دروس من الإسراء والمعراج

الكاتب : الحُسام اليماني   المشاهدات : 519   الردود : 6    ‏2003-09-23
      مشاركة رقم : 1    ‏2003-09-23
  1. الحُسام اليماني

    الحُسام اليماني مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2002-06-07
    المشاركات:
    3,541
    الإعجاب :
    0
    دروس من الإسراء والمعراج

    أخواني الأعزاء و في هذه المناسبة و من باب التذكير و ليس من باب البدعة فنحن لا مؤمن بالإحتفال بهذه المناسبة و هي من البدع التي انتشرت بين المسلمين و لكن في الحقيقة هي أحد المعجزات التي أيد الله سبحانة و تعالي رسولة الكريم و كان فيها الكثير من العبر و العظات و هنا دعوة لكي ناخذ منها العبرة فأني ادعو أخواني الأعزاء بالمشاركة في وضع الدروس المستفادة من هذا المناسبة و جزاء الله الجميع خير الجزاء .


    تمر علينا ذكرى الإسراء والمعراج وأمتنا المسلمة لا زالت حيرى.. تتيه وسط ركام من الغفلة والضياع, لذا فهي في حاجة ماسة إلى نهضة إيمانية عالية تعيد لها مجدها وتأخذ بها حقها السليب, فيعلو نجمها الذي أفل.

    وأستاذنا الأستاذ/"عمر التلمساني" رحمه الله رجل من رجال الدعوة الإسلامية في عصرها الحديث منذ عرف طريقه إلى الله وهو في جهاد حتى توفاه الله يطوف بنا حول الذكرى، مبينًا ما علينا من واجبات نحو ديننا وأمتنا.

    الحُسام اليماني


    • معجزة الإسراء والمعراج

    • من مآثر الإسراء والمعراج

    • الصراع بين المادة والروح

    • كيف نحتفل بالذكرى

    • واجبنا نحو القدس


    في يوم من أيام عام الأحزان الذي تُوفي فيه أبوطالب عم رسول الله- صلى الله عليه وسلم- كافله في حداثته والحاني عليه في بدء رسالته– وتُوفيت زوجته السيدة خديجة- رضي الله عنها- في يوم من أيام هذا العام الموحش الحزين، أراد الله جلت قدرته أن يخفف عن حبيبه محمد- صلى الله عليه وسلم- ما ألم بساحته من حزن، وأن يمسح بيد الرحمة على صدره.
    في هدأة الليل وسكونه، سطعت أنوار نفحات الرحمة الإلهية، وتفتحت أبواب تجليات العلي القدير، وهبط أمين الوحي جبريل- عليه السلام- وأخذ بيد سيدنا محمد- صلى الله عليه وسلم- على صورة ليس من شأني معرفة كنهها؛ لأنها حصلت وأنا أومن بحصولها- أخذه بيده عليه السلام مُيممًا بيت المقدس وصاعدًا به إلى السموات العُلى، حتى بلغا مستوى سَمِعَا فيه صريف الأقلام، فأحجم جبريل وتقدم سيدنا محمد- عليه أفضل الصلاة والسلام، حتى ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى*فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾ (النجم: 9،8) كيف؟ لا أدري وإن كنت بذلك مؤمنًا موقنًا، فالكيفية المغيبة لا تغير من حقيقة رسخت في القلب، وأصبحت وخفقانه إلى أسمعها وأحس بها سواء بسواء.

    هنالك التقى الحبيب بالمحبوب وسعد الطالب بمناجاة المطلوب، وفاضت منح التجليات الإلهية، والفيوضات الربانية، وأعد السمع البشري لتلقي الأمر الإلهي بما ليس في قدرة مخلوق أن يصفه أو يتصوره ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى* مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى* أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى﴾ (النجم: من الآية10 إلى 12).


    أ. عمر التلمساني

    هذا هو مدى علمي وثقتي ويقيني بحادث الإسراء والمعراج، والخوض في ذلك لا يزيد من الإيمان، ولا ينقص من اليقين، أما الذي يعنيني حقًا- ويجب أن يعني كل محب لدينه- هو ما أفاضته هذه المعجزة من خير وقيم على الإنسان الذي لم ينج من الخسران، إلا من آمن وعمل صالحًا وتواصى بالحق وتواصى بالصبر.

    أُسري برسول الله- صلى الله عليه وسلم- حيث صلى إمامًا بجميع الأنبياء والمرسلين- عليهم جميعًا أفضل الصلاة والسلام- ثم عرج به إلى السموات العُلى فنال هناك ما نال, وسعد ما سعد، وناجى وشهد، وقرب واقترب، ثم عاد إلى الأرض، بعد كل هذا التشريف له.. هل غير ذلك شيئًا من تواضعه؟ أبدًا، وظل- صلى الله عليه وسلم- كما هو، الوفي الهين اللين حامي الأخلاق، شعاره "هون عليك"، فهل لمن نال مكانة منا، أو حظى بمرتبة، أن يظل من حُسن الخلق والتواضع حيث هو؟ أرجو وآمل، إن النبيل لا يزداد على نباهة الذكر، وعلو الشأن إلا إيناسًا ولطفًا ورقة ورحمة وتواضعًا.

    من مآثر الإسراء والمعراج اختبار صدق المؤمن، وتمحيص يقينه، وامتحان وثبوت العقيدة في وجدانه، فالإسراء والمعراج حدثٌ فوق مستوى القدرة البشرية، وفوق قُوى العقل الإنساني، ولكن المؤمن الصادق الإيمان لا يزعزع من يقينه أخطر الأحداث ولا أبعدها أثرًا في الحياة، ولما طرق سمع الناس خبر هذه المعجزة، راحوا بين موقن ومتشكك وساخر ومنكر، حتى قال أحدهم لأبي بكر- رضي الله عنه- ألم تسمع أن صاحبك يقول: أنه أُسري به إلى بيت المقدس، ومن هناك عرج به إلى السماء، وعاد قبل أن يبرد مكانه من فراشه؟! فكان جواب المؤمن الواثق الوفي: لئن قال ذلك فقد صدق، ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّن يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلاَّ عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللهُ وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ (البقرة: 143).


    يتابع
     
  2.   مشاركة رقم : 2    ‏2003-09-23
  3. الحُسام اليماني

    الحُسام اليماني مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2002-06-07
    المشاركات:
    3,541
    الإعجاب :
    0
    ونحن مسلمون وقد وعدنا الله النصر في الدنيا ويوم يقود الأشهاد ونتلفت حولنا، فنرانا أسوأ الناس حالاً في جميع بقاع الأرض، في كل ناحية من نواحي الحياة العامة والخاصة، فنتساءل أين نصر الله الموعود؟! وقبل أن نسأل هذا السؤال كان لزامًا علينا أن نسأل أنفسنا أنحن المؤمنون قولاً وعملاً حتى يتحقق فينا نصر الله؟! فإن صدقنا أنفسنا، لأيقنا أن وعد الله حق، ولكننا نحن الذين أخرنا تحقيق هذا الوعد الصادق، بما نحن عليه من تراخ، وإهمال وتعويق وانصراف، ويوم أن نكون مؤمنين حقًا فلسنا في حاجة إلى سؤال، لأن نصر الله سيأتي طواعية من غير شك وعلى غير انتظار ﴿إِن تَنْصُرُوا اللهَ يَنْصُرْكُمْ﴾ (محمد:7).

    ما من شك أن الإسراء والمعراج حدث، وحدث غاية في الروعة والإعجاز، لا من ناحية قدرة الله سبحانه وتعالي، فذاك مقام لا يعجزه شيء مما يخطر على بال بشر أو لا يخطر، ولكنه حدث يبين للحضارة الجبارة التي نحياها ونعاصرها، أن الإنسان قديمًا جاوزت سرعته سرعة الضوء، وتخطت طاقته قوة الجاذبية فخرج من نطاقها سالمًا سويًا، فتجاوز ما هو في علم البشر حتى اليوم.

    ولو أن علماء المسلمين واصلوا البحوث والدراسات التي قدمها لهم أوائلهم في علوم الحساب والجبر والهندسة والفلك والطب والكيمياء والآلات الدقيقة، ولو أنهم ساروا على دأبهم ونهجهم، لو أنهم فعلوا ذلك- وكان واجبًا عليه أن يفعلوه- لكننا اليوم نحن أصحاب سفن الفضاء ومفجرو الذرة، ولكنهم قعدوا فتخلفوا وخلفوا ولكنهم غفلت هممهم فغادرتهم السيادة، ولكنهم شغلوا بغير ما يجب عليهم فأفلتت من بين أصابعهم القيادة.

    أعطيت ملكًا فلم أحسن سياسته*** كذلك من لا يوسوس الملك يخلعه
    إن معجزة الإسراء والمعراج تؤكد لنا، أن عنصري تكوين البشر المادة والروح في صراع لا يتوقف ولا يتخلف، المادة تريد أن تهوى به إلى الطين، والروح تحاول أن تسمو به إلى مصدرها، فإن انتصرت المادة، قُضي على كل الفضائل والمثل، ومن هنا تعين مقاومة النزوات الرخيصة، بكل ما أمدنا الله به من حزم وعزم، والزهد عن كل ما يباعد بيننا وبين ربنا والتزام كل ما يربطنا بتوجيهات السماء، فإن حرصنا على ذلك وعملنا له، أتانا الفوز، وتجنبنا الضياع.

    قد تكون الحرب ضروسًا مضنية- ولابد أن تكون كذلك- تستوجب الكثير من الصلابة والعناد في مقاومة الغرائز والهوى، ولكن النتيجة المسعدة حسًا ومعي ستكون حقًا غريزة الجني، دانية المنال، وإذا ما ألقت النفس الكفاح والصبر من أجل الوصول إلى الخير، فستجد في ذلك من راحة القلب، ما يفتقده الكثيرون من صرعى الأهواء ونوازع النفس الرخيصة وتزيين الشياطين.

    إن معجزة الإسراء والمعراج التي حدثت منذ أربعة عشر قرنًا تقريبًا أثبتت بشكل لا يقبل الشك، أن في مكنة الإنسان- معانًا من الله- أن يغزو الفضاء بلا آلة ولا سفينة، وأثبتت أن قوى الكون كلها مسخرة لخدمته ومنفتعة ﴿وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ﴾ (الجاثية:13) فدوره في هذه الحياة أن يستغل هذه القوى عن طريق العلم والبحث والتفكير القائم على الإيمان الصحيح.

    قد يعجز البعض عن الإيمان بهذا الحديث فكريًا، بيد أن الحقائق العلمية التي نعاصرها اليوم، وتسلسلها مترابطة عامًا بعد عام لا تؤدي إلا إلى التصديق الراسخ، بكل شيء تحدث عنه رب العالمين وإلا كان جل جلاله في غنى عن ذلك فهو رب وإله أمن الناس أم لم يؤمنوا ﴿فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ (الكهف:29) الله خلق العقل في الإنسان، وهذه حقيقة، هذا العقل المصنوع بعلم الله وحكمته وخبرته، وصل إلى حدٍ من الذكاء تمكن معه من اختراق الفضاء بالآلات التي هداه إليها إعمال هذا العقل في ميادين العلم والاستنباط والابتكار، ألا يستطيع صانع هذا العقل أن يصل إلى أبعد وأدق وأعجب مما وصل إليه هذا العقل الذي هو خلقه وصنعته؟! ففيم الحيرة وفيم العجب؟ وفيم الاستحالة وفيم الشك والتشكيك؟!.

    إن كل ما حل بنا من نكبات، وكل ما هُوينا إليه من انحطاط وتأخر وضعف، كان نتيجةً لابد من الوصول إليها، بسبب ما أصابنا من خلل في العقيدة، جريًا وراء ما نقرأ وندرس من آراء ونظريات، لا تقوى على الوقوف أمام التفكير الهادئ البسيط السليم، ولكنها فرضت علينا فرضًا، لقد جربنا وجرب العالم كله هذا التخبط فسالت دماء البشر تصبغ وجه الأرض بالأحزان والويلات والنكبات الموجعة المضنية المرهقة، فما لنا لا نرجع إلى تعاليم ديننا، وخاصةً أنه قد ثبتت فوائد التجريب من الناحية العلمية التي نفتتن بها.

    لعلكم تروني قد بعدت شيئًا عن المعجزة التي نحتفل بها، ولكنني كما قلت لا يعنيني الاحتفال بها في السرادقات وتحت الأنوار، وفي وسط الجموع، فكل هذا لا يقدم ولا يؤخر في قدر المعجزة، أما أننا نتعظ ونعتبر ونعمل، لنخرج من الضعف إلى القوة، ومن التأخير إلى التقدم، ومن الانحطاط إلى الارتفاع ومن الذلة إلى العزة، فهذا هو الذي يعنيني حقًا، ويحببني في الكلام، وهذا هو حقًا الاحتفال بهذه المعجزة، وهذا هو اليقين الذي يجب أن نعيش فيه.

    أليس من العجيب أن السرى بالليل، وأن المعراج ارتفاع إلى ما فوق الفوق، ثم يكون حال أتباع صاحب هذه المعجزة، أنهم لا يسرون ليلاً ولا نهارًا، في سبيل عقيدتهم ودعوتهم، كي يعودوا بها إلى سالف مجدها، يشمخون ولا يربؤون بهاماتهم ارتفاعًا عما هم عليه، ولا يحاولون التخلص من الوهدة التي تردوا فيها، وأن تكون كل حيلهم كلامًا وأحفالاً؟!.
    إن الاحتفال بهذه الذكرى يدل مظهره على تعظيم شأن هذه المعجزة الباهرة، ولكن أيكتفي ربنا منا بالقول والمظهر؟ وهل نحن بمنجاة من التهديد الرباني الرهيب ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُونَ* كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللهِ أَن تَقُولُوا مَا لاَ تَفْعَلُونَ* إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَّرْصُوصٌ﴾ (الصف: من الآية2 إلى الآية4) أين العمل المصدق لما نقول؟ أين المهرب من مقت الله إذا ظللنا نقول ولا نعمل؟ أين هي وحدة الصف وترابط القوى، وتضافر الجهود؟ يجب أن نُغير ما بأنفسنا حتى يغير الله حالنا، إننا نُسيء إلى أنفسنا بهذه الأقوال والأحفال، أكثر مما نحس بها إليها، إذا كان حظ الدعوة الإسلامية منا كلامًا ولا شيء غير الكلام أين حالنا اليوم من يوم كانت السيادة كل السيادة لنا، والقوة كل القوة عندنا والعلم كل العلم من نبع مواردنا، يوم كنا نُحاسب أنفسنا قبل أن نحاسب، يوم نُعرَض ولا تخفى منا خافية، ليكن حفلنا هذا عهدًا بيننا وبين ربنا على بدء عهد جديد، تشعر فيه الدنيا بأسرها، وأن المسلمين قد أفاقوا من نومة لم ينمها قبلهم أحد.
    أرى خليل الرماد وميض نار وأخشى أن يكون لها ضرام
    فإن النـار بالعودين تذكو ونار الحـرب أولها كـلام
    أقول من التعجب ليت شعري أيقاظ أمية أم نيام؟!
    نحتفل بهذه الذكرى ونحن- لا شك- على يقين من جلالها فليتبع هذا اليقين الاعتماد الراسخ بصدق من كرمة الله بهذه المعجزة، فيما جاءنا به، حتى تكون الحصيلة إخلاصًا في تنفيذ تعاليم هذه الدعوة كلها.. عبادات ومعاملات، لو تحقق هذا الإخلاص فينا لاستطعنا دون شك بفضل الله، أن ننجح في كل شيء، فهل نحن هناك؟ أسأل الله جلت قدرته، أن ينظر إلينا نظرة عطف تبدل كل شيء تبديلاً، وما ذلك على الله بعزيز.

    يتابع
     
  4.   مشاركة رقم : 3    ‏2003-09-23
  5. الحُسام اليماني

    الحُسام اليماني مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2002-06-07
    المشاركات:
    3,541
    الإعجاب :
    0
    إن مسؤوليتنا في هذه الأحفال غاية في الخطورة؛ لأننا نستقبلها في بهجة وإعزاز واعتزاز، حتى إذا ما انتهينا منها عدنا كما كنا (وكأنك يا أبا زيد ما غزيت)، ولخير لنا في مسؤوليتنا بين يدي الله ألا نحتفل بهذه الذكريات المجيدة، لأنها ستناقشنا يوم الحساب يوم الدينونة الكبرى، هل حققتم ما ظننتم به عزًا للدعوة، أم تركتموها حيث بدأتم معها؟
    إن بيت المقدس أولى القبلتين، وثالث الحرمين، والمسجد الذي عرج منه الرسول الله- صلى الله عليه وسلم- يئن اليوم أنين الضارعين، ومن وطء أقدام أشد الناس عداوةً للمسلمين، يفعلون فيه ما يشاءون.. لا رحمة ولا شفقة ولا تحرج، ولا تأثيم ولا استحياء، ولا حسيب ولا رقيب، حتى من هيئة حقوق الإنسان في منظمة الأمم المتحدة أنا لا أقول: اقتلوا اليهود، فدين الرحمة يحرم التقتيل، ولا أقول: ألقوا بهم إلى البحر فدين السلام لا يرضى بإلقاء الناس إلى البحر، ولكنني أقول: انهضوا وأفيقوا وكونوا رجالاً، يتحقق لكم كل ما تريدون.

    إن بيت المقدس هذا يختصم اليوم المسلمين جميعًا في سائر بقاع الأرض أن تركوه نهبًا للطامعين، لا يرقبون في أحد من أهله، ولا في بقعة من بقاعه ومقدساته، إلاً ولا ذمة.
    إن بيت المقدس هذا يهيب اليوم بكل مسلم على وجه الأرض، يحتفل بذكرى الإسراء والمعراج، أو لا يحتفل، أن يجهد ناصبًا، وأن يأرق ليله ساهرًا، ونهاره عاملاً جاهدًا، أن يفكر وأن يستعد، وأن يعد لإنقاذه مما حل به من هوان وامتهان، حتى يعود حرًا كريمًا مقدسًا، وإلا فما أقسى الحساب يوم التغابن.

    بدأ الإسراء من المسجد الحرام وانتهى في المسجد الأقصى، فلنبدأ باليقظة حتى نصل إلى تحقيق الآمال.. وقوف الداعية عند دعوته ولو كذبه الناس واستهانوا به هذا هو واجبنا الوحيد اليوم.

    تسألونني، وأنا أسأل نفسي معكم: ماذا نفعل؟ وهذه هي قوى الأرض كلها تقف ضد المسلمين تحول بينهم وبين استنقاذ ثالث الحرمين، فأقول: "أما إن المسلمين مسؤولون جميعًا عن ضياعه، بسبب انصرافهم عن تعاليم دينهم فذنب من كبار الذنوب التي يؤاخذ عليها المسلمون، لأنه إثم وقعنا فيه جميعًا.

    أما أن المسلمين لا يزالون حتى اليوم على ما كانوا عليه بالأمس، فجرم أكبر وأضخم.
    أما أن المسلمين لا يؤرقهم، ولا يهزهم ضياع هذا الحرم من الأعماق، فهذا هو الواقع الأليم، حتى ولو لجأنا إلى المكابرة والإنكار، وإلا لما كانت هذه المساخر التي تموج بهذا البلد ليلاً ونهارًا.

    أما أن المسلمين كل شأن المسجد الأقصى معهم اليوم، هو مصمصة الشفاه وهز الرؤوس أسى وتحسرًا، فهو وضع الذل خير منه بكثير.

    كل ذلك كائن وسيكون، إذا بقي الحال على هذا الوضع الكريه، ولقد سبق في التاريخ المعروف لنا جميعًا، أن هذا الحرم قد انتزعه الصليبيون من بين أيدي المؤمنين، وبقي تحت سلطانهم عشرات السنين، إلى أن أجمع المسلمون أمرهم، ثم جاءوا صفًا فاستعادوه وبقي لهم مئات السنين، وهذه عبرة التاريخ لمن أراد عبرةً، وحرصًا على عز كريم.

    ليبق المسجد الأقصى مع (الكيان الصهيوني) ما شاء الله أن يبقى، فهذا هو الأمر الواقع الذي نشهده اليوم، ونحياه، ومن السخرية أن ننكره أو ننساه، ولا حيله لنا فيه، لأن سياسة حُكم ما قبل عام 1971م هي أول الأسباب وآخرها في هذا الضياع.

    أما الذي يجب علينا- إن كنا فعلاً على عزم في استرجاعه- فهو أن نغير ما نحن عليه من عبث واسترخاء، ليبدلنا الله به قوة إيمان وصدق يقين، فقوة المتصل بربه فوق قوى المدافع والصواريخ.

    لتكن حياة المسلمين طيلة كل يوم، الذكريات الفاجعة لهذا الضياع حتى لا ينسوه في غمار ما تطالعنا به الصحف ويسمعنا إياه المذياع، وما يُشهدنا فحشه التليفزيون صباح مساء، وتعرضه علينا السينمات والمسارح، لنصرخ في آذان المسؤولين طوال اليوم، كفى وسائل الإعلام عبثًا وإسفافًا وانحدارًا، وتعويقًا عن غفلة أو عمد، لتذهب البرامج السخيفة الماجنة إلى مباءات القمامة والقاذورات، واطلعوا علينا بما يُنشئ أولادنا رجالاً كرامًا مسلمين، إن هذه البرامج تهدم وتحطم كل ما يقوله ويفعله الراغبون في إصلاح الحال.

    متى يبلغ البنيان يومًا تمامه إذا ما كنت تبني وغيرك يهدم؟!
    لنُقبل على الله حتى يمن علينا بالرجولة المؤمنة الطاهرة التي تفعل الأعاجيب، وليس هذا على الله بعزيز، إن الظالم القوي لظلمه وجبروته نهاية، وقد رأينا أن الله يداول الأيام بين الناس.. لنعدَّ ونستعد حتى إذا جاءت الفرصة، وجدتنا أيقاظًا متأهبين.

    لا يشغل البال أن المسجد الأقصى قد خرج من بين أيدينا، فهذا هو واقعنا المرير، إنما الذي يشغل- ويجب أن يشغل- كيف نستعيد ما أفلت منا؟ بأي الوسائل؟ وعلى أية صورة؟ هذا هو الشغل الشاغل، والهم المقعد المقيم.

    أما هذا الاستخذاء، المزري الشائن، أما هذا الموات المخزي المهين، فذا هو خزي الدنيا، وعار الحياة، وسوء المنقلب يوم الحساب، ليعاهدْ كل منا نفسه أنه سيذكر المسجد الأقصى نهاره وليله، وأنه سيربي أولاده على استنقاذه، وأنه سيحدث أهله وأصدقاءه في كل لقاء، ولو رموه بالجنون، هذا هو بدء الطريق، وكل من سار على الدرب وصل.

    أيها الإخوة، هذه ذكرى من الذكريات كريمة، وآية من آيات الله عظيمة ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ (ق:37)


    بقلم الأستاذ عمر التلمساني

    نشرت بمجلة الدعوة العدد (13) رجب 1397هـ، 13 يونيو 1977م
    [/SIZE][/COLOR]
     
  6.   مشاركة رقم : 4    ‏2003-09-23
  7. Super Linx

    Super Linx عضو متميّز

    التسجيل :
    ‏2003-02-24
    المشاركات:
    1,880
    الإعجاب :
    0
    جزاك الله خيرا يا اخي
     
  8.   مشاركة رقم : 5    ‏2003-09-24
  9. أبو الفتوح

    أبو الفتوح مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2000-12-25
    المشاركات:
    7,833
    الإعجاب :
    31
    بارك الله فيك استاذنا القدير ونفع الله بك . هي مناسبة عزيزة على قلوبنا فيها نال أكبر شرف على ظهر الأرض نبينا وحبيبنا محمد رسول الله عليه صلوات الله وسلامه من يومنا هذا إلى يوم الدين . الحقيقة اننا نستفيد من هذه الدورس يوميا.
     
  10.   مشاركة رقم : 6    ‏2003-09-24
  11. DEDO

    DEDO عضو متميّز

    التسجيل :
    ‏2003-03-24
    المشاركات:
    1,553
    الإعجاب :
    0
    بارك الله فيك عمي الحسام اليماني ..
    وكثر من أمثالك ,,, وجعلك قدوة لنا ..
     
  12.   مشاركة رقم : 7    ‏2003-09-26
  13. عبدالرشيدالفقيه

    عبدالرشيدالفقيه مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2002-12-01
    المشاركات:
    3,577
    الإعجاب :
    0
    نشكرك أستاذنا القدير لقد عرجت بنا إلى كل ماهو سام ونبيل وغالي .. فجزاك الله خيرا
     

مشاركة هذه الصفحة