صنعاء ..كابوس جميل!!(قصّة غير قصيرة!!)(3)

الكاتب : الفتى الكندي   المشاهدات : 476   الردود : 5    ‏2003-09-25
      مشاركة رقم : 1    ‏2003-09-25
  1. الفتى الكندي

    الفتى الكندي عضو

    التسجيل :
    ‏2003-08-29
    المشاركات:
    23
    الإعجاب :
    0
    نزولاً عند رغبة الأخت القاصّة(جلنار) في أن ترى كابوساً عن صنعاء...استأذنت
    أبطالي في تجاوز بعض الأحداث....لكي نصل إلى صنعاء!!!
    ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

    تقرّر سفرنا أخيراً, وأقيمت لنا حفلة وداع أتت إليها القرية, حتى نعاجها ودجاجاتهاأيضاً حضرت.....والحفلة في عرفنا
    هي (سمر) يجمع القرويين لوداع من يروم السّفر, وكان سفرنا بمثابة رحلة(مكوكيّة), أهديت لنا النّصائح بكرم عظيم,
    وبكت الأمّهات بحرقة أعظم, وكلّما أردت ونبيل إقناعهنّ أنّ صنعاء داخل اليمن, ولولن وصرخن وكأنّنا نساق إلى المشنقة!!
    كأنّ دموعهن أصدق تعبير عن مستقبلنا, وكأنّ عيونهنّ التي أسرفت بالدموع, ترى ما لانراه نحن......نحن المتحمّسون
    لمستقبل مشرق...في صنعاء!!!
    رحلنا تحملنا روح راقصة, أنسانا رقصها معاناة الفراق, وفي الحافلة سألت نبيلاً:
    -ترى ...بعد أن لاكتنا القرية عشرين عاماً ...أكنّا كالعلك المستهلك...نلفظ كالبصاق؟
    -لا ...لا...كن متفائلاً.....لقد قضمتنا القرية كما يقضم رأس الإراك, ليكون صالحاً
    للاستعمال.....
    -إذاً ...في أي فيه كريه.....سيتم هذا الاستعمال؟
    -رأينا –على الطريق-مدناً وقرى لأوّل مرّة, حينها أدركت كم نبعد عن بعضنا في هذا الوطن(الوحدوي),
    وكم هي كبيرة المسافات بين أفراد هذا الوطن!!
    وبعد رحلة مضنية, سمعنا فيها كل شيء, ونوقش فيها كل شيء, وصلنا إلى صنعاء.....ياه...أي قبر كبير هذا؟!!!
    وقفت الحافلة عند باب اليمن, وهناك وقفنا أبلهين, ننظر إلى هذا الباب الكبير, يشبه(فماً) كبيراً, لم أعرف أكان
    يبتلع النّاس أم يتقيّأهم!!!
    -ياه....انظر..يا نبيل...وكأنّ سكّان اليمن كلهم هنا!!
    -وحشرات اليمن....أيضاً!!!
    لا أدري لماذا تخوّفت من رؤية هذا (الباب), لكنّي كنت في عالم آخر.....رأيت البؤس يعلن عن نفسه بـ(الميكروفون),
    رأيت وجوهاً رسمت الوحشة والفاقة على وجوههم, وجوهاً أخرى!!
    ورأيت البذخ يتبختر هناك.....السّيّارات الفارهة...الأنوف التي تشير إلى السّماء!!
    كانت صدمة موجعة, أكبر من أن يتحمّلها قروي مثلي!!
    كان البؤس يأتي إلينا من كل ناحية, وتذكّرت حينها قولة أبي(عن الحجارة)!!
    ولم أرَ الحجارة في كل ركن من أركان صنعاء فحسب, بل رأيتها في عيون النّاس
    وخيّل إليّ أنّ قلوبهم أيضاً منها, كان المشهد عند باب اليمن كئيباً حافلاً بالوحشة
    والبؤس والفاقة!!
    روّعني منظر المتوسّدين الأرض ....كانت علاقتهم بها بخلاف علاقتنا نحن بالأرض....كانت صلتهم حبالاً من الفقر !!
    أتى إلينا صاحبنا الذي سبقنا بأعوام إلى هنا, وتكفّل بأمر استقبالنا وتهيئة (أحلامنا)التي اغتالتها صنعاء تلك اللحظة!!
    وجدنا كالبله مشدوهين....ضحك مسلّماً وشرع في مراسيم التحيّة والترحيب بنا.
    ابتسم وقال:
    -هاه....أأعجبكم ما تشاهدون؟ هيّا بنا...ففي الغد القريب سترون هذه المشاهد كل يوم, وستملّون رؤيتها,
    وستتكفل العادة بإزالة كل دهشة لديكم!!
    في الأيّام التالية بدأنا رحلة عذاب ترتيب أوضاعنا الجامعيّة, وكانت أحلامنا تتحطّم كل يوم, تتهشّم على عتبات المكاتب .....
    وعند طاولات مقرفة جلس وراءها وحوش يلتهمون (أحلامنا), يمضغونها ثمّ يبصقون بها في وجوهنا,
    وقد تحوّلت إلى (كوابيس) تحمل روائحهم الكريهة.....تبّاً لك ..صنعاء....أيّ بائسة أنت؟
    أيّ تافهة أنت....تعطي الوحوش جسدك يعبثون به وبنا معه!!
    كانت أقدامنا جزءاً لاقيمة له, من مئات الأقدام تقف هناك مع إشراقة شمس صنعاء, شمسها التي كانت ترسل حزمات
    من ظلمة حالكة تقتل طعم الفجر!!
    لم تكن شمساً كشمسنا في القرية, شعرت أنّ شمس صنعاء تزورنا إعلاناً بيوم جديد نُـظلم فيه!! يوم جديد يزداد فيه
    المترفون ترفاً إلى ترفهم, ويزداد البؤساء فيه هبوطاً إلى القاع ....قاع الفاقة ....والشّقاء المر!!
    أين أنت...أبتاه؟ لترى أنّ ليس هنا سوى الحجارة....لا شيء غيرها!!
    كنّا في مأزق شديد.....مأزق إرضاء أنفة القروي...
    .وحاجتنا للدراسة في وطن (درست) فيه روح العلم, وفكّرنا في النكوص أكثر من مرّة, لم يكن عندنا
    نكوصاً بل فوزاً على أخلاق المدينة التافهة!!!
    كنّا نتجرّع مرارة الأيّام , ونحن نرى صنعاء تحتضر ممسكة بأيدينا إلى القبر الذي أعدّ لها.....حاولنا إقناع أنفسنا
    بحياة صنعاء....لكنّها كانت تصفعنا بحقيقة موتها على موائد اللئام!!!
    وفي أحد الأيّام تلك, تذكّرنا أستاذنا الذي أكّد علينا ضرورة (مراسلته), وذكرنا أنّنا منذ قدومنا لم نهده شيئاً من سطورنا,
    ويومها أخذنا القلم وكتبنا –معاً-رسالة إليه:
    ((أستاذنا الكريم:
    ...................
    جعلنا من قلمينا قلماً واحداً, وهانحن نكتب إليك.........نكتب إليك عن صنعاء!!
    لا ندري من أين نبدأ.....وإلى أين سننتهي
    أيّامنا هذه حافلة بالمفاجآت.....الفرق بين قريتنا وصنعاء شاسع ...
    في اليوم الثاني لوصولنا.....طلب منّا صديقنا الذهاب معه لتعزية جارهم بوفاة والده
    ولمّا سألناه متى توفّي........أجاب :
    -قبل عشرة أيّام!!!
    ونحن في القرية نعزّي بعضنا على وفاة الشاة والبقرة.....في اللحظة ذاتها!!
    هنا يا أستاذنا......يعيش النّاس لغيرهم, يحيون كي يفوزوا باسم(الحياة) لا حقيقتها!!
    رأينا النّاس هنا صنفين....لا صلة له بالأرض:
    صنفاً بائساً يجلس عليها ....على أرصفتها ....على بساط كبير من الشقاء!!
    وصنفاً آخر .....فصلتهم عن الأرض ...كل تلك العجلات.....كل تلك السيّارات والحافلات.....متى يلثمون الأرض.....
    متى يعانقونها كما نفعل.....حقاً لا نعلم!!
    والبنايات هنا-يا أستاذ-تنمو إلى الأسفل, إلى القاع......كجذور الأشجار....إلا أنّها لا تملك نقاء الجذور...ولا عطاءها!!
    هنا....غادرت أحلامنا....كأحلام الكثيرين....ولا ندري إلى أين اتّجهت!!
    وأعطتنا صنعاء –بدلاً منها-كوابيس عدّة, تلقانا في نومنا ...ويقظتنا!!
    من العبث أن نخبرك أنّنا قادرين على المسير....
    من العبث أن نخبرك أنّنا سنجد آمالنا في أزقّة صنعاء....أو وسط تجاعيدها المتناثرة....من الخير
    ألاّ نأمل في مدينة كصنعاء.....علينا
    فقط أن نعيش
    وأن نحاول الحياة كما تريدها صنعاء لنا.....بدون ذلك سنرمى ....سنرحل
    كأوراق الشجر في خريف قاسٍ!!
    لكنّنا هنا .....وبكوابيسنا.....وبمآسينا....وبأحزاننا .....
    عندما نتذكّر أنّنا نحن الذين أتوا من (الجنوب)....ننتمي إلى قلب كبير
    ووطن أغلى من قلوبنا.....ننتمي إليه .....وقد ذابت كل تلك السدود..
    عندها-ياأستاذ-نستطيع أن نخبرك.....بكل ثقة...وبكل حب....وبكل صدق
    أنّ صنعاء ....قلب وطننا الكبير........كابوس جميل...............
    بل هي أجمل...من كل حقيقة.........وأحلى من كل حب.........
    ..........................تحيّاتنا...................))
     
  2.   مشاركة رقم : 2    ‏2003-09-26
  3. الفتى الكندي

    الفتى الكندي عضو

    التسجيل :
    ‏2003-08-29
    المشاركات:
    23
    الإعجاب :
    0
    هذه هي الحلقة الأخيرة من كابوس صنعاء الجميل.
    وستبقى صنعاء رمزاً لحبّنا الكبير......ووحدتنا التي عادت بكل قوّة
    وسأمكث ألعن من يغتال طهر صنعاء ....ومن يقتل فيها فجر الأمل
    لكنّ صنعاء.....صنعاء...ستبقى في القلب....بل هي القلب
    إليك صنعاء....أيّتها الحبيبة....سطور أحد أبنائك....أحد عاشقيك
    أتى إليك من الجنوب...قطعتك التي عادت إليك....جاء إليك على أجنحة الحب
    والعشق والهيام.....إليك سيّدتي(صنعاء)...
    ..فهل ستقبلين هديّتي
    ولتكن هذه آخر سطوري في منتدى الحب والجمال
    وإن أغضبت أحداً.....
    فلأجل صنعاء!!
    فهل يقبلون العذر؟
     
  4.   مشاركة رقم : 3    ‏2003-09-29
  5. جلنار

    جلنار قلم ماسي

    التسجيل :
    ‏2002-02-28
    المشاركات:
    13,030
    الإعجاب :
    3
    لله درك إيها الفتى الكندى

    لم أكن أعلم أن صنعاء معشوقة الكثير ، كما رأيتها في سطورك هنا ، نعم كنت هناك في كل نبض ينبض به أهلها ، نعم كنت هناك ، ومازلت أسافر إليها في كل مرة أقرأ لك أحدى كوابيسك عن صنعاء

    صنعاء لابد منك وإن طال السفر / ما أصدقه من قول

    دام نبض قلمك إيها الفتى الكندى
     
  6.   مشاركة رقم : 4    ‏2003-09-29
  7. الفتى الكندي

    الفتى الكندي عضو

    التسجيل :
    ‏2003-08-29
    المشاركات:
    23
    الإعجاب :
    0
    أيّها الأخت المبدعة الفاضلة
    صنعاء تأبى إلا أن يكون كل حب موجّه إليها.....لأنّه نبع منها....أليست (صنعاء)
    قلبنا الذي ينبض حبّاً لوطننا الجريح.....لوطننا العظيم؟
    كلماتك-يعلم الله-شهادة أعتز بها لأنّها أتت من مبدعة في القصص, ومن محبّة
    لصنعاء....ككل أبناء يمننا المبارك.
    لك كل الشكر أيّها الفاضلة, وأدام الله عليك بركته وإنعامه
    وحفظ الله صنعاء.....حفظ الله (جنّتنا)....حفظ الله يمننا
    وأزال من على وجهه مسحة الحزن.....إنّ الله نعم المجيب.
     
  8.   مشاركة رقم : 5    ‏2003-09-30
  9. زهرة الصحراء

    زهرة الصحراء مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2002-04-22
    المشاركات:
    3,435
    الإعجاب :
    0
    أنّا للكابوس أن يكتسي جمالاً! إلا انها صنعاء من كسته ذلك الثوب الجميل..

    قصة حملت في لي في بداياتها تصوراً خاطئ عن الكاتب..وضننته حاقداً قلبه مليئ بالسواد..فكيف لشخص ان يتحدث عن معشوقتي بهذه الطريقه الموجعه..

    لكن صنعاء في النهاية انتصرت على الكاتب..واقنعته أنها جميلة عشاقها السل والجرب..فما ذنبها إن كان عشاقها يسكنهم من الأمراض ما لا آمل في شفاءه؟

    قلمك يحمل الكثير من المشاعر..وينثر الإبداع بين ثنايا الحرف..

    تحية تقدير لهذا القلم القادر
     
  10.   مشاركة رقم : 6    ‏2003-10-01
  11. الفتى الكندي

    الفتى الكندي عضو

    التسجيل :
    ‏2003-08-29
    المشاركات:
    23
    الإعجاب :
    0
    الأخت الفاضلة:
    أبعد الله عنك سوء الظن قليله وكثيره.
    وانتصار صنعاء عليّ .....وهزيمتي أمامها أجمل هزيمة ...
    أتغنّى بها وأرفع بها رأسي!!!
    لك جزيل الشكر على كلماتك
    واعتذاري أعلاه هو لك ولإخوانك الذين علّقوا على الموضوع (الآخر)!!
    أتمنّى قبوله.....وهاأنا أقدّم حب صنعاء بين يديّ!!
    وكلّما أردت الانسحاب من هنا....أرجعتني صنعاء.
    والآن أقول: هذه آخر سطور الفتى الكندي!!
    وغفر الله لنا جميعاً .
     

مشاركة هذه الصفحة