هموم صحفية على هامش المعركة - نوال السباعي

الكاتب : عبدالرشيدالفقيه   المشاهدات : 323   الردود : 0    ‏2003-08-04
      مشاركة رقم : 1    ‏2003-08-04
  1. عبدالرشيدالفقيه

    عبدالرشيدالفقيه مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2002-12-01
    المشاركات:
    3,577
    الإعجاب :
    0
    بقلم الصحفية - نوال السباعي

    على الرغم من الجو العام الخانق الذي تعيشه الأمة في هذه الأيام , فانني أعتقد أننا استطعنا بفضل من الله ثم باجتهاد ثلة من رجال الأمة الذين ثبتوا على الحق , تجاوز المحنة الشديدة المزلزلة في العقيدة والتصور والرؤية _ على الأقل_ والتي صاحبت الأيام الاولى لغزو العراق ودخول القوات الأمريكية –البريطانية المنطقة العربية , في عودة استعراضية للاحتلال العسكري , الذي كان العالم قد ظن أنه تجاوزه منذ نصف قرن الى غير رجعة .



    وقد دخلت الأمة اليوم مرحلة الهدنة المؤقتة , وصارت في موقع تستطيع أن تسمح لنفسها فيه بالتقاط الأنفاس لاعادة الكثير من الحسابات على هامش هذه الهدنة الهشة المشبوهة , والتي وعلى الرغم من هشاشتها والاشتباه فيها وفي كل مايحيط بها كانت ضرورية لنا جميعا في أرض المعركة الرئيسية كما خارج الأرض المقدسة ..حيث كان لابد من أن نرمي إلى العالم بهذه الكرة الملتهبة التي طالما اجتهد في تركها تحترق في أيدينا.

    هذا الوضع كشف عن أمرين على غاية من الأهمية كما الخطورة في مجال العمل الصحفي , أولهما الدور بالغ التعقيد الذي تلعبه الصحافة في المنطقة العربية لا كصاحبة جلالة كما يحب البعض أن يسميها ولكن كطليعة مكافحة مجاهدة مشاركة في سير معركة موت أو حياة , يصيب جنودها مايصيب كل الجنود في كل المعارك , من اقبال وادبار وانبهار , وكرّ وفرّ وتقهقر , وصمود وبلاء وتضحية وفداء , أو هزيمة وإدبار وفرار من المعركة , وربما استسلام وسقوط وانبطاح أمام العدو وانقلاب على الذات والأمة وخدمة في صفوف الأعداء!.

    أما الأمر الثاني فهو تأكيد اضطلاع الصحافة في عالمنا العربي بدور هائل في مسيرة التاريخ المعاصر لهذه الأمة سلبا وايجابا , وذلك على الرغم من كل الظروف المحبطة التي تحيط وتلف العمل الصحفي في معظم بلادنا , بدءا بكتم الحريات والأنفاس وانتهاءا بأكل الحقوق والمستحقات , مرورا بجميع أنواع المحن التي تفعل فعلها العجيب في عملية الغربلة الدائمة للصف الصحفي , والتمحيص المستمر الذي يسقط فيه من يسقط ولو استمر مائة عام يدبج عموده الصحفي بكلام لايجدي فتيلا , هذا اذا لم يكن من أصحاب تمجيد أقزام البشر ممن يدّعون الألوهية ويفرضون أنفسهم على عباد الله من دونه سبحانه .. فضلا عن أولئك الذين لايقفون في صف الأعداء ناطقين باسمهم فحسب , بل يعملون بدأب على تدمير الأمة واشاعة مزيد من الفوضى في صفوفها فكرا وقناعات .



    الا أن هذه المحن تكشف كذلك عمن يثبت فيها من الذين لايباعون ولايمكن شراؤهم من القائمين في ثغورهم ولو على كلمة أو فكرة واحدة , حتى لو منع الواحد منهم من الكتابة أو منعت كلماته من رؤية النور في كل مرة حاولت فيها تجاوز الحدود !.



    لقد ترددت في الآونة الأخيرة في كبرى الصحف العربية أصوات متعالية على هامش هذه الهدنة التي منحت الناس فرصة لالتقاط أنفاسهم واعادة حساباتهم مع أنفسهم , ترددت أصوات تتحدث عن دور الصحافة والكتاب الصحفيين , أصوات أنّبت وعنّفت وأخرى جلدت الذات والمهنة , وثالثة عبرت بصدق وبلاغة عن هذا الهوس الجماعي الذي أصاب كل أصحاب الأقلام الصحفية وهي تبحث لنفسها عن رسالة عن هدف عن تصور عن دور , وهي تلهث لتحتل مكانها الذي يجب أن تحتله في الصفوف الأمامية للمقاتلين في معركة الوجود التي تخوضها الأمة اليوم .

    إنها صرخات شريفة في وجه زمن لم يعد يتمتع بأدنى قدر من الشرف , ولكنها تتساءل عن كلماتنا التي طالما رفعناها في وجه الزحف الغولي على الأمة , ماذا حلّ بها ؟ وهل وجدت من أذن صاغية ؟ وهل استفاد أحدٌ ما من كلمة حق في وجه الزمن الأعور ؟! .



    اننا نستطيع وبكل الثقة والأمل , وبمراقبة الساحة العربية الصحفية خلال الأشهر الثلاثة الماضية أن نؤكد وعلى الرغم من كل مايبدو من يأس واحباط وانهيار وفوضى وهلوسات , على الرغم من القهر والألم وتفلت الكلمات من بين أصابع اليدين الباحثة في القلم عن الحق.. عن الطريق ..عن الغد ..عن المهمة ..عن الرسالة , على الرغم من ذلك كله فان صرخات الصحفيين العرب الأشراف لم تكن في واد أجرب , ولم ترتد اليهم ارتداد الصدى الأعمى الذي يتلمس طريقه منعكسا عن الصخور الصماء , لأن الصحفيين الأشراف_ وهم غير قليل_ الذين امتشقوا تلك الأقلام والكلمات الشريفة وراحوا يذودون بها عن الحق في أشرس معركة شهدها التاريخ ضد الحق , لم يسجلوا مواقف مشرفة لأقلامهم وكلماتهم في هذه الجولة الساحقة فحسب , ولكنهم استطاعوا على ضعفهم أن يشقوا طريقا من نور لهذه الأمة في ليلها المدّلهم , الذي زحف اليها العالم فيه وباسم مكافحة الارهاب متهافتا على قصعاتها جميعا بتكالب لم يشهد له التاريخ مثيلا بين كذب الساسة ومداهنة الاقتصاد وطغيان العسكر.
     

مشاركة هذه الصفحة