حسان ( القصة كاملة )

الكاتب : البلق الأوسط   المشاهدات : 482   الردود : 1    ‏2003-08-25
      مشاركة رقم : 1    ‏2003-08-25
  1. البلق الأوسط

    البلق الأوسط عضو

    التسجيل :
    ‏2003-01-13
    المشاركات:
    91
    الإعجاب :
    0
    حسان


    انطفأت الكهرباء فجأة.. ، فلم **** حسان الظلام ، ولا أولئك القائمين على محطة الكهرباء .. ، ولم يكلف نفسه حتى عناء التفكير بالمكان الذي تحتفظ فيه أمه بالشمع .. ، واكتفى بأن وضع يديه على الكتاب المفتوح أمامه ..، ثم وضع رأسه على قبضتي يديه المتشابكتين، وسرح بعيدا يفكر في الظروف التي دفعته إلى أن يتقدم لامتحانات الثانوية العامة . برغم أنه قد تخرج من الثانوية العام السابق وبتفوق !!
    تذكر والده الذي توفي قبل عشر سنوات وهو يكرر عليه قبل أن يسلم الروح بأن لا يترك الدراسة هو وأخته مهما كانت الأسباب والظروف... ، ثم يلتفت إلى زوجته - وهو يحتضر -، ويقول لها بصعوبة بالغة:
    - كانت أمنيتي في الحياة أن يتعلم أولادي فقط.
    وتنتحب الأم بصوت مرتفع، وهي تدرك أن ذلك المرض العضال قد تمكن من زوجها، وأنه لن يعمر طويلا.. ، ثم تقول له وهي تمسك بيده الباردة جدا:
    - سوف تعيش يا أبو حسان، وستعلمهم إنشاء الله.
    كانت السماء تمطر بغزارة، ولعل هذا كان سبب انطفاء الكهرباء.. ، وأحس حسان بوقع قطرات المطر على زجاج النافذة وتمنى لو أنه يتمكن من مشاهدتها.. ، يعجبه منظر المطر كثيرا وبالذات حين كان في قريتهم قبل دخولهم إلى المدينة.. نعم في القرية تحس كثيرا بروعة ذلك المنظر حين تغسل مياه الأمطار الصخور الملونة ثم تشرق الشمس بعد ذلك فتنعكس من تلك الصخور أجمل وأروع الألوان الفضية والذهبية واللازوردية في مزيج يجعلك تتخيل الصخور وكأنها تجفف ملابسها المزركشة تحت ضوء الشمس.. ، ومنذ وصولهم إلى المدينة قبل عدة سنوات لم يعد حسان يحس كثيرا بروعة نزول المطر.. ، وجد المدينة مشغولة ببعضها البعض.. عرف فيها حب الذات، والأنانية، والمشاعر الأسمنتية.. ، وحتى نزول المطر فيها كان يجعل الشارع الذي يقع منزلهم الصغير فيه ممتلئا بالوحل القذر الذي يزداد عمقا وعفنا كلما مرت بالشارع إحدى سيارات أبناء الذوات الذين يتسأل حسان دائما مع نفسه عن سبب حاجتهم للمرور بمثل هذا الشارع.
    مات والد حسان بالفعل متأثرا بالسرطان..، واضطرت الأم للعمل حتى تغطي مصاريف البيت، وحتى تضمن استمرار أولادها في المدرسة تنفيذا لوصية والدهم.. ، وبعد أن تخرج حسان من الثانوية العامة بدأ يبحث عن عمل. حتى يوفر عن أمه عناء الخدمة في المنازل، ويكفيها من نظرات الذل والمهانة التي ينظر بها الناس إليها هي وأولادها.. ، وكان لجارهم الحاج مسعود الفضل في حصول حسـان على وظيفة ( مراسل ) وبتعاقد شهري في فرع المؤسسة التي يشغل فيها منصب المدير العام أحد أقاربه.
    حرص حسان بعد استلامه للعمل على أن يبذل قصارى جهده لتنفيذ كل ما يطلب منه أملا في أن ينال رضا رؤسائه، ويحصل على درجة وظيفية رسمية بدلا عن التعاقد.. ، وبرغم أن المرتب الذي قيل له أنه سيحصل عليه في نهاية كل شهر لم يكن كافيا لتغطية مصاريف البيت ودراسة أخته، وتحقيق حلمه ووصية والده في مواصلة الدراسة الجامعية... ، إلا أنه هو وأمه كانا حريصين على التمسك بأمل الوظيفة العامة ما أمكن لهما ذلك.. لأنها ستوفر لهم دخلا ثابتا.
    كانت وظيفة المراسل تسمح لحسان أن يدخل أحيانا إلى مكتب المدير العام..، وكانت كلمة سيدي تعقب كل كلمة يقولها:
    صباح الخير سيدي.
    حاضر سيدي.
    بالإذن سيدي.
    كان المدير العام لا يلقي بالا لمن يدخل إلى مكتبه، وكان يكتفي بالنظر إليه من فوق زجاج النظارة... نظرة تثير الرعب في قلب الداخل...، أو أنها تستلزمها ضرورة الهيبة التي يجب أن تظل في قلوب الموظفين لشخص ومكانة المدير العام.. ، ولا يتذكر أي موظف مثلا أنه قد شاهد المدير خلسة وهو يبتسم.. ، بل ويكاد يجزم البعض أن المدير يضع مشاعره وأحاسيسه في مكان ما قبل مجيئه إلى العمل حتى يبدو مجردا منها أثناء الدوام الرسمي.. ، وكان حسان يستغل أي فرصة تسنح له بالدخول إلى مكتب المدير العام.. مما جعل مدير مكتبه يعترض أحيانا ويحاول منعه من الدخول.
    ذات يوم.. وحين هم حسان بالخروج من مكتب المدير العام.. استدعاه المدير وطلب منه الجلوس على الكرسي المقابل لمكتبه.. ، وتردد حسان تأدبا.. بينما خالطه إحساس بالخوف والأمل في آن واحد.. كان يأمل بأن يطرح على المدير العام موضوع التثبيت... ، وحين كان سارحا في أفكاره تلك.. رفع المدير صوته، ونظر إليه بنظرات حادة، وقال له وهو يؤشر بيده إلى الكرسي:
    - قلت لك اجلس.
    - حاضر سيدي... قال حسان ذلك.. ثم أطرق إلى الأرض، ووضع يديه على ركبتيه ليمنعهما من الارتعاش... بينما غرق المكتب في صمت لم يكن يقطعه سوى صوت الأوراق التي كان المدير العام يقلبها أمامه...، وبعد دقائق من الصمت أسند المدير ظهره إلى الكرسي الدوار الذي يتجاوز رأسه ارتفاع مسنده الخلفي..، وقال لحسان وهو يقلب القلم الذهبي بكلتا يديه، وكأنه يستعرض ماركته:
    - أنت ولد نشيط وممتاز.
    - هذا من لطفكم سيدي.
    - وتريد الآن أن تصبح موظفا أساسيا بدلا عن متعاقد.. أليس كذلك ؟
    - آمل أن يتم ذلك بعطفكم وتكرمكم سيدي.
    - حسنا. سوف أطلب ملفك وأدرس الموضوع... ، ولكن ماهو المؤهل الذي تحمله حاليا ؟
    - الثانوية العامة يا سيدي... القسم العلمي وبمعدل مرتفع جدا.
    هز المدير العام رأسه في إشارة إلى إعجابه بما سمع... ، ثم قال:
    - كم معدلك ؟
    -92% يا سيدي.
    - ممتاز... ، ولماذا لم تواصل الدراسة الجامعية؟
    أطرق حسان برأسه إلى الأرض، وشبك بين أصابع يديه... ، ثم رفع رأسه وقال:
    - سأواصل الدراسة يا سيدي... فقط أردت أن أتوظف حتى نتخطى الظروف المادية الصعبة التي نعيشها أنا وأمي وأختي.
    هز المدير رأسه من جديد إعجابا بما سمع... ، ولم يعلق على الموضوع... ، وحين كان حسان يفكر بأن ما سمعه من بعض الموظفين عن المدير العام وعدم وجود مكان للعطف والشفقة في قلبه.. ربما ليس صحيحا.
    أشار المدير العام بيده اليسرى نحو الباب.. ، وقال له:
    - حسنا تفضل.
    خرج حسان من المكتب، وهو يفكر فيما إذا كان قد جانب الصواب في حديثه.. أم أنه قد استدر عطف وشفقة المدير التي يقولون أنها لا توجد لديه البتة.. ، وظلت الأفكار تتناهب ذهنه وهو يحلم بالحصول على الدرجة الوظيفية التي يؤمل بأن تنتج عن مقابلاته المتكررة للمدير العام. .. ، تكررت فرص دخول حسان إلى مكتب المدير، وتوقفت اعتراضات مدير مكتبه وكأنه قد أبلغ بعدم الاعتراض.. ، وكان حسان لا يألو جهدا في كل مرة يدخل فيها إلى المكتب للفت انتباه المدير العام عله يطرق معه الموضوع الذي تحدث معه حوله في المرة السابقة.. ، وتأخر تجاوب المدير مع أمنيته تلك حتى كاد أن ييأس .. لولا أنه استدعاه بعد حوالي ثلاثة أسابيع للحضور إلى مكتبه بشكل عاجل.. ، وفور دخول حسان إلى المكتب.. قال له المدير، وهو لا يزال واقفا:
    - عليك أن تجهز أربع صور فوتوغرافية ملونة.
    - حاضر سيدي.
    وحين كان حسان يحاول أن يستوضح من المدير عن سبب طلب الصور.. أشار له هذا الأخير بالخروج من المكتب. فخرج مباشرة.
    لم تمض سوى عدة ساعات حتى كانت الصور المطلوبة جاهزة.. أخذها إلى مكتب المدير العام.. ، وسمح له بالدخول مباشرة.. ، ولم يتركه المدير يلتقط أنفاسه.. حيث قال له وهو ينظر إليه من فوق زجاج نظارته كعادته:
    - سلم الصور للسائق عوض.
    صمت المدير العام برهة قصيرة، وحسان لا يزال واقف أمامه.. ، ثم قال:
    - هل تعرف السائق عوض!؟
    - نعم أعرفه يا سيدي.
    - حسنا سلم له الصور، وسيشرح لك هو التفاصيل.
    خرج حسان من المكتب فوجد السائق ينتظره..، وقبل أن يستوضح منه حسان عن الموضوع... قال له بعد أن اختطف الصور من يده:
    - سوف نلتقي بعد يومين، وسأوضح لك ما يجب عليك عمله بعد ذلك.

    لم يفهم حسان شيئا مما يجري حوله.. ، لقد سمع كثيرا من بعض الموظفين، وبالذات أولئك الذين يشاطرونه أسفل الهرم الوظيفي للمؤسسة بأن المدير العام وسائقه عوض وجهان لعملة واحدة.. وليس هذا فحسب.. بل كان البعض يعلق على علاقة المدير العام بسائقة. بما يشير إلى أن المدير الفعلي هو السائق عوض، وأنه هو الذي يقف وراء الستار لتسيير معظم أعمال المؤسسة، وكأن المدير العام بهيبته المصطنعة ليس إلا دمية في مسرح للعرائس يحركها السائق عوض كيف شاء ومتى يشاء.
    مر اليومان التاليان على حسان ببطء شديد حتى خيل له أن الحظ يعاكسه..، وخلال هذين اليومين لم يحدث حسان أحد بما دار بينه وبين المدير العام وسائقه.. لقد فكر أن من مصلحته أن يبقي الموضوع طي الكتمان.. نعم.ع في المؤسسة لن ينظروا إلى المثلث الذي أصبح هو أحد أضلاعه الثلاثة بمنظار حسن النية أو البراءة ، ولن يصدق أحد بأنه حتى الآن يشبه إلى حد كبير ذلك الأطرش في حفلة العرس .. نعم . لن يصدق أحد بأنه لا يعلم ماذا يريد منه المدير العام وسائقه؟.. وحتى لو سأله أحد عن هذه العلاقة فأنه لا يعرف كيف يرد.
    التقى به السائق عوض في اليوم الثالث ، وناوله ورقتين من المدير العام.. الأولى: تضمنت أمرا بمنحه إجازة طارئة لمدة شهر كامل.. ، والثانية: تضمنت أمرا للشئون المالية بصرف مبلغ عشرة ألاف ريال مكافأة لحسان ، وفي نفس الورقة أمر بتقديم صرف مرتبه القادم .. ، ومن جديد لم يفهم حسان شيئا ، ولم يكن مسموحا له البتة بأن يسأل.. ، وحتى إن سأل يقول له السائق عوض:
    - ستتضح لك الأمور قريبا.
    بقدر ما كان حسان سعيدا بحصوله على ما حصل عليه.. إلا أنه كان قلقا جدا ، ولولا الظروف المادية الصعبة التي يمر بها ، ورغبته في عدم إفساد فرحة أمه ... لكان قد رفض كل ذلك حتى يعرف دوافعها.. ، لم يكن لديه مانعا إذا كان المدير العام قد سأل عنه وعرف الظروف المادية المحيطة به ، ومن ثم تكرم بمنحه هذه المنح.. ، ولكن . هل المدير طيب إلى هذا الحد؟ .. ولماذا يتحدثون عنه بعكس ذلك !!؟.
    قطع السائق أفكار حسان التي لم توصله إلى نتيجة نهائية يرتاح لها ضميره... حين طلب منه أن يتبعه على عجل إلى خارج مبنى المؤسسة ليتحدث معه على إنفراد بعيدا عن أعين الموظفين.. كما قال له .. ، وفي البوفية المجاورة لمبنى المؤسسة طلب السائق كوبين من عصير الليمون .. ، ودخل في الموضوع مباشرة .. حيث قال:
    - المدير العام يشيد بك ، وينظر إليك بإعجاب ، ويأمل أن تقدم له خدمة بسيطة لن ينساها لك أبدا.
    قال حسان وهو يمسك كوب الليمون بكلتا يديه ليخفف من برودته:
    - أنا تحت خدمة المدير في أي وقت.
    - عموما أنت تعرف أن امتحانات الثانوية العامة بعد حوالي ثلاثة أسابيع.. ، وأسامه ابن المدير العام يجب أن يؤدي الامتحان هذا العام.. ، ولكنه للأسف مسافر خارج البلاد لظروف خاصة به.
    صمت السائق.. فوجدها حسان فرصة مناسبة للحديث.. حين قال:
    - وما هو المطلوب مني !!؟
    ابتسم السائق ابتسامة بدا الخبث واضحا في قسماتها.. ، وأخرج مظروفا من جيبه ، وفتحه ، وناول حسان بطاقة شخصية ورقم جلوس ( بطاقة دخول الامتحان ) وقد وضع عليما صورة حسان وبيانات أسامه ابن المدير العام.
    دارت الدنيا في عيني حسان ، وهو يتفحص الوثائق ، وحاول أن يتبين فيها أي مؤشر أو علامة تدل على كونها مزورة . فلم يجد شيئا من ذلك.. ، كان قد قرر من قبل في نفسه أنه لابد وأن يرفض أي طلب لا يتناسب مع ما يجب أن يكون.. سيرفض أي طلب لا يتوافق مع النظام والقانون والأخلاق.. ، نعم عليه أن يعمل كذلك .. ربما أن المدير العام يمتحن مصداقيته .. ، ولكنهم لم يجهزوا هذه الوثائق عبثا .. لاشك أنهم جادون.. ، ما أبشع المناظر الحقيقية لهؤلاء الناس.. ، إنهم يرتدون أحسن الملابس ، ويركبون السيارات الفارهة ، ويسكنون أفخم المنازل .. ، وحين تقترب منهم تكتشف أنهم في الحضيض... ، وليس هذا فحسب .. بل إنهم لا يتورعون عن دعوة مرؤوسيهم دائما إلى التمسك بالقيم والمبادئ التي يدعون تمسكهم بها وكأنهم قد رضعوها مع حليب أمهاتهم... ليت أنه لم يخبر أمه بالمبالغ التي حصل عليها من المدير العام .. ، وليت أن أمه لم تتصرف بجزء من هذه المبالغ لسداد الديون التي كانت عليهم... ، مسكينة أمه لقد ظلت طوال تلك الليلة تدعو للمدير عرفانا بما قدمه لولدها... ، وحين كانت نظرات السائق لا تزال مركزة عليه ، وابتسامته الخبيثة في آخر مراحلها ... أدرك حسان أنه قد تأخر في الرد .. أدخل الوثائق في جيب سترته الداخلي ، وابتسم ابتسامة مصطنعة ، وقال للسائق:
    - طمئن المدير وسيكون خيرا إنشاء الله.
    تناول آخر ما تبقى من عصير الليمون دفعة واحدة ، واستأذن السائق ، وانصرف عائدا إلى منزله.
    وصل حسان إلى المنزل ، واتجه مباشرة نحو خزانة الكتب ، وأخذ يجمع كتب وكراسات الثانوية العامة وينفض عنها الأتربة التي كانت قد تجمعت عليها منذ انتهائه من الامتحانات في العام الماضي.. ، وحين فاجأته أخته بسؤالها له عن سبب إخراجه للكتب .. أدرك أن لا مناص من أن يخبرها بالموضوع .. ، حين يرتكب الإنسان خطأ ما يحاول أن يقنع نفسه ببعض المبررات .. ، وحين يجد صعوبة في إقناع نفسه يبدأ في البحث عمن يمكن أن يساعده في تبرير ذلك الخطأ... يواسي نفسه ثم يبحث عمن يواسيه.. ، طلب حسان من أخته أن تتبعه إلى غرفته بعد أن ناولها بعض الكتب لتحملها معها .. ، وفي الغرفة أطلعها على الموضوع بعد أن أغلق الباب من الداخل ، وطلب منها أن تساعده في إقناع أمه....
    قاطعته أخته والدهشة لا تزال بادية عليها.. ، وقالت:
    - وماذا ستقول لها إن سألتك عن سبب إعادتك للامتحانات فجأة؟
    - سأقول لها أن الامتحان يتعلق بدورة تدريبية خاصة بالعمل.
    كانت أخته لا تزال واجمة وقد تملكتها الدهشة مما تسمع ... لقد حكى لها كثيرا عن القيم التي تعلمها من والده.. ، إنها منذ أن توفي والدهم وهي ترى فيه صورة حية لوالدها... تعتبره المعتمد الوحيد لها ... ، وحين خشي حسان من أن تحاول إقناعه بالعدول عن الفكرة كما بدا واضحا من خلال نظراتها وإطالة تفكيرها .. قال لها:
    - سيساعدني ذلك في الحصول على الدرجة الوظيفية.. هذه فرصة يجب أن لا أفوتها.. أليس كذلك؟
    قالت أخته على مضض:
    - نعم . نعم . أنت أدرى بما يجب عليك عمله.. أنت لم تعد صغيرا يا حسان.
    لم يستغرق كثيرا من الوقت لإقناع أمه .. ، وبالذات حين كانت أخته تؤكد كل ما يقوله.. ، وقد تفرغت أمه خلال الثلاثة الأسابيع التي تسبق الامتحانات وهي تدعو له وتلبي كل متطلباته.
    بدأت الامتحانات ، وسارت الأمور على ما يرام ، وأدى حسان الامتحان الأول والثاني باسم أسامه ابن المدير العام دون أي صعوبات تذكر .. لا في كونه يؤدي الامتحان عن شخص آخر ، ولا في صعوبة الأسئلة التي تضمنتها الامتحانات... ، وفي امتحان اليوم الثالث ، وحين كان الهدوء يخيم على قاعة الامتحان .. وحسان وبعض الطلاب منهمكون في الكتابة .. بينما كان البعض الآخر يتثآبون ويتململون وكأنهم استعدوا لامتحان مادة أخرى ... دخل من الباب الخلفي للقاعة ثلاثة رجال يرتدون الملابس المدينة وبصحبتهم مدير المركز الامتحاني .. ، ونادى أحدهم بصوت مرتفع:
    - حسان!!
    ألتفت حسان بدون شعور إلى مصدر الصوت .. ، ثم ما لبث أن عاد سريعا ونظر إلى الأمام حين تذكر فجأة أنه هنا أسامه وليس حسان ، وأنه يجب عليه التماسك وعدم الارتباك حتى لا ينكشف أمره.
    اقترب منه الرجل ووضع يده على كتفه الأيسر وطلب منه أن ينهض ويأتي معه بهدوء .. بينما تولى زميله أخذ ورقة الأسئلة ودفتر الإجابة الذي كان حسان يكتب فيه.
    تم تحرير محضر رسمي لدى وكيل النيابة.. ، وتقرر حجز حسان على ذمة التحقيق .. ، وفي قسم الحجز ، وبعد أقل من ساعة فقط .. استدعي حسان إلى مكتب الزيارات .. حيث كان ينتظره السائق عوض الذي سلم إليه مظروفا .. فتحه حسان ليجد قرار حسان


    انطفأت الكهرباء فجأة.. ، فلم **** حسان الظلام ، ولا أولئك القائمين على محطة الكهرباء .. ، ولم يكلف نفسه حتى عناء التفكير بالمكان الذي تحتفظ فيه أمه بالشمع .. ، واكتفى بأن وضع يديه على الكتاب المفتوح أمامه ..، ثم وضع رأسه على قبضتي يديه المتشابكتين، وسرح بعيدا يفكر في الظروف التي دفعته إلى أن يتقدم لامتحانات الثانوية العامة . برغم أنه قد تخرج من الثانوية العام السابق وبتفوق !!
    تذكر والده الذي توفي قبل عشر سنوات وهو يكرر عليه قبل أن يسلم الروح بأن لا يترك الدراسة هو وأخته مهما كانت الأسباب والظروف... ، ثم يلتفت إلى زوجته - وهو يحتضر -، ويقول لها بصعوبة بالغة:
    - كانت أمنيتي في الحياة أن يتعلم أولادي فقط.
    وتنتحب الأم بصوت مرتفع، وهي تدرك أن ذلك المرض العضال قد تمكن من زوجها، وأنه لن يعمر طويلا.. ، ثم تقول له وهي تمسك بيده الباردة جدا:
    - سوف تعيش يا أبو حسان، وستعلمهم إنشاء الله.
    كانت السماء تمطر بغزارة، ولعل هذا كان سبب انطفاء الكهرباء.. ، وأحس حسان بوقع قطرات المطر على زجاج النافذة وتمنى لو أنه يتمكن من مشاهدتها.. ، يعجبه منظر المطر كثيرا وبالذات حين كان في قريتهم قبل دخولهم إلى المدينة.. نعم في القرية تحس كثيرا بروعة ذلك المنظر حين تغسل مياه الأمطار الصخور الملونة ثم تشرق الشمس بعد ذلك فتنعكس من تلك الصخور أجمل وأروع الألوان الفضية والذهبية واللازوردية في مزيج يجعلك تتخيل الصخور وكأنها تجفف ملابسها المزركشة تحت ضوء الشمس.. ، ومنذ وصولهم إلى المدينة قبل عدة سنوات لم يعد حسان يحس كثيرا بروعة نزول المطر.. ، وجد المدينة مشغولة ببعضها البعض.. عرف فيها حب الذات، والأنانية، والمشاعر الأسمنتية.. ، وحتى نزول المطر فيها كان يجعل الشارع الذي يقع منزلهم الصغير فيه ممتلئا بالوحل القذر الذي يزداد عمقا وعفنا كلما مرت بالشارع إحدى سيارات أبناء الذوات الذين يتسأل حسان دائما مع نفسه عن سبب حاجتهم للمرور بمثل هذا الشارع.
    مات والد حسان بالفعل متأثرا بالسرطان..، واضطرت الأم للعمل حتى تغطي مصاريف البيت، وحتى تضمن استمرار أولادها في المدرسة تنفيذا لوصية والدهم.. ، وبعد أن تخرج حسان من الثانوية العامة بدأ يبحث عن عمل. حتى يوفر عن أمه عناء الخدمة في المنازل، ويكفيها من نظرات الذل والمهانة التي ينظر بها الناس إليها هي وأولادها.. ، وكان لجارهم الحاج مسعود الفضل في حصول حسـان على وظيفة ( مراسل ) وبتعاقد شهري في فرع المؤسسة التي يشغل فيها منصب المدير العام أحد أقاربه.
    حرص حسان بعد استلامه للعمل على أن يبذل قصارى جهده لتنفيذ كل ما يطلب منه أملا في أن ينال رضا رؤسائه، ويحصل على درجة وظيفية رسمية بدلا عن التعاقد.. ، وبرغم أن المرتب الذي قيل له أنه سيحصل عليه في نهاية كل شهر لم يكن كافيا لتغطية مصاريف البيت ودراسة أخته، وتحقيق حلمه ووصية والده في مواصلة الدراسة الجامعية... ، إلا أنه هو وأمه كانا حريصين على التمسك بأمل الوظيفة العامة ما أمكن لهما ذلك.. لأنها ستوفر لهم دخلا ثابتا.
    كانت وظيفة المراسل تسمح لحسان أن يدخل أحيانا إلى مكتب المدير العام..، وكانت كلمة سيدي تعقب كل كلمة يقولها:
    صباح الخير سيدي.
    حاضر سيدي.
    بالإذن سيدي.
    كان المدير العام لا يلقي بالا لمن يدخل إلى مكتبه، وكان يكتفي بالنظر إليه من فوق زجاج النظارة... نظرة تثير الرعب في قلب الداخل...، أو أنها تستلزمها ضرورة الهيبة التي يجب أن تظل في قلوب الموظفين لشخص ومكانة المدير العام.. ، ولا يتذكر أي موظف مثلا أنه قد شاهد المدير خلسة وهو يبتسم.. ، بل ويكاد يجزم البعض أن المدير يضع مشاعره وأحاسيسه في مكان ما قبل مجيئه إلى العمل حتى يبدو مجردا منها أثناء الدوام الرسمي.. ، وكان حسان يستغل أي فرصة تسنح له بالدخول إلى مكتب المدير العام.. مما جعل مدير مكتبه يعترض أحيانا ويحاول منعه من الدخول.
    ذات يوم.. وحين هم حسان بالخروج من مكتب المدير العام.. استدعاه المدير وطلب منه الجلوس على الكرسي المقابل لمكتبه.. ، وتردد حسان تأدبا.. بينما خالطه إحساس بالخوف والأمل في آن واحد.. كان يأمل بأن يطرح على المدير العام موضوع التثبيت... ، وحين كان سارحا في أفكاره تلك.. رفع المدير صوته، ونظر إليه بنظرات حادة، وقال له وهو يؤشر بيده إلى الكرسي:
    - قلت لك اجلس.
    - حاضر سيدي... قال حسان ذلك.. ثم أطرق إلى الأرض، ووضع يديه على ركبتيه ليمنعهما من الارتعاش... بينما غرق المكتب في صمت لم يكن يقطعه سوى صوت الأوراق التي كان المدير العام يقلبها أمامه...، وبعد دقائق من الصمت أسند المدير ظهره إلى الكرسي الدوار الذي يتجاوز رأسه ارتفاع مسنده الخلفي..، وقال لحسان وهو يقلب القلم الذهبي بكلتا يديه، وكأنه يستعرض ماركته:
    - أنت ولد نشيط وممتاز.
    - هذا من لطفكم سيدي.
    - وتريد الآن أن تصبح موظفا أساسيا بدلا عن متعاقد.. أليس كذلك ؟
    - آمل أن يتم ذلك بعطفكم وتكرمكم سيدي.
    - حسنا. سوف أطلب ملفك وأدرس الموضوع... ، ولكن ماهو المؤهل الذي تحمله حاليا ؟
    - الثانوية العامة يا سيدي... القسم العلمي وبمعدل مرتفع جدا.
    هز المدير العام رأسه في إشارة إلى إعجابه بما سمع... ، ثم قال:
    - كم معدلك ؟
    -92% يا سيدي.
    - ممتاز... ، ولماذا لم تواصل الدراسة الجامعية؟
    أطرق حسان برأسه إلى الأرض، وشبك بين أصابع يديه... ، ثم رفع رأسه وقال:
    - سأواصل الدراسة يا سيدي... فقط أردت أن أتوظف حتى نتخطى الظروف المادية الصعبة التي نعيشها أنا وأمي وأختي.
    هز المدير رأسه من جديد إعجابا بما سمع... ، ولم يعلق على الموضوع... ، وحين كان حسان يفكر بأن ما سمعه من بعض الموظفين عن المدير العام وعدم وجود مكان للعطف والشفقة في قلبه.. ربما ليس صحيحا.
    أشار المدير العام بيده اليسرى نحو الباب.. ، وقال له:
    - حسنا تفضل.
    خرج حسان من المكتب، وهو يفكر فيما إذا كان قد جانب الصواب في حديثه.. أم أنه قد استدر عطف وشفقة المدير التي يقولون أنها لا توجد لديه البتة.. ، وظلت الأفكار تتناهب ذهنه وهو يحلم بالحصول على الدرجة الوظيفية التي يؤمل بأن تنتج عن مقابلاته المتكررة للمدير العام. .. ، تكررت فرص دخول حسان إلى مكتب المدير، وتوقفت اعتراضات مدير مكتبه وكأنه قد أبلغ بعدم الاعتراض.. ، وكان حسان لا يألو جهدا في كل مرة يدخل فيها إلى المكتب للفت انتباه المدير العام عله يطرق معه الموضوع الذي تحدث معه حوله في المرة السابقة.. ، وتأخر تجاوب المدير مع أمنيته تلك حتى كاد أن ييأس .. لولا أنه استدعاه بعد حوالي ثلاثة أسابيع للحضور إلى مكتبه بشكل عاجل.. ، وفور دخول حسان إلى المكتب.. قال له المدير، وهو لا يزال واقفا:
    - عليك أن تجهز أربع صور فوتوغرافية ملونة.
    - حاضر سيدي.
    وحين كان حسان يحاول أن يستوضح من المدير عن سبب طلب الصور.. أشار له هذا الأخير بالخروج من المكتب. فخرج مباشرة.
    لم تمض سوى عدة ساعات حتى كانت الصور المطلوبة جاهزة.. أخذها إلى مكتب المدير العام.. ، وسمح له بالدخول مباشرة.. ، ولم يتركه المدير يلتقط أنفاسه.. حيث قال له وهو ينظر إليه من فوق زجاج نظارته كعادته:
    - سلم الصور للسائق عوض.
    صمت المدير العام برهة قصيرة، وحسان لا يزال واقف أمامه.. ، ثم قال:
    - هل تعرف السائق عوض!؟
    - نعم أعرفه يا سيدي.
    - حسنا سلم له الصور، وسيشرح لك هو التفاصيل.
    خرج حسان من المكتب فوجد السائق ينتظره..، وقبل أن يستوضح منه حسان عن الموضوع... قال له بعد أن اختطف الصور من يده:
    - سوف نلتقي بعد يومين، وسأوضح لك ما يجب عليك عمله بعد ذلك.

    لم يفهم حسان شيئا مما يجري حوله.. ، لقد سمع كثيرا من بعض الموظفين، وبالذات أولئك الذين يشاطرونه أسفل الهرم الوظيفي للمؤسسة بأن المدير العام وسائقه عوض وجهان لعملة واحدة.. وليس هذا فحسب.. بل كان البعض يعلق على علاقة المدير العام بسائقة. بما يشير إلى أن المدير الفعلي هو السائق عوض، وأنه هو الذي يقف وراء الستار لتسيير معظم أعمال المؤسسة، وكأن المدير العام بهيبته المصطنعة ليس إلا دمية في مسرح للعرائس يحركها السائق عوض كيف شاء ومتى يشاء.
    مر اليومان التاليان على حسان ببطء شديد حتى خيل له أن الحظ يعاكسه..، وخلال هذين اليومين لم يحدث حسان أحد بما دار بينه وبين المدير العام وسائقه.. لقد فكر أن من مصلحته أن يبقي الموضوع طي الكتمان.. نعم.ع في المؤسسة لن ينظروا إلى المثلث الذي أصبح هو أحد أضلاعه الثلاثة بمنظار حسن النية أو البراءة ، ولن يصدق أحد بأنه حتى الآن يشبه إلى حد كبير ذلك الأطرش في حفلة العرس .. نعم . لن يصدق أحد بأنه لا يعلم ماذا يريد منه المدير العام وسائقه؟.. وحتى لو سأله أحد عن هذه العلاقة فأنه لا يعرف كيف يرد.
    التقى به السائق عوض في اليوم الثالث ، وناوله ورقتين من المدير العام.. الأولى: تضمنت أمرا بمنحه إجازة طارئة لمدة شهر كامل.. ، والثانية: تضمنت أمرا للشئون المالية بصرف مبلغ عشرة ألاف ريال مكافأة لحسان ، وفي نفس الورقة أمر بتقديم صرف مرتبه القادم .. ، ومن جديد لم يفهم حسان شيئا ، ولم يكن مسموحا له البتة بأن يسأل.. ، وحتى إن سأل يقول له السائق عوض:
    - ستتضح لك الأمور قريبا.
    بقدر ما كان حسان سعيدا بحصوله على ما حصل عليه.. إلا أنه كان قلقا جدا ، ولولا الظروف المادية الصعبة التي يمر بها ، ورغبته في عدم إفساد فرحة أمه ... لكان قد رفض كل ذلك حتى يعرف دوافعها.. ، لم يكن لديه مانعا إذا كان المدير العام قد سأل عنه وعرف الظروف المادية المحيطة به ، ومن ثم تكرم بمنحه هذه المنح.. ، ولكن . هل المدير طيب إلى هذا الحد؟ .. ولماذا يتحدثون عنه بعكس ذلك !!؟.
    قطع السائق أفكار حسان التي لم توصله إلى نتيجة نهائية يرتاح لها ضميره... حين طلب منه أن يتبعه على عجل إلى خارج مبنى المؤسسة ليتحدث معه على إنفراد بعيدا عن أعين الموظفين.. كما قال له .. ، وفي البوفية المجاورة لمبنى المؤسسة طلب السائق كوبين من عصير الليمون .. ، ودخل في الموضوع مباشرة .. حيث قال:
    - المدير العام يشيد بك ، وينظر إليك بإعجاب ، ويأمل أن تقدم له خدمة بسيطة لن ينساها لك أبدا.
    قال حسان وهو يمسك كوب الليمون بكلتا يديه ليخفف من برودته:
    - أنا تحت خدمة المدير في أي وقت.
    - عموما أنت تعرف أن امتحانات الثانوية العامة بعد حوالي ثلاثة أسابيع.. ، وأسامه ابن المدير العام يجب أن يؤدي الامتحان هذا العام.. ، ولكنه للأسف مسافر خارج البلاد لظروف خاصة به.
    صمت السائق.. فوجدها حسان فرصة مناسبة للحديث.. حين قال:
    - وما هو المطلوب مني !!؟
    ابتسم السائق ابتسامة بدا الخبث واضحا في قسماتها.. ، وأخرج مظروفا من جيبه ، وفتحه ، وناول حسان بطاقة شخصية ورقم جلوس ( بطاقة دخول الامتحان ) وقد وضع عليما صورة حسان وبيانات أسامه ابن المدير العام.
    دارت الدنيا في عيني حسان ، وهو يتفحص الوثائق ، وحاول أن يتبين فيها أي مؤشر أو علامة تدل على كونها مزورة . فلم يجد شيئا من ذلك.. ، كان قد قرر من قبل في نفسه أنه لابد وأن يرفض أي طلب لا يتناسب مع ما يجب أن يكون.. سيرفض أي طلب لا يتوافق مع النظام والقانون والأخلاق.. ، نعم عليه أن يعمل كذلك .. ربما أن المدير العام يمتحن مصداقيته .. ، ولكنهم لم يجهزوا هذه الوثائق عبثا .. لاشك أنهم جادون.. ، ما أبشع المناظر الحقيقية لهؤلاء الناس.. ، إنهم يرتدون أحسن الملابس ، ويركبون السيارات الفارهة ، ويسكنون أفخم المنازل .. ، وحين تقترب منهم تكتشف أنهم في الحضيض... ، وليس هذا فحسب .. بل إنهم لا يتورعون عن دعوة مرؤوسيهم دائما إلى التمسك بالقيم والمبادئ التي يدعون تمسكهم بها وكأنهم قد رضعوها مع حليب أمهاتهم... ليت أنه لم يخبر أمه بالمبالغ التي حصل عليها من المدير العام .. ، وليت أن أمه لم تتصرف بجزء من هذه المبالغ لسداد الديون التي كانت عليهم... ، مسكينة أمه لقد ظلت طوال تلك الليلة تدعو للمدير عرفانا بما قدمه لولدها... ، وحين كانت نظرات السائق لا تزال مركزة عليه ، وابتسامته الخبيثة في آخر مراحلها ... أدرك حسان أنه قد تأخر في الرد .. أدخل الوثائق في جيب سترته الداخلي ، وابتسم ابتسامة مصطنعة ، وقال للسائق:
    - طمئن المدير وسيكون خيرا إنشاء الله.
    تناول آخر ما تبقى من عصير الليمون دفعة واحدة ، واستأذن السائق ، وانصرف عائدا إلى منزله.
    وصل حسان إلى المنزل ، واتجه مباشرة نحو خزانة الكتب ، وأخذ يجمع كتب وكراسات الثانوية العامة وينفض عنها الأتربة التي كانت قد تجمعت عليها منذ انتهائه من الامتحانات في العام الماضي.. ، وحين فاجأته أخته بسؤالها له عن سبب إخراجه للكتب .. أدرك أن لا مناص من أن يخبرها بالموضوع .. ، حين يرتكب الإنسان خطأ ما يحاول أن يقنع نفسه ببعض المبررات .. ، وحين يجد صعوبة في إقناع نفسه يبدأ في البحث عمن يمكن أن يساعده في تبرير ذلك الخطأ... يواسي نفسه ثم يبحث عمن يواسيه.. ، طلب حسان من أخته أن تتبعه إلى غرفته بعد أن ناولها بعض الكتب لتحملها معها .. ، وفي الغرفة أطلعها على الموضوع بعد أن أغلق الباب من الداخل ، وطلب منها أن تساعده في إقناع أمه....
    قاطعته أخته والدهشة لا تزال بادية عليها.. ، وقالت:
    - وماذا ستقول لها إن سألتك عن سبب إعادتك للامتحانات فجأة؟
    - سأقول لها أن الامتحان يتعلق بدورة تدريبية خاصة بالعمل.
    كانت أخته لا تزال واجمة وقد تملكتها الدهشة مما تسمع ... لقد حكى لها كثيرا عن القيم التي تعلمها من والده.. ، إنها منذ أن توفي والدهم وهي ترى فيه صورة حية لوالدها... تعتبره المعتمد الوحيد لها ... ، وحين خشي حسان من أن تحاول إقناعه بالعدول عن الفكرة كما بدا واضحا من خلال نظراتها وإطالة تفكيرها .. قال لها:
    - سيساعدني ذلك في الحصول على الدرجة الوظيفية.. هذه فرصة يجب أن لا أفوتها.. أليس كذلك؟
    قالت أخته على مضض:
    - نعم . نعم . أنت أدرى بما يجب عليك عمله.. أنت لم تعد صغيرا يا حسان.
    لم يستغرق كثيرا من الوقت لإقناع أمه .. ، وبالذات حين كانت أخته تؤكد كل ما يقوله.. ، وقد تفرغت أمه خلال الثلاثة الأسابيع التي تسبق الامتحانات وهي تدعو له وتلبي كل متطلباته.
    بدأت الامتحانات ، وسارت الأمور على ما يرام ، وأدى حسان الامتحان الأول والثاني باسم أسامه ابن المدير العام دون أي صعوبات تذكر .. لا في كونه يؤدي الامتحان عن شخص آخر ، ولا في صعوبة الأسئلة التي تضمنتها الامتحانات... ، وفي امتحان اليوم الثالث ، وحين كان الهدوء يخيم على قاعة الامتحان .. وحسان وبعض الطلاب منهمكون في الكتابة .. بينما كان البعض الآخر يتثآبون ويتململون وكأنهم استعدوا لامتحان مادة أخرى ... دخل من الباب الخلفي للقاعة ثلاثة رجال يرتدون الملابس المدينة وبصحبتهم مدير المركز الامتحاني .. ، ونادى أحدهم بصوت مرتفع:
    - حسان!!
    ألتفت حسان بدون شعور إلى مصدر الصوت .. ، ثم ما لبث أن عاد سريعا ونظر إلى الأمام حين تذكر فجأة أنه هنا أسامه وليس حسان ، وأنه يجب عليه التماسك وعدم الارتباك حتى لا ينكشف أمره.
    اقترب منه الرجل ووضع يده على كتفه الأيسر وطلب منه أن ينهض ويأتي معه بهدوء .. بينما تولى زميله أخذ ورقة الأسئلة ودفتر الإجابة الذي كان حسان يكتب فيه.
    تم تحرير محضر رسمي لدى وكيل النيابة.. ، وتقرر حجز حسان على ذمة التحقيق .. ، وفي قسم الحجز ، وبعد أقل من ساعة فقط .. استدعي حسان إلى مكتب الزيارات .. حيث كان ينتظره السائق عوض الذي سلم إليه مظروفا .. فتحه حسان ليجد قرار حسان


    انطفأت الكهرباء فجأة.. ، فلم **** حسان الظلام ، ولا أولئك القائمين على محطة الكهرباء .. ، ولم يكلف نفسه حتى عناء التفكير بالمكان الذي تحتفظ فيه أمه بالشمع .. ، واكتفى بأن وضع يديه على الكتاب المفتوح أمامه ..، ثم وضع رأسه على قبضتي يديه المتشابكتين، وسرح بعيدا يفكر في الظروف التي دفعته إلى أن يتقدم لامتحانات الثانوية العامة . برغم أنه قد تخرج من الثانوية العام السابق وبتفوق !!
    تذكر والده الذي توفي قبل عشر سنوات وهو يكرر عليه قبل أن يسلم الروح بأن لا يترك الدراسة هو وأخته مهما كانت الأسباب والظروف... ، ثم يلتفت إلى زوجته - وهو يحتضر -، ويقول لها بصعوبة بالغة:
    - كانت أمنيتي في الحياة أن يتعلم أولادي فقط.
    وتنتحب الأم بصوت مرتفع، وهي تدرك أن ذلك المرض العضال قد تمكن من زوجها، وأنه لن يعمر طويلا.. ، ثم تقول له وهي تمسك بيده الباردة جدا:
    - سوف تعيش يا أبو حسان، وستعلمهم إنشاء الله.
    كانت السماء تمطر بغزارة، ولعل هذا كان سبب انطفاء الكهرباء.. ، وأحس حسان بوقع قطرات المطر على زجاج النافذة وتمنى لو أنه يتمكن من مشاهدتها.. ، يعجبه منظر المطر كثيرا وبالذات حين كان في قريتهم قبل دخولهم إلى المدينة.. نعم في القرية تحس كثيرا بروعة ذلك المنظر حين تغسل مياه الأمطار الصخور الملونة ثم تشرق الشمس بعد ذلك فتنعكس من تلك الصخور أجمل وأروع الألوان الفضية والذهبية واللازوردية في مزيج يجعلك تتخيل الصخور وكأنها تجفف ملابسها المزركشة تحت ضوء الشمس.. ، ومنذ وصولهم إلى المدينة قبل عدة سنوات لم يعد حسان يحس كثيرا بروعة نزول المطر.. ، وجد المدينة مشغولة ببعضها البعض.. عرف فيها حب الذات، والأنانية، والمشاعر الأسمنتية.. ، وحتى نزول المطر فيها كان يجعل الشارع الذي يقع منزلهم الصغير فيه ممتلئا بالوحل القذر الذي يزداد عمقا وعفنا كلما مرت بالشارع إحدى سيارات أبناء الذوات الذين يتسأل حسان دائما مع نفسه عن سبب حاجتهم للمرور بمثل هذا الشارع.
    مات والد حسان بالفعل متأثرا بالسرطان..، واضطرت الأم للعمل حتى تغطي مصاريف البيت، وحتى تضمن استمرار أولادها في المدرسة تنفيذا لوصية والدهم.. ، وبعد أن تخرج حسان من الثانوية العامة بدأ يبحث عن عمل. حتى يوفر عن أمه عناء الخدمة في المنازل، ويكفيها من نظرات الذل والمهانة التي ينظر بها الناس إليها هي وأولادها.. ، وكان لجارهم الحاج مسعود الفضل في حصول حسـان على وظيفة ( مراسل ) وبتعاقد شهري في فرع المؤسسة التي يشغل فيها منصب المدير العام أحد أقاربه.
    حرص حسان بعد استلامه للعمل على أن يبذل قصارى جهده لتنفيذ كل ما يطلب منه أملا في أن ينال رضا رؤسائه، ويحصل على درجة وظيفية رسمية بدلا عن التعاقد.. ، وبرغم أن المرتب الذي قيل له أنه سيحصل عليه في نهاية كل شهر لم يكن كافيا لتغطية مصاريف البيت ودراسة أخته، وتحقيق حلمه ووصية والده في مواصلة الدراسة الجامعية... ، إلا أنه هو وأمه كانا حريصين على التمسك بأمل الوظيفة العامة ما أمكن لهما ذلك.. لأنها ستوفر لهم دخلا ثابتا.
    كانت وظيفة المراسل تسمح لحسان أن يدخل أحيانا إلى مكتب المدير العام..، وكانت كلمة سيدي تعقب كل كلمة يقولها:
    صباح الخير سيدي.
    حاضر سيدي.
    بالإذن سيدي.
    كان المدير العام لا يلقي بالا لمن يدخل إلى مكتبه، وكان يكتفي بالنظر إليه من فوق زجاج النظارة... نظرة تثير الرعب في قلب الداخل...، أو أنها تستلزمها ضرورة الهيبة التي يجب أن تظل في قلوب الموظفين لشخص ومكانة المدير العام.. ، ولا يتذكر أي موظف مثلا أنه قد شاهد المدير خلسة وهو يبتسم.. ، بل ويكاد يجزم البعض أن المدير يضع مشاعره وأحاسيسه في مكان ما قبل مجيئه إلى العمل حتى يبدو مجردا منها أثناء الدوام الرسمي.. ، وكان حسان يستغل أي فرصة تسنح له بالدخول إلى مكتب المدير العام.. مما جعل مدير مكتبه يعترض أحيانا ويحاول منعه من الدخول.
    ذات يوم.. وحين هم حسان بالخروج من مكتب المدير العام.. استدعاه المدير وطلب منه الجلوس على الكرسي المقابل لمكتبه.. ، وتردد حسان تأدبا.. بينما خالطه إحساس بالخوف والأمل في آن واحد.. كان يأمل بأن يطرح على المدير العام موضوع التثبيت... ، وحين كان سارحا في أفكاره تلك.. رفع المدير صوته، ونظر إليه بنظرات حادة، وقال له وهو يؤشر بيده إلى الكرسي:
    - قلت لك اجلس.
    - حاضر سيدي... قال حسان ذلك.. ثم أطرق إلى الأرض، ووضع يديه على ركبتيه ليمنعهما من الارتعاش... بينما غرق المكتب في صمت لم يكن يقطعه سوى صوت الأوراق التي كان المدير العام يقلبها أمامه...، وبعد دقائق من الصمت أسند المدير ظهره إلى الكرسي الدوار الذي يتجاوز رأسه ارتفاع مسنده الخلفي..، وقال لحسان وهو يقلب القلم الذهبي بكلتا يديه، وكأنه يستعرض ماركته:
    - أنت ولد نشيط وممتاز.
    - هذا من لطفكم سيدي.
    - وتريد الآن أن تصبح موظفا أساسيا بدلا عن متعاقد.. أليس كذلك ؟
    - آمل أن يتم ذلك بعطفكم وتكرمكم سيدي.
    - حسنا. سوف أطلب ملفك وأدرس الموضوع... ، ولكن ماهو المؤهل الذي تحمله حاليا ؟
    - الثانوية العامة يا سيدي... القسم العلمي وبمعدل مرتفع جدا.
    هز المدير العام رأسه في إشارة إلى إعجابه بما سمع... ، ثم قال:
    - كم معدلك ؟
    -92% يا سيدي.
    - ممتاز... ، ولماذا لم تواصل الدراسة الجامعية؟
    أطرق حسان برأسه إلى الأرض، وشبك بين أصابع يديه... ، ثم رفع رأسه وقال:
    - سأواصل الدراسة يا سيدي... فقط أردت أن أتوظف حتى نتخطى الظروف المادية الصعبة التي نعيشها أنا وأمي وأختي.
    هز المدير رأسه من جديد إعجابا بما سمع... ، ولم يعلق على الموضوع... ، وحين كان حسان يفكر بأن ما سمعه من بعض الموظفين عن المدير العام وعدم وجود مكان للعطف والشفقة في قلبه.. ربما ليس صحيحا.
    أشار المدير العام بيده اليسرى نحو الباب.. ، وقال له:
    - حسنا تفضل.
    خرج حسان من المكتب، وهو يفكر فيما إذا كان قد جانب الصواب في حديثه.. أم أنه قد استدر عطف وشفقة المدير التي يقولون أنها لا توجد لديه البتة.. ، وظلت الأفكار تتناهب ذهنه وهو يحلم بالحصول على الدرجة الوظيفية التي يؤمل بأن تنتج عن مقابلاته المتكررة للمدير العام. .. ، تكررت فرص دخول حسان إلى مكتب المدير، وتوقفت اعتراضات مدير مكتبه وكأنه قد أبلغ بعدم الاعتراض.. ، وكان حسان لا يألو جهدا في كل مرة يدخل فيها إلى المكتب للفت انتباه المدير العام عله يطرق معه الموضوع الذي تحدث معه حوله في المرة السابقة.. ، وتأخر تجاوب المدير مع أمنيته تلك حتى كاد أن ييأس .. لولا أنه استدعاه بعد حوالي ثلاثة أسابيع للحضور إلى مكتبه بشكل عاجل.. ، وفور دخول حسان إلى المكتب.. قال له المدير، وهو لا يزال واقفا:
    - عليك أن تجهز أربع صور فوتوغرافية ملونة.
    - حاضر سيدي.
    وحين كان حسان يحاول أن يستوضح من المدير عن سبب طلب الصور.. أشار له هذا الأخير بالخروج من المكتب. فخرج مباشرة.
    لم تمض سوى عدة ساعات حتى كانت الصور المطلوبة جاهزة.. أخذها إلى مكتب المدير العام.. ، وسمح له بالدخول مباشرة.. ، ولم يتركه المدير يلتقط أنفاسه.. حيث قال له وهو ينظر إليه من فوق زجاج نظارته كعادته:
    - سلم الصور للسائق عوض.
    صمت المدير العام برهة قصيرة، وحسان لا يزال واقف أمامه.. ، ثم قال:
    - هل تعرف السائق عوض!؟
    - نعم أعرفه يا سيدي.
    - حسنا سلم له الصور، وسيشرح لك هو التفاصيل.
    خرج حسان من المكتب فوجد السائق ينتظره..، وقبل أن يستوضح منه حسان عن الموضوع... قال له بعد أن اختطف الصور من يده:
    - سوف نلتقي بعد يومين، وسأوضح لك ما يجب عليك عمله بعد ذلك.

    لم يفهم حسان شيئا مما يجري حوله.. ، لقد سمع كثيرا من بعض الموظفين، وبالذات أولئك الذين يشاطرونه أسفل الهرم الوظيفي للمؤسسة بأن المدير العام وسائقه عوض وجهان لعملة واحدة.. وليس هذا فحسب.. بل كان البعض يعلق على علاقة المدير العام بسائقة. بما يشير إلى أن المدير الفعلي هو السائق عوض، وأنه هو الذي يقف وراء الستار لتسيير معظم أعمال المؤسسة، وكأن المدير العام بهيبته المصطنعة ليس إلا دمية في مسرح للعرائس يحركها السائق عوض كيف شاء ومتى يشاء.
    مر اليومان التاليان على حسان ببطء شديد حتى خيل له أن الحظ يعاكسه..، وخلال هذين اليومين لم يحدث حسان أحد بما دار بينه وبين المدير العام وسائقه.. لقد فكر أن من مصلحته أن يبقي الموضوع طي الكتمان.. نعم.ع في المؤسسة لن ينظروا إلى المثلث الذي أصبح هو أحد أضلاعه الثلاثة بمنظار حسن النية أو البراءة ، ولن يصدق أحد بأنه حتى الآن يشبه إلى حد كبير ذلك الأطرش في حفلة العرس .. نعم . لن يصدق أحد بأنه لا يعلم ماذا يريد منه المدير العام وسائقه؟.. وحتى لو سأله أحد عن هذه العلاقة فأنه لا يعرف كيف يرد.
    التقى به السائق عوض في اليوم الثالث ، وناوله ورقتين من المدير العام.. الأولى: تضمنت أمرا بمنحه إجازة طارئة لمدة شهر كامل.. ، والثانية: تضمنت أمرا للشئون المالية بصرف مبلغ عشرة ألاف ريال مكافأة لحسان ، وفي نفس الورقة أمر بتقديم صرف مرتبه القادم .. ، ومن جديد لم يفهم حسان شيئا ، ولم يكن مسموحا له البتة بأن يسأل.. ، وحتى إن سأل يقول له السائق عوض:
    - ستتضح لك الأمور قريبا.
    بقدر ما كان حسان سعيدا بحصوله على ما حصل عليه.. إلا أنه كان قلقا جدا ، ولولا الظروف المادية الصعبة التي يمر بها ، ورغبته في عدم إفساد فرحة أمه ... لكان قد رفض كل ذلك حتى يعرف دوافعها.. ، لم يكن لديه مانعا إذا كان المدير العام قد سأل عنه وعرف الظروف المادية المحيطة به ، ومن ثم تكرم بمنحه هذه المنح.. ، ولكن . هل المدير طيب إلى هذا الحد؟ .. ولماذا يتحدثون عنه بعكس ذلك !!؟.
    قطع السائق أفكار حسان التي لم توصله إلى نتيجة نهائية يرتاح لها ضميره... حين طلب منه أن يتبعه على عجل إلى خارج مبنى المؤسسة ليتحدث معه على إنفراد بعيدا عن أعين الموظفين.. كما قال له .. ، وفي البوفية المجاورة لمبنى المؤسسة طلب السائق كوبين من عصير الليمون .. ، ودخل في الموضوع مباشرة .. حيث قال:
    - المدير العام يشيد بك ، وينظر إليك بإعجاب ، ويأمل أن تقدم له خدمة بسيطة لن ينساها لك أبدا.
    قال حسان وهو يمسك كوب الليمون بكلتا يديه ليخفف من برودته:
    - أنا تحت خدمة المدير في أي وقت.
    - عموما أنت تعرف أن امتحانات الثانوية العامة بعد حوالي ثلاثة أسابيع.. ، وأسامه ابن المدير العام يجب أن يؤدي الامتحان هذا العام.. ، ولكنه للأسف مسافر خارج البلاد لظروف خاصة به.
    صمت السائق.. فوجدها حسان فرصة مناسبة للحديث.. حين قال:
    - وما هو المطلوب مني !!؟
    ابتسم السائق ابتسامة بدا الخبث واضحا في قسماتها.. ، وأخرج مظروفا من جيبه ، وفتحه ، وناول حسان بطاقة شخصية ورقم جلوس ( بطاقة دخول الامتحان ) وقد وضع عليما صورة حسان وبيانات أسامه ابن المدير العام.
    دارت الدنيا في عيني حسان ، وهو يتفحص الوثائق ، وحاول أن يتبين فيها أي مؤشر أو علامة تدل على كونها مزورة . فلم يجد شيئا من ذلك.. ، كان قد قرر من قبل في نفسه أنه لابد وأن يرفض أي طلب لا يتناسب مع ما يجب أن يكون.. سيرفض أي طلب لا يتوافق مع النظام والقانون والأخلاق.. ، نعم عليه أن يعمل كذلك .. ربما أن المدير العام يمتحن مصداقيته .. ، ولكنهم لم يجهزوا هذه الوثائق عبثا .. لاشك أنهم جادون.. ، ما أبشع المناظر الحقيقية لهؤلاء الناس.. ، إنهم يرتدون أحسن الملابس ، ويركبون السيارات الفارهة ، ويسكنون أفخم المنازل .. ، وحين تقترب منهم تكتشف أنهم في الحضيض... ، وليس هذا فحسب .. بل إنهم لا يتورعون عن دعوة مرؤوسيهم دائما إلى التمسك بالقيم والمبادئ التي يدعون تمسكهم بها وكأنهم قد رضعوها مع حليب أمهاتهم... ليت أنه لم يخبر أمه بالمبالغ التي حصل عليها من المدير العام .. ، وليت أن أمه لم تتصرف بجزء من هذه المبالغ لسداد الديون التي كانت عليهم... ، مسكينة أمه لقد ظلت طوال تلك الليلة تدعو للمدير عرفانا بما قدمه لولدها... ، وحين كانت نظرات السائق لا تزال مركزة عليه ، وابتسامته الخبيثة في آخر مراحلها ... أدرك حسان أنه قد تأخر في الرد .. أدخل الوثائق في جيب سترته الداخلي ، وابتسم ابتسامة مصطنعة ، وقال للسائق:
    - طمئن المدير وسيكون خيرا إنشاء الله.
    تناول آخر ما تبقى من عصير الليمون دفعة واحدة ، واستأذن السائق ، وانصرف عائدا إلى منزله.
    وصل حسان إلى المنزل ، واتجه مباشرة نحو خزانة الكتب ، وأخذ يجمع كتب وكراسات الثانوية العامة وينفض عنها الأتربة التي كانت قد تجمعت عليها منذ انتهائه من الامتحانات في العام الماضي.. ، وحين فاجأته أخته بسؤالها له عن سبب إخراجه للكتب .. أدرك أن لا مناص من أن يخبرها بالموضوع .. ، حين يرتكب الإنسان خطأ ما يحاول أن يقنع نفسه ببعض المبررات .. ، وحين يجد صعوبة في إقناع نفسه يبدأ في البحث عمن يمكن أن يساعده في تبرير ذلك الخطأ... يواسي نفسه ثم يبحث عمن يواسيه.. ، طلب حسان من أخته أن تتبعه إلى غرفته بعد أن ناولها بعض الكتب لتحملها معها .. ، وفي الغرفة أطلعها على الموضوع بعد أن أغلق الباب من الداخل ، وطلب منها أن تساعده في إقناع أمه....
    قاطعته أخته والدهشة لا تزال بادية عليها.. ، وقالت:
    - وماذا ستقول لها إن سألتك عن سبب إعادتك للامتحانات فجأة؟
    - سأقول لها أن الامتحان يتعلق بدورة تدريبية خاصة بالعمل.
    كانت أخته لا تزال واجمة وقد تملكتها الدهشة مما تسمع ... لقد حكى لها كثيرا عن القيم التي تعلمها من والده.. ، إنها منذ أن توفي والدهم وهي ترى فيه صورة حية لوالدها... تعتبره المعتمد الوحيد لها ... ، وحين خشي حسان من أن تحاول إقناعه بالعدول عن الفكرة كما بدا واضحا من خلال نظراتها وإطالة تفكيرها .. قال لها:
    - سيساعدني ذلك في الحصول على الدرجة الوظيفية.. هذه فرصة يجب أن لا أفوتها.. أليس كذلك؟
    قالت أخته على مضض:
    - نعم . نعم . أنت أدرى بما يجب عليك عمله.. أنت لم تعد صغيرا يا حسان.
    لم يستغرق كثيرا من الوقت لإقناع أمه .. ، وبالذات حين كانت أخته تؤكد كل ما يقوله.. ، وقد تفرغت أمه خلال الثلاثة الأسابيع التي تسبق الامتحانات وهي تدعو له وتلبي كل متطلباته.
    بدأت الامتحانات ، وسارت الأمور على ما يرام ، وأدى حسان الامتحان الأول والثاني باسم أسامه ابن المدير العام دون أي صعوبات تذكر .. لا في كونه يؤدي الامتحان عن شخص آخر ، ولا في صعوبة الأسئلة التي تضمنتها الامتحانات... ، وفي امتحان اليوم الثالث ، وحين كان الهدوء يخيم على قاعة الامتحان .. وحسان وبعض الطلاب منهمكون في الكتابة .. بينما كان البعض الآخر يتثآبون ويتململون وكأنهم استعدوا لامتحان مادة أخرى ... دخل من الباب الخلفي للقاعة ثلاثة رجال يرتدون الملابس المدينة وبصحبتهم مدير المركز الامتحاني .. ، ونادى أحدهم بصوت مرتفع:
    - حسان!!
    ألتفت حسان بدون شعور إلى مصدر الصوت .. ، ثم ما لبث أن عاد سريعا ونظر إلى الأمام حين تذكر فجأة أنه هنا أسامه وليس حسان ، وأنه يجب عليه التماسك وعدم الارتباك حتى لا ينكشف أمره.
    اقترب منه الرجل ووضع يده على كتفه الأيسر وطلب منه أن ينهض ويأتي معه بهدوء .. بينما تولى زميله أخذ ورقة الأسئلة ودفتر الإجابة الذي كان حسان يكتب فيه.
    تم تحرير محضر رسمي لدى وكيل النيابة.. ، وتقرر حجز حسان على ذمة التحقيق .. ، وفي قسم الحجز ، وبعد أقل من ساعة فقط .. استدعي حسان إلى مكتب الزيارات .. حيث كان ينتظره السائق عوض الذي سلم إليه مظروفا .. فتحه حسان ليجد قرار
     
  2.   مشاركة رقم : 2    ‏2003-08-28
  3. درهم جباري

    درهم جباري مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2001-07-16
    المشاركات:
    6,860
    الإعجاب :
    1
    سبق أن قلت رأيي في هذه القصة عند تعقيبي على الجزء الثاني منها
    فهي رائعة !!

    وهنا أسجل حضوري مكررا ترحيبي بأديبنا البلق الأوسط ..

    دمت مبدعا ..
     

مشاركة هذه الصفحة