حواء” في اليمن.. حكاية فيتنامية! (منقول)

الكاتب : سرحان   المشاهدات : 2,155   الردود : 2    ‏2003-09-20
      مشاركة رقم : 1    ‏2003-09-20
  1. سرحان

    سرحان مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2001-07-19
    المشاركات:
    18,462
    الإعجاب :
    23
    صنعاء محمد الظاهري:

    في احد الشوارع الفرعية القريبة من جامعة صنعاء القديمة يوجد مطعم صغير يقدم وجبات لذيذة، لكن ليست يمنية، انها وجبات فيتنامية بأيدي طهاة فيتناميين أيضاً. لا توجد لافتة تشير إلى المطعم ولكن رائحة الطعام هي الاشارة، ولهذا لا توجد تسمية غير (مطعم الفيتناميين)، وهو واحد من عشرات منتشرة في اليمن معظمها في صنعاء وتعز وعدن ظهرت عقب الحرب الفيتنامية الأمريكية.

    وقد سألت أحد الفتيان الذين يعملون هناك، وأخبرني أن بإمكاني التحدث إليهم، كان الدافع وراء التطفل لهجة صنعانية يتحدث بها الوجه الآسيوي الصغير بشكل مبهر.

    اللحم المفروم الوجبة الوحيدة التي يقدمها المطعم في قاعة صغيرة لا يزيد طولها على ستة أمتار وعرضها على ثلاثة أمتار متصلة عبر نافذة صغيرة بممر ضيق كان مدخلا للمنزل وأصبح اليوم مطبخا للطهو، نلمح فيه عبر النافذة نفسها وجها فيتناميا لفتاة وآخر لامرأة متقدمة في السن تجتهدان في تقديم الطلبات.

    الأسرة كلها تعمل في المطعم الذي يحتل جزءا من المنزل، ويقومون وحدهم بتجهيز وتقديم كل هذه الوجبات لزوارهم، وعلى غير العادة لا يبدو أن الوجه الجميل الذي يظهر بشكل خاطف هو سبب تزاحم الزبائن هناك فكثيرون يشترون غداءهم ويحملونه إلى أماكن أخرى.

    قال أحد الزملاء الذي شاطرني الطاولة معلقا على مذاق الأكلات المقدمة في أطباق نظيفة: “إنهم يقدمون لك طعاما لتأتي في اليوم التالي، لا لتدفع الفاتورة اليوم فقط”.

    لم نكن نعلم من أمر الأسرة المثابرة غير أنها فيتنامية هربت من حرب فيتنام الشهيرة، وبعض شائعات بأنهم يمنيون، لكنه كان احتمالا ضعيفا، فالأبوان مثلا لا يجيدان التحدث بالعربية وكان على قاسم، وهو الفرد العاشر في العائلة، القيام بدور المترجم.

    وبشكل مفاجئ أخبرنا بأن اسم والده هو (محمد أحمد البعداني) من مديرية (بعدان) في محافظة إب، وهي محافظة غزت كل بقاع العالم، لكن (فيتنام) لم تكن مدرجة في قوائم وجهات المغتربين اليمنيين القدامى في اعتقادنا.

    قال محمد البعداني: “كانت ظروف الحياة في اليمن صعبة” وحين قرر والده أحمد البعداني السفر إلى فيتنام كان واحداً من أربعة آلاف يمني هناك. حدث ذلك عام 1936 وبرفقته أخواته الثلاث وأحد أشقائه، وحين وصل عمل في ميناء لشحن البضائع، وحصل على الجنسية الفرنسية في ظروف حرب كانت فرنسا طرفا فيها وقد توفي قبل عودتهم إلى صنعاء.

    قبلها كان قد أنجب محمد الذي تحدثنا إليه من أم فيتنامية، وأدخله معهدا خاصا لدراسة اللغة الفرنسية، واستعان به أيضا في عمله، وحين بلغ محمد البعداني الثامنة عشرة اقتيد إلى الجيش في حملة تجنيد إجبارية، وكان موعد الحرب الشهيرة يقترب، يقول البعداني: “كان كل شخص يصل سن الثامنة عشرة يؤخذ إلى الجيش”.



    خطوة الأب والابن: لم تكن الحياة هناك أكثر استقراراً، فالحروب لم تتوقف، “لكنها كانت أفضل من الحياة في اليمن تلك الأيام” حسب تأكيد محمد البعداني. وقد حذا حذو أبيه وتعرف إلى فيتنامية اسمها (حواء المرقوم هوانج) تزوجها عام 1976 ليضيف لقب (البعداني) إلى اسمها وينجب منها هناك جميلة، وحسن وسارة، ثم دارت رحى الحرب.

    “كانت حربا شرسة” هكذا وصفها، وقد اشترك البعداني فيها ولم يغادر فيتنام قبل انقضائها، وقال : “كانت فيتنام منقسمة على نفسها مثل اليمن، الشمال الاشتراكي والجنوب الليبرالي”، بالنسبة إليه كان ضمن المحاربين الجنوبيين في صف القوات الأمريكية مثل معظم الشباب اليمنيين المتزوجين بنساء فيتناميات.

    شراسة الحرب أنها تحولت الى حرب عصابات، وكانت الكمائن تنصب في كل مكان، ولم يُجْد القوات الأمريكية وأنصارها تفوقهم الآلي، وقال البعداني: “كان الناس يموتون كل يوم بأعداد هائلة”.

    حين انتهت الحرب عام 1975 وانتصر الشمال على الجنوب وطرد الأمريكيون من فيتنام، ضم الجيش الفيتنامي الجنوبي إلى الجيش الشمالي، وبينهم محمد البعداني ويمنيون آخرون، وأصبح هاجس العودة يلح عليهم أكثر، خاصة أن الأنباء الآتية من اليمن كانت تدعو الى التفاؤل.

    وقد قرر أحدهم جمع أسماء اليمنيين هناك وإرسالها إلى مكاتب الأمم المتحدة في صنعاء، وكان معظم الباقين ممن تزوجوا فيتناميات. وقال البعداني: “لقد ولدنا في فيتنام، وتزوجنا هناك وأنجبنا، وكنا بحاجة الى التأكد من أن زوجاتنا لن يمنعن من الدخول إلى بلدنا الأصلي”.

    الرسالة نوقشت في صنعاء وعرضت على الرئيس اليمني يومها إبراهيم الحمدي الذي وافق على عودة كل اليمنيين مع أسرهم ومعاملتهم معاملة الأسر اليمنية وليس كلاجئين.

    وقال محمد البعداني : “عدت إلى اليمن عام 1976 وعاد معظم اليمنيين من هناك”، وانخرطوا في المجتمع اليمني الذي “تغير كثيرا اليوم” فالناس لم يشعروه بأنه غريب وكانوا يتجاهلون مظهر أبنائه الآسيوي.

    وأخيرا استفاد البعداني من فرنسيته، وتمكن من الحصول على عمل عقب عودته مع شركة فرنسية في مجال شق الطرق كانت توفر مصدر دخل جيد، وقال البعداني: “كانت الأسعار جيدة والحياة سهلة يومها.. كانت الحياة تزدهر بسرعة”، وبعد أكثر من خمس سنوات بقليل انتهى الأمر، لقد انتهى عقد الشركة الفرنسية مع الحكومة اليمنية وبدأت تحزم حقائب السفر.



    سمعة حواء: في الوقت نفسه كانت سمعة أطباق “حواء” تتسع، وبدأ الرجال يلحون على زوجاتهم تعلم ما تقوم به الفيتنامية، وقال البعداني : “كان أصدقائي يسألوني دائما عن سر أطباق زوجتي ويقولون إنها لذيذة”، ولتدبير مصدر دخل جديد اقترحت “حواء” فتح مطعم للأطباق الفيتنامية، وعلق البعداني بسعادة : “كانت حواء صاحبة الفكرة”، وكان ذلك عام 1980 والمكان في محافظة تعز التي سكنوها أول الأمر، ربما لأنها كانت أكثر المحافظات اليمنية الشمالية انفتاحا ولأنها مركز للمثقفين والحداثيين، وقد نفذت الأسرة الفكرة، وحظي الفريق الصغير بقليل من النجاح كان كافيا لتيسير حياة جيدة، لكنه أثار حفيظة بقية الأسرة في (بعدان) التي لم تسافر، فهم من طبقة اجتماعية لا يليق بها العمل في مطعم.

    كان الأمر سيغدو أكثر صعوبة لو أن أصول الأسرة “المهجنة” من صعده مثلا، أو صنعاء، لكنه مر بسلام، فالمحافظات الوسطى التي هاجر معظم أهاليها إلى دول غربية أكثر تفهما ولا تولي الأمر كثير اهتمام، وقال البعداني: “ما زالوا يزوروننا” وقد زارهم في (البلاد) كما يسمي اليمنيون قراهم الأصلية خمس مرات، منها مرتان مع أبنائه الكبار، وكانت الأولى عقب عودته لكنه لم يتمكن من العيش هناك.

    مطلع التسعينات حين وصل بعض الأبناء مرحلة الدراسة الجامعية اتخذت الأسرة قرارا بالانتقال كلها إلى صنعاء ليبقوا مع بعضهم بعضاً، لم يكن من السهل أن يعيشوا متفرقين، فقد تغير الأمر وأصبحت الفتيات يتعرضن للمضايقة بسبب ملامحهن.

    وسبب آخر، لقد هجر محافظة (تعز) كثيرون حتى من أهاليها الأصليين وانتشروا بين صنعاء وعدن، وكان معظم الفيتناميين من أصول يمنية ضمن هؤلاء، وقرر معظم المتزوجين بفيتناميات فتح مطاعم للأكلات الفيتنامية.

    في صنعاء حولت الأسرة جزءا من منزلها مطعما بعد حصولها على ترخيص بذلك من السلطات المختصة، والمطعم مسجل باسم (حواء) التي حصلت على الجنسية اليمنية عام 1991 لكنها لم تتمكن من توسعته، شأنها في ذلك شأن كثير من المطاعم الفيتنامية أو الحبشية أو غيرها التي افتتحها عائدون من دول مختلفة لهم أصول يمنية.

    قال البعداني: “لم تعد الحياة سهلة، لقد ارتفعت الأسعار”، كما أصبحت الأسرة أكبر، وتضم ليلى (25 عاما) التي حصلت على وظيفة في مطار صنعاء، والتوأمين سليمان وسالم (23عاما) اللذين تركا المدرسة في المرحلة الابتدائية وفضلا التفرغ للعمل في المطعم، ووردة (22 عاما) التي تدرس الأدب الإنجليزي في جامعة صنعاء، وقاسم (20عاما) الذي قام بدور المترجم في حديثنا مع والديه، ووليد (16 عاما) وهاني (14 عاما).

    أصبح البعداني يضطر أحيانا الى أخذ جزء من راتب ابنته لسداد ما يعجز عن سداده، فهم يستأجرون منزلا بخمسة وعشرين ألف ريال، وقال: “تصل مع فواتير الكهرباء والماء والهاتف إلى أربعين ألفاً” وهو بيت ضيق مقارنة بحجم الأسرة، ويحتل المطعم جزءا كبيرا منه وتشاركهم فيه أسرة ابنه حسن (33 عاما) الذي تزوج بيمنية.

    لقد كان الأمر صعبا في البداية التقدم إلى أهل الفتاة التي اختارها، وقال الأب : “لقد رفضوا في البداية وقالوا هؤلاء صينيون لا نزوجهم”، لكنهم قبلوا بعد التأكد من أصولهم اليمنية، ويعمل حسن في إحدى الشركات التجارية.

    وقال البعداني : “الناس أصبحوا لا يصدقون أننا يمنيون ويقولون أحيانا كلاما سيئا وينادوننا باعتبارنا “صينيين”.. لكنه كلام أدخله من أذن وأخرجه من أخرى”، وبرر مع (حواء) عدم إجادتهما للغة التي تحول بينهما وبين الناس أنهما نادرا ما يختلطان بالناس بسبب حاجز اللغة نفسه ولم يحاولا ذلك.

    بالنسبة الى الفتاتين، جميلة (35 عاما) وسارة (30 عاما)، فقد تزوجتا بفيتناميين من أصول يمنية، لكن لم تحظ الأسرة بلقاء أي من الأبناء الذين عاشوا في فيتنام فترة الحرب وانتقلوا الى اليمن ويجيدون العربية.

    وقال قاسم محمد البعداني انهم يتعرضون أحيانا للمضايقة، لكن حين يتحدثون، يكف عنهم الناس، ولديهم أصدقاء كثر في المدرسة والجامعة، وقال : “لا يعاملوننا كأجانب، لكنهم يمزحون معنا أحيانا بسبب شكلنا”، وأكد مع أخوته أنهم سعداء بما هم عليه.
     
  2.   مشاركة رقم : 2    ‏2003-09-21
  3. لمياء

    لمياء مشرفة سابقة مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2002-10-08
    المشاركات:
    2,738
    الإعجاب :
    0
    تحياتي لك اخ سرحان وشوقتني لان اذوق اطباق حواء وارى هذه الاسرة
     
  4.   مشاركة رقم : 3    ‏2003-09-29
  5. وفاء الهاشمي

    وفاء الهاشمي مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2001-12-24
    المشاركات:
    8,130
    الإعجاب :
    0
    أخي سرحان نقل موفق وموضوع
    شهي قصة عائلات شردتها الحروب .

    ولابد عند سفري الى أرض الموطن
    وفي صنعاء سأبحث عن مطعم حواء
    الفيتنامية وأكلها الذيذ .

    وقد عملت هكذا وبحث عن مطعم حبشي
    يقدم ( الزجني ) واصبح مطعمي المفضل
    أثناء تواجدي في العاصمة وهو بجانب
    أدارة الأتصالات .

    والزجني عبار على لحوح حبشي وفي
    وسط الحلوح يضعوا الطبيخ لحار جدآ من
    الدجاج أو اللحم .

    تحياتي أخي الكريم
     

مشاركة هذه الصفحة