الثأر / قصة قصيرة

الكاتب : جلنار   المشاهدات : 727   الردود : 7    ‏2003-09-28
      مشاركة رقم : 1    ‏2003-09-28
  1. جلنار

    جلنار قلم ماسي

    التسجيل :
    ‏2002-02-28
    المشاركات:
    13,030
    الإعجاب :
    3

    جلنار عبدالله
    الثأر / قصة قصيرة



    كان يجعل للأشياء طعماً مختلف تماماً ، مجنوناً مثلي ، أو أني أصبحت في يوماً مثله مجنونة ، ضحكاته تملىء حارتنا منذ دخولة بوابتها ، وحتى توارية في بيت جارتنا ، أعرفه منذ قطعت أمي حليبها عني ، أكبر مني لكنه كان ينزل إلى مستوى طفولتي ، فيصبح هو طفلي ، أغرقتني أشياءه الصغيرة فأصبحت الأشياء في غرفتي كلها لها أسماء تشبه أسمه ، لم أكبر ، لكني في يوماً قادني قدري إليه قالو أني أصبحت إمرأة ، ولم يكبر في نظري ، لكنهم أدعو أنه أصبح رجل ، ولأن أمي شرقية ، وأبي رجل يعرف أن الإبتسامة بدون سبب لا داعي لها ، قالوا سيضعون جداراً بين المساحة التي يشترك بها بابنا وباب بيت جارتنا " البنت كبرت " !

    ماأتعسها هذه المصطلحات التي تقودني في يوم مشؤم من طفلة إلى " إمرأة " مكتوب عليها أن تخضع لاشياء لم تكن تعرفها من قبل ، وتشعر بأشياء لم تكن تخطر في بالها من قبل ، وما أرخص قانون الأرض حين يقوم بمعادلاته " الغير صحيحة " فأصبح " أنثى " وماادراكم ما " الأنثى " في نظر " الرجل "!

    لم يخضع لقانون الأرض ، ومثله لم أفعل لكنا توارينا عن أعينهم ، فكان سقف منزلنا المتلصق بسقف منزلهم حلقة وصلي به ، يمدني باشياءه الصغيرة وقطعة " الحلوى " التي لاينساها ابداً يخرجها من جيبه وكأنها كنز يحتفظ به لحين عودته ، فيدق نافذة مطبخنا العلوي ، وأتقافز كالقنفذ في دهاليز بيتنا أسابق أقدامي فإما أن تسبقني أو أسبقها ، لكني ، كنت اراه ، وأحدثه ، وأضحك تلك الضحكات التي علمني إياها ، ليضحك هو بملء شدقية ، وماأجملها لحظاتي المسروقة معه !

    لم نكبر أبداً ، أقسم لم نكبر أبداً ، ظل طفلي ، وكنت " صديقته " التي لا يعرف إلا هي ، وصغيرته التي يدللها ، وأبنته التي يحميها في الذهاب والإياب من مدرستها وإليها !

    ابنة خمسة عشر ، وأبن العشرين ! أعرف ماذا يدور في رأس كل منكم !

    لم نكبر وأعيدها وساظل أرددها حتى وإن أنكرها الغير علينا ،

    كنت أشكو كل الأشياء له ، وكان يحدثني ، كنت أبكي ، فكان يخترع " النكات " الرديئة جداً ليضحكني ، وماأسرع ماكنت أذهب في الضحك مثله ، ولا نستيقظ منه إلا حين نشعر بأن صوت أمي يصعد إلى بوابة السقف تنادي ، فنهرع كلِ الى سقف منزله ونحن نتضاحك " كالأطفال ! أقسم إناَّ كنا أطفال ، أعرف لاتصدقونيِ ، لكنه كان يقول لي " لاتهتمي " لذا ، فلن أهتم

    أخبرني عن أباه " المقتول " ثأراً والتى صورته مازلت معلقة على جدران بيتهم جاءه في الحلم يوماً وأحتضنه ، لم أنتبه أبداً لتفسير الحلم ، لكني بشعور داخلي خفت كثيراً وارتجفت ، فهزت ضحكته قلبي وليت قلبي سقط منها وسقطت أنا أيضا !

    وفي يوم مجهولة ساعاته جاء يخبرني أنه قرر أن يسافر إلى " صنعاء " المدينة الكبيرة ، والتي لانعرفها نحن البسطاء إلا على شاشات التلفاز فمدينتنا الصغيرة " جداً " والتي كنا نراها اكبر المدن



    لم تكن إلا أقليم صغير من المدن " الكبرى " ، وبكينا معاً ، وكالأطفال بقينا نحسب الأيام التي ستمر بنا دون أن نرانا ، وبمعادلة أخترعناها معاً ، قررنا أن نرانا كل يوم !

    وسافر طفلي وسافرت روحي معه ، كنت أراه كل يوم ، وكان يزروني كل يوم ، وبقيت نافذة مطبخنا تفتقده جداً ، وأنا رغم أنه قال لي " لا تفتقديني " لأني هنا ، كنت أفتقده جداً ، لكن لأن طفلي لايؤمن بالغياب عنا قرر ان يحذف مصطلحات الغياب ، فحذفتها إقتداء به ،

    وكنت اراه في نفس الموعد كل يوم ، أقسم أني كنت أراه كل يوم ،
    وكلما نهشت مني الوحشة ، والفقد ، واليباب ، عبرت جملته التي سجلها على جدار سقفنا " إن أفتقديني ، فأنتِ معرضة أن تنسيني أيضا " ، فكنت أهرب من كل شيء لأ شعر أنه مازال هنا ، وأن روحي أيضا هناك ، وإنَّا لم نفترق أبداً ، أبداً ..

    أعرف أني مصابة بهوس مثل هوسه ، وماأجمل ذاك الهوس الطفولي داخلنا ، وليته ظل معنا !
    هل تسمعون !؟ ربما لا تسمعون مثله أيضا ..................ليته ظل معنا !

    عامان ، وأنا صنعت لنا خيمة في منتصف السقف الفاصل بين بيتنا ، وبيت جارتنا ، عامان وأنا امد ظلي في مساحتنا الصغيرة ، وأهمس بحزني له ،" عد .. لاأريد القول أني أفتقدك ، كي لا يحدث أن أنساك !؟ عد أحتاج لضحكاتك تملىء حارتنا ، سقفنا ، مساحتنا الصغيرة هذه ، فلا تخذلني ! "

    منذ متى ينتزع الطفل من صدر أ مه !؟ وفي اي شرع هذا يخول لهم هذا ! واي قانون يؤمن بهذا ! تحدثوا بالله عليكم لاتبقون هكذا صامتون ، ولست مجنونة ، ولا أهذي أبداً ، وطفلي يشهد بهذا ، كان يقول " أنتِ أعقلهم جميعاً ، ولا أؤمن إلا بجنونك . !

    لكنه ليس هنا ليخبركم !

    سرقته خناجرهم ، وبنادقهم ، وأسلحة دمارهم ، خطفته مني كلحظاتي المسروقة معه ، ولم يعد!

    صرخ فيهم كثيراً ، لكنهم لم يسمعوا له ، قال لهم أن طفلته تنتظره !لكنهم لم يصدقوه ، وغرسوا خناجرهم دون رحمة في صدره ، قال لهم أن الحلوى في جيبه قد يتغير مذاقها إن لم يسرع بها لصديقته ، لكنهم ايضا لم يستمعوا له !توسل لهم كثيراً ، وهو يقول أن " وجه التفاحة " التي يحلو له ان يسميها به ، قد تغضب إن تأخر عليها ، وقد تحزن ، وقد لاتكف عن البكاء كالأطفال !

    لكنهم أيضا لم يستمعوا له ، وأطلقوا عيارتهم النارية بوحشية على صدره ، ولم يكفوا عن إطلاقها إلا حين انفجر صدره أمامهم ليصنع بركة " دماء " معطرة بذكرى طفلة تنتظره !

    في أحدى شوارع صنعاء " الباهوت " بالنسبة لطفلة سرقوا منها صديقها ، وطفلها وحبيبها ، بركت جثته النقية تغسل عفانتهم ، تطهر خطاياهم ، وتغطي على خيانتهم وخبثهم ، وفقدانهم لمعاني الإنسانية كلها !


    هل تسمعون !؟

    لن أفتقده بعد اليوم ، ولن تكف عيني وقلبي ، وخارطة هذا العمر المخزول والمغزول له وحده ، عن رؤيته ابداً !

    هم لم يأثروا منه ، لكنهم أرادوا تطهير دناستهم بدمائة المغسولة هناك ،هم لم يقتلوه ، لأن الاطفال مثله حتى وإن زرعوا الف جنخر في صدره ، وإن اطلقوا الف رصاصة على راسه ليشوهوا وجهه لايموت إلا مبتسماً ، ولا يموت إلا جميلاً ، ولا يموت إلا نقياً ... ويبقي حبيبي وطفلي الجميل الذي لن يكبر أبداً .... حتى وإن أقام أبي جدار بين منزلنا ومنزل جارتنا ........!



    .
     
  2.   مشاركة رقم : 2    ‏2003-09-28
  3. محمد سقاف

    محمد سقاف عضو متميّز

    التسجيل :
    ‏2002-05-26
    المشاركات:
    1,451
    الإعجاب :
    0
    الثأر


    اختي الكريمة ..
    القاصة ..
    المبدعه ..
    المتألقة ..
    الرائعة ..
    أي حروفٍ من لغتي البسيطة أغزلها .. علها . .تصدق حقاً ما أحسست به !!
    كم انتي مذهلة . .
    بحق لا أعرف ما أضيف . .
     
  4.   مشاركة رقم : 3    ‏2003-09-28
  5. moataz

    moataz عضو نشيط

    التسجيل :
    ‏2003-01-07
    المشاركات:
    368
    الإعجاب :
    0
    نص مقتبس من رسالة : جلنار


    الله الله على العبقرية..:)
     
  6.   مشاركة رقم : 4    ‏2003-09-28
  7. زهرة الصحراء

    زهرة الصحراء مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2002-04-22
    المشاركات:
    3,435
    الإعجاب :
    0
    نص مقتبس من رسالة : جلنار
    جلنار..

    وقفت بحلقي غصة كبيره وانا اقرأ..لا بل وانا اشاهد تلك القسوة وتلك اللاإنسانية التي يتمتع بها اشباه البشر..الذين يرون الثأر ممن لا ذنب له شرف وعز..

    لم تستطع الدموع الانهمار ..تجمدت مكانها..مرت بي ذكريات مؤلمه لأخ ذهب ضحية الثأر الظالم الذي يقتل طفلاً مراهقاً لا يعلم عن الثأر سوى اسمه..فيسرقون روحه الطاهره دون ذنب..

    لكن ما منع دموعي من الإنهمار ليس ذلك..بل عدالة السماء التي اقتصت لأخي..والتي لا بد ستقتص لكل مظلوم في هذه البسيطه..

    كاتبه تحرك المشاعر مع قلمها..

    ابدعت جلنار..

    استمري في العطاء
     
  8.   مشاركة رقم : 5    ‏2003-09-28
  9. فهودي

    فهودي عضو متميّز

    التسجيل :
    ‏2003-05-14
    المشاركات:
    1,408
    الإعجاب :
    0
    (الثأر) كلمة راح ضحاياها الكثير من الأبرياء الذين لا شأن لهم ... قضية مازلنا نشكوا منها حتى يومنا الحاضر ....
    قاصة مبدعة اختي جلناراذهلتيني بسياقك المذهل ... الى الامام
     
  10.   مشاركة رقم : 6    ‏2003-09-28
  11. سد مارب

    سد مارب مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2001-11-29
    المشاركات:
    18,142
    الإعجاب :
    0
    الثأر .......

    مرحبا بعودة جلنار....

    عدتي هذه المرة مع حكاية من نوع اخر مختلفة تماما
    تلاامس ذلك الواقع المؤلم جدا من مجتمعنا الشرقي المسكون بهاجس الثار لكل شي واقعنا نحن المجتمع اليمني
    الثار.......الثار
    كم ابتسامة سرقها وقودا لنار التشفي وهوس الانتقام
    يمشي وهو مطمئين احلام اختزنها بذاكرتة للغد في عرفة هو لا عرف القدر لا يدرك ما ينتظر هذه الامنيات المتبخرة بلعنة الثار ! تغتال احلامة وامالة التي زرعها في قلبة وعقلة هذة العادة المسماة بالثار
    كل هذا من اجل اشباع رغبة الانتقام هذه الرغبة التي عجز فرويد عن شرح ماهيتها السيكلوجية سواء انها طبيعه بشرية خلقت بجيحم الكرهه

    الثار هذا العادة الذي يعاني منة مجتمعنا الذي تحكمة التقاليد والعادات المغروسة بثقافة الارض ومن هذه التقاليد الثار عانينا ونعاني منة كمجتمع يمني غارق في تقاليدة المتصلدة

    زهرة الصحراء : رحم الله اخاك فهو وكثير من زهور شباب مجتمعنا يذهبون ضحية لارضاء "فلسفة الانتقام (الثأر) وهذا المعاناة يشاطرك فيها الكثير


    شكرا للقاصة والكاتبة جلنار

    شكرا على هذه الاقصوصة المميزة بحق
     
  12.   مشاركة رقم : 7    ‏2003-09-29
  13. جلنار

    جلنار قلم ماسي

    التسجيل :
    ‏2002-02-28
    المشاركات:
    13,030
    الإعجاب :
    3
    أخي الكريم / محمد سقاف

    هو الوجع يحاصرنا جميعاً ، الثأر أخي الكريم يجعل الإحساس به أكثر عمقاً

    أسعدني وجودك هنا

    دمت طيباً

    ----------------------

    أخي الكريم / معتز

    راقني انها أعجبتك ، شكراً لك حضورك


    ----------------------


    زهرة الصحراء ..

    لن تزول الغصة منا جميعاً يا زهرة، جمل حزنك صفحتي ، ورغم أنه كان مؤلم إلا أنه لم يخلو من الحزن الجميل ، لنحزن يا صديقة فنحن ابناء الحزن

    دمتِ نقية

    ------------------------

    الأخ الكريم / فهودي

    وستأكل كلمة الثأر هذه الكثير والكثير يا فهودي ، كأنهم حين جئنا إلى هذه الأرض أرضعونا حليبها ، شئنا ام أبينا ، لابد أن تدور دائرتها علينا

    شرفني حضورك هنا

    دمت طيباً


    --------------------

    الأخ الكريم / سد مأرب

    حمداً لله على سلامة حرفك ، لم أعد أنا هنا فلن أخرج من منتدى اليمن طائعة أبداً وتأكد من هذا ، أسعدني حضورك


    دمت طيباً
     
  14.   مشاركة رقم : 8    ‏2003-10-09
  15. moataz

    moataz عضو نشيط

    التسجيل :
    ‏2003-01-07
    المشاركات:
    368
    الإعجاب :
    0
    شكرا:)
     

مشاركة هذه الصفحة