البقرة العراقية وذباحوها ( عبد الباري عطوان )

الكاتب : arab   المشاهدات : 370   الردود : 0    ‏2003-10-01
      مشاركة رقم : 1    ‏2003-10-01
  1. arab

    arab عضو نشيط

    التسجيل :
    ‏2002-03-27
    المشاركات:
    359
    الإعجاب :
    0
    هدأت عاصفة التعويضات العراقية للكويت التي اثارها الحاكم الامريكي بول بريمر بمطالبة السعودية والكويت باسقاط مطالبهما في هذا الخصوص تقديرا لظروف العراق الحالية، فقد توقف النواب الكويتيون المعارضون لهذه الخطوة الامريكية عن انتقادهم للحكومة، واصرارهم علي استمرار العراق في دفع هذه التعويضات لانها صدرت بقرار من مجلس الامن الدولي، وهي حق من حقوق الكويت لا يجب التفريط فيه.
    واللافت ان الحكومة السعودية التزمت الصمت، ولم يصدر اي تعليق من جانبها بالسلب او الايجاب. وتجنبت الصحافة السعودية الخوض في الموضوع رغم ان حجم التعويضات المستحقة تصل الي مئة وعشرين مليار دولار، وهو مبلغ كبير يمكن ان يؤدي الحصول عليه الي شطب نصف الدين الرسمي السعودي.
    وربما يعود تراجع النواب الكويتيين عن مطالبهم الحماسية باستمرار دفع التعويضات دون نقصان الي توجيهات حكومية عاقلة ، بعدم الاسهاب في هذا المنحدر الخطر، وضرورة الانتباه الي حجم الكويت ووضعها الراهن، ووجود آلاف الجنود الامريكيين علي ارضها.
    فبول بريمر عندما يصرح بضرورة وقف دفع العراق لهذه التعويضات للكويت والسعودية، فانه لا ينطق عن هوي، فالرجل يمثل ادارة مأزومة سياسيا، ومتورطة عسكريا، ومستنزفة ماليا في العراق. ولذلك يتطلع الي الحلفاء طلبا للانقاذ، وتلميحاته اوامر وتصريحاته مراسيم وفرمانات تستوجب التنفيذ في اقصي سرعة ممكنة.
    كان الاجدر بالكويتيين نوابا وحكومة، التحلي بأعلي درجات الذكاء والمبادرة من جانبهم بـ تجميد التعويضات كبادرة حسن نية من جانبهم تجاه حلفائهم الامريكان ومجلس الحكم العراقي الذي رحبوا به ترحيبا غير مسبوق.
    فالكويتيون، وهنا نتحدث عن المسؤولين، كانوا يؤكدون دائما انهم ضد النظام الحاكم في بغداد وليسوا ضد الشعب، بل انهم الاقرب لهذا الشعب والاكثر تفهما لمعاناته، وطالما انهم كذلك، فانهم مطالبون بمساعدة هذا الشعب فعلا، وعدم مص دماء ابنائه من خلال الاصرار علي تلقي التعويضات كاملة. فالشعب العراقي جائع ومنهك، وبحاجة الي كل فلس من عوائده النفطية لسد الحد الادني من احتياجاته.
    ونذهب الي ما هو ابعد من ذلك قليلا ونقول ان العراقيين هم الاحوج الي مطالبة الكويتيين والسعوديين بتعويضات مالية عما لحق ببلادهم من دمار في الحربين الاولي عام 1991 والثانية في الشهر الثالث من هذا العام.
    فمثلما تطالب الكويت الشعب العراقي بتعويضها عن شهور الاحتلال السبعة، والدمار الذي نتج عنها، فان العراقيين يملكون الحق نفسه بمطالبة الكويت بتعويضات عن دورهم الرئيسي في احتلال بلادهم من قبل الامريكان، عندما خصصوا ثلثي اراضيهم كقاعدة لانطلاق القوات الامريكية الغازية. وتباهوا في اكثر من مناسبة بدورهم التاريخي في تحرير العراق.
    الكويتيون مشهورون بحاستهم التجارية المتميزة، ولكن هذه الحاسة تتواضع امام النهب الامريكي الراهن للعراق، لان التاجر الامريكي محروس بالدبابات وطائرات بي 52 العملاقة وصواريخ كروز ومئة وخمسين الف جندي امريكي وعدة اساطيل تجوب مياه الخليج بكل راحة وانسجام. ولذلك فان فرحة بعض التجار الكويتيين بالحصول علي النصيب الاكبر من الصفقات التجارية في العراق ربما تكون سابقة لاوانها لعدة اسباب، ابرزها ان السيارات الكويتية لم تعد تجرؤ علي تجاوز نقطة صفوان الحدودية اولا، ولان الهوامير الامريكان وحلفاءهم الاسرائيليين باتوا يهيمنون علي كل شيء.
    شركة هاليبرتون التي كان ديك تشيني رئيسا لها حتي ترشيحه نائبا للرئيس بوش فازت بعقود بمئات الملايين من الدولارات في العراق، ورغم نفي تشيني وجود علاقات مع الشركة حاليا الا ان اوساط واشنطن تصر علي انه ما زال مرتبطا بها ولو بصورة غير مباشرة.
    وكشفت صحيفة نيويورك تايمز امس ان مدير حملة بوش الانتخابية عام الفين، اقام شركة استشارات لتقديم النصح للشركات الراغبة في الفوز بالصفقات في العراق، وبين مدراء الشركة الجديدة معاونون سابقون لجورج بوش الاب.
    ولعل توني بن النائب العمالي السابق كان الاكثر تعبيرا عن ما يجري في العراق عندما قال في مظاهرة السبت الماضي ان ما حدث في العراق ليس مجرد غزو او احتلال، وانما هو سطو مسلح علي النفط والارض والمياه والثروات الطبيعية.
    العراق الان بات مستعمرة امريكية مغلقة علي الشركات الامريكية بالكامل، واصبح ممنوعا علي اي شركة عربية العمل هناك، وحتي الشركات التي كان لها نشاط تجاري محدودا مثل شركة بتلكو البحرينية للهواتف النقالة تم طردها من العراق، واعلن بريمر ان العراق مغلق امام العمالة المصرية، رافضا حتي عرض من شركة مصر للطيران بتسيير رحلات جوية منتظمة مع بغداد.
    شيء اساسي وهام يمكن ان يفسد علي الذئاب الامريكية هجومها علي القصعة العراقية وهو المقاومة العراقية المتعاظمة. وهي مقاومة بدأت تفرض نفسها بقوة، ولم تعد عمليات تخريب عشوائية، مثلما كان يردد المسؤولون الامريكان وبعض اعضاء مجلس الحكم العراقي المؤتمرين بامرهم.
    فوكالات الانباء لم تعد تحصي اعداد القتلي والجرحي بسبب كثرتها، كما ان منظر السيارات والعربات العسكرية الامريكية المحترقة علي طرق بغداد والفلوجة والموصل والرمادي بات من المناظر المألوفة التي لا تثير الانتباه من تكرارها.
    الذين ابتهجوا لـ تحرير العراق بفضل الدبابات الامريكية اختفوا، واوقفوا مراسيم احتفالاتهم لان خطر هذه المقاومة بات يهدد بالانتشار، ليس فقط في كل انحاء العراق بل في دول الجوار ايضا.
    توني بلير قال في خطابه امس انه بدأ الحرب في العراق وسيكمل مسيرة السلام فيه، وهو في تقديرنا مخطئ في الاولي ومتفائل كثيرا في الثانية، فالحرب الحقيقية هي التي تدور حاليا علي ارض العراق، اما مسيرة السلام فما زالت طويلة، بل اطول بكثير مما يتوقع بلير وحليفه بوش، بل لا نبالغ اذا قلنا انهما سيطردان من السلطة قبل ان يريا السلام الذي يبشران به في العراق.
     

مشاركة هذه الصفحة