حسان (قصة قصيرة ) الجزء الثاني

الكاتب : البلق الأوسط   المشاهدات : 552   الردود : 5    ‏2003-08-22
      مشاركة رقم : 1    ‏2003-08-22
  1. البلق الأوسط

    البلق الأوسط عضو

    التسجيل :
    ‏2003-01-13
    المشاركات:
    91
    الإعجاب :
    0
    - المدير العام يشيد بك ، وينظر إليك بإعجاب ، ويأمل أن تقدم له خدمة بسيطة لن ينساها لك أبدا.
    قال حسان وهو يمسك كوب الليمون بكلتا يديه ليخفف من برودته:
    - أنا تحت خدمة المدير في أي وقت.
    - عموما أنت تعرف أن امتحانات الثانوية العامة بعد حوالي ثلاثة أسابيع.. ، وأسامه ابن المدير العام يجب أن يؤدي الامتحان هذا العام.. ، ولكنه للأسف مسافر خارج البلاد لظروف خاصة به.
    صمت السائق.. فوجدها حسان فرصة مناسبة للحديث.. حين قال:
    - وما هو المطلوب مني !!؟
    ابتسم السائق ابتسامة بدا الخبث واضحا في قسماتها.. ، وأخرج مظروفا من جيبه ، وفتحه ، وناول حسان بطاقة شخصية ورقم جلوس ( بطاقة دخول الامتحان ) وقد وضع عليما صورة حسان وبيانات أسامه ابن المدير العام.
    دارت الدنيا في عيني حسان ، وهو يتفحص الوثائق ، وحاول أن يتبين فيها أي مؤشر أو علامة تدل على كونها مزورة . فلم يجد شيئا من ذلك.. ، كان قد قرر من قبل في نفسه أنه لابد وأن يرفض أي طلب لا يتناسب مع ما يجب أن يكون.. سيرفض أي طلب لا يتوافق مع النظام والقانون والأخلاق.. ، نعم عليه أن يعمل كذلك .. ربما أن المدير العام يمتحن مصداقيته .. ، ولكنهم لم يجهزوا هذه الوثائق عبثا .. لاشك أنهم جادون.. ، ما أبشع المناظر الحقيقية لهؤلاء الناس.. ، إنهم يرتدون أحسن الملابس ، ويركبون السيارات الفارهة ، ويسكنون أفخم المنازل .. ، وحين تقترب منهم تكتشف أنهم في الحضيض... ، وليس هذا فحسب .. بل إنهم لا يتورعون عن دعوة مرؤوسيهم دائما إلى التمسك بالقيم والمبادئ التي يدعون تمسكهم بها وكأنهم قد رضعوها مع حليب أمهاتهم... ليت أنه لم يخبر أمه بالمبالغ التي حصل عليها من المدير العام .. ، وليت أن أمه لم تتصرف بجزء من هذه المبالغ لسداد الديون التي كانت عليهم... ، مسكينة أمه لقد ظلت طوال تلك الليلة تدعو للمدير عرفانا بما قدمه لولدها... ، وحين كانت نظرات السائق لا تزال مركزة عليه ، وابتسامته الخبيثة في آخر مراحلها ... أدرك حسان أنه قد تأخر في الرد .. أدخل الوثائق في جيب سترته الداخلي ، وابتسم ابتسامة مصطنعة ، وقال للسائق:
    - طمئن المدير وسيكون خيرا إنشاء الله.
    تناول آخر ما تبقى من عصير الليمون دفعة واحدة ، واستأذن السائق ، وانصرف عائدا إلى منزله.
    وصل حسان إلى المنزل ، واتجه مباشرة نحو خزانة الكتب ، وأخذ يجمع كتب وكراسات الثانوية العامة وينفض عنها الأتربة التي كانت قد تجمعت عليها منذ انتهائه من الامتحانات في العام الماضي.. ، وحين فاجأته أخته بسؤالها له عن سبب إخراجه للكتب .. أدرك أن لا مناص من أن يخبرها بالموضوع .. ، حين يرتكب الإنسان خطأ ما يحاول أن يقنع نفسه ببعض المبررات .. ، وحين يجد صعوبة في إقناع نفسه يبدأ في البحث عمن يمكن أن يساعده في تبرير ذلك الخطأ... يواسي نفسه ثم يبحث عمن يواسيه.. ، طلب حسان من أخته أن تتبعه إلى غرفته بعد أن ناولها بعض الكتب لتحملها معها .. ، وفي الغرفة أطلعها على الموضوع بعد أن أغلق الباب من الداخل ، وطلب منها أن تساعده في إقناع أمه....
    قاطعته أخته والدهشة لا تزال بادية عليها.. ، وقالت:
    - وماذا ستقول لها إن سألتك عن سبب إعادتك للامتحانات فجأة؟
    - سأقول لها أن الامتحان يتعلق بدورة تدريبية خاصة بالعمل.
    كانت أخته لا تزال واجمة وقد تملكتها الدهشة مما تسمع ... لقد حكى لها كثيرا عن القيم التي تعلمها من والده.. ، إنها منذ أن توفي والدهم وهي ترى فيه صورة حية لوالدها... تعتبره المعتمد الوحيد لها ... ، وحين خشي حسان من أن تحاول إقناعه بالعدول عن الفكرة كما بدا واضحا من خلال نظراتها وإطالة تفكيرها .. قال لها:
    - سيساعدني ذلك في الحصول على الدرجة الوظيفية.. هذه فرصة يجب أن لا أفوتها.. أليس كذلك؟
    قالت أخته على مضض:
    - نعم . نعم . أنت أدرى بما يجب عليك عمله.. أنت لم تعد صغيرا يا حسان.
    لم يستغرق كثيرا من الوقت لإقناع أمه .. ، وبالذات حين كانت أخته تؤكد كل ما يقوله.. ، وقد تفرغت أمه خلال الثلاثة الأسابيع التي تسبق الامتحانات وهي تدعو له وتلبي كل متطلباته.
    بدأت الامتحانات ، وسارت الأمور على ما يرام ، وأدى حسان الامتحان الأول والثاني باسم أسامه ابن المدير العام دون أي صعوبات تذكر .. لا في كونه يؤدي الامتحان عن شخص آخر ، ولا في صعوبة الأسئلة التي تضمنتها الامتحانات... ، وفي امتحان اليوم الثالث ، وحين كان الهدوء يخيم على قاعة الامتحان .. وحسان وبعض الطلاب منهمكون في الكتابة .. بينما كان البعض الآخر يتثآبون ويتململون وكأنهم استعدوا لامتحان مادة أخرى ... دخل من الباب الخلفي للقاعة ثلاثة رجال يرتدون الملابس المدينة وبصحبتهم مدير المركز الامتحاني .. ، ونادى أحدهم بصوت مرتفع:
    - حسان!!
    ألتفت حسان بدون شعور إلى مصدر الصوت .. ، ثم ما لبث أن عاد سريعا ونظر إلى الأمام حين تذكر فجأة أنه هنا أسامه وليس حسان ، وأنه يجب عليه التماسك وعدم الارتباك حتى لا ينكشف أمره.
    اقترب منه الرجل ووضع يده على كتفه الأيسر وطلب منه أن ينهض ويأتي معه بهدوء .. بينما تولى زميله أخذ ورقة الأسئلة ودفتر الإجابة الذي كان حسان يكتب فيه.
    تم تحرير محضر رسمي لدى وكيل النيابة.. ، وتقرر حجز حسان على ذمة التحقيق .. ، وفي قسم الحجز ، وبعد أقل من ساعة فقط .. استدعي حسان إلى مكتب الزيارات .. حيث كان ينتظره السائق عوض الذي سلم إليه مظروفا .. فتحه حسان ليجد قرار فصله من العمل تحت توقيع المدير العام.
     
  2.   مشاركة رقم : 2    ‏2003-08-23
  3. درهم جباري

    درهم جباري مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2001-07-16
    المشاركات:
    6,860
    الإعجاب :
    1
    مرحبا بك مبدعا أخي العزيز / البلق الأوسط ..

    قصتك في منتهى الروعة ..

    ولا أدري هل أحزن على حسان الذي أوصلته ظروفه الصعبة إلى ما وصل إليه ، أم ألومه لأنه ضعف أمام المغريات وتنازل عن مبادئة ..

    أنت كاتب متمكن من زمام الحرف ..

    حللت أهلا ونزلت سهلا .
     
  4.   مشاركة رقم : 3    ‏2003-08-23
  5. الصـراري

    الصـراري مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2001-09-01
    المشاركات:
    12,833
    الإعجاب :
    3
    مرحباً بك أخي وبقطعة فنية حوت معاني رائعة ...في الأمانة ..وفي الظلم والمكر ..في سقوط قيم ...وصحوة ضمائر رغم ضيم الحاجة ولسع الفاقة ..
    محور الأقصوصة ومحورها الرئيس حسان وشخصيتها الأساسية أخته والشخصيات الثانوية تمثلت في شخصية سائق المدير العام ومدير المركز الإمتحاني وأم حسان وبقية الشخصيات الثانوية التي ورد ذكرها .
    رائع هو أسلوب التشويق وورسم المشاهد بما يشد القارئ ويجعله يعش المشهد وهو يشهد نظرة حسان المرتعبه ثم تمالكه لرباطة جأشه ومعاودته الجلوس ومحاولته الإنهماك في الإمتحان ثم كشفة وبيان أي خديعة ومكر تخلقها نفوس السوء .

    وتبرير فعله بمايوحي بضعفنا تجاه صعوبة هذه الحياة وآلامها .

    اخي الكريم في أقصوصة للرائع الأديب يوسف العظمة ...
    يسائله ابنه عن سر الدواء المتعفن والمنتهي الصلاحية الذي يصر على الإحتفاظ به في خزينة المجلس وفي صندوق الأدوية .
    هنا يرد عليه ابوه وقد ارتسمت علامات الحزن وتضاريس الألم ...
    في هذا اليوم يابني سقط أبوك وفقد قيمة في حياته كان أخوك مريضاً الحمى قد اخذت بخناقه وأمك تبكي وأبوك لايملك في جيبه فلساً أخذت مقالي الذي رفضت نشره في احد الصحف الصفراء لأنهم ارادوا وضعه بجانب صورة راقصة إغراء هرعت الى مكتب رئيس التحرير وناولته المقال الذي رفضت اعطاءه فيما سبق ضحك بسخرية وناولني ورقة موقع عليها للصندوق وعند الباب ناداني والتفت ثم أشار الى مكان نشر مقالي بجوار صورة الراقصة .
    أسرعت بإتجاه الصيدلية
    ثم عدت اقطع الشارع بسرعة الملهوف ووجدت امك والدموع في عينيها واخوك قد فارق الحياه .
    فاحتفظت بهذه العلبة تذكرني أن لاشئ يمنع القدر ولا مجال للتنازلات لمن لايستحق .


    وعذراً من الأديب الرائع في تلخيصي المقتضب .
    اخي الكريم واصل درب حرفك فلك موهبة وإبداع .
    تحية وتقدير ..
     
  6.   مشاركة رقم : 4    ‏2003-08-24
  7. عاشق الابتسامات

    عاشق الابتسامات مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2003-03-28
    المشاركات:
    5,630
    الإعجاب :
    8
    وهل لي من قول بعد ملوك الحرف ..
    احببت ان اسجل حضورا في ابداعك ..
    راجيا ان لا تغيب عنا شمسه ..
     
  8.   مشاركة رقم : 5    ‏2003-08-24
  9. العمراوي

    العمراوي مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2002-11-24
    المشاركات:
    7,510
    الإعجاب :
    4
    موضوع رائع وقصة رائعه .,.,.,.,

    جزاك الله بنا خير وبكل من أستمتع بالقصة عند قرآتها .,.,.,.,
     
  10.   مشاركة رقم : 6    ‏2003-09-01
  11. تميم العابد

    تميم العابد عضو

    التسجيل :
    ‏2003-09-01
    المشاركات:
    182
    الإعجاب :
    0
    بصراحه قطعه ادبيه غايه في الروعه والشفافيه
    ارجوا منك المواصله وامتاعنا
    لك تحياتي
     

مشاركة هذه الصفحة