استقالة الشجعان

الكاتب : ابو الحسن احمد   المشاهدات : 460   الردود : 0    ‏2003-08-24
      مشاركة رقم : 1    ‏2003-08-24
  1. ابو الحسن احمد

    ابو الحسن احمد عضو

    التسجيل :
    ‏2003-08-24
    المشاركات:
    1
    الإعجاب :
    0
    يتعرض السيد محمود عباس ابو مازن رئيس الوزراء الفلسطيني ووزير امنه العقيد محمد دحلان الي ضغوط امريكية ـ اسرائيلية متعاظمة من اجل اعلان الحرب علي حركتي حماس و الجهاد الاسلامي ، بعد عملية القدس الغربية الاخيرة التي ادت الي مقتل عشرين اسرائيليا واصابة مئة علي الاقل.
    الامريكيون كعادتهم دائما، ينزهون الاسرائيليين، وكبيرهم الذي علمهم الارهاب آرييل شارون عن اي خطأ او لوم، ولا يرون في انتهاكاتهم لاتفاقية الهدنة اي عيب، ويعتقدون آثمين، ان اغتيال الشهيد اسماعيل ابو شنب انتقام مشروع، ولهذا تفشل جميع مبادراتهم، وتتصاعد درجة الكراهية لهم في مختلف انحاء العالمين العربي والاسلامي، وتتحول الي مقاومة شرسة في العراق وافغانستان.
    عملية اغتيال الشهيد اسماعيل ابو شنب لا يمكن ان تضعف حركة حماس ، ولن تنجح في ارهاب زعمائها، بل ستجعلهم اكثر تطرفا، واكثر تطلعا للشهادة. ولكنها بالقطع ستضعف ما يسمي بالجناح المعتدل في السلطة الفلسطينية، وتنهي مهمة زعيمهم السيد ابو مازن ، وتعيده عضوا عاقلا في اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية.
    السيد ابو مازن ارتكب خطأ، وتحاول اسرائيل وامريكا جره الي خطيئة كبري. اما الخطأ الاول فتمثل في اعلانه وقف الحوار مع حركتي حماس والجهاد كرد فعل غاضب من جانبه علي عملية القدس الغربية. فالسيد ابو مازن لم يوقف الحوار مع حكومة شارون، ويعاملها بالمثل وعلي قدم المساواة مع ابناء جلدته، عندما انتهكت الهدنة، واغتالت الشهيد محمد سدر من حركة الجهاد، واثنين من مجاهدي حماس في الخليل. واستمر في لقاءاته مع شارون، مثلما استمر وزير امنه العقيد دحلان في الاجتماع مع شاؤول موفاز وزير الدفاع الاسرائيلي.
    وحتي بالامس، وعندما ارسل شارون صواريخه وطائراته لاغتيال الشهيد ابو شنب، لم يعلن رئيس الوزراء الفلسطيني وقف جميع انواع الحوار مع شارون، واكتفي بوصف عملية الاغتيال هذه بانها جريمة نكراء.
    ويظل هذا الخطأ اقل شأنا من الخطيئة الكبري التي تحاول حكومة شارون جر ابو مازن لاقترافها، وهي اعلان الحرب علي حركتي حماس والجهاد تحت عنوان تفكيك البني التحتية للارهاب، لان الاقدام علي هذه الخطوة سيعني حربا اهلية دموية، وهي علي اي حال غير مضمونة النتائج.
    قوات الامن الفلسطينية عندما كانت تطلق النار علي المصلين أمام المساجد في العصر الذهبي الاول لاتفاقات اوسلو، كانت تتغطي بشرعية منظمة التحرير ورصيد امتد لاكثر من ثلاثين عاما من النضال، واتفاقات جري تسويقها علي انها ستؤدي الي دولة فلسطينية مستقلة وعودة النازحين والاغلبية الساحقة من اللاجئين. وقيل للفلسطينيين في حينها ان غزة ستصبح سنغافورة، واريحا ستبز مونت كارلو في الرخاء والنظافة وسياحة الكازينو والقمار.
    الفلسطينيون صمتوا علي عمليات قتل المعارضين واعتقالهم من حماس وغيرها لانهم كانوا مخدرين بوعودها، ولم يتعرفوا بعد علي فساد معظم اجهزتها، وهو الفساد الذي فاحت رائحته في مراحل لاحقة وازكم الانوف. وفوق هذا وذاك كانوا يعتقدون ان الباشا باشا، واكتشفوا ان الباشا زلمة وفاسد ايضا.
    ابو مازن وقواته الامنية الطرية العود، لا يستطيع الدخول في حرب اهلية ضد حماس والجهاد وباقي الفصائل، لانه لا يملك الشرعية الثورية، ولا الانجاز علي الارض، مثلما انه لا يحتمي بكوفية ابو عمار ، والغالبية الساحقة من تنظيم فتح ، وفوق هذا وذاك لا يملك اي ضمانات باتفاق سلام مقبول يعيد للشعب الفلسطيني الحد الادني من حقوقه.
    فاذا كان خيار ابو مازن هو تفكيك البني التحتية للمقاومة، مثلما تطالبه اسرائيل وامريكا، فان من الاشرف له ان يترجل، وان يقدم استقالته ويعود الي الاعتكاف. فالرجل مازال يملك تاريخا نظيفا، ولم يلوث يديه بالفساد، ولم تتلطخ يداه بنقطة دم فلسطينية واحدة.
    ادارة بوش غير جادة في تطبيق خريطة الطريق، وغير مستعدة للدخول في مواجهة مع شارون واللوبي اليهودي الذي يدعمه، خاصة ونحن نقف علي ابواب انتخابات رئاسية جديدة. فلماذا يقع الشعب الفلسطيني في المصيدة الامريكية ـ الاسرائيلية، ويدخل في حال من الاحتراب من اجل تلبية مطالب اناس لا يحترمون كلمتهم ويتآمرون عليه.
    ادارة بوش جاءت بالسيد عباس لوقف الانتفاضة، وعزل الرئيس عرفات باعتباره مصدر الارهاب والعقبة الرئيسية امام التسوية. وها هي العمليات الاستشهادية تستمر وتتصاعد رغم الحصار المفروض علي عرفات، ورغم اعادة احتلال معظم المدن والقري الفلسطينية في الضفة والقطاع.
    حركتا حماس والجهاد توعدتا بالانتقام لمقتل الشهيد اسماعيل ابو شنب، وعودتانا علي الوفاء بالوعد.
    وعلينا ان نتوقع عمليات استشهادية موجعة للاسرائيليين. فعندما اغتالت القوات الاسرائيلية المهندس يحيي عياش توعدت حماس بتنفيذ اربع عمليات استشهادية، وفعلا صدقت الوعد. وتحولت القدس الغربية المحتلة والخضيرة وتل ايب الي ساحة معارك.
    الشعب الفلسطيني سيعاني اكثر بعد كل عملية استشهادية، ولكن هذا قدره، وهو الان يعيش ظروفا مأساوية علي اي حال، ابتداء من الحصار الي الاحتلال واعادة الاحتلال، وكل ما يتفرع عن هذا من نسف بيوت واعتقالات واغلاقات.
    وعلينا ان نتذكر ان معاناة الاسرائيليين اكبر، فالعمليات الفدائية دمرت اقتصادهم وحرمتهم من نعمة الامن التي دفعتهم للهجرة بالملايين الي الدولة العبرية وعلي حساب الشعب الفلسطيني.
    ابو مازن كان جريئا عندما قبل منصب رئيس الوزراء وتبعاته، وتحمل الكثير من النقد وربما التجريح، وسيكون اكثر جرأة وشجاعة اذا ما اعلن استقالته من منصبه في مؤتمر صحافي عالمي وشرح بالتفصيل الممل اسبابها. فمثلما هناك سلام الشجعان ، هناك ايضا استقالة الشجعان .

    القدس العربي : عبد الباري عطوان
     

مشاركة هذه الصفحة