حامد ( قصة قصيرة )

الكاتب : البلق الأوسط   المشاهدات : 566   الردود : 2    ‏2003-08-30
      مشاركة رقم : 1    ‏2003-08-30
  1. البلق الأوسط

    البلق الأوسط عضو

    التسجيل :
    ‏2003-01-13
    المشاركات:
    91
    الإعجاب :
    0
    حامد



    لم تحالف حامد ابن الخامسة عشرة الظروف ليواصل دراسته.. ، لقد اضطر إلى ترك المدرسة مثل الكثير من أبناء جيله للبحث عن عمل يضمن له لقمة العيش .. أراد أن يتعلم مهنه في يده .. ، ومثل الكثير من أبناء قريته .. عمل أولا صبي حلاق لدى أحدهم .. ، كان على حامد أن يبدأ أولا في مراقبة الحلاقين ومساعدتهم حتى يتعلم المهنة .. ، ثم إن أحدا من الزبائن لا يمكن أن يسلم رأسه إلا لحلاق يعرف أنه يجيد المهنة.. ، كنس الشعر المتناثر على أرضية الصالون .. مسح وتعقيم المقصات .. مسح المرايا بالمطهر وبقايا الصحف .. إحضار الشاي لأحد الزبائن المنتظرين ... ، وغير ذلك من الأعمال المساعدة التي كان على حامد أن يبدأ بها أولا .. ، والتي كان ما يتقاضاه مقابلها لا يكاد يساوي شيئا.
    كان حلم حامد قبل أن يعمل في صالون الحلاقة أن يواصل دراسته ، وأن يتخصص في دراسة العلوم السياسية .. ، ولم يكن يشبع رغبته تلك ، ولو جزئيا .. إلا حين يجد الفرصة المناسبة لتصفح المجلات والصحف التي لا يكاد يخلو منها أي صالون حلاقة لشغل الزبائن المنتظرين لدورهم .. ، لقد كان صاحب الصالون كريما مع حامد حين كان يحرص دائما أن يعلمه ، ويزوده ببعض النصائح :
    الزبون دائما على حق.
    قناعة الزبون بالحلاق هي الأساس.
    احرص على عودة الزبون إليك مرة أخرى.
    ..... وهكذا.
    لم تمض على حامد سوى ثلاثة أشهر حتى أصبح يتقن المهنة بشكل جيد .. ، وتمكن بعد فترة وجيزة من الحصول على كرسي مستقل في الصالون الذي تعلم فيه المهنة .. ، يعمل طوال اليوم ويسلم لصاحب الصالون نصف الدخل الذي يحصل عليه .. ، هذه هي القاعدة المتبعة في جميع صوالين الحلاقة تقريبا.
    بعد مضي سنة تقريبا تمكن حامد من افتتاح صالون مستقل بمشاركة حلاق آخر يدعى منصور ، وهو من أبناء قريته أيضا.. ، وبدأ يكسب عدد لا بأس به من الزبائن .. ، ومع نجاحه في العمل .. لم يكن يفارق ذهنه متابعة الأحداث السياسية المحلية والعالمية .. ، وكان أفضل الزبائن بالنسبة له هم أولئك الذين يكون لهم رأي سياسي معارض لما يطرحه هو .. ، أو أولئك الذين يتقبلون منه رأيا سياسيا معارضا لما يطرحونه هم .. لأنه يجدها فرصة مناسبة بعد ذلك لتوضيح رأيه وإيضاح حجته حتى يثبت أنه على حق وليس الزبون .
    كان زميله منصور يحاول دائما كلما انفرد به أن يقنعه بأن طريقته في مناقشة القضايا والأحداث السياسية مع الزبائن سيدفع بعضهم إلى البحث عن صالون حلاقة أخر لا علاقة له بالسياسة .. ، وحين كان حامد يرفض انتقاد زميله منصور .. كان هذا الأخير يقترب منه ويهمس في أذنه قائلا:
    - أنا أخاف عليك .. لأن حديثك عن بعض القضايا قد يجعلك تقضي بقية عمرك في السجن ... وبالذات حين تتحدث مع الضابط هشام.
    وحين يبدأ حامد في الاستسلام لأفكاره .. ، وكأنه يفكر جديا في كلام زميله .. يسترسل منصور في الحديث آملا أن ينجح في إقناعه .. فيقول:
    - ألا تعرف أنه ضابط!!؟
    ينهض حامد ، ويعيد ترتيب أدوات الحلاقة المرصوصة بعناية أمام الكرسي الخاص به ، ويرد على منصور دون أن ينظر إليه:
    - أنت تهول الأمور .. هشام نفسه يتحدث معي بقلب مفتوح .. ، ويصل به الحد أحيانا إلى انتقاد الأوضاع ، وإظهار السخط وعدم الرضى عن توجهات الدولة والحكومة.
    - حسنا أنت حر .. ، ولكني أخشى أنه يسعى لاستدراجك.
    لم يعر حامد كلام زميله منصور أي اهتمام .. ، ولم يعلق عليه.. ، واكتفى بأن تناول المكنسة اليدوية ليجمع بقايا الشعر المتناثر على أرضية الصالون ، ويكومه في الزاوية المجاورة للباب.. ، ثم استلقى على كرسي الانتظار .. ، وقال لزميله منصور وهو يبتسم بطريقة كوميدية:
    - أنظر إلى تلك الزاوية التي فيها كومة شعر الزبائن... لقد أختلط فيها شعر الغني والفقير ... لقد أختلط فيها شعر الرأس المملوء بالأفكار وشعر الرأس الفارغ .. ، ولو حاولت أن تجمع هذا الشعر وهو لا يزال مثبتا على الرؤوس لكنت كمن يحاول أن يغزل من خيوط الفجر حبلا يصعد به إلى السماء.. هكذا هي الحياة ... كل إنسان يعتقد أنه أكثر فهما من الآخرين ، وأكثر ذكاء منهم .. ، والحقيقة أن الحياة تتسع لهم جميعا.. إذا استوعب كل واحد منهم من يجب أن يستوعبهم ممن هم حوله .. كما اتسعت هذه الزاوية لكومة الشعر التي جمعت من عدة رؤوس...
    لم يفهم منصور شيئا مما قاله حامد .. ، ولم يدرك ما يجب عليه عمله بعد أن أستمع إلى هذه المقطوعة الفلسفية .. ، هل يبتسم!؟ هل يهز رأسه بالموافقة!؟ هل يرفض الفكرة!؟ ... كيف وهو لم يفهم الموضوع!! .. ، ثم لم يجد لنفسه مخرجا سوى أن يعمد إلى تغيير الموضوع برمته.. حيث قال:
    - هل اتفقت مع مكتب الدعاية والإعلان لعمل اللوحة الخارجية للصالون؟
    قال حامد مزهوا ، وهو يكتب العبارة بيده في الهواء:
    - نعم . صالون الحرية.
    - ماذا.. صالون الحرية!؟
    - نعم .. ما رأيك؟
    تنهد منصور تنهيدة أخفى نصفها.. ، وقال:
    - وما علاقة الحرية بالحلاقة!؟
    - وماذا كنت تريد أن نسميه؟
    شعر منصور أن حامد سيعود به من جديد إلى دائرة الجدل العبثي الذي لا يعجبه الخوض فيه لمجرد أنه لا يفهم معناه.. ، فقام واتجه نحو الباب يراقب رؤوس المارة ، وكأنه يبحث عن زبون.. ، وقال دون أن يلتفت:
    - كما تريد.. سمه حتى صالون النظام العالمي الجديد.
    مرت عليهما ساعة .. ، ثم ساعتان . دون أن يتجاوز أي زبون عتبة الباب نحو الداخل، وشعر منصور بالملل والضيق لتوقف حركة الزبائن .. ، بينما كان حامد يشغل نفسه بغسل فرشاة معجون الحلاقة ، ويضغط عليها بأصابعه ليخرج منها الرغوة البيضاء . ، ثم يرفعها ويخفضها والماء يقطر منها حتى تنفرج شعيراتها ، وكأنها تستغيث مما يحدث لها.
    عاد منصور إلى الداخل ، وقال والتذمر لا يزال باديا على وجهه:
    - هذا اليوم نحس ... ولا حتى زبون واحد!!
    قال حامد وهو يخفي إبتسامته:
    - اليوم يصادف اليوم العالمي للمرأة.
    نظر إليه منصور نظرة غضب وكراهية .. وقال:
    - مالنا وللمرأة ... أنا أتحدث عن توقف حركة الزبائن.
    - أوه .. صحيح .. هن يذهبن إلى الكوافير وليس إلى صالون الحلاقة.
    لامست النكتة التي أطلقها حامد مكان حساس في ثنايا قلب منصور ، وجرحت كبريائه على ما يبدو .. ، فرفع صوته محتجا على زميله حامد وتصرفاته .. ، وكان يحرك يديه بانفعال واضح وهو يتحدث قائلا:
    - أنت سبب كل ما يحدث لنا من ركود ... لا تتحدث مع الزبائن بأدب .. ، ولا تجاملهم ... أتذكر حين طلب منك الأستاذ عبد السلام إغلاق المسجل لأنه يعتقد أن الغناء حرام . أتذكر ماذا قلت له؟
    صمت منصور برهة ... بينما كان حامد يخفي خائفا إبتسامة أخرى .. وكأنه لا يتذكر شيئا.. وقال:
    - ماذا قلت له؟
    - حاولت أن تثبت له أنه على خطأ .. ومن يومها لم نره.
    - دعك منه. إنه متشدد ولا يفهم شيئا.
    - والشيخ مصلح ... تتعمد إثارته وأنت تعرف أنه شيخ قبيلة.
    - أما هذا فلا تقلق عليه .. سيعود إلينا لصبغ شعره خلال أسبوع .. لقد تزوج امرأة جديدة في عمر ابنته ، ولا يريدها أن ترى في رأسه وشاربه شعرة واحدة بيضاء.
    - والصحفي .. الأستاذ ماهر؟
    - صاحب جريدة الصراحة؟
    - نعم.
    - هذا متملق ومتسلق ، وبينه وبين الصراحة ما بين السماء والأرض.
    أنفعل منصور مرة أخرى .. ، ورفع صوته صائحا:
    - مالنا وللناس... نحن هنا نحلق لهم شعرهم فقط ، ولا نفتح رؤوسهم لنرى ما بداخلها ... نحن هنا صالونا للحلاقة وليس مركز للدراسات والبحوث....
    دخل إلى الصالون زبون جديد فقطع على منصور إنفعاله .. حين ألقى التحية ، ونزع غطاء رأسه ، واتجه نحو كرسي منصور .. الذي أضطر إلى إظهار الهدوء ، وأخذ يرحب بالزبون ترحيبا حارا ، ويبدي من الاهتمام به ما بدا غير مألوفا.
    سادت لحظات صمت لم يكن يقطعها إلا صوت المقص في يد منصور . الذي كان يقص مرة شعر الزبون ، ومرة ثانية يقص الهواء حين يمسك الشعر بأصابع يده اليسرى السبابة والإبهام .. ، كانت ملامح الزبون تشير إلى أنه يدخل الصالون لأول مرة .. ، وبالتالي فقد كان منصور حريصا على أن يكسبه ، ويضمن عودته إليهم مرة ثانية .. ، وبعد دقائق دلف إلى الصالون زبونا أخر كان وجهه مألوفا لديهم ... أستبشر حامد وألقى الصحيفة التي كانت في يده ، وقام مرحبا بالزبون ، وأشار له بيده نحو الكرسي ... ، وكانت صدمة قوية بالنسبة له حين قال له الزبون:
    - شكرا .. سوف أنتظر الأخ ( وأشار إلى منصور ).
    أبتلع حامد غصته ، وكأنه يبتلع إحدى أمواس الحلاقة المستعملة ... بينما أخفى زميله منصور إبتسامة النصر حتى لا يزيد من أحزانه.
    تكررت حالات الزبائن الذين يطلبون الإنتظار لدورهم عند منصور .. ، وأحس حامد ، وهو الذي يفترض فيه أنه هو المعلم الأول في الصالون .. أن زميله منصور يفهم أكثر منه ، وأنه ربما يكون على حق في كل ما قاله له .. ، وليس هذا فحسب .. بل إنه أدرك أنه سيضطر إلى أن يقترض مصروفه اليومي من منصور إذا استمر الوضع هكذا.
    في اليوم التالي خرج حامد في الصباح الباكر ، وتأخر في الخارج .. ، وبقدر ما كان منصور قلقا وخائفا لغيابه .. فأنه كان متلهفا لمعرفة المكان الذي ذهب إليه حامد وسبب ذهابه .. ، وعند الظهيرة دخل حامد إلى الصالون وهو يبتسم وبيده كيس كبير ناوله لزميله منصور .. الذي كان مندهشا حين أكتشف أن الكيس يحتوي على عدد كبير من أشرطة الكاسيت .. ، وقبل أن يسأله عن سبب إحضاره لهذه الأشرطة كلها .. قال له حامد:
    - لقد مررت على مكتب الدعاية والإعلان ، وطلبت منهم تغيير اللوحة.
    وكتب بيده في الهواء مواصلا حديثه:
    - صالون المقص الذهبي.
    بدأت الأمور تتضح شيئا فشيئا عن سبب غياب زميله .. ، وقال له وهو يبتسم:
    - أحسنت .. لقد بدأت الآن تفهم .. هذا ما يجب أن يكون .. ، ولكن قل لي لماذا كل هذه الأشرطة!؟
    - هذه للزبائن.
    - هذه كلها؟
    أستعاد حامد الكيس من يد زميله منصور ، وبدأ يفرز الأشرطة:
    - عبد الباسط .. أم كلثوم .. فيصل علوي .. راغب علامه .. أيوب .. قصائد الخالدي والصمبحي .. المرشدي .. فيروز .. أناشيد إسلامية .. سامي أبو عجله .. السمه .. رابح صقر .....
    قاطعه منصور قائلا:
    - من .. من .. سامي ... من؟
    - سامي أبو عجله.
    - من هو هذا؟
    - علمي علمك ... قالوا لي أنه فنان جديد.
    - ورابح صقر؟
    - هذا أيضا قالوا فنان.
    - وهذا الشريط الفاضي!؟
    أستلقى حامد على الكنبة ، وأطلق تنهيدة عميقة ، وكأنه عائد من سفر طويل.. ، وقال:
    - هذا للزبون الذي لا يريد أن يسمع شيئا .. للزبون الذي ليس له رأي محدد ..ليس مع أحد ، وليس ضد أحد ... ، ثم ابتسم إبتسامة من يكتشف الشئ متأخرا ، وواصل حديثه:
    - نحن هنا نحلق للناس شعرهم ، وليس علينا مناقشة أفكارهم ... الزبائن دائما على ح
     
  2.   مشاركة رقم : 2    ‏2003-08-31
  3. درهم جباري

    درهم جباري مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2001-07-16
    المشاركات:
    6,860
    الإعجاب :
    1
    إي والله الزبون دائما على حق !!

    أخي القدير وأديبنا المبدع / البلق الأوسط ..

    لقد استمتعت بضيافة حامد في صالونه وأعجبتني جدا آراؤه وفلسفته وإن لم تعجب منصور والزبائن ، ولكن من يسمع لحامد ؟!

    لك مني خالص الود .
     
  4.   مشاركة رقم : 3    ‏2003-09-01
  5. تميم العابد

    تميم العابد عضو

    التسجيل :
    ‏2003-09-01
    المشاركات:
    182
    الإعجاب :
    0
    نص مقتبس من رسالة : درهم جباري
     

مشاركة هذه الصفحة