الهيمنة الأمريكية.. والعلاقات الدولية المعاصرة

الكاتب : أحمد العجي   المشاهدات : 1,718   الردود : 0    ‏2003-08-11
      مشاركة رقم : 1    ‏2003-08-11
  1. أحمد العجي

    أحمد العجي قلم فضي

    التسجيل :
    ‏2002-07-04
    المشاركات:
    4,356
    الإعجاب :
    0
    مقالة للأستاذ عدنان بدر من باريس من العدد الجديد من مجلة "الفكر العربي المعاصر"

    -----


    الهيمنة الأمريكية.. والعلاقات الدولية المعاصرة



    بعيد انهيار المعسكر الإشتراكي، عرف الفكر السياسي العالمي موجة عالية من التفاؤل بأن البشرية قد دخلت عصرا جديدا، يختفي فيه سباق التسلح، وتسوده روح السلام وعلاقات التعاون الشامل لحل الخلافات بالوسائل السلمية ، وتصب معه "عائدات السلام"( وفر الإنفاق على السلاح) في اتجاه الإنماء العالمي وحل المشاكل المتراكمة في العديد من أنحاء المعمورة.. كما يتعزز معه دور المنظمات الدولية كمنابر للحوار وسلطة عالمية مشتركة، تدير الأزمات وتبحث عن حلول لها، من خلال ما راكمته من قواعد وشرائع تنظم علاقات الدول والشعوب مع بعضها البعض.

    لكن الأمور سرعان ما سارت عكس ذلك تماما.. فعرف العالم، في أعقاب الحرب الباردة، سلسلة من الحروب الإقليمية والدولية لم يسبق لها مثيل منذ الحرب العالمية الثانية ، لا من حيث وتيرتها ولا من حيث عدد ضحاياها.. ناهيك عن أنواع الأسلحة الفتاكة الجديدة التي استخدمت فيها..

    وبدلا من أن يجري تفكيك "حلف الأطلسي" ، في أعقاب انهيار" حلف وارسو" الذي كان يواجهه، رأيناه يتحول إلى منظومة عسكرية متنامية الرقعة في كل الإتجاهات ، وصلت أخيرا ( بعد اجتماع مدريد أوائل حزيران الماضي) إلى الإعلان رسميا عن توسيع نطاق مهماته، من الدفاع عن البلدان الأعضاء ، إلى الدفاع عن مصالحها في العالم كله!

    وقد جاء هذا التحول في أعقاب الحرب الأمريكية –البريطانية على العراق، وما رافقها من أزمة في العلاقات الدولية نزعت الولايات المتحدة نحو حسمها بالقوة والإنفراد عن المجتمع الدولي ونظمه ومؤسساته الضابطة.. إذ هددت بالخروج على الأمم المتحدة، وتحدي مجلس الأمن، والضرب عرض الحائط بكل ما تعارفت عليه الأسرة الدولية من حصانات للسيادة الوطنية للدول.. بل أكثر من ذلك مارست هذا النزوع عمليا عندما فشلت في جر مجلس الأمن للموافقة على قرار يخولها شن الحرب على العراق ، فخاضت حربها من خارج الشرعية الدولية ، وبصورة بالغة التحدي والإستفزاز.. وتمادت في ذلك حتى أنها عادت بعد احتلالها للعراق، إلى تهديد الدول التي عارضتها( كفرنسا وألمانيا وروسيا) بالإنتقام وفرض العقوبات، ما لم تخضع للواقع الجديد الذي رسمته على الأرض بصواريخ الكروز والتوماهوك والقنابل الحرارية ومئات آلاف الجنود المدججين بأحدث أنواع الأسلحة وأشدها فتكا وتدميرا!!

    وقد ذهب كثيرون ، في محاولة تفسير هذا النزوع العدواني واتجاه أمريكا للسيطرة على العالم من خلال غطرسة القوة،إلى ربط ذلك ببروز جماعة" المحافظين الجدد" في الإدارة الأمريكية الحالية ، والبحث عن جذور هذه السياسة في المنابع الفكرية لهؤلاء المحافظين .. حتى بدا الأمر وكأنه موضوع غلبة مدرسة فكرية معينة من ضمن جملة مدارس أخرى ، أكثر منه تعبيرا عن مصالح قوى إقتصادية – إجتماعية معينة تمكنت من السيطرة على الإدارة وتوجيه سياساتها في الإتجاه الذي يخدم مصالح تلك القوى..

    صحيح أن ثمة أدوارا كبيرة حاليا لنائب الرئيس الأمريكي ديك تشيني ووزير الدفاع دونالد رامسفيلد ونائبه

    بول وولفوفيتزومستشارة الأمن القومي كونداليزا رايس وغير هؤلاء من المتطرفين الذين يشكلون أركان إدارة

    الرئيس الحالي جورج دبليو بوش.. لكن هؤلاء لم يصلوا إلى هذه المواقع إلا ليتصرفوا فيها كممثلين للقوى التي

    احتضنتهم وربتهم ثم صعّدتهم ليخدموا مصالحها حيث هم الآن.

    الإحتكارات أولا:

    وإذا ما دققنا في منابت هؤلاء ومرجعياتهم نجدهم ينتسبون إلى كتلتين إقتصاديتين رئيستين في الولايات المتحدة هما : احتكارات الصناعات العسكرية، و"كارتل" الشركات النفطية الكبرى . إضافة لما هو متداخل مع هاتين الكتلتين من " لوبيات" وقوى ضغط أخرى سياسية ودينية وفكرية تتبادل معهما الخدمات وتتقاسم المنافع ، وفي مقدمة هؤلاء "اللوبي " الإسرائيلي و" المسيحيون الصهاينة" .

    فكيف بدأت الأدوار السياسية لهذه الكتل المصلحية ، وكيف تطورت نحو الهيمنة على السلطة في بلاد كالولايات المتحدة ، ثم في الطريق التي نراها فيها الآن، وهي تكاد تمسك بتلابيب القرارفي العالم كله؟

    يعود بروز دور المجمع الصناعي- العسكري في السياسة الأمريكية إلىالحقبة التي أعقبت الحرب العالمية الثانية مباشرة ، حين خرج أرباب تلك الصناعات بأرباح هائلة وطاقات إنتاجية لا سابق لها، تبعا لحجم المطالب التي حتمتها ظروف الحرب وما نجم عنها من تطورات تقنية عالية، أسهم فيها وطورها ما أضافته الإدارة لها من إمكانات تقنية وعلمية صادرتها من إلمانيا المهزومة.

    وما كادت تلك الحرب تضع أوزارها حتى اشتعلت الحرب الكورية التي فتحت أمام أرباب الصناعات العسكرية الأمريكية آفاقا واسعة للإنتاج والتطوير وجني الأرباح.. وكان أول من أدرك دور هذا المجمع الصناعي العسكري وحذر من أخطاره هو الرئيس أيزنهاورعندما اشار إلى ذلك مباشرة في خطابه الوداعي للأمة بتاريخ 17-1 -1961 حين قال:

    "لم يعد بإمكاننا المجازفة عبر الإرتجال في الدفاع الوطني في حالة الطوارىء، لذا أرغمنا على إنشاء صناعة تسلح دائمة ذات أحجام ضخمة . يضاف إليها ثلاثة ملايين وخمسمائة ألف رجل وامرأة يعملون مباشرة في مؤسسة الدفاع . ويتخطى الإنفاق السنوي على الأمن العسكري الدخل الصافي لشركات الولايات المتحدة مجتمعة.

    هذا الجمع بين مؤسسة عسكرية ضخمة وصناعة تسلح واسعة النطاق ، لاسابق له في التجربة الأمريكية. نشعر بتأثيره الكامل على الأصعدة الإقتصادية والسياسية وحتى الروجية، في كل مدينة ومجلس تشريعي ومكتب في الحكومة الفيدرالية و ندرك الحاجة الماسة لهذا التطور . لكن يجب ألا نقصر عن فهم مضاعفاته الخطيرة ، فعملنا ومواردنا ومعيشتنا على المحك، وكذلك هيكلية مجتمعنا.

    في المداولات الحكومية ، يجب أن نحاذر من اكتساب المجمع العسكري الصناعي نفوذا غير مبرر، بسعي منه أم بدونه. فاحتمال البروز الكارثي لنفوذ في غير مكانه موجود وسيبقى قائما. يجب ألا نسمح لثقل هذا المجمع أن يهدد حرياتنا أو عملياتنا الديمقراطية. يجب ألا نستخف بشيء أبدا . وحدهم المواطنون اليقظون المطلعون يستطيعون أن يفرضوا الإنسجام الملائم بين آلية الدفاع العسكرية والصناعية الضخمة وبين وسائلنا وأهدافنا السلمية ليزدهر الأمن والحرية معا".

    بل اكثر من ذلك، يذهب كثيرون إلى أن اغتيال خليفته جون كندي نفسه، إنما تم بتدبير من هذا" المجمع"، لأنه لم يجاره في الإتجاه نحو إشعال الحرب في منطقة الهندالصينية! الأمر الذي انساق إليه وحققه نائبه وخليفته ليندون جونسون..

    لقد شكلت حرب فييتنام استثمارا فائق الضخامة بالنسبة للإحتكارات العسكرية الكبرى التي كانت تزود الجيش الأمريكي بمعدات يوفر أثمانها دافعو الضرائب الأمريكيون ، حتى تحولت الدولة إلى مجرد إدارة لهذه العملية الإستثمارية: تتولى تحصيل الضرائب من المواطنين ثم تحولها إلى طلبيات عسكرية من الشركات المنتجة لصالح طاحونة الحرب!

    لكن هذه الحرب ، بخسائرها البشرية والمادية والسياسية على امتداد السنوات التي استغرقتها،( والهزيمة في ختامها)، أحدثت حالة شعبية معادية لها وللقوى المستفيدة منها.. وفي مناخ هذه الحالة فاز المرشح الديمقراطي جيمي كارتر القادم إلى واشنطن من أوساط بعيدة ، بعض الشيء، عن المجمع الصناعي العسكري والأوساط السياسية والفكرية المرتبطة به .. فقد كان محسوبا على القطاع الزراعي والمصالح التجارية ذات الصلة.. وكان في الوقت نفسه يتبنى نوعا من الإتجاه الأخلاقي والسلمي في السياسة الدولية، ويؤيد مواصلة سياسة الإنفراج والتعايش السلمي بين المعسكرين.

    بل أكثر من ذلك ، دعا لخفض تجارة السلاح على صعيد عالمي ، فقد أصدر في أيار 1977 بيانا إداريا قال فيه:" بسبب تهديد السلام العالمي الكامن في الزيادة المتصاعدة لمبيعات الأسلحة ، وبسبب المسؤولية الخاصة التي نتحملها باعتبارنا الدولة الأولى في بيع السلاح ، أعتقد أن على الولايات المتحدة اتخاذ خطوات للحد من بيع السلاح للخارج" .. وقد تضمنت سياسته حول بيع السلاح القيود التالية :

    أ- وضع حدود للصادرات الحكومية من السلاح إلى الدول غير الحليفة في كل سنة مالية.

    ب- مراقبة أول عملية إدخال لأي نوع من السلاح المتطور إلى منطقة ما.

    ج- حظر تصدير الأجهزة المتطورة.

    د- حظر مختلف ترتيبات الإنتاج المشترك.

    ه- رقابة مشددة على عمليات إعادة التصدير.

    و- رقابة خاصة على توصيات البيع.(الكتاب السنوي لمعهد ستوكهولم الدولي للسلام عام 1979- تقرير حول تجارة اللاح الدولية).

    الريغانية ..صوت الإحتكارات:



    لكن هذا العهد " السلمي" لم يستمر .. فسرعان ما بدأ جماعة الإحتكارات العسكرية بحملة مضادة انصب تركيزها على أن الولايات المتحدة قد تخلفت عن الإتحاد السوفياتي في سباق التسلح ، وأنها باتت في خطر حقيقي يهدد مصالحها الإستراتيجية على صعيد عالمي..( لاسيما بعد غزو السوفييت لإفغانستان، وبناء رأس جسر لهم في القرن الإفريقي، وانتشار قطعهم البحرية في المحيط الهندي وبحر العرب وخليج عدن ، حيث الممرات الإستراتيجية للموارد النفطية).. وتصاعدت الحملة بصورة كبيرة بعد اقتحام السفارة الأمريكية في إيران وفشل محاولة تحرير رهائنها عسكريا.. وقد انعقد لواء تلك الحملة لمجموعة تشكلت بإشراف دونالد رامسفيلد ، في خريف عام 1976 ، أي مباشرة بعد فوز كارتر بالرئاسة، عرفت بإسم " لجنة الخطر الحاضر"

    (committee on the present danger)

    وكانت تضم في صفوفها عددا من السياسيين والمفكرين المحافظين، من الحزبين الديمقراطي والجمهوري، يجمعهم تأييد محموم لسباق التسلح، وتعاطف خاص مع حزب الليكود في إسرائيل ، ومن أبرز أعضائها : يوجين روستو، ودين راسك، ورونالد ريغان.. وعندما فاز الأخير بالرئاسة حمل معه إلى مواقع رئيسية في الإدارة إثنين وثلاثين عضوا من أعضاء تلك اللجنة ، منهم :جون ليمان، وريتشارد بيرل ، ووليم كيسي،وجين كيركباتريك، وبول نيتز!!

    وقد انبثق من قلب هذه اللجنة ما يعرف بإسم "الفريق – ب" برئاسة ريتشارد بايبس من جامعة هارفارد، وكان من بين أعضائه الصهيونيان المتطرفان ريتشارد بيرل وبول وولفوفيتز، وهو الفريق الذي أطلق علىا لحقبة(75-85) إسم " الحرب الباردة الثانية" وكان من أبرز معالمها : قضية نشر الصواريخ الإستراتيجية الأمريكية في أوروبا(ما بين 1979- 1983)، الإجتياح السوفياتي لإفغانستان ( 1979)، إطلاق حرب النجوم(1983) ،إسقاط الطائرة الكورية(1983).. وصولا إلى تولي ميخائيل غورباتشيف رئاسة الحزب الشيوعي السوفياتي عام 1985.

    ومع هذا التصعيد في مخاوف الشعب الأمريكي من اختلال موازين القوى لصالح المعسكر الآخر ، كانت هناك أزمة منتصف السبعينات النفطية ، التي جرى تسويقها شعبيا من قبل ذلك الفريق على أنها مجرد نموذج لما يمكن أن يعانيه الأمريكيون إذا ما ظلوا مستسلمين لسياسة كارتر " الضعيفة" ( خاصة بعد احتلال الطلاب للسفارة الأمريكية في إيران وفشل محاولة تحرير الرهائن بالقوة).. كما جرى في الوقت نفسه توثيق التحالف بين الإحتكارات الصناعية العسكرية واحتكارات النفط التي باتت تحتاج لقوة تحمي مصادرها الخارجية وطرق مواصلاتها ، بعد أن ارتفع اعتماد الإستهلاك الداخلي الأمريكي على النفط المستورد فأصبح يشكل عام 1979 حوالي 50 المائة من ذلك الإستهلاك( 49 بالمائة تحديدا ، كما هو وارد في تقرير للكونغرس كتبه جان م.كولينزتحت عنوان" واردات النفط واستخدام القوة المسلحة" ويحمل تاريخ 26-4-1979).

    ولعل خير ما يعبر عن مضمون هذا التحالف هو ما قاله هارولد براون ، وزير الدفاع في برنامج" واجه الأمة"،على شبكة سي. بي. إس. بتاريخ 25-2-1979: "إن تدفق النفط من الشرق الأوسط هو بوضوح جزء من مصلحتنا الحيوية، وإنه يبررأي فعل مناسب، بما في ذلك استخدام القوة".

    في سياق هذا التحالف ترك جورج بوش الأب منصبه كرئيس للمخابرات المركزية عام 1977 ، والتحق بالفريق – ب، لأنه" أحس باتجاه الريح" كما تقول عنه آن هيسينغ كان، في كتابها " قتل الوفاق" الصادر عن جامعة بنسيلفانيا عام 1998.

    لقد تمكن هذا التحالف الصناعي – العسكري – النفطي، ومن يتبعه من المفكرين والإعلاميين، من خلق مناخ شعبي مغاير تماما لذلك الذي أوصل جيمي كارتر إلى البيت الأبيض .. وهذا ما يفسر خسارته للجولة الثانية، رغم كل الزخم الذي كان قد استمده من إنجاز معاهدة السلام المصرية – الإسرائيلية !!

    وهكذا فاز ريغان بالرئاسة ( ومعه نائبه جورج بوش الذي يقال إنه كان معدا لتولي الرئاسة في وقت مبكر لو نجحت محاولة اغتيال ريغان الفاشلة والغامضة ).. وراح يطرح أكثر الشعارات تطرفا ، فبدا وكأن الحرب العالمية الثالثة باتت قاب قوسين أو أدنى، مع تصريحاته النارية ودعواته للقضاء على "إمبراطورية الشر" كما كان يسمي الإتحاد السوفياتي..( تقول هلين توماس ،الصحافية التي غطت أنباء البيت الأبيض لصالح وكالة يونايتد برس في ظل خمسة رؤساء: " أما ريغان فكان أكثر رئيس محافظ بين الذين غطيتهم، وقد اعتقد فعلا أن الدور الوحيد للحكومة هو الأمن القومي..وأحدث ثورة وجعل بلادنا أكثر محافظة بكثير... وبسبب سباق التسلح ، اتبع كل رئيس أمريكي منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية سياسة خارجية واحدة في ما يتعلق بالإتحاد السوفياتي ، هي الإحتواء والإستعداد وبناء الجيش، وما فعله ريغان هو أنه دخل سباق التسلح بينما كان الإتحاد السوفياتي ينهار ، وكانت ضربته هي الضربة القاضية.").

    وما من شك أن أول نتائج هذه السياسة كان التراجع الفوري عن سياسة الوفاق الدولي، وتجديد سباق التسلح بين المعسكرين.. بكل ما خلقه ذلك من مخاوف في أوروبا عندما راح صقور الإدارة الأمريكية الجديدة يتحدثون عن غزو سوفياتي مدرع قد يجتاح الجناح الشرقي لحلف الأطلسي في أي وقت!

    ونقرأ ، على سبيل المثال، في صحيفة "نيويورك تايمز" بتاريخ 10-1-1982 تقريرا بقلم درو ميدلتون ، جا فيه:" إن المخططين في واشنطن وفي قيادة حلف الأطلسي قرب بروكسل يقولون إن القوات السوفياتية ، بتفوقها الساحق في سلاح الدبابات بنسبة 4 إلى 1 ، تستطيع اقتحام خطوط الحلفاء الدفاعية الهشة وتطويق مواقع القوات المتقدمة ، قبل أن تصل التعزيزات إلى الجبهة"!!

    وكان مثل هذه الكتابات الهستيرية يشكل حملة ضد المقاومة الأوروبية ، الشعبية والرسمية ، لمشروع نصب صواريخ" كروز" و"بيرشينغ" الأمريكية في أوروبا.. وهو ما حققته إدارة ريغان لاحقا.. تلك الإدارة التي أطلقت سباق التسلح من عقاله، ليبلغ ذروته مع مشروع "حرب النجوم" أو الدرع الصاروخي الفضائي.

    وإذا كان من أهداف هذه الهستيريا العسكرية إنفاق بلايين الدولارات لصالح احتكارات الصناعة العسكرية الأمريكية ، فإن من أهدافها أيضا تحميل الغريم السوفياتي أعباء فوق طاقته في مثل ذلك السباق .. لقد كان ريغان وصقوره ( الذين بنوا نظريتهم الإعلامية كلها على مقولة التفوق السوفياتي) مقتنعين بأن الإتحاد السوفياتي كان عبارة عن عملاق بساعدين عسكرييين هائلي القوة ، وبساقين إقتصاديتين ضعيفتين!( على حد تعبير الرئيس الأمريكي نفسه) ، مما يجعله عرضة للإنهيار في حال جره إلى زيادة الوزن المضاف فوق حمولته ، أي بزيادة إنفاقه العسكري على حساب وضعه الإقتصادي والإجتماعي المتردي أصلا!

    وهكذا وجد السوفييت أنفسهم في موقف لا يحسدون عليه ، في ظل قيادة حزبية وسياسية جامدة ومعتلة ( الفترة البريجينيفية) ومواجهة بتحديات إستنزافية ( تصعيد حرب العصابات الإسلامية في إفغانستان ،وقيام الثورة الإسلامية الإيرانية، والحملة السياسية الدينية الكاثوليكية الغربية مع وصول البابا البولوني الحالي إلى كرسي البابوية) وبسباق تسلح لاتملك إمكانيات المنافسة فيه!

    ويمكن ، بالتأكيد، ذكر الكثير من العوامل والتفاصيل المتعلقة بانهيار المعسكر الإشتراكي عامة والإتحاد السوفياتي خاصة..إنما لايمكن إغفال الدور الذي لعبه هذا السباق الإستنزافي في تفعيل تلك العملية التي أحدثت زلزالا حقيقيا في الأوضاع والعلاقات الدولية في العقد الأخير من القرن الماضي.

    ومن الجدير بالذكر ان مجلس سياسات الدفاع ، الهيئة الإستشارية في وزارة الدفاع التي سيظهر دورها الهام لاحقا في عهد بوش الإبن ، كانت قد تأسست في عهد ريغان وبإشراف ريتشارد بيرل مساعد وزير الدفاع لشؤون الأمن الدولي.. وضمت في عضويتها أكثر من ثلاثين سياسيا ومفكرا يجمعهم الحماس لسباق التسلح والهيمنة الأمريكية على العالم .. ومنهم هنري كيسنجر وجيمس شلسنجر وهارولد براون وجيمس وولزي ونيوت غينغريتش ..

    حرب الخليج :

    ولم يضيع التحالف الصناعي- العسكري- النفطي الحاكم أي وقت .. فبمجرد الشعوربغياب فاعلية المعسكر الآخر، سارع لاغتنام الفرصة من أجل تحقيق أهم قفزة سياسية – عسكرية – نفطية عن طريق الحرب الدولية التي شنتها إدارة بوش الأب على العراق بدعوى تحرير الكويت، وأدت إلى تثبيت الوجود العسكري الأمريكي المباشروالدائم في منطقة الخليج العربي،كما أدت لإحداث المزيد من الخلل الإستراتيجي في موازين القوى الإقليمية لصالح إسرائيل بعد الضربة الماحقة التي تلقتها القوات العراقية في تلك الحرب.. ( ولعله من المفيد التذكير هنا بما قاله بوش الأب لزعماء المنظمات اليهودية الأمريكية ، عندما نشب خلاف بينه وبين إسحق شامير بشأن التسهيلات المالية لاستعاب المهاجرين من الدول الإشتراكية .. إذ قال : ماذا تريد إسرائيل مني أكثر من أنني دمرت لها العراق! وكذلك بما قاله وزير الخارجية جيمس بيكر للرئيس الراحل حافظ الأسد عندما زاره ليدعو سورية من أجل المشاركة في مؤتمر مدريد: أنتم العرب خرجتم مهزومين من حرب الخليج!!).

    هذا على صعيد المنطقة العربية ، أما على الصعيد الدولي فقد انطلق بوش من قيادته لذلك التحالف العسكري الواسع ضد العراق كي يفرض واقعا عسكريا جديدا على العالم ، يبدأ بتوسيع حلف الأطلسي باتجاه الشرق( وقد شكل لجنة خاصة بالترويج لتوسيع" الناتو" برئاسة بروس جاكسون نائب رئيس شركة لوكهيد مارتن للصناعات العسكرية، والذي ترأس لاحقا اللجنة الفرعية للحزب الجمهوري لشؤون الأمن القومي والسياسة الخارجية ضمن فريق المرشح بوش الإبن) ، ضاربا عرض الحائط بالمعارضة الروسية "الكلامية"!! هذا في الوقت الذي كانت قد بدأت تتعالى فيه أصوات أوروبية وأمريكية كثيرة تطالب بحل ذلك الحلف بعد انهيار غريمه المقابل حلف وارسو.

    في الحقيقة لم يقدر بوش الأب وإدارته وطاقم المفكرين ودهاقنة مراكز البحوث المنتمين إلى معسكره ،مدى قوة وأهمية النزوع السلمي الذي تفشى في المجتمع الغربي عامة والأمريكي خاصة نتيجة انهيار المعسكر الإشتراكي، ومدى ما علق من آمال على "عائدات السلام" التي يفترض أن تتأتى عن تقليص الإنفاق على التسلح وتوجيهها نحو مجالات مدنية أكثر أهمية بالنسبة للشعوب.. فقد كانوا سكارى نشوة الإنتصارين : " الحرب الباردة" و"حرب الخليج".. وفي ذروة هذه النشوة أطلق فوكوياما نظريته المجنونة " نهاية التاريخ"! كما أطلق صموئيل هنتينجتون نظرية" صدام الحضارات" كمقدمة لجعل الإسلام عدوا بديلا يبرر تجديد سياسة الصقور الحربية والإستمرار في الإنفاق على برامج التسلح المختلفة! ويؤسس لمقولة الفيلسوف ليو شتراوس ،الأمريكي من أصل ألماني، والأب الروحي لفريق المحافظين الجدد، الذي يرى " أن النظام السياسي لا يمكن أن يكون مستقرا بدون وجود خطر خارجي"! وفعل مثلهم المفكر المتطرف بول وولفوفيتز في دراسة قدمها عام 1992، لوزير الدفاع آنذاك ديك تشيني، تركز على وجوب التمسك بالهيمنة العسكرية الأمريكية المطلقة بعد انهيار الإتحاد السوفياتي، و اللجوء لاستخدام القوة استباقيا من أجل منع بروز أية قوة عالمية منافسة.

    كانت استقصاءات الرأي تؤكد أن بوش يتمتع بتأييد تسعين بالمائة من الناخبين الأمريكيين ، حتى أن الكبار من أركان الحزب الديمقراطي المنافس امتنعوا عن ترشيح أنفسهم ضده، إلىأن جاءه ذلك المرشح الديمقراطي"المغمور" بيل كلينتون وأطلق في وجهه شعاره الشهير : " الإقتصاد.. يا مغفل"!

    لقد عبر كلينتون بصدق عن تبرم الأمريكيين بالإنفاق العسكري، وهم في ذروة الشعور بالأمن والإطمئنان بعد انهيار عدوهم السوفياتي.. وهنا كان مقتل حملة بوش الإنتخابية للدورة الثانية التي كان يعتقد ، ومعه كثيرون ، أنها محسومة له بدون أدنى شك.. فكانت الهزيمة المنكرة والصاعقة له ولفريقه وللكتلتين الإحتكاريتين اللتين تقفان خلفه..

    الحملة الإعلامية – الفكرية:

    و كما حصل في عهد كارتر، سارع عتاة اليمين إلى إنشاء مؤسسات التفكير والبحث والضغط وتجميع القوى من أجل خوض المعركة مجددا وعلى كل الأصعدة.. وكان أبرز هذه المؤسسات:

    -" المعهد اليهودي لشؤون الأمن القومي"..الذي كان يضم في عضوية مجلس أمنائه كلا من ديك تشيني ، وجون بولتون (مساعد وزير الخارجية الحالي لشؤون نزع السلاح)، ودوغلاس فبث ( نائب مساعد وزير الدفاع وولفوفيتز حاليا)، بالإضافة إلى ريتشارد بيرل وجيمس وولزي ( الرئيس السابق للمخابرات المركزية) والصهيوني المتطرف ديفيد وورمزر، وجين كيركباتريك ويوجين روستو وميشيل لادن وأوليفر نورث ( جميعهم من أركان إدارة ريغان).

    -"معهد أمريكان إنتربرايس"الذي يلعب ريتشارد بيرل دورا أساسيا فيه إلى جانب عمله في" مجلس سياسات الدفاع" التابع لوزارة الدفاع إلى جانب نشاطاته في مجلس إدارة " هولينغر ديجيتال " التي تصدر صحيفة "ديلي تلغراف" ، وفي مجلس تحرير صحيفة " جيروزاليم بوست " الليكودية الإسرائيلية. ودوره كزعيم فكري وروحي لتيار المحافظين الجدد ، إلى جانب زميله بول وولفوفيتز الذي تخرج معه من جامعة شيكاغو على يدي الفيلسوف ليو شتراوس ثم عملا معا في مكتب السيناتور هنري جاكسون. ومن زملاء بيرل في هذا المعهد لوري ميلروا صاحبة كتاب " حرب صدام حسين الناقصة" الذي تزعم فيه أن الرئيس العراقي كان يقف خلف المحاولة الأولى لنسف مركز التجارة العالمي في نيويورك عام 1993. كما أصدرت كتابا آخر عن عراق صدام حسين بالتعاون مع جوديث ميلر من صحيفة نيويورك تايمز. وكذلك الباحثة لين تشيني زوجة نائب الرئيس الحالي ديك تشيني.

    - معهد" ممري" أو معهد بحث الشرق الأوسط الإعلامي الذي أسسته ميراف وورمزر( زوجة ديفيد المذكور سابقا) بالتعاون مع العقيد السابق في المخابرات العسكرية الإسرائيلية ييغال كارمون. بالإضافة إلى أن ميراف هذه تدير مؤسسة إعلامية أخرى بإسم " ندوة الشرق الأوسط".

    - معهد " هدسون".الذي انضم بيرل مؤخرا إلى مجلس أمنائه ، وتدير ميراف وورمزر قسم الشرق الأوسط فيه.

    - معهد " واشنطن لسياسات الشرق الأدنى". ( مديره حاليا هو دنيس روس المبعوث الأمريكي السابق إلى الشرق الأوسط). ومن أبرز أركانه ميشيل روبين المشارك أيضا في "ندوة السرق الأوسط".

    -" مركز سياسات الأمن"..( الذي يفتخر بأن واحدا وعشرين عضوا من أعضاء مجلسه الإستشاري يعملون الآن في الحكومة، بعد أن حصلوا على إجازات من المركز لهذا الغرض!)..

    وكي نعطي ولو صورة موجزة عن العلاقات بين هذه المراكز الدراسية وبين الشركات الصناعية العسكرية الكبرى، نلفت الأنظارإلى مايلي: من بين أعضاء مجلس مستشاري "المعهد اليهودي" هناك الأدميرال ليون إندي والأدميرال ديفيد جيرميا والجنرال شارل ماي، جميعهم متقاعدون ويعملون في خدمة شركة "نورثروب غرومن" وفروعها . كما أن الجنرال ماي يعمل مع الجنرال المتقاعد بول سيرجناند والأدميرال المتقاعد كارلزلي تروست لصالح "لوكهيد مارتن" كما أن تروست هو عضو في مجلس إدارة "جنرال داينامكس " . كما أن جيرميا هو أيضا رئيس وشريك في مؤسسة "تكنولوجي ستراتيجي" وفي مجلس إدارة "ليتون" المتفرعة عن نورثروب. وفي الوقت نفسه هو عضو في مجلس ريتشارد بيرل لسياسات الدفاع .

    أما" مركز سياسات الأمن" فمعروف بصلاته مع شركة" بوينغ" حيث يتبوأ عضوية مجلس استشارييه لشؤون الدفاع : ستانلي إبنرمدير سابق في الشركة المذكورة ، وأندرو إليس نائب مديرها لشؤون العلاقات مع الحكومة ، وكارل سميث المدير السابق للجنة القوات المسلحة في الكونغرس الذي يعمل محاميا لبوينغ!

    ومن الجدير ذكره أن بيرل وميلروا وميلر وورمزر وآخرين من المحافظين الجدد هم جميعا زبائن الوسيطة الإعلامية إيلينا بينادور التي تسوق لهم المقابلات و المقالات والمحاضرات والكتب وغير ذلك من النشاطات الإعلامية. فمن بين 29 كتابا نشرتها السيدة المذكورة كان هناك تسعة على الأقل لأعضاء في أمريكان إنتربرايز ومعهد واشنطن وندوة الشرق الأوسط. كما أنها كانت وراء نشر90 مقالا لأعضاء في معهد واشنطن خلال العام2001 كان منها: 14 في "لوس أنجلوس تايمز"، و9 في "نيو ريببليك"،و8 في "وول ستريت جورنال"، و8 في " جيروزاليم بوست" ، و7 في " ناشيونال ريفيو أون لاين"، و6 في "ديلي تلغراف" ، و6 في " واشنطن بوست: و4 في "نيويورك تايمز"، و4 في " بلتيمور صن".( نقلا عن الغارديان البريطانية بتاريخ 19-8-2002).

    الشرق الأوسط..جائزة كبرى:

    وقد وضع هؤلاء جميعا منطقة الشرق الأوسط نصب أعينهم ، وذلك لأكثر من سبب:

    1- باعتبارها أهم إحتياطي نفطي في العالم كله.

    2- وجود إسرائيل ودورها وأطماعها في المنطقة ، وما يمكن أن تمثله كظل للهيمنة الأمريكية فيها.

    3- تضخيم خطر الأصولية الإسلامية ، كمبرر للسياسات الأمريكية " الحربجية" المتطرفة.

    4- وجود الأزمة المفتوحة مع العراق ، وإمكانية تطويرها إلى مدخل للحرب في أية لحظة مناسبة.

    5- تكوم ما سمي بالدول المارقة في هذه المنطقة ، ثم وجود دولتين شرق –أوسطيتين أساسيتين ( العراق وإيران) بين الدول الثلاث التي أطلق عليها جورج بوش الإبن ، لاحقا، إسم " محور الشر"!

    6- الموقع بالغ الأهمية من الناحية الإستراتيجية في سياق الخريطة العسكرية التي يرسمها هؤلاء الصقور للهيمنة الامريكية على العالم.

    ولم ينتظر عتاة هذا الإتجاه تغيير الرئيس الأمريكي من أجل الدعوة لتنفيذ مخططاتهم وسياساتهم، بل شرعوا في ظل كلينتون نفسه بتلك الدعوة.. فقد وجدوا في الأزمة اليوغوسلافية فرصتهم المثلى للدفع بالولايات المتحدة نحو المشاركة في الحرب هناك، وذلك من خلال لجنة خاصة شكلها الثلاثي رامسفيلد وبيرل وولفوفيتز تسمى " لجنة العمل البلقانية".

    كما قدموا للبيت الأبيض عام 1997 دراستهم الشهيرة " مشروع القرن الأمريكي الجديد" لتعبئة الرأي العام من أجل الحرب على العراق والسيطرة العسكرية المطلقة على العالم.. وكانوا قد اغتنموا فرصة وصول بنيامين نتنياهو إلى رئاسة الحكومة في إسرائيل ليحاولوا أن يدفعوا به، وبالدولة العبرية التي يقودها،للعب دور العربة التي تجر أمريكا إلى الحرب في الشرق الأوسط.. فقام عميدهم الصهيوني ريتشاد بيرل ومساعده دوغلاس فيث ( الصهيوني المتعصب الذي كان والده من أنصار جابوتنسكي) وبول وولفوفيتز و ديفيد وورمزر وزوجته ميراف وآخرون عام 1996 بتقديم وثيقة لرئيس الوزراء الأسرائيلي الجديد عنوانها "الإنفصال الكلي" تقوم على أساس أن أرض فلسطين التاريخية هي إسرائيل، والأردن هو فلسطين، والعراق هو المملكة الهاشمية.. وبالتالي لا بد من القيام بحرب إسرائيلية – أمريكية للإطاحة بنظام صدام حسين في العراق وإقامة المملكة الهاشمية مكانه ، مع اغتنام فرصة الحرب ذاتها لتحقيق" ترانسفير" جماعي للفلسطينيين إلى الأردن كي يقيموا هناك الدولة الفلسطينية البديلة ، وتبقى فلسطين كلها للدولة العبرية.

    بل أكثر من ذلك كان ميشيل لادن، وهو من أركان المعهد اليهودي لشؤون الأمن القومي ،يدعو لتطوير هذه الحرب إلى حملة أمريكية شاملة في الشرق الأوسط هدفها تغيير الأنظمة ، بكل الوسائل الممكنة ، في العراق وإيران وسورية والعربية السعودية والسلطة الوطنية الفلسطينية!

    وإذا كان نتنياهو- على تطرفه- قد رفض هذا المشروع المجنون ووصفه بالتطرف، وكلينتون لم ينجر إلى هذه السياسة الحربية، مفضلا الإعتماد على سياسة " الإحتواء المزدوج" للعراق وإيران والسعي لتسوية النزاع الإسرائيلي- الفلسطيني ، معتبرا أن نجاحه السياسي الحقيقي هو في النمو الإقتصادي الذي شهدته الولايات المتحدة في عهده، فإنه كان على هؤلاء المتطرفين ومن يقف وراءهم أن يواصلوا " تبشيرهم" ويجدوا فرصتهم في جورج بوش الإبن .. ثم في حدث القرن الواحد والعشرين : الهجمات الإنتحارية على نيويورك وواشنطن بتاريخ 11-9-2001.

    الإرتباط بالإحتكارات:

    ومن أجل الإطلال على الصورة الجديدة للإدارة في ظل بوش الإبن لابد من نظرة سريعة على فريقه الذي ضم عتاة التطرف من ممثلي الإحتكارات الصناعية العسكرية والنفطية ، ومنهم :

    - جورج بوش نفسه ، مدير عام شركة سالم بن لادن ( شقيق أسامة بن لادن) النفطية!

    - ديك تشيني ، نائب الرئيس،الذي كان وزيرا للدفاع في عهد والده ، ثم مديرا لشركة "هالبيرتون" العملاقة للأشغال العامة النفطية( الغريب أن الشركة نفسها تولت دراسات مشروع النهر العظيم في ليبيا رغم المقاطعة الأمريكية لذلك البلد!) ، وشركة ك.ب.إر. لتدريب وتوفير القوات الخاصة ( نوع جديد ومتقدم من المرتزقة). كما أن إبنته إليزابيت تشيني تتولى منصب نائبة مساعد وزير الخارجية لشؤون الشرق الأدنى!

    - دونالد رامسفيلد ، وزير الدفاع، وعضو مجلس إدارة إحدى شركات الصناعات الكيميائية التي زودت العراق في منتصف الثمانينات بالكثير من المواد اللازمة لصناعة السلاح الكيمياوي ، وقد تم الإتفاق على ذلك خلال زيارة رامسفيلد نفسه لبغداد واجتماعه مع صدام حسين، مبعوثا من الرئيس ريغان عام 1983.كما حققت الشركة نفسها أرباحا خيالية من احتكارها لإنتاج طعم الجمرة الخبيثة وتزويد الجيش الأمريكي بها بعد أحداث 11-9 وما تلاها من هستيريا حول ذلك المرض!

    - كونداليزا رايس ، مستشارة الأمن القومي، من مؤسسة راند / ومستشارة لعدة سنوات في شركة شيفرون-تكساكو النفطية.

    - غال نورتون ، من مستشاري شركة" دلتا أويل " في أفغانستان، وقد عينت وزيرة للبيئة ، ومن اختصاصها محاربة اتفاقية كيوتو الدولية لحماية البيئة التي تعارضها الولايات المتحدة.

    - سبنسر براهام، وزير الطاقة، من "لوبي" صناعة السيارات، والمشرف على جهاز سري مهمته التجسس على الشركات البترولية العالمية والصناعات النووية للأغراض السلمية!

    - بول وولفوفيتز صاحب نظرية تفوق القوة المطلق للولايات المتحدة ، وقد عين ناءبا لوزير الدفاع.

    - دوغلاس فيث من فريق بيرل ، وقد عين مساعدا لوولفوفيتز.

    - لويس ليبي، مديرعام مكتب تشيني ومؤسس الجهاز السري في البيت الأبيض ( برنامج تطوير سياسة الطاقة) .. وكان بالأصل من محامي شبكات المافيا.

    - دوف زخاييم الناشط في" لوبي" الصناعات العسكرية ، وقد عين مديرا ماليا لوزارة الدفاع.

    - ستيفان هادلي مساعد كوندايزا رايس ومفبرك الأدلة المزيفة حول أسلحة الدمار الشامل العراقية.

    - جون بولتون نائب مساعد وزير الخارجية لشؤون نزع السلاح .

    - روبرت بلاكويل ، المشرف على التدريب السياسي للرئسين بوش، الأب والإبن.

    - دون إيفانز ، رجل النفط التكساسي الذي عين مشرفا على جمع الأموال لحملة بوش الإنتخابية.

    ) يضاف إلى هؤلاء حامد قرضاي الذي عين لاحقا رئيسا لإفغانستان ، وكان من كوادر شركة شيفرون النفطية)!

    مع هذه السيطرة المطلقة على الإدارة الحالية ، ومع الإستغلال المطلق لأحداث 11-9 على كل المستويات السياسية والعسكرية والإعلامية ، ظهر إلى الوجود ما سمي "لجنة تحرير العراق" التي أشرف على إنشائها بروس حاكسون ( المذكور سابقا) وضمت بين أعضائها مسؤولين سابقين ومحامين وأعضاء في لوبي شركة لوكهيد مارتن... فكانت برئاسة جورج شولتز وزير الخارجية في عهد ريغان والمدير الحالي لشركة باكتل التي حصلت على أول العقود في مشروع إعادة إعمار العراق.. وعضوية دونالد رامسفيلد والمحافظين الجدد روبرت كاغان ووليام كريستوف والصقور ريتشارد بيرل وجيمس وولزي ، كما جذبت إلى صفوفها متطرفين أجانب من أمثال الجنرال الألماني السابق كلاوس نومان الذي كان مدربا لمنظمة "جيش تحرير كوسوفو" وكارل بيلدت رئيس وزراء سويدي سابق كان يطمع بان يتولى تمثيل الأمم المتحدة في العراق بعد احتلاله.

    وكان بروس جاكسون وراء إقناع الرئيس التشيكي فاكسلاف هافل بالمبادرة لتوقيع عريضة مع رؤساء أوروبيين آخرين تؤيد الحرب الأمريكية على العراق وقد عرفوا بإسم " مجموعة فيلنيوس".

    بهذه الإدارة وهذا المناخ المتطرف، شنت الولايات المتحدة حربيها الأخيرتين على إفغانستان والعراق .. وإذا كانت الأولى قد تمت بتأييد دولي واسع بعد أحداث 11-9 ، ونتيجة عزلة نظام الطالبان ووجود تنظيم " القاعدة"هناك ، فإن الثانية قد لاقت مقاومة دولية شعبية ورسمية واسعة وقوية، الأمر الذي أحدث شرخا كبيرا في العلاقات الدولية المعاصرة.

    حربان دوليتان وخريطة عالمية:

    لكن ، قبل الحديث عن ذلك الشرخ وتطوراته لابد من نظرة على الحربين المذكورتين من خلال أثرهما على الخريطة الدولية نفسها:

    بعد أن استكملت الولايات المتحدة، بتوسيع حلف الأطلسي شرقا وبحرب البلقان، عملية نشر مظلتها العسكرية فوق عموم القارة الأوروبية، جاءت الحرب على إفغانستان وما تطلبته من تعزيزات لوجستية لتنقل الإنتشار العسكري الأمريكي إلى مناطق جديدة كليا في عمق آسيا الوسطى، على الحدود الجنوبية لروسيا، والغربية للصين ،والشرقية لإيران .. فقد نشرت قواعد دائمة وتسهيلات متنوعة في كل من جورجيا وأذربيجان وطاجيكستان وأوزبكستان وتركمانستان ، كما عززت وجودها في باكستان.. بالإضافة إلى تحويل إفغانستان نفسها لشبكة من القواعد العسكرية..

    والأمر الآخر الذي حققته بهذا الإنتشار، هو السيطرة على قطاعات واسعة من حوض بحر قزوين النفطي وخطوط أنابيبه ، سواء إلى المحيط الهندي عبر إفغانستان وباكستان، أو إلى البحر الأبيض المتوسط عبر أذربيجان وجورجيا وتركيا!!

    أما بالحرب على العراق ، فقد طورت إنتشارها العسكري في القرن الإفريقي واليمن لضمان السيطرة على المدخل الجنوبي إلى البحر الأحمر ، ثم في العربية السعودية والخليج ، لاسيما إقامة قاعدة "العيديد"البرية الإستراتيجية في قطر ،إلى جانب القاعدة البحرية في البحرين والتسهيلات الدائمة في الكويت والإمارات وعمان. لضمان السيطرة على مدخل الخليج أهم ممر نفطي في العالم. وكذلك احتلال العراق نفسه وبناء شبكة من القواعد العسكرية الدائمة والمتطورة في أكثر من منطقة منه.

    ومن نتائج تلك الحرب أن الولايات المتحدة باتت تسيطر عسكريا وبشكل مباشر على إقليم النفط العربي في الخليج والسعودية والعراق ، أي ما ينوف عن سبعين بالمائة من احتياطي النفط العالمي ، وكذلك على خطوط مواصلات هذا المخزون برا وبحرا إلى الاسواق العالمية.

    ولا بد ، لاستكمال صورة المخطط الأمريكي العالمي ، عسكريا ونفطيا ، من التوقف أمام ما ذكرته مؤخرا صحيفة "نيويورك تايمز" في تقرير لها من واشنطن جاء فيه:

    "إن القوات الأمريكية تسعى لتوسيع وجودها في البلدان الأفريقية الشمالية والمحاذية للصحراء، عن طريق سلسلة من اتفاقات الإنتشار والمناورات التدريبية لمحاربة الإرهاب في المنطقة!

    " وبينما ينشغل المخططون العسكريون الأمريكيون في بحث الخيارات المتاحة للمساهمة في قوات حفظ سلام في ليبيريا، يسعى البنتاغون لدعم العلاقات العسكرية الحالية مع حلفاء أمثال المغرب وتونس، وللحصول على حقوق وصول طويلة المدى إلى قواعد في دول أخرى ، مثل مالي والجزائر، تستطيع القوات الأمريكية أن تستخدمها بشكل دوري للتدريب وللقيام بغارات على الإرهابيين" ( انترناشيونال هيرالد تربيون بتاريخ5-7-2003).

    وقد جاء هذا التقرير قبل يومين من جولة الرئيس جورج بوش على عدة دول في غرب إفريقيا ، ليس من قبيل المصادفة على الإطلاق أنها المنطقة القادرة على إنتاج أربعة ملايين برميل من النفط يوميا.

    من كل ما تقدم يتضح أن السياسة الأمريكية الحالية واتجاهاتها العسكرية وحروبها ، إنما تجري وفق مخطط واضح يقوم على استغلال التفوق العسكري المطلق لتحقيق سيطرة عسكرية مطلقة على العالم ، وسيطرة نفطية مباشرة على معظم ( إن لم يكن كل) مصادر النفط ومعها خطوط مواصلاته ، مما يعني السيطرة الأمنية والأقتصادية على العالم بأسره وفرض شروط تفوقها على الكتل المنافسة أو المحتمل أن تكون منافسة في يوم ما..

    نظامان عالميان:

    والمفارقة الكبرى أن هذا النهج الإستبدادي الأمريكي يسعى لفرض نفسه على العالم في الوقت الذي كانت دوله الرئيسية تتطلع إلى نظام عالمي جديد يقوم على" تعددية القطب" وسيادة المنظمات الدولية وروح التعاون لحل المشاكل العالمية سلميا.. بعد أن حولت ثورة التكنولوجيا الحديثة العالم كله إلى قرية واسعة متشابكة المواصلات والإتصالات والإقتصادات والمصالح ، وكذلك المشاكل كالبيئة والمناخ والهجرات والكوارث الطبيعية والأوبئة الداهمة ( إيدز وسارس وغيرهما)!

    أما نقطة الإصطدام بين النهجين : العولمي الإستبدادي الأمريكي والعالمي التعاوني ، فكانت مع انفجار الأزمة العراقية ، عندما سعت الولايات المتحدة ومعها بريطانيا وبعض الدول التابعة الأخرى، إلى القفز فوق الشرعية الدولية وشن الحرب على العراق بشكل عدواني وانفرادي ودون أي اعتبار لما تمثله الأمم المتحدة كإدارة ضابطة للعلاقات الدولية المعاصرة..

    وقد نجم عن هذا الصدام خروج مظاهرات شعبية على مستوى كوني ، أظهرت أن العالم بات منقسما إلى معسكرين : معسكر الإستبداد الذي تقوده الولايات المتحدة ، ومعسكر الشعوب والحرية الذي يمثله الرأي العام العالمي وتنخرط فيه دول رئيسية مهمة عرفت بإسم محور السلام وفي مقدمتها فرنسا وإلمانيا وروسيا التي أطلقت مبادرتها المشتركة ضد الحرب في العاشر من شباط 2003.

    وإذا كان ضرب المعسكر الأول عرض الحائط بكل المعارضة العالمية وقيامه بشن الحرب قد أحدث نوعا من الصدمة في المعسكر الثاني ، بدا معها وكأنه انهار أو تراجع .. فما ذلك إلا وضع ظاهري مؤقت جعل دول المعسكر الثاني تغير مواقعها كمناطح للثور الأمريكي الهائج بصورة مباشرة، وتقبل ببعض التنازلات المؤقتة، كالإعتراف بالدور السياسي المهيمن إلى حد ما للولايات المتحدة ( كما جرى في قمة الثمانية الكبار في إيفيان) والدور العسكري المشابه ( كما جرى في مؤتمر مدريد لحلف الأطلسي الذي قرر تغيير مهمة الحلف من الدفاع عن الدول الأعضاء في بلدانها، إلى الدفاع عن مصالحها في العالم كله)..

    لكن الرهان ما يزال قائما على ما ستؤججه هذه السياسة الأمريكية العدوانية من مزيد من المعارضة والمصاعب ، حتى داخل الولايات المتحدة نفسها ، في الوقت الذي تمارس فيه دول المعسكر الثاني دور الكابح الإيجابي للهيجان الأمريكي من ضمن أطر المشاركة السياسية والعسكرية المتاحة بانتظار التطورات والتفاعلات الدولية التي يعتقد أن سياقها الموضوعي يتجه بالضرورة نحو تعددية القطب.. وهذا ما تخشاه الإدارة الأمريكية الحالية ويجعلها غير واثقة من مصداقية المصالحات التي "تمت" مع دول المحور الآخر!

    وقد يكون خير معبر عن هذا الوضع أن نختم بالإشارة إلى محاضرة ألقتها كونداليزا رايس مؤخرا في المعهد الدولي للدراسات الإستراتيجية بلندن قالت فيها : " لقد آن الأوان لتحطيم نموذج عالم الدول الكبرى المتنازعة الذي ساد منذ قيام الدولة –الأمة في القرن السابع عشر.. وعلى أوروبا أن تطوي ذلك النظام الذي كان شرا لابد منه في السابق لمنع الحرب ، لكنه لم يصنع السلام.. وما تعددية القطب إلا نظرية نزاع بين قوى متنافسة .. لقد جربناها في الماضي فقادت إلى الحرب.. يجب أن نقيم آلية جديدة لفرض السلام.. لماذا نقسم إمكاناتنا التي تستطيع ان تكون أكثر فاعلية في وحدتها ؟ إن أعداء الحرية وحدهم سوف يفرحون للإنقسام.."..

    وقد رد عليها الكاتب الأمريكي المناهض للديكتاتورية وليام فاف بالقول :

    "إن الحرب العالمية الأولى لم تقع بسبب وجود توازن قوى ، بل لأن ألمانيا حاولت تغيير ذلك التوازن.. كما أن الحرب العالمية الثانية لم تنفجر بسبب وجود نظام تعدد القطب ، بل لأن معاهدة فرساي فشلت في إعادة بناء ذلك النظام..

    إن موضوعة رايس حول تعددية القطب ، ما هي إلا تعبير عن رغبة واشنطن في رفض التعامل مع حلفائها كمتساوين" ( هيرالد تربيون 7-7-2003).

    إن الوحدة التي تتحدث عنها رايس هي في الحقيقة إخضاع الآخرين ، جميع الآخرين ، لشروط الهيمنة الأمريكية على العالم. . وهي الصياغة الأيديولوجية لمسار هذه القوى الإحتكارية العسكرية –النفطية باتجاه السيطرة على العالم، بعد أن اعتقدت انها أنجزت سيطرتها على الولايات المتحدة وفقا للنهج الذي تابعناه في هذا المقال .

    ---------------------------------

    + باحث سوري مقيم في باريس.
     

مشاركة هذه الصفحة