بين جر القاتل والمقتول: الإصلاح و الاشتراكي .. الوهم المشترك !!

الكاتب : عبدالرشيدالفقيه   المشاهدات : 571   الردود : 0    ‏2003-08-21
      مشاركة رقم : 1    ‏2003-08-21
  1. عبدالرشيدالفقيه

    عبدالرشيدالفقيه مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2002-12-01
    المشاركات:
    3,577
    الإعجاب :
    0
    نبيل الصوفي *

    عن الثقافية :

    لم أعد أتذكر التاريخ ولن أبحث عنه، فليس ذلك المهم ... مايهمني هو الإشارة التالية:
    يوم التظاهرة الإصلاحية ضد دستور دولة الوحدة في 1990م، وقفت على جدار نادي القوات المسلحة بجولة الشراعي بصنعاء أتأمل أعضاء أول حركة ديمقراطية سلمية للتعبير عن الرأي رغم المفردات الصارخة التي حملتها لافتاتها.
    وكنت ممسكاً بأحد أعداد صحيفة صوت العمال لعلي اشتريتها من بائع في الجولة، وفيها مقال لربما للزميل الودود منصور هائل، أو لمنصور بدون هائل .. لم اعد أتذكر.



    ما أتذكره أن المقال تضمن هجوماً على الإصلاحيين الذين قال أنهم يحرمون أكل الخيار وبيع الموز وأن تحلب بنت البادية أبقارها!، داعياً إلى إعادة إحياء الاشتراكية العلمية في الحياة السياسية كشرط للتطور، وكأن مانقص اليمن في شطره الجنوبي هو أنه لم يكتشف منهج الاشتراكية العلمية-لا أسخف النظرية بل أتحدث عن مجتمع لن تقدر نظريات الشروط المختلفة على حل مشاكله.
    يومها لا زلت أتذكر مشاعري أمام التناقض الذي يظهر في المنطلقات الحاكمة لسلوكي الطرفين: الكاتب والمتظاهرون، ضد بعضهما.
    إن هؤلاء، الكاتب والمتظاهرين (ينظرون لبعضهم بشكل خاطئ).
    ليس المهم الاختلاف، لكن أي اختلاف هذا الذي لاينظر أحدهم للآخر كما هو فعلا بل كما يتخيله؟.
    وللأسف فان –صورة الوهم عن الآخر- هي التي ظلت، تحكم مسار الطرفين، اتساعا وضيقا.


    إعادة إنتاج التجربة:
    سألت الأستاذ محمد علوان مفلح عن بعض أسباب التحول الشخصي له من خلايا حركة القوميين العرب - في اليمن إلى حركة الإخوان المسلمين، في اليمن أيضاً.
    ولم تختلف حكايته عن ما ينقله الأستاذ عبد المجيد الزنداني عن تحوله أيضاً من الحركيين إلى الإخوان، رغم الفارق بين الشخصين.
    فعلوان من أوائل الشخصيات التي انشغلت بالعلاقة بالناس على قاعدة مادية (تجربة التعاونيات في تعز، الخدمات الاجتماعية، الحركة الأدبية...إلخ، بل انه لم يعرف عنه الاهتمام بالجدل النظري والبحث عن الفروق في أصول النظريات).
    وما يروى عن أسباب الانتقالات إلى حركة الإخوان تكرر مع الأستاذ علي الواسعي وعبدالوهاب الآنسي الذين انتقلا من البعث وهما ضمن قوائم متطوعيه في دمشق.
    كما لم يختلف عن ما ينقله د. حمود القيري وحتى عبدالملك الشيباني من التنظيم الذي أصبح يمثل الناصرية فيما بعد.
    وأظن ذلك يدفع أن أداء الإخوان مجرد موقف من الماركسية، أو الاشتراكية العلمية، فالناصريين والبعثيين، وبعد تذكر حالات الصراع بينهما لوحدهما أو مع الإخوان، هما أيضا خصمان أيدولجيان للماركسية.
    كما لم يكن الأمر مجرد لا جذبة روحية نحو اليوتوبيات .. فبعض من ذكرت من المنتقلين من الأحزاب الأخرى إلى الإخوان خاضوا غمار الحياة العامة بواقعية كبيرة.
    كما أنها ليست مجرد موقف من الحداثة والتحديث، أو من اليسار على قاعدة خلاف اجتماعي يرتبط بالعلاقة بالبرجوازية والكمبرادور، اذ تتميز الحركة السياسية اليمنية عموما أن قادتها من طبقة واحدة، هذا إن كان يصح اجتماعيا استخدام مفهوم الطبقات في مجتمعنا.
    ولست محتاجا للتنبيه أن الحديث عن: تحالف "التقليديين والرجعيين"، كان صورة أخرى من الحديث عن تحالف "التقليديين والماركسيين أيضا"، يمكن تطبيق ما أريد قوله على موقف اليسار من شخصي: عبدالله بن حسين الأحمر، وسنان أبو لحوم، وحتى مجاهد أبو شوارب ومحمد علي عثمان، مقابل موقف الإخوان من شخصيات كأحمد الشامي، وأحمد علي المطري، ومحمد زباره.
    فمواقف هؤلاء العملية تجاه كل طرف وليس تجاه القضايا العامة أو تصوراتهم النظرية، هي التي تجعل الأحمر ومحمد علي عثمان ضد التحديث ومجاهد وسنان معه، تماما كما تجعل من أحمد علي المطري ومحمد زباره ضد الهوية الحضارية الاسلامية!.
    ورغم أن من حق الجميع: تنظيمات اليسار، أو القوميين، أو المنتقلين منهم إلى الإخوان المسلمين، من حقهم اتخاذ الموقف، واعتماد الرؤية المناسبة، فإن ما يمكن ملاحظاته أنه وخلال ربع قرن من العمل العام ما قبل الوحدة عاش هؤلاء جميعا خصومة لها هدف واحد، هو الآخر منهم.
    بل إن هذه الخصومة كانت تجعل إلغاء كل طرف من هذه التصنيفات، الأولوية للطرف الآخر، باعتبار أن التخلص منه هو الذي سيقيم الدولة المنشودة.
    ولعل هذا هو مايفسر فقر الحركة الوطنية اليمنية بكل اتجاهاتها من الدراسات الاجتماعية والثقافية التي تنطلق من المجتمع اليمني وتستهدفه، كوطن ومواطنين، مقابل كميات لابأس بها من الكتابات الجدلية لهذا الآخر.
    بل إن حكومة اليسار في الجمهورية الوليدة على تراب الجزء الجنوبي والشرقي، منذ بداياتها الأولى ورغم كل التحديات العامة المفترض الانشغال بها، اتخذت مواقف لم تتخذها حتى حكومة الاستعمار البريطاني! كإغلاق المركز الإسلامي، قتل علي باحميش ، إعتقال شخصيات المركز وعلى رأسهم طرموم الذي لم ينقذه من إعدام طائش سوى عمر الجاوي رحمهم الله جميعاً.
    تقول أحد تقارير جهاز أمن الدولة التي تسربت ما بعد حرب صيف 94م من ملفات ما قبل الوحدة أن حركة الإخوان المسلمين مثلت الهدف لجهاز أمن الدولة أكثر من أي جماعة إسلامية أخرى لأنها (الأخطر) بحسب التقرير.
    بل وطال الأمر شخصيات غير منظمة أساسا وليس أخرها سالم بن حفيظ رحمه الله، الذي غيبته شجاعته قبيل جمعه لم يتمكن من الخطبة فيها.
    وذات الأمر في حكومة الشمال حيث وجد اليسار والإخوان نفسيهما وجهاً لوجه وراء السلاح في معارك مختلفة.
    وبعيداً عن الحديث عن الارتباط الدولي لليسار، والإقليمي للإخوان، فالحقيقة أن كل المواقف – وأجزم بالغالب منها- كان ورائها سوء فهم كلا لأولوياته ومن ثم لخصوم مشروعه الحقيقيين، دون أن نغفل القطيعة التي غذتها خصومات المنابع: ضد لينين القادم من جمهورية ما بعد ستالين في الإتحاد السوفيتي وضد الإخوان القادم من مصر، أو من دمشق .. ولا يمكن تجاوز أثار الخطاب القادم من الرياض، ولا أقصد من صدرته أجهزة المخابرات في هذه البلدان ولكن يمكن الحديث حتى لانسطح الأمر أكثر عن فكر وأيد لوجيه.


    التخلف المشترك:
    اتصل بي أخ كريم قال أنه من أعضاء الإصلاح في إحدى المحافظات الجنوبية، معترضا على استمرار نشر الصحوة تصريحات غير الإصلاحيين، وبخاصة الاشتراكيين.
    ويسألني هل حدث أن نشرت الثوري ولو حتى تصريحاً لقيادي إصلاحي!! واعتراضه في سبيل إثبات أن على الإصلاح مراجعة ما وصفه بالانفتاح المهرول تجاه من وصفهم بـ (الماركسيين).
    ولما قلت له، أن الحزب الاشتراكي حزب يمني يضم قناعات مختلفة، وليس تجمعاً للماركسيين الذين تجد منهم من بدل أيديولوجيته في سبيل ترتيب وضع جديد داخل الحزب الحاكم.
    اعتبر أني تعرضت لغسل دماغ!، فلما زدت الطلب منه أن يغير الموقف من الماركسيين أصلا، ازداد غضبه، مع أني قلت له لقد قدم كثير من رجال الفكر الإسلامي دراسات نقدية للفكر الماركسي، وذاك كاف .. ولكن القليل من نقد أتباع ستالين.
    مع أن أتباع ستالين، هم الأكثر حضوراً حتى وإن كانوا يرفعون صورة ماركس ولينين فإنهم لم يشابهوا إلا ستالين في العالم العربي والإسلامي.
    ولذا قتلوا نضالاتهم بأيديهم قبل أن تصل إليهم أياد أعدائهم.
    الأخ الكريم لم يستطع استيعاب الفرق بين ما حاولت التفريق بينهم (ماركس، لينين، مقابل ستالين)، ولذا طلبت منه قراءة تجربة اليسار اليمني بحياد معقول للوصول إلى نتيجة محتملة وهي: أن التخلف كان هو من أنتج المآسي وليس مانظنه "الماركسية" التي يمكن القول أنها صنعت مآسي ولكن في مجتمعات أخرى، أما ماسينا فلم يصنع الفكر الوافد وحده بل التخلف المقيم.
    وبرر المتصل غضبته على الاشتراكيين، باستمرار كثير من منظري يسار مابعد 1994، على اعتبار أن الإسلام السياسي هو وراء كل شر في البلاد.
    مذكرا ما ناله من مصائب عليه وعلى أهله بحكم أنه في محافظات كانت ضمن جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية.
    غير أن الاختلاف في الرأي، أو ماقد يقال أنه المعتقد، ليس هو من أنتج كل تلك المآسي في الوطن اليمني شماله وجنوبه: يكفي البحث عن فيصل عبد اللطيف، وسالمين ، ومحمد مطيع ، وحتى عبد الفتاح إسماعيل، وابراهيم الحمدي، وأحمد الغشمي، ومحمد الرعيني، وسلطان القرشي ... والآلاف من اليمنيين الذين لم يكن كثير منهم لايحسن حتى القراءة والكتابة.
    وهذا التخلف الاجتماعي الذي بالتأكيد ينال كاتب هذه السطور ومحاوره حظاً منه- وهو ما أتفق معي بشأنه هذا العزيز المحاور بالتلفون– لا يكاد مشروع سياسي يمني يخلو من بصماته، وان بدرجات متفاوتة.


    حرب صيف 1994م ..الثأر من الوحدة
    بقيام الوحدة، دخلت الحركة السياسية في بلادنا مربعاً كاد يكون جديداً..
    وأياً ما يكون الاختلاف مع الحزب الاشتراكي اليمني فأعتقد انه لا يجوز بأي حال من الأحوال إغفال أنه الحزب الوحيد الذي دخل الوحدة محملاً ببذور مراجعات فكرية و سياسية عميقة، فيما كان الآخرين إما غير مقرين بالحاجة للمراجعات أو لا يرونها أولوية، وأتحدث عن أصحاب المشاريع، أما من كان ليس له مشروع فلا أعتقد أن من الصائب حتى مجرد العتب عليه لأنه لم يراجع!، وللأسف كانت أولى مهام أجندة دولة الوحدة معركة الدستور، التي أديرت بعقلية ما قبل الوحدة من الطرفين عميقي الخلاف أصلا، الاشتراكي والإصلاح.
    ورغم المساحة التي تحرك فيها السياسيين من الحزب الاشتراكي باعتبار التظاهر ضد الدستور حق ديمقراطي، فيمكن ملاحظة أن الإعلاميين كانوا رأس الحربة ضد حق الإصلاح في الدفاع عن رؤاه حتى وهو يلتزم السلمية واللاعنف.
    ولايزال ذات الخطاب حتى اليوم حيث يعتبر رفض الإصلاح للدستور رفضاً للوحدة، رغم أن سياسي ما بعد 1994م داخل الحزب الاشتراكي اليمني أدركوا أنه وإن كان الإصلاح ركز على المادة الثالثة فإن اعتمادهم وثائق السبعينات لوحدة التسعينات كان اسهام في حفر خنادق تمترس بها محاربوا 1994م.
    ولكن اليوم يمكن القول أيضاً أن معارضة الدستور مثلت ميلاد لحزب سياسي نمى سريعاً رغم مخاوف مؤسسيه.
    ولم تكد عاصفة الدستور تمر حتى كان الإصلاحيون بما فيهم من قد يوصفوا بالراديكالية الأيديولوجية يخوضون ميدان العمل السياسي، وبدأت حوارات الإصلاحيين و الاشتراكيين.
    ويمكن لفت الانتباه الى مقولة ياسين سعيد نعمان التي رد بها على منتقديه لسماحه المتكرر للمهندس عبد الله صعتر بالحديث في البرلمان الذي كان يرأسه، حيث قال لهم: هذا هو الصوت الآخر، بل قال: من غير الصوت الأخر، من غير صعتر، لا يكون هناك برلمان لدولة ديمقراطية.
    كما نظمت الدائرة السياسية وبخاصة الأستاذ نصر طه مصطفى، عضو الهيئة التحضيرية العليا للإصلاح حينها، حوارات في منزله بين قيادات من الإصلاح والاشتراكي، كان الشهيد جار الله عمر ومحمد قحطان أحد نجومها، توجت بحوار أعلى الهيئات: المكتب السياسي للاشتراكي والهيئة التحضيرية للإصلاح.
    ورغم الفترة القصيرة بين إنتخابات 1993م وبين الأزمة السياسية فقد تغير خطاب قيادات الحزبين تجاه بعضهما، وبدى ذلك حتى من تصريحات الشيخ عبد المجيد الزنداني الذي أعادته الوحده لليمن بعد أن غادرها لأكثر من عقد من الزمن، مما غيبه عن تفاعلاتها المباشرة. ولعل هذا التغيير هو ماتجده من إشارة الشهيد جار الله عمر في ورقته التي قدمها للأستاذ علي سالم البيض قبل انفجار حرب صيف 1994م وتحدث فيها أن من مظاهر سوء إدارة الحزب الاشتراكي للأزمة (عودة الإصلاح إلى صف المؤتمر!!).
    ولم يكن إنفجار الحرب سوى تعبير مأساوي لإنتصار التخلف الذي غافله اليمنيون على حين غرة يوم أقاموا الوحدة .
    ودعكم هنا من خطاب الإصلاح، وفتاوي مشائخه، واقرءوا ذات الوثيقة التي أشرت إليها بقلم الشهيد جار الله عمر والتي تحذر من أن فقدان السيطرة على الأزمة وانفجار الحرب ستكون من تلك الأخطاء التاريخية التي يشك بعدها أنه يبقى شيء اسمه وطن أو حزب إشتراكي.
    ويذكر الأستاذ يحي منصور أبو أصبع المرة الوحيدة التي شاهد فيها الشهيد جار الله عمر يبكي(بكاء الأطفال) كما قال -أي بغزارة– عقب فشله-أي الشهيد– ويحي منصور، ويحي الشامي في إقناع البيض وغيره من قيادة الدولة في الحزب الاشتراكي العودة إلى صنعاء من عمان عقب توقيع إتفاقية العهد والاتفاق.
    يقول أبو أصبع أن جهده والشامي بذل استجابة لطلب جار الله نفسه الذي قال لهم بعدها وهو يبكي (لقد خسرنا الفرصة التاريخية).
    ويجدر هنا تذكر الشرط الذي خطه الشيخ عبد الله بن حسين الأحمر بجوار توقيعه على الوثيقة (شرط أن يعود الجميع إلى صنعاء).
    -في الاحتفال الذي حضرته والزميل أحمد الحاج في الميدان الرياضي بعدن أثناء الحملة الانتخابية للرئيس صالح، التفت نحوه راغبا في استكناه مشاعره كاشتراكي، في لحظة شعرت بها وأنا الإصلاحي أنه لو لم تقم الحرب لما تحولت حملة انتخابية لمرشح حتى لو كان علي عبدالله صالح، إلى حفلة للبخور والرقصات.
    صديقي أحمد أدرك ما أريد، وما أشعر به فعبر بطريقته المعهودة شاتما الجميع.

    الإعلام ... الفشل المشترك مرة أخرى
    غير أن من غير اللائق أن نحاول القفز على عامل موضوعي يستحق أن نحمله الخطأ الأكبر.
    هل تتذكرون الحديث عن عجز الإعلام الاشتراكي في مجارات التطور السياسي الاشتراكي أيضا عقب الوحدة وأثناء معركة الدستور، مع الاعتذار بالتأكيد لتجربة صحيفة المستقبل التي حاولت فتح صفحات الحوار مع الإصلاح والإصلاحيين.
    هذا الحديث يمكن إستعادته مرة أخرى عن الإعلام الإصلاحي، ولا أقصد صحيفتي الصحوة والإصلاح اللتان حكمتا بإدارة المواجهة مع الإعلام والاشتراكي الذي كانت وسائله الصحفية أكثر عدداً وعدة، بل ويتجاوز صحفيوه صحفه.
    ولكني أقصد المحاضرات العامة والتنظيمية التي حاول بها الإصلاحيين مواجهة خطاب ظنوه يعبر عن قرار الحزب، مع انحيازي الشخصي إلى أن فاعلية كتاب وإعلاميي الاشتراكي في مواجهة الإصلاح، كان يغترف من وعي ماقبل الوحدة ولا ينفذ قرار حزبي جديد.
    ويمكن ملاحظة ذلك عبر الفارق الذي تلحظه بين اشتراكيي الشمال ورفاقهم في الجنوب، فمقابل تركيز الجنوبيين على السلطة كان الشماليين أكثر تركيزاً على الإصلاح والإصلاحيين.
    غير أننا كإعلاميين إصلاحيين كنا أكثر عجزا عن التعامل مع معطيات مابعد الوحدة.
    ولذا كنا أسهل استجابة لاستفزاز اشتراكي –شخص- أو حتى فكرة، وأكثر طاعة للطبع الذي قد تعودنا عليه منذ عقود من الصراع.
    مع الاعتذار الممكن بعدم توفر ظروف طبيعية للتقييم والتقاط الأنفاس، حيث لم تنته معركة الدستور حتى فتح موضوع توحيد التعليم، ثم الانتخابات، والأزمة بعد ذلك، ولا يمكن نسيان القضايا الأكثر حدة كحادث الشهيدة لينا مصطفى، والمخيمات الصيفية، وما فعله السلفيين في مساجد عدن وجبلة وغيرها.
    مع ذلك فإنه كان من الممكن للخطاب الإصلاحي أن يغير من نفسه حتى ولو في الشكل على الأقل، أقصد شكل الخطاب – وليس شكل العمل الصحفي.
    وبدا ذلك واضحا للعيان أثناء حرب 1994م التي تحولت من حرب: يمكن وصفها بين مسلم ومسلم، باغ –مع كل اعتذاري عن استخدام هذا المصطلح-، إلى حرب إسلامية ضد الإلحاد، مع أن الإلحاد لا يمكن مواجهته بالسلاح، بل بالحوار والنقاش.
    وحتى ملاحظة أن الفريق الذي قاد الحرب من قيادة الحزب الاشتراكي كان الأقل ارتباطا بما سميت معارك الهوية الدينية في حياة الصراع في بلد التخلف دنيا ودين، لم يجد له مكانا في خطاب الإصلاح غالبا.

    جار الله عمر ... الباحث عن الوطن:
    ورغم انتهاء الحرب التي نظر الإصلاح إليها كمخرج من ضرر أسوء هو الانفصال، ولو بدون حرب حيث كانت قيادة ما كانت تسمى الجمهورية العربية اليمنية قد بدأت الحديث عن انفصال بلا حرب، لإيقاف تصاعد الخطاب الاشتراكي نحو كثير من المحذورات، الشخصية وليست الوطنية بالطبع.
    رغم انتهاء تلك الحرب فان الإصلاحيين لم يغيروا من خطابهم فظلت المطالبة بالتوبة، والحديث عن مصنع صيرة ونشر الإلحاد، وغيرها من القضايا التي لم يكن الظرف ليساعد حتى أبو جهل وابو لهب على الاهتمام بها.
    والاشتراكيين أصبحوا حتى بدون مقر لمجرد لقاء تنظيمي ولو حتى لإقامة مولد صوفي، أو لتعليم القران.
    ومثلت عودة الشهيد جار الله عمر رأس حربة في تحول جديد.
    لا نقول ذلك من باب الاعتذار لخسارتنا جميعاً تلك القامة وسط مؤتمر حزبي إصلاحي، وبيد شخص يستطيع سرد كل تلك التفاصيل التي نشرتها الزميلة الثوري الخميس الماضي عن أنشطة الإصلاح وأسماء الإصلاحيين.
    (حتى الآن لا أفهم سر توفير الثوري فرصة لقاتل أن يسيء لأسماء أناس كان حظهم أنهم التقوا به في ظروف طبيعية، ولعل المسألة هي إتاحة فرصة تماماً كما يحدث مع غيره أحيانا).
    أقول فرغم الحرب وقسوة ما بعدها، فإن الشهيد جار الله عمر لم يقبل أن تتسرب الهزيمة إلى روحه، ولذا عاد بروح تقاوم الجروح وخاض حوارات مع من يظن نفسه منتصراً -ما أسوء أن يحاور صاحب المشروع واهم بنصر بلا مشروع-.
    وعلى غير عادتها منذ قيام الوحدة –ساعدت الظروف هذا المواطن الحالم، وكثير من رفاقه في درب الحلم الوطني على الوصول إلى صيغة أسمت نفسها اللقاء المشترك، وهو أول تجمع يمني لا يتعب أطرافه في البحث له عن اسم.
    غير أن هذه الظروف تخلت دفعة واحدة عن أخلاقها، فأغتال مأفون، يدعى علي جارالله، الرجل، المشروع، الفكرة جار الله عمر الكهالي، وهو في واحدة من لحظات الألق التي لعلها جففت ريق المحافظين على التخلف، والصراع أحد تجلياته.
    غير أن خطبة الوادع التي كانت اخر مهام الشهيد جار الله عمر (حسب تعبير محمد اليدومي أمين عام الإصلاح في حفل تأبين الشهيد) استطاعت أن تهزم صوت الرصاصة الفاجرة.

    الانتخابات .. ما أرخص الثمن؟!:
    ورغم تكالب خصوم جار الله على مشروعه بمجرد نجاح القاتل في اختطاف الشهيد، فقد قاوم اللقاء المشترك عواصي الهجوم، وبدا اللقاء أكثر وفاءً للشهيد حتى من كثير من محبيه الذين صدمهم الحادث حد فقدان التوازن والرغبة في توظيفه لصالح القاتل ذاته!.
    ومثل توقيع اتفاق التنسيق الانتخابي في أربعينية الشهيد تأكيداً على أن جار الله يقود العمل السياسي من قبره كما كان يفعل وهو حي (حد تعبير الأستاذ محمد أحمد غالب).
    غير أن الفاجعة أن حمى الانتخابات كانت أكثر حضوراً في أداءات اللقاء المشترك من مشروع الشهيد نفسه.
    ولذا وبمجرد انتهاء مولد الانتخابات بدء المشروع يترنح، بل بدأ الحماس له يقل.
    ولن يعدم التخلف مبررات يثبت بها صواب الحكم المغروس في عمق الوعي: الإصلاح والاشتراكي عدوان، كانا، ولايزالان، وسيظلان حتى منتهى العمر.
    ومن هنا يأتي الواجب الوطني –أقصد واجب من يشاء- تجاه تجربة اللقاء المشترك.
    المسألة ليست حديث عن الانجازات السياسية فلتذهب لقاءات قادة المشترك إلى حيث ألقت رحلها أم قشعم.
    فهم في النهاية قادة سياسيون من الواجب الحزبي عليهم أن يجدوا الطريق الى خدمة الوطن يمر من أداء أحزابهم السياسي.
    ولكني اسأل عن هؤلاء الإعلاميين والمفكرين، والمثقفين، الذين يظلون في وعيهم الماضي لايفعلون شيئا سوى تقليب فعل الآخرين، وكأن الله لم يخلقهم الا للتقييم.

    التكامل سلطة دافعة:
    اللقاء المشترك يمكنه أن يتحول ساحة للدفاع عن المختلف، والخلاف ليس طريقا للشقاق، والسعي نحو إلغاء الآخر سلوك لامثقف ولا عاقل أصلا.
    والتكامل: سلطة دافعة -كما قال فوكو، ووحدهم الضائقون من الواجبات من يحولون الحياة كلها حقوقا، وهؤلاء لايصلون لا إلى حقوق ولا إلى واجبات.
    أما ان كانت مهمتنا فقط: الردح والقدح، الخطيب لأهل اليسار، والمثقف لأهل اليمين وللاسلام السياسي، فلن نكون حينها سوى زفرة أخرى تجدد للتخلف والضعف والاستبداد روحه.

    * رئيس تحرير صحيفة الصحوة
     

مشاركة هذه الصفحة