حسان (قصة قصيرة) الجزء الأول

الكاتب : البلق الأوسط   المشاهدات : 487   الردود : 0    ‏2003-08-20
      مشاركة رقم : 1    ‏2003-08-20
  1. البلق الأوسط

    البلق الأوسط عضو

    التسجيل :
    ‏2003-01-13
    المشاركات:
    91
    الإعجاب :
    0
    حسان


    انطفأت الكهرباء فجأة.. ، فلم **** حسان الظلام ، ولا أولئك القائمين على محطة الكهرباء .. ، ولم يكلف نفسه حتى عناء التفكير بالمكان الذي تحتفظ فيه أمه بالشمع .. ، واكتفى بأن وضع يديه على الكتاب المفتوح أمامه ..، ثم وضع رأسه على قبضتي يديه المتشابكتين، وسرح بعيدا يفكر في الظروف التي دفعته إلى أن يتقدم لامتحانات الثانوية العامة . برغم أنه قد تخرج من الثانوية العام السابق وبتفوق !!
    تذكر والده الذي توفي قبل عشر سنوات وهو يكرر عليه قبل أن يسلم الروح بأن لا يترك الدراسة هو وأخته مهما كانت الأسباب والظروف... ، ثم يلتفت إلى زوجته - وهو يحتضر -، ويقول لها بصعوبة بالغة:
    - كانت أمنيتي في الحياة أن يتعلم أولادي فقط.
    وتنتحب الأم بصوت مرتفع، وهي تدرك أن ذلك المرض العضال قد تمكن من زوجها، وأنه لن يعمر طويلا.. ، ثم تقول له وهي تمسك بيده الباردة جدا:
    - سوف تعيش يا أبو حسان، وستعلمهم إنشاء الله.
    كانت السماء تمطر بغزارة، ولعل هذا كان سبب انطفاء الكهرباء.. ، وأحس حسان بوقع قطرات المطر على زجاج النافذة وتمنى لو أنه يتمكن من مشاهدتها.. ، يعجبه منظر المطر كثيرا وبالذات حين كان في قريتهم قبل دخولهم إلى المدينة.. نعم في القرية تحس كثيرا بروعة ذلك المنظر حين تغسل مياه الأمطار الصخور الملونة ثم تشرق الشمس بعد ذلك فتنعكس من تلك الصخور أجمل وأروع الألوان الفضية والذهبية واللازوردية في مزيج يجعلك تتخيل الصخور وكأنها تجفف ملابسها المزركشة تحت ضوء الشمس.. ، ومنذ وصولهم إلى المدينة قبل عدة سنوات لم يعد حسان يحس كثيرا بروعة نزول المطر.. ، وجد المدينة مشغولة ببعضها البعض.. عرف فيها حب الذات، والأنانية، والمشاعر الأسمنتية.. ، وحتى نزول المطر فيها كان يجعل الشارع الذي يقع منزلهم الصغير فيه ممتلئا بالوحل القذر الذي يزداد عمقا وعفنا كلما مرت بالشارع إحدى سيارات أبناء الذوات الذين يتسأل حسان دائما مع نفسه عن سبب حاجتهم للمرور بمثل هذا الشارع.
    مات والد حسان بالفعل متأثرا بالسرطان..، واضطرت الأم للعمل حتى تغطي مصاريف البيت، وحتى تضمن استمرار أولادها في المدرسة تنفيذا لوصية والدهم.. ، وبعد أن تخرج حسان من الثانوية العامة بدأ يبحث عن عمل. حتى يوفر عن أمه عناء الخدمة في المنازل، ويكفيها من نظرات الذل والمهانة التي ينظر بها الناس إليها هي وأولادها.. ، وكان لجارهم الحاج مسعود الفضل في حصول حسـان على وظيفة ( مراسل ) وبتعاقد شهري في فرع المؤسسة التي يشغل فيها منصب المدير العام أحد أقاربه.
    حرص حسان بعد استلامه للعمل على أن يبذل قصارى جهده لتنفيذ كل ما يطلب منه أملا في أن ينال رضا مرؤوسيه، ويحصل على درجة وظيفية رسمية بدلا عن التعاقد.. ، وبرغم أن المرتب الذي قيل له أنه سيحصل عليه في نهاية كل شهر لم يكن كافيا لتغطية مصاريف البيت ودراسة أخته، وتحقيق حلمه ووصية والده في مواصلة الدراسة الجامعية... ، إلا أنه هو وأمه كانا حريصين على التمسك بأمل الوظيفة العامة ما أمكن لهما ذلك.. لأنها ستوفر لهم دخلا ثابتا.
    كانت وظيفة المراسل تسمح لحسان أن يدخل أحيانا إلى مكتب المدير العام..، وكانت كلمة سيدي تعقب كل كلمة يقولها:
    صباح الخير سيدي.
    حاضر سيدي.
    بالإذن سيدي.
    كان المدير العام لا يلقي بالا لمن يدخل إلى مكتبه، وكان يكتفي بالنظر إليه من فوق زجاج النظارة... نظرة تثير الرعب في قلب الداخل...، أو أنها تستلزمها ضرورة الهيبة التي يجب أن تظل في قلوب الموظفين لشخص ومكانة المدير العام.. ، ولا يتذكر أي موظف مثلا أنه قد شاهد المدير خلسة وهو يبتسم.. ، بل ويكاد يجزم البعض أن المدير يضع مشاعره وأحاسيسه في مكان ما قبل مجيئه إلى العمل حتى يبدو مجردا منها أثناء الدوام الرسمي.. ، وكان حسان يستغل أي فرصة تسنح له بالدخول إلى مكتب المدير العام.. مما جعل مدير مكتبه يعترض أحيانا ويحاول منعه من الدخول.
    ذات يوم.. وحين هم حسان بالخروج من مكتب المدير العام.. استدعاه المدير وطلب منه الجلوس على الكرسي المقابل لمكتبه.. ، وتردد حسان تأدبا.. بينما خالطه إحساس بالخوف والأمل في آن واحد.. كان يأمل بأن يطرح على المدير العام موضوع التثبيت... ، وحين كان سارحا في أفكاره تلك.. رفع المدير صوته، ونظر إليه بنظرات حادة، وقال له وهو يؤشر بيده إلى الكرسي:
    - قلت لك اجلس.
    - حاضر سيدي... قال حسان ذلك.. ثم أطرق إلى الأرض، ووضع يديه على ركبتيه ليمنعهما من الارتعاش... بينما غرق المكتب في صمت لم يكن يقطعه سوى صوت الأوراق التي كان المدير العام يقلبها أمامه...، وبعد دقائق من الصمت أسند المدير ظهره إلى الكرسي الدوار الذي يتجاوز رأسه ارتفاع مسنده الخلفي..، وقال لحسان وهو يقلب القلم الذهبي بكلتا يديه، وكأنه يستعرض ماركته:
    - أنت ولد نشيط وممتاز.
    - هذا من لطفكم سيدي.
    - وتريد الآن أن تصبح موظفا أساسيا بدلا عن متعاقد.. أليس كذلك ؟
    - آمل أن يتم ذلك بعطفكم وتكرمكم سيدي.
    - حسنا. سوف أطلب ملفك وأدرس الموضوع... ، ولكن ماهو المؤهل الذي تحمله حاليا ؟
    - الثانوية العامة يا سيدي... القسم العلمي وبمعدل مرتفع جدا.
    هز المدير العام رأسه في إشارة إلى إعجابه بما سمع... ، ثم قال:
    - كم معدلك ؟
    -92% يا سيدي.
    - ممتاز... ، ولماذا لم تواصل الدراسة الجامعية؟
    أطرق حسان برأسه إلى الأرض، وشبك بين أصابع يديه... ، ثم رفع رأسه وقال:
    - سأواصل الدراسة يا سيدي... فقط أردت أن أتوظف حتى نتخطى الظروف المادية الصعبة التي نعيشها أنا وأمي وأختي.
    هز المدير رأسه من جديد إعجابا بما سمع... ، ولم يعلق على الموضوع... ، وحين كان حسان يفكر بأن ما سمعه من بعض الموظفين عن المدير العام وعدم وجود مكان للعطف والشفقة في قلبه.. ربما ليس صحيحا.
    أشار المدير العام بيده اليسرى نحو الباب.. ، وقال له:
    - حسنا تفضل.
    خرج حسان من المكتب، وهو يفكر فيما إذا كان قد جانب الصواب في حديثه.. أم أنه قد استدر عطف وشفقة المدير التي يقولون أنها لا توجد لديه البتة.. ، وظلت الأفكار تتناهب ذهنه وهو يحلم بالحصول على الدرجة الوظيفية التي يؤمل بأن تنتج عنها مقابلاته المتكررة للمدير العام. .. ، تكررت فرص دخول حسان إلى مكتب المدير، وتوقفت اعتراضات مدير مكتبه وكأنه قد أبلغ بعدم الاعتراض.. ، وكان حسان لا يألو جهدا في كل مرة يدخل فيها إلى المكتب للفت انتباه المدير العام عله يطرق معه الموضوع الذي تحدث معه حوله في المرة السابقة.. ، وتأخر تجاوب المدير مع أمنيته تلك حتى كاد أن ييأس .. لولا أنه استدعاه بعد حوالي ثلاثة أسابيع للحضور إلى مكتبه بشكل عاجل.. ، وفور دخول حسان إلى المكتب.. قال له المدير، وهو لا يزال واقفا:
    - عليك أن تجهز أربع صور فوتوغرافية ملونة.
    - حاضر سيدي.
    وحين كان حسان يحاول أن يستوضح من المدير عن سبب طلب الصور.. أشار له هذا الأخير بالخروج من المكتب. فخرج مباشرة.
    لم تمض سوى عدة ساعات حتى كانت الصور المطلوبة جاهزة.. أخذها إلى مكتب المدير العام.. ، وسمح له بالدخول مباشرة.. ، ولم يتركه المدير يلتقط أنفاسه.. حيث قال له وهو ينظر إليه من فوق زجاج نظارته كعادته:
    - سلم الصور للسائق عوض.
    صمت المدير العام برهة قصيرة، وحسان لا يزال واقف أمامه.. ، ثم قال:
    - هل تعرف السائق عوض!؟
    - نعم أعرفه يا سيدي.
    - حسنا سلم له الصور، وسيشرح لك هو التفاصيل.
    خرج حسان من المكتب فوجد السائق ينتظره..، وقبل أن يستوضح منه حسان عن الموضوع... قال له بعد أن اختطف الصور من يده:
    - سوف نلتقي بعد يومين، وسأوضح لك ما يجب عليك عمله بعد ذلك.

    لم يفهم حسان شيئا مما يجري حوله.. ، لقد سمع كثيرا من بعض الموظفين، وبالذات أولئك الذين يشاطرونه أسفل الهرم الوظيفي للمؤسسة بأن المدير العام وسائقه عوض وجهان لعملة واحدة.. وليس هذا فحسب.. بل كان البعض يعلق على علاقة المدير العام بسائقة. بما يشير إلى أن المدير الفعلي هو السائق عوض، وأنه هو الذي يقف وراء الستار لتسيير معظم أعمال المؤسسة، وكأن المدير العام بهيبته المصطنعة ليس إلا دمية في مسرح للعرائس يحركها السائق عوض كيف شاء ومتى يشاء.
    مر اليومان التاليان على حسان ببطء شديد حتى خيل له أن الحظ يعاكسه..، وخلال هذين اليومين لم يحدث حسان أحد بما دار بينه وبين المدير العام وسائقه.. لقد فكر أن من مصلحته أن يبقي الموضوع طي الكتمان.. نعم.ع في المؤسسة لن ينظروا إلى المثلث الذي أصبح هو أحد أضلاعه الثلاثة بمنظار حسن النية أو البراءة ، ولن يصدق أحد بأنه حتى الآن يشبه إلى حد كبير ذلك الأطرش في حفلة العرس .. نعم . لن يصدق أحد بأنه لا يعلم ماذا يريد منه المدير العام وسائقه؟.. وحتى لو سأله أحد عن هذه العلاقة فأنه لا يعرف كيف يرد.
    التقى به السائق عوض في اليوم الثالث ، وناوله ورقتين من المدير العام.. الأولى: تضمنت أمرا بمنحه إجازة طارئة لمدة شهر كامل.. ، والثانية: تضمنت أمرا للشئون المالية بصرف مبلغ عشرة ألاف ريال مكافأة لحسان ، وفي نفس الورقة أمر بتقديم صرف مرتبه القادم .. ، ومن جديد لم يفهم حسان شيئا ، ولم يكن مسموحا له البتة بأن يسأل.. ، وحتى إن سأل يقول له السائق عوض:
    - ستتضح لك الأمور قريبا.
    بقدر ما كان حسان سعيدا بحصوله على ما حصل عليه.. إلا أنه كان قلقا جدا ، ولولا الظروف المادية الصعبة التي يمر بها ، ورغبته في عدم إفساد فرحة أمه ... لكان قد رفض كل ذلك حتى يعرف دوافعها.. ، لم يكن لديه مانعا إذا كان المدير العام قد سأل عنه وعرف الظروف المادية المحيطة به ، ومن ثم تكرم بمنحه هذه المنح.. ، ولكن . هل المدير طيب إلى هذا الحد؟ .. ولماذا يتحدثون عنه بعكس ذلك !!؟.
    قطع السائق أفكار حسان التي لم توصله إلى نتيجة نهائية يرتاح لها ضميره... حين طلب منه أن يتبعه على عجل إلى خارج مبنى المؤسسة ليتحدث معه على إنفراد بعيدا عن أعين الموظفين.. كما قال له .. ، وفي البوفية المجاورة لمبنى المؤسسة طلب السائق كوبين من عصير الليمون .. ، ودخل في الموضوع مباشرة .. حيث قال: حسان


    انطفأت الكهرباء فجأة.. ، فلم **** حسان الظلام ، ولا أولئك القائمين على محطة الكهرباء .. ، ولم يكلف نفسه حتى عناء التفكير بالمكان الذي تحتفظ فيه أمه بالشمع .. ، واكتفى بأن وضع يديه على الكتاب المفتوح أمامه ..، ثم وضع رأسه على قبضتي يديه المتشابكتين، وسرح بعيدا يفكر في الظروف التي دفعته إلى أن يتقدم لامتحانات الثانوية العامة . برغم أنه قد تخرج من الثانوية العام السابق وبتفوق !!
    تذكر والده الذي توفي قبل عشر سنوات وهو يكرر عليه قبل أن يسلم الروح بأن لا يترك الدراسة هو وأخته مهما كانت الأسباب والظروف... ، ثم يلتفت إلى زوجته - وهو يحتضر -، ويقول لها بصعوبة بالغة:
    - كانت أمنيتي في الحياة أن يتعلم أولادي فقط.
    وتنتحب الأم بصوت مرتفع، وهي تدرك أن ذلك المرض العضال قد تمكن من زوجها، وأنه لن يعمر طويلا.. ، ثم تقول له وهي تمسك بيده الباردة جدا:
    - سوف تعيش يا أبو حسان، وستعلمهم إنشاء الله.
    كانت السماء تمطر بغزارة، ولعل هذا كان سبب انطفاء الكهرباء.. ، وأحس حسان بوقع قطرات المطر على زجاج النافذة وتمنى لو أنه يتمكن من مشاهدتها.. ، يعجبه منظر المطر كثيرا وبالذات حين كان في قريتهم قبل دخولهم إلى المدينة.. نعم في القرية تحس كثيرا بروعة ذلك المنظر حين تغسل مياه الأمطار الصخور الملونة ثم تشرق الشمس بعد ذلك فتنعكس من تلك الصخور أجمل وأروع الألوان الفضية والذهبية واللازوردية في مزيج يجعلك تتخيل الصخور وكأنها تجفف ملابسها المزركشة تحت ضوء الشمس.. ، ومنذ وصولهم إلى المدينة قبل عدة سنوات لم يعد حسان يحس كثيرا بروعة نزول المطر.. ، وجد المدينة مشغولة ببعضها البعض.. عرف فيها حب الذات، والأنانية، والمشاعر الأسمنتية.. ، وحتى نزول المطر فيها كان يجعل الشارع الذي يقع منزلهم الصغير فيه ممتلئا بالوحل القذر الذي يزداد عمقا وعفنا كلما مرت بالشارع إحدى سيارات أبناء الذوات الذين يتسأل حسان دائما مع نفسه عن سبب حاجتهم للمرور بمثل هذا الشارع.
    مات والد حسان بالفعل متأثرا بالسرطان..، واضطرت الأم للعمل حتى تغطي مصاريف البيت، وحتى تضمن استمرار أولادها في المدرسة تنفيذا لوصية والدهم.. ، وبعد أن تخرج حسان من الثانوية العامة بدأ يبحث عن عمل. حتى يوفر عن أمه عناء الخدمة في المنازل، ويكفيها من نظرات الذل والمهانة التي ينظر بها الناس إليها هي وأولادها.. ، وكان لجارهم الحاج مسعود الفضل في حصول حسـان على وظيفة ( مراسل ) وبتعاقد شهري في فرع المؤسسة التي يشغل فيها منصب المدير العام أحد أقاربه.
    حرص حسان بعد استلامه للعمل على أن يبذل قصارى جهده لتنفيذ كل ما يطلب منه أملا في أن ينال رضا مرؤوسيه، ويحصل على درجة وظيفية رسمية بدلا عن التعاقد.. ، وبرغم أن المرتب الذي قيل له أنه سيحصل عليه في نهاية كل شهر لم يكن كافيا لتغطية مصاريف البيت ودراسة أخته، وتحقيق حلمه ووصية والده في مواصلة الدراسة الجامعية... ، إلا أنه هو وأمه كانا حريصين على التمسك بأمل الوظيفة العامة ما أمكن لهما ذلك.. لأنها ستوفر لهم دخلا ثابتا.
    كانت وظيفة المراسل تسمح لحسان أن يدخل أحيانا إلى مكتب المدير العام..، وكانت كلمة سيدي تعقب كل كلمة يقولها:
    صباح الخير سيدي.
    حاضر سيدي.
    بالإذن سيدي.
    كان المدير العام لا يلقي بالا لمن يدخل إلى مكتبه، وكان يكتفي بالنظر إليه من فوق زجاج النظارة... نظرة تثير الرعب في قلب الداخل...، أو أنها تستلزمها ضرورة الهيبة التي يجب أن تظل في قلوب الموظفين لشخص ومكانة المدير العام.. ، ولا يتذكر أي موظف مثلا أنه قد شاهد المدير خلسة وهو يبتسم.. ، بل ويكاد يجزم البعض أن المدير يضع مشاعره وأحاسيسه في مكان ما قبل مجيئه إلى العمل حتى يبدو مجردا منها أثناء الدوام الرسمي.. ، وكان حسان يستغل أي فرصة تسنح له بالدخول إلى مكتب المدير العام.. مما جعل مدير مكتبه يعترض أحيانا ويحاول منعه من الدخول.
    ذات يوم.. وحين هم حسان بالخروج من مكتب المدير العام.. استدعاه المدير وطلب منه الجلوس على الكرسي المقابل لمكتبه.. ، وتردد حسان تأدبا.. بينما خالطه إحساس بالخوف والأمل في آن واحد.. كان يأمل بأن يطرح على المدير العام موضوع التثبيت... ، وحين كان سارحا في أفكاره تلك.. رفع المدير صوته، ونظر إليه بنظرات حادة، وقال له وهو يؤشر بيده إلى الكرسي:
    - قلت لك اجلس.
    - حاضر سيدي... قال حسان ذلك.. ثم أطرق إلى الأرض، ووضع يديه على ركبتيه ليمنعهما من الارتعاش... بينما غرق المكتب في صمت لم يكن يقطعه سوى صوت الأوراق التي كان المدير العام يقلبها أمامه...، وبعد دقائق من الصمت أسند المدير ظهره إلى الكرسي الدوار الذي يتجاوز رأسه ارتفاع مسنده الخلفي..، وقال لحسان وهو يقلب القلم الذهبي بكلتا يديه، وكأنه يستعرض ماركته:
    - أنت ولد نشيط وممتاز.
    - هذا من لطفكم سيدي.
    - وتريد الآن أن تصبح موظفا أساسيا بدلا عن متعاقد.. أليس كذلك ؟
    - آمل أن يتم ذلك بعطفكم وتكرمكم سيدي.
    - حسنا. سوف أطلب ملفك وأدرس الموضوع... ، ولكن ماهو المؤهل الذي تحمله حاليا ؟
    - الثانوية العامة يا سيدي... القسم العلمي وبمعدل مرتفع جدا.
    هز المدير العام رأسه في إشارة إلى إعجابه بما سمع... ، ثم قال:
    - كم معدلك ؟
    -92% يا سيدي.
    - ممتاز... ، ولماذا لم تواصل الدراسة الجامعية؟
    أطرق حسان برأسه إلى الأرض، وشبك بين أصابع يديه... ، ثم رفع رأسه وقال:
    - سأواصل الدراسة يا سيدي... فقط أردت أن أتوظف حتى نتخطى الظروف المادية الصعبة التي نعيشها أنا وأمي وأختي.
    هز المدير رأسه من جديد إعجابا بما سمع... ، ولم يعلق على الموضوع... ، وحين كان حسان يفكر بأن ما سمعه من بعض الموظفين عن المدير العام وعدم وجود مكان للعطف والشفقة في قلبه.. ربما ليس صحيحا.
    أشار المدير العام بيده اليسرى نحو الباب.. ، وقال له:
    - حسنا تفضل.
    خرج حسان من المكتب، وهو يفكر فيما إذا كان قد جانب الصواب في حديثه.. أم أنه قد استدر عطف وشفقة المدير التي يقولون أنها لا توجد لديه البتة.. ، وظلت الأفكار تتناهب ذهنه وهو يحلم بالحصول على الدرجة الوظيفية التي يؤمل بأن تنتج عنها مقابلاته المتكررة للمدير العام. .. ، تكررت فرص دخول حسان إلى مكتب المدير، وتوقفت اعتراضات مدير مكتبه وكأنه قد أبلغ بعدم الاعتراض.. ، وكان حسان لا يألو جهدا في كل مرة يدخل فيها إلى المكتب للفت انتباه المدير العام عله يطرق معه الموضوع الذي تحدث معه حوله في المرة السابقة.. ، وتأخر تجاوب المدير مع أمنيته تلك حتى كاد أن ييأس .. لولا أنه استدعاه بعد حوالي ثلاثة أسابيع للحضور إلى مكتبه بشكل عاجل.. ، وفور دخول حسان إلى المكتب.. قال له المدير، وهو لا يزال واقفا:
    - عليك أن تجهز أربع صور فوتوغرافية ملونة.
    - حاضر سيدي.
    وحين كان حسان يحاول أن يستوضح من المدير عن سبب طلب الصور.. أشار له هذا الأخير بالخروج من المكتب. فخرج مباشرة.
    لم تمض سوى عدة ساعات حتى كانت الصور المطلوبة جاهزة.. أخذها إلى مكتب المدير العام.. ، وسمح له بالدخول مباشرة.. ، ولم يتركه المدير يلتقط أنفاسه.. حيث قال له وهو ينظر إليه من فوق زجاج نظارته كعادته:
    - سلم الصور للسائق عوض.
    صمت المدير العام برهة قصيرة، وحسان لا يزال واقف أمامه.. ، ثم قال:
    - هل تعرف السائق عوض!؟
    - نعم أعرفه يا سيدي.
    - حسنا سلم له الصور، وسيشرح لك هو التفاصيل.
    خرج حسان من المكتب فوجد السائق ينتظره..، وقبل أن يستوضح منه حسان عن الموضوع... قال له بعد أن اختطف الصور من يده:
    - سوف نلتقي بعد يومين، وسأوضح لك ما يجب عليك عمله بعد ذلك.

    لم يفهم حسان شيئا مما يجري حوله.. ، لقد سمع كثيرا من بعض الموظفين، وبالذات أولئك الذين يشاطرونه أسفل الهرم الوظيفي للمؤسسة بأن المدير العام وسائقه عوض وجهان لعملة واحدة.. وليس هذا فحسب.. بل كان البعض يعلق على علاقة المدير العام بسائقة. بما يشير إلى أن المدير الفعلي هو السائق عوض، وأنه هو الذي يقف وراء الستار لتسيير معظم أعمال المؤسسة، وكأن المدير العام بهيبته المصطنعة ليس إلا دمية في مسرح للعرائس يحركها السائق عوض كيف شاء ومتى يشاء.
    مر اليومان التاليان على حسان ببطء شديد حتى خيل له أن الحظ يعاكسه..، وخلال هذين اليومين لم يحدث حسان أحد بما دار بينه وبين المدير العام وسائقه.. لقد فكر أن من مصلحته أن يبقي الموضوع طي الكتمان.. نعم.ع في المؤسسة لن ينظروا إلى المثلث الذي أصبح هو أحد أضلاعه الثلاثة بمنظار حسن النية أو البراءة ، ولن يصدق أحد بأنه حتى الآن يشبه إلى حد كبير ذلك الأطرش في حفلة العرس .. نعم . لن يصدق أحد بأنه لا يعلم ماذا يريد منه المدير العام وسائقه؟.. وحتى لو سأله أحد عن هذه العلاقة فأنه لا يعرف كيف يرد.
    التقى به السائق عوض في اليوم الثالث ، وناوله ورقتين من المدير العام.. الأولى: تضمنت أمرا بمنحه إجازة طارئة لمدة شهر كامل.. ، والثانية: تضمنت أمرا للشئون المالية بصرف مبلغ عشرة ألاف ريال مكافأة لحسان ، وفي نفس الورقة أمر بتقديم صرف مرتبه القادم .. ، ومن جديد لم يفهم حسان شيئا ، ولم يكن مسموحا له البتة بأن يسأل.. ، وحتى إن سأل يقول له السائق عوض:
    - ستتضح لك الأمور قريبا.
    بقدر ما كان حسان سعيدا بحصوله على ما حصل عليه.. إلا أنه كان قلقا جدا ، ولولا الظروف المادية الصعبة التي يمر بها ، ورغبته في عدم إفساد فرحة أمه ... لكان قد رفض كل ذلك حتى يعرف دوافعها.. ، لم يكن لديه مانعا إذا كان المدير العام قد سأل عنه وعرف الظروف المادية المحيطة به ، ومن ثم تكرم بمنحه هذه المنح.. ، ولكن . هل المدير طيب إلى هذا الحد؟ .. ولماذا يتحدثون عنه بعكس ذلك !!؟.
    قطع السائق أفكار حسان التي لم توصله إلى نتيجة نهائية يرتاح لها ضميره... حين طلب منه أن يتبعه على عجل إلى خارج مبنى المؤسسة ليتحدث معه على إنفراد بعيدا عن أعين الموظفين.. كما قال له .. ، وفي البوفية المجاورة لمبنى المؤسسة طلب السائق كوبين من عصير الليمون .. ، ودخل في الموضوع مباشرة .. حيث قال: قريبا .... بقية القصة
     

مشاركة هذه الصفحة