رســالة مهمة من فكر ألقاعدة ألاسلامية لكل ألمسلمين ألغيوريين على دينهم

الكاتب : عمران حكيم   المشاهدات : 612   الردود : 1    ‏2003-10-01
      مشاركة رقم : 1    ‏2003-10-01
  1. عمران حكيم

    عمران حكيم عضو فعّال

    التسجيل :
    ‏2003-05-24
    المشاركات:
    958
    الإعجاب :
    0
    إعداد مركز الدراسات والبحوث الإسلامية






    مقدمة
    الحمد لله رب العالمين ولصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
    أما بعد ...:
    فإن للشيخ يوسف العييري رحمه الله جهوداً كبيرة في مجال التأليف والكتابة فيما يختص بأمور الجهاد وأحوال الأمة وما يكيده لها الأعداء ، وتميزت كتاباته بالعمق والتوثيق والسهولة والوضوح فكلامه رحمه الله سهل ممتنع ..
    ومما كتبه إبان الغزو الأمريكي للعراق سلسلة الحرب الصليبية على العراق حيث أخرج جميع حلقاتها عبر موقع مركز الدراسات إلا الحلقة الأخيرة التي ختم بها السلسة التي حال إستشهاده دون صدورها إلا أننا نتمنى أن يتيسر نشرها في الأيام القادمة بإذن الله تعالى ...
    وكان الشيخ رحمه الله ينوي إخراج الحلقات في صورة كتاب بعد الإنتهاء منها وقد أوعز لبعض الأخوة في مركز الدراسات مهمة ذلك لكي يسهل الرجوع إليها وقرائتها كاملة ومنسقة ، ويستفاد منها على نطاق واسع ، لذا جرى تنسيقها وحذف ما يتعلق بالحلقات من ذكر ملخص كل حلقة في الحلقة التي تليها إضافة إلى حذف بعض الأسئلة التي تمت الإجابة عليها في ثنايا إجابات أسئلة أخرى ..
    هذا وقد تم تنسيق الحلقات كلها إلا الأخيرة التي كان الشيخ حينها في صدد كتابتها وعرضت على الشيخ رحمه الله فزيد فيها شيئاً قليلاً لزيادة بيان أو إيضاح وأقرها على ما نُسق وعرض عليه ، ثم تم الإقتراح على الشيخ من قبل بعض الأخوة في المركز أن تفرد الحلقات المهمة الأخيرة والمتعلقة بمستقبل المنطقة بعد سقوط بغداد ليسهل نشرها بين الناس ولأنها تصلح أن تكون مبحثاً لوحدها فوافق الشيخ على هذا المقترح واستجابة لموافقة الشيخ فإن مركز الدراسات وفاءً بشيء من حقوق الشيخ يوسف رحمه الله ينشر اليوم الحلقات المتعلقة بمستقبل المنطقة بعد سقوط بغداد والتي وافق عليها الشيخ وراجعها بعد تنسيقها والله نسأل أن يجعلها في موازين الشيخ رحمه الله وأن يعلي منزلته في عليين وأن يلحقه بركب الشهداء في سبيله ، إنه ولي ذلك والقادر عليه ..

    وصلى الله وسلم على نينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
    مركز الدراسات والبحوث الإسلامية
    جمادى الآخرة - 1424هـ





    بعد سقوط بغداد وإحتلال الأمريكان للعراق وكسبهم للجولة الأولى في الحرب التي لم تنته بعد يرد سؤال عريض مهم وهو : ما هو المستقبل الديني والعسكري و السياسي والاقتصادي للمنطقة في حال انتصار أي الطرفين في العراق ؟ وماذا نفعل لتجنب هذه الآثار السلبية ؟ .
    وهذا السؤال يحتاج إلى كلام طويل ، والإجابة عليه هو حديث المحللين في هذه الأيام ، فكل المحللين من علماء شرعيين أو عسكريين أو سياسيين أو اقتصاديين ، يحاولون بشتى الوسائل أن يستنتجوا من الماضي ومن الأحداث الحاصلة معالم المستقبل ، ولا نعني بالحديث عن المستقل أن يكون على طريقة الكهان ، بل إننا نقصد الحديث عن المستقبل المبني على حقائق حالية أو تاريخية ، فهو جزء من التخطيط السليم ودليل على صحة القرار المتخذ بناءً على هذه المعطيات ، وقد لا تكون المعطيات صحيحة بشكل كامل ولكن يبقى أن استيعاب فهم المعطيات المطروحة على أرض الواقع هو أحد أهم مطالب اتخاذ القرار .
    قلنا أن الحديث عن المستقبل هو شغل المحللين الشاغل بكافة تخصصاتهم ، وكنا في بداية الأحداث وضعنا السؤال عن المستقبل في حال انتصار أي الطرفين ، لذا فإننا سنتحدث عن المستقبل الذي أثر فيه انهيار الحكومة العراقية ، ولو كانت الحكومة العراقية باقية حتى الآن لتحدثنا عن آثار بقاء الحكومة العراقية أو انتصارها .
    إنهيار حكومة البعث خيرٌ للإسلام والمسلمين
    ولكننا نقول إن الله ذو حكمة بالغة ، لأن انهيار البعث العربي يعد انهياراً للشعارات القومية الكفرية التي اجتاحت الأمة الإسلامية ، فبعد الشيوعية والقومية العربية والعلمانية والحداثة ينهار البعث العربي العراقي ، لتحل محله الراية الإسلامية التي بقيت صامدة على مر التاريخ لتكون هي البديل للأمة بعدما تيقنت فشل النداءات غير الإسلامية مهما كانت مبادؤها ، فزوال حكومة البعث في العراق ، هو إيذان بارتفاع الراية الإسلامية على أنقاضه ، ومن حكمة الله تعالى لو أن البعث انتصر فإن انتصاره سيكون سبباً في انتشار عقيدته ورواجها بين أبناء المسلمين ، ومن الصعب بمكان أن يرفض أبناء الأمة أفكار حزب حقق انتصاراً كبيراً ، إضافة إلى أن الحزب بدأ بتبني التزاوج مع الإسلام حيث تغيرت عباراته من بعثية صرفة ترفض النداءات الإسلامية إلى شعارات ( بعثإسلامية ) ، وهذا من شأنه أن يحدث في حال انتصار البعث شرخاً عظيماً في مفوهم الإسلام الحقيقي لدى الأمة الإسلامية ، فكانت حكمة من الله تعالى أن سد عن الأمة هذا الباب ، وانتصار البعث عسكرياً هو بالتأكيد أقل خطراً من الزحف الصليبي ، ولكنه يشكل خطراً يهدد الأمة في عقيدتها سيصعب على الأمة فيما بعد أن تعلن الحرب ضده ، إلا إذا بدأ بتهديد بقية بلاد المسلمين عسكرياً .
    ولحكمة الله تعالى فإن سقوط سلطة البعث العراقي ، فتح أمام الأمة الباب لتسد هذا الفراغ وترفع الراية الإسلامية لتحرر بلاد المسلمين من الاحتلال الصليبي الغاشم ، فما هذه الأحداث إلا مخاض للأمة لتتولد عنها عزة الأمة وكرامتها بالجهاد في سبيل الله تعالى لدحر هذا العدوان الصليبي ، فقد تيقنت الأمة بعد هذا العدوان على العراق بأن الخطر الصليبي عليها لا يقل شراً عن الخطر الصهيوني ، وأنهما وجهان لعملة واحدة ، فأكد هذا العدوان ما كنا ننادي به منذ عقدين من الزمان بضرورة الجهاد ضد الصليبيين فهم الخطر الأكبر على هذه الأمة .
    وفي هذه الحلقة لن نتكلم عن تفاصيل المستقبل الديني والعسكري والسياسي والاقتصادي للمنطقة ، ولكننا ورغبة في الاختصار سنحاول أن نشير إلى معالم رئيسة لهذه المجالات ، لنؤكد مقولة الشيخ أسامة بن لادن حفظه الله حينما قال في خطابه الأخير بأن المنطقة مقبلة على اتفاقية مشابهة لاتفاقية ( سايكس بيكو ) لتقسيم المنطقة وهي اتفقاية ( بوش بلير ) ، وأن حرب العراق ما هي إلا إحدى مراحل التغيير التي تراد للمنطقة من جميع جوانبها .
    وبالطبع لسنا بحاجة إلى أن نؤكد للمرة الألف بأن العدوان ( الصهيوصليبي ) على الأمة تم التخطيط له منذ عقود وهو قيد التطبيق على كافة مستوياته منذ عام 93هـ ، وهذا العدوان في تطبيقه أو تنفيذ برامجه لم يكن بحاجة إلى مبررات ، فالمبررات التي يريد الصليبيون التغطية بها على حقيقة أهدافهم ، ويروج لها الإعلام الصليبي والعربي كنزع أسلحة الدمار الشامل ، وحرب الإرهاب ، وعدم تهديد الجيران ، والسلام في الشرق الأوسط ، كلها مبررات لا يصدقها إلا مغفل ، وكل من اعتقد أن العدوان ( الصهيوصليبي ) لم يبدأ إلى بعد ضربات سبتمبر فهو لا يفقه من الواقع شيئاً ، ومن ظن أن الضربات هي التي سببت هذا العدوان أو بررت له فهو سابح في بحر أوهام لجي .
    ونعود للسؤال فنقول إن التوقعات التي نظنها لمستقبل المنطقة على جميع المجالات هي في جملتها توقعات ضد الإسلام والمسلمين في المنطقة ، ليس هذا من باب التشاؤم ، ولكنه ناتج عن قراءة بسيطة في واقع الأحداث اليوم ، لأن الأمة وللأسف بعد أن رضيت بالركون إلى الدنيا وتركت الجهاد ، أصبح العدو هو الذي يدير شئونها في كافة مجالاتها سواء كانت الإدارة مباشرة أو بالوكالة ، فذكرنا للواقع المؤلم للأمة ليس من باب التثبيط أو التشاؤم ، ولكنه من باب حض الأمة على رفض هذه المذلة التي لا يرضاها كفار العرب لعروبتهم ، فضلاً أن يرضاها من أنعم الله عليه بالإسلام ، ولا يكون الرفض لهذه المذلة إلا برفع راية الجهاد ، فلن تضرب شجرة هذا الدين جذورها في أرضنا ، حتى تسقيها الأمة من دماء أبنائها كما سقاها الأولون فقامت لهم ، ولن يقوم لنا ما قام للأولين ، إلا بأن نبذل ما بذله الأولون .
    ولنتمكن من عرض توقعاتنا لمستقبل المنطقة يمكن أن نفصل الإجابة لنبدأ بأول ما ورد في السؤال وهو :
    المستقبل الديني المتوقع للمنطقة :
    لقد عرضنا فيما سبق الدوافع الأمريكية لحربها على العراق ، وذكرنا بأن الدافع الأول والأهم هو الدافع العقدي ، وقسمنا هذا الدافع إلى ثلاثة أقسام :
    قسم شكلته العقيدة البروتستانتية المتطرفة التي تعتقد أنها تقاتل باسم الرب لنشر الخير ودحر الشر تمهيداً لمعركة هرمجدون .
    قسم شكله التزاوج بين العقيدتين البروتستانتية والصهيونية لتنجب مولود السفاح الخبيث الذي تبنى قيام دولة إسرائيل الكبرى وتهجير اليهود إليها تمهيداً لعودة اليسوع المخلص .
    قسم تشكل من رغبتهم في الحفاظ على مصالحهم وأهمها أمن إسرائل الكبرى ودحر ما أسموه بالشر وهو الأصولية الإسلامية في المنطقة العربية .
    هذه هي الأقسام الثلاثة التي ذكرناها في الحلقة الثانية تحت الدافع العقدي لشن هذه الحرب على العراق .
    ولن يكون حديثنا في هذه الحلقة عن المستقبل الديني للمنطقة تكراراً لما ذكر في بداية الدراسة ، ولكننا سنحاول أن نسلط الضوء على القرارات المتخذة بناء على هذه الدوافع ، وكل التطورات الحاصلة والقرارات المتخذة في هذا المجال مبنية على الأصول الثلاثة التي ذكرناها قبل قليل .

    مستقبل الخطر الصليبي : -
    إن الكنيسة الصليبية على كافة مذاهبها البروتستانتية والكاثوليكية والأرثذوكسية ، لم تكن غائبة عن الأحداث ، فكما كانت الحملات الصليبية على المسلمين تحشد من الكنيسة وتدعم من الكنيسة وتنطلق من الكنيسة ، فهي اليوم كذلك إلا أنها من وراء الكواليس حتى لا تشوه وجهها ( التبشيري ) الذي يزعم رفض الحروب والدمار تحت أي مبرر .
    إننا ومهما طال بنا الزمن فلن ننسى إطلاق الكنيسة قديماً للحروب الصليبية على الإسلام ، ولن ننسى محاكم التفتيش في الأندلس ، ولن ننسى موقف الكنيسة الأرثذوكسية بدعم حرب الاتحاد السوفيتي على أفغانستان ، وإن كان السوفييت في ذاك الوقت لا يعترفون بالأديان ، إلا أن الكنيسة لعبت دوراً في التقارب معهم على دماء المسلمين ، وجاءت الإبادة الصربية لمسلمي البوسنة فلعبت الكنيسة الأرذوكسية من مقرها في ليونان دوراً كبيراً في هذه الجرائم البشعة ، وجندت 70 ألف متطوع للمشاركة في الإبادة الجماعية للمسلمين ، وكذلك فعلت في حرب الشيشان الأولى وتفعل في حرب الشيشان الثانية .
    ولم تكن الكنيسة البروتستانتية أقل شراً من الأرثذوكسية فهي التي دفعت عصابة البيت الأسود إلى شن حرب صليبية على الإسلام منذ عام 1393هـ وحتى يومنا هذا ، ساندتها الكنيسة الكاثوليكية من الفتيكان في شن هذه الحروب وإشعال العالم بحروب تفسح المجال أمام بعثات التنصير ( التبشير ) لتنطلق في أرجاء المعمورة ، ولن ننسى يوم أن سمع بابا الفتيكان بوش الحقير يعلنها حرباً صليبية تبدأ بأفغانستان فهب ذلك العجوز قاتله الله ، ليقوم بزيارات مكوكية لجميع الدول المجاورة لأفغانستان ليحشد التأييد لهذه الحرب الصليبية ، ومن أجلها قدم التنازلات للكنيسة الأرثذوكسية التي طالبت بالاعتذار منه للحروب التي شنتها الكنيسة الكاثوليكية ضد الأرثذوكس ، وقدم التنازلات واعتذر ليدخل الدول الواقعة تحت رعاية الكنيسة الأرثذوكسية ، فقام بالزيارات قبل العدوان على أفغانستان بتاريخ 6/7/1422هـ وزار جميع دول آسيا الوسطى ودول بحر قزوين لحشد الدعم للحرب ، وكان الرئيس الكزاخستاني نزار بييف معارضاً للمشاركة في الحرب ، إلا أنه تعهد أثناء زيارة البابا أنه على استعداد للمشاركة مع الولايات المتحدة مطلقاً و بكل ما تريده وقال ( إن الكلمات لا تفي دعماً للولايات المتحدة في حربها ضد الإرهاب ، بل إننا سنبرهن ذلك بالعمل ونحن على استعداد لتقديم أي عمل تريده الولايات المتحدة ) ، هذه المواقف جاءت بجهود الكنيسة ، وبالتأكيد أن هناك مواقفاً أخرى اتخذت من جراء جهود الكنائس الثلاث لدعم هذه الحرب ، ولذا فإننا نلاحظ الحضور الكبير للكنيسة بعد كل حرب وفي خلفية كل قضية ، وما هذا إلا مكافأة لجهودها في دعم هذه الحرب الصليبية .
    وفي حرب العراق أرسلت إدارة الشر الأمريكية وكيل وزارة الخارجية الأمريكية لشئون الحد من التسلح والأمن ( جون بولتون ) في الأسبوع الماضي إلى الفاتيكان لبحث الجهود الإنسانية بعد الحرب والوضع في الشرق الأوسط بصفة عامة ، وقد اجتمع مع الأسقف ( جان لويس توران ) وزير خارجية الفاتيكان ، وبحثا ما يمكن أن تقدمه الفاتيكان لدعم الجهود الإنسانية ، وبالطبع فإن القاتيكان أصغر دولة في العالم وعدد سكانها لا يزيد على 850 شخصا يضاف اليهم 3 آلاف من رجال الدين يعيشون خارج اسوارها، ومساحتها لا تتعدى 440 كيلو متر مربع ، ومزيانيتها الضئيلة التي تعاني عجزاً منذ عام 1405هـ ، لا يمكن أن تقدم شيئاً مادياً للصليبيين على العراق ، ولكن الفاتيكان يمكن أن يقدم شيئاً مهماً ، فالكنيسة الكاثوليكية يتبعها ما يزيد على 900 مليون نصراني ، وهذا مكمن تأثير الفاتيكان وحاجة أمريكا لها في دعم حربها الصليبية ، وقد أخذت الكنيسة دورها في دفع هذه الحرب من الناحية المعنوية والروحية .
    وذكرت وكالة الأنباء الألمانية أن بعثات تبشيرية تتهيأ للذهاب إلى العراق ، على رأسها جماعة ( فرانكلين جراهام ) الذي يعتبر واحداً من أكثر رجال الدين النصارى تأثيراً في الولايات المتحدة ، وتعرف جمعيته باسم ( سامارتن بيرس ) ، وصرح جراهام بأن جماعته التنصيرية على اتصال بهيئات المعونة و الإغاثية الأمريكية الموجودة في عمان بالأردن لتسهيل مهامها وعملها في العراق ، ومن هذه الجمعيات ( كاريتس جوردن ) والتي تعمل في العاصمة الأردنية ، ولا يخفي جراهام أبداً حقده على الإسلام ، وسبق أن صرح في بداية الحرب على أفغانستان أنه يرى الإسلام بأنه يمثل ( ديناً في منتهى الشر ) ، وقال بعد ضربات سبتمبر بساعات قبل أن يتضح له أي دليل (من فجّر هذه المباني ليسوا لوثريين ولا منهجيين إصلاحيين ، وإنما هم مسلمون ) ، وسبق أن قدم جروج بوش الشكر لوالد فرانكلين وهو القس بيلي جراهام على تبنيه القيم المسيحية الخالصة قبل عشر سنوات تقريباً ، وبعد هذا الشكر حظي بيلي وابنه فرانكلين بصلات وطيدة مع إدراة بوش ، وفرانكلين هو الذي تلا الابتهالات الصليبية عندما نصب بوش رئيساً للولايات المتحدة ، تأكيداً لإكرامه وقربه من إدارة الشر في البيت الأسود ، ولهذا القرب من إدارة الشر فقد منح جراهام امتيازات التنصير في العراق ، وهو اليوم يتأهب لمد أنشطته التنصيرية إلى العراق ، وأفاد بأنه أرسل العديد من الممثلين الكنيسيين المسلحين بالأناجيل والأغذية لمساندة العراقيين في معاناتهم الحالية .
    ولم يقتصر الأمر على جماعة جراهام الصليبية في نشر الشر في بلاد العراق ، بل تعدى الأمر إلى منظمات صليبية أخرى مثل الكنيسة ( المعمدانية الجنوبية ) التي تعتبر أكبر كنيسة بروتستانتية أمريكية ، والتي ساندت الغزو الصليبي على العراق بكل قوة ، وأعلنت هذه الكنيسة أنها على استعداد للعمل في العراق ، وقال المتحدث باسم الكنيسة ( المعمدانية الجنوبية ) ( بعيداً عن تقديم العون المادي للشعب العراقي فإن القضية الأساسية هي الوصول إلى الحرية الحقيقية مع يسوع المسيح ) .
    وبدأت الجماعات التنصيرية في اتخاذ الخطوات العملية التنصيرية في العراق كما هو الحال في أفغانستان اليوم ، إلا أن الأشوريين النصارى في العراق والذين يناهز عددهم 400 ألف نسمة يعدون كرأس جسر لهذه المنظمات التنصيرية للنزول في العراق ونشر شرها وإضلال العباد ، وأعلنت أنها ستتخذ من الأردن وشمال العراق مراكزاً لها .



    مراحل الحملة التنصيرية على المسلمين:
    من المعلوم لدى جميع الدارسين لأساليب التنصير في العالم الإسلام ، أن الكنيسة تقسم حملتها التنصيرية إلى مرحلتين ..
    المرحلة الأولى : تركز فيها على إخراج الناس من الإسلام ، وفسخهم من الأخلاق وإلغاء الشعور بأي انتماء للدين ، ونشر الدعارة والفساد بجميع أشكاله ، وبعد هذه المرحلة يعيش المسلم مرحلة بهيمية وخواء روحي ، لتبدأ المرحلة الثانية ..
    المرحلة الثانية: التي تتمكن فيها المنظمات التنصيرية أن تؤثر عليه بجهود أسهل من التأثير على مسلم ملتزم بدينه ، وتأكيداً لهذه المرحلية الخبيثة يقول رئيس المبشرين القس ( زويمر ) عام 1354هـ 1935م في مؤتمر القدس لجميع القساوسة الذين حضروا ( إن مهمة التبشير التي ندبتكم دول المسيحية للقيام بها في البلاد المحمدية ، ليست هي إدخال المسلمين في المسيحية ، فإن في هذا هداية لهم وتكريماً ، وإنما مهمتكم أن تخرجوا المسلم من الإسلام ليصبح مخلوقاً لا صلة تربطه بالأخلاق التي تعتمد عليه الأمم في حياتها ، وبهذا تكونوا أنتم بعملكم هذا طليعة الفتح الاستعماري في الممالك الإسلامية ) وأضاف ( أخرجوا أبناء المسلمين من الإسلام ولا تدخلوهم المسيحية فإن هذا تشريفاً لهم ، بل اجعلوهم إن عملوا عملوا للشهوة ، وإن جمعوا المال فلها ، وإن صرفوه فللشهوة ، فإذا أصبحوا بلا دين ولا مبادئ ولا أخلاق بإمكانكم أن تسيطروا عليهم وتقودوهم إلى حيث شئتم ) وقال كما في كتاب ( الإسلام في وجه التغريب ) ( إن الغاية التي نرمي إليها إخراج المسلمين من الإسلام ليكون أحدهم إما ملحداً أو مضطرباً في دينه ، وعندها لا يكون مسلماً له عقيدة يدين بها ، وعندها لا يكون للمسلم من الإسلام إلا الاسم .. ) وكان يقول ( أتمنى ألا أموت حتى أرى لنا مقراً في مكة والمدينة ، وإذا لم يؤذن لنا بدخولهما فلا أقل من أن أرى لنا مقراً في جدة ) وهو الذي قال ( لن تقف جهودنا في تنصير المسلمين حتى يرتفع الصليب في سماء مكة ، ويقام قداس الأحد في المدينة ) وفي عام 1398هـ 1978م تم إنشاء مركز القس زويمر لتنصير مسلمي العالم في ولاية كلورادو الأمريكية ، ولا زال هذا المركز يعد من أقوى المراكز نشاطاً وانتشاراً في العالم الإسلامي ، وحتماً فسيكون له في العراق صولة وجولة فما أقربها من مكة والمدينة ليتحقق حلم القس زويمر .
    ومما سبق يتبين أن التنصير لايمكن أن ينطلق في بلد إسلامي حتى يطلق حملات سابقة له لإشاعة الفاحشة والفساد كتمهيد لمسيرته الضالة ، وأعظم أساليبهم هو الجنس وإفساد المرأة وفرض المناهج الدراسية المنحرفة التي تعادي أو تتجاهل الإسلام على أقل أحوالها ، ونشر المخدرات ، كما هو الحال اليوم في أفغانستان حيث تضاعف إنتاج المخدرات آلاف الأضعاف بعد دخول الصليبيين لها ، وأذنوا ببيع الخمور علناً في المدن ، وتم فتح ملاهي الرقص ومن آخر تلك الملاهي الملهى الإيرلندي للمشروبات الكحولية في كابل ، كما أقرت مناهج دراسية علمانية رأسمالية خبيثة ، وبدأت أمريكا الحرص على إبراز دور المرأة البغي الأفغانية لتكون مثالاً تقتدي به الفتاة الأفغانية ، وبدأ الترويج للفاسدات الأفغانية عبر منظمات إنسانية وسياسية وتعليمية أفغانية بهدف الحصول على أكبر قدر من الفساد في أقل زمن ممكن ، لتبدأ المرحلة الثانية من مراحل التنصير الخبيث .
    ولذا فلن تكون العراق أحسن حالاً من أفغانستان ، فالفساد والإفساد سياسة أمريكية تدعمها الحكومة بكل قوة ، تقف الكنيسة وراءها دعماً وإسناداً ، وقبل أسبوع منحت الوكالة الأمريكية للتنمية ( يوسيد ) عقداً بقيمة 9مليون و 700 ألف دولار لمنظمة أمريكية خيرية للعمل على توفير الاستقرار الاجتماعي والسياسي في العراق بعد انتهاء الحرب ، فنعجب أن أمريكا لا تتمتع بالاستقرار الاجتماعي وهي أكثر دول العالم إجراماً وفساداً ، ورغم ذلك تزعم أنها ستمنح الآخرين الاستقرار الاجتماعي .
    ودعماً لخطى الإفساد في العراق فإن منظمة ( أر تي أي ) الخيرية ستقوم بمساعدة العراقيين في تعريفهم بكيفية التعاون مع حكومة الاحتلال ، وتحسين الوضع الاجتماعي والمدني في العراق ، كما ستقوم المنظمة بتزويد الشعب العراقي وخصوصاً النساء بفرص للمساهمة في صنع القرارات العامة ، وقالت المنظمة بأنها ستنطلق من أربعة محاور أولها إنشاء نظام تعليمي في العراق يكفل الحرية للجميع ، وتقدير الاحتياجات الأساسية للعراق وتعزيز الصحة العامة ومكافحة الأمراض .
    وإذا كانت تركيا العلمانية رفضت طلباً لفتح بيت دعارة لخدمة القوات الأمريكية في جنوب شرق تركيا في محافظة ماردين ، بحسب ما ذكرت وكالة الأناضول للأنباء قبل بدء العدوان على العراق ، وكان الطلب المقدم لفتح بيت الدعارة لخدمة القوات الأمريكية التي تخطط لإقامة قاعدة للدعم اللوجيستي في ماردين ، ولم يكن الطلب خاصاً بالقاعدة بل هو عام لجميع الناس بالقرب من القاعدة ، فإذا كانت القوات الأمريكية أرادت فتح بيوت دعارة عامة في ماردين قبل أن تنشئ قاعدة بها ، فكيف سيكون الحال إذا نزلت في العراق وأصبحت هي الحاكم فيها ، وماذا سيكون دور عصابات الجنس والجريمة المنظمة والتي ستدفعها الكنائس للنزول في أرض العراق وإفسادها بكافة السبل ، لتمهد الطريق لها للبدء بالتنصير .
    والذي سيدفع عصابات الجنس والجريمة المنظمة ليست الكنيسة وحدها ، بل إن الحكومة الأمريكية ستكون الراعية الأولى لذلك ، فهو أحد أهدافها الرئيسة للسيطرة على بلاد المسلمين ، ورأينا كيف شاركت عصابات الجريمة الأمريكية وتورط مسئولون أمريكيون في عملية نهب العراق ، والقوات الأمريكية لم تحم إلا وزارة البترول فقط فهذا ما جاءت من أجله وهو الذي يحتاج إلى حماية .
    والأعظم من ذلك ما ذكرت صحيفة ( الأوبزيرفر ) البريطانية يوم الأحد الماضي أن واشنطن تعاقدت مع شركة ( دينكوربس ) الأمريكية ، التي أعلنت على موقعها في الإنترنت أنها بحاجة إلى موظفين بمهارات وبخبرات سابقة للمشاركة في إعادة تأسيس جهاز شرطة لحفظ الأمن وإدارة السجون في العراق والإشراف عليها ، وذكرت الصحيفة بأن هذه الشركة تورطت في فضائح أخلاقية مشينة ارتكبها موظفو الشركة الذين وظفتهم الأمم المتحدة كقوة شرطة دولية لحفظ الأمن في البوسنة ، وكانت ( كاثرين بولكوفاك ) وهي شرطية أمريكية تم استخدامها من قبل الشركة من فرعها في لندن للعمل ضمن قوة البوليس الدولية التابعة للأمم المتحدة في البوسنة ، اكتشفت تورط بعض موظفي الشركة العاملين ضمن قوة الأمم المتحدة في البوسنة في المتاجرة بالفتيات بيعاً وشراء وتصديراً ومن بينهن طفلات قاصرات ، وتقول الشرطية ( كاثرين ) عندما بدأت بجمع شهادات ضحايا المتاجرة بالجنس صار واضحاً لدي أن عدداً كبيراً من ضباط الأمم المتحدة من مختلف الجنسيات ومن بينهم بريطانيون متورطون في الأمر ، وشركة (دينكوربس ) هي الشركة التي يتبعها كل هؤلاء الضباط والجنود الذين ظهرت أعمالهم المشينة ، وكانت الأمم المتحدة متعاقدة مع هذه الشركة بتزويدها بأكثر من 2000شرطي ، وكشفت الشرطية الأمريكية عن أفلام فيديو كان قد صورها بعض الموظفين لعمليات اغتصاب مسلمات في البوسنة ، وكشفت الشرطية أن بعض الأمريكيين كانوا يتقاضون ما مقداره 1000 دولار ثمناً للفتاة الواحدة ، وقد كشفت التحقيقات الفردية بأن الشركة على علم وتواطؤ بهذه الأعمال الإجرامية التي يستحيل جهلها بها لضخامة حجمها ، واليوم جاءت هذه الشركة إلى العراق وماذا يمكن أن تصنع في العراق ؟ ، وما هي أساليبها الإجرامية الجديدة ؟ فمن المفترض على كل عراقي أن يأخذ بثأر أخواته البوسنويات من أفراد هذه الشركة ومنشأتها ، فضلاً عن رفضها وحربها منعاً لفسادها .
    إن الهدف الكنسي لنشر الإضلال العقدي ( التنصير ) بين المسلمين عبر بوابة العراق ، ليس بالأمر الذي يمكن تجاهله من قبل جميع الكنائس أو الدول الصليبية على حد سواء ، فهذه فرصة لن تعوض بالنسبة لهم ، وستمنع جميع المنظمات الإسلامية من الدخول أو أنها ستضايق ، و لن يهنأ لهم بال حتى يستغلوا فرصة العراق الاستغلال الكامل وبكل الطرق ، وأول دروب التنصير نشر الإجرام والجنس والفساد كما دعاهم لذلك زويمر لعنه الله .

    مستقبل الخطر اليهودي : -
    أما الضلال اليهودي فليس ببعيد عن أرض العرق ، ولن يفوّت هذه الفرصة الذهبية التي فتحت أمامه ، فكيف إذا كانت أرض العراق داخلة ضمن حدود ما يسمونه بإسرائيل الكبرى ، وكيف إذا كان تلمودهم ينص على ضرورة دخولهم أرض العراق وتدميرها والسيطرة عليها ، منعاً لظهور ( بختنصر ) الجديد الذي سيسبي اليهود ويدمر دولتهم .
    وقد أعلنت وكالة قدس برس أن حاخامات اليهود أفتوا بعد انهيار حكومة صدام بأن العراق جزء من ( أرض إسرائيل الكبرى ) ، وناشدوا اليهود بالصلاة شكراً لله على تدمير مملكة بابل المجرمة ، وقال الحاخام ( نحميا هوري ) أحد مصدري الفتوى ( إن على الجنود اليهود في القوات الأمريكية والبريطانية في العراق تلاوة هذه الصلاة عندما يقيمون أية خيمة أو بناء عسكري آخر على شواطئ نهر الفرات ، لأن كل قطعة أرض غرب نهر الفرات هي جزء من أرض إسرائيل الكبرى ، ولذا يجب تلاوة هذه الصلاة التي تبين تخليص هذه الأرض وتحريرها ) ، ولهذا السبب تم إطلاق اسم تحرير العراق على هذا العدوان ، فتحرير أرض إسرائيل الكبرى هو الهاجس الذي يقلق الإدارتين الأمريكية والصهيونية ، ولم يكن تحرير الشعب العراقي هو الهاجس ، فالشعب العراقي قتل بالقصف ، ودمر بلده بالنهب ولا زال يعاني الإجرام والفوضى ، وتنهب ثرواته ولا يسمح له بالتصرف في مصيره ولا ببلاده ، فكيف يقال بأن هذه حرب تحرير للشعب ، إنها حرب تحرير حقاً ولكن لأرض إسرائيل الكبرى كما نصت الفتوى على ذلك .
    والصلاة التي حثت عليها الفتوى لكل من يشاهد ( بابل ) أو يبني بها تقول ( مبارك أنت ربنا ملك العالم ، لأنك دمرت بابل المجرمة ) هذا الدعاء يبين حقيقة الحرب بأنها تدمير لبابل وتحرير لأرض إسرائيل الكبرى .
    والاهتمام بتحرير أرض إسرائيل الكبرى لم يكن على مستوى الحاخامات فقط ، بل هو على أعلى المستويات السياسية لليهود ، فقد أرسل شارون الأسبوع الماضي كما قالت صحيفة ( معاريف ) رسالة لليهود في العراق تمنى لهم الاحتفال بعيد الفصح اليهودي العام القادم في القدس فقال ( آمل أن تتمكنوا من الاحتفال بعيد الفصح المقبل في أورشليم ) واستشهد شارون بالعبارة اليهودية التقليدية التي تقول ( العام المقبل في أورشليم ) والتي يختم بها اليهود عشاء عيد الفصح الذي يحتفلون فيه بذكرى هجرتهم من مصر ، ويقدر عدد يهود العراق حالياً بـ 40 شخصاً فقط ، بعد أن كان عددهم يقدر بمائة ألف كما يزعمون عام 1367هـ 1948م ، إلا أن شارون اهتم بهذا العدد ليس لأجلهم فقط ولكن لأجل أرض العراق ، وقالت صحيفة ( معاريف ) اليهودية بأن مراسلين إيطاليين التقيا بالجالية اليهودية في بغداد ونقلا لهم رسالة من شارون بمناسبة عيد الفصح حيث ردت الجالية اليهودية على رسالته بقولهم ( نحن وصلنا إلى جيل متقدم وعاصمة إسرائيل ستبقى لنا حلماً ) .
    ولم يترك اليهود المشاركة البدنية في هذا العدوان من منطلق ديني ، فهم قد شاركوا بكافة أنواع الدعم العسكري والاستخباراتي واللوجيستي للأمريكيين ، إلا أنهم عجزوا عن الامتناع عن المشاركة بأنفسهم ضمن الجيش الأمريكي رغم طلب أمريكا لهم بعدم التدخل ، وقد أعلنت القناة العاشرة في التلفزيون اليهودي أن 2000 جندي يهودي كانوا من بين العسكريين الأمريكيين الذي قصفوا المدن العراقية ، ونقلت القناة يوم السبت 12/4 مظاهر الفرح والسرور التي أبداها الجنود اليهود وقالوا بأنهم سعداء لأنهم يحيون هذا العيد في القصر الجمهوري ببغداد .
    ويبقى الهاجس الأمني لليهود هو الدافع الديني الأول الذي يفرض عليهم تحركهم على كافة المستويات ، قالت صحيفة ( هأرتس ) بأن الرئيس بوش وكبار المسئولين في واشنطن ولندن أوضحوا خلال الشهور الماضية أن الحكومة الجديدة في العراق لن تشكل تهديداً لدول الجوار بما في ذلك إسرائيل ، وهذه المنحة يعدها اليهود ثاني أكبر منحة يمنحها الصليبيون لهم بعد أن أعلنوا تحرير وتدمير أرض بابل المجرمة التي نادوا بالصلاة لأجل هذه المنحة .

    مستقبل حرب الغرب للأصولية الإسلامية :-
    أما على مستوى المحاولات ( الصهيوصليبية ) المستميتة لوأد ما أطلقوا عليه الإسلام الأصولي أو الإرهاب الإسلامي في المنطقة ، فحدث عنه ولا حرج ، وقد ذكرنا فيما مضى أن أحد أوجه الدافع العقدي لشن هذا العدوان على العراق هو هذا الدافع ، ولن نعيد ما ذكر آنفاً فليرجع إليه ، إلا أننا نقول بأن هذا الهدف لن يكون ضعيف الحضور أبداً على الساحة العراقية بل إنه سيطرح بقوة أكثر مما سبق .
    قال ( حاييم ) رئيس دولة اليهود الأسبق ( إن الأصولية الإسلامية هي أكبر خطر يواجه العالم ، وإن إسرائيل تحمي قيم الغرب من الصحوة الإسلامية ) ، هذه هي الاستراتيجية ( الصهيوصليبية ) في العالم الإسلامي ، والجميع يتفاعل مع هذا الطرح بكل ما تعني الكلمة من تفاعل ، ومن يرصد تصريحات قادة اليهود والصليب يشاهد المبالغة في طرح هذا الخطر ، ورجوعاً ملحوظاً منهم لكتبهم للتوجه لدفع هذا الخطر الإسلامي .
    وفي تصريح لشبكة ( سي بي إس ) أعرب السناتور الديمقراطي ( جوزف ليبرمان ) وهو أحد المرشحين للرئاسة الأمريكية عام 2004م الأسبوع الماضي عن قلقه من احتمال قيام نظام إسلامي في العراق ، وقال ( لا نود أن نرى الأمور تتجه إلى قيام نظام ديني في العراق ) ، ولم يكن هذا الصليبي منفرداً بالتحذير من التيار الإسلامي المتزايد في العراق ، بل إن الصليبيين على المستوى السياسي والعسكري والإعلامي كلهم ينادون بأن أهم مطلب لتشكيل الحكومة العراقية ألا تأخذ الطابع الديني ، ومنع فتح المجال فيها للإسلاميين لبسط نفوذهم ، وأعرب المحللون عن خوفهم من تأخير تنصيب حكومة عراقية منتخبة ، لأن التأخير سيعزز من نمو التيار الإسلامي الأصولي الذي يرفض التواجد الأجنبي برمته تحت أي مبرر كان ، ويسعى الأمريكيون للتأكد من إغلاق هذا الباب على الإسلاميين ، ويقصدون بالإسلاميين السنة في العراق فقط ، لأن العميد ( فينس بروكس ) المتحدث باسم الجيش الأمريكي من قطر قدم شكر حكومته قبل سقوط بغداد بيومين إلى علماء الدين الشيعة لتعاونهم مع القوات الأمريكية والبريطانية للدخول إلى مدن الجنوب ، فليس المقصود بالخطر الإسلامي إلا السنة ، لأن الرافضة قد تعايشوا مع الصليبيين وقدموا مساعداتهم وينادون بإقامة حكم علماني في العراق .
    ولم تنبع حرب الصليبيين للإسلاميين من فراغ ، بل هي عقيدة أخبر الله عنها بقوله ( ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا حسدا من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق ) وقال ( ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا ) وقال ( ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم ) وقال ( كيف وإن يظهروا عليكم لا يرقبوا فيكم إلا ولا ذمة يرضونكم بأفواههم وتأبى قلوبهم وأكثرهم فاسقون ) وقال ( يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالا ودوا ما عنتم قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر قد بينا لكم الآيات إن كنتم تعقلون ) ، هذا العداء نابع من معتقد أكد الله لنا بآيات كثيرة وجوده في قلوب اليهود والنصارى ضدنا ، فمهما زعموا عدم وجوده فهم كاذبون ، حتى على المستوى العسكري والسياسي تجد أن هذا العداء متأصل بسبب خلفيات عقدية خبيثة .
    وكثير من الكتاب الذين يزعمون الحياد والموضوعية لا يمكن أبداً أن يتمالكوا أنفسهم في مقالاتهم دون ظهور شيء مما في صدورهم من العداء ( كتومس فريدمان ) ، و (هنغتون ) وغيرهما ، وخذ على سبيل المثال ( برنارد لويس ) الذي ألف أكثر من مائة مؤلف ما بين كتاب وموسوعة وبحث أكاديمي خلال مسيرته الثقافية والتعليمية ، وهو من بعد أحداث سبتمبر تحول إلى مروج للدعاية التي تخدم أهداف إدارة الشر في البيت الأسود في حشد الرأي العام ضد الإسلام والمسلمين ، والتسويغ للحملة الصليبية التي تقودها أمريكا ضد المسلمين ، وهذا الكاتب هو الذي ألهم ( هنغتون ) موضوع صراع الحضارات فقد أخذ ( هنغتون ) الأطروحة من مقال ( برنارد لويس ) ( جذور السخط الإسلامي ) والتي نشرتها مجلة ( الأتلانتيك مونثلي ) في ربيع الثاني من عام 1411هـ 1990م ، وكانت هذه المقالة هي بداية مقالة ( هنغتون ) التي نشرها في مجلة ( الفورين أفيرز ) الأمريكية والتي حولها فيما بعد إلى كتاب سماه ( صراع الحضارات وإعادة تشكيل النظام العالمي ).
    وفي المقال المذكور ( لبرنارد لويس ) فقد تهجم على الدين الإسلامي واعتبر لويس الإسلام أنه ( نفخ روح الكراهية والعنف بين أتباعه ، ومن سوء حظنا فإن جزءً من العالم الإسلامي لا يزل يرزح تحت وطأة هذا الميراث ، ومن سوء حظنا كذلك أن غالبية هذه الكراهية والعنف موجهة ضدنا في الغرب وضد ميراثنا اليهودي المسيحي ، وضد حاضرنا الراهن وضد امتدادهما العالمي ) .
    وهذه هي صيغة الطرح الثقافي الغربي من جميع المثقفين استناداً إلى عقائدهم الخبيثة التي أخبر الله عنها ، وهذا الطرح شكل حشداً نفسياً لدى العالم الغربي ، عرفه الخبراء الاستراتيجيون بالخطر الإسلامي على الحضارة الغربية ، حتى نتج عنه دعوة لشن حرب صليبية طويلة الأجل وافقها العالم الصليبي دون تحفظ ورعتها الكنيسة ، فأخذ النظامي العالمي الجديد طابع التعاليم الصليبية فظهرت المصطلحات الصليبية مثل ( حرب بين الخير والشر ، ومحور الشر ، والعدالة المطلقة ، وحرب بين الحضارة والبربرية ، وتفويض الرب لشن هذه الحرب ، وحرب صليبية طويلة الأجل ) ، ومصطلحات دينية استخدمها كافة قادة الصليب على اختلاف مستوياتهم ، كل هذا يؤكد عزمهم على محاولة اجتثاث الأصولية الإسلامية ، ودعماً مطلقاً لإسرائيل التي تعتبر نفسها الخط الأول في مواجهة هذا الخطر كما صرح الرئيس اليهودي السابق ، وهناك كثير من المثقفين الذي يحشدون العالم الصليبي لهذه الحرب بكافة أشكالها ، بشكل واضح ودون تخفي ، مثل ( دانيال بايس ) القريب من الإدارة الأمريكية ، وهو صاحب الأفكار اليمينية المتطرفة ، والداعي للشفافية في حروب أمريكا ضد الإسلام لكسب تأييد العالم المتحضر بكافة طبقاته ، ومن الكتاب أيضاً الذين اشتهرت كتاباتهم اليمينية المتطرفة دونالد رامسفيلد وزير الدفاع الحالي ، والذي طرح بحثاً ينادي فيه بالتمهيد لمعركة هرمجدون ، بمحرقة نووية يموت فيها ثلث العالم ، وشبه رامسفيلد المنظمات التوليتارية بالإسلام الراديكالي الأقرب فكرياً إلى حركات مثل الشيوعية والفاشية منه إلى الديانة التقليدية ، فلم يعد هناك مواربة ولا حياء من إعلان شيء مما في صدورهم وما تخفي صدورهم أكبر .

    مستقبل حرب الإسلام من بني جلدته :-
    وبمقابل هذه الدعوة ( الصهيوصليبية ) الخبيثة التي تنادي في كل محفل ، وفي كل مناسبة ، وفي كل كتاب تنادي باجتثاث الإسلام من جذوره ، وتغريب الأمة الإسلامية وعلمنتها على جميع المجالات ، الدينية والتعليمية و الإعلامية والاقتصادية والسياسية والعسكرية والثقافية ، بالمقابل نجد أن الأمة الإسلامية إلا ما رحم ربك بكافة شرائحها أول ما تحارب وتخذل ، علماء الحق ، وأسود الوغى ، ودعاة الهدى ، فمن صدع بالحق فسهام أبناء الإسلام تقتله قبل سهام الصليب ، ومن بذل نفسه في ميادين النزال نالت منه ألسنة كثير من المسلمين قبل أن تنال منه سيوف الكفر ، ومن دعا للهدى كسرت أجنحته من بني جلدته قبل أن يشتد عوده ، حرب من الداخل على أشدها ، تفوق الحرب من الخارج ، ولو أن أهل الحق في الأمة سلموا من بني الجلدة لعظمت نكايتهم في العدو .
    هذا العداء لأهل الحق على المستوى الشعبي ، فكيف به على المستوى الرسمي ؟ إنه لا يقل أبداً عن عداء اليهود والنصارى ولا مثقال ذره ، بل إنه يزيد في كثير من الأحيان بمئات المراحل على عداء الأمة من اليهود والنصارى ، وما نكاية الحكومات بأبناء الأمة بخافية على كل ذي عقل ، ولهذه الحكومات سدنة وأحبار ورهبان ، يسحرون أعين المسلمين ليخيل لهم بأن حبال السلطان تسعى ، ولن يحلفوا إلا بعزة فرعون إنا لنحن الغالبون ، ولكن لكل طاغية موسى ولكل سحر ثعبان تأكله ، ولهذا فقد فرض فراعنة الأمة قيودهم على أبنائها ، بألا يقولوا الحق ولا يسمعوا الحق ولا يعملوا بالحق ، وساروا على قاعدة أبيهم فرعون ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد ، وكل مصلح صادق ناصح للأمة ، فلا يقول فرعون عنه إلا: [ إني أخاف أن يبدل دينكم أو أن يظهر في الأرض الفساد ] .
    وكلما زاد النفوذ ( الصهيوصليبي ) في المنطقة ، فإنه يزيد معه السعار الرسمي من قبل الحكومات ضد ما هو إسلامي وخارج رغباتهم ، فهل كان أحد يصدق أن يأتي على الأمة زمان يكون أكثر المعتقلين في سجون بلاد الإسلام هم أهل الجهاد والدين ؟ ، أكان أحد يصدق أن يكون الجهاد جريمة تضرب الحكومات على ممارسها بيد من حديد ؟ ، هل كان أحد يتصور أن يصل الحد بالحكومات إلى تسليم أبنائها للصليبيين ؟ ، إن إحصائية بسيطة لمن هم في سجون الدول الإسلامية ، يتبين أن العدو الأول لهذه الحكومات هو الجهاد والمجاهدين ، وأن كل صادع بالحق لا يخاف في الله لومة لائم ، يفرض عليه الحصار أو يعتقل أو يشرد أو يسلم للصليبيين ، لقد كان هذا منهجاً قديماً متبعاً ، وما أفعال عبدالناصر وغيره من الحكام في زمانه بأبناء الأمة بخافية على أحد ، وهلك جمال وجاء في الأمة ألف شر غير جمال ، واليوم زاد شر جمال العصر بكافة أشكالهم ومسمياتهم عندما رأوا الصليب زمجر عليهم ، سارعوا لخطب وده وأحسنهم حالاً من يقول ( نخشى أن تصيبنا دائرة ) وبعضهم حاله كما أخبر الله عنهم بقوله ( ألم تر إلى الذين نافقوا يقولون لإخوانهم الذين كفروا من أهل الكتاب لئن أخرجتم لنخرجن معكم ولا نطيع فيكم أحدا أبداً وإن قوتلتم لننصرنكم والله يشهد إنهم لكاذبون ) فيا حسرة على هذه الأمة التي تولى فيها شرها وأكفرها .
    وهذه الحكومات تعهدت للحلف ( الصهيوصليبي ) بأن تعمل بكل جهودها على دعم الحملة الصليبية بما تستطيع ومالا تستطيع ، ورأينا هذا في أفغانستان وفي العراق ، وسنراه في غيرهما من الدول حتى يأتي الدور على الجميع ، وتعهدت هذه الحكومات أن تطبق التعليمات الأمريكية في تغريب الأمة بحذافيرها لمسخ الإسلام وتغريبه ، وتفريغه من جوهره ، وقطعت هذه الحكومات على نفسها العهد والوعد والميثاق ألا يظهر في الأمة صوت صدق ونصح إلا أخمدته ، وأن تجبر أحبارها ورهبانها ألا يقولوا إلا الباطل لإضلال الأمة وتمكين الصليب منها ، وشعر الأحبار والرهبان بهذا التوجه فسارعوا من غير أمر بقول الباطل والتزلف إلى الطاغوت ، والبكاء على ما أصاب راعية العدالة والحق زعموا ، من ثلة متعجلة مارقة من الدين دمرت مبانيها وقتلت أبرياءها ، وتوالت دعوات التسامح والتقريب والتفاهم مع قتلة الأمة من الصليبيين ، ونعجب أنه كلما زاد قتلهم لنا زادت معه دعوة البعض لعقد حوارات التقريب والتسامح والتعايش ، بدلاً من زيادة التحريض بقتلهم وقتالهم رداً على أفعالهم في الأمة التي لن يوقفها إلا الجهاد والنكاية بهم ، كما صحت بذلك النصوص .
    وفي الأيام القادمة لن تتسامح الدول مع أي رمز مهما كان خادماً لها ، إذا ما قرر التحليق خارج سربها وتعدى الخطوط الحمراء التي ستكون أكثر وضوحاً في الأيام القادمة ، وسيكون مصيره كمصير مفتى روسيا ( طلعت تاج الدين ) الذي دعا مع بداية العدوان على العراق بتاريخ 1/2 دعا للجهاد ضد أمريكا ، فأعلن المجلس الإسلامي للإفتاء في روسيا حرمانه من العمل الرسمي في المنظمات الإسلامية الروسية ، وحرمانه من إمامة الصلاة بالمسلمين بشكل رسمي ، وعدم شرعية الفتوى التي كان قد أصدرها ضد أمريكا ، كما جرد المجلس تاج الدين من منصبه الذي كان يشغله كمفت لروسيا ، وذكرت وكالة ( إنتر فاكس ) الروسية يوم 12/2 أن اللجنة القانونية التابعة لمجلس مفتي روسيا قالت في بيان لها ( إن الدعوة العاطفية للجهاد التي تصدر عن مسئول ديني في مكانة طلعت تاج الدين لا يمكن اعتبارها خطأ جزئياً ، بل كبيرة عظمى كان من الممكن أن تجلب المآسي لملايين البشر وتدخل روسيا في حرب عالمية ثالثة ) ، نعم هذا هو العقاب المرتقب لكل من خرج على النص المكتوب له ، ورغم خدمة تاج الدين للحكومة الروسية وتخديره لـ 22 مليون مسلم في روسيا ، ومساندته للحملة الروسية ضد إخواننا في الشيشان التي قال عنها بأنها حرب ضد عصابات الإجرام وليست حرباً ضد الإسلام ، وشد من موقف الحكومة الروسية لفرض وحدة أراضيها بالقوة ، وهو الذي يقف بكل قوة خلف أحمد قادريوف مفتي الشيشان الذي ارتد عن دينه وناصر حملة الروس على الشيشان ليعين رئيساً للحكومة الشيشانية الموالية للروس ، وتاج الدين هو مهندس التقارب بين الإسلام والنصرانية في روسيا ، وكان يحضر باستمرار لقاءات الكنيسة الروسية ضمن برامج تقارب الأديان في الدولة ، فمهما تكن مواقف الشخص مع الدولة ومساندته لها ، إلا أنها لن تتسامح معه أبداً إذا قال مالا تريد ، ولن تكون الدول الإسلامية أحسن من روسيا ، ولن يكون رهبانها أعز عليها من تاج الدين على موسكو ، والأيام القادمة ستشهد بطشاً بكل من قال مالا يريده السلطان ، وقد شاهدنا المسارعة فيما يريده السلطان دون أمر منه ، لأن لبيبهم بالإشارة يفهم ، وربما تطرح الأمم المتحدة في الأيام القادمة قراراً جديداً في المنطقة بعد قرار النفط مقابلة الغذاء الخاص بالعراق ، ليكون الفتوى مقابل الغذاء !!! ، وسيجد القرار من يلتزم به حرفياً ولا حول ولا قوة إلا بالله .

    مستقبل الخطر العلماني :-
    لاشك أن من أكبر الأخطار التي تهدد هيمنة الإسلام وحكم الشريعة في الأمة هي العلمانية الأمريكية التي ستفرض على المنطقة فرضاً وبالقوة ، وهذه العلمانية دعا إليها أهل الصليب لتطبق في العالم الإسلامي أجمع ، وبعد احتلال العراق ، فسيكون قرب تطبيقها في العالم الإسلامي أقرب وقوعاً إلا أن يشاء الله ، لينتقل العالم الإسلامي من الدكتاتورية إلى الديمقراطية التي تعني البهيمية في كل مجالات الحياة .
    وخيار تطبيق العلمانية على العالم الإسلامي ليس خياراً ثانوياً للحلف ( الصهيوصليبي ) ، بل هو خيار رئيس ، قال رئيس الوزراء اليهودي السابق ( إيهود باراك ) ( إن الأمريكيين سيديرون العراق فترة طويلة ، قبل قيام أية ديمقراطية فيها ) وقال ( بول وولفويتز ) ، مساعد وزير الدفاع الأمريكي دونالد رامسفيلد والرجل الثاني في البنتاجون في الأسبوع الماضي ( أنه إذا لم يستطع العراق الجديد أن يكون منارة للديمقراطية في العالم العربي ، فيمكنه على الأقل أن يعطي دروساً لدول أخرى في المنطقة ) ، ولم تكن هذه الدعوى جديدة فقد طرحت بكل وضوح قبل شهرين من العدوان على العراق ، حيث قدمت أمريكا عن طريق وزير الخارجية الأمريكي ( كولن باول ) ما أسمته بمشروع الشراكة الأمريكية الشرق أوسطية وهذا المشروع هو مشروع عصرنة المجتماعات العربية كما يقول باول ، وهو فرض الديمقراطية والتعليم والثقافة والسياسة الأمريكية على المنطقة ، وقد تناقلت وسائل الإعلام نص المشروع .
    ونقول إن من أخبث إفرازات العلمانية هي الديمقراطية التي تلغي سلطة الشريعة على المجتمع وتضاده شكلاً ومضموناً قال تعلى ( إن الحكم إلا لله ) ، والديمقراطية تقول إن الحكم إلا للأغلبية من الشعب .
    والديمقراطية ( Democracy ) هي مشتقة من لفظتين يونانيتين أولها لفظة ( Demos ) ومعناها الشعب ، والثانية لفظة ( Kratos ) ومعناها سلطة ، وتعني هذه الكلمة أن السلطة للشعب وليست لله ، بل يكون الاحتكام إلى الشعب عند حصول النزاع والاختلاف ، فالشعب سلطة عليا لا تعلو سيادته سيادة ، ولا إرادته إرادة بما في ذلك إرادة الله تعالى ، التي لا اعتبار لها في هذه الديانة ، وليست لها أية قيمة في نظر الديمقراطية والديمقراطيين ، قال تعالى ( أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله ) وقال ( فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا ) ، وفساد وضرر هذه الديمقراطية على الدين ضرر لا يماثله ضرر ، ولكن حينما تعلم أن الديمقراطية هي إحدى ثمارات العلمانية الخبيثة فإنك ستشعر بحجم الانحلال والفساد والإفساد الذي يوشك أن يحل بالمنطقة .
    فالعلمانية ليست هي الديمقراطية وحدها ، بل العلمانية فصل الدين عن الدولة ، وهي صاحبة المقولة ( دع مالقيصر لقيصر ومالله لله ) ، ومن دعواتها الرأسمالية البغيضة ، و تحرير المرأة ، والمساواة بين الرجل والمرأة ، والمساواة بين الأديان ، وعدم التمييز بين الناس على أسس دينية أو عقدية ، وهي صاحبة دعوة الحرية المطلقة فحرية في الاعتقاد والعبادات وحرية في السلوك والأقوال والأفعال وحرية في العلوم ، وحرية في كل شيء ليتحول الإنسان من عبد لله إلى حيوان خسيس ، نشاهده اليوم يعيش في أمريكا وأوربا ، إنسان منحل لا تقيده ولا تحده حدود ، لا يخدم إلا شهوته ولا تحركه إلا شهوته ، انتهازي كريه لا يهمه إلا مصالحه ولو على حساب دماء الملايين من البشر ، ومعالم العلمانية ودعوتها لا مجال لسردها فلا يستوعبها الإيجاز ، ولكن أشرنا هنا إشارات لمعالمها ، وإن هذا الكفر العظيم هو الذي يدعى إليه في المنطقة ليكون بديلاً عن الإسلام فمن يقف في وجه هذا الكفر ؟ وكيف نوقف زحفه على بلاد الإسلام ؟

    مستقبل خطر أهل البدع :-
    إن الحلف ( الصهيوصليبي ) وضع باعتباره أن العلمانية سترفض من قبل شريحة كبيرة من المسلمين ، ففكر في بديل مقبول بين المسلمين لا يضره ولا يؤثر عليه في أرض الواقع ولا يحاربه ، ففسح المجال لما أسماه بالجماعات ( الروحية ) التي تهتم بالروح ولا علاقة لها بالعمل أبداً ، ويمثل هذه الجماعات في العالم الإسلامي ( دراويش ) المتصوفة ، فالطرق الصوفية المنتشرة في العالم الإسلامي غالبها طرق كفرية ، تؤمن بوحدة الوجود والاتحاد والحلول ، وتشرك مع الله غيره في توحيد العبادة من دعاء وطواف وصلاة واستغاثة واستعانة وذبح ونذر وغير ذلك ، وتتلقى التشريع بعد رسول صلى الله عليه وسلم من المنامات ، ووحي القلوب ، والوجدان ، والإلهام إلى غير ذلك من الخرافات التي لا نهاية لها ، المهم أن هذه الجماعات لا تعرف العمل ، وتعادي الجهاد ، ولا تعادي الكافر وعلى استعداد للتعايش معه ومودته ، وبعضها يتعبد بموالاة الكافر ، هذه الجماعات لا تحرم أتباعها من الشهوات فهي تقترف المحرمات كما يقترفها الكافر ، فهم سواء في السلوك ، إلا أن هذه الطرق تقترف الجرائم تعبداً لله بزعمها ( وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها قل إن الله لا يأمر بالفحشاء أتقولون على الله ما لا تعلمون ) ، فتأتي بشبه عقلية لا حد لها لتقترف الفجور ، فنتج عن هذا تشابه عقدي سلوكي بين الصليبي وهذه الطرق ، لذا فإن التحالف ( الصهيوصليبي ) إن أذن بشيء من الدين بين الناس فسوف يأذن بهذه الطرق الصوفية الكفرية .

    مستقبل خطر المدرسة العقلانية :-
    ما سبق ذكره كان من ناحية الدعم ( الصهيوصليبي ) للجماعات التي تتخذ الطابع التعبدي ، ولن يكفي المسلمين الجوانب التعبدية دون الجوانب الفكرية والمنهجية ، لذا فهم حريصون على صنع فكر على أعينهم لا يعارض نهجهم ، كما فعل الاستعمار البريطاني فهو صاحب أول تجربة في العالم الإسلامي وهو مؤسس النبتة الفكرية الخبيثة التي تزعم باسم الإسلام أن الإسلام لا يعادي الكفر والإسلام أمر بالتقارب مع الكافر والتعايش معه ولا حول ولا قوة إلا بالله .
    قال محمود الطحان في كتابه ( مفهوم التجديد .. ) ( والظاهر أن أساطين الكفر أيقنوا بعد التجارب الطويلة أن هدم الإسلام من الخارج والوقوف أمام تياره طريق غير ناجح ، فسلكوا لهدمه طريقاً آخر من الداخل ، يدعو لإصلاح الإسلام وتجديد أفكاره وأحكامه ، والاستخفاف بتراثه ، وبكل قديم فيه ، وهي طريقة خادعة تجذب بعض الخاوين من الثقافة الإسلامية والعلوم الشرعية ) .
    أما موقف الاستعمار البريطاني من هذه النابتة الخبيثة فهو مبني على رؤية قديمة ترجع إلى زمن الحملة الصليبية الثانية عندما كتب ( لويس التاسع ) ملك فرنسا بعدما هزم جيشه في مصر وسجن في سجن المنصورة ، فقال في مذكراته بعد طول تأمل يحدد الموقف من العالم الإسلامي فقال ( إنه لا سبيل إلى السيطرة على المسلمين عن طريق الحرب والقوة وذلك بسبب عامل الجهاد في سبيل الله ... وأن المعركة مع المسلمين يجب أن تبدأ أولاً من تزييف عقيدتهم الراسخة التي تحمل طابع الجهاد والمقاومة ... ولا بد من التفرقة بين العقيدة و الشريعة ) هذا أصل مفهومهم للصراع مع المسلمين بعد الهزائم المتلاحقة التي منيت بها جيوشهم على أيدي الأيوبيين .
    ونفذوا الوصية فأسس هذا الفكر المشئوم في الأمة جمال الدين الأفغاني وهو يعتبر من أبرز المؤسسين لهذا التيار العقلاني في منتصف عام 1215هـ 1800م ، ومن أقواله في كتاب ( تاريخ الإمام محمد عبده ) أنه ألقى محاضرة في الآستانة قال فيها ( ولا حياة لجسم إلا بروح ، وروح هذا الجسم إما النبوة أو الحكمة ) ، وله من الضلالات ما لله به عليم ، ولكن من أبرز ضلالات هذا الفكر الذي دعمه البريطانيون لأجله هو رفض الجهاد ضد المستعمر ودعوة التعايش معه وأن الاستعمار أنفع للأمة وأغنى لها من عدمه ، لذا فإن الاستعمار نعمة لابد أن نشكرها ، ولو فقدنا الاستعمار لتضررت معيشة المسلمين .
    ومن أبرز طلاب هذا الخبيث محمد عبده ويعتبر هو المؤسس الحقيقي والأب الفكري والروحي لجيل العصرانيين بعد جمال الدين الأفغاني ، ويلحظ من أرائه أنه يميل كما في التفسير لما يتناسب مع المعارف الغربية السائدة في عصره وهو صاحب المقولة الشهيرة ( ما أدري أين يضع بعض العلماء عقولهم عندما يغترون ببعض الظواهر ، وببعض الروايات الغريبة التي يردها العقل ) ويقول عن منهجه في التفسير في كتابه الإسلام والنصرانية ( الأصل الأول للإسلام النظر العقلي لتحصيل العلم ، وهو وسيلة الإيمان ..
    والأصل الثاني للإسلام تقديم العقل على ظاهر الشرع عند التعارض )
    وقال ( اتفق أهل الملة الإسلامية إلا قليلاً ممن لا ينظر إليه على أنه إذا تعارض العقل والنقل أخذ بما دل عليه العقل ) ، ويوضح منهجه في الحديث كما في تفسيره لجزء عم ( وعلى أي حال علينا أن نفوض الأمر في الحديث ولا نحكمه في عقيدتنا ، ونأخذ بنص الكتاب وبدليل العقل ) وله ضلالات لا حصر لها ، ويقول رشيد رضا في ( تاريخ الأستاذ الإمام ) ( وقد اهتم بالتقريب بين الأديان إذ أنشأ جمعية سياسية دينية سرية هدفها التقريب بين الأديان الثلاثة ( الإسلام والنصرانية واليهودية ) وذلك في بيروت بعد أن توقفت العروة الوثقى ، واشترك معه في تأسيسها : ميرزا باقر ، وعارف أبو تراب ، والقس إسحق تيلر ، وبعض الإنجليز اليهود وكان محمد عبده صاحب الرأي الأول فيها ) ، وقال عنه الشيخ مصطفى صبري في كتابه ( موقف العقل والعلم والعالم ... ) ( أما النهضة المنسوبة إلى الشيخ محمد عبده فخلاصتها أنه زعزع الأزهر عن جموده على الدين ، فقرب كثيراً من الأزهريين إلى اللادينيين خطوات ، ولم يقرب اللادينيين إلى الدين خطوة ، وهو الذي أدخل الماسونية في الأزهر بواسطة شيخه جمال الدين ، كما أنه هو الذي شجع قاسم أمين على ترويج السفور في مصر ) .
    ولهذا كان موقف العدو الصليبي من هذه النبتة الخبيثة غاية في التحمس لها ورعايتها ، قال كرومر الحاكم العسكري البريطاني لمصر مشيداً بمحمد عبده ( كان لمعرفته العميقة بالشريعة الإسلامية والآراء المتحررة المستنيرة أثرها في جعل مشورته ، والتعاون معه عظيم الجدوى ) ويقول كرومر عن أتباع محمد عبده ( وفكرتهم الأساسية تقوم على إصلاح النظم الإسلامية المختلفة دون إخلال بالقواعد الأساسية للعقيدة الإسلامية .. ويتضمن برنامجهم التعاون مع الأوربيين لا معارضتهم ، في إدخال الحضارة الغربية إلى بلادهم ، ثم يشير إلى أنه تشجيعاً لهذا الحزب ، وعلى سبيل التجربة ، فقد اختار أحد رجاله وهو سعد زغلول وزيراً للمعارف ) ، أما ( ولفرد بلنت ) وهو جاسوس بريطاني ، فصلته بمحمد عبده قديمة ، ترجع إلى صلته بأستاذه جمال الدين ، وكذا صلته بالثورة العربية ثم سكن بجوار محمد عبده بعد عودته من المنفى ، يصف بلنت الدعوة الإصلاحية بأنها ( الإصلاح الديني الحر ) ويصف مدرستهم بأنها ( تلك المدرسة الواسعة التقنية ) ويقول عن الأفغاني ( إن الفضل في نشر الإصلاح الديني الحر بين العلماء في القاهرة .. يعود إلى رجل عبقري غريب يدعى السيد جمال الدين الأفغاني ) وثناء المستعمر الصليبي على رموز هذه المدرسة ومنهجها لا يكاد يصدق أبداً ، ودعمهم لها دعم سخي لأبعد الحدود ، فقد اعتبروا هذه المدرسة وهذا الفكر الخبيث ملحقاً في المندوبية البريطانية ، وحاولوا الترويج له بكل السبل .
    ونخشى أن يظن أحد من المسلمين أن فكر المدرسة العقلانية قد اندثر بموت المؤسس والأب الروحي لها ، أو أن الصليبي قد غفل عن دعمها والترويج لها ، كل ذلك لم يحصل ، فالمدرسة العقلانية لا زالت موجودة في ديار المسلمين ، نعم حصلت تعديلات على منهجها وخفضت من مستوى الصراحة ، وزادت من التلبيس على الأمة بالتمسح بأقوال السلف التي لم يكن الأفغاني أو عبده يعتدون بها ، وابتعدت عن الإشادة بالمعتزلة ونشر أقوالهم ، ولكن بقي تقديم العقل على النص هو الأصل ، وتحريف الدين حسب المراد هو السمة الفارقة لهم ، والمستعمر الصليبي لا زال يثني ويبرز في إعلامه الأصلي أو إعلامه العربي المأجور رموز هذه المدرسة ويتيح لهم جميع الإمكانيات لنشر فكرهم ومذهبهم العقلاني تحت شعار ( إن الدين يسر ) ، وستشهد المنطقة في الأيام القادمة دعماً لهذه المدرسة التي يفترض أنها تكون المرحلة الأولى إلى العلمنة لأنها خليط من الإسلام والعلمانية فهي ( مخنث ) لا إلى الإسلام ولا إلى العلمانية صراحة ، فهدف التحالف ( الصهيوصليبي ) اليوم دعم هذه المدرسة والإشادة برموزها وفسح المجال واسعاً أمامها على جميع الأصعدة
    أسباب دعم المدرسة العقلية من قبل الصليبيين وأذنابهم:
    أولاً: لتكون سداً أمام المنهج الحق القائم في علاقته مع الكافر على العداوة والبغضاء والجهاد في سبيل الله ، وهذا المنهج يطلق عليه الغرب ( الأصولية الإسلامية أو الإسلام الراديكالي أو الوهابية أو الإرهاب ) فهذا المنهج يحتاج إلى سد منيع من نفس بني الجلدة لإيقافه ، يقول القس زويمر في كتابه ( الغارة على العالم الإسلامي ) ( تبشير المسلمين يجب أن يكون بواسطة رسول من أنفسهم ، ومن بين صفوفهم ، لأن الشجرة يجب أن يقطعها أحد أعضائها ) ، فهذه المدرسة العقلانية لابد أن تكون هي السد أمام الإرهاب ، عملاً بنصيحة ملك فرنسا ( لويس التاسع ) عندما قال ( بأن المعركة مع المسلمين يجب أن تبدأ أولاً من تزييف عقيدتهم الراسخة التي تحمل طابع الجهاد والمقاومة ) ولن يكون التزييف إلا عن طريق هذه المدرسة .
    ثانياً: تبدأ المرحلة الثانية الدخول إلى العلمنة بعد أن هدم الولاء والبراء ورفض الجهاد ، كما هو الحال في تركيا ومصر وغيرها التي سارت على نفس المخطط .
    ولهذا نقول لقد اصطنع كرومر ورجال الاستعمار والماسونية غطاء من الدعم والمكانة المرموقة لمؤسس هذه المدرسة لتتسرب مبادئها إلى المجتمعات الإسلامية ، ولا زال هذا الدعم متواصلاً ومكثفاً من قبل أبناء كرومر الذين وجدوا حثالة من أبناء الأفغاني ، على أتم الاستعداد لمواصلة مشوار والدهم بشرط توفير الدعم المطلق لهم لتنفيذ ما يريدون .
    ومن أبرز دعوات هذه المدرسة اليوم :
    نبذ العنف وترك الجهاد بمسمى التعقل وعدم جرّ الأمة إلى مواجهات غير متكافئة .
    وصم المجاهدين بصفات التعجل والتهور والسعي لخلخلة الجبهة الداخلية .
    التحذير من التكفير وتطبيق الولاء والبراء تطبيقاً عملياً على أرض الواقع والإكتفاء بعموميات نظرية تتراخى في كل يوم شيئاً فشيئاً لتطمس هذه العقيدة بمسمى التعايش والتسامح وعدم الإستطاعة .
    دعوى المصلحة والمفسدة التي لا تحدها حدود ولا تضبطها ضوابط إلا الوقوف أمام أي مصلح ناطق بالحقيقة أو أي مجاهد مقارعٍ للأعداء.
    الوصاية على الأمة وإدعاء الرسوخ في العلم والتنقص من كل من يخالف منهجهم وتهميشه بالكلمات الفضفاضة الإنشائية بعيداً عن النقاش العملي المبني على الدليل الشرعي .
    إشغال الأمة بحلول ناقصة بعيدة عن الكتاب والسنة بدعوى عدم تعجل النتائج وأن المستقبل لهذا الدين .
    الدعوة إلى التقارب مع أعداء الملة من الرافضة والمنافقين بل والنصارى واليهود بما سبق ذكره من طرق : إما بالدعوة للتعايش مع العدو لأن الإسلام دين سلام ، ولأننا لا نستطيع مواجهة العدو "ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها"!!

     مستقبل الخطر الرافضي :-
    إن خطر الرافضة على المنطقة لا يقل عن خطر اليهود والنصارى ، فلم يعرف تاريخ العالم الإسلامي إلا أن الرافضة كانوا عوناً للنصارى أو المشركين في حربهم على بلاد الإسلام ، وعداوة الرافضة المزعومة لليهود أو النصارى هي عداوة لا تعدو أن تكون شعارات فقط ، لتكون سبباً في تصدير الثورة الخمينية ، ولمعرفة حقيقة خطرهم على المسلمين هناك مصنفات متخصصة في هذه الديانة منقولة من كتبهم ، ولن نطيل بشرح ما سبق ذكره أو التدليل له من كتبهم ، ولكن نكتفي في هذه الحلقة بإيراد مقتطفات من الخطة السرية الخمسينية لتصدير الثورة ، والتي نشرتها مجلة البيان في عددها 123 ذو القعدة 1418هـ تحت عنوان ( الخطة السرية الخمسينية لتصدير الثورة الخمينية ) وكانت موجهة في رسالة سرية للغاية من شورى الثورة الثقافية الإيرانية إلى المحافظين في الولايات الإيرانية ، وقد وقعت الرسالة بيد رابطة أهل السنة في إيران التي نشرتها البيان نقلاً عنها ، وننصح بالرجوع لنص الخطة في المجلة ودراستها ومقارنة واقع الرافضة بها ، فلو لم تكن الخطة صدرت منهم حقاً ، لكانت هذه الخطة تعبر بدقة عن واقعهم اليوم ، ونحن نورد من الخطة ما يهمنا وهو قولهم :
    قالوا ( إذا لم نكن قادرين على تصدير ثورتنا إلى البلاد الإسلامية المجاورة ، فلا شك أن ثقافة تلك البلاد الممزوجة بثقافة الغرب سوف تهاجمنا وتنتصر علينا ، وقد قامت الآن بفضل الله وتضحية أمة الإمام الباسلة دولة الإثني عشرية في إيران بعد قرون عديدة ، ولذلك فنحن وبناءاً على إرشادات الزعماء الشيعة المبجلين نحمل واجباً خطيراً وثقيلاً وهو تصدير الثورة ؛ وعلينا أن نعترف أن حكومتنا فضلاً عن مهمتها في حفظ استقلال البلاد وحقوق الشعب ، فهي حكومة مذهبية ويجب أن نجعل تصدير الثورة على رأس الأولويات ) .
    وقالوا ( ولهذا فإننا خلال ثلاث جلسات وبآراء شبه إجماعية من المشاركين وأعضاء اللجان وضعنا خطة خمسينية تشمل خمس مراحل ، ومدة كل مرحلة عشر سنوات ، لنقوم بتصدير الثورة الإسلامية إلى جميع الدول المجاورة ونوحد الإسلام أولاً ، لأن الخطر الذي يواجهنا من الحكام الوهابيين وذوي الأصول السنية ، أكبر بكثير من الخطر الذي يواجهنا من الشرق والغرب ؛ لأن هؤلاء (الوهابيين وأهل السنة) يناهضون حركتنا وهم الأعداء الأصليون لولاية الفقيه والأئمة المعصومين ، حتى إنهم يعدون اعتماد المذهب الشيعي كمذهب رسمي دستوراً للبلد أمراً مخالفاً للشرع والعرف ، وهم بذلك قد شقوا الإسلام إلى فرعين متضادين ) .
    وقالوا ( نحن نعلم أن تثبيت أركان كل دولة والحفاظ على كل أمة أو شعب ينبني على أسس ثلاثة:
    الأول: القوة التي تملكها السلطة الحاكمة.
    الثاني: العلم والمعرفة عند العلماء والباحثين.
    الثالث: الاقتصاد المتمركز في أيدي أصحاب رؤوس الأموال.
    إذا استطعنا أن نزلزل كيان تلك الحكومات بإيجاد الخلاف بين الحكام والعلماء ، ونشتت أصحاب رؤوس الأموال في تلك البلاد ونجذبها إلى بلادنا ، أو إلى بلاد أخرى في العالم نكون بلا ريب قد حققنا نجاحاً باهراً وملفتاً للنظر ؛ لأننا أفقدناهم تلك الأركان الثلاثة ) .
    وقالوا ( ولإجراء هذه الخطة الخمسينية يجب علينا بادئ ذي بدء أن نحسن علاقاتنا مع دول الجوار ويجب أن يكون هناك احترام متبادل وعلاقة وثيقة وصداقة بيننا وبينهم حتى إننا سوف نحسن علاقاتنا مع العراق بعد الحرب وسقوط صدام حسين ، ذلك أن إسقاط ألف صديق أهون من إسقاط عدو واحد .
    وفي حال وجود علاقات ثقافية وسياسية واقتصادية بيننا وبينهم ، فسوف يهاجر بلا ريب عدد من الإيرانيين إلى هذه الدول ؛ ويمكننا من خلالهم إرسال عدد من العملاء كمهاجرين ظاهراً ويكونون في الحقيقة من العاملين في النظام ، وسوف تحدد وظائفهم حين الخدمة والإرسال ) .
    وقالوا ( إن الفرق الوهابية والشافعية والحنفية والمالكية والحنبلية كانت تعتبرنا من المرتدين ، وقد قام أتباع هذه المذاهب بالقتل العام للشيعة مراراً وتكراراً ، فنحن ورثة ملايين الشهداء الذين قُتِلوا بيد الشياطين المتأسلمين (السنة) وجرت دماؤهم منذ وفاة الرسول في مجرى التاريخ إلى يومنا هذا ) .
    وقالوا كنصيحة للمهاجرين الإيرانيين لدول الجوار كي يتم تغلغلهم في المجتمعات قبل ثورتهم ( يجب حث الناس (الشيعة) على احترام القانون وطاعة منفذي القانون وموظفي الدولة، والحصول على تراخيص رسمية للاحتفالات المذهبية وبكل تواضع وبناء المساجد والحسينيات ؛ لأن هذه التراخيص الرسمية سوف تطرح مستقبلاً على اعتبار أنها وثائق رسمية )
    وقالوا بعد التغلغل في المجتمعات بكافة الطرق ( في هذه المرحلة حيث تكون ترسّخت صداقة عملائنا لأصحاب رؤوس الأموال والموظفين الكبار ، ومنهم عدد كبير في السلك العسكري والقوى التنفيذية ، وهم يعملون بكل هدوء ودأب ، ولا يتدخلون في الأنشطة الدينية ، فسوف يطمئن لهم الحكام أكثر من ذي قبل ، وفي هذه المرحلة حيث تنشأ خلافات وفرقة وكدر بين أهل الدين والحكام فإنه يتوجب على بعض مشايخنا المشهورين من أهل تلك البلاد أن يعلنوا ولاءهم ودفاعهم عن حكام هذه البلاد وخاصة في المواسم المذهبية ، ويبرزوا التشيع كمذهب لا خطر منه عليهم ، وإذا أمكنهم أن يعلنوا ذلك للناس عبر وسائل الإعلام فعليهم ألاّ يترددوا ليلفتوا نظر الحكام ويحوزوا على رضاهم فيقلدوهم الوظائف الحكومية دون خوف منهم أو وجل ، وفي هذه المرحلة ومع حدوث تحولات في الموانئ والجزر والمدن الأخرى في بلادنا، إضافة إلى الأرصدة البنكية التي سوف نستحدثها سيكون هناك مخططات لضرب الاقتصاد في دول الجوار ، ولا شك في أن أصحاب رؤوس الأموال وفي سبيل الربح والأمن والثبات الاقتصادي سوف يرسلون جميع أرصدتهم إلى بلدنا ؛ وعندما نجعل الآخرين أحراراً في جميع الأعمال التجارية والأرصدة البنكية في بلادنا فإن بلادهم سوف ترحب بمواطنينا وتمنحهم التسهيلات الاقتصادية ) .
    وقالوا ( في المرحلة الرابعة سيكون قد تهيأ أمامنا دول ، بين علمائها وحكامها مشاحنات ، والتجار فيها على وشك الإفلاس والفرار ، والناس مضطربون ومستعدون لبيع ممتلكاتهم بنصف قيمتها ليتمكنوا من السفر إلى أماكن آمنة ؛ وفي وسط هذه المعمعة فإن عملاءنا ومهاجرينا سيعتبرون وحدهم حماة السلطة والحكم ، وإذا عمل هؤلاء العملاء بيقظة فسيمكنهم أن يتبوؤوا كبرى الوظائف المدنية والعسكرية ويضيِّقوا المسافة بينهم وبين المؤسسات الحاكمة والحكام)
    وقالوا ( في العشرية الخامسة فإن الجو سيكون قد أصبح مهيأ للثورة ؛ لأننا أخذنا منهم العناصر الثلاثة التي اشتملت على: الأمن ، والهدوء ، والراحة ؛ والهيئة الحاكمة ستبدو كسفينة وسط الطوفان مشرفة على الغرق تقبل كل اقتراح للنجاة بأرواحها ، و في هذه الفترة سنقترح عبر شخصيات معتمدة ومشهورة تشكيل مجلس شعبي لتهدئة الأوضاع، وسنساعد الحكام في المراقبة على الدوائر وضبط البلد ؛ ولا ريب أنهم سيقبلون ذلك ، وسيحوز مرشحونا وبأكثرية مطلقة على معظم كراسي المجلس ؛ وهذا الأمر سوف يسبب فرار التجار والعلماء حتى الخَدَمة المخلصين ، وبذلك سوف نستطيع تصدير ثورتنا الإسلامية إلى بلاد كثيرة دون حرب أو إراقة للدماء ) هذا بعض ما جاء في خطتهم الخمسينية ، وما يريدونه لدول المنطقة بأجمعها ، حرب بأسلوب مشابه للأسلوب اليهودي الذي طبق في أوروبا قبل أربعة قرون تقريباً .
    وقد شاهدنا في العراق كيف سارع علماء الرافضة بفتح الأبواب للصليبيين وتعاونوا معهم ، للسيطرة على العراق ، ففي بداية الأمر أصدورا فتوى بوجوب قتال العدو الصائل على بلاد المسلمين ، ولم تكن هذه الفتوى إلا للاستهلاك المحلي ، وللإمساك بالعصا من المنتصف ، فلم تطبق هذه الفتوى على أرض الواقع ، وفيلق بدر الرافضي العراقي الموجود في إيران لم يدخل العراق ولم يطلق طلقة واحدة عملاً بهذه الفتوى ، وبعد أن رأى الرافضة أن الكفة تميل للصليبيين سارعوا فيهم وفتحوا لهم الأبواب وتعاونوا معهم للسيطرة على أغلب مدن الجنوب ، فكرروا دور جدهم ابن العلقمي الذي فتح بغداد للتتار ، ولم تملك الإدارة الأمريكية إلا أن تشكر علماء الرافضة على جهودهم في مساعدتها لدخول المدن والسيطرة عليها ، جاء ذلك الشكر في مؤتمر صحفي على لسان العميد ( فنس بروكس ) المتحدث باسم الجيش الأمريكي من مقر القيادة الصليبية الوسطى في الدوحة ، ولا زال الرافضة في العراق يساندون العدو الصليبي ويشون بأهل السنة للقبض عليهم أو قتلهم ، وما اعتقال الصليبيين قبل أربعة أيام لشيخهم الفرطوسي رئيس مكتب الصدر الذي أطلق سراحه بعد يومين من اعتقاله ، إلا دعاية لنفي التعاون الصليبي الرافضي على أعلى المستويات .
    ويسعى الرافضة بكل جهدهم وبسلوك أي سبيل لينالوا شيئاً من السلطة في العراق ، فهم اليوم يرفعون شعارات تقول نريد حكومة تمثل الأغلبية ، وبزعمهم أنهم هم الأغلبية ، والقصة هي أن أمريكا قبل حملتها العسكرية الأخيرة على العراق ، أرادت أن تستفيد من الرافضة بأي شكل ، فأصدرت إحصائيات تقول بأن الرافضة في العراق يمثلون الأغلبية وتتراوح نسبتهم ما بين 68 إلى 70% ، إلا أن هذه الأغلبية مضطهدة من قبل نظام سني يعد من الأقليات في العراق ، وهذه الدعاية كانت أمريكا تروج لها أملاً في ثورة الرافضة ليسقطوا صدام ، وثاروا على صدام عام 1411هـ في بعض مدن الجنوب إلا أنهم صدموا من رد صدام ، وصدموا من تنكر أمريكا لهم التي وعدتهم بالدعم المطلق ، وأعادت أمريكا لترويج دعاية الأغلبية لحشد التأييد منهم لشن الحرب الأخيرة .
    وصدّق الرافضة هذه الدعاية ويطالبون الآن بحكومة تمثل الأغلبية ، ورغم أنه لا يوجد إحصاء رسمي عراقي يفرق بين السنة والرافضة ، إلا أننا من خلال الاستقراء والتتبع نقول ، بأن سكان العراق حسب آخر إحصاء عراقي هو 26 مليون ، تعداد الأكراد منهم هو 6مليون و 500 ألف والأكراد كلهم سنة فتكون نسبتهم 25% من إجمالي السكان باعتراف الجميع بهذه النسبة ، والتركمان وغالبيتهم سنة تعداد السنة منهم مليون ومئتي ألف نسمة نسبتهم 4.5% من إجمالي السكان ، الديانات الأخرى كالنصارى واليهود والصابئة والمجوس تعدادهم 780ألفاً أي أن نسبتهم 3% ، فيبقى العرب سنة ورافضة وتعدادهم 17 مليون و 550 ألفاً ، ونسبتهم تساوي 67.5% ، فلو قلنا بأن العرب كلهم رافضة لم تساوي النسبة ما زعموا ، فكيف إذا كانت هذه النسبة أكثر من نصفها من السنة ، فبغداد البالغ عدد سكانها أكثر من ستة ملايين ونصف ، فيها ما يقرب من ثلاثة ملايين ونصف المليون سني ، والموصل كل العرب الذين فيها سنة ويبلغ تعدادهم مليونين ونصف ، والأنبار للسنة العرب وتعدادهم أكثر من مليون نسمة ، وتكريت كلها سنة عدد سكانها مليوني نسمة ، وإذا كان مجموع السنة في البصرة والحلة والمسيب والزبير والناصرية وديالي وغيرها يقدر بمليون على أقل الأحوال فمعنى ذلك أن تعداد السنة العرب يساوي 10 ملايين نسمة تقريباً ، ويبقى للرافضة 7 مليون 550 ألفاً ، وتكون نسبة السنة العرب من إجمالي سكان العراق 38.5% ونسبة الرافضة العرب والعجم من إجمالي سكان العراق 29% ، هذه هي أقرب الأرقام للحقيقة بعيداً عن الدعايات الصليبية والرافضية وتضخيم النسب لأهداف سياسية ، فإذا كان الرافضة ينادون بحكومة تمثل الأغلبية فيفترض أن تكون الحكومة سنية لأن الأغلبية في العراق سنية ونسبتها تساوي 68% من عرب وعجم .
    المشكلة أن هذه النسبة من السنة مغيبة عن أرض الواقع ومهضومة الحقوق فلا يوجد دولة سنية ترعاهم وتطالب بحقوقهم ، ولن يتمكن السنة من فرض حقوقهم الشرعية واسترجاعها إلا برفع راية الجهاد ضد أعداء الأمة والدين .
    وخلاصة الأمر أن خطر الرافضة على هذه الأمة يعادل خطر اليهود والنصارى ، ولهم مخططات متشابهة ضد الأمة ، ولابد من أن تحذر الأمة منهم ولا تنخدع بهم ، فهم يعملون بالتقيا على مستوى الفرد والجماعة والدولة ، فالتقيا أصل من أصول دينهم ومن لا تقية له لا دين له كما هو أصل دينهم ، فالحذر الحذر فخطرهم ليس على العراق وحدها بل هو على جميع المنطقة ، فإذا بسط الرافضة نفوذهم في العراق أو نالوا شبه حكم ذاتي في جنوب العراق ، فقد اقتربوا أكثر من فرض أنفسهم ، فهم تعداد لا يستهان به في السعودية وفي الكويت وفي البحرين ، فهذا التعداد إذا كان منسق الجهود ومدعوم المبادرات عبر دول ترعاه هي إيران وسوريا ولبنان ، فهذا يعني أنهم قد وصلوا إلى مراحل متقدمة في خطتهم الخمسينية التي عرضنا بعض مقتطفاتها في هذه الحلقة ، فعلى المسلمين الحذر ، فالرافضة لا يمانعون من وضع أيديهم بأيدي العدو الصليبي أو اليهودي ضد أهل السنة ، فخطر السنة وكفرهم عند الرافضة أشد من اليهود والنصارى ، والمتتبع للتاريخ يعرف كيف وضع الرافضة أيديهم بأيدي أعداء الأمة لطعنها في ظهرها ، ويكفي أن الرافضة هم الذين انتهكوا حرمة بيت الله وسرقوا الحجر الأسود لمدة عشرين عاماً قبل أن يعاد ، والمطلع على عقائدهم لا يكاد يصدق من هول الحقد والشر الذي تخفيه صدورهم ، فحذراً منهم أيها المسلمون ، ونحذر أيضاً من دعاة التقريب مع الرافضة فلن يزيد هذا التقريب الأمة إلا شراً ، فالتقريب مع الرافضة أشد خطراً من التقارب مع اليهود ، فاليهود عداؤهم معروف والرافضة يتقون ويتمسحون بالإسلام ، ويخدعون أبناء الأمة ، فكيف يا دعاة التقريب نتقارب مع من يجمعون على أن القرآن مخلوق ومحرف ومنقوص ومزيد ، كيف نتقارب مع من يجمعون على نسبة البدء لله أي الجهل بالشيء قبل وقوعه أو تقديره ، كيف نتقارب مع من يجمعون على سب وتكفير أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وسب زوجاته ورمي عائشة رضي الله عنها بالزنى ، كيف نتقارب مع من يصرفون كل أنواع العبادات لغير الله فيصرفونها لقبور أئمتهم من ذبح ونذر واستغاثة وطواف وسجود واستعانة ودعاء إلى غير ذلك ، إذا كنتم تدعون إلى التقارب مع من هذه عقائدهم ، فالتقارب مع النصارى ربما يكون أخف شراً ، أم أن اسم الاسلام خدعكم ، فليس كل من زعم الإسلام مسلماً إذا كانت أفعاله تناقض الإسلام جملة وتفصيلاً .

    المستقبل العسكري :
    أن التطورات الصورية التي حصلت على الموقف الأمريكي العسكري في المنطقة ، ونعني بها إعلان انسحابهم من السعودية ، دفعنا إلى أن نعيد إلى الأذهان ، أصل المشروع العسكري الأمريكي في المنطقة وتاريخه ، والأسباب التي حملت أمريكا على إقامة قواعد لها في الخليج ، ولن نحاول الإطالة بتفصيل أصل المشروع العسكري الأمريكي ، ولكننا سنحاول وضع خطوط رئيسة لذلك ، يفهم من خلالها التطورات العسكرية الأمريكية في المنطقة السابقة واللاحقة .
    الإعلان الذي لا أثر له :
    إن التطور الصوري ، الذي دفعنا لشرح أصل التواجد العسكري الأمريكي في المنطقة ، هو ما أعلنته الحكومة الأمريكية يوم الثلاثاء 27/2/1424هـ ( أنها ستقوم بتصفية وجودها وعملياتها العسكرية في المملكة العربية السعودية ) ، وقال وزير الدفاع الأمريكي أثناء زيارته للمنطقة في نفس اليوم تعليلاً لهذا القرار ( عندما لا تكون هناك مراقبة جنوبية فمن البديهي ألا نحتاج لأفراد هنا ، وأكد أنه لم يبق إلا بعض العسكريين الأمريكيين للمشاركة في مهام التدريب في المملكة العربية السعودية ) ويقصد بالمراقبة الجنوبية ، مراقبة حظر الطيران الذي فرضته أمريكا بعد حرب الخليج الثانية 1411هـ ، على جنوب العراق، وهي منطقة جنوب خط 33درجة .
    ومما يظهر كذب الوزير في تصريحه السابق ما أعلنه البنتاغون أنه سوف يبقي من جنوده في السعودية 10 آلاف جندي أمريكي لأغراض التدريب ، وهو العدد الذي وصفه وزير الدفاع ببعض الجنود ، ولكن إذا كانت أمريكا والسعودية تزعمان سابقاً أن القوات الأمريكية في السعودية تقدر بخمسة آلاف ضابط وجندي ، كيف يمكنها سحب كافة قواتها والإبقاء على عشرة آلاف ؟! فما هذا التناقض ؟ ، فإذا كانوا لم يصدقوا من قبل في إعلان تعداد القوات الحقيقية ، فهل سيصدقون في إعلان القوات التي سترحل أو التي ستبقى ، وعلى كل حال فإن هذا ستظهره الأيام .
    ونقلت شبكة الـ ( سي إن إن ) عن مصدر عسكري في البنتاغون في نفس اليوم ( أن التواجد الأمريكي العسكري في قاعدة الأمير سلطان الجوية بالسعودية يتوقع أن ينتهي هذا الصيف ، اعتماداً على الوضع الأمني في العراق ) وأضافت الشبكة أن مصادر عسكرية أمريكية ( أكدت لها يوم الاثنين أن الإدارة المركزية للقوات الأمريكية قررت نقل مركز عمليات القوات الجوية من المملكة العربية السعودية إلى دولة قطر ) ، فإذا كان سحب القوات الأمريكية من السعودية بسبب سقوط صدام ، فلماذا لا تسحب القوات من الكويت ؟ وما الحاجة لنقلها إلى قطر ؟.
    ونحن لن نعلق على مغزى هذا القرار وأسبابه ونتائجه وأهدافه ومصداقيته ، وإن كان من المفترض أن يفرد بالحديث ، إلا أننا نرى أن الأهم من هذا هو أن نصحح المفهوم الخاطئ لدى الكثير من أبناء الأمة ، والذي حاولت الإدارة الأمريكية ترسيخه بهذا الإعلان ، وهو أن الوجود الأمريكي كان لأجل حماية دول المنطقة من خطر العراق ، وعندما زال خطر العراق فلا داعي للبقاء كما قال وزير الدفاع الأمريكي ، وفي الحقيقة أن الذي يظن أن التواجد العسكري الأمريكي هو لحماية الدول وشعوب الدول أو أمنهم في المنطقة ، أنه جاهل لا يعي ما يحصل حوله ، والذي يظن أن التواجد الأمريكي العسكري في المنطقة يحترم الحكومات القائمة الحالية ويضعها كشريك فهو جاهل أيضاً ، إن الحكومات في المنطقة تتخذها أمريكا كمنفذة لسياساتها ، ولو تمردت وقالت لا ، فإنها ستضطر إلى تغييرها ، وسنأتي بما يثبت ذلك من كلام الأمريكيين أنفسهم .
    الأهداف التي من أجلها تواجدت أمريكا في المنطقة :
    إن التواجد الأمريكي في المنطقة لم يكن ردة فعل لقضية محددة كضربات سبتمبر أو لتسلط رئيس غاشم ، إن التواجد الأمريكي في المنطقة هو استراتيجية لا يمكن لأمريكا أبداً أن تتنازل عنها ، وهي على استعداد أن تقاتل دول المنطقة بأكملها من أجل البقاء في المنطقة ، كما أنها على استعداد أيضاً لقتال حلفائها من دول أوروبا لتحقيق أهدافها في المنطقة ، إن المنطقة هي شريان العالم للحياة ، ومن يسيطر على هذا الشريان فسوف ينتعش ويسود ، ومن ثم فإنه سيسيطر على العالم ويخنقه بلا رحمة حسب قناعتهم ، هذا هو ملخص أهمية المنطقة بالنسبة لأمريكا ، فمن السذاجة والسخف أن يظن أن القوات نزلت بسبب صدام ، وسترحل بزوال صدام ، كما أنه من السذاجة أيضاً أن يظن ولو بقدر بسيط جداً أن لهذا الإعلان نعني به - إعلان إخلاء السعودية من القوات الأمريكية - حقيقة على أرض الواقع ، التحرك والانتقال من دولة إلى أخرى في المنطقة لا يعدو أن يكون مجرد تحرك عسكري تكتيكي ، ولكن الاستراتيجية ثابتة ، وهي ضمان السيطرة على منابع النفط ، والسيطرة على الممرات وضمان سلامة وصول النفط ، وضمان أمن إسرائيل ، وضمان عدم وصول الإسلاميين إلى أية سلطة في المنطقة، أو تحركهم بما يهدد سيادة أية دولة في المنطقة ، هذه هي الاستراتيجية العسكرية الأمريكية الثابتة في المنطقة ، و هذا هو المظهر الواضح للصورة ، وكل ما يحصل في خلفيات الصورة فهو لا يمثل أكثر من تغيير في الديكور لإعطاء الصورة مسحة جمالية خداعة ، تروج على شعوب المنطقة ، والمغفلين .
    وحتى نوضح الاستراتيجية التي أشرنا إليها قبل قليل لابد من الإطالة في تجلية الصورة ، ولكن سنحاول الاكتفاء بإشارات يسيرة دون التفصيل ، رغبة في الاختصار فنقول :
    إن أهمية منطقة قلب العالم الإسلامي ، ولا نقول الشرق الأوسط فهو مسمى مستحدث لإدخال الورم السرطاني اليهودي ضمن منظومة دول المنطقة ، فتعبير الخليج لا يدخل إسرائيل ، وتعبير الدول العربية لا يدخل إسرائيل ، فتم إنشاء مصطلح الشرق الأوسط ليشمل إسرائيل وتكون طبيعية ضمن دول المنطقة .
    نقول إن أهمية المنطقة بالنسبة للعالم عامة وللأمريكيين خاصة ، لم تقتصر على أنها منطقة التهديدات المحتملة من قبل المعسكر الشرقي فحسب ، بل جاءت الأهمية لأن المنطقة تشكل مسرحاً أساسياً لجميع دول العالم على الصعيد الاستراتيجي ، فمن حضي بها فقد حضي بنصيب الأسد على هذا المسرح .
    ودول الصليب لم تعرف أهمية المنطقة بعد اكتشاف النفط ، بل عرفت أهميتها قبل ذلك ، فهي تعتبر قلب الممرات الحيوية في العالم ، ورابطة القارات ، ومنذ أربعة قرون فقد حاول الصليبيون السيطرة على المنطقة ، لما لها من أهمية دينية وجغرافية ، وحاول البرتغال وحاولت فرنسا وجاءت بعدهما بريطانيا ، وتفردت بالنفوذ بعد السيطرة الكاملة لها على سائر المستعمرات فأصبحت إمبراطورية لا تغيب عنها الشمس ، وكانت المنطقة بالنسبة لها هدفاً استراتيجياً لا يمكن التنازل عنه قبل اكتشاف النفط .
    وبعد الحرب العالمية الثانية 1366هـ 1947م ، بدأت القوة البريطانية تنحسر وتضعف ، مما تسبب باستقلال أكثر مستعمراتها ، ومع تخلي بريطانيا عن أغلب مستعمراتها ، إلا أنها عضت بنواجذها وأنيابها على منطقة الخليج الغنية ، ومع ضعف القوة البريطانية برزت مكانها حليفتها الجديدة الولايات المتحدة ، وحاولت منازعتها على نفوذها وخاصة في المنطقة التي زادت أهميتها بعد ظهور النفط ، ويقول الرئيس الأمريكي الأسبق نكسون في مذكراته ( أن أول تواجد عسكري أمريكي مكثف في المنطقة كان في منتصف عام 1367هـ 1948م عبر ( مبدأ ترومان ) الذي أمر في ذلك الوقت بتشكيل القوة الخاصة السادسة التي كانت سابقاً تدير الأسطول السادس الأمريكي ، وبدأت الطائرات الأمريكية على الفور باستخدام القواعد الليبية والتركية والسعودية ضمن قانون الإعارة والتأجير الذي سعى الرئيس روزفلت إلى إدخال المملكة العربية السعودية فيه كدليل على حسن النوايا تجاهها ) .
    أهمية المنطقة بالنسبة للأمريكان قديماً :
    ويكفي أن تعرف أهمية المنطقة بالنسبة للأمريكان من بعض تصريحات قادتهم قديماً حيث يقول ( جيمس رورستال ) وزير الدفاع الأمريكي عام 1364هـ 1945م كما نقلت عنه مجلة الفكر الاستراتيجي العربي قوله ( خلال السنوات الخمس والعشرين المقبلة ستواجه الولايات المتحدة احتياطيات نفطية منخفضة انخفاضاً حاداً ، ونظراً لأن النفط ومشتقاته هي أسس القدرة على خوض حرب حديثة ، فإنني أعتبر هذه المشكلة واحدة من أهم المشاكل الحكومية ، والتي لا يعنيني أية شركة أو شركات أمريكية سوف تستثمر الاحتياطيات العربية ، لكنني أشعر بأقصى قدر من اليقين أنها يجب أن تكون أمريكية ) .
    ومما زاد من أهمية المنطقة بالنسبة لأمريكا ، دخولها الحرب العالمية إلى جانب الحلفاء عام 1360هـ 1941م ، وقد زادت بالأخص بالنسبة لها أهمية الأراضي السعودية ، قال وزير الخارجية الأمريكي السابق ( هل ) ( لقد زادت حاجة وزارتي البحرية والحربية الأمريكية للنفط السعودي ، إضافة إلى حاجة الجو الأمريكي للأراضي السعودية).
    ولذلك رأت هيئة الأركان الأمريكية عام 1362هـ 1943م أن إمدادات النفط الخام من النفط الأمريكي غير كافية لإمداد القوات المسلحة الأمريكية ، وهذا يعني ضرورة وجود مصادر أخرى ، شريطة أن تكون قريبة من موقع الأسطول الأمريكي ، ولهذا الهدف تم إنشاء مصفاة رأس تنورة عام 1364هـ 1945م ، وهذا هو الدافع لبناء أول قاعدة عسكرية في الظهران وذلك عام 1362هـ 1943م التي انتهى تشييدها عام 1365هـ 1946هـ ، ثم جددت السعودية الاتفاقية لهذه القاعدة لمدة خمس سنوات أخرى عام 1370هـ 1951م،ولهذا وصف تحليل لوزارة الخارجية الأمريكية عام 1364هـ1945م ( المملكة العربية السعودية بأنها مصدر وافر للقوة الاستراتيجية وإحدى أكبر الجوائز المادية في التاريخ العالمي ) .
    هذا الوصف الذي أطلق على السعودية ، ليس لتقدمها الحضاري أو لقوتها العسكرية ، بل جاءت هذه الأهمية لموقعها على مياه الخليج والبحر الأحمر ، ولأنها - وهو الأهم - تمتلك أكبر احتياطي نفطي في العالم ، ويقدر مخزونها بـ ( 165 مليار برميل ) ، وهذه الأهمية هي التي دفعت الرئيس الأمريكي ( روزفلت ) عام 1362هـ 1943م إلى أن يطبق قانون الإعارة مباشرة مع السعودية بدلاً من وساطة بريطانيا الراعي الأول ، وأعلن حينها ( أن حماية النظام السعودي هي مسئولية أمريكية ) ولم يأت هذا الإعلان إلا بعد معرفة الحاجة الماسة إليها وإلى دول المنطقة لما تنعم به من ثروة نفطية ، علماً أنهم اعترفوا بالسعودية في شهر محرم لعام 1350هـ 1931م .
    والمنطقة كلها ليست السعودية وحدها ، بل إن السعودية هي أكبر دول المنطقة مخزوناً بل أكبر دول العالم مخزوناً ، فدول الخليج تنتج 62% من مجمل الإنتاج العالمي ، ويوجد في منطقة الخليج 370 مليار برميل على الأقل من الاحتياطي النفطي ، وهو يعادل ثلثي احتياطي العالم ، وهذا هو الذي دفع الرئيس الأمريكي السابق نيكسون ليقول في مذكراته ( أصبحت الآن مسألة من يسيطر على ما في الخيلج العربي والشرق الأوسط ، تشكل مفتاحاً بيد من يسيطر على ما في العالم ) وقال ( إن منطقة الخليج كانت ذات يوم تنعم إلى حد كبير بخيال رومانتيكي أصبحت الآن تمسك مصير العالم بذراعيها أو برمالها بتعبير أدق ) .
    ويقول الرئيس كارتر ( لو أن الله أبعد النفط العربي قليلاً نحو الغرب لكانت مشكلتنا أسهل ) ، فهم يعانون حقاً مشكلة كبيرة، فمصيرهم معلق بتلك المنطقة ، وضمان أمن مصيرهم يكتنفه مخاطر جمة هم يرون أن تغلبهم عليها في هذا العقد ، لا يضمن تغلبهم عليها في العقد الذي بعده ؟ لذا فإنهم فكروا بحلول جذرية أو طويلة الأجل لا تنتهي بزوال صدام .
    مما سبق يتضح لنا أن التصريح بإنهاء التواجد العسكري الأمريكي بسبب زوال صدام، ما هو إلا إعلان ساذج لاستغفال الأمة، لا يصدقه إلا السذج ، التواجد العسكري الأمريكي في المنطقة ، يعد بالنسبة لهم تأميناً لأعظم مصالحهم الاستراتيجية والتي بزوالها سيزولون حتماً ، وليست أهمية المنطقة محط أنظار الأمريكيين قديماً فقط ، بل هي محط أنظار قوى العالم كلها ، قبل أمريكا ، بما فيهم حلفاء أمريكا الأوروبيون وحلفهم ( الناتو ) .
    أهمية المنطقة بالنسبة للأوروبيين قديماً : -
    ففي آواخر السبعينات الهجرية مطلع الستينات الميلادية ، قدم الرئيس الفرنسي الجنرال الشهير ( شارل ديغول ) دعوته لتأسيس ( مجلس إداري ) يقوم بمعالجة الأوضاع خارج المنطقة الأوروبية ، إلا أن الرئيس الأمريكي ( إزنهاور ) رفض هذا الاقتراح في حينه ، ويقول الداعون إلى تأسيس هذا المجلس أن الوضع الجديد في المنطقة ( البترولية ) يدعو إلى إقامة الاحتياطات اللازمة لاتخاذ القرارات السريعة دون اللجوء إلى المشاورات السياسية المطولة ، وتزايد بين أروقة حلف الناتو الإلحاح على تشكيل هذا المجلس ، بعد بروز النفط كسلعة حيوية بالنسبة للغرب لا يمكن أن يستغنوا عنها ، ووصل الإلحاح قمته بعد حرب رمضان مع اليهود عام 1393هـ 1973م ، واتخذ حلف الناتو قراراً مبدأياً في مطلع عام 1394هـ 1974م ، أثناء اجتماع وزراء خارجية الحلف في كندا ، وكان القرار الموافقة على توسيع رقعة اهتمامات الحلف خارج منطقة معاهدة شمال الأطلسي ، وبعد غزو السوفييت لأفغانستان عام 1399هـ 1979م ، صرح الحلف بأن الخطر الأساسي على الغرب لا يقع في أوروبا ، بل يقع في المناطق النفطية الحيوية وخطوط المواصلات إليها .
    بدأ بعد هذا القرار النقاش داخل حلف الناتو حول إنشاء قوات ( التدخل السريع ) ، ولم يكن أمام الحلف إلا ( قيادة القوات الحليفة المتحركة في أوروبا ) والتي تساهم في قيادتها سبع دول من أعضاء الحلف هي ( بلجيكا وكندا وألمانيا الغربية وإيطاليا و لوكسمبورغ وبريطانيا والولايات المتحدة ) وحجم هذه القوات هو لواء مشترك معزز ، وقد تم إنشاء هذه القوة عام 1380هـ 1961م لدعم قوات الناتو في الجناحين الجنوبي والشمالي داخل منطقة الحلف ، وكان من أول الداعين لتفعيل دور هذه القوة الجنرال البلجيكي ( روبرت كلوز ) الذي دعا إلى إعادة تنظيم هذه القوات وتقويتها وإعطائها مهام على الصعيد العالمي بما في ذلك حماية مصادر النفط .
    وكانت خيارات الحلف انحصرت بعد حرب رمضان مع اليهود عام 1393هـ وبعد أزمة النفط التي تلتها ، في خيارات واضحة ومحددة ، أهمها خياران .
    الأول : الدعوة إلى توسيع رقعة حلف الناتو جغرافياً بحيث تشمل كل المنطقة العربية، وقد تم رفض هذا الخيار لأسباب عديدة، أهمها أن معاهدة الحلف تعتبر معاهدة ( دفاعية ) ، ولا تتيح العمل الهجومي خارج حدود الحلف ، وهي جميع مناطق دول الحلف في أوروبا وشمال أمريكا ، بما في ذلك شمال المحيط الأطلسي والمنطقة الواقعة شمال مدار السرطان .
    ولكن في ظننا أن هذا الاعتراض قد زال الآن ، لأن الحلف قد غير معاهدته في القمة التي تلت انتصار الحلف على صربيا في أول عام 1420هـ 1999م ، فوسعوا المعاهدة لتشمل التدخل في أي مكان في العالم، دون الحاجة إلى الرجوع لمجلس الأمن ، إلا أن الدعوة إلى توسيع اهتمامات الحلف لتشمل حماية النفط ، لن يقف أمامها في هذه الأيام معاهدة الحلف بل سيقف أمامها أمريكا التي تسيطر على الحلف ، ولن تسمح لغيرها منازعتها على مناطق نفوذها .
    الثاني : إنشاء ( قوات تدخل ) غربية مشتركة ، لتتسلم الدور العالمي ، تنفصل هذه القوات عن قيادة حلف الناتو للتغلب على المصاعب السياسية ، ويمكن إدخال دول أخرى كاستراليا واليابان وغيرها ضمن هذه القوة ، وهذا الخيار هو الذي لاقى قبولاً بين الأعضاء ، وبدأت الطروحات تتوالى للبدء في تنفيذه من أجل حماية المصالح الغربية في المنطقة أو بالمعنى الأصح ( احتلال المنطقة من جديد ) ، وبدأ الحلف بما فيهم أمريكا وضع الخطط لمثل هذا الاحتلال.
    أمريكا تقطع الطريق على أوروبا وتعلن استعمار الخليج بإعلان مبادئها الأساسية فيه : -
    إلا أن أمريكا لم تكن لتدع غيرها ولو كانوا حلفائها بأن ينالوا شيئاً على حساب حصتها ، فأثناء طرح تشكيل قوة تدخل لحماية المنطقة بين أروقة ( الناتو ) ، أعلن ( جوزيف سيسكو ) مساعد وزير الخارجية الأمريكي عام 1393هـ 1974م ، ليقطع الطريق على الحلف بقوله ( بأن منطقة الخليج هي منطقة للولايات المتحدة فيها مصالحها السياسية والاقتصادية والاستراتيجية الهامة جداً جداً ) .
    وفي الوقت نفسه صرح ( جيمس نويس ) نائب وزير الدفاع الأمريكي ، وحدد مصالح أمريكا وأهدافها في المنطقة فقال إن أمريكا بحاجة إلى :
    1- احتواء القوة العسكرية السوفيتية ضمن حدودها الحالية .
    2- استمرار الوصول إلى نفط الخليج .
    3- استمرار حرية السفن والطائرات الأمريكية في التحرك من المنطقة وإليها .
    ويشرح ( جوزيف سيسكو ) مساعد وزير الخارجية الأمريكي السابق ، مبدأ تأمين النفط لدى الأمريكيين بأنه يتكون من ثلاثة عناصر أساسية .
    أولها : استمرار القدرة على تحصيل الواردات النفطية .
    ثانيها : وبأسعار معقولة .
    ثالثها : وبكميات كافية ، للوفاء بالاحتياجات الأمريكية المتنامية ، واحتياجات أصدقاؤهم الأوروبيين والآسيويين.
    ومبدأ تأمين النفط هو أكبر المهام العسكرية التي وضعت الولايات المتحدة جهودها العسكرية في المنطقة لخدمته ، وهي عازمة على التحرك في أي اتجاه أو صنع أي شيء مقابل هذا المطلب ، فعندما يسخر بعقولنا وزير الدفاع الأمريكي أو أحد من عملائه ويعلنوا بأن الحاجة انتهت من تواجد القوات الأمريكية بسبب زوال صدام ، فإننا لن نقبل بما أن الحفاظ على هذا المبدأ قائم وهو الركيزة الرئيسة للوجود العسكري الأمريكي في المنطقة رغماً عن الجميع .
    استعداد أمريكا ضرب الدول المصدرة للنفط إذا خرجت عن تعاليمها النفطية :-
    وحتى لو ضمنت الدول المنتجة للنفط تدفق النفط لأمريكا ، فهل سيرضي ذلك أمريكا ؟ ، كلا لن يرضيها فإنها تريد أسعاراً تناسبها وكميات كافية هي تحددها ولا أحد سواها ، فلا يمكن فصل أمن المنابع ، عن تدفق النفط بالسعر المناسب والكمية الكافية ، فتخفيض الإنتاج من قبل المنتج يؤدي إلى زيادة السعر ، مما يؤدي إلى الإضرار بالاقتصاد الأمريكي ، وهو مشابه تماماً لعملية احتلال عدو خارجي لمنابع النفط وإيقاف التصدير عن أمريكا ، فأمن النفط وسعره وكميته هم أمريكي لا يمكن المساومة عليه بحال حتى مع المصدرين أنفسهم ، يقول ( هنري كيسنجر ) وزير الخارجية الأمريكي في مطلع 1395هـ 1975م (بالرغم من أن أية خطوة عسكرية أمريكية في الخليج ستكون شديدة الخطورة ، فإنني لا أستطيع القول بأنه لن تطرأ ظروف على المنطقة ، تؤدي إلى استعمالنا لقواتنا العسكرية ، إن استعمال القوة العسكرية في حال الخلاف حول سعر النفط هو شيء ، لكن قيام محاولة حقيقية لخنق العالم الصناعي هو شيء آخر ) وهذا يعني أن أمريكا على استعداد لضرب منتجي النفط أنفسهم في حال اتباعهم لسياسات حيال السعر أو الكمية التي قد تؤدي إلى اختناق الدول الصناعية ، فالمحافظة على هذا المبدأ يقتضي شن حروب متواصلة لضمان هذه الركائز الثلاث ، فمن السخف تعليق الوجود الأمريكي بصدام ، رغم وضوح الأهداف الأمريكية والدوافع لهذا التواجد العسكري .
    ولا يستغرب تصريح ( كيسنجر ) السابق الذي أقر فيه استخدام القوة ضد المنتجين أنفسهم ، فقد جاء الأمر بأصرح من ذلك بعد أزمة النفط التي خنقت أمريكا عام 1393هـ حيث وضعت وزارة الدفاع البنتاغون و مجلس الأمن القومي في الولايات المتحدة خطة أطلق عليها اسم ( الظهران الخيار الرابع ) ، وهذه الخطة ترمي إلى احتلال حقول النفط السعودية في حال نشوب حرب ينجم عنها حظر عربي للنفط مرة أخرى ، وقد تركزت هذه الخطة على غزو حقل الغوار النفطي وهو يعد أكبر احتياطي نفطي في العالم ، وتم وضع الخطة التي تتولى الهجوم فيها تسع كتائب مشاه محمولة جواً ، تنطلق من ولاية ( نورث كارولينا ) الأمريكية ، وبحماية جوية إلى الخليج عن طريق القاعدة الإسرائلية ( حتسريم ) - واليوم لا تحتاج هذه الكتائب أن تنطلق من أمريكا ، بل إنها ستنطلق من العراق أو الكويت أو قطر - ، وتستولي هذه الكتائب على حقول النفط في الظهران بعد إجلاء الرعايا الأمريكيين ، ثم تزحف باتجاه حقل الغوار والسفانية في الصحراء ، بعد الاستيلاء على أرصفة الموانئ ومستودعات التخزين في رأس تنورة ، وتبدأ بالتمركز في المنطقة وزيادة القوات بإرسال كتيبة مشاه مدعمة للسيطرة على المنطقة ، وقد ذكرت الخطة بأن تنفيذ هذه المهمة أسهل بكثير من أي خطة أصغر منها حجماً في فيتنام أو كوبا ، وذلك لقلة الكثافة السكانية في المنطقة ، ولوجود الحقول النفطية في صحراء قاحلة ليس فيها أشجار أو جبال تعيق من التقدم فيها أو حمايتها .
    وجاء في مقدمة هذه الخطة كمبرر لها مقولة ( ليس أمامنا إلا الانهيار الاقتصادي ، أو الاستيلاء على السعودية في حال ظهور أية بوادر للخنق الاقتصادي ) ، وربما يعد هذا الدافع هو الذي دفعهم للعدوان على العراق دون مبرر يذكر ، وإذا لم يف العراق باحتياجاتهم ولم يتمكنوا من ضمان السعر المطلوب والكمية الكافية ، فربما يلتفتون إلى دولة أخرى قد تكون قطر أو السعودية أو الكويت التي ظهرت أصوات أمريكية رسمية بضرورة ضم الأخيرة إلى العراق ، والتحرك العسكري الأمريكي الأخير دون تنسيق ظاهر مع حكومات المنطقة يثير الشكوك تجاه ذلك .
    وليست خطة غزو حقول النفط السعودية واحتلالها والسيطرة عليها ، خطة قديمة تم التخلي عنها ، بل إنها لا زالت خياراً يطور ويخطط له بكل السبل ، وفي جلسة للكونجرس بعد الذكرى الأولى لضربات سبتمبر ، أعيد طرح مشورع احتلال السعودية وتقسيمها إلى ثلاث كانتونات ، تكون المنطقة الشرقية فيها دولة نفطية ديمقراطية مستقلة تحت السيادة والحماية الأمريكية ، وطرحت مشاريع كثيرة تنادي بمثل هذه الحلول الجذرية ، كما عبروا عنها ، ونظن أن العدوان على العراق هو أحد مراحل هذه الخطة الجذرية .
    هذا هو الدافع للتواجد العسكري الأمريكي من الناحية الاقتصادية ، وليس الدافع الوحيد فالدوافع الاقتصادية كثيرة لا نطيل بسردها .
    الدافع السياسي الأكبر للتواجد العسكري الأمريكي في المنطقة :-
    إلا أنه الدوافع من الناحية السياسية يبقى على رأس الهرم فيها تحقيق حلم ( إسرائيل الكبرى ) ، و هو أهم الركائز العقدية والسياسية للتواجد الأمريكي في المنطقة ، وقد ذكرنا شواهد على ذلك في الحلقة الماضية ، وفي الحلقة الثانية أيضاً ، ونورد هنا لتأكيد ذلك مقولة واحدة للرئيس الأمريكي السابق ( نيكسون ) في كتابه نصر بلا حرب حيث قال ( نرى أن صراع العرب ضد اليهود يتطور إلى نزاع بين الأصوليين الإسلاميين من جانب ، وإسرائيل والدول العربية المعتدلة من جانب آخر ، ومالم تتغلب هذه الأمم على خلافاتها وتعترف بأنها تواجه خطراً شديداً يهددها فربما سيظل الشرق الأوسط هو المنطقة الأكثر احتمالاً للانفجار في العالم ) .
    ويتفرع عن تحقيق حلم ( إسرائيل الكبرى ) وأمنها ، ضمان عدم وصول الإسلاميين إلى أية سلطة في المنطقة ، أو تحركهم بما يؤثر على سياساتهم ، فهذا مطلب أمريكي استراتيجي ملح ، فبرغم التطاحن بين الصليبيين وفي طفرة الحرب الباردة ، بين الاتحاد السوفيتي وأمريكا عام 1405هـ 1985م ، إلا أن هذا لم يكن كافياً لنسيان حربهم للإسلام ، فقد صرح الرئيس الأمريكي السابق ( نيكسون ) ، بعد تولي ( جورباتشوف ) لرئاسة الاتحاد السوفيتي ، كما نشرت مجلة الشئون الخارجية قال ( يجب على روسيا وأمريكا أن تعقدا تحالفاً حاسماً لضرب الأصولية الإسلامية ) ، وفي كتابه نصر بلا حرب يؤكد ( نيكسون ) (بأن واجب الولايات المتحدة ورسالتها في الحياة هي زعامة العالم الحر ، الذي يجب بدوره أن يتزعم العالم ، وأن الوسيلة الوحيدة لهذه الزعامة هي القوة ، وأن العدو الأكبر في العالم الثالث هو الأصولية الإسلامية) .
    مبدأ نيكسون :-
    كما أن تأمين بقاء حكومات المنطقة لابد أن يكون على رأس الأولويات من الوجود العسكري الأمريكي ، وكان هذا هو مفهوم ( مبدأ نيكسون) الذي جاء بعد هزيمتهم في فيتنام، وفشل تدخلهم المباشر لنصرة حلفائهم هناك ، فأفرز هذا الوضع (مبدأ نيكسون ) الذي أكد على ( أن الدول المهددة من قبل الخطر الخارجي عليها أن تقدم القوة البشرية والقدرة العسكرية للحفاظ على أمنها ، في حين أن أمريكا تقوم بتقديم الدعم العسكري لها بما ينسجم مع التزاماتها ومتطلباتها الأمنية ) ، وهذا هو المبدأ الذي برر لإدارتي ( نيكسون ، وفورد ) تزويد دول الخليج بكميات من الأسلحة والمعدات الخاصة ، كما حصل مع نظام شاه إيران الذي كان يعد ليكون شرطي المنطقة .
    ويشرح ( نيكسون ) الرئيس الأمريكي السابق مبدأه في مذكراته فيقول ( وبدلاً من تبدل الوجود البريطاني بوجود أمريكي مباشر ، عمدت الولايات المتحدة الأمريكية إلى الاعتماد على قوى محلية وهي إيران والعربية السعودية بالدرجة الأولى ، لتوفير أمناً للخليج ، وذلك عندما قمنا بتقديم المساعدات والعون العسكري ، وقد سارت سياسة العمودين بشكل معقول إلى أن انهار أحدهما وهو إيران عام 1399هـ 1979م ) .
    ثم لخص ( نيكسون ) نظرته بأن يحل العراق محل إيران لدعم التوازن في المنطقة ، والتأكيد على الحاجة إلى وجود عسكري مباشر ، وقال ( وبما أن النفط ضرورة وليست حاجة كمالية للغرب ، فإن على الولايات المتحدة وحلفائها في أوروبا واليابان أن يجعلوا تقديم المساعدات الاقتصادية والعسكرية لحكومات المنطقة أفضلية ، ويولوا هذا الأمر أولوية في اهتماماتهم ، وذلك لصد أي عدوان عليها داخلياً كان أو خارجياً ، وينبغي علينا أن نكون على استعداد وراغبين في اتخاذ أي إجراءات بما في ذلك الوجود العسكري القوي وحتى العمل العسكري ، ومن شأنها أن تحمي مصالحنا وينبغي علينا أن نكون على استعداد بتأييد أقوالنا بالأفعال ، وقال إن إعلان مبدأ العظمة بأن الولايات المتحدة ستقاوم أي تهديد للمنطقة بالرد العسكري لن يعدو أكثر من كونه مدفعاً فارغاً مالم يكن لدينا قوات في موقعها لكي تجعل تعهدنا محطاً للثقة به ، وإنه لمن الضرورة بمكان أن يكون للولايات المتحدة وسائل أساسية بحيث تساعدنا على عرض قواتنا بشكل مقنع في المنطقة وأن ترد بشكل سريع على أية تهديدات مفاجئة ، وقال : يجب أن نؤكد وبشكل واضح لا غموض فيه لزعماء العربية السعودية وعمان والكويت والدول الرئيسة الأخرى في المنطقة بأنه في حال تهديدها من قبل القوات الثورية سواءً كانت تهديداً من الداخل أو الخارج ، فإن الولايات المتحدة ستقف إلى جانبهم بكل حزم وهكذا لن يعانوا المصير الذي لقيه الشاه ) وهذا هو ملخص ما عرف بمبدأ نيكسون .
    مبدأ كارتر :-
    وبعد سقوط نظام الشاه والغزو السوفيتي لأفغانستان ، برز طرح جديد للرئيس الأمريكي ( كارتر ) آنذاك وهو ما عرف فيما بعد ( بمبدأ كارتر ) والذي قال فيه ( تعتبر الولايات المتحدة أية محاولة سوفيتية تستهدف السيطرة على منطقة الخليج ، اعتداء على مصالحها الحيوية ، وستقوم بالرد على مثل هذا العدوان ، بشـتى الوسائل لديها بما في ذلك القوة المسلحة ) .
    وهذا المبدأ هو الذي أبرز لدى أمريكا ضرورة إيجاد قوة تتمتع ( بالتدخل السريع ) في المنطقة ، وركز الطرح الأمريكي الذي تبنى تطوير ( مبدأ كارتر ) على أن الأهداف الأساسية من تواجد أو استعمال القوة العسكرية هو ( الردع ) فقط لأي تدخل خارجي ، دون إعلان لأي أهداف أخرى ، علماً أن المعضلة التي رفض الأمريكيون طرحها كمشكلة للتداول هي كيفية ( تأمين النفط ) من الأخطار الداخلية ، أي من المنتجين أو شعوب الدول المنتجة ، فهي الخطر الحقيقي والأقرب التي أصيبت به أمريكا من جراء إيقاف تصدير النفط لها بعد حرب رمضان ، لأن قوة الردع النووية لا تناسب ردع خطر شعوب الدول المصدرة ، وتقوية الأنظمة لضمان مصالحها قد ينقلب ضدها ، وإحلال الديمقراطية وتداول السلطة لا يضمن لها الاستقرار لأن الإسلاميين سيصلون من خلالها ، وابتعاد أمريكا عن الحكومات المصدرة لا يساهم في تأمين النفط ، سواء من حيث السعر المناسب أو الكمية الكافية ، هذه المعضلة هي التي طرحت مبدأ قوات ( التدخل السريع ) في المنطقة .
    حتى أن ( نيكسون ) نفسه تخلى عن ما عرف ( بمبدأ نيكسون ) فيما بعد ، ليتحول إلى مناصر ( لمبدأ كارتر ) ، عندما اتضح صعوبة اعتمادهم على أحد في المنطقة ، فيقول مؤكداً لذلك في كتابه نصر بلا حرب ( إن الولايات المتحدة هي الآن الدولة الوحيدة التي يمكنها حماية المصالح الغربية في الخليج الفارسي ، وليس هناك أية دولة من دول الخليج الموالية للغرب قوية بالقدر الكافي للقيام بذلك ، كما لا تتوافر لأي من حلفائنا الأوروبيين القوة أو الرغبة في أن يقوم بذلك ، وينبغي لنا أن نعمل على الجبهة العسكرية لتسحين قدرتنا على إبراز القوة الأمريكية في الخليج ، وقد حققنا تقدماً هاماً في هذا المجال ، فقد أنشأ الرئيس كارتر قوة الانتشار السريع ، وعزز الرئيس ريغان وضعها بتحويلها إلى قيادة مركزية ، واعتمد الكونجرس مليارات الدولارات لقواتها ، وقال يستحيل على الولايات المتحدة أن تتدخل في الخليج الفارسي بدون أن تتوفر لها إمكانية الحصول على قواعد جوية في المملكة العربية السعودية ودول الخليج الأخرى الأصغر ، إننا في حاجة إلى وضع قوات جوية في قواعد هناك حتى يمكن أن نحمي قواتنا البرية عند قيامها بإنشاء رأس جسر وبدون تفوق جوي ستصبح أي عملية إنزال أمريكية في الخليج الفارسي تكراراً لعملية الإنزال البريطانية في غاليبولي أثناء الحرب العالمية الأولى ) .
    أول تاريخ لطرح فكرة قوات التدخل السريع وتطوراتها :-
    وليس ( مبدأ كارتر ) هو صاحب فكرة قوة ( التدخل السريع ) ، ولكنه هو المبدأ الذي دفع إلى إحياء فكرة قوة ( التدخل السريع ) القديمة ، و يعود تاريخ طرحها ، إلى أواخر السبعينات الهجرية أوائل الستينات الميلادية ، عندما طرح ( روبرت ما كنمارا ) وزير الدفاع الأمريكي آنذاك ، مبدأ ( الرد المرن ) بدلاً من مبدأ ( الرد الشامل ) النووي ، الذي ساد في عهد (إيزنهاور ودالس ) ، فقال ( بأن نظرية الرد الشامل لم تعد تفي بالغرض المطلوب ، في حال نشوب أزمة أقل حدية من الأزمات النووية والمواجهات الشاملة مع الاتحاد السوفيتي ، ويرتكز مبدأ ( الرد المرن ) على توسيع القدرات القتالية التقليدية - أي غير النووية - لمجابهة الحركات التمردية ، أو الحروب الشعبية أو الأزمات المحلية المحدودة ، وطرح إنشاء قوات ضاربة تقليدية متحركة تستطيع التدخل في المناطق النائية وبسرعة وفعالية ) ، إلا أن اقتراحه هذا رفض من قبل الكونجرس الأمريكي في وقته .
    وبعد أزمة الطاقة عام 1393هـ 1973م أثارت هذه الأزمة النقاش حول هذا الطرح ، الذي كان بمثابة العلاج لخطر فقدان السيطرة الأمريكية على مصادر النفط .
    وحاول ( كيسنجر ) عندما كان وزيراً للخارجية الأمريكية عام 1394هـ 1974م بحث إمكانية قيام قوة أوروبية أمريكية لحماية مصادر النفط ، إلا أن حلف (الناتو ) رفض ذلك لأسباب سبق ذكرها ، وبعد استلام الرئيس ( كارتر ) السلطة عام 1396هـ 1976م بعث فكرة ( قوات التدخل ) من جديد ، عن طريق مبدئه .
    ويرجع أول نقاش مخصص لمهام وتشكيل وتنظيم قوات (التدخل السريع ) في الكونجرس إلى شهر ربيع الثاني لعام 1401هـ 1981م ، ويأتي هذا النقاش المخصص بعد أن مرت قوات ( التدخل السريع ) بمراحل عديدة منذ أن قررت إدارة الرئيس السابق ( كارتر ) إنشاء هذه القوة عام 1397هـ ثم قامت بالخطوة الأولى عام 1399هـ ، حتى تبلورت الفكرة بشكل كامل من جميع جوانبها ، ودفعت أحداث المنطقة كسقوط الشاه والغزو السوفيتي إلى المسارعة باتخاذ الخطوات العملية لتفعيل هذه القوة ، وقد دفعت هذه التطورات وزير الدفاع الأمريكي ( كاسبر واينبرغر ) آنذاك أن يقول أمام لجنة الدفاع والشئون الخارجية التابعة للكونجرس في شهر ربيع الثاني لعام 1401هـ ( بأن الحاجة باتت ملحة لاحتفاظ الولايات المتحدة لوجود دائم لقواتها في مناطق النفط وحول طرق مواصلاته ) .
    وقد وضعت أمريكا حلولاً أخرى تكون بديلة أو مساندة لهذه القوة ، وكان من أفضلها إيجاد قوات حليفة في المنطقة تقوم بدور الحارس على المصالح الأمريكية ، إلا أن أمريكا لا يمكنها أولاً أن تتكل على وكيلها ، ثم إن تكاليف إنشاء هذه القوات يحتاج إلى مبالغ ضخمة ليتم إنشاؤها من الصفر ، لا سيما أن الخشية من قيام نظام جديد يعقب أو يطيح بالوكيل ، يهدر جميع التجهيزات العسكرية الأمريكية في ليلة واحدة وربما تستخدم ضدها فيما بعد .
    وكان من ضمن الحلول طرح صيغة للتعاون الأمني المحلي على مبدأ ( نيكسون ) ، تقدم ( هارولد براون ) باقتراح إمكانية قيام حلف عسكري محلي سماه ( ميتو ) على طراز ( ناتو ) ، عرضه على دول المنطقة التي لم تتجاوب مع هذا العرض .
    فلم يكن من أمريكا إلا أن تمضي قدماً وبكل قوة نحو إنشاء قوات ( التدخل السريع ) ، وهو الرد الأمريكي العملي والعملياتي الأفضل بالنسبة لهم للمعطيات الاستراتيجية التي تواجهها المنطقة .
    علماً أن اعتمادهم على قوات ( التدخل السريع ) لا تعني أن خيارات البدائل قد سقطت أو أهملت ، فهم قد استخدموا البدائل ، بحسب الحاجة لها ، وعلى قدر محدود ، فالتعاون الأمني والدفاعي المشترك لم يتم باسم ( ميتو ) ولكنه تم إلى حد ما باسم ( مجلس التعاون الخليجي ) ، والقوات الحليفة حصلت مع شاه إيران والسادات وأخيراً مع صدام قبل أن يتمرد عليهم ، فالحلول الأخرى سوف تستخدم ولكن بقدر محدود ، مع التأكيد على أن قوة ( التدخل السريع ) هي المرتكز لتنفيذ جميع المتطلبات الأمريكية في المنطقة .
    تعداد القواعد الأمريكية في العالم :-
    ولم يكن طرح إنشاء قوات ( التدخل السريع ) بالنسبة لأمريكا ، طرحاً عاماً للتدخل في جميع العالم ، ولكن الطرح لهذه القوات هي أن تخصص فقط للمنطقة ، وتكون على أهبة الاستعداد للنزول في المنطقة أو التمركز فيها ، فقد بلغت القواعد الأمريكية قبل طرح مشروع ( التدخل السريع ) ، وتحديداً في عام 1396هـ 1976م ، حوالي 300 قاعدة ومنشأة عسكرية في العالم، تتوزع هذه القواعد على 30 دولة لتأمين مصالحها ، ويقدر عدد العسكريين في تلك القواعد والمنشآت في العالم بحوالي 463 ألف جندي ، قبل أن تنحسر حيث كانت تبلغ 504 آلاف جندي في عام 1395هـ ، وصرح وزير الدفاع الأمريكي ( باول ) في أول شهر ربيع الأول لعام 1411هـ أن الولايات المتحدة أغلقت 150 قاعدة في أوروبا نهائياً ونقلتها إلى الخليج بعد أن ظلت هناك 45 سنة ، وإذا كانت أمريكا أغلقت 150 قاعدة في أوروبا بعد حرب الخليج الثانية ، لتنقلها إلى قواعدها الجديدة السرية في الخليج على الأراضي الكويتية والقطرية والسعودية والعمانية والبحرينية والإماراتية ، فكم ستغلق من القواعد حتى تنقلها إلى العراق ؟ التي ترى أنها حررتها بدماء أبنائها ، وهي التي لن تراعي أحداً بالتواجد العلني لها في العراق .
    القواعد الأمريكية في المنطقة وأساليب عملها ، وأساليب قوات التدخل السريع :-
    وبعد إنشاء قوات ( التدخل السريع ) يعتبر التواجد العسكري الأمريكي في المنطقة حالياً أضخم تواجد عسكري مباشر منذ عام 1400هـ 1980م ، وهو يشكل طوقاً حصارياً للمنطقة من جميع جوانبها البرية والبحرية ، فهي تتمركز بأكبر من عشرين قاعدة في تركيا وحدها ، ولها قواعد في ليونان والحوض الشرقي للبحر الأبيض المتوسط ، مروراً بمصر والقرن الأفريقي وأهمها كينيا ، وحتى بحر العرب والبحر الأحمر ومياه الخليج ، ولها قواعد و تسهيلات في عمان والكويت وقطر والسعودية والبحرين والإمارات والعراق والأردن ، وأهمها فلسطين برعاية الصهاينة ، وتنتشر القوات البحرية الأمريكية بشكل عام في كافة المياه المحيطة بالمنطقة ، امتداداً من مضيق جبل طارق غرباً وحتى شبه القارة الهندية شرقاً ، ويشكل الأسطولان السادس والسابع أساس القوات الأمريكية المعدة للعمل في هذا الجزء من العالم ، والأسطول السادس هو بصورة تقليدية وتاريخية القوة العسكرية الأمريكية المخصصة للتماس المباشر مع مسرح عمليات المنطقة ، والأسطول الخامس هو القوة المخصصة للعمل في البحر الأبيض المتوسط ، وهي تمتد في الواقع من اليابان وجنوب شرقي آسيا وحتى شرق المحيط الهندي ، فله علاقة بشرقي المنطقة أي منابع النفط الواقعة في الخليج ، وقاعدة تمركز هذا الأسطول في ميناء ( يوكوسوكا ) في اليابان .
    وتعد القواعد الأمريكية في سلطنة عمان من أخطر القواعد على المنطقة من الناحية الاقتصادية ، فهي التي تسيطر على مضيق هرمز ، وهو المضيق الذي يمر عبره 95% من نفط الخليج خارجاً إلى العالم ، وتحكّم أمريكا في هذا المضيق ولو لم تشن حرباً ، فبإمكانها خنق دول الخليج اقتصادياً ، وهي الدول التي تعتمد على النفط بنسبة تفوق 98% ، ولسوء تدبير هذه الدول ، فإنها لم تحاول زيادة نسبة اعتمادها الاقتصادي على غير النفط , كما أنها لم تحاول إيجاد حلول أخرى تغنيها عن الاعتماد على مضيق هرمز ، وقد نلتمس لها العذر بأنها أصلاً لا تملك من أمرها شيئاً ، والذي يوجه استراتيجياتها العسكرية والاقتصادية والسياسية والدفاعية والأمنية هي أمريكا ولا غير أمريكا .
    ومهام العمل العسكري الأمريكي في قواعدها في المنطقة هي :
    أولاً : تعزيز القوات الأمريكية المتمركزة مسبقاً في مسرح العمليات ، وتحويلها من قوات إثبات وجود ، إلى قوات قتالية .
    ثانياً : تأمين قواعد وتسهيلات جديدة للقوات الأمريكية العاملة في المنطقة ، أو التي يمكن أن تحرك إلى المنطقة في الحالات الطارئة .
    ثالثاً : تحقيق مبدأ الوجود العسكري الدائم في جميع دول المنطقة لتضع كل دولة على حدة أمام الأمر الواقع ، وسياسة الأمر الواقع حولت سياسة دول المنطقة من الرفض الجماعي للتواجد العسكري الدائم على أراضيها ، إلى المطالبة بتواجدها لتحقق سبقاً على بقية دول المنطقة ، وبدأ يبرز تساؤل لدى قيادات الدول ، وهو إذا لم أقبل أنا بالتواجد ، فسوف تقبل دول المنطقة الأخرى وتنال الامتيازات ، فبدأت دول المنطقة بالتنافس على تقديم التسهيلات للقوات الأمريكية ، وهذا ما سبب الأزمة الأخيرة بين السعودية وقطر .
    رابعاً : إنشاء مخازن للمعدات والأسلحة الأمريكية لتسهل من عملية الانتشار السريع في المنطقة ، ففي حال تخزين الآليات والمعدات الثقيلة والعرابات العسكرية وجميع الاحتياجات للقوات في دول المنطقة ، فإن هذا مما سيقلل الكلفة والوقت والمجهود في حال الانتشار لحدوث أي طارئ ، حتى ولو كان ضد الدول المصدرة نفسها ، لذا فإن إنشاء هذه المخازن تم عبر وضع استراتيجيته من الأمريكيين بحذر في جميع دول المنطقة ، بحيث لا تقع هذه المخازن في أيدي دول أو جماعات معادية في حال الانقلاب على الأمريكان ، فعملت على تخزين المعدات والعربات التي تحتاج إلى العنصر الأمريكي لتشغيلها وصيانتها ، وتم إنشاء هذه المخازن في مناطق بعيدة يمكن للقوات الأمريكية عزلها و السيطرة عليها حتى ولو رفضت الدولة المضيفة ذلك ، أو كانت هي المستهدفة .
    خامساً : تطوير القدرات الاحتياطية المركزية الموجودة في الأراضي الأمريكية نفسها ، والمخصصة للعمل بصورة سريعة وطارئة.
    سادساً : إبقاء السيطرة الدائمة على كل دولة عن طريق القواعد التي فيها ، فالقواعد العسكرية في كل دولة مناط بها ضمان السيطرة على الدولة المضيفة ، وجمع المعلومات الكافية عنها ، وعدم إعطائها الفرصة للاستغناء عن أمريكا أو تشكيل قوة حقيقية تهدد الوجود الأمريكي أو إسرائيل .
    ما سبق ذكره هي بعض أهم المهام المناطة بالقواعد العسكرية في المنطقة ، ولكن ما هي الأساليب التي يمكن من خلالها تفعيل هذه القواعد التابعة لقوات ( التدخل السريع ) ، لتكون كرأس جسر لأي عمل عسكري لهذه القوة ؟ نقول إن هناك أسليب متعددة من الناحية العملياتية التكتيكية لتحقيق هذا الغرض ، ولكن نقتصر على الأساليب الاستراتيجية فنذكر : -
    أولها : التدخل بواسطة القوات الأمامية الموجودة في المنطقة أو على مقربة منها .
    ثانيها : التدخل بواسطة القوات المتحركة من أمريكا إلى المنطقة .
    ثالثها : التدخل بواسطة وحدات ( مركزية عملياتية ) موجودة في مناطق داخل وخارج الولايات المتحدة خاضعة للقيادة الأمريكية المركزية .
    رابعها : التدخل بواسطة القوات الاستراتيجية المركزية مثل الطائرات الاستراتيجية أو الصواريخ بعيدة المدى.
    ونلاحظ أن هذه الأساليب كلها استخدمت في العدوان الأخير على العراق ، وهذا يعني أن أمريكا كانت قد رمت ما في جعبتها على مستوى الحرب التقليدية ، فلو أنها فشلت فإنها لن تتوانى في الدخول في حرب غير تقليدية .
    وتعد قوات ( التدخل السريع ) للمنطقة هي رأس الحربة للقوة العسكرية الأمريكية ،وصلب تكوين قوات ( التدخل السريع )، هو الفيلق 18 المحمول جواً ، والذي يتكون من الفرقة 82 المحمولة جواً والتي يبلغ قوامها 15.200جندي ، والفرقة 101 المحمولة جواً ويبلغ قوامها 18.900جندي ، وتتألف هاتان الفرقتان من وحدات للمشاة ذات التسليح الخفيف ، دون المدرعات أو المدفعية الثقيلة أو دبابات القتال الرئيسة ، ويمكن نقل الفرقة 82 من أمريكا إلى المنطقة في مدة لا تتجاوز أسبوعين على الأكثر ، عبر طائرات الشحن الضخمة ( سي 5 غلاكسي ) التي تبلغ حمولتها 100 ألف كلغ من العتاد على الأقل ، وطائرات ( سي 141 ستار ليغتر ) الثقيلة التي تبلغ حمولتها 32 ألف كلغ على الأقل ، وطائرات ( كي سي 135 ) وهي طائرات صهريج تستطيع تموين طائرات النقل بالوقود خلال الطيران مما يقلل من ضرورة الاعتماد على قواعد ثابتة ، علماً أن هناك مشروعاً أمريكياً لقوات الانتشار السريع لاستخدام الطائرات المدنية لنقل القوات في حال الاضطرار .
    كان ما سبق ذكره هو تعداد لفرقتين من قوات ( التدخل السريع ) فقط ، ولكن ليس هذا هو تعداد قوات ( التدخل السريع ) في المنطقة ، فتعدادها عند بداية إنشاء المشروع في عهد ( كارتر ) كان يتراوح من 100 ألف إلى 110 آلاف جندي ، وهو ما يمثل ما أسماه رئيس أركان الجيش الأمريكي آنذاك ( برنارد روجرز ) ( الفيلق المستقل ) ، ثم صرح الجنرال ( كيلي ) قائد قوات التدخل للمرة الأولى في أول القرن الهجري الحالي أن حجم القوات سيصل إلى 200 ألف جندي من مختلف فروع القوات ، حتى استقر في نهاية الأمر على 200 ألف جندي ، بالإضافة إلى 100 ألف جندي احتياطي من مختلف التشكيلات العسكرية عام 1410هـ، خصصت لدعمه أكثر من 200 طائرة من مختلف الأنواع،وربما يكون تعداد وتسليح قوات (التدخل السريع ) قد زاد بعد بداية الحملة الصليبية الجديدة قبل سنتين من الآن.
    كل هذه المشاريع ، والتجهيزات ، والخطوات القديمة ، والخطط الماكرة ، والأعداد الكبيرة ، والتسليح والعتاد ، الذي دفع إلى المنطقة ، لم يكن كافياً لإقناع البعض أن المنطقة مستعمرة أمريكية ، و يظن بعض السذج أن الضربات الجهادية لأمريكا هي التي تسببت بهذا الحشد ، وهي خطط بدأت شرارتها الأولى قبل أن يولد الشيخ ابن لادن بأكثر من عشرين سنة تقريباً ، ثم يأتي بعض السذج ويقول التسلط الأمريكي على المنطقة لم يحصل إلا بسبب ضربات سبتمبر !! ، وكأنه يخاطب أطفالاً لا يعرفون التاريخ ، والأكثر منه سذاجة ذاك المنطق الذي يظن أن هذه الحشود جاءت من أجل صدام وأنها سترحل برحيل صدام ، ونحن نقول إن قدومهم إلى المنطقة قديم قدم قوتهم ، وقد جاء هذا الاحتلال منذ خمسة عقود ليكون قدوماً دائماً ، ولن يخرجهم من المنطقة إلا الجهاد ، ومنع سرقتهم لنفطنا وتهديد مصالحهم ، لقد جاءوا كقوات احتلال لا يمكن أن تخرج إلا جثثاً هامدة ، فهم عازمون على البقاء أبداً ، يقول وزير الدفاع الأمريكي ( باول ) في أول شهر ربيع الأول لعام 1411هـ عندما سئل عن مدة بقاء القوات في السعودية قال ( لسنا على استعداد أن نأتي كل 10 سنوات لحل مشكلات المنطقة ؟ وأضاف أن ذلك مرهون باستقرار المنطقة ) وحتى الآن لم تستقر المنطقة ولن تستقر بما أنهم فيها .
    ويأتي هذا التصريح من وزير الدفاع الأمريكي بعد أسبوعين من تصريح وزير الخارجية الأمريكي ( بيكر ) الذي أفاد بأن بقاء القوات الأمريكية في المنطقة والتي فاقت وقت تصريحه 350 ألف جندي ، أنه مرهون باستقرار المنطقة ، علماً أن مصطلح ( استقرار المنطقة ) اصطلاح مطاطي يمكن أن يسبغ أو ينزع من أية منطقة حسب الخطة الأمريكية .

    لا زال خداعهم لشعوب المنطقة مستمراً بسرعة إزالة التواجد الأمريكي من المنطقة :-
    وبنفس تلك التصريحات التي خدع بها المغفلون قبل ثلاثين عاماً عن تمركز القوات الأمريكية ورحيلها السريع من المنطقة ، تردد نفس التصريحات من نفس الأشخاص أيضاً وتصدق ، فخروج آلاف من الجنود من قاعدة في وسط السعودية إلى قاعدة أخرى في شمالها أو شرقها بشكل سري ، يعده المغفلون تغيراً في الاستراتيجية الأمريكية ، أو انحساراً لنفوذها أو هيمنتها على المنطقة ، أو دليلاً لحسن نواياها وحبها للسلام ، ويمكن أن يحصل خروج كامل للقوات الأمريكية من السعودية أو من أية دولة في المنطقة، في حالين في حال قيام جهاد يرهبهم ، أو في حال حاجتهم لإجلاء رعاياهم لشن هجوم عسكري من دول مجاورة كالعراق ضد السعودية ، كما حصل للعراق عندما شن الهجوم عليها من السعودية ، والأيام دول .
    نعود ونقول إن خداعنا استمر لقرون مضت ، والأغرب من ذلك أنه خداع يمارس من نفس الأشخاص القدامى وبنفس العبارات ، مثل ( كيسنجر ) وزير الخارجية الأمريكي الأسبق ، الذي حث يوم الجمعة الماضية 16/2/1424هـ في مقابلة له مع صحيفة ( ماروك إيبدو ) المغربية ، ( حث الدول العربية إلى التحرك بسرعة للمشاركة في عملية إعادة إعمار العراق ) ، نعم إعمار العراق بعد أن دمرها الغزو الصليبي ، فهم يدمرون ويقتلون وعلى الحكومات العربية التي سمحت للتدمير والقتل أن ينطلق من أراضيها ، عليها أن تجبي الأموال من شعوبها لتعمير ما دمره الصليبيون وعلاج من جرحوه ، وكفالة من يتموها ورملوه ، يأتي كيسنجر وبكل صفاقة ويقول ( على الدول العربية أن تتحرك بسرعة لإعادة إعمار العراق !! ، مؤكداً أنه ليس من مصلحتها البقاء على هامش التجربة ) ، نعم الدخول في صلب التجربة هو بتعمير ما دمره الصليبيون !! ، وقال ( إن بناء العراق ليس شأناً أمريكيا فقط !! ) ، وأضاف قوله وهو الشاهد من نقلنا لكلامه ( إن الولايات المتحدة لا تستطيع البقاء لأكثر من سنتين في العراق ) ، ونحن نقول ولكن ما هو السبب لاستعجال خروجها ؟ ، فقال ( خشية ازدياد العداء الشعبي العربي لها ) ، ونقول عذر أقبح من ذنب ، فعندما شنت الحرب وقتلت الآلاف لم تخش ازدياد العداء ، وعلى كل حال فإن تصريحه ببقائهم لسنتين سيتمدد إلى عشرين سنة ومن سيحاسبهم لو مددوا ، إذا لم يحاسبهم المجاهدون ؟ .
    وعلى نفس السياق يصرح وزير الدفاع الأمريكي ( دونالد رامسفيلد ) أثناء زيارته لإيرلندا يوم السبت الماضي 24/2/1424هـ ( أن الولايات المتحدة تخطط للبقاء في العراق وأفغانستان حتى تشكيل حكومة ديمقراطية واسعة التمثيل ) ، ولكن المشكلة من يحدد أن هذه الحكومة أو تلك بلغت المستوى الديمقراطي ، والتمثيل الموسع الذي ينشده الأمريكيون ؟ الإحالة على شرط مجهول يفيد باستحالة حصول المشروط .
    وقال الوزير في لقاء له مع قناة ( الجزيرة ) الفضائية ( أن الولايات المتحدة لا تنوي الاحتفاظ بقواعد عسكرية على المدى الطويل في العراق ) ، ولكن لو قرروا البقاء على المدى الطويل فهل ستمانع دول المنطقة التي تتسابق على تثبيت القواعد الأمريكية عندها لمدة أطول ؟ .
    ويفيد مخططون بوزارة الدفاع الأمريكية ( البنتاغون ) أن هناك على الأرجح حاجة لبقاء قوة قوامها 125 ألف جندي تساعد في إرساء الاستقرار في العراق لمدة سنة على الأقل ، حتى يتم تشكيل حكومة عراقية جديدة تبدأ مهامها وتوفر الأمن ، ونلاحظ أن هذا العدد يعادل 63% تقريباً من قوات ( التدخل السريع ) المحددة للمنطقة ، فتمركزها في العراق يغني عن انتشارها في كل دول المنطقة ، وربما هذا هو أحد أسباب الاستغناء عن قاعدة سلطان ، ولكن إذا انتهت السنة ولم تشكل الحكومة المنشودة التي تبدأ مهامها وتوفر الأمن ماذا سيكون القرار ؟ .
    يجيب الأميرال المتقاعد ( أرثر تشبروفسكي ) مدير مكتب تحويل القوة في وزارة الدفاع الأمريكية ، على هذا التساؤل فيقول ، ( إن الولايات المتحدة ترى في نهاية الحرب على العراق فرصة لإعادة انتشارها العسكري في أنحاء العالم ، تقود إلى تغيير كبير في القواعد الأمريكية في أوروبا وآسيا ، - وكأنه يرمي إلى نقل تلك القواعد إلى العراق - ، وهي القواعد - أي في آسيا و أوروبا - التي تشكل السمة الرئيسة للقوات العسكرية الأمريكية خارج الولايات المتحدة ، وقال عند الخروج من حرب مثل تلك التي خضناها في العراق فمن السذاجة افتراض أن تعود الأمور كلها إلى الوضع السابق ) .
    وقال عضو جمهوري بارز بمجلس الشيوخ يوم الأحد 25/2 ( أن الأمر قد يستغرق خمس سنوات على الأقل قبل أن تقوم حكومة جديدة وتباشر عملها في العراق ) .
    وقال السناتور ( ريتشارد لوجار ) رئيس لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ وهو جمهوري في مقابلة مع شبكة ( سي إن إن) ( أعتقد أن علينا أن نفكر في فترة من الوقت لا تقل عن خمس سنوات ) .
    وقال السناتور الجمهوري ( بات روبرتس ) رئيس لجنة الاستخبارات بمجلس الشيوخ ( إن الولايات المتحدة سيكون مطلوباً منها الإبقاء على وجود لها في المنطقة ) ، وقال : لمحطة فوكس نيوز التلفزيونية ( جئنا لنبقى ) وأضاف : ( أتذكر عندما أشار الرئيس ( بيل كلينتون ) إلى أننا سنكون في البلقان لنحو عام ، والآن مرت عشر سنوات ونحن هناك وما زلنا في حاجة للبقاء هناك ) .
    ويجيب على تساؤلنا السابق ( بول وولفيتز ) مساعد وزير الدفاع الأمريكي والرجل الثاني في البنتاغون أنه يرى إمكانية إنشاء قواعد عسكرية في العراق الذي سيصبح بلداً خليجياً صديقاً جديداً لأمريكا ، وأوضح قائلاً ( الحقيقة الأساسية هي أن إزاحة هذا النظام ستمنح الولايات المتحدة حرية أكثر للحركة في الخليج ، وأن بصمات أرجلنا ستكون أكثر خفة بدون التهديد العراقي ) .
    ويؤكد هذا التوجه ما نشرته صحيفة ( نيو يورك تايمز ) الأمريكية عن مسئولين بوزارة الدفاع ( أن الولايات المتحدة الأمريكية تعتزم الاحتفاظ بتواجد دائم لقواتها في أربع قواعد عسكرية في العراق لخدمة مصالحها ، في الوقت الذي ستخفض فيه من تواجد قواتها في السعودية وهذه القواعد الأربع هي :-
    الأولى : في مطار صدام الدولي .
    والثانية : في تليل قرب الناصرية .
    والثالثة : في مكان معزول في صحراء غرب العراق تسمى ( إتش 1 ) ، بمحاذاة خط أنابيب النفط بين بغداد والأردن .
    والرابعة : في باشور شمال العراق .
    وتتمركز القوات الأمريكية حالياً في هذه القواعد ، وفي غيرها من مئات القوات في كل المدن العراقية وما حولها ، وفيما بعد ربما ينحسر التواجد الأمريكي في العراق ليبلغ 125 ألفاً ليتركز في هذه القواعد الأربع .
    وبعد هذا نقول هل سقوط نظام صدام يعني استقرار المنطقة ؟ أو عدم حاجة أمريكا لقواعد عسكرية في المنطقة ؟ أو انتهائها من استخدام الخيارات العسكرية في المنطقة ؟ .
    العارف بتاريخ التدخل الأمريكي في المنطقة ، و المتابع للتصريحات الأمريكية لا يتردد بالنفي جواباً على هذه الأسئلة ، فالتهديد لسوريا ولإيران وللسودان وليبيا ولغيرها من دول المنطقة يتزايد يوماً بعد يوم ، ناهيك عن الخطر الذي عده ( نيكسون ) الأكبر في المنطقة وهو الأصولية الإسلامية كما نقلنا تصريحه سابقاً ، ويؤكد استمرارية التواجد الأمريكي في الأيام القادمة ربما بشكل أكبر من السابق التصريحات الأمريكية المتتالية على أعلى وأدنى المستويات السياسية والعسكرية ، ومنها تصريح نائب الرئيس الأمريكي ( ديك تشيني ) في الأسبوع الماضي ، أمام جمعية رؤساء تحرير الصحف ، ( أن مبادرات عسكرية أخرى ستعقب الحرب على العراق ، مذكراً بأن الرئيس جورج بوش كان قد تحدث عن حرب طويلة الأمد ضد الإرهاب - يقصد تصريحه المشهور بأنها حرب صليبية طويلة الأمد - ومشدداً على عقيدة الإدارة بتوجيه ضربات استباقية تستهدف الإرهابيين قبل أن يتمكنوا من تنفيذ هجماتهم ) ، وقال ( إن للولايات المتحدة واجباً أخلاقياً لمواجهة الإرهابيين ) ، وبالطبع فإن بؤرة الإرهاب التي ينادي الأمريكيون الآن باستئصالها من المنطقة ، هي الوهابية في بلاد الحرمين ، والدور على الإرهاب الوهابي قادم لا محالة ، وهو هدف استراتيجي أمريكي ، ربما أول إرهاصاته إبعاد القوات الأمريكية عن المناطق السكانية المعروفة لهم مسبقاً في بلاد الحرمين خشية الانتقام منهم .
    ويؤكد مواصلة إدارة الشر لحربها الصليبية ، إرسالها بعد سقوط بغداد بثلاثة أيام كما أعلن مسئولون في وزارة الدفاع الأمريكية لوكالة الأنباء الفرنسية ، إرسال القوات الجوية لأعداد كبيرة من القنابل التي تزن كل منها 9.5 طن والمعروفة باسم ( مؤاب ) ، وهي أكبر القنابل الأمريكية التقليدية على الإطلاق ،ويعادل تدميرها تدمير قنبلة نووية صغيرة ، ولم تعلن الوكالة سبب إرسالها إلى المنطقة رغم سقوط النظام العراقي .
    ويهدد جف هون وزير الدفاع البريطاني بعد سقوط النظام العراقي بيومين بضربات ( استباقية ) وشيكة ، إلى من وصفها بالدول ( المارقة ) التي ترعى الإرهاب الدولي ، أو تملتلك أو تسعى لا متلاك أسلحة الدمار الشامل .
    ورعاية الإرهاب وامتلاك أسلحة الدمار أو السعي لامتلاكها ، هو وصف يمكن أن يدخل تحته كل دول المنطقة ، كما دخلت العراق تحته وحتى الآن لم تستطع أمريكا وبريطانيا ، إثبات وجود أية مواد كيماوية في العراق بعد دخولها لكافة الأراضي العراقية وتنقيبها لكل بيت .
    تكتلات عسكرية جديدة لوقف الغزو الأمريكي لمصالح العالم :-
    فغزو أمريكا للعراق كما ظهر لحفاء أمريكا أنه تم من دون مبرر ، ولكننا نؤكد أن غزوهم للعراق هو تحرك تكتيكي تمهيداً لتحرك استراتيجي أوسع في المنطقة ، يميل إلى الحلول الجذرية الاستئصالية ضد شعوب وحكومات المنطقة ، وإذا نجحت تجربتهم في العراق ، فستكون دافعاً إلى خطوات أخرى أوسع وأكثر خطورة ، ومن الواجب علينا شرعاً وعقلاً واستراتيجياً أن نفشل تجربتهم في العراق برفع راية الجهاد لكف خطورة تحركاتهم ، علماً أن خطورة التحركات العسكرية الأمريكية لا تهدد المنطقة وحدها ، ولا تهدد المسلمين بشكل أخص فحسب ، فهي حملة صليبية بالدرجة الأولى ، ولكنها أيضاً حملة استعمارية مستفردة بالعالم ، وإذا لم يواجهها العالم بقوة فإنها ستلحق الدمار به , وربما تتسبب بنشوب حرب نووية ، نشاهد بوادرها بين أمريكا وكوريا الشمالية ، والتي ربما تدخل الصين وروسيا فيها كأطراف أخرى ، وربما تدخل الهند كعدو للصين من طرف آخر لتساند أمريكا ، وهذا الموقف العسكري الأمريكي الذي يدعو للقلق حرك جميع حلفاء أمريكا ضدها ، إلا أنه وللأسف لم يحرك المسلمين بعد ، بل إنهم خدعوا وأمنوا بنقل مئات من الجنود الأمريكيين لأسباب تكتيكية داخل المنطقة ، من دولة إلى دولة .
    أما على مستوى تحرك أعداء وحلفاء أمريكا على حد سواء ، فقد أنشئوا حلفين لمناهضة هذا التحرك العسكري الأمريكي ، الحلف الأول من أعدائها التقليديين هو باسم ( الدفاع المشترك ) بين سبع دول سوفيتية سابقة ، والحلف الثاني من حلفائها الأوروبيين هو باسم ( الاتحاد العسكري ) بين أربع دول أوروبية ، كلها لمواجهة التحرك العسكري الاستعمار الأمريكي الذي قرر أن يستأثر بكل المصالح في العالم ، ويدفع لحلفائه الفتات ، وقد اتضح أنه ينوي دفع الفتات للحلفاء من عزم أمريكا على مقاطعة ألمانيا اقتصادياً وعزل فرنسا وتهميش دورها العسكري والسياسي ، بعد معارضتهما للعدوان على العراق بهدف تقاسم المصالح .
    هذان الحلفان مرشحان إلى أن يتوسعا ليصبحا مشكلة حقيقية للتوسع الأمريكي ، لأنهما سيعملان بأسلوبين أسلوب علني واضح الأهداف والبرامج ، وأسلوب سري يعيق المشاريع العسكرية الأمريكية ويعقدها في الخفاء ، ونستطيع أن نشبهها بالحرب الباردة التي كانت بين المعسكرين الغربي والشرقي ، والآن ستكون حرب باردة ولكن بين عدة تكتلات ، سيستفيد منها المسلمون حتماً بإذن الله تعالى ، إذا تحركوا بحزم وقوة تجاه الجهاد .
    الدفاع المشترك بين سبع دول سوفيتية أعلنت عنه روسيا وست دول من الجمهوريات السوفيتية السابقة قبل أسبوع من الآن ، وهذه الجمهوريات الست هي أرمينيا وروسيا البيضاء ( بلا روسيا ) و طاجكستان وكازخستان وأوزبكستان وقرغيزستان ، وقد شكلت هذه الدول قوات للانتشار السريع في منطقة آسيا الوسطى ، وصرح الرئيس الروسي ( بوتين ) أن قمة زعماء الدول الأعضاء في معاهدة الدفاع المشترك التي تضم سبع دول ستشكل قيادة موحدة للأركان العامة .
    وأصدر قادة دول الدفاع المشترك في ختام قمتهم التي عقدت في دوشنبيه ، بياناً سياسياً أكدوا فيه استعدادهم لتعزيز التعاون الإقليمي والدولي ، وطرحوا فيه تقييمهم للوضع في العالم ، ثم وقعوا عدة وثائق بشأن استحداث هيئة أركان موحدة لقوات هذه الدول ، وتحديد حصص كل واحدة منها في ميزانية منظمة لمعاهدة الدفاع الجماعي .
    وأكد بوتين على أن الرؤساء اتفقوا نهائياً على عدد من آليات التعاون العسكري والسياسي بين دولهم في إطار المنظمة المذكورة التي ستضمن أمن ووحدة وسلامة أرضي هذه الدول وسيادتها .
    ومن المحتمل أن يتوسع هذا الحلف المشترك ليضم بقية الجمهوريات السوفيتية السابقة ليشمل الصين أيضاً وربما يمتد إلى كوريا الشمالية وغيرها من الدول المستهدفة من قبل التحركات العسكرية الأمريكية .
    وبعد هذا الإعلان بيوم واحد فقط ، أعلنت أربع دول أوروبية تشكيل منظومة دفاع تسمى ( الاتحاد العسكري ) ، وهذه الدول هي فرنسا وألمانيا وبلجيكا ولوكسمبورغ ، وهذا الحلف أيضاً قابل للزيادة ، بسبب ما تعانيه دول أوروبا من تسلط أمريكي واستئثار بجميع المصالح ، وهذا ما كشفه العدوان الأخير على العراق ، زيادة على هذا سعي أمريكا إلى معاقبة الدول المعارضة وعلى رأسها فرنسا وألمانيا ، مما دفع هاتين الدولتين إلى كسر العزلة وتشكيل هذا الحلف الذي ربما يتطور ليصبح منظومة دفاعية مشتركة خارج منطقة حلف الناتو وخارج إدارتها ، ليتحقق طرح ( ديغول ) القديم لدول أوروبا لتشكيل حلف خارج قيادة الناتو يدافع عن مصالح أوروبا خارج منطقة الحلف ، وإن كانت هذه الدول ضمن حلف الناتو إلا أنها لن تقبل إدخال أمريكا معها في هذا الحلف ، ولن تعمل داخل منطقة الحلف ، وسوف يتركز تحركها خارج منطقة الحلف وخاصة في المنطقة العربية لمزاحمة أمريكا على تقاسم المصالح .
    وفي محاولة للتغطية على أهداف هذا الحلف القائم على منافسة النفوذ الأمريكي ، أشار رئيس الوزراء البلجيكي ( غي فير هوفستاد ) ( أن القمة الأوروبية المصغرة التي تعقد اليوم في بروكسل وتضم فرنسا وألمانيا وبلجيكا ولوكسمبورغ ، ليست موجهة ضد الولايات المتحدة أو حلف شمال الأطلسي ( الناتو ) ) .
    وألمح الإعلان الفرنسي لهذا الحلف أن المبادرة جاءت لسد الفجوة التكنولوجية العسكرية التي بين هذه الدول وأمريكا ، وهي مبادرة للاعتماد على الذات .
    ويرى المراقبون أن هذا الحلف جاء بعد أن ظهرت الانقسامات داخل أوروبا وحلف ( الناتو ) ، والخلاف مع الولايات المتحدة خاصة على حرب العراق ، فرأى المؤسسون لهذا الحلف ضرورة تعزيز الموقف السياسي بالقوة العسكرية في ظل المصير المجهول الذي ينتظر الأمم المتحدة ، والذي يغلب عليه أنه الموت ، وتأتي هذه المنظومة لمواجهة التفوق العسكري الأمريكي الهائل الذي ظهر في حرب العراق وأفغانستان ويوغسلافيا ، وأن على أوروبا أن تنهض بالدفاع الأوروبي والروسي لمواجهة تفوق القوة الأمريكية الذي فرض سياستها على العالم عبر تلك القوة .
    وعلى نفس السياق أكد التقرير الفرنسي ما ذكرته المفوضية الأوروبية في تقرير سابق لها ، ذكرت فيه أن دول الاتحاد الأوروبي الخمس عشرة ستخصص في سنة 2003م نحو 160 مليار دولار فقط للنهوض بدفاعاتها ، مقابل نحو 400 مليار دولار خصصتها أمريكا بالفعل لتحقيق نفس الغرض ، وقدرت فرنسا والمفوضية الأوروبية القدرات العسكرية الحقيقية لدول أوروبا بأنها لا تزيد على 10% فقط من إجمالي القدرات العسكرية الأمريكية التقليدية .
    هذا هو التكتل الجديد القابل للزيادة والتطور الذي تم إنشاؤه ، لمواجهة التحرك العسكري الأمريكي في المنطقة ، فإذا كانت هذه الدول ترى أن التحرك العسكري الأمريكي خطر عليها ، وهي دول صليبية و ضمن حلفها أصلاً ، فكيف تأمن الشعوب الإسلامية التي ما أنشئت هذه القوة الضاربة الأمريكية إلا لحربها و تركيعها و خلع أنيابها ومخالبها وفرض عملاء عليها ليحققوا سياستها بقوة الحديد والنار ، ولا حول ولا قوة إلا بالله .
    الخيار العسكري هو الوحيد لنا ، وكلمة أخيرة براءة للذمة :-
    هذه هي الخطوط الرئيسة للتواجد العسكري الأمريكي ، التي أحببنا أن نوضحها في هذه الحلقة ، ففهمها ومعرفة أبعادها ، يمكّننا من معرفة ، المستقبل على الساحة العسكرية في المنطقة ، وقد عرضنا استراتيجيات التواجد والتحرك العسكري الأمريكي في المنطقة ، لنستغني به عن عرض التواجد والتحرك التكتيكي العسكري الأمريكي في المنطقة ، فقضية خروجهم من قاعدة واحدة في السعودية ، وبقاؤهم في عشرات القواعد ، لا يعد تغيراً استراتيجياً ، بل هو تغير تكتيكي له أهداف قريبة أو بعيدة تحتاج إلى تتبع واستقراء لمعرفة نواياهم من وراء ذلك .
    إن عرضنا للاستراتيجية الأمريكية وقوات ( التدخل السريع ) ، يؤكد لكل مسلم أن خيار العدو هو خيار عسكري بالدرجة الأولى ، ولا يمكن أن يواجه هذا الخيار العسكري إلا بخيار مثله ، ومهما كانت ضخامة التحرك العسكري وقوته ، فإن الله أقوى ، وأيضاً فهناك أساليب عسكرية متاحة لتعطيل أو الحد من هذه الآلة العسكرية الهائلة .
    ونحن نخشى أن يكون عرضنا للمكر الصليبي القديم ضد هذه المنطقة ، وعرضنا لحجم القوات الأمريكية الموجودة في المنطقة ، نخشى أن يهز بعض النفوس الضعيفة ، والقلوب التي فقدت اليقين بنصر الله والتوكل عليه ، لذا نرى أن نختم هذه الحلقة ببعض النصوص التي نرى أنها تبرئ ذممنا أمام الله تعالى ، خشية أن نكون ممن ثبط وبث الإحباط من حيث لا يريد ، فتحق علينا عقوبة المخذلين نسأل الله العافية ، فنكون ممن دخل تحت قوله تعالى ( يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين كفروا وقالوا لإخوانهم إذا ضربوا في الأرض أو كانوا غزى لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا ليجعل الله ذلك حسرة في قلوبهم والله يحي ويميت والله بما تعملون بصير ) أو قوله ( لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا ولأوضعوا خلالكم يبغونكم الفتنة وفيكم سماعون لهم والله عليم بالظالمين ) ، نعوذ بالله من الضلال والتخذيل من حيث نعلم أو لا نعلم .
    ولكن ليعلم كل مسلم أن هذه الجموع التي تجمعت لا تهز النفوس التي ملأها الإيمان والتوكل واليقين بنصر الله تعالى ، ولا يمكن أن تهزمها بحال إذا أعدت ما استطاعتها من العدة ولو كانت لا تساوي عند عددهم وعدتهم شيئاً ، يقول الله مادحاً لأهل اليقين بنصر الله تعالى ( ولما رأى المؤمنون الأحزاب قالوا هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله وما زادهم إلا إيمانا وتسليما ) فهم كلما رأوا كيداً من عدوهم وقوة وحشداً ، لم يزدهم ذلك إلا إيماناً و إصراراً على نزاله قال تعالى ( الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل ) ، هؤلاء هم أهل اليقين والإيمان ، لا يهمهم القتل ، ويحدوهم النصر قال تعالى ( قل هل تربصون بنا إلا إحدى الحسنيين ونحن نتربص بكم أن يصيبكم الله بعذاب من عنده أو بأيدينا فتربصوا إنا معكم متربصون ) ، نعم إنهم في عبادة وفوز إن انتصروا أو قتلوا ، فرحماك ربنا رحماك .
    أما أهل النفاق والدغل فيقول الله ذاماً من هزت نفسه الجموع والكيد والأسلحة والقوات ( يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم جنود فأرسلنا عليهم ريحا وجنودا لم تروها وكان الله بما تعملون بصيرا ، إذ جاءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنون ، هنالك ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالا شديدا ، وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا ، وإذ قالت طائفة منهم يا أهل يثرب لا مقام لكم فارجعوا ويستأذن فريق منهم النبي يقولون إن بيوتنا عورة وما هي بعورة إن يريدون إلا فرارا ) فهذا نوع من أعذار المنافقين هو في ظاهره الحمية والخوف على الأعراض ، ومن أعذارهم قوله تعالى ( وليعلم الذين نافقوا وقيل لهم تعالوا قاتلوا في سبيل الله أو ادفعوا قالوا لو نعلم قتالا لاتبعناكم هم للكفر يومئذ أقرب منهم للإيمان يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم والله أعلم بما يكتمون ) وهذا نوع آخر من أعذارهم ربما يسمى بالنظرة الواقعية ، ولهم أعذار أخرى كقوله تعالى ( فرح المخلفون بمقعدهم خلاف رسول الله وكرهوا أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله وقالوا لا تنفروا في الحر قل نار جهنم أشد حرا لو كانوا يفقهون ) فهذا النوع من الأعذار ربما يسمى الثقافة العلمية للطبيعة !! ، ومنهم من يسوق الأعذار التي يزعم بها أنه محافظ على دينه وعبادته كما قال الجد بن قيس عندما دعاه النبي r لقتال الروم فقال له ( هل لك في جلاد بني الأصفر ؟ ) فرد عليه الجد بقوله : لقد عرفت قومي ما رجل أشد عجباً بالنساء مني ، وإني أخشى إن رأيت نساء بني الأصفر ألا أصبر عنهن ، فأعرض عنه الرسول صلى الله عليه وسلم ، وأنزل الله راداً عليه قوله ( ومنهم من يقول ائذن لي ولا تفتني ألا في الفتنة سقطوا وإن جهنم لمحيطة بالكافرين ) هذه بعض أعذار المنافقين والتي تردد بأشكال مختلفة إلى يومنا هذا .
    ولهم أعذار لا حد لها أبداً ، قديماً وحديثاً ، ولكن أصولها واحدة وإن اختلفت مخارجها ، وعلى كل من سمع أعذار من يصد عن الجهاد أو يتخلف عنه بعد الاستطاعة ، فما عليه إلا أن يعرضها على آيات الله تعالى ، ليجد التطابق في الأصول بين أعذار الأولين والمتأخرين ، فالذين قالوا لو نعلم قتالاً في القديم ، هم الذين يقولون اليوم بأن هذا ليس بجهاد ، وأمريكا هي التي تحرك المجاهدين أو تفسح المجال لهم ليعطوها المبرر لتنفيذ خططها ، وهكذا يمكن لكل عبد أن يقارن بين أقوال المثبطين المخذلين اليوم ، وأقوال المنافقين قديماً ، نسأل الله أن يعافينا من ذلك ، ويجعلنا من أهل الإيمان الذين لا يزيدهم كيد العدو إلا يقيناً ، ولا تجبّره إلا إصراراً على قتاله لينال النصر أو الشهادة ، فهم مستيقنون بقول الله تعالى ( ولو قاتلكم الذين كفروا لولوا الأدبار ثم لا يجدون وليا ولا نصيرا ) وقوله ( لن يضروكم إلا أذى وإن يقاتلوكم يولوكم الأدبار ثم لا ينصرون ) فمهما عظمت قوات (التدخل السريع ) وتطورت ، فلن تعدو وصف الله تعالى لها ، إذا ما قابلت رجالاً آمنوا بالله تعالى واستيقنوا نصره .
    ونختم هذا الفصل بذكر نصوص مبشرة بأن النصر لهذا الدين مهما طال ليل الظالمين ، فيوشك الليل أن ينجلي بفجر ترفع فيه راية لا إله إلا الله يعز بها أهل الدين ويذل بها أهل الكفر والشقاق والنفاق .
    يقول تعالى ( وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدونني لا يشركون بي شيئا ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون) ويقول (ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون ) ويقول ( إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد ) ويقول ( ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز ) ويقول ( يا أيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم ) ويقول ( قال الذين يظنون أنهم ملاقو الله كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين ) ويقول ( قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين ) والنصوص من القرآن كثيرة والتي تؤكد أن الله ناصر لمن نصره ورفع راية الجهاد لإعلاء كلمته ، وهذا وعد من الله تعالى ولا يخلف الله وعده، فمن حقق الشروط تحقق له المشروط، ولا نعني بالشروط الفلسفة المادية التي يسوقها أهل النفاق والتخذيل ، ولكن الشروط ما جاءت في الكتاب والسنة من مادية وروحية .
    أما النصوص من السنة فيقول رسول الله r كما عند مسلم وغيره ( لا تزال عصابة من أمتي يقاتلون على أمر الله ، قاهرين لعدوهم ، لا يضرهم من خالفهم حتى تأتيهم الساعة وهم على ذلك ) ويقول كما عند أحمد ( ليبلغنَّ هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار ، ولا يترك الله بيت مدر ، ولا وبر إلا أدخله الله هذا الدين بعز عزيز ، أو بذل ذليل ، عزاً يُعز الله به الإسلام ، وذلاً يُذل الله به الكفر ) ويقول كما عند أحمد وغيره عندما سئل عليه الصلاة والسلام أي المدينتين تفتح أولاً قسطنطينية أو رومية ؟ فقال رسول الله r ( مدينة هرقل تفتح أولاً يعني قسطنطينية ) ففتح روما عاصمة الصليب حاصل لا محالة ، كما أن قتل اليهود وإراقة دمائهم حاصل في فلسطين لا محالة قال عليه الصلاة والسلام كما عند مسلم ( لا تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون اليهود فيقتلهم المسلمون حتى يختبئ اليهودي من وراء الحجر أو الشجر ، فيقول الحجر أوالشجر : يا عبد الله هذا يهودي خلفي فتعال فقتله ، إلا الغرقد فإنه من شجر يهود ) والنصوص من السنة التي تؤكد نصر الله لأهل هذا الدين ، على جيوش الكفر مهما بلغت في العدد والعدة ، أكثر من أن نحصرها في هذه الحلقة ، ولكننا أشرنا إليها هنا إشارة ، حتى تبرأ ذممنا أمام الله تعالى ، خشية أن نقع في تخذيل الأمة وتثبيطها من حيث لا نشعر بعد أن عرضنا كيد الكافرين وقواتهم وتسليحها وأعدادها وتخطيطهم للمنطقة ، فنخشى أن يبعث هذا الأمر اليأس في بعض النفوس الضعيفة ، فأردنا من إيراد بعض نصوص الكتاب والسنة ، أن نين معالم أهل الإيمان والصدق إذا سمعوا بمثل هذا الكيد ، وأساليب المنافقين الذين يتسللون لواذا إذا ما تلاقى الزحفان وتراءت الفئتان ، إتباعا لهدي سيدهم إبليس الذي قال الله عنه ( وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم وقال لا غالب لكم اليوم من الناس وإني جار لكم فلما تراءت الفئتان نكص على عقبيه ) ، فأوضحنا سبيل أهل الهدى ، ودهاليز أهل النفاق في مثل هذه المواطن ، وذكرنا ما بشرنا الله به ورسوله r من أن أمر الكفار في سفال مهما استعلى شرهم وطال بغيهم ، والعاقبة للمتقين فإن صدقنا الله حق لنا النصر بإذنه تعالى .

    المستقبل السياسي :
    توصيف الواقع السياسي العالمي اليوم :
    إن الإجابة على المستقبل السياسي للمنطقة يحتاج إلى إطالة حتى نأتي على تشعبات الموضوع ، لأن السلاح السياسي اليوم هو يعد رأس الحربة في تحركات العدو العسكرية والاقتصادية والدينية والفكرية والثقافية ، لذا فإن الإطار السياسي هو إطار يضم جميع الأطر الأخرى ولكن بأسلوب آخر ، ونستطيع أن نقول أن هناك عموم وخصوص بين جميع المجالات وبين السياسة ، فبالإمكان أن نقول بأن كل عمل عسكري يعد سياسياً من وجه ، ولا يمكن أن نقول بأن كل عمل سياسي يعد عسكرياً ، وهكذا فالسياسة تكون بالأفعال وبالأقوال وبالإيماء ، فهي مفهوم واسع ، وكلما كانت الجماعة أو الدولة حاذقة سياسياً فبإمكانها تحقيق أهدافها في المجالات الأخرى بالأسلوب السياسي ، ولن ندخل في تعريف السياسة في العلم الحديث ، وتعريفها لدى المسلمين في مفهومها الشرعي ، فهذا يخرجنا عن صلب موضوعنا ، ولكن ما نرغب أن نقوله هو أن السياسة متشعبة جداً ومتداخلة مع جميع المجالات بشكل أو بآخر ، ولكن السمة الرئيسة اليوم للسياسة الدولية هي الخداع والكذب والمراوغة وتزوير الحقائق أو إنكارها ، فهذه سمات تميز السياسة الدولية اليوم وتميز العلاقة بين الدول ، فلا عهود ولا مواثيق تحترم فالمصلحة هي فوق كل شيء ، وصدق المواثيق والعهود في بعض المعاملات السياسية اليوم ، ليس عائداً لرغبة هذه الدولة أو تلك بالصدق ، ولكنه عائد لحاجة هذه الدولة أو تلك إلى الوفاء والصدق لما لها من مصالح مع الطرف أو الأطراف الأخرى .
    يتلخص لنا من ذلك أن النظام العالمي الجديد قام على أصول سياسية نستطيع أن نسميهاً ( بيت العنكبوت ) ، فهي وإن كانت مترابطة كبيت العنكبوت بشكل كبير جداً ، إلا أنها من أوهن البيوت وتكفي ريح خفيفة لتفك ترابط هذا النسيج ، ونشاهد أن العلاقات السياسية المتينة والمضروبة منذ عقود بين بعض الدول ، لا تحتاج إلا إلى تصريح من جملة واحدة يطلقه مسئول ثمل ليهدم كل شيء ، ولا يوجد دولة ملزمة بالوفاء بالعهود والمواثيق إلا إذا كانت محتاجة إلى غيرها سواء كان غيرها دولة أو جماعة أو تكتل أو منظمة دولية ، وهذا يعني أن الدولة القوية التي لا تحتاج إلى أحد فلا يوجد من يلزمها بالوفاء في مواثيقها والصدق بعودها ، ومعنى هذا أن سياستها هي كحبال سحرة فرعون يخيل للناس أنها تسعى وهي ليست كذلك .
    إذاً من كلامنا السابق نفهم بأن الدولة المتمكنة والمستغنية عن بقية الدول والمنظمات هي التي تفرض سياساتها على الآخرين ، وأنها لا يمكن أن تصدق إلا إذا احتاجت للآخرين وخافت على اقتصادها أو على سياستها أو على وطنها أو على أي مصلحة لها ، هكذا أصبحت السياسة العالمية بشكل عام ، وهناك شواهد كثيرة تتكرر كل يوم ، وعلى هذا فإن الضعيف عليه أن يتبع القوي أو يسعى ليكون قوة تحترم ، وهذه هي شريعة الغاب التي يتحكم فيها القوي بمقدرات الضعيف ، فنصل إلى توصيف مفاده أننا في غابة قانونها يقول إذا لم تكن ذئباً أكلتك الذئاب .
    وحتى لا نطيل بتكرار ما تحدثنا عنه في الفصل السابق ، نقول بأن العقيدة العسكرية أو العمل العسكري هو المقدمة الأولى لفرض السياسة ، وهناك مقولة تقول بأن السياسة والعسكرية وجهان لعملة ، فذكرنا في الفصل الماضي للاستراتيجية العسكرية الأمريكية في المنطقة ، هو ذكر لبعض الأصول السياسية الأمريكية في المنطقة أيضاً .
    فهذا باختصار هو النظام العالمي الجديد ، شريعة الغاب ، تحكمه عولمة سياسية واقتصادية تخنقه، أقوياء يسيطرون على ضعفاء ، نظام يزيد القوي جشعاً واستكباراً ، ويزيد الضعيف ضعفاً وفقراً وحاجة ، تتسلط الحكومات والشعوب القوية على مقدرات العالم وعلى الشعوب الضعيفة ، هذا وصف عام لا يمكن أبداً أن ينفك عن السياسة العالمية الحديثة ، وبخاصة عن السياسة الأمريكية المتغطرسة ، هكذا ينبغي أن نفهم السياسة الأمريكية في المنطقة وفي العالم ، وكل الدعايات العالمية التي تردد عن العدل والاحترام وغيرها ، إنما هي أقنعة زائفة لتغطية الوجه القبيح للسياسة الأمريكية ، فهناك دعايات تنادي بالشراكة الدولية ، ودعايات تنادي بعصر الأمم المتحدة ومجلس الأمن، ودعايات تنادي بعولمة سياسية يحترم فيها الجميع بعضهم بعضاً ، ودعايات كثيرة لا حقيقة لها ، الهدف منها التغطية على السياسة الأمريكية الخبيثة ، فمن صدّقها فهو أجهل وأغبى رجل على ظهر الأرض ، إذ لا يمكن أن يصدّق عاقل أن يحرس الذئب الغنم .

    توصيف الواقع السياسي للمنطقة :
    وحتى لا نخرج عن الموضوع فسوف نحاول في هذا الفصل أن نذكر ملامح السياسة الأمريكية المستقبلية في المنطقة ، ولن نحاول الدخول في ذكر الملامح السياسية العالمية خشية الإطالة ، فنقول :
    إن المنطقة لم تكن يوماً من الأيام في حالة استقرار سياسي ، أو ركود سياسي يعود عليها بالنفع ، فابتداءً من زرع السرطان اليهودي في المنطقة ، مروراً بظهور الحركات القومية العربية التي في المنطقة التي تنادي بأطروحات أثبتت فشلها في الغرب والشرق لتكرر الفشل في المنطقة ، إلى يومنا هذا عندما جاء النظام العالمي الجديد الذي جرد المنطقة من كل إرادة سياسية ، حتى أصبحت دول المنطقة وكأنها تنتظر المبعوث الأمريكي ورحلاته المكوكية ليعطيها جدول الأعمال السياسية لفترة ستة أشهر قادمة ، فأصبحت المنطقة تسير راغمة تباعاً لأمريكا ، وأسباب هذه التبعية أولاً بعدها عن الله و تبديلها لشرع الله تعالى ورفضها تطبيق أحكام الإسلام ، وهناك أسباب كثيرة أخرى لعلنا نأتي عليها في ثنايا الموضوع.
    نخرج من كلامنا هذا أنه لا يوجد إرادة سياسية عربية مهما كان حجمها تجاه أية قضية مهمة ، فالإرادة السياسية في المنطقة هي إرادة القوي المتسلط ، بعد إرادة الله تعالى ومشيئته ، والدول العربية تبع لا تملك لنفسها شيئاً فضلاً عن نفعها لغيرها ، وصدق وزير الخارجية القطري حمد بن جاسم وهو كذوب عندما سئل في بداية الانتفاضة الفلسطينية بعد اجتماع العرب لهذا الشأن وقيل له : هل لديكم أساليب ضغط على أمريكا أو إسرائيل لإيقاف هذه المجازر الإسرائيلية ضد الفلسطينيين ؟ فقال : ( نحن لا نملك أية وسيلة ضغط نحن لا نملك إلا التوسل والاستجداء لأمريكا وإسرائيل هذا ما نملكه !! )، وصدق الكاذب فالعرب بالفعل ليس لديهم وسائل ضغط ، بل لديهم وسائل توسل واستجداء ، نعم الحكومات العربية تمتلك كل مقومات القوة وبعضها لها في السلطة أكثر من قرن، وفي نهاية الأمر ليس لديها وسائل ضغط، بل إنها لا تملك إلا الاستجداء والتوسل ، هذه نهاية الأمر، وهذه هي نهاية تسليم الشعوب القيادة لهذه الحكومات الخائنة ، فأي خيانة أعظم من هذه ؟، إن أعظم أسلحة فتاكة يمكن أن تواجه الدول العربية بها عدوها - إن جاز لنا التعبير بأنه عدوها - هو الشجب والاستنكار والرفض ، ولا يوجد أية وسائل أو سبل لفرض هذا الاستنكار أو الشجب أو الرفض عملياً .
    وخلاصة الأمر أنه يجب على الدول العربية عدم خداع شعوبها ، فيجب عليها أن تلغي جامعة الدول العربية ، ومجلس التعاون، وتلغي منصب وزير الخارجية وتلغي وزارته بأكملها ، وتلغي كل ما يمت بالسياسة الخارجية بصلة ، وتعين فقط مندوباً للرئيس يتلقى جدول الأعمال السياسية لهذا الشهر من وزير الخارجية الأمريكي ، هذا هو مختصر الأمر ، فلا يوجد فائدة من هذه الوزارات ولا من هؤلاء الوزراء ، فبما أنهم لا يملكون شيئاً لدولهم فضلاً عن المنطقة ، فلا عبرة بهم فوجودهم ووجود هذه المنظمات مجرد تبذير للأموال دون فائدة ، هذا ملخص النظرة الواقعية للسياسة العربية الخارجية .
    أما السياسة العربية الداخلية فهي كمثيلتها الخارجية ، إلا أن أمريكا أعطت الدول العربية هامشاً من الحرية لتصريف أمورها الداخلية كما ترى بشرط ألا تتعدى الخطوط الحمراء المرسومة لها ، إلا أن الأيام القادمة سيكون هناك إعادة رسم للخطوط الحمراء وللحريات التي يجب أن تلتزم بها الدول العربية وهذا ما سنطرحه في السطور القادمة .

    الجهات الثلاث التي ستلعب دورها في المنطقة :
    إن مستقبل المنطقة السياسي بشقيه الداخلي والخارجي ، يبقى هو الشغل الشاغل لكثير من المحللين لمعرفة معالمه وأشكاله القادمة ، ونحن سنحاول أن نتعرف على ذلك بذكر عدة محاور يتضح لنا منها معالم المستقبل السياسي للمنطقة الداخلي والخارجي ، ودعنا نبدأ بهذا الطرح .
    المنطقة الآن لها ثلاث جهات ستلعب فيها دوراً مهماً في سياستها الداخلية والخارجية ، الجهات الثلاث هي :
    أولاً : أمريكا وإسرائيل .
    ثانياً : دول المنطقة .
    ثالثاً : شعوب المنطقة .
    ونبدأ بالجهة الأولى ونقول :
    ماذا تريد أمريكا وإسرائيل في المنطقة ؟ .
    إن إسرائيل لها نفوذ كبير على المستوى الرسمي في أمريكا ، فبالإمكان أن نقول بأن أمريكا هي إسرائيل الكبرى ، أو نقول بأن إسرائيل هي أمريكا الصغرى ، إذاً الدولتان شيء واحد ، فما تحققه أمريكا تريده إسرائيل وما تحققه إسرائيل تريده أمريكا ، ولا يوجد بين الدولتين خلاف جوهري تجاه أية قضية ، كل الخلاف إن وجد فهو في مسائل جزئية فرعية لا تلبث إلا يسيراً فتحل ، المهم أن اليهود يفرضون أنفسهم بكل قوة على الإدارات الأمريكية المتعاقبة ، وربما يكون الرئيس القادم لأمريكا يهودياً ، بعد أن كان نائب الرئيس للمرشح السابق فهو سيترشح للرئاسة القادمة ، فبعد أن كان اليهود في الإدارة الأمريكية يلعبون من وراء الكواليس ، بدءوا يحتلون مناصب الدفاع والخارجية ومستشار الأمن القومي وباقي الوزارات في الدولة ، وبدءوا يشكلون كتلة قوية في مجلس الشيوخ ، حتى وصولوا الآن إلى منصب نائب الرئيس وربما الرئيس في الانتخابات القادمة ، إذاً ليس هناك فرق بين الدولتين ولا بين الإرادتين ولا بين الإدارتين أيضاً ، فهما شيء واحد ، ورغم وضوح هذا فإنك تجد بعض الدول العربية تتبجح بمقاطعة إسرائيل وعدم توقيع اتفاقية سلام معها ، وعدم فتح سفارات لها في المنطقة ، وفي نفس الوقت يوجد اتفاقيات حماية لها من أمريكا ، ويوجد سفارة أمريكية فيها ، ويوجد فيها لأمريكا كل شيء ، فإذا وجدت السفارة الأمريكية فلا معنى لمقاطقة إسرائيل ، وإذا وجد التطبيع مع أمريكا فلا معنى من مقاطعة إسرائيل ، فالدولتان شيء واحد .
    يقول شارون ضمن حديثه لصحيفة إسرائيلية عن المنطقة بعد سقوط صدام يوضح فيه ما قلنا ( دعوا أمريكا تنفذ ما نحلم به ، وإنه يجب على إسرائيل أن تحافظ على مستوى منخفض من تدخلها فيما يتعلق بتداعيات الحرب الكلامية بين الولايات المتحدة وسوريا في الفترة القادمة ) ورحب شارون في هذا الإطار من قيام الولايات المتحدة بإغلاق أنبوب النفط من العراق إلى سوريا واصفاً هذه الخطوة بأنها تأتي في مرحلة أولى لتشديد الحصار على سوريا لتلتزم بالمطالب الأمريكية .
    ويقول شارون لصحيفة ( هآرتس ) ( إن الخطوة في العراق أحدثت صدمة في الشرق الأوسط ، وهي توفر فرصة لتغيرات كبيرة ، توجد هنا فرصة لبناء علاقات مغايرة مع الدول العربية ومع الفلسطينيين ، ومن المحظور أن نفوّت هذه الفرصة ، وأنا عازم على دراسة الأمور بكامل الجدية ) وأضاف ( بأن احتمال التوصل إلى تسوية في المستقبل المنظور يعتمد أولاً وقبل كل شيء على العرب ، وأنه يتطلب فيادة أخرى وكفاحاً ضد ما يسميه بـ( الإرهاب ) وسلسلة من الإصلاحات في تلك الدول، وهو يتطلب إيقاف التحريض بصورة مطلقة وتفكيك كل المنظمات التي حسب اعتقاده ( إرهابية ) ، ولكن إذا برزت قيادة مدركة لهذه الأمور وجدية فإن إمكانية التوصل للتسوية قائمة ومتاحة ) وقال ( إن إسرائيل ستكون على استعداد لاتخاذ خطوات بعيدة المدى في بعض الأمور ، قائلاً إن هذه الخطوات ستكون مؤلمة للغاية ولكنها لم ولن تتخلى عن أي شيء يتعلق بأمنها ) .
    هذا هو التناغم والانسجام اليهودي الأمريكي سواء السياسي أو العسكري ، فليس هناك فرق بين الدولتين ، ويقول الكاتب اليهودي الأمريكي توماس فريدمان في مقال له في صحيفة ( نيويورك تايمز ) يوم الاثنين 11/3/ 1424هـ تحت عنوان (الآباء والأبناء ) قال فيه ( إن على بوش أن يبلغ القادة العرب أنه حان الوقت لالتزام الصمت ، أي مساعدتهم في استبعاد ياسر عرفات واتخاذ خطوات لقبول الدولة اليهودية ) وأضاف في نفس المقال ( بأن شارون يلف بوش حول إصبعه الصغير ) .
    ويقول المعلق السياسي لصحيفة ( معاريف ) اليهودية ، يوسيف حريف في تصوره للوضع بعد إسقاط نظام صدام قال :(السؤال الأكثر أهمية في الشارع الإسرائيلي ليس نتيجة الحرب ، ولا مصير الأمم المتحدة بعد ضرب الولايات المتحدة لقراراتها عرض الحائط بخصوص الحرب على العراق ، لكن السؤال الهام بالنسبة لنا هو ماذا سيحدث في الشرق الأوسط وما هو مصير العملية السياسية مع الفلسطينيين ؟ .
    وأضاف قائلاً : الحرب على العراق وإسقاط صدام حسين يمهد إلى إنشاء عراق جديد أكثر ديمقراطية ، لكن العائد الكبير سيعود على إسرائيل حيث سيختفي جانب من جوانب الخوف على الوجود الإسرائيلي المتمثل في تهور الرئيس العراقي وتهديداته المستمرة بقصف إسرائيل ) .
    وقال المعلق السياسي لصحيفة ( يدعوت أحرنوت ) اليهودية ( بجآل سارنا ) إذ يرى أن إسقاط نظام صدام حسين هو بداية التغيير الكبير في منطقة الشرق الأوسط ، وأضاف ( بأن إسقاط نظام صدام سيؤدي بالتبعية إلى إسقاط جميع الأنظمة العربية ، وخلق الشرق الأوسط الجديد الذي يريده الرئيس الأمريكي جورج بوش على غرار أفغانستان مثلاً ، وفي هذه الأثناء يتحول الشرق الأوسط الجديد بمحض إرادته وبطريقة غير متوقعة بعض الشيء ، فبدلاً من أن تسير كل الدول العربية الديكتاتورية على المفهوم الشهير لمعاداة إسرائيل ، سينقلب الحال حيث تصبح إسرائيل دولة صديقة مثلها مثل أية دولة عربية في المنطقة باختصار ستصبح إسرائيل أشبه بدولة عربية وسط المنطقة ) .
    هذا هو الوجه الحقيقي للتلاحم العقدي والسياسي والعسكري اليهودي الأمريكي ،ولن نطيل بنقل وقائع وتصريحات أكثر تبين ذلك ، ونحسب أننا ذكرنا في الحلقات الماضية تأكيدات متنوعة لهذا التلاحم ، فلسنا بحاجة لإعادتها هنا ، المهم أن نؤكد على أن أهم خطوة سياسية في المنطقة هي التمهيد لدولة إسرائيل الكبرى ، وفرضها في المنطقة بأي شكل من الأشكال .

    بعض أساليب أمريكا السياسية لفرض ما تريد على المنطقة :
    وسوف تستخدم أمريكا كافة الأساليب والطرق لتحقيق هذا الأمر ، ومن آخر التصريحات الأمريكية التي تبين حرص هذه الحكومة على تنفيذ أي شيء لمصلحة اليهود ، أعلن وزير الخارجية الأمريكي ( كولن باول ) ( بأن هناك بعداً جديداً في أجندة الرئيس جورج بوش فيما يخص منطقة الشرق الأوسط ، وأوضح في مؤتمر صحفي بالقاهرة عندما زارها مؤخراً قال بأن البعد يتعلق بتغيير المنطقة بحلول عام 2013م ) ، ولكن ما هو هذا البعد ؟ التصريحات الأمريكية التي جاءت موضحة له تصريحات سطحية للغاية .
    ولكن الأعظم من ذلك رغم قوة دول المنطقة من حيث الموارد الاقتصادية ، إلا أنه بدلاً من استخدام هذا السلاح لصالحها ، إلا أن العدو الأمريكي سيطر على هذا السلاح واستخدمه ضدها ، فالبعد الجديد الذي أعلن عنه وزير الخارجية بتغيير المنطقة عام 2013م هو عبارة عن خطاب ألقاه الرئيس بوش في جامعة كولومبيا بولاية كارولينا الجنوبية يوم الجمعة 8/3/1424هـ يقضي بإقامة منطقة للتبادل الحر بين الولايات المتحدة وبلدان الشرق الأوسط خلال السنوات العشر المقبلة ) وقالت مصادر البيت الأبيض إن بوش سيربط عرضه للتجارة الحرة بـ ( مصير القضية الفلسطينية ) ، وبإصلاحات حكومية مثل مكافحة الفساد والإرهاب وحماية حقوق الملكية وتطوير أساليب التجارة الحرة ، وأضافت المصادر أن هذه الدعوة ( قد تحبط بعض حلفاء واشنطن من العرب الذي يقاومون منذ فترة طويلة التغيير السياسي والاقتصادي ، وكانوا يأملون بمكافآت فورية بشكل أكبر بعد دعم حرب العراق ) ، وهذا بالطبع ليس طرحاً جديداً أو بعداً جديداً كما زعم وزير الخارجية باول ، بل هو طرح يهودي قديم ، رأت أمريكا أن الفرصة الآن مواتية لفرضه بالقوة العسكرية أو بالتضييق الاقتصادي ، وهذه الدعوة هي في أصلها دعوة لرئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق ( شمعون بيريز ) حيث طرح إقامة كتلة اقتصادية شرق أوسطية حرة ، في محاولة لإلغاء الوجود العربي وإذابته في مفهوم شرق أوسطي جديد يضم إسرائيل وتتفوق فيه على الجميع بقوتها الاقتصادية والعسكرية والسياسية ) .

    ملخص ما يسمى بخريطة الطريق :
    وتقول مستشارة الأمن القومي الأمريكي ( كونوليزا رايس ) ( إن الرئيس بوش سيضغط على أطراف الصراع لبدء تنفيذ خطة السلام في الشرق الأوسط ، إلا أنه لن يتفاوض بشأن خطة خارطة الطريق ، وأشارت رايس إلى أن خارطة الطريق هي ببساطة نهج لتنفيذ رؤية للرئيس طرحها في 24يونيو الماضي ، ولا نريد أن نهدر الوقت في التفاوض بشأن خارطة الطريق ) .
    ونحن نقول بأن خريطة الطريق لن تعطي حقاً للفلسطينيين ، ولكنها ستحقق كل شيء لليهود ، فالخطة وإن كانت تقرر إقامة دولة فلسطينية صورية عام 2005م دون أن تحدد ما هي هذه الدولة وما هو حجمها ولا حدودها ولا صلاحياتها ، إلا أنه بعد تحقيق كل شيء لليهود توضع العراقيل أمام قيام هذه الدولة الفلسطينية في آخر لحظة كما حدث للاتفاقيات السابقة التي قررت قيام دولة فلسطينية عام 2000م ، فالخريطة لم تأت بشيء جديد .
    ونرى أنه من الأفضل لنا أن نلخص أهم مراحل خريطة الطريق المطروحة ، لأن فهمها يعطينا فهماً لأبعاد التحرك السياسي الأمريكي في المنطقة ، لأن هذه الخريطة ستطبق على جميع دول المنطقة إذا ما نجحت في فلسطين ، وخريطة الطريق هذه عبارة عن ورقة سياسية جديدة ستلعب بها أمريكا في المنطقة لدفع الاستيطان الإسرائيلي وبسط سيطرته إلى الأمام ، فالمستفيد الأول منها هم اليهود وحدهم ، فأول هذه الخطة مكاسب لليهود ، وآخرها مكسب صوري للفلسطينيين ، ولكن إذا تحقق مكسب اليهود ، فلا يوجد من يلزمهم بالمواصلة وتحقيق المكسب الفلسطيني الصوري ، وهذه الخطة هي تعبر عن رؤية للرئيس الأمريكي بوش ، لحل الصراع في فلسطين ، وقد وردت أول الفكرة في خطابه في 24 يونيو في العام الماضي الموافق لشهر 3/1423هـ ، وهي صورة أخرى للمبادرة السعودية فنتيجة الخطة والمبادرة واحدة ، وتنقسم هذه الخطة إلى ثلاث مراحل لتطبيقها تنتهي في موعد أقصاه منتصف عام 1426هـ 2005م .
    المرحلة الأولى : من منتصف عام 1423هـ - 2002م وحتى منتصف عام 1424هـ 2003م يطلب من السلطة الفلسطينية الوقف الفوري للانتفاضة والمقاومة في جميع أنحاء فلسطين ، ووقف ما يسمى بالتحريض ضد الاحتلال ، وتهيئة الأجواء للانتخابات دستورية لتعيين حكومة فلسطينية جديدة برئاسة رئيس وزراء دون عرفات - الذي سيكون رئيساً فخرياً فقط - وتحسين الظروف الإنسانية للفلسطينيين ، والكف عن المس بالمدنيين اليهود وأملاكهم ، وانسحاب الجيش الإسرائيلي من المناطق التي احتلها منذ رمضان 1421هـ مع بداية الانتفاضة الأخيرة مرهون بقدر التقدم في التعاون الأمني الفلسطيني اليهودي ، علماً أن وصف التقدم في التعاون لا يحدده إلا اليهود .
    المرحلة الثانية : ما بين منتصف 1424هـ 2003م وآخر 1424هـ 2003م ، ستشهد هذه الفترة عقد مؤتمر دولي للبدء بمفاوضات حول احتمال إقامة دولة فلسطينية في حدود مؤقتة حتى نهاية عام 2003م ، وكذلك استئناف العلاقات بين العرب والكيان الصهيوني التي كانت قبل الانتفاضة .
    المرحلة الثالثة : من أول عام 1425هـ حتى منتصف 1426هـ 2004م 2005م سيعقد مؤتمر دولي ثالث للتفاوض بين السلطة الفلسطينية والاحتلال حول الاتفاق الدائم والنهائي الذي يفترض أن ينجز عام 1426هـ ويتعلق بالحدود والقدس والمستوطنات ، والتطبيع العربي ، ومن ثم تنشأ علاقات طبيعية بين العرب والصهاينة .
    وأهم ما في الخطة هي المرحلة الأولى وبالأخص وأد الانتفاضة وتحقيق الأمن لليهود ، فالخطة اعتنت اعتناء بالغاً بالمطالب الأمنية الصهيونية ، ولم تعر الأمن الفلسطيني ولا الاقتصاد الفلسطيني أية أهمية .
    إذاً الجهة الأولى التي ستلعب دوراً في المنطقة هي أمريكا وإسرائيل وما ذكرناه نزر يسير من الأطروحات الأمريكية في هذا الشأن ، و الأطروحات الأمريكية ترتكز على فرض إسرائيل في المنطقة بكافة الأشكال والسبل ، والتمهيد لإقامة إسرائيل الكبرى ، فنزع أسلحة سوريا وليبيا وتركيع السودان وغزو العراق وتهديد البقية الباقية كل هذا لأن أمريكا تخشى أن يصل إلى سلطة هذه الدول من يشكل خطراً ضد إسرائيل ، وأمريكا ملزمة بحماية أمن إسرائيل داخلياً وخارجية ، وكذلك فرض الاقتصاد الإسرائيلي في المنطقة وإضعاف الجميع لضمان تفوق إسرائيلي عسكري واقتصادي أمر بالغ الأهمية بالنسبة لأمريكا، لأنها تعتبر إسرائيل رأس حربة لها في المنطقة وقوتها هي قوة لأمريكا وسيطرتها سيطرة لأمريكا ، إضافة إلى أن قيامها هو الإذن بعودة يسوع النصارى .
    وليست قضية أمن إسرائيل وفرضها في المنطقة حلم أمريكي جديد ، بل هو حلم متوارث منذ أن انتقلت الرعاية لليهود من بريطانيا إلى أمريكا ، فالحلم هو حلم صليبي لفرض إسرائيل وهو أقدم من قيام إسرائيل نفسها ، يقول : ( جون فلبي ) في مذكراته أيام في العراق ترجمة جعفر خياط يقول في حديثه لحاييم وايزمن الرئيس الإسرائيلي : ( أريدك أن تعرف أن عندي ترتيباً خاصاً لا يمكن أن أدبره بلا شك إلا بعد أن تضع الحرب أوزارها ، فإني أريد أن أجعل من ابن سعود سيد الشرق الأوسط ورئيس الرؤساء بشرط أن يجري تسوية معكم ) .
    وبعد سقوط نظام صدام حسين ظهر هذا التوجه بحجم كبير جداً ، شعرت دول المنطقة أن أمنها وسياستها واقتصادها وسلامة عروشها مرتبطة بالتطبيع مع اليهود ، من أجل ذلك سارعت قطر لتكون أول المبادرين لتنال الرضا الأمريكي وتدخل ضمن إطار الدول المصنفة بالحليفة والتي يجب أن تنال الرعاية الأمريكية ، حيث أعلن وزير الخارجية القطري حمد بن جاسم بن جبر آل ثاني يوم الاثنين 11/3/1424هـ في مقابلة مع محطة ( سي إن إن ) بأن بلاده تفكر في إبرام معاهدة سلام مع ( إسرائيل) ، وأكد أنه إذا كان هذا الأمر سيخدم البلاد ومصالحها فيمكن بحث معاهدة السلام ، إلا أن وزير الخارجية قال بأن بلاده الآن تتمتع في الوقت الحاضر بروابط تجارية مع إسرائيل وهي العلاقات التي أغضبت دولاً عربية كثيرة ، وقد التقى يوم أمس الأربعاء وزير الخارجية القطري ووزير الخارجية الإسرائيلي ( شالوم ) في إطار المباحثات بين البلدين في شأن هذه الاتفاقية .
    كيف تبرم قطر معاهدة سلام مع اليهود ؟ هل قطر تشكل خطراً على اليهود حتى تبرم معاهدة سلام ؟ ، ولو فكرت قطر أن تضر اليهود بشيء فهل ستستطيع من حيث القدرات ؟ وهل ستستطيع وأمريكا تسيطر عليها بالكامل ؟ فيتضح أن المعاهدة ليست معاهدة سلام فلا قطر تضر اليهود ولا اليهود يخافون من قطر ، فالقضية هي سباق نحو كسب ود أمريكا ، وسوف ينفرط عقد الدول العربية للهرولة بهذا الاتجاه لكسب ود أمريكا لتنال الرعاية الأمريكية على حساب الشعب الفلسطيني وعلى حساب مقدسات المسلمين .
    ولكن هل التمهيد لقيام إسرائيل الكبرى أو فرض دولة صهيون على المنطقة هل هو العمل السياسي الوحيد للأمريكيين في المنطقة ، وإذا تم التطبيع مع إسرائيل والاعتراف بها هل سينتهي الأمر أم أن هناك برامج سياسية أخرى تسعى أمريكا لتحقيقها حتى لو حققت خيار أمن إسرائيل وفرضها وقيام دولة إسرائيل الكبرى ؟ .
    نلاحظ أن هذا المطلب الأساسي بشأن إسرائيل الكبرى ، لا يمكن أن يكون دون مقدمات كثيرة في المنطقة ، وهذه المقدمات لن تبقي في المنطقة شيئاً من الإسلام أو حتى العروبة ، أو أية مصالح أخرى .

    ملخص ما يسمى بمبادرة الشراكة الأمريكية الشرق أوسطية :
    الذي يلخص البرامج الأمريكية السياسية الأخرى في المنطقة ( مبادرة الشراكة بين الولايات المتحدة والشرق الأوسط) التي طرحها وزير الخارجية الأمريكي كولن باول في 4/10/1423هـ 12/12/2002م ، وهذه المبادرة هي لفرض الديمقراطية الأمريكية ، والسياسة الأمريكية ، والتعليم الأمريكي ، والثقافة الأمريكية ، والأخلاق الأمريكية ، وحتى الإسلام الأمريكي ، والاقتصاد الأمريكي ، على كافة الدول سوى إسرائيل ، فهو مشروع شامل لتغيير المنطقة بشكل جذري ولو أدى هذا التغيير إلى تغيير رؤساء الدول ، وسننقل ما يؤكد ذلك لاحقاً .
    ولكن لابد لنا أن نعرج على شيء من هذه المبادرة لنتعرف على ملامحها ، فهي بحق أخطر مبادرة شاملة تطرح منذ ثلاثة عقود في المنطقة ، ويجب على جميع المسلمين بكافة تخصصاتهم أن يقفوا أمام هذه المبادرة بكل قوة ، حتى بقوة السلاح ، فهذه المبادرة خطيرة للغاية وسوف تستعبد شعوب المنطقة وتلغي بقايا الإسلام من واقع الحياة بالكلية ، فهي مبادرة الفساد والإفساد ، مبادرة الكفر والزندقة ، ونستغرب أن المبادرة طرحت وبدأ تنفيذها ولم نجد أحداً من علماء المسلمين تكلم عنها ، ولم نسمع من استنكرها ، ولم نسمع من سلط الأضواء عليها ، أين أنتم أيها المسلمون عن هذه المبادرة ؟ هل ذهبت غيرتكم ؟ أي حميتكم لدينكم ؟ الإسلام ينتقص فأين أنتم ؟ باول يلخص مطالبه في أول تصريح له بعد أن عرض هذه المبادرة ويقول ( إن على السعودية أن تقرر الطريقة التي تتبعها نحو عصرنة مجتمعها ) ، وخص السعودية هو بالذكر ، لأنها تعتبر مرتكز العالم الإسلامي وقبلته ، فإذا حصل التغيير فيها بشكل جذري فمعنى ذلك أنه لم يبق دولة في العالم الإسلام تحتفظ بشيء مهم .
    وحتى نتعرف على مبادرة الفساد والإفساد نطرح سؤال يقول : ما هي ( مباردة الشراكة بين الولايات المتحدة والشرق الأوسط وبناء الأمل للسنين القادمة ) ؟ .
    وخشية الإطالة في التعريف بهذه المبادرة بالتفصيل ، فإننا سنأخذ مقتطفات من المؤتمر الذي عقده وزير الخارجية الأمريكي لإعلان هذا المشروع ، لقد أعلن باول هذا المشروع ، وقال بأنه مشروع يهدف إلى تعزيز الديمقراطية والتعليم ودور المجتمع المدني في العالم العربي ، وقد أعلن ذلك في خطاب ألقاه في مؤسسة التراث بواشنطن يوم الخميس 4/10/1423هـ 12/12/2002م ، وقال بأن هذا المشروع يسعى لتشجيع المشاركة الشعبية في العملية السياسية ومساعدة المؤسسات التعليمية والتربوية في سائر أرجاء الشرق الأوسط ومكافحة الأمية ، وقال بأن المبادرة تهدف إلى مؤازرة حقوق المرأة ، ومساعدة القطاعين العام والخاص في العالم العربي على تحقيق الإصلاحات الاقتصادية والاستثمار ، فضلاً عن دفع عجلة التفاهم والشراكة بين شعب الولايات المتحدة والشعوب العربية ، وقد نشر نص المبادرة على موقع وزارة الخارجية على الإنترنت ، من أراد الرجوع إليه لمعرفة التفاصيل ، ولكن نأخذ منه هذه المقتطفات لتوضح طبيعته .
    قال في بداية خطابه ( اعتراف منا بأهمية منطقة الشرق الأوسط ، فقد كرسنا دمنا لمساعدة شعوب وحكومات الشرق الأوسط على مدى نصف قرن من الزمن وأكثر ) .
    وقال ( لقد شددت سياستنا الشرق أوسطية كحكومة على كسب الحرب ضد الإرهاب ، وتجريد العراق من الأسلحة ، وإنها النزاع بين إسرائيل والفلسطينيين ) .
    وقال ( يسرني أن أصدقاءنا في الشرق الأوسط سارعوا لمواجهة تحدي الإرهاب بأن منحوا حقوق إنشاء قواعد لعملية (الحرية المستديمة ) في أفغانستان ، ومبادلتهم المعلومات الاستخباراتية ، وتلك المتعلقة بتنفيذ القانون ، واعتقالهم إرهابيين مشتبهاً بهم ، وفرضهم قيوداً على التمويل الإرهابي ) .
    وقال ( لدينا أيضاً اهتمام قومي عميق وثابت بإنهاء النزاع الإسرائيلي الفلسطيني ، ونحن نعمل مع أصدقائنا في المنطقة ومع المجتمع الدولي لتحقيق سلام دائم ، يقوم على رؤيا الرئيس بوش لدولتين تعيشان جنباً إلى جنب في سلام وأمن .. إن هدفنا النهائي هو تسوية عادلة وشاملة عربية إسرائيلية ، تكون فيها جميع شعوب المنطقة مقبولة كجيران تعيش في سلام وأمن ) .
    وقال ( لقد قدمت دول الشرق الأوسط على مدى التاريخ مساهمات لا تقدر بثمن للعلوم والفنون ، ولكن اليوم توجد شعوب كثيرة هناك تفتقر إلى ذات الحرية السياسية والاقتصادية وفاعلية المرأة والتعليم الحديث وكل ذلك يحتاج إليه لكي تزدهر في القرن الـ21 ) .
    ثم قال ( وقد جسد الرئيس بوش تطلعات الشعوب في كل مكان عندما قال في خطابه في وست بوينت : إنه عندما يتعلق الأمر بالحقوق والحاجات المشتركة للرجال والنساء ، ليس هناك تصادم حضارات ، فمتطلبات الحرية تنطبق كليا على أفريقيا وأمريكا اللاتينية وكامل العالم الإسلامي .. ثم قال : إذا أعطيت الشعوب خياراً بين الطغيان والحرية ، فإنها تختار الحرية ، علينا فقط أن ننظر إلى شوارع كابل ، المزدحمة بأشخاص يحتفلون بانتهاء حكم طالبان في العام الماضي ) وهذا يدل أن الطغيان هو الإسلام والحرية المنشودة هو رفض الإسلام .
    وقال ( هناك بصيص أمل في الشرق الأوسط أيضاً ، فدول أمثال البحرين وقطر ، والمغرب قامت بإصلاحات سياسية جزئية ، والمنظمات المدنية ناشطة بصورة متزايدة في كثير من الدول العربية ، تعمل في قضايا تتعلق بالخبز والزبد ، مثل تأمين بطاقات هوية للنساء توجد حاجة ماسة إليها - في إشارة للسعودية - ) .
    ثم قال ( ومع ذلك ، فما زالت تحكم كثيراً من الشرق أوسطيين أنظمة سياسية مغلقة وكثير من الحكومات تكافح مؤسسات المجتمع المدني باعتبارها تهديداً ، بدلاً من أن ترحب بها كأساس لمجتمع حر ، ديناميكي مبشر بالأمل ، ناهيك عن أن لغة الكراهية والاستبعاد والتحريض على العنف لا تزال هي اللغة السائدة هناك ÷ .
    وقال ( هناك موضوع دائم يبرز من خلال هذه التحديات ، ألا وهو تهميش المرأة في كثير من دول الشرق الأوسط ، فأكثر من نصف نساء العالم العربي أميات وهن يعانين أكثر من جراء البطالة والافتقار إلى فرص اقتصادية ، وإلى أن تطلق دول الشرق الأوسط العنان لقدرات نسائهن ، لن تبني مستقبلاً من الأمل ، إن أي معالجة للشرق الأوسط تتجاهل تخلفه السياسي والاقتصادي والتعليمي ستكون مبنية على رمال ) .
    وقال ( قد حان الوقت لوضع أساس متين من الأمل ، إنني أعلن اليوم مبادرة تضع الولايات المتحدة بثبات في جانب تغيير وإصلاح مستقبل حديث للشرق الأوسط ، وقد طلب مني الرئيس بوش أن أتولى رئاسة جهد جديد للحكومة الأمريكية لدى شعوب وحكومات الشرق الأوسط في جهودها لمواجهة هذه التحديات الإنسانية الملحة ، ويسرني أن أعلن النتائج الأولية لعملنا وهي مجموعة مبتكرة من البرامج وإطار التعاون المستقبلي نسميها ( مبادرة الشراكة بين الولايات المتحدة والشرق الأوسط ) ، وهذا يعبر عن التزامنا بتعزيز حقوق الإنسان والتسامح والتعليم ، والمبادرة هي دليل قوي على التزامنا بكرامة الإنسان في الشرق الأوسط ) .
    وقال ( إننا سنخصص بصورة أولية مبلغ 29 مليون دولار لجعل هذه المبادرة تنطلق بقوة ، وسنعمل مع الكونجرس للحصول على تمويل جوهري إضافي للعام القادم ، وهذه الأموال ستكون زيادة على الأكثر من مبلغ الألف مليون دولار ) .
    وقال ( تستند مبادرتنا إلى ثلاث ركائز :
    أولاً : سنشترك مع مجموعات من القطاعين الخاص والعام لسد فجوة الوظائف بإصلاح اقتصادي واستثمار للأعمال وتنمية القطاع الخاص .
    ثانياً : سنشترك مع قادة المجتمع لسد فجوة الحرية بمشاريع لتقوية المجتمع المدني وتوسيع المشاركة السياسية ورفع أصوات النساء .
    ثالثاً : سنعمل مع المربين لسد فجوة المعرفة بمدارس أفضل ومزيد من الفرص للتعليم العالي ) .
    وقال ( تتطلب الاقتصاديات المنفتحة أنظمة سياسية منفتحة ، وعليه فإن الركيزة الثانية لمبادرتنا من الشراكة ستدعم المواطنيين عبر المنطقة الذي يطالبون بأصواتهم السياسية ) .
    وقال ( بدأنا المشروع الاختباري الأول في هذا المجال الشهر الماضي ، عندما أحضرنا وفداً من 55 امرأة ، من زعيمات السياسة العربية إلى الولايات المتحدة لمشاهدة انتخاباتنا النصفية ، وقد عقدت اجتماعاً عظيماً جداً مع هذه المجموعة الرائعة ، وكان التزامها وطاقتها مصدر إلهام لي ، وقد وجهت إلي أسئلة صعبة ، وناقشنا القضايا كما يفعل الناس في مجتمعات حرة ، وقد تحدث أولئك النسوة إلى ببلاغة عن قلقهن بالنسبة إلى المستقبل وأحلامهن بعالم حديث يمكن لأطفالهن أن يعيشوا بسلام ، وحدثنني عن آمالهن بأن يرين نهاية للنزاعات التي تشل منطقتهن ، وتحدثن إلي كيف أنهن يردن أن يتحكمن بحياتهن ومصائرهن ، وطلبن أن يعرفن المزيد عن الديمقراطية الأمريكية وكيف يجعلن أصواتهن أكثر فعالية ) .
    وقال ( سوف تشدد برامجنا على تعليم الفتيات ، فعندما تتحسن نسبة التعليم بين الفتيات تتحسن كذلك جميع مؤشرات التنمية المهمة الأخرى في أي بلد ، ولقد أصاب شاعر النيل حافظ إبراهيم عندما قال ( الأم مدرسة إذا أعددتها … أعددت شعباً طيب الأعراق ) ، وسنوفر منحاً دراسية لإبقاء الفتيات في المدارس وتوسيع التعليم للفتيات والنساء ، وبصورة أوسع ، سنعمل مع الأبوين والمربين لتعزيز الإشراف المحلي وإشراف الأبوين على الأنظمة المدرسية ) والقاعدة تقول فاقد الشيء لا يعطيه فالشعب الأمريكي غير متربي على الأخلاق وهو أكثر الشعوب إجراماً ونسبة أولاد السفاح عندهم يصلون إلى سبعين بالمائة ، والغريب أنهم سيساعدون المنطقة على حسن التربية !!! .
    وقال ( إننا بمبادرة الشراكة بين الولايات المتحدة والشرق الأوسط ، نعترف بأن الأمل المبني على فرصة اقتصادية ، وسياسية ، وتعليمية ، هو حاسم لنجاح جميع جهودنا ، وأن نجاح هذه الجهود الأخرى هو بدوره ضروري لإيجاد أمل ، إننا عبر مبادرة الشراكة بين الولايات المتحدة والشرق الأوسط ، نضيف أملاً إلى أجندة الولايات المتحدة والشرق الأوسط ، وإننا سنستخدم طاقتنا وقدراتنا ، ومثاليتنا لجلب الأمل إلى جميع عباد الله الذين يعتبرون الشرق الأوسط وطناً لهم ) .
    ولن نعلق على هذه المقتطفات فهي تعلق على نفسها ، وخطرها ظاهر ولا يحتاج إلى تعليق ، ولكن كل ما فيها من عبارات ضخمة كالحرية والديمقراطية والنمو الاقتصادي وتوفير فرص العمل وغيرها قد تخدع المغفلين ، فهذه المفاهيم لن تطبق في المنطقة على الإطلاق بل إنها ستطبع بما ينفع المحتل ، ويهدم الدين فقط ، فمثلاً الديمقراطية الأمريكية التي ستفرض على المنطقة ليست هي التداول الحر للسلطة بمشاركة الجميع ، كما هي في طرحها النظري ، ولكنها ديمقراطية بالأسلوب الدكتاتوري الأمريكي تناسب المنطقة ، لأن شعوب المنطقة لو أتيح لها اختيار السلطة بشكل حر ، فلن تختار غير الإسلاميين كما حصل في الجزائر ، وهذا ما يرفضه الأمريكان ، فحينما تزعم أمريكا أن ديمقراطيتها تقوم على تنفيذ المطالب الشعبية ، فهي كاذبة ، لأن غالبية الشعب الأفغاني والعراقي ينادي اليوم بخروج القوات الأمريكية ، وقبل ذلك كل شعوب العالم بما فيها الشعب الأمريكي رافض للغزو الأمريكي للعراق غير المبرر ، فأين الديمقراطية ؟ إنها ديمقراطية أمريكية تناسب أهدافها الاستعمارية ، وفي مثال بسيط عرضته صحيفة ( الغارديان ) البريطانية في افتتاحيتها تحت عنوان ( الخلفاء الجدد ) قالت : ( يا للسخرية والعار ، لأنه بعد سنوات من الاحتجاج على عرقلة صدام حسين عمليات التفتيش ، فإن الولايات المتحدة تعارض بنفسها الآن عملية التفتيش ) ، جاء هذا الكلام من الصحيفة بعد أن رفضت أمريكا عودة المفتشين إلى العراق بعد سقوط نظام صدام للتأكد من وجود أسلحة دمار شامل كما زعمت أمريكا ، فبالأمس تشن أمريكا حربها عام 1418هـ على العراق بسبب طرد المفتشين لأنه خرق لقرار مجلس الأمن ، واليوم أمريكا نفسها تخرق قرار مجلس الأمن وتمنع المفتشين دون حياء ، وبالأمس تفرض أمريكا على مجلس الأمن إصدار قرار الحضر على العراق بكافة أشكاله ، واليوم ترفع الحضر بنفسها دون الرجوع لمجلس الأمن ، فهذا تلاعب وسخرية بالعالم ، ولكن كما قلنا في مقدمة حديثنا بأن السمة الرئيسة اليوم للسياسة الدولية هي الخداع والكذب والمراوغة وتزوير الحقائق أو إنكارها ، فلا عهود ولا مواثيق تحترم فالمصلحة هي فوق كل شيء ، ولا يمكن لأمريكا أن تنادي بشيء أو تطبقه مما ينفع المنطقة أو يقوي دولها في أي مجال .
    وعلى هذا يمكن معرفة وجه السياسة الأمريكية التي تسعى لتطبيقها في المنطقة عبر مشروع الشراكة ، ويمكن معرفة الثقافة الأمريكية المطلوبة ، ويمكن معرفة الحرية الأمريكية أيضاً ، إذا أمريكا ليست تفكر بمشروع واحد تجاه المنطقة وهو مشروع إسرائيل وأمنها وفرضها وإقامتها ، ولكنها تفكر بمسخ المنطقة من جميع جوانبها ، بالأسلوب الذي تريده ، ولو اضطرها الأمر إلى تغيير القيادات في المنطقة وهي ستفعل .

    عزم أمريكا على تغيير قيادات المنطقة أو نظام الحكم :
    يقول ( جيمس وولسي ) الرئيس السابق لجهاز الـ( سي آي إيه ) في عهد كلنتون ، على مبارك وآل سعود أن يشعروا بالقلق ، وكان هذا الكلام في معرض حديث له عن أن هذه الحرب التي حصلت في العراق هي تعتبر المعركة الأولى في الحرب العالمية الرابعة الهادفة لتغيير الشرق الأوسط ، وكان كلامه هذا ضمن حديث أدلى به يوم الخميس 1/2/1424هـ أمام طلاب جامعيين في لوس أنجلوس حيث قال : ( بأن الولايات المتحدة الآن تخوض حرباً عالمية رابعة ، وأن نشر الديمقراطية في الشرق الأوسط لابد أن يجعل دولاً مثل مصر والسعودية تشعر بالقلق ، وحذر وولسي في خطابه هذا ، الرئيس المصري حسني مبارك والأسرة المالكة السعودية من أن الديمقراطية وفق الأسلوب الأمريكي آتية في الطريق ) .
    وقال وولسي ( نريدكم أن تشعروا بالقلق ، وأن تدركوا الآن للمرة الرابعة خلال مائة عام أن الولايات المتحدة وحلفاءها ماضون قدماً ، وأننا نقف في صف أكثر من تخشونهم ، يا عائلة مبارك والأسرة المالكة السعودية ، ونحن نقف في صف شعبكم) طبعاً وقوفهم في صف الشعوب هراء وهو للاستهلاك الإعلامي أين الوقوف في صف الشعب العراقي ؟ .
    وأضاف ( في الوقت الذي نمضي فيه قدماً باتجاه شرق أوسط جديد خلال السنوات وأعتقد خلال العقود القادمة ، فسوف نجعل الكثيرين في غاية القلق ، ويجب أن يكون رد فعلنا هو هذا جيد ) .
    ووصف في حديثه أمام طلبة في جامعة كاليفورنيا كما ذكرت شبكة ( سي إن إن ) الإخبارية : وصف هذه الحرب بأنها حرب عالمية رابعة ستدوم لبعض الوقت ، وسوف تدوم لوقت أطول من الحربين العالميتين الأولى والثانية ، آمل ألا تصل إلى مدة الحرب الباردة التي استمرت أكثر من أربعة عقود كاملة ، وهي حرب تستهدف ثلاثة أعداء أولهم الحكام الدينيين ، و ( الفاشستيين ) في العراق وسوريا ، والمتطرفين الإسلاميين مثل تنظيم أسامة بن لادن ) .
    وأشارت مجلة ( فورين بوليسي إن فوكس ) ضمن تقرير خاص عن السياسة الأمريكية الخارجية إلى أن نائب الرئيس الأمريكي ديك تشيني ووزير الدفاع دونالد رامسفيلد ونائبه بول وولفويتز صاغوا مبادرة للسياسة الخارجية ، اعتمدت على نصائح يقدمها باستمرار المفكرون اليمينيون ، وقد اختطفت وزارة الدفاع الأمريكية العمل السياسي من وزارة الخارجية الأمريكية ، وأصبحت السياسة الخارجية الأمريكية تدار من البنتاغون ، وذكرت صحيفة فرنسية أن هناك حرب خفية بين وزارة الدفاع ووزارة الخارجية الأمريكية ، وفي الأسبوع الماضي قال وزير الخارجية الأمريكي ( باول ) أمام أعضاء مجلس الشيوخ ، استنكاراً على إدارة العسكريين من البنتاغون لسياسة الولايات المتحدة الخارجية قال بعبارة عسكرية يفهم مرادها العسكريون ( إذا واصلتم مطاردتنا ، فعليكم أن تستعدوا للقتال ، كما يتعين عليكم أن تعلموا أنني سأشن الهجوم المضاد ) وقال أحد كبار المسئولين في وزارة الخارجية ( إذا كنت ستتعامل مع البنتاغون على المستوى العملي ، فإن حياتك ستكون عسيرة ، إنهم أيديولوجيون لدرجة غير عادية ، وقد جعلتهم الحرب في العراق يشعرون بقدر من الفخر والحماس ، جعلهم يفرزون كثيراً من التستوسترون ، لكن هذا لا يعني أن المعنويات عندنا منهارة ، بل على العكس من ذلك ، فإننا ندخل حالياً فترة ستكون فيها الدبلوماسية هي سيدة الموقف في منطقة الشرق الأوسط وغيره ) .
    مما سبق يتبين أولاً أن سياسة التغيير الأمريكية ستفرض على المنطقة بجميع أشكال التغيير ودون استثناء ، ولكن بالأسلوب الأمريكي الذي يناسب المنطقة ، فحرية الأديان والحرية العامة والديمقراطية ، ليست مطلقة بل هي بقدر تضمن فيه أمريكا عدم وصول الإسلاميين للسلطة ، وتضمن عدم إتاحة الحرية الدينية للعقيدة الإسلامية الحقيقية ، فهناك نظام سياسي في جميع المجالات معد للمنطقة بما يتناسب مع تحقيق الأهداف الأمريكية وهو استعمار ودكتاتورية وربما شيوعية ولكن بثوب جديد ، أطلق عليه اسم الشراكة الأمريكية الشرق أوسطية ، أي أن هناك شراكة في القيم والمفاهيم والأنظمة ، إلا أنها لا تعني الشراكة بالطبع بل تعني الاحتلال والتسلط فحسب .

    التخبط السياسي الأمريكي الذي يرتدي ثياب الغطرسة :
    ويتبين لنا مما سبق أيضاً أن هناك تخبط في السياسة الأمريكية تجاه المنطقة ، فحتى الآن لا يوجد قرار أمريكي مجمع عليه ، يعطي من خلاله التفويض لجهة معينة تتعامل مع المنطقة فيما بعد حرب العراق ، فوزير الدفاع الأمريكي يزور المنطقة ويطلق الاتهامات هنا وهناك ، ويهدد باتخاذ قرارات المقاطعة والحصار وهي قرارات رئاسية عبر الخارجية ، وليست من صلاحيات وزير الدفاع ، ثم يعين وزير الدفاع الحكومة المدنية في العراق دون الرجوع للخارجية وهذا حسب نظام الحرب أن الخارجية تتولى إدارة المناطق التي تحت سيطرة قوات الاحتلال ، ثم حصل تغيير في الإدارة في العراق ، وقبلها حصل التخبط في شأن إدارة أفغانستان ، ونستطيع أن نقول بأن التخبط الأمريكي الظاهر على عدم تحديد صلاحيات وزارة الخارجية والدفاع ، سيقود المنطقة إلى اضطراب عظيم ، مماثل للذي يحصل في العراق وأفغانستان وهو نموذج حي وقريب ، فلا سلطة تسيطر على المنطقة والقوات الأمريكية عاجزة عن استيعاب الحدث فضلاً عن إدارة الأمور ، ولو تم تحديد الصلاحيات لكل وزارة فإن التاريخ يشهد بأن أمريكا ما دخلت في قضية وأوصلتها إلى حل ، بل إنها لا تزيد القضايا إلا تعقيداً واضطراباً ، فقضية البلقان والكوريتين وأفغانستان والعراق وقبلها الصومال والسودان وغيرها من القضايا كلها شاهدة على فشل السياسة الأمريكية ، فهي سياسة احتلال ونهب للثروات وتسلط وسيطرة بالقوة وغطرسة فقط لا غير .
    يؤكد ذلك ما قاله وزير الدفاع اليوناني ( يانوس بابا نطونيو ) الذي تتولى بلاده الرئاسة الدورية للاتحاد الأوروبي في مقابلة تلفزيونية أجرته معه قناة ( ميغا ) الخاصة الليونانية يوم الاثنين 11/3/1423هـ قال : ( إن الخطر الأول بعد الحرب على العراق يمكن أن يكون ( موجة الغطرسة الأمريكية الجديدة ) وقال : إن الخطر يتمثل في أن يؤدي الانتصار الأمريكي في العراق إلى موجة غطرسة جديدة مع تدخلات أحادية جديدة ضد سلسلة من الدول ، وقال بأن هذا هو الخطر الأول إذا لم تكن هناك رقابة دولية على هذه التدخلات فقد يقود الأمر العالم إلى الفوضى وشريعة الغاب ) .
    وأكد ( بطرس غالي ) الأمين العام للأمم المتحدة السابق هذا الأمر بقوله ( إن الحرب التي شنتها الولايات المتحدة ضد العراق تخرج عن نطاق الشرعية الدولية وتمثل هدية للأصوليين ، وحذر من منطق الحرب الاستباقية التي تضمنتها عقيدة بوش قائلاً : إنها يمكن أن تتسبب في إشعال عشرات الحروب خلال السنوات المقبلة ، واستبعد غالي تشكيل نظام دولي جديد إثر انتهاء الحرب على العراق ، قائلاً : إن حدوث ذلك يتطلب إجماعاً دولياً وما يحدث حالياً ليس مبنياً على إجماع ، وأعرب غالي عن تشاؤمه إزاء الوحدة العربية في السنوات القليلة المقبلة مؤكداً أن تحقيق ذلك شرطه وجود جيل جديد يؤمن بالوحدة العربية ، أما الجيل الحالي فهو غير مقتنع بأهمية الوحدة ، وقال بأن الدول الكبرى لم تعد في حاجة إلى الأمم المتحدة ، إذ أن لديها جهازاً دبلوماسياً قوياً وشركات كبرى مسيطرة ، لكن العالم الثالث في أشد الحاجة إلى المنظمة باعتبارها منبراً تستطيع من خلاله التعبير عن أحلامها وآمالها ).
    ويقول كيسنجر في كتاب له طبع بعد أحداث سبتمبر مباشرة : ( إن الولايات المتحدة أصبحت قوة عسكرية وحيدة في العالم مع القدرات الاقتصادية المتنامية للولايات المتحدة لابد أن يتحول ذلك إلى واقع عملي تكون فيه أمريكا هي المسيطرة الأولى على مصير العالم كله ، وأن تتحول إلى ما يمكن تسميته بالإمبراطورية الأمريكية العظمى ، في هذا الكتاب حدد كيسنجر ملامح الخطة الأمريكية للهيمنة على العالم ، وقال لابد من البدء بالسيطرة على وسط آسيا وضمان بترول بحر قزوين للشركات الأمريكية ، مؤكداً أن ذلك لابد أن يتم بتواجد عسكري أمريكي في أفغانستان لتكون القوة العسكرية الأمريكية على حدود الصين وعلى حدود روسيا وإيران وهي الدول الكبرى في آسيا لضمان السيطرة على الجناح الشرقي للخليج العربي ، حيث يوجد مخزون البترول الرئيس في العالم ، في نفس الوقت طالب كيسنجر في هذا الكتاب بالقضاء على النفوذ الإسلامي الممتد من سنغافورة شمالاً حتى اليمن جنوباً ، وأن تغير الولايات المتحدة الأمريكية من تحالفاتها الحالية بأن تستبدل تحالفها مع دولة باكستان المسلمة بدول علمانية مثل الهند وتركيا لأنها تتفق مع الأهداف الأمريكية في إضعاف الدول الإسلامية ) .
    يتبين من هذا أن الغطرسة الأمريكية ليست فقط تجاه المنطقة ، بل إنها غطرسة تهدد العالم كله حتى حلفاءها ، بل إنها قررت التحرك ضد أي قضية في العالم بمفردها ، وترغم الآخرين على السير وراءها دون الرجوع لمنظماتها العالمية التي صنعتها ، وسوف ننقل ما يشير إلى رفضها لدور الأمم المتحدة ، فهي من الآن فصاعداً سوف تتحرك باتجاه القضايا العالمية بمبادرة انفرادية متغطرسة ، والويل لمن لم يتابعها في تحركاتها هذه ، ومن النماذج على ذلك الرفض الفرنسي الألماني لغزو العراق ، كيف واجهته أمريكا بعد حرب العراق ؟ .

    الحصار السياسي الأمريكي على جميع دول العالم لضمان التفوق المطلق :
    إن أمريكا الآن تسعى جاهدة لمحاصرة ما أطلق عليها وزير الدفاع ( بأوروبا العجوز ) ، وعلى رأسها فرنسا وألمانيا ، وتتركز هذه المحاصرة على دعم الديمقراطيات الأوروبية الجديدة ، وسعت أمريكا لاعتماد إدخال سبع دول من أوروبا الشرقية إلى حلف الناتو في الأسبوع الماضي ، وهي الدول التي وافقتها على غزو العراق كمكافئة لها ، كل ذلك من أجل كسب أكبر قدر ممكن من التأييد داخل الحلف للسياسة الأمريكية في المنطقة ، فأمريكا تحاول أن تشكل تكتلاً جديداً ، مؤيداً لها على الإطلاق في أوروبا ، على رأس هذا التكتل بريطانيا لتقوده لمواجهة بقية دول أوروبا الرافضة للتفرد الأمريكي ، وسوف تستغل أمريكا ضعف اقتصاديات هذه الدول الشيوعية السابقة لتنال الدعم والتبادل التجاري كي تقف في صفها ، لتقسم أوروبا إلى قسمين أوروبا العجوز وهي الرافضة للتفرد الأمريكي ، وأوروبا الحديثة وهي المؤيدة للتفرد الأمريكي ، وهذا التقسيم سيؤدي إلى تفريق دول أوروبا وإضعافها وإشغالها في نفسها مما سيسبب ضعفها الاقتصادي الذي سيعيد للاقتصاد الأمريكي شيئاً من عافيته ، وقد قابلت دول أوروبا العجوز هذا التقسيم الأمريكي لأوروبا ، بإنشاء تكتل عسكري جديد ذكرنا تفاصيله في الحلقة الماضية تقوده فرنسا وألمانيا وبلجيكا ، وهذه الغطرسة الأمريكية دفعت روسيا والدول المستقلة عن الاتحاد السوفيتي إلى إنشاء تكتل آخر لمواجهة التوسع الأمريكي في منطقة نفوذها ، فهذه السياسة الأمريكية المتغطرسة أعادة تقسيم التحالفات العالمية ، وربما تشهد السنوات القادمة حرباً باردة جديدة أو حرباً عالمية مع هذه التكتلات .
    وفي إطار حملة الغطرسة الأمريكية على العالم حذر وزير الخارجية الأمريكي باول ( فرنسا من أنها ستواجه عواقب معارضتها للحرب الأمريكية في العراق ، مشيراً إلى أن واشنطن ستنظر في كافة جوانب علاقتها مع باريس ، وقال : بأنها ستتحمل نتائج معارضتها الحرب على العراق ) ، وأكد البيت الأبيض أيضاً بعد تصريح باول بساعات ( أن الحكومة الفرنسية ستواجه (عواقب ) نتيجة موقفها ، وأكد أن معارضة فرنسا الشرسة للولايات المتحدة للحرب على العراق قبل أسابيع من الحرب لن تبقى دون عقاب ) .
    هذه هي بعض ملامح السياسة الأمريكية في العالم وتجاه المنطقة خاصة ، وهذه الملامح لم تظهر بعد حرب العراق ولا بعد سبتمبر ، بل إنها ظهرت إبان الحرب الباردة ، وتزايدت وبرزت ملامحها بعد انهيار الاتحاد السوفيتي ، وهي منذ ذلك اليوم في ازدياد متسارع تواكب تسارع التطور العسكري الأمريكي ، وقد أوضحنا في الحلقة الماضية الاستراتيجية العسكرية الأمريكية، وفهمها يساعد على فهم ملامح السياسة الأمريكية جيداً ومراحل تطورها .


    نموذج العراق رسالة تهديد لبقية دول المنطقة :
    ولكننا نعود ونقول بأن المنطقة بعدما زال منها نظام صدام واحتلت أمريكا العراق ، فقد دخلت في مرحلة جديدة ، لن تتجنب آثارها السيئة إلا إذا عملت بكل قوة على ضرب الوجود الأمريكي في العراق ، واستنزفته بحرب عصابات شرسة ، فخطرها في حال تمكنها من العراق خطر عام شامل على جميع المنطقة وعلى كافة الاتجاهات ، فبعبارة أدق لقد دخلت المنطقة في مرحلة انقلاب كبير ، وقد وضعت الأنظمة العربية العميلة أمام ضغوطات وتحديات عديدة لم تكن تحسب لها حساباً ، لأن التحديات الجديدة ستكون بمثابة تغييرات جذرية في المنطقة ، كانت الدول العربية تساعد العدو الصليبي لضمان بقائها ، ولكنها لم تشعر أنها ستكون ضمن الخطة في فترة من الفترات ، وهاهو الدور اليوم على النظام السوري وهاهي المنطقة تستعد لتودع بشار الأسد ، فهو بين أمرين إما أن يودع المنطقة ، أو يقرر أن يعمل كسفير للولايات المتحدة في سوريا ، فرؤساء الدول جميعاً اليوم بين أمرين إما أن يخلع بأية طريقة ، أو يقرر أن يعمل كسفير لأمريكا في دولته كما هو حال الرئيس القطري وغيره ، ومشروع ( خريطة الطريق ) التي وضعتها اللجنة الرباعية ( الأمم المتحدة ، والاتحاد الأوروبي ، والولايات المتحدة ، وروسيا ) ، ما هي إلا نموذج جديد من المرحلة الأمريكية الجديدة ، حيث ستطبق في فلسطين وبعدها سوف يعمم النموذج على بقية دول المنطقة ، وكلما زادت الضغوط الأمريكية نحو التغيير الجذري في المنطقة ، فسوف تزيد ضغوط الدول العربية على شعوبها لتطبيق النموذج الأمريكي المنشود الذي لم يعد يرفضه سوى الشعوب الإسلامية فقط .
    فمن الواضح أن السياسة الأمريكية اليوم تحاول جاهدة أن تجني ثمرة تفوقها العسكري والاقتصادي بأسرع وقت وبأكبر قدر ممكن ، حتى تصبح هي كل شيء في العالم وتتحكم في ثرواته ومصيره .
    ونحن نؤكد أن حرب العراق لم ولن تكون هي نهاية المطاف ، نعم أمريكا تأمل أن تكون نهاية المطاف ، إذا قررت دول العالم أن تخضع لها بعد حرب العراق ، وإذا وجدت معارضة من دول العالم فإنها سوف تحاول التضحية بكبش فداء آخر ، فأمريكا أبلغت دولاً عربية وأوروبية بعد سقوط صدام ، أن العراق يحتاج إلى أن يخضع للحكم العسكري الأمريكي فترة من الزمان ، لتحقيق ستة أهداف أساسية وحيوية ، تمثل هذه الأهداف الستة رسالة للجميع وتحذيراً لهم من مواجهة نفس المصير ، فمن مصلحة كل دولة في المنطقة أن تحقق بنفسها هذه الأهداف الستة قبل أن تضطر أمريكا لتطبيقها بنفسها وهذه الأهداف هي :
    الأول : منع نشوب حرب أهلية ، وذلك بعدم سحب القوات الأمريكية من العراق لفترة طويلة ( وهذا يعني الاحتلال المباشر إلى أجل غير مسمى ) .
    الثاني : إلغاء الطابع البعثي عن الدولة والمجتمع عن طريق الحكم العسكري الأمريكي للعراق ( وهذا يعني إلغاء كل طابع لأي مجتمع حتى ولو كان الطابع دينياً ) .
    الثالث : إعادة بناء الجيش على أسس جديدة ، وتوحيد جميع الجيوش التي أنشأها صدام تحت جيش واحد لا أنياب له ولا مخالب ، ( وهذا يعني ضرورة عدم سعي دول المنطقة تأسيس أية قوة دون الموافقة الأمريكية ) .
    الرابع : التأكد من إزالة أسلحة الدمار الشامل ، ( وهذا واضح في أن أمريكا لا تريد غير إسرائيل في المنطقة تمتلك مثل هذه الأسلحة ، فكل الحديث عن أسلحة الدمار الشامل ولم تشر ولا إشارة في يوم ما لأسلحة إسرائيل المخالفة لقررات مجلس الأمن ) .
    الخامس : المحافظة على الثروة النفطية لجميع العراقيين ، ( والمحافظة على النفط لصالح الشعوب لا تحسنه إلا أمريكا ، ولابد من تسليم أمريكا الثروة النفطية للمنطقة لتتمكن هي من المحافظة عليها لصالح الشعوب ، ومعنى ذلك أن السياسة النفطية في المنطقة حق لأمريكا لا غيرها ) .
    سادساً : منع أية دولة أو قوة خارجية من التدخل في شئون العراق بشكل أو بآخر أو العمل على زعزعة استقراره أو محاولة تحقيق مكاسب خاصة بها ، ( وهذا يعني فرض الوصاية والاحتلال بكل وضوح ) .
    ثم شرحت أمريكا بعد ذلك بقية الملامح لما تريده في المنطقة وهي رسالة للجميع ، فمن ضمن هذه الملامح شددت الإدارة الأمريكية على أنها لن تعطي الأولوية لتطبيق الديمقراطية في العراق خلافاً لما يشاع ، وأنه ليست من مصلحة العراقيين الانتقال بسرعة إلى مرحلة الحكم المدني الديمقراطي ، وأكدت أن الأمريكيين وحدهم قادرون على المساعدة على إحداث انقلاب جذري في تركيبة الحكم العراقي وتوجهاته للابتعاد كلياً عن مرحلة صدام حسين ، وأن الأمم المتحدة غير قادرة على القيام بهذه المهمة بل إن دور الأمم المتحدة سيكون دوراً مساعداً مكملاً للدور الأمريكي العسكري والسياسي والمدني في هذا البلد وخصوصاً في المجالات الإنسانية و الإعمارية ، يأتي هذا الكلام بعد أن أعلن الرئيس الأمريكي جورج بوش في زيارته لبلفاست خلال الشهر الماضي أن الأمم المتحدة سيكون لها ( دور حيوي ) في العراق ، فهذا التوضيح من الإدارة الأمريكية ينفي الدور الحيوي للأمم المتحدة ، ويؤكد أنه سيكون دوراً مساعداً ، ولكن لا غرابة من هذا التناقض فهذا معنى السياسة العالمية اليوم كذب وتلاعب بالألفاظ دون خجل .
    فهذه الأهداف الستة ليست إلا جزء من رسالة لدول المنطقة جميعاً ، ولا تعبر هذه الأهداف الستة عن كل مراد أمريكا في العراق أو في المنطقة ، بل هذا جزء يسير مما تريده ، يخفي وراءه مالا يعلمه إلا الله ، فإذا كانت هذه الأهداف حقيقية ، فلماذا تمنع الأمم المتحدة من التدخل في شئون العراق وهي الجهة المخولة لذلك في قانونهم وشريعتهم ، فهذه الأهداف الستة هي مطالب الأمم المتحدة ، ولكن أمريكا ترى أنه لابد من ضمان عدم تدخل الأمم المتحدة أو أية دولة أخرى لتحقيق هذه الأهداف ، وهي التي نادت حتى بح صوتها قبل غزو العراق نادت الأمم المتحدة للتدخل لتحقيق هذه الأهداف ، وبعد سقوط صدام تمنع الأمم المتحدة من تحقيق هذه الأهداف أو الإشراف على تطبيقها ، كما منعت المفتشين من الدخول الآن ، ورفعت الحظر عن العراق من جانبها دون الرجوع للأمم المتحدة ، فالسياسة الأمريكية لا حد لها ولا قيد ، فما كان محرماً بالأمس فهو واجب اليوم وهكذا سخرية بالجميع بما أنهم ضعفاء .
    ولكن السؤال هو : هل ما حصل في العراق هو نهاية ما في جعبة أمريكا للمنطقة ، وهذه المطالب هي نهاية مطالبها ؟
    يجيب على هذا التساؤل ريتشارد بيرل مستشار وزارة الدفاع الأمريكية ، وهو أحد المخططين الرئيسيين للحرب الأمريكية ضد العراق ، حيث صرح لصحيفة ( ليزيكو ) الفرنسية : ( بأن واشنطن تستهدف دولاً أخرى في حربها العالمية ضد الإرهاب ، وقال : من ناحية أخرى فإن مجلس الأمن غير مناسب للتعامل مع مثل هذه المخاطر وطالب بإعادة تشكيله ، كما طالب أيضاً بمناقشة دور فرنسا في حلف شمال الأطلنطي ، وقال : بأن التدخلات العسكرية في أفغانستان والعراق هي جزء من جهود مكافحة الإرهاب ، ولن نتوقف عند هذا الحد ، وسنواصل حربنا ضد دول تستضيف إرهابيين وتطور أسلحة دمار شامل ، وقال : إن مجلس الأمن غير مناسب للتعامل مع مثل هذه المخاطر وطالب بإعادة تشكيله ، وتساءل عن إمكانية بقاء فرنسا عضواً في حلف شمال الأطلسي من دون أن تكون مشاركة في هيكله العسكري ، وقال : إنه حان الوقت الآن لإعادة النظر في ميثاق الأمم المتحدة ، وقال بأن هذه المهمة ستكون بالغة التعقيد ) .
    وكتب معهد المبادرة الأمريكية معهد هدسون ( بأن الاستراتيجية الأمريكية تجاه دور الولايات المتحدة في العالم يلخصها مشروع القرن الأمريكي الجديد الذي يقوم على ضرورة ضمان التفوق الأمريكي المتفرد على بقية دول العالم في القرن الحادي والعشرين ، وينص على أنه من أجل تحقيق ذلك ، فلابد من تبني سياسة هجومية غير اعتذارية وانفرادية غير مترددة تعتمد على القوة العسكرية بالدرجة الأولى ) .
    وصرح الرئيس الأمريكي يوم 7/3 في حديث لشبكة ( إن بي سي ) الأمريكية : ( أن عملية الصدمة والترويع عنت الكثير لأناس كثيرين ، كل ما كان يجب علينا أن نفعله هو أن نزيد من استعمال القوة والناس عندها ستنهار ) .
    وقال بول وولفوتيز نائب وزير الدفاع الأمريكي في مقابلة له مع صحيفة لوس أنجلوس تايمز الامريكية قال : ( بأن الانتصار العسكري الأمريكي في العراق يعد درساً لكل الأنظمة العربية التي تهدد مصالح الولايات المتحدة ، يضيف أن ما يتطلع إليه من ( عراق ديمقراطي ) يجب أن ينظر إليه كنموذج يحتذى في عالم عربي غير ديمقراطي ) .
    هذه التصريحات تؤكد أن أمريكا لديها خطة طويلة في السيطرة على المنطقة وعلى العالم بأكمله ، ولم تكن هذه الخطة وليدة سنة أو سنتين أو خمس ، بل إنها خطة قديمة عرضنا لأصولها في الحلقة الماضية عند الحديث عن المستقبل العسكري للمنطقة ، ولكننا نلاحظ أن أمريكا بعد أن دخلت بغداد وأسقطت نظام صدام حسين ، نلاحظ أنها ستواصل أهدافها تجاه المنطقة والعالم بأسره ، حيث بدأت بممارسة سياستها الجديدة على سورياً ، وذلك باتهامها تهماً لا دليل عليها كما كان الحال مع العراق ، فقد صرح الناطق باسم البيت الأبيض ( فلايشر ) ( بأن سوريا دولة إرهابية وأنها تأوي الإرهابيين ، وأنها دولة مارقة ) .
    وأعلن الرئيس الأمريكي جورج بوش ( أن واشنطن تعتقد بأن لدى سوريا أسلحة كيميائية ) ، وذلك حسبما ذكرت شبكة (سي إن إن ) الأمريكية ، وتأتي تصريحات بوش في الوقت الذي كشفت فيه صحيفة ( أوبزيرفر ) البريطانية أن جهات رفيعة المستوى في الإدارة الأمريكية تقول إن أمريكا تنوي اتخاذا إجراءات في المرحلة القادمة ضد سوريا .
    ولم يستبعد رئيس أركان الجيوش الأمريكية الجنرال ( ريتشارد مايرز ) يوم الخميس 7/3 شن حرب ضد سوريا ، ولكنه قال ( إن الحديث عن هذه الحرب سابق لأوانه حالياً محذراً في الوقت نفسه دمشق من إيواء مسئولين عراقيين سابقين هاربين وإرسال مقاتلين لمواجهة القوات الأمريكية والبريطانية في العراق ) .
    وعلى نفس السياق هدد مساعد وزير الخارجية الأمريكي ، ريتشارد أرميتاج سوريا ( بعقوبات وإجراءات سياسية أخرى في حال واصلت تقديم الدعم لحزب الله وحركة الجهاد الإسلامي الفلسطينية ) .
    ودعا جون بولتون وكيل وزارة الخارجية الأمريكية لشئون الحد من التسليح والأمن الدولي ، سوريا وغيرها من الدول في الشرق الأوسط للبحث عن إمكانيات جديدة للسلام في المنطقة ، وقال بولتون في مؤتمر صحفي ( فيما يتعلق بقضية انتشار أسلحة الدمار الشامل في فترة ما بعد الحرب فنحن نأمل أن تتعظ عدة أنظمة بعبرة العراق ، وهي أن السعي لامتلاك أسلحة للدمار الشامل ليس في مصلحتها الوطنية ، وخص بولتون بالذكر سوريا وإيران وكوريا الشمالية في تصريحاته رداً على سؤال بخصوص فترة ما بعد الحرب في العراق ) .
    وتابع بولتون وهو من أبرز المتشددين في الإدارة الأمريكية فقال : ( إنها فرصة رائعة لسوريا كي تتخلى عن مساعيها لامتلاك أسلحة للدمار الشامل ، وأن تبحث كما هو الحال بالنسبة للحكومات الأخرى في المنطقة عن إمكانيات جديدة في عملية السلام في الشرق الأوسط ، وقال بولتون : إن الأولوية بالنسبة للولايات المتحدة هي القضاء سلميا على هذه البرامج ، وأن هذا هو المبدأ الذي تهتدي به واشنطن في مواقفها من كوريا الشمالية وإيران ) .

    ملخص ملامح السياسة الأمريكية مما سبق ذكره :
    هذه هي بعض ملامح السياسة الأمريكية في المنطقة نلخصها بالتالي :
    أولاً : الالتزام بفرض إسرائيل على المنطقة وأخذ الاعتراف لها بالقوة ، والالتزام بإقامة إسرائيل الكبرى وضمان تفوقها العسكري والاقتصادي ، ومن وسائلها خريطة الطريق .
    ثانياً : فرض مشروع الشراكة الأمريكية الشرق أوسطي على المنطقة بالقوة ، وهو مشروع شامل يدخل في جميع المجالات السياسية والتعليمية والثقافية والفكرية والدينية والأخلاقية والاقتصادية ، وهو واضح وصريح في ذلك ، وللاستزادة يرجع إلى نص المشروع المنشور في موقع وزارة الخارجية الأمريكية .
    ثالثاً : وضع دول المنطقة أمام الأمر الواقع وأمام تحديات تهدد بتغيرات جذرية ستصل إلى إزالة العروش ، فحكام المنطقة بين أمرين إما التنحي أو تغيير مسمى الوظيفة من رئيس دولة ، إلى قائم بالأعمال الأمريكية بمرتبة رئيس .
    رابعاً : التفرد بالمنطقة عن طريق القوة العسكرية وفرض السيطرة عليها بقوة السلاح والاقتصاد ، والالتفاف على جميع دول العالم بسلاحي العسكرية والاقتصاد لفرض السياسة الأمريكية ، وضمان تبعية جميع الدول بما فيهم الحلفاء لما تريده أمريكا .
    خامساً : إزالة نفوذ التكتلات السياسية والعسكرية والاقتصادية في العالم لتبقى أمريكا متفردة بكل شيء ، فحرب العراق أثبتت إزالة نفوذ الأمم المتحدة بجميع ملحقاتها العسكرية والقانونية والاقتصادية ، وبعدها التفت أمريكا على حلف شمال الأطلسي الذي بقي جامداً في أحداث العراق بسبب جمود أوروبا العجوز ، وسوف يكون هناك إعادة لميثاق الأمم المتحدة ولمجلس الأمن وللأعضاء الدائمين أيضاً ، كما سيكون هناك إعادة لهيكلة وتنظيم حلف شمال الأطلسي ، ويمكن أن يكون هناك إنشاء أحلاف وتكتلات جديدة مساعدة لأمريكا في بسط سيطرتها على العالم .
    هذه بعض معالم السياسة الأمريكية في المنطقة وعلى العالم ، ولكل معلم من هذه المعالم تفاصيل يطول بنا المقام لذكر شيء منها إلا أنها تبقى ملامح رئيسة لابد من أخذها بعين الاعتبار لمعرفة الوضع السياسي القادم للمنطقة .

    أمريكا تهرب من مشاكلها الداخلية بزعزعة أمن العالم :
    وفي نهاية الحديث عن دور أمريكا وإسرائيل في المنطقة لابد أن نؤكد بأن المنطقة والعالم سيواجهان قلاقل سياسية ستنعكس عليهما من القلاقل السياسية التي تواجهها أمريكا داخلياً ، فمن عادة الإدارات الأمريكية جميعها الهروب من مشاكلها الداخلية بافتعال مشاكل خارجية وإشغال الرأي العام والعالم بها ، فعلى الصعيد الأمريكي فهناك مشاكل سياسية كبيرة جداً ابتداءً من النزاع بين الصقور والحمائم ، والنزاع بين الحزبين ، وقانون الطوارئ المفروض ضمناً منذ أحداث سبتمبر ، والأحاكم العرفية التي ألغت القانون الأمريكي واستحدثت قوانين جديدة خارجة من البيت الأبيض ، إلى النزاع بين وزارتي الخارجية والدفاع ومن يدير السياسة الخارجية الأمريكية ، وكم كبير من القضايا السياسية المحتدمة في أمريكا بين طرفين أوعدة أطراف شعبية كانت أو حكومية ، حتى الضعف أو الانهيار الاقتصادي الأمريكي ، سينعكس على العالم بالتأكيد ، ومن آخر المشاكل السياسية في أمريكا تجدد مطالبة ولاية نيويورك بالانفصال عن الولايات المتحدة ، وهذه الدعوة ليست جديدة بل هي دعوة قديمة جداً ، وليست هذه هي الولاية الوحيدة التي تطالب بالانفصال بل هناك أكثر من سبع ولايات تطالب بنفس المطلب ، ويقول بتر فالون الابن عضو مجلس مدينة نيويورك في تبرير طلب انفصال الولاية : ( القضية بسيطة للغاية وأن المدينة تدفع ضرائب قيمتها 3.5 مليارات دولار لولاية نيويورك ولا تحصل في المقابل على خدمات بهذا المبلغ ) ويضيف فالون ( نريد استرداد أموالنا ، في الماضي كانت فكرة الانفصال مجرد فكرة رومانسية حالمة أما الآن فقد تكون طوق النجاة الوحيد بالنسبة للمدينة ) وكما قلنا فإن هذه المطالبة ليست جديدة ، فقد طالب الروائي نورمان ميللر باستقلال المدينة عام 1388هـ 1969م خلال حملته الانتخابية للفوز برئاسة بلدية المدينة ، كما ترجع الفكرة إلى القرن التاسع عشر حين اقترح رئيس بلدية يدافع عن الرق انفصال نيويورك خلال الحرب الأهلية الأمريكية .
    ولا يمكن لأمريكا أن تسكت هذه الأصوات في الداخل وتنهي هذه المطالبات إلا بافتعال قضايا خارج حدودها تشغل بها الرأي العام وتشغل العالم أيضاً عن التركيز على مشاكلها الاقتصادية والسياسية ، وفشلها السياسي ومشاكلها السياسية نشاهد أنها تنعكس على العالم وعلى المنطقة خاصة بشكل مباشر ، فهذا عامل مهمة لمعرفة مؤشر المشاكل الجديدة في العالم ، فكلما زادت الفضائح داخل الإدارة الأمريكية أو الكونجرس ، وزاد الصراع في أمريكا ، زادت معه قضايا العالم الساخنة ، وإدارة بوش على وجه التحديد ، هي أعظم الإدارات إخفاقاً على على مستوى الداخل الأمريكي ، لذلك أصبحت هي أكثر الإدارات حروباً وغطرسة في العالم ، فالإدارات الأمريكية ترى أنها لن توحد الداخل وتنسيه مشاكله إلا بافتعال عدو خارجي جديد يضمن الوحدة الوطنية ، ويضمن وصف الوضع بأنه وضع حرب لا يسمح فيه لأحد بانتقاد الإدارة أو أي نوع من الفرقة الداخلية ، وهكذا تستطيع الإدارات الأمريكية أن تضرب المسكنات للمجتمع الأمريكي ، بافتعال مشاكل في العالم ، ولكن سوف يأتي اليوم الذي يصبح المسكن فيه عديم الفائدة أو منتهي الصلاحية ليسبب التسمم الذي يؤدي إلى الوفاة ، وهذا نأمل أنه قريب بإذن الله تعالى .

    الملامح السياسية لدول المنطقة :
    بعد هذا التلخيص لهذه الملامح ، نعود لنتحدث عن بقية الجهات التي سيكون لها دوراً في المنطقة ، وقد ذكرنا في بداية هذه الحلقة بأن المنطقة فيها ثلاث جهات ستلعب دوراً مهماً في سياستها الداخلية والخارجية ، الجهات الثلاث هي :
    أولاً : أمريكا وإسرائيل .
    ثانياً : دول المنطقة .
    ثالثاً : شعوب المنطقة .
    وما سبق من حديث إنما هو عن الجهة الأولى ، فقد أوضحنا المعالم الرئيسة للسياسة الأمريكية في المنطقة وفي العالم.
    أما ما يخص الجهة الثانية وهي دول المنطقة فقد أسلفنا أيضاً أن قيادتها بين أمرين إما أن تترك السلطة أو تقبل بأن تكون كسفير للولايات المتحدة في البلاد ، هذا باختصار .
    علماً أن هاجس إزاحة الأنظمة عن السلطة سوف يتملك قلوب حكام المنطقة ، فهؤلاء الحكام على استعداد لبيع كل شيء حتى الآباء والأبناء والأخوة مقابل البقاء في السلطة ، فانظر ماذا فعل فيصل في أخيه سعود ، وانظر ماذا فعل أبناء سعود وبعض إخوانه بفيصل عندما اغتالوه ، وانظر كيف فعل ملك الأردن حسين بأبيه ، وماذا فعل قابوس بوالده أيضاً ، وأخيراً نفي أمير قطر لوالده وتولي السلطة ، والقائمة طويلة ولم ولن تنتهي ، والجامع لكل هذه الأعمال حب السلطة والرياسة والملك ، فإذا كانت هذه الشهوة ، دفعتهم لارتكاب أبشع الجرائم في حق أقرب الناس إليهم ، فهل ستمنعهم من ارتكاب أضعافها ضد الأبعدين من أبناء الشعب ، وبمراجعة بسيطة لسجل القتل والسجن والتنكيل والتعذيب لكل دول المنطقة ، نجد أن أكبر المسحوقين في هذه الدول هي الحركات أو المنظمات ذات المطالب السياسية أو الإصلاحية ، فعدو هذه الحكومات الأول هي هذه الشخصيات ، فإذا كانت من قديم عهدها تستهدف هؤلاء فكيف سيكون الحال الآن بعد أن أصبحت أمريكا اليوم هي من يضغط للقيام بمثل هذه الأعمال ، أمريكا تتبجح وتنادي بحقوق الإنسان ، وتنادي بالحرية الدينية والسياسية ، تنادي بشعارات طويلة عريضة ، ولكن عند اختبار أي شعار من هذه الشعارات على واقع الدول العربية تجد أنه سقط سقوطاً لا قيام بعده ، فأمريكا هي التي تدعم هذه الأنظمة وهي التي تدفعها لاتخاذ إجراءات أشد وأبشع ضد شعوبها لضمان سيطرتها على المنطقة .
    أمريكا تتبجح اليوم بأنها تمكنت من القضاء على الدكتاتورية العراقية التي سحقت الشعب العراقي ، وفي نفس الوقت تشيد بالحكومة الأردنية وهي من دكتاتوريات المنطقة ، وهي أكثر سحقاً للشعب الأردني والفلسطيني من نظام صدام للشعب العراقي ، وتستمر إشادتها بالنظام السعودي والمصري والمغربي والتونسي وغيرها من الأنظمة الحليفة لها ، وكل هذه الأنظمة أنظمة دكتاتورية تسحق شعوبها وتملأ سجونها ، ولا تسمح بأية حرية سياسية على الإطلاق ، فأين الديمقراطية المزعومة ؟ إذا أمريكا لها مكيالان عفواً لها مكاييل كثيرة ، كل قضية لها مكيال خاص بها ، فالقضايا السياسية لها مكاييل خاصة بكل دولة ، والقضايا الاقتصادية ، والعسكرية والتسليحية ، وهكذا .
    وخلاصة القول أن الدول العربية اليوم تحتاج إلى الشفافية ولكن ليس مع شعوبها ، بل مع أمريكا ، فتحتاج إلى أن تعترف بأنها ما هي إلا خادمة لأمريكا ، تقوم على رعاية مصالحها ، وإزالة كل الأخطار التي تهددها ، وضمان استمرار تدفق النفط ، ولو قصرت هذه الدول بشيء من ذلك ، فهي معرضة للانقلاب كما حصل مع نظام صدام ، فهو النظام المدعوم من أمريكا عندما وصل السلطة عبر الانقلاب ، وهو النظام المدعوم من أمريكا والمنطقة في حرب إيران ، وبعد أن بدأ يقوى وخشيت أمريكا من ضرره ، زينت له غزو الكويت ودفعته لذلك ، وظن هو أنها ستبقى مكتوفة الأيدي كما ألمحت له بذلك السفيرة الأمريكية في بغداد قبل غزو الكويت بأسبوع تقريباً ، وتجرأ وأقدم على الغزو بعد صدور الضوء الأخضر من أمريكا ، فأكل الغبي الطعم ، و أمريكا لا عهد لها ولا ميثاق فانقلبت عليه وجرعته السم ، فاضطر لمواجهتها لمدة عقد من الزمان ، إلا أنه انهار في نهاية المطاف ، فالدول العربية ستمر بنفس مرحلة نظام صدام ، وما عليها إلا أن تسير نحو ما تريد لها أمريكا ، فهي مسيرة لا مخيرة .
    إذا كانت أمريكا نزعت الخيارات السياسية من الدول العربية على المستوى الخارجي ، فإنها أعطت قدراً من الخيارات لا بأس به على المستوى الداخلي ، فأعطت هامشاً يتيح للدول العربي أن تستعرض نفوذها وحنكتها السياسية على شعوبها لتبرهن لأمريكا أنها وضعت الرجل المناسب في المكان المناسب ، فهذا الهامش متاح لهذه الدول قبل مرحلة احتلال العراق ، وفي الأيام القادمة يبدو أن هذا الهامش بدأ يضيق وسيضيق أكثر ، خاصة بعد طرح مشروع ( مبادرة الشراكة الأمريكية الشرق أوسطية) الذي يتدخل في كل الشئون الداخلية ، فعلى الحكومات العربية أن تتعايش مع الوضع الجديد وتقبل به كما قبلت بغيره من قبل ، أو عليها أن ترضى بالرحيل غير مأسوف عليها من قبل أمريكا لتبحث عن البديل .
    فالأيام القادمة ستشهد عن طريق مشروع الشراكة الأمريكية الشرق أوسطية ، تغيراً في السياسة الداخلية للدول العربية ، وهذا التغير سيشمل جميع المجالات بلا استثناء ، وسيشمل نظام الحكم أيضاً وأسلوب تداول السلطة واتخاذ القرار ، فما هو موقف الدول العربية ؟ وكيف ستتعامل مع هذا الوضع الجديد ؟ .
    أما عن موقف الدول العربية فماذا عساه أن يكون ؟ وماذا يمكن أن تصنع لنفسها ؟ لا يمكن أن تصنع شيئاً ولا يمكن أن تقوم بأي شيء ذي بال يدفع عنها بلاء أو يجلب لها نفعاً ، ما عليها إلا التسليم أو المفاوضة حول بعض هوامش الأوامر الأمريكية في مشروع الشراكة ، ولكنها ستتعامل مع هذا الوضع الجديد بمزيد من التعسف والعنجهية مع شعوبها لفرض مشروع الشراكة على كافة المجالات ، فمشروع الشراكة هو مشروع مرفوض لدى شعوب المنطقة ديناً وأخلاقاً وطبيعة وتقليداً ، مشروع لا يمكن أن تقبله إلا البهائم ، فرفض الشعوب لهذا الأمر سيدفع الحكومات العربية لأن تستأسد عليها لتفرض عليها هذا المشروع ، أو بمعنى أصح لتفرض عليها أن تكون بهائم لأمريكا ، فالتحرك الحكومي العربي القادم لن يكون ضد العدو الخارجي ، بل سيكون ضد العدو الحقيقي الداخلي ضد الشعوب بشكل أخص ، هذا هو الهامش المتاح للدول العربية وهو فرض المطالب الأمريكية على الشعوب بقوة الحديد والنار ، ومن يعجز عن ذلك فسوف تحاول أمريكا تكرار تجربة العراق على دولته لتفرض هي ما تريد على المنطقة وبنفسها بعد أن ضمنت أن شعوب المنطقة شعوب منزوعة الأسلحة بل منزوعة من كل أسباب القوة ، وقال كيسنجر وزير الخارجية الأمريكي الاسبق في عام 1394هـ بعد أزمة البترول ( لابد أن يأتي اليوم الذي يدفع فيه العرب ثمن هذا الموقف ، لأن بترولهم كله سيكون تحت سيطرة الولايات المتحدة الأمريكية ) ، وبالفعل أصبح تحت السيطرة الأمريكية ، وأصبحت الدول كلها تحت السيطرة الأمريكية ، بسب عمالة هذه الحكومات الخائنة .
    ملامح خيارات شعوب المنطقة :
    أما الجهة الثالثة وهي شعوب المنطقة ، فهي الرقم الصعب بالنسبة للغزاة وبالنسبة لحكومات المنطقة ، فشعوب المنطقة اليوم بدأت تعرف أنها تشكل رقماً على رقعة الأحداث في العالم ، بدأت تتأكد من ذلك يوماً بعد يوم ، بدأت تعرف أنها تمتلك سلاحاً جباراً يرعب الجميع ويجبر الجميع على الاستجابة لمطالبها ، هذا السلاح هو الحرب غير المتوازية ، هذا السلاح هو حرب العصابات ، والعمليات الاستشهادية، هذا الأسلوب لا يصلح معه التسليح الأمريكي ولا يصلح معه سلاحها النووي ، ولا يمكن للحكومات العربية أن تحد منه ، إنه سلاح قوي وجبار قوته من قوة الإيمان والاعتصام بحبل الله والتوكل عليه .
    فماذا يمكن أن تصنع هذه الجهة ؟ ، قبل معرفة ماذا يمكن أن تصنع لابد أن نعرف كيف ينظر إليها الأعداء .
    يقول الرئيس الروسي ( فلاديمير بوتين ) خلال الاحتفالات السنوية بالانتصار في الحرب العالمية الثانية والتي جرت في الساحة الحمراء ( إن الوحدة التي مكنت العالم من التغلب على النازية لا تزال مهمة الآن في المواجهة العالمية للخطر الذي تمثله الجماعات الإسلامية المسلحة ، وأضاف : الوحدة هي التي مكنتنا من هزيمة الفاشية ، إن هذه التجربة الفريدة يجب أن تكون درساً في هذه الأوقات التي ظهر فيها تهديد دولي جديد ولمواجهة خطر الإرهاب العالمي الذي يجب أن تتوحد جهود كافة الدول المتحضرة لمكافحته ) .
    قال كيسنجر وزير الخارجية الأمريكي الأسبف في ( المجلة الأمريكية للشئون الخارجية ) عام 1388هـ في شدة الحرب الباردة بين المعسكرين الشرقي والغربي ( إن الخطر القادم على الحضارة الغربية في القرن الحادي والعشرين ليست الشيوعية ، ولكن هذا الخطر يتمثل في الإسلام بما فيها الجمهوريات الإسلامية التي تمثل جزءً من الاتحاد السوفيتي الحالي ) .
    فكيسنجر رغم حدة الحرب الباردة بين المعسكرين يعرف أن الخطر الأعظم هو خطر الإسلام ، وليست هذه المعرفة خاصة بكيسنجر أو بوتين بل هي معرفة عامة وقديمة يعرفها جميع قادة العدو بكافة أشكالهم ، وقد نقلنا في الحلقات الماضية وخاصة الحلقة الثانية و الحلقة الحادية عشرة تصريحات كثيرة تؤكد ذلك ، ولن نطيل بإعادة نقل تلك التصريحات التي تؤكد على أن خوف الأعداء في المنطقة ليس من حكومات المنطقة ، بل هو من شعوب المنطقة وبالأخص من الحركة الإسلامية الجهادية .
    فهذا خوف قديم جداً جداً وليس بجديد ، وليس هذا الخوف نابعاً عن تضخيم له أهدافه ، فهو خوف حقيقي ، لأن الحركة الإسلامية هي حركة عقدية فكرية تعبوية ، لا يمكن أن يتمكنوا من القضاء عليها بالقضاء على مجموعات أو رموز أو شخصيات ، بل هي حركة مستمرة بما أن الشعوب تحمل العقيدة والفكر الإسلامي الصحيح ، فالاستعمار يواجهه الجهاد الإسلامي منذ القدم وقبله الحروب الصليبية ، فلماذا لم ينته الجهاد بانتهاء رموز تلك الحقبة ؟ .
    الإمام شامل بطل القوقاز ضد القيصرية الروسية عندما وقع في الأسر الروسي ، توافد عليه شعب القوقاز ليزوروه في أسره ، فكانوا يحدثونه عن رغبتهم بالهجرة من القوقاز بسبب الاضطهاد وحروب الإبادة ، فكان يقول لهم ( لا لا تهاجروا فسوف يخرج منكم شامل آخر يقودكم إلى الحرية ) ، وبالفعل فقد مر أكثر من قرن وخرج اليوم لهم ( شامل ) آخر ليذيق الروس الويلات والجحيم ، لماذا وكيف خرج ؟ خرج لأن العقيدة الإسلامية والفكر الإسلامي الصحيح باق في الأرض إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها ، لذا فسوف تستمر حركة الجهاد الإسلامي في الأمة من الناحية العقلية للأسباب التي ذكرنا ، ومن الناحية النقلية لقوله r ( لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين على أمر الله لا يظرهم من خالفهم ولا من خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك ) متفق عليه ، ولقوله ( الجهاد ماض إلى يوم القيامة ) ، فاستمرار فعالية شعوب المنطقة وتأثيرها في المنطقة هو كائن عقلاً وشرعاً ولا يمكن أن يزال بحال ، وعندما تأكد الأعداء من هذه الحقيقة توجهوا إلى نزع فتيل تفجير هذه القوة الكامنة وذلك بمسخ الأمة في عقيدتها ودينها وأخلاقها وفي كل مجالات حياتها ، ومشروع الشراكة الأمريكية الشرق أوسطية واحد من برامج مسخ الأمة .
    ولذا فعلى شعوب المنطقة أن تعمل بخطين متوازيين ، خط الجهاد المسلح ضد أعداء الله تعالى في المنطقة وخاصة في العراق وعدم إعطائهم الفرصة على التقاط أنفاسهم ليهجموا على دولة أخرى ، والخط الآخر ترسيخ عقيدة وأخلاق الأمة على الواقع العملي ، بعيداً عن التنظير المثالي الذي لم ولن يظهر بتلك المثالية وبهذه السرعة وفي هذا الزمان ، لينقل الأمة من تحت الحضيض إلى أمة يضاهي وقاعها واقع الصحابة ، فلابد أن نكون أبناء الواقع ونبدأ بالتدريج حتى نصل إلى ما وصل إليه الأولون ، سواء على خط الجهاد أو على خط الإصلاح ، إلا أننا نؤكد أنه لابد من التوازي بين الخطين وليس التقاطع ، وبعيداً عن فكر التصوف الجديد ، الذي يقول لا عمل حتى تبلغ منزلة اليقين ، فنبغي على الأمة أن تبدأ بالجهاد بكل قوة ، وتبدأ بالإصلاح أيضاً وبكل قوة ، ولا تعارض بينهما ، وما عرفت الأمة عن المصلحين إلا أنهم هم المجاهدون والعكس .
    المهم أن شعوب المنطقة لابد وأن تحتل مكانها في تصريف سياسة المنطقة اليوم ، ولن تحتل مكانها إلا بالفدائية والبذل قبل كل شيء ، ولن ننال ما نال الأولون إلا بأن نبذل مثل ما بذلوا ونترك من اللذائذ والنعم مثلما تركوا ، وإن الله لا يضيع عمل المحسنين .
    سائلين الله أن يعز الإسلام والمسلمين وأن يذل الشرك والمشركين ، وأن يفك جميع أسرى المسلمين ، وأن يكتب لعبادة النصر التمكين ، إنه قوي عزيز
    وصلى الله وسلم على نبينا محمد
    وعلى آله وصحبه أجمعين
     
  2.   مشاركة رقم : 2    ‏2003-10-02
  3. الصقر الجارح

    الصقر الجارح قلم فضي

    التسجيل :
    ‏2003-04-18
    المشاركات:
    2,647
    الإعجاب :
    1
    الجهاد في مواطن الجهاد بيان لآبأس بة لآكنة طويل جداُ شكراً لك ياعمران
     

مشاركة هذه الصفحة