواقع أن طرفات العيون وإيحاءاتها مما خيل إلي أنني لمحته راحت تفصح عن نفسها أكثر‏-‏ حين نزلنا إلي صالون بيت‏‏ جمال عبد الناصر‏ نستكمل كلامنا تاركين الراحل الكبير لأسرته تحيط فراشه‏-‏ في وداع أخير‏.‏
    وفي صالون الدور الأول من البيت انضم إلينا‏-‏ نحن السبعة الذين وقفنا حوله لحظة النهاية‏-‏ تسعة أو عشرة رجال علي الأكثر في يدهم مفاتيح السلطة والقرار في البلد واستؤنف الكلام عن الإجراءات والترتيبات‏‏ وعن غد وبعد غد‏ وما يجري ويكون وراحت وساوسي تتنبه مهموما بأن ما أري وأسمع قد يكون نذير احتكاك قادم حتي وإن حاول البعض تفاديه أو كبته حتي لا يأخذ وزر الفتنة علي نفسه‏‏ أو علي الأقل كي لا يكون بادئا بها في ظرف لا يتحمل المجازفة‏.‏

    وخطر ببالي أن صداقتي الحميمة لجمال عبد الناصر وحماستي لمبادئ مشروعه‏-‏ مرتبطة‏-‏ علي نحو ما‏-‏ بثقة مباشرة فيه والآن وقد غاب فإن علي أن أراجع وبحزم‏.‏ وبدا لي ـ دون ظل من شك أنني لا أريد أن أكون طرفا في صراع فالسلطة من البداية ليست حلمي ولا بين مطالبي ومع احترامي لبعض من أري حولي وعلاقة ود بيني وبين معظمهم‏-‏ فإن النقطة الحرجة في الموقف أن درجة قربي من‏ جمال عبد الناصر‏ لا تسمح بحياد فضلا عن أن الحياد قرب مصائر الأوطان هرب أو تهرب ومن ناحية أخري فلم يكن سرا أيامها أن علاقاتي ببعض أطراف السلطة مشدودة‏-‏ وخلافاتي مع الاتحاد الاشتراكي وتنظيمه الطليعي متوترة‏-‏ وحساسيتي من تصرفات أجهزة الأمن والتأمين‏-‏ كما هي في كل العصور‏-‏ جزءا من التكوين المهني والنفسي لصحفي يتمني الحرص علي تخوم مهنته وتلك أمور تترتب عليها نتائج في أجواء صراع علي السلطة لأن الاستقطاب عندها يكون حادا وعنيفا‏-‏ يفرض‏:‏ إما انحيازا غير مقنع إلي طرف‏-‏ أو عداء لا مبرر له مع طرف آخر وعليه فأمامي أحد موقفين‏:‏ إما الانصراف فور تشييع الراحل الكبير إلي مرقده الأخير‏-‏ وإما الانسياق إلي صراع لا أريده بوسائل لا أملكها‏-‏ ولا أريد امتلاكها‏.‏
    وغداة تشييع الجثمان بعثت لرئيس الجمهورية بالنيابة‏-‏ أنور السادات‏-‏ كتاب استقالتي من الوزارة وكانت تلك خطوة أولي علي طريق الانصراف‏(‏ حتي من الأهرام‏)‏ وعندما تقابلنا في المساء‏(‏ من السابعة إلي الثالثة بعد منتصف الليل‏)-‏ فتح لي‏ أنور السادات‏‏ قلبه بغير تحفظات صريحا مع نفسه ومع الحقيقة ومع الظروف والملابسات‏(‏ ولا أزيد‏).,‏ وخرجت من قصر العروبة أستقبل نسمات فجر‏(3‏ أكتوبر‏1970)-‏ شبه مقتنع بأنه ليس وقت الانصراف من الساحة بعد‏-‏ مستأذنا أو بغير استئذان‏(‏ فقد وافق الرئيس المرشح‏‏ أنور السادات‏ علي ما طلبت بشأن الوزارة وكان يعرف قبل غيره أنها تكليف مؤقت لمهمة معينة‏-‏ ولأجل محدد‏-‏ سنة لا تزيد‏-‏ في ظرف رآه‏ جمال عبد الناصر‏ مهيأ لاختراق سياسي يتوازي مع الذروة في حرب الاستنزاف‏-,‏ وعليه فقد وافق‏‏ أنور السادات‏‏ علي نص استقالتي وكتب بخط يده ردا بالغ الرقة واللطف عليه لكنه اشترط بقائي في مجلس وزرائه إلي ما بعد الاستفتاء علي رئاسته حتي لا يقول الناس‏‏ إن أقرب أصدقاء‏‏ جمال عبد الناصر‏ لم يطق الصبر يوما عليه‏-‏ وكان الرجل في ذلك سمحا‏-‏ محبا ومقبلا‏).‏ ولم يطل الحديث بيننا عن الأهرام‏-‏ فقد كان قوله الفصل‏‏ إن ذلك هو المستحيل ذاته لأن الأوضاع كما أري والاحتمالات كما أقدر ثم إن البلد في حالة حرب‏-‏ هي بضروراتها أكبر من موقف أي رجل ومن رؤيته لدوره ومن آرائه واجتهاداته‏‏
    وكنت وقتها في السابعة والأربعين‏.‏
    ومرت سنوات عصيبة تفجر فيها صراع مراكز القوي‏(‏ وقد كان مثل عواصف الخماسين ثارت أوائل صيف ثم انصرفت‏)‏ وتعقدت الصلات مع الاتحاد السوفيتي‏(‏ فقد استحكم التوتر‏-‏ وكان يمكن تفاديه‏)‏ وتشابكت العلاقات مع الولايات المتحدة‏(‏ وكان متاحا إدارتها باقتدار يستغني عن‏ الرهان‏)-‏ وكان الأهم من ذلك كله أن شمس أكتوبر‏1973‏ طلعت أخيرا وعلت وسطعت‏
    وفي تلك الظروف وقفت بكل جوارحي إلي جوار‏ أنور السادات‏‏ وليس في سمعي غير النداء الغلاب للمعركة محاولا‏-‏ ومدعوا‏-‏ إلي خدمة التخطيط الإعلامي لها والتحضير السياسي قبلها وأثناءها وبعدها وبلغ اعتزازي مداه حين عهد إلى‏ أنور السادات‏‏ بكتابة التوجه الإستراتيجي الصادر عنه بوصفه القائد الأعلي للقوات المسلحة المصرية‏-‏ إلي القائد العام المشير‏‏ أحمد إسماعيل علي‏-‏ يبلغه رسميا ومعه هيئة أركان الحرب بالمطلب الاستراتيجي المراد تحقيقه بقوة السلاح ابتداء من الساعة الثانية بعد ظهر يوم السبت‏6‏ أكتوبر‏1973,‏ ومرت الأيام والساعات مشحونة وفي الساعة الثانية من بعد ظهر يوم السبت‏6‏ أكتوبر‏1973-‏ انطلق الشباب والرجال علي جسور العبور‏.‏
    كان التوجيه الاستراتيجي من صفحتين اثنتين بدأ بتحليل الوضع في المنطقة مع استمرار حالة اللاسلم واللاحرب ووجود أراض عربية محتلة‏,‏ وضغوط تعبئة عامة وكاملة للموارد والبشر بلغت مداها‏,‏ ثم انتقل إلي عرض للظروف الدولية والإقليمية وما تسمح به وما لا تسمح ثم ينتقل التوجيه مباشرة إلي تحديد الهدف الذي كلفت القوات المسلحة بتحقيقه وهو‏:‏

    كسر نظرية‏‏ الأمن الإسرائيلي‏‏ التي اعتمدت عليها الدولة الصهيونية منذ قيامها وتمكنها من الاعتماد علي تفوق عسكري تعتبره رادعا في حد ذاته وأنه مع كسر نظرية‏ الأمن الإسرائيلي‏ بفعل عمل عسكري مسلح لديه الحافز والوسائل مع الخبرة والعلم‏-‏ يتحقق ميزان قوة مختلف يكون مدخلا إلي صراع إرادات شامل‏-‏ سياسي وعسكري يمكن الاستناد إليه في مواصلة تحرير الأراضي العربية المحتلة‏,‏ والعودة إلي خطوط‏4‏ يونيو‏1967‏ وفق شرعية قرارات الأمم المتحدة ومجلس الأمن‏.‏
    ثم ينتقل التوجيه الاستراتيجي في فقرة تالية‏-‏ إلي تأكيد ثقة القائد الأعلي للقوات المسلحة والتي سبق له اعتمادها ووضع توقيعه عليها‏-‏ تاركا لقيادة القوات حرية التصرف الميداني مخولة بكل الصلاحيات التي تكفل لها إدارة العمليات بأعلي كفاءة‏.‏
    وكانت هناك‏-‏ يوم صدور التوجيه الاستراتيجي ثلاث خطط محددة‏:‏
    ‏‏- أولاها‏:‏ الخطة جرانيت‏(1)‏ وهدفها عبور قناة السويس بقوة خمس فرق من المشاة والمدرعات تعمل تشكيلاتها تحت إمرة ثلاثة من قواد الجيوش يختص كل منهم بمنطقة علي الخط الطويل الممتد من بورسعيد إلي السويس والمهمة للثلاثة عبور قناة السويس بقوة السلاح والتمسك بثلاثة رؤوس كباري عرضها عشرة كيلومترات علي الأقل كي تظل في حماية حائط الصواريخ حتي تسيطر علي رؤوس الكباري التي تبدأ منها الطرق الرئيسية الثلاثة‏:‏ الجنوبي والأوسط والساحلي‏.‏
    ‏‏ - والخطة الثانية‏:‏ هي جرانيت‏(2)‏ وهدفها التقدم بعد إتمام السيطرة علي رؤوس الكباري في ظرف ثلاثة أيام إلي احتلال مضايق سيناء والسيطرة عليها‏(‏ بالذات مضيق الجدي‏)‏ والتمسك بها تحت أي ظرف لأن ذلك يطرد القوات الإسرائيلية إلي مناطق مكشوفة تماما وفي الغالب يفرض عليها التراجع إلي خط‏‏ أم كتاف‏‏ علي الحدود بين مصر وفلسطين‏.‏
    ‏- وأما الخطة الثالثة وقد أطلق عليها الاسم الرمزي‏(‏ الخطة‏2000)‏ فهي مجهزة لاحتمال قيام القوات الإسرائيلية الخاصة باختراق قناة السويس في اتجاه معاكس‏(‏ من الشرق إلي الغرب‏)‏ بقصد النفاذ وراء الجيوش المصرية الثلاثة والقيام بعمليات‏‏ كوماندوز‏ لمهاجمة وتدمير أو شل فاعلية قواعد الصواريخ من طراز سام‏(2)‏ وسام‏(6)‏ وحرمان قوات العبور من حمايتها‏.‏
    ومن الغريب أن تفاصيل هذه الخطة تشير بالتحديد لمنطقة‏ الدفرسوار‏ والخطة تعهد إلي احتياطي القيادة العامة وهو من فرقتين من المشاة الميكانيكية المتحركة تظل غربي القناة‏,‏ ولا تشارك في العبور لتكون لها حرية الحركة في أي لحظة إزاء أي مفاجأة‏.‏
    ‏(‏وهذه الخطة كانت وراءها قصة تقارب الخيال ولعلها تستحق أن تحكي ذات يوم بتفاصيلها وأبطالها‏).‏
    وقد تم وضع الخطط الثلاث قبل رحيل‏ جمال عبد الناصر‏ وصدق بتوقيعه علي أولاها ثم وقع خلفه‏‏ أنور السادات‏ علي جرانيت‏(2)‏ والخطة‏(2000).‏ عندما قدمهما إليه الفريق محمد فوزي وزير الدفاع وقتها في شهر مارس‏1971.‏
    ومن الإنصاف أن يقال إن هذه الخطط وبالذات جرانيت‏(1)‏ و‏(2)‏ لحقت بها زيادات وتعديلات في السنوات ما بين‏1970-1973‏ وأن هذه الزيادات والتعديلات رفعت مستواها ودعمتها بخبرات مستجدة وقفزات كبيرة بتكنولوجيا السلاح‏,‏خصوصا في استخدامات الصواريخ‏,‏ والفضل عائد إلي الرجال الذين تولوا وزارة الدفاع في تلك السنوات ورؤساء أركان الحرب وقادة الأسلحة والتشكيلات مما أضاف إلي فكرة الخطة وتفاصيلها‏,‏ وغيرت أحيانا أسماءها وجعلتها علامة بارزة في التاريخ العسكري‏].‏
    وليس هناك أدني شك في أن الساعات المجيدة من الثانية بعد الظهر إلي السابعة مساء حققت الهدف الاستراتيجي المطلوب فقد كانت الدبابات السورية تندفع بقوة عبر الجولان نحو بحيرة طبرية‏,‏ كما كانت جسور العبور علي الجهة المصرية مشهد عز في التاريخ العربي المعاصر‏.‏


    ولعشرة أيام متواصلة كانت القوات العربية علي الجهتين تعطي بجود وسخاء أفضل ما عندها كفاءة وشجاعة ودما‏-‏ وبالفعل تغيرت الموازين‏!.‏
    وطوال أيام الحرب من‏6‏ وحتي‏20‏ أكتوبر كنت مع الرئيس‏‏ السادات‏‏ كل مساء وحتي قرب منتصف الليل في قصر الطاهرة وكان يقيم فيه أيامها ومعه مكتب اتصال يحتل‏ بدروم‏‏ الدور الغاطس تحت الأرض‏.‏
    وكتبت له خطابه الذي ألقاه في مجلس الشعب يوم‏16‏ أكتوبر‏1973‏ وعندما عاد بعد إلقائه اتصلت به من الأهرام أبلغه بما أعلنته رئيسة وزراء إسرائيل من أن جيش الدفاع‏(‏الإسرائيلي‏)‏ يواصل عملياته ويتقدم غرب القناة‏(‏ وكانت تلك أول أنباء عن الثغرة‏)‏ وطلب أن أنتظره علي التليفون دقيقة يتصل فيها بالمشير‏ أحمد إسماعيل‏‏ وعاد إلي ومعه طمأنينة لم أحسبها كافية‏,‏ وطلب إلي أن أتصل بنفسي بـ‏ أحمد إسماعيل‏ وأسمع منه وفعلت ومرة أخري عاودني الشعور نفسه‏.‏
    وفي يوم‏17‏ أكتوبر حضرت معه لقاء واحدا ضمن ثلاثة لقاءات أجراها مع رئيس الوزراء السوفيتي‏‏ إليكس كوسيجين‏‏ وكان قد جاء في زيارة سرية للقاهرة ولم يكن ما سمعته مشجعا‏.‏
    ومساء‏20‏ يناير ظهر الخلاف بيننا علنيا في موضوع قبول قرار مجلس الأمن رقم‏338‏ فقد أبديت تحفظات عليه وفي حضور المهندس‏ سيد مرعي‏ والسيد‏ حافظ إسماعيل‏ والدكتور‏ أشرف مروان‏.‏
    وطرحت تعديلات علي نص القرار ـ لم يقبل بها‏.‏
    وطرحت أهمية التشاور مع سوريا قبل قبول القرار‏,‏ وكان رأيه أن السوفيت سوف يقومون بإخطارهم وعلقت بأنهم شركاء لنا في الحرب وليسوا شركاء السوفييت ـ ولم يقتنع‏.‏
    ورجوته كخط دفاع مأمون أن ينتظر حتي يجيء المراقبون الدوليون لضبط خطوط وقف إطلاق النار‏,‏ خصوصا أن فريقا منهم جاهز في‏‏ قبرص‏‏ ووصوله إلي هنا مسألة ساعات مع تذكر تجربة أن الإسرائيليين لن يحترموا قرارا من مجلس الأمن بوقف إطلاق النار بل سوف يستغلونه إلي أبعد مدي يستطيعون الوصول إليه‏.‏
    ورد علي أمام الجميع‏:‏ بأن لديه تعهدا أمريكيا مكتوبا بتوقيع‏ نيكسون‏‏ وهذا في نوعه أنفع وأجدي ألف مرة من أمم متحدة لا تحل ولا تربط‏!
    وقلت ما مؤداه‏:‏ إنني مشارك لسنوات طويلة في اتصالات ومحادثات مع إدارات أمريكية متعاقبة منذ سبتمبر‏1952,‏ وبالتالي فقد خبرت مراوغات السياسة الأمريكية وتعلمت أن أسمع ـ ثم أبحث ـ ثم أشك‏,‏ ثم اكتشف أن الكلام في الخطاب الأمريكي شيء والفعل نقيضه إذا لم يحاذر من يفهم الأمر‏!‏
    ورد بما ملخصه‏:‏ ‏أن الاتصالات هذه المرة علي مستوي آخر‏-‏ غير مسبوق‏!-‏ فهي بينه وبين الرئيس‏ نيكسون‏(‏ رئيس الولايات المتحدة وقتها‏)‏ وهي تحتوي علي تعهدات مكتوبة موقعة بإمضاء رئيس أكبر وأقوي دولة في العالم.‏
    وأضاف مؤكدا‏:إن الاتصالات هذه المرة تختلف في كل شيء عن كل ما سبقها‏.‏
    ‏(‏ولم أكن أعرف شيئا عن هذه الاتصالات حتي عثرت علي نصوصها في واشنطن بعد خمس عشرة سنة‏!)‏
    وعدت مرة أخري عارفا أنني أضغط علي الرجل إلي درجة تقارب الإلحاح‏,‏ فأشرت إلي سابق تجارب إسرائيل مع العرب في استغلال قرارات وقف إطلاق النار بعد صدورها‏,‏ متجاهلة نداءات دولية وحججا واتهامات توجه إليها بالغش والتدليس‏.‏ ولكنها تظل متمسكة بما خطفته أو نشلته في حماية قرار دولي أطاعه العرب وأصرت هي علي عصيانه‏,‏ ورد الرئيس السادات بلهجة واثقة‏:‏ إطمئن‏.‏ قلت لك هذه المرة مختلفة لأن رئيس الولايات المتحدة بنفسه يدير الأزمة ـ وقد كتب إلي بما يبدد شكوكك وشكوك غيرك يبلغني أن طائرات الاستطلاع من طراز يوتو التابعة لوكالة المخابرات المركزية الأمريكية سوف تحلق فوق خطوط القتال طوال اليوم حتي تصور المواقع علي الجانبين‏,‏ وتكشف وتحدد أي الطرفين يغش وأيهما يلتزم‏.‏ وإذن فإسرائيل لاتستطيع التلاعب‏,‏ وإذا حاولت فهناك لأول مرة من يستطيع أن يشكمها ويضعها في مكانها في الصندوق‏!‏
    وواصلت الجدل معه شاعرا أنها الفرصة الأخيرة‏.‏
    شرحت له مخاوفي من احتمال انفراط عمل عربي مشترك وصل إلي درجة من التعبئة يمكن البناء عليها لإعادة بناء نظام عربي قادر يجعل الأمة بالفعل كما قال هو قبل أيام القوة السادسة في العالم‏ ورد وفي صوته نبرة صدق‏:‏ بأنه لابد أن أعرف أنه يختلف عن‏ جمال‏عبد الناصر‏ فهو لا يريد إقامة إمبراطورية‏ ومطلبه أن يستريح هو ويستريح الناس من عناء الحروب ليبدأوا عهدا من الرخاء يراه مقبلا‏‏



    ومع أن ذلك الخلط بين عمل عربي مشترك ومطلب إمبراطوري مصري‏ روعني فقد مضيت أجادل‏ بأننا مازلنا وسط حرب لم تنته بعد‏ ووجه نظره إلي قائلا وهو يضحك بطريقته الشهيرة ما نصه‏ سجل عندك‏ هذه آخر الحروب‏‏
    ثم استطرد بما مؤداه أنني مازلت اتكلم علي قديمه ولم استوعب بعد أنها حاجة جديدة‏‏
    ونزل علي وجوم والغريب في الأمر أنني كنت مازلت قادرا علي فهم جزء من مشاعره‏‏
    ‏‏ كان عبء قرار الحرب عليه ثقيلا‏‏
    ‏ وكانت أيام القتال بالنسبة له شاغلا ملحا‏‏
    ‏‏ ثم إن الرجل في النهاية سمع مني كل ما قلته دون أن يعلو صوته‏‏ كما فعل مثلا مع السيد‏ حافظ إسماعيل‏ الذي حاول لفت نظره‏ إلي خشيته من أن يكون العسكريون قد نقلوا إليه أخبارا متشائمة ورد عليه الرئيس‏ السادات‏ بعنف أحرج الرجل المهذب والمنضبط‏‏
    وفوق ذلك فقد انهمرت علي الرئيس السادات في تلك الفترة رسائل ثلاث من ملوك المنطقة وكأنها تعزز تعهدات‏ نيكسون‏
    وكنت رأيت بعض الرسائل الواردة إليه من الملوك الثلاثة واستأذنته في صور منها وأذن‏
    كانت رسائل الملوك الثلاثة التي انهمرت عليه فجأة‏ كثيرة‏
    ‏ رسائل من‏ محمد رضا بهلوي‏ شاه إيران وفي إحداها يقول‏ إن ما تحقق في ميدان القتال يكفي وإن التمادي بعد ذلك خطر وأنه في محادثة تليفونية مع الرئيس‏‏ نيكسون‏ فهم منه أن أمريكا لن تسمح بانتصار عربي بالسلاح السوفيتي لأن تلك مسألة تتصل بالاستراتيجية العالمية وإدارة الحرب الباردة‏
    ثم يقول الشاه‏ إن أي انتصار كبير علي فرض إمكان تحقيقه يمكن أن يكون دافعا إلي مطالب شعبية يصعب الوفاء بها لأن شهية‏ الدهماء ‏Rif Raf‏ حسب وصفه سوف تطالب بمكاسب لا تقابلها موارد وذلك أقرب طريق إلي القلاقل الداخلية‏‏ وحتي إلي العصيان والثورة‏
    ‏ رسائل من‏ الحسن الثاني‏‏ ملك المغرب وفي إحداها يقول الملك‏ إن معلوماته تؤكد له أن‏ الجماعة‏ في تل أبيب‏‏ يقصد القيادة الإسرائيلية‏‏ تعلموا درسا‏‏ وأنه يعرف عن يقين وعن طريق‏ الحزب الملكي‏ من المهاجرين واليهود المغاربة من رعاياه وبعضهم في مواقع السلطة‏‏ أنهم في إسرائيل جاهزون لسلام حقيقي علي أساس انسحاب إلي خطوط‏4‏ يونيو‏1967
    ‏ورسائل معظمها شفوي من‏ فيصل بن عبد العزيز‏ ملك السعودية يحملها إليه السيد‏‏ كمال أدهم‏ مدير مخابراته وأهم مستشاريه‏‏ لكن الملك في رسائله يلمح ولا يصرح وهو في كل رسالة خصوصا إذا كانت مكتوبة‏ يترك القرار لحكمة الرئيس واثقا في حكمته وحسن تدبيره‏
    وكان قصاري ما أفصح به الملك‏‏ فيصل‏‏ عن فكره هو استشهاده بالآية الكريمة التي تقولوإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل علي الله‏ وقد وصلت هذه الرسالة في يوم وصول‏ هنري كيسنجر‏‏ نفسه إلي القاهرة‏
    وكنت أستشعر مدي تأثير رسائل الملوك الثلاثة علي الرئيس‏ السادات‏
    وفي نهاية ليلة طويلة وعصيبة خرجت من قصر الطاهرة شاعرا بأننا علي أبواب أزمة في علاقاتنا هي بالتأكيد الأعمق‏
    وعندما وصل‏ هنري كيسنجر‏‏ إلي القاهرة أول مرة يوم‏7‏ نوفمبر‏1973‏ وطلب أن يقابلني حاولت أن أعتذر بواسطة السفير‏‏ أشرف غربال‏ وهو وقتها المستشار الصحفي لرئيس الجمهورية‏‏ خصوصا بعد أن قرأت نص مشروع النقاط الست التي عرضها علي الرئيس‏‏ السادات‏ ونالت موافقته في لقائهما الأول وبالفعل اعتذرت عن غداء أقامه له السيد‏ حافظ إسماعيل‏ مستشار الرئيس للأمن القومي وقتها‏‏ في نادي‏‏ التحرير‏ لكن السفير‏ أشرف غربال‏ عاد إلي بعد قليل يبلغني أن الرئيس‏ السادات‏‏ يطلب مني أن أقابل‏‏ كيسنجر‏‏ واتصلت بالرئيس ولكنه كان قاطعا‏ لأننا في هذه اللحظة يجب أن نكون صفا واحدا وكلمة واحدة‏
    وحضرت بالفعل حفل عشاء في بيت الصديق العزيز الراحل‏‏ إسماعيل فهمي‏ وزير الخارجية وقتها‏‏ وكان العشاء تكريما لـ‏‏ كيسنجر‏ واتفقنا علي أن يغادر وزير الخارجية الأمريكية حفل العشاء في الساعة العاشرة وألحق به بعد ربع ساعة إلي جناحه في الدور الثاني عشر من فندق هيلتون النيل حيث يقيم والوفد المرافق له وجلسنا لحديث طويل دام ساعتين ونصف ساعة‏‏

    وصباح اليوم التالي اتصلت بالرئيس‏ السادات‏‏ وذهبت إليه في الساعة الحادية عشرة صباحا وكان لا يزال في سريره بعد حمام ساخن وهو بعد الحمام يرتدي‏‏ البرنس‏ الأبيض وفوقه غطاء أبيض مطرز باللون نفسه‏‏
    وحاولت أن أروي له من أوراق كتبتها تفصيل ما دار بين‏ كيسنجر‏‏ وبيني وأهمها مخاوفي من أن مشروعه لحل الازمة خطير‏ خطوة بعد خطوة‏-‏ والبلاد العربية المعنية واحدة بعد واحدة‏ وأية مفاوضات لابد أن تجري تحت إشراف أمريكي لا دور فيها للاتحاد السوفيتي ولا لأوروبا إلا عندما يحل دور المراسم والتشريفات‏‏ وأبديت أن‏‏ كيسنجر‏‏ نفسه يصعب الاعتماد عليه لأنه بالضرورة منحاز وانحيازه طائفي وفكري وسياسي محكوم بصراع الحرب الباردة وليس بسلام عادل في صراع الشرق الأوسط‏
    وكان رد الرئيس‏‏ السادات‏‏ أن‏‏ كيسنجر‏‏ هو الرجل الوحيد الذي يستطيع أن ينجز المهمة فهو الساحر الذي أنهي حرب فيتنام وفتح باب الصين والذي لا يتفاوض حتي في الاتحاد السوفيتي إلا مع الزعيم‏ ليونيد بريجنيف‏‏ ولا أحد غيره‏ ثم إن كون كيسنجر يهوديا يجعله مهيأ للضغط علي إسرائيل إذا اقتنع وهو‏أي الرئيس السادات‏‏ واثق من قدرته علي إقناعه وفي ذهنه تصور كامل لماينوي أن يعرضه عليه‏ ولم يدخل في التفاصيل‏‏
    وخرجت من قصر الطاهرة يومها شاعرا بأنها نهاية النهاية وعلي أن أحدد موقفي‏‏
    وكتبت مجموعة مقالات كنت أعرف مسبقا بأنها لن ترضيه‏‏ وقد صدرت فيما بعد علي شكل كتاب بعنوان‏‏ مفترق الطرق‏
    وكانت بالفعل مفترق طرق‏ أقولها بشيء من الحزن مازال معي حتي الآن يقينا بأن فرصة لا مثيل لها تضيع وهي لاتلحق به مظنة الخيانة‏ كما يري البعض‏‏ لكنها تكشف عن أن الرجل تعامل مع المجهول مراهنا علي تصوراته الخاصة في ظروف لاتحتملها الحقائق يومها ولا التقويم الموضوعي للمواقف‏ وكانت مخاوفي غالبة‏
    وفي الوقت نفسه فقد داخلني إحساس قوي بأن هذه التوجهات الجديدة تضع‏ شرعية أكتوبر‏ علي طريق صدام مع‏‏ شرعية يوليو‏ ومع أن‏‏ يوليو‏‏ كانت في حاجة إلي مراجعة فإن الصدام يصعب اعتباره مراجعة وقد قلت ذلك بنفسي للرئيس‏‏ السادات‏ عندما شاء بسماحته أن يعاود الاتصال بي وفعل ذلك فجأة صباح يوم في أكتوبر‏1974‏ بعد قطيعة تسعة شهور وبعد أسابيع وصل إلي حد أن عرض علي منصب نائب رئيس الوزراء في وزارة السيد‏ ممدوح سالم‏‏ وكذلك قلت بنفسي للسيد‏ ممدوح سالم‏‏ في مكتبه في وزارة الداخلية‏ ما مؤداه إنني أري أمامي شرعيتين متصادمتين دون أن أقتنع بمبرر أو سبب وكنت أتصور أنه يمكن البناء علي الايجابي لشرعية سابقة يضاف إلي منجزات شرعية لاحقة‏‏ وذلك يصحح ويرفع ولا ينقض أو يزيح‏ وإنه إذا كان هناك تصادم بالفعل بين شرعيتين فإن اختياري معروف وموقعي محدد‏ كانت شرعية أكتوبر تملك انتصارا لاشك فيه ولكنها في الوقت نفسه قادرة علي الاستناد إلي ما لا يقبل الجدل من شرعية يوليو‏‏ الثورة تأميم قناة السويس بناء السد العالي مشروعات التصنيع الحقوق الاجتماعية للعمال والفلاحين وهم أغلبية الشعب حتي بالعدد إلي جانب اخراج الاستعمار البريطاني والفرنسي من شرق العالم وغربه‏‏ وايقاظ مشاعر أمة وتحريك إرادتها‏
    ولا أملك غير أن أقف ورء ما اقتنعت به‏ صوابا كان أو خطأ‏‏ لأن الخلاف لم يكن مجرد تباين في وجهات النظر وإنما كان‏ مفترق طرق ‏حقيقيا ونهائيا لادخل فيه لعامل ذاتي لأن الرجل علي المستوي الانساني كان شخصية جذابة ومثيرة‏
    وفي الحقيقة والواقع أن موضوع الخلاف بيننا صدر عن رؤي مغايرة وأحيانا متناقضة‏
    ‏‏-‏ كان اعتقادي‏-‏ ولايزال‏-‏ أن أي إنجاز عسكري عظيم يتحول إلي استعراض بطولي بالدم والنار‏-‏ ما لم تستطع كفاءة السياسة تعزيز وتوظيف فعل السلاح ومن ناحيته فإن‏‏ أنور السادات‏ بحقه الرئاسي وشجاعته في اتخاذ قرار القتال تصرف باعتقاد أن ما تحقق في الميدان يعطيه فرصة مناورة أوسع ومع الولايات المتحدة الأمريكية بالذات وفي حسابه أنها‏-‏ تملك مفاتيح الحل أو‏99%‏ من الأوراق كما أعلن أيامها‏.‏
    ‏- وكان خوفي‏-‏ وإلي الآن‏-‏ أن الأمة بكاملها وشعوب الدنيا حتي بمشاعرها‏-‏ أضافت إلي تلك المعركة من مواردها وجهودها وأعصابها واهتمامها ما لا تسهل تعبئته مرة أخري وعليه فإن الصمت‏‏ مستحيل‏‏ خصوصا إذا جاء من رجل شاءت له الظروف أن يكون في قلب الوقائع‏-‏ مشاركا وليس متفرجا‏-‏ كل ما يهمه الحصول علي خبر أو الانفراد بسبق‏!‏
    -‏ وكان الأصعب والأقسي شعور جازم وملح بأن طريقة إدارة العملية السياسية بعد المعركة العسكرية سوف تضبط أحوال المنطقة وتمسك بتوازناتها لخمسين سنة قادمة علي الأقل لأن أطراف الصراع أعطوا قصاراهم ووصلوا إلي الحافة فإذا استطاع أحدهم في لحظة حرجة دفع الآخرين إلي السفح‏-‏ فقد سيطر علي الساحة وأملي إرادته علي المستقبل‏!‏


    ‏-‏ وكان قلقي أن إدارة العملية السياسية بعد القتال سوف تكون معيارا متوازنا‏-‏ سياسيا وأخلاقيا‏-‏ لكرامة السياسة المصرية وتوازن خطها فليس يعقل أن يكون سلاح الحرب‏-‏ بما تحقق من نصر‏-‏ عالميا‏(‏ سوفيتيا‏-‏ أوروبيا‏)‏ بنسبة‏99%‏ ثم تسلم أوراق الحل السياسي بعده بنسبة‏99%‏ إلي مشيئة أمريكية تتسيد وتستولي‏.‏
    ‏-‏ وأخيرا‏-‏ كان جزعي أن نفس طريقة إدارة العملية السياسية خصوصا إذا تنازلت إلي حل منفرد بين مصر وإسرائيل‏-‏ سوف تؤدي إلي عواقب بعيدة المدي من النواحي الإستراتيجية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية وربما يتحقق مطلب عزل مصر في حصن ركن معزول من شمال شرق أفريقيا‏-‏ وتنفرد إسرائيل بالمشرق العربي‏-‏ قوة رئيسية في غرب آسيا وذلك هو المطلب البعيد المدي للفكرة الصهيونية وأصدقائها‏.‏
    ومن الأمانة أن أذكر في هذا الموضع أن‏‏ عبد المنعم رياض‏(‏ شهيد مصر الشجاع‏)-‏ ذلك الجندي المتميز الذي تولي الإشراف علي رسم الإطار الأولي لخطة أكتوبر‏1973-‏ رأي‏-‏ ولعلها الرؤيا ومبكرا جدا ـ جوهر الحقائق السياسية الكامنة في الأزمة ـ واستوعب شروطها الواجبة ومازال صوته في سمعي ـ ونحن نمشي بعد الظهر ذات يوم في الغابات المحيطة بقصر‏ زيدوفا‏ قرب موسكو ـ يقول ما مؤداه‏:‏ أن المعركة القادمة ـ مهما كانت حدود ميدان القتال ـ ليست معركة العودة إلي‏ سيناء‏‏ أو‏ الجولان‏‏ وإنما هي معركة المستقبل‏ ويضيف‏: إنها ليست معركة في المكان المحدود وإنما معركة في الزمان غير المحدود‏.‏
    وكان‏ عبد المنعم رياض‏ شبه ملهم فيما قال‏-‏ ولمن شاء أن يستوثق كيف كان ذلك الجندي المستنير بعيد النظر‏-‏ أن يقرأ الكتاب الأخير لـ‏ هنري كيسنجر‏ وهو بكامله نصوص حرفية لتسجيلات صوتية للأحاديث التليفونية التي أجراها وزير الخارجية الأمريكية أيام حرب أكتوبر‏1973.‏
    وقيمة الكتاب أنه وثيقة أصلية سجلت في الثانية واللحظة‏(‏ حتي بالنكات والشتائم‏)-‏ وهي تزيح الستار بالطول والعرض عن حقيقة ما جري‏-‏ وليس لدي مجال لشك في أن هذه الوثيقة وما فيها مما سقط عنه حجاب السرية أخيرا قبل أسابيع‏-‏ هي الكلمة الأخيرة النهائية والحاسمة في قضية السلاح والسياسة‏-‏ أكتوبر‏1973.‏
    علي أنه من سوء الحظ أن‏‏ عبد المنعم رياض‏‏ رحل قبل أن يجيء الظرف الذي تحسب له مبكرا‏-‏ دون أن يعيش ويتأكد من صدق ما رأي بالبصر والبصيرة من أمر تلك العلاقة بين السياسة والسلاح‏!.‏
    ‏(‏وعلي الهامش فإن أي قارئ مدقق للكتاب الوثيقة سوف تلفت نظره محادثة تليفونية مسجلة بين وزير الخارجية‏‏ هنري كيسنجر‏‏ ووزير الدفاع‏ جيمس شيلزنجر‏ دارت وفي الساعات الأولي التي تأكد فيها نجاح الهجوم المصري والسوري‏(6‏ أكتوبر‏1973)‏ بأكثر مما كان متصورا أو متوقعا أو محسوبا‏.‏

    علي صفحة‏29‏ من كتابه التسجيلي للأزمة يرد نص المحادثة التالية بين هنري كيسنجر وزير الخارجية وجيمس شيلزنجر وزير الدفاع‏.‏
    يوم‏7‏ أكتوبر‏1973‏ الساعة‏3.45‏ بعد الظهر‏:‏
    كيسنجر ـ تكلمت مع الرئيس الآن صدمة الهجوم المصري ـ السوري عن ضرورة إمداد اسرائيل بكل ماتحتاجه أيا كان بدون أن يكتشف أحد حقيقة مانقوم به‏.‏
    شيلزنجر ـ لاأستطيع أن أضمن ذلك في الظروف الراهنة‏,‏ لأن الجميع متنبهون‏.‏
    كيسنجر ـ ولكننا فعلنا ذلك سنة‏67‏ ولم يستطع أحد أن يكشف السر حتي الآن وعلي فرض أنهم عرفوا فذلك لايهم لأن اسرائيل في خطر‏.‏
    شيلزنجر ـ هل أنت مستعد لاستعمال حاملات الطائرات؟‏!‏
    كيسنجر ـ ليس هذه الساعة ولكن مجموعة الحاملات لديها الأمر بأن تتحرك نحو شرق البحر الابيض‏.‏
    ومع أني عشت لأري‏-‏ وأختلف وأبتعد فقد ظلت تحكمني في هذا الموقف وغيره‏-‏ وقبله وبعده‏-‏ قاعدة لا تقبل التجاوز ملخصها أنه‏:‏
    ‏‏من حقي ومن حق غيري أن نطرح آراءنا وندافع عنها‏,‏ لكن الكلمة الأخيرة بالتأكيد ملك المسئول الشرعي المكلف بها فإذا وصلت الخلافات إلي درجة لا تحتمل فليس أمام أي صاحب رأي إلا أن يقف ويرفع صوته ليسمع ويرفع يده ليبين مكانه‏.‏
    وكذلك رفعت صوتي ورفعت يدي وتركت موقعي في الأهرام دون أن يخطر ببالي هاجس الانصراف من الساحة‏,‏ بل كان العكس هو الصحيح فقد وجدت نفسي أواصل الكتابة خارج مصر في مواجهة حسبتها قدرا مقدورا‏,‏ موضوعها دور السياسة بعد السلاح في حرب أكتوبر‏1973-‏ وكنت أقدر أنني سوف أتعرض لحملات جامحة‏.‏
    وعاهدت نفسي من وقتها وإلي الآن ألا أرد علي أحد مهما كان القول‏,‏ وأيا كان القائل‏,‏ وكثيرا ما ذكرت نفسي ـ تلك الأيام وبعدها ـ بحكاية رواها لي السير انتوني ناتنج وزير الدولة البريطاني الأسبق‏,‏ الذي استقال من وزارة انتوني إيدن ابان حرب السويس‏1956,‏ احتجاجا علي تورط رئيس الوزراء انتوني إيدن ـ الذي خلف تشرشل علي رئاسة المحافظين ورئاسة الوزارة ـ في مؤامرة سرية للعدوان الثلاثي علي مصر‏,‏ شريكا فيها لرئيس وزراء فرنسا جي موليه ورئيس وزراء إسرائيل دافيد بن جوريون‏!‏
    كان ناتنج عند أول الحكاية التي سمعتها منه ـ سياسيا صاعدا وعضوا مستجدا في مجلس العموم‏,‏ ورأي أن يذهب لمقابلة الزعيم البريطاني ونستون تشرشل وهو يعرفه صديقا لوالده اللورد ناتنج الكبير وضيفا علي قلعة الأسرة في إسكتلندا‏.‏ وكان غرض النائب الشاب الصاعد أن يسمع من صديق الأسرة الأسطوري نصيحة تنفع مستقبله‏.‏
    ورد تشرشل بإنه سوف يجيب بلغة الطير‏,‏ عارفا أن والده من هواة مراقبة الطيور‏,‏ ثم تكلم السياسي المجرب العجوز‏:‏
    استغل كل طاقتك وإرادتك حتي تقوي جناحك ليحملك إلي الفضاء العالي‏,‏ حيث تحلق النسور ـ هناك الحرية وهناك الخطرـ إذا لم تستطع فلا تسمح لنفسك تحت أي ظرف بطلب الأمان في قفص ببغاء تنطق برطانة يدربونك عليها‏(‏ في الحزب‏),‏ ثم يكون دورك أن تكررها وتعيدها كلما مروا عليك‏,‏ وطلبوا منك أن ترقص وتغني حتي يراك السيد‏(‏ زعيم الحزب‏)‏ ورفاقه‏,‏ وربما أبناؤه أيضا ـ وقد يصفقون لك‏,‏ ويضحكون‏,‏ ثم يتركونك حيث أنت ويذهبون ومعهم بسمة من تسلل وتله
    وفي حكاية ناتنج أن تشرشل نظر إليه في عينه بعد أن أنهي درسه‏,‏ ثم صاح فيه نسر إذا استطعت ـ ببغاء أبدا مهما تحملت‏!‏
    وأقر بأن تلك الحكاية التي رواها لي أنتوني ناتنج عادت من حافظتي إلي ذاكرتي في مواجهة ما تعرضت له من حملات تلك السنوات من السبعينيات‏,‏ ولعلها كانت مؤثرة علي حين اخترت الصمت عزوفا عن مشادات وجدتها إهدارا للحبر بلا معني‏,‏ واستهلاكا للورق دون جدوي‏!‏
    واكتفيت بأن قلت كلمتي ومشيت‏,‏ وخطاي علي الأرض ـ لا فضاء النسر‏,‏ ولا قفص الببغاء‏.‏
    وكانت تلك مرحلة أخري من العمر‏,‏ وكنت وقتها في الخمسين‏!‏




























    |
     
  2.   مشاركة رقم : 2    ‏2003-10-04
  3. ابو عصام

    ابو عصام قلم فضي

    التسجيل :
    ‏2001-07-21
    المشاركات:
    3,772
    الإعجاب :
    0
    لاإلاه الا الله سبحانك ربي تبت اليك
    الرجل الذي تربع ملكاً في صحيفة الاهرام وغيرها من صحف العالم لمدة اربعة وخمسين عاماً استأذن من قرءائه الرحيل بعد عمراً طويل وغداًدون ان يعلم بالموعد سوف يرحل من الدنيا,
    انه رجل مصر الثاني بعد عبد الناصر,,
    في هذه المناسبة ماذا نقول لهيكل اكثر من شكراً هيكل وربنا معاك في حياتك ومماتك.
     

مشاركة هذه الصفحة