صنعاء ....كابوس جميل!!(قصّة غير قصيرة)(2)

الكاتب : الفتى الكندي   المشاهدات : 467   الردود : 2    ‏2003-09-22
      مشاركة رقم : 1    ‏2003-09-22
  1. الفتى الكندي

    الفتى الكندي عضو

    التسجيل :
    ‏2003-08-29
    المشاركات:
    23
    الإعجاب :
    0
    قالت لي جدّتي محاولة إقناعي بحق الأرض عليّ:
    -إنّ صبر رجالنا –بعد رحيلهم-يسافر من قبورهم إلى الجبال, ألا تراها تحرس أرضنا وتجمع الأمطار المتناثرة لتهديها إلينا؟!!
    -.............
    -لذلك ياولدي.....صبرك أيضاً سيذهب إلى الجبال...وسترى أنّـك....
    -لكنّي لن أموت في أرضكم!!. قاطعتها
    -آه......لكن الأرض هي الأرض...مت أينما شئت ....فإنّما اختلفنا نحن الذين نسعى على وجهها ونتنكّر لها!!
    -إذاً لن تجدوا عنديّ صبراً لكي يرحل إلى جبالكم!!
    ابتسمت وقالت:
    -ستذهب سماداً!!!.....ولن تعدم الأرض من جسدك فائدة!!
    ضحكتُ وقبّلت جبهتها, وعند خروجي سمعت أختي الصّغيرة تسألها:
    -لكن..جدّة....إلى أي الجبال رحل صبر جدّي؟!!
    وعند خروجي سمعت صوت أبي يأتي من حجرته:
    -متى ستسافرون ياولدي؟
    كانت أوّل كلمات تخرج منه بعد تلك المغاضبة, دخلت عليه فوجدته محتبياً يدير حبوب مسبحته بين أصابعه, جثوت عند قدميه وقبّلتهما وأنا أبكي , رأيت الشّقوق التي حفرتها الأرض على قدميه, وأدركت كيف يقطع من لحمه ليصنع لنا حياة كريمة, ارتميت في حضنه وأنا أسأله أن يسامحني, عندها شممت الأرض, والأشجار, والسّنابل, شممت فيه حياة الكد والشّقاء, والأصالة والنقاء والصّبر..وضع يده على رأسي.....أحسست برعشة تسري إلى جسدي كلّه, وجاء صوته حانياً :
    -لا عليك يابنيّ......إنّ أخوف ما أخافه أن ترحل القرية من جسدك, وأن تغادر قلبك فتغدو غريباً علينا.....سترحل إلى المدينة وهناك ستجد (الحجارة) في كل ركن من حياتها, أخاف أن تغزو الحجارة قلبك, وأن ترحل روحك القرويّة لتحل محلّها
    أشباح المدينة!!
    كنت أجيب كلماته بالدموع, عجزت كلماتي عن الخروج, كان كلامه يضيء أنحاء روحي الثّائرة, لكنّني كنت أشعر بثورة تعترم بداخلي, كانت كلماته تبني أفكاره ....وثورتي تهدمها هدماً!!...أحسست لحظتها بالضّياع, شعرت بمئات الأرواح تتعارك في أوصالي المنهكة, سمعت أصواتاً عدّة تدعوني إلى طرق شتّى!!!
    وأنا....في أشد ما تكون الحيرة , وأقصى ما يكون الشك!!
    وقفت أمام كل ذلك تائهاً, تاهت عيناي....تاهت أذناي.....خار عقلي منهاراً أمام
    كل هذا الضّجيج!!!
    أتاني صوت أبي ينشلني من بين الرّكام:
    -ياولدي.....أريدك أن تعدني وعداً ثابتاً ثبات جبالنا!!
    -............
    -عدني أنّك ستضع القرية مكان روحك وقلبك....أن تكون هي حياتك, فإذا رحلت القرية من جسدك رحلت معها!!!
    -...........
    -أتستطيع أن تعد وأن تفي!!!
    -أعدك...أبتاه....سأحمل القرية حتّى أدخل بها قبري!!!
    ..........................................................
    قرب موعد رحيلنا(أنا وصديقي نبيل)إلى صنعاء, فأردنا أن نجدّد الذكرى, وأن نلقي على القرية نظرات تصل إلى أعماق قلوبنا, فذهبنا إلى صخرتنا.....حيث حفرنا هناك -عليها- آثار الأيّام, سمعت منّا الصّخرة أحلامنا وأحزاننا, ضحكاتنا وآلامنا, سمعت مذاكرتنا للدروس وسخريتنا بالمدرّسين والمدرسة, كانت قلباً أميناً وضعنا فيه كل آثار السّنين!!
    كنت أبكي بحرقة..وأنا أرى اسمينا وتواريخ النّجاح, وبعض أبيات الشّعر ....محفوراً كل ذلك على الصّخرة!!
    وكان نبيل يبكي بحرقة دامية, لكنّه يبكي على (صخرة) أخرى ..في (قلبه)!!
    كنت على علم بقصّة تلك الصّخرة, التفتّ إليه وقلت :
    -اسمع يا نبيل....لطالما قال والدك (الحكيم):أنّ الحب لا يغزو سوى قلوب النّساء ...لأنّهنّ فارغات عقول وقلوب!!!
    وهذا ما كان يردّده العم أحمد...والده!!
    -آه....صار أبي اليوم حكيماً.....تبّاً لك ولنصائحك!!
    -أتدري؟....إنّ حالك مع صخرتك كحالنا مع قريتنا!! إنّنا نحب القرية وندافع عنها أمام (الغريب)...لكن لا تخرج من أفواهنا كلمة إعجاب بالقرية عند اختلائنا بأنفسنا!!
    أتتذكّر ذلك المدرّس ..المسكين...عند أن دخل علينا الفصل يوماً....وأخذ يلقي علينا شيئاً أسماه(شعراً) يتغزّل فيه بقريتنا!!
    أتتذكّر كيف انفجر الفصل بالضّحك والسّخرية, ليس لأنّه قال شعراً مكسوراً!!
    فما كنّا نحفل بذلك ....ولا نعرفه!!!....لكن لأنّه مدح القرية وكان ذلك علامة على جنونه عندنا...!!
    -أتريد منّي أن أرسل رسالة غرام إلى....
    -لا ....لا ...تبّاً لك ولأفكارك....أنت تعلم أنّ المسكينة لن تفهم الرّسالة, وأنّها ستحسبها إشارة على جنونك!! وعندها تخسرها وتخسر عقلك!! وستقسم هي بالأيمان المغلّظة-وهي المحبّة- أنّها لن تتزوّج معتوهاً يرسل إليها رسالة!!!
    كما ترسل إدارة الكهرباء فواتيرها......فأنت تعلم أنّ الرسائل الوحيدة التي تصل إلى القرية هي تلك الفواتير الملعونة!!!
    -وما الّذي بيدي فعله؟
    -اخطبها من أبيها(عمّك)....تجاوز حاجز العجز هذا!!
    لكنّي عندما رأيت عينيه ......رأيت الصّخرة تغرق....تغرق في بحر من العجز!!!!
     
  2.   مشاركة رقم : 2    ‏2003-09-22
  3. جلنار

    جلنار قلم ماسي

    التسجيل :
    ‏2002-02-28
    المشاركات:
    13,030
    الإعجاب :
    3
    كنت أتوقع أن أجد لصنعاء كابوس آخر من كوابيسك الجميلة

    جميل ماقرأت

    بالتوفيق
     
  4.   مشاركة رقم : 3    ‏2003-09-23
  5. الفتى الكندي

    الفتى الكندي عضو

    التسجيل :
    ‏2003-08-29
    المشاركات:
    23
    الإعجاب :
    0
    الأخت المبدعة الفاضلة
    لولا كوابيس صنعاء ما وصفت القرية, هي قادمة .....قادمة بآلامها وعذابات الحروف....قادمة بأشباحها......قريباً.
    لك كل الشكر.
     

مشاركة هذه الصفحة