شعب فوق العادة

الكاتب : الصقر الجارح   المشاهدات : 448   الردود : 0    ‏2003-10-02
      مشاركة رقم : 1    ‏2003-10-02
  1. الصقر الجارح

    الصقر الجارح قلم فضي

    التسجيل :
    ‏2003-04-18
    المشاركات:
    2,647
    الإعجاب :
    1
    شعب فوق العادة


    قدر الشعب المقدسي في بلاد الأقصى أن يتحدى الجبروت الصهيوني كالكف العاري الذي يلاطم المخرز ... كفٌ رغم تعرّيه من مظاهر القوة المنظورة إلا أنه أقوى من جبروتهم .. أقوى بحقه الذي لا يلغيه ورم القوة الصهيونية ولا تغطيه سحائب الشك .. الناصع كوجه الشمس الذي يحرق أستار الظلمة رغم موسم الخريف الأمريكي الذي يسود في مدائن العروبة . وأقوى بالإرادة التي تستوطن أحداق أمهات الشهداء وتُسقى جذورها من دماء الاستشهادين الذين يستبطنون مهمة جليلة عنوانها صناعة الحياة عبر أودية الجراح وضفافها الشامخة . قصة هذا الشعب الصامد رغم محيط الصمت وجزر التآمر حكاية أكبر من لغة السياسة العربية وأعظم من حروف الكتابة المتثائبة في سطور قرارات المؤتمرات العربية


    وهذه الكلمات لا يرسمها قلم حالم لترتمي على صفحات من الفاشية أو النرجسية ... إنما هي حقيقةً حكاية الفعل والإنجاز وإرادة البقاء رغم اللحم المحروق بصواريخ الأباتشي .. ورغم القبور الشرهة التي تفتح ثغورها لتلتهم الشهداء : صنّاع الحياة الذين يزرعون أكبادهم في الأرض المقدسة لتنبت جذور العزة ، ويهزون برموشهم المتمردة سرير العروبة التي تتثاءب فوق فراشه الوثير كرامة العرب المسجلين في شهادات الميلاد أنهم ذكور ويمتلكون أعلى درجات الفحولة .

    نماذج التحدي الفلسطيني متنوعة وممتدة من ”آيات" زهرة الأنوثة التي تحولت إلى كتلة من فولاذ الثأر عبوراً بسلسلة ذهبية من منظومة الاستشهاديين الذين زاد عددهم عن 255 استشهادياً ... وفي محطة أحدهم نتوقف .. الشاب غسان ستيتة ؛ لم يكتب له القدر الحكيم أن ينجح في تفجير نفسه .. وقف هذا الفتى بهدوء شامخ أمام وزير الحرب الصهيوني السابق بنيامين بن اليعازر لا يكترث لشيء .. يقول بن اليعازر عن لقائه بهذا الفتى فولاذي الإرادة: إنه حجر أصم.. وقلت في نفسي لا شك أنه يمثل السلاح الأكثر فتكا ضدنا، سلاح رخيص وسهل ، ولكن يصعب هزيمته .

    لعبة الموت المقدسة التي تفتح نوافذ مشرعة للشهادة لم يحتكرها الشباب الغض فقط بل ان شيوخ فلسطين حلموا بها وعشقوها أيضاً .. فتحي حسين البلبل البالغ من العمر 85 عاماً عندما ودع ابن شقيقه الشهيد "عصام" في الانتفاضة الأولى قبل نحو 15 عاماً طبع قبلة على جبين ابن شقيقه وقال " اللهم ارزقني الشهادة مثل عصام" ، وجاءته مثلما أراد وسط البلدة القديمة بنابلس


    نموذج آخر ولكن بنكهة صمود من نوع آخر ربما تصلح ليوزع فوحها على قبائل العرب المعاصرة لتتعرف على طعم الحياة بمذاق الكرامة الممزوج بروح التحدي .. إنه الأسير ناصر عبد الجواد عودة ناقش رسالته للحصول على درجة الدكتوراه من جامعة النجاح الوطنية بنابلس عبر الهاتف الجوال من داخل القسم "5" في سجن مجدو .

    إنها صور مجتزأة من المشهد الفلسطيني الشامخ وبعض حكاياتٍ من تمرد الجرح الفلسطيني على الوجع رغم البارود الصهيوني الذي يدك بقسوة كل خلايا فرد من أفراد هذه القبيلة الكنعانية المتمردة التي نساها العرب الرحل عند شواطئ المتوسط .
    هذا الصمود المقاوم الذي خلق تهديداً استراتيجياً للوجود الصهيوني على أرض فلسطين وأنتج هزة شقت الجدارين السياسي والاجتماعي في (إسرائيل) بحسب المعلق الصهيوني روني شاكيد ، واستطاع أن يقوّض دعائم نظرية الأمن الصهيونية ويهز موازين القوى التي كانت قائمة باستحداثه لمعادلة توازن الرعب وفقاً للوزير الصهيوني عوزي لنداو .. هذا الإنجاز الفلسطيني الذي لم تتمكن من صناعته الجيوش العربية مجتمعة وجعل ماير فلنر أحد الآباء الصهاينة الكبار ومن الموقعين على وثيقة الاستقلال لـ(إسرائيل) يقول : (أخاف على وجود دولة "إسرائيل" التي كنت واحدا من مؤسسيها .. وأنظر إلى مصير الدولة بخوف شديد ، إذا استمر الوضع الحالي عشر سنوات إضافية فلن تكون هناك دولة "إسرائيل")

    هذا الإنجاز الفلسطيني الباهر ماذا فعل أصحاب القرار السياسي والثقافي تجاهه في الساحتين المحلية والإقليمية ؟


    للأسف الشديد لم يكن الفعل إيجابياً كما يليق بمستوى هذه الأمة وذلك الشعب:

    -فعلى المستوى الشعبي تحركت العاطفة العربية والإسلامية وماجت الشوارع في مدن العروبة والإسلام بمظاهرات عارمة في بداية الانتفاضة مما أدى إلى تفجر مخاوف غير مسبوقة لدى روؤس الهرم في الوحدات السياسية الإقليمية وكذلك لدى الإدارة الأمريكية التي اعتبرت ردة الفعل هذه هزة استراتيجية ربما تزلزل مصالحها الحيوية بالمنطقة ، إلا أن الغضب الشعبي سرعان ما انطفأ وخبت جذوته وعاد الصمت العربي ليخيم من جديد

    -على صعيد النخب اندلع خطاب الحناجر عبر الفضائيات العربية واندلق حبر النصرة على صفحات واسعة من الجرائد والمجلات العربية.. لكنها كانت عاطفة عابرة كالزيوت الطيّارة التي تطلقها بعض النباتات البرية. إذ لم ينتج خطاب الحناجر برامج مساندة منظمة طويلة المدى تستثمر وتوظف زخم التأييد الشعبي.

    -المستوى الرسمي أُتخم بالمؤتمرات الاستعراضية التي أصدرت قرارات ما زالت تغفو في أدراج مكاتب الجامعة العربية ، ولم تقف الجهات الرسمية العربية والمحلية عند هذا الحد بل إنها :

    ·شاركت في قلب الصورة لتحويل مضمون المشكلة من عنوان الاحتلال إلى المقاومة وأخذت أطراف عديدة بالحديث عن أكذوبة "فوضى السلاح" خاصة الأطراف المحلية لتشويه صورة المقاومة، وبدأ الضخ الإعلامي يتحدث عن وحدانية السلطة وغيرها من الشعارات الملغومة تمهيداً لإخراج المقاومة من دائرة الشرعية

    ·وكذلك تشارك الأطراف المحلية والإقليمية في الوقت الراهن في تنفيذ استراتيجية الحصار التي ابتدعها صهاينة أمريكا في جامعة فلوريدا والداعية لمحاصرة العمل الخيري باعتباره الرافعة السياسية لقوى المقاومة، والعمل للسيطرة على قنوات الإغاثة المالية وغيرها تحت مسمى محاربة الإرهاب ضبطاً لهذا لعامل الاقتصادي الذي يوسع القاعدة الشعبية لفصائل المقاومة. وتطبيقاً لذلك قامت السلطة ومعظم الدول العربية بالعمل لمحاصرة العمل الخيري الداعم للشعب الفلسطيني بل بعضها انعطف مع الرغبة الأمريكية لتوجيه مخصصات صندوق الانتفاضة الذي أنشأته قمة القاهرة عام 2000م عبر قنوات خاصة لتجاوز الجمعيات الخيرية المتعاطفة مع حركتي حماس والجهاد الإسلامي لإضعاف مكانة الحركتين في الشارع الفلسطيني .

    مجمل الصورة اختزالاً.. شعبٌ فوق العادة.. وأمة تتثاءب نخوتها على سرير السياسة الأمريكية.. لكنها بالتأكيد لا تغطي مساحة المشهد .. فهناك ثلة تعمل للنصرة والمساندة مهما كلّف الثمن.. وهناك جمر يتقد تحت الرماد الذي لا بد أن تذروه رياح التغيير، خاصة أن انتفاضة الأقصى رفعت الكلفة الاستراتيجية والاقتصادية لبقاء (إسرائيل) في الحسابات الغربية وحتى الصهيونية العالمية وفتحت شهية الوعي العربي الذي تفتحت لديه آفاق الأمل بالقدرة على إزالة المشروع الصهيوني باعتبار أن المقاومة خلقت مناخ الفرصة الملائمة التي تحتاج لتطوير وتثمير من قبل الطامحين لاقتلاع هذا الكيان الطارئ وتفكيكه كما تفكك غيره من الكيانات الاستعمارية الإحلالية .



     

مشاركة هذه الصفحة