رحلة الشيخ الزنداني.. من "الرأي" إلى "الفتوى"

الكاتب : الصلاحي   المشاهدات : 659   الردود : 0    ‏2003-09-17
      مشاركة رقم : 1    ‏2003-09-17
  1. الصلاحي

    الصلاحي مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2001-07-20
    المشاركات:
    16,868
    الإعجاب :
    3
    [​IMG]
    رحلة الشيخ الزنداني.. من "الرأي" إلى "الفتوى"


    د. خالد شوكات


    في لقاء خاص جمعني بالشيخ عبد المجيد الزنداني، نشر تفاصيله قسم الأخبار في شبكة "إسلام أون لاين.نت" يوم 2-7-2003، حدثني العالم المسلم رئيس جامعة "الإيمان" الإسلامية في صنعاء، وهو يعرض إلى حال المسلمين في الغرب، برأي يرى أنه بمقدوره أن يساعد الأقليات المسلمة على تجاوز المشكلات التي تعاني منها الأجيال الشابة الناشئة في محيط اجتماعي وثقافي متناقض في كثير من قيمه وعاداته مع تلك السائدة في المجتمعات المسلمة.

    وأكد الشيخ الزنداني في اللقاء المذكور على أن قوله -أو مقترحه- لا يعدو أن يكون "رأيا" دعاني إلى استفتاء المجلس الأوربي للإفتاء فيه، وقال إنه يدرك مسبقا أن هذا "الرأي" لن يجد عند الناس قبولا سهلا، وأنه سيصطدم بعقليات اجتماعية وعلمية جامدة، كما سيواجه عادات وتقاليد معارضة.

    غير أن وعي الشيخ الزنداني بحجم المشكلات التي يعاني منها شباب الأقليات المسلمة وأولياء أمورهم يدعوه إلى الجرأة في الصدع برأيه، دون أن يصل الأمر عنده إلى مستوى "الفتوى"؛ ذلك أن للفتوى شروطا من بينها الإلمام بأحوال المعنيين بها إلماما جيدا، وهو ما لا يتوفر للشيخ الفاضل، ومن هنا دعوته إلى استفتاء المجلس الأوربي للإفتاء، المتخصص في دراسة أحوال المسلمين في أوربا، والإجابة عن أسئلتهم، وبيان الأحكام الشرعية في القضايا المطروحة عليهم.

    لقد تحدث الشيخ الزنداني عن متابعته لمعاناة المسلمين في الغرب، فيما يتعلق بتربيتهم لأبنائهم، وللضغوط النفسية والأخلاقية التي يتعرض لها الشباب المسلم، في مجتمعات متحررة على مستوى العلاقات الثنائية بين الإناث والذكور، وعلى صعيد أنماط الصلات الجنسية السائدة بين أفراد المجتمع.

    وقد أكد الشيخ الزنداني في اللقاء ذاته على أهمية انتباه المسلمين في الدول الأوربية لخطورة القضايا ذات الصلة بالعلاقات الاجتماعية والجنسية، حيث تشكل هذه القضايا في غالب الأمر -خصوصا بالنسبة للشباب- المدخل الرئيسي للشرور والانحلال الأخلاقي وضعف الوازع الديني.

    في هذا السياق ذكر العالم المسلم بقاعدة "التيسير" التي يستند عليها الفقه الإسلامي، وبارتباط الفقه الإسلامي شرعيا وتاريخيا بخصوصية المكان والزمان، ومراعاة هذا الفقه للمتغيرات الجارية على حياة الناس، ومن هنا دعوته إلى النهوض بما أصبح يعرف بـ"فقه الأقليات" والعمل الدءوب على تطويره.

    كما قال الشيخ: إن التيسير في الفقه الإسلامي المعاصر ومسايرته لحالة نشوء الأقليات المسلمة في الغرب يقضي بتيسير الزواج أمام شباب هذه الأقليات إلى أقصى حد ممكن، دون إخلال -بطبيعة الحال- بشروط الزواج الشرعية المتعارف عليها، وذلك من باب مساعدتهم على اتقاء شرور الفتن المحيطة بهم من كل جانب.

    ولتقريب الصورة أكثر عمد الشيخ الزنداني إلى استعمال "القياس"، فقال: إنه بدلا من أن يدخل الشباب المسلم في الغرب في علاقات "بوي فريند" و"جيرل فريند" تأثرا بما هو سائد في محيطه الاجتماعي الغربي الغالب يجب أن تتاح له فرصة بناء علاقة زوجية ميسرة، أو ما يمكن أن يطلق عليه "زوج فريند"، وترجمته العملية أن يتزوج الفتى والفتاة دون أن يشترط امتلاكهما بيتا، فالبيت ليس شرطا شرعيا من شروط الزواج.

    ** قضية عزفت على وتر حساس

    وعلى نحو لم يكن متوقعا أحدث رأي الشيخ الزنداني -الذي أصبح معروفا بفتوى "زواج فريند" - ضجة واسعة في العالم العربي والإسلامي، كان مردها الضجة الإعلامية التي أثارتها من حوله وسائل الإعلام العربية التي يبدو أنها قد وجدت في الرأي مصدرا للإثارة، وعنصرا لإحداث الجدل واستقطاب الجمهور.

    ففي اليوم التالي لنشر الحوار في "إسلام أون لاين.نت" أعادت جريدة "الشرق الأوسط" التي تصدر من لندن، وفي صفحتها الرئيسية الأولى، نشر خبر موسع عنه، مرفقا بصورة للشيخ الزنداني، قبل أن تتلقف إذاعة "بي بي سي" العربية القضية وتطرحها على الرأي العام في إطار ندوة على الهواء، استضافت لها عددا من الباحثين والعلماء، وأتاحت فيها مجالا لتعدد الآراء، كما خصص برنامج "للنساء فقط" الذي تبثه قناة "الجزيرة" حلقة خاصة لمناقشة المسألة، وما تزال وسائل إعلامية أخرى تثير القضية.

    والحق أن تناول وسائل الإعلام العربية بشكل واسع لرأي الشيخ الزنداني كان له بلا شك أثر فعَّال في إعطاء قضية اجتماعية حساسة -ترتبط بها قضايا أخرى لا تقل أهمية- حقها في التحليل والمناقشة، غير أنها في الوقت نفسه أحدثت انحرافين على أصل الرواية: أولهما أن الشيخ الزنداني قال "رأيا" وطلب فتوى المجلس الأوربي للإفتاء فيه، وثمة فرق بين "الرأي" و"الفتوى" كما هو معروف. وثانيهما أن الشيخ قد خص مسلمي الغرب بالرأي، ولم يخص غيرهم من المسلمين الذين يعيشون في مجتمعات مسلمة ولا يتعرضون لنفس الضغوط التي يتعرض لها أبناء الأقليات المسلمة في الدول الغربية.

    والبين أن مرد الانحرافين المذكورين (أي تحويل الرأي إلى فتوى، ثم تعميمه على سائر المسلمين) أسبابه متعددة، من بينها بحث وسائل الإعلام -وخصوصا القنوات الفضائية- عن الإثارة واستقطاب أكبر عدد من المشاهدين كما سبقت الإشارة، بالإضافة إلى طَرْق الشيخ لقضية حساسة وشائكة، وملامسته جرحا اجتماعيا تباينت آثاره السلبية وتنوعت، على نحو أصبحت دائرة المتضررين منه تشمل كافة الفئات والشرائح الاجتماعية، فضلا عن تجديفه النسبي في محيط "الممنوعات" داخل الثقافة العربية والإسلامية.

    ** بين "المسيار" و"المتعة"

    لقد تناول رأي الشيخ الزنداني مسألة العلاقات بين الرجال والنساء، كما تناول أيضا مسائل ذات صلة، من ضمنها الظروف النفسية والأخلاقية والاجتماعية الضاغطة؛ ولأن هذه العلاقات والظروف لم تعد -بفعل العولمة ربما- خصوصية من خصوصيات الغرب، فقد رأى البعض -فيما يبدو- أن القضية لا تعني فقط المسلمين في الغرب، بل المسلمين في كل مكان.

    كما أن رأي "زواج فريند" قد شكل فرصة -كما ظهر ذلك في وسائل الإعلام- لإعادة النقاش والجدل حول قضايا سابقة ذات علاقة، كما هو الشأن بالنسبة لـ" زواج المتعة" المعروف عند الشيعة، أو "زواج المسيار" المعروف في بعض الدول الخليجية، أو "الزواج العرفي" المعروف في مصر وبعض الدول العربية الأخرى، وجميعها قضايا متعلقة بصلات زوجية "غير عادية"، تمانع أطراف شرعية وعلمية واجتماعية واسعة في قيامها.

    وإلى هذه القضايا شكل رأي الشيخ الزنداني مناسبة أيضا للتطرق لمواضيع اجتماعية مشتقة، أصبحت في السنوات الأخيرة مصدر انزعاج وقلق في جل المجتمعات الإسلامية، مثلما هو الشأن بالنسبة لـ"العنوسة" و"العزوبية" أو علاقة الصداقة بين الجنسين قبل الزواج أو الثقافة الجنسية... إلخ، وكلها مواضيع تستحق مناقشة واسعة ومستفيضة، تشترك فيها كافة الأطراف المعنية بها.

    وخلاصة القول.. أن أهم ما كشفت عنه رحلة الشيخ الزنداني الأخيرة من "إسلام أون لاين.نت" إلى سائر وسائل الإعلام العربية، ومن حالة "الرأي" إلى حالة "الفتوى"، ومن دائرة "مسلمي الغرب" إلى "الدائرة الإسلامية" الموسعة.. حاجة جمهور المسلمين إلى انفتاح الفقه والفكر الإسلاميين على قضاياه الحرجة والمقلقة، بكثير من الجرأة والشفافية، وهو ما يمكن أن يتعلم دائما من سيرة العلماء المجددين، وأظن الشيخ الزنداني من هذه الفئة الطيبة.
     

مشاركة هذه الصفحة