حول الشيخ القرضاوي...جلسة هادئة مع أخينا الشاحذي

الكاتب : أبوحسن الشّافعي   المشاهدات : 439   الردود : 4    ‏2003-08-04
      مشاركة رقم : 1    ‏2003-08-04
  1. أبوحسن الشّافعي

    أبوحسن الشّافعي عضو نشيط

    التسجيل :
    ‏2002-12-07
    المشاركات:
    344
    الإعجاب :
    0
    أحمدك اللهم وأستغفرك وأتوب إليك,وأصلّي وأسلّم على سيّدنا محمّد وآله صحبه ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين.
    أما بعد
    أخونا الفاضل الكريم الشاحذي صاحب قلم رصين,واطلاع واسع ومعرفة وخلق
    كريم,هكذا نحسبه والله حسيبه,ممّا رأيت من مشاركاته ومواضيعه هنا.
    وقد كتب أخونا الحبيب موضوعاً حول الشيخ الفاضل الفقيه العلامة الدكتور يوسف القرضاوي بارك الله في عمره وعمله,ولما رأيت أخانا يناقش فتاوى الشيخ
    أحببت هنا مناقشته في منهج الشيخ الذي بنى عليه فتاواه,إذ أنّي أرى هذا هو الأهم,فالكلام على آحاد المسائل لن يجدي قدر الحديث عن المنهج.
    والشيخ الفاضل لا ينكر علمه وفقهه وغيرته على الإسلام سوى رجل فقد الإنصاف أجارنا الله من الجور.
    غير أنّ للشيخ قول يردده في الكثير من كتبه وهو أن ليس في ميدان العلم كبير
    فعلى هذا الأساس نناقش منهج الشيخ,معترفين بفضله داعين له بالخير كل الخير,مع احتفاظنا بحق مخالفته فيما ذهب إليه في بعض فتاواه,وكثير من تفاصيل منهجه الذي يدعو إليه,فزعين في ذلك إلى أقوال أهل العلم والحجج والبراهين,لا إلى أنفسنا التي لا يمكن مقارنتها بالشيخ الكريم وبعلمه.
    وظني بأخي الفاضل الشاحذي أن يبقي على جو النقاش هادئاً كما عودنا,وهو إن شاء الله أهل لذلك بارك الله فيه ووفقنا الله وإياه ألى كل خير.
    وإنّي أرجو من الأخوة الكرام أن يبقوا النقاش بيني وبين أخينا الكريم,وليس هذا انتقاصاً لأحد لكني رأيت أخانا على معرفة جيدة بفتاوى الشيخ ومنهجه.
    فأقول مستعيناً بالله العلي القدير:
    إنّ منهج فهم النصوص والتعامل معها هو ممّا تفخر هذه الأمّة به,فقد عصم العقول من أن تزل أو تضل,وقد كان هذا المنهج موجوداً أيّام القرون الأولى يعلمونه دون أن يقعّدوه,بفضل سليقتهم العربيّة التي نزل بها النص.
    ولما تقدّم الزمن ودخل الإسلام أقوام ليس بينهم وبين العربية من صلة,واتسعت رقعة العالم الإسلامي ودعت الحاجة إلى ضبط قواعد الفهم,
    وتأسيس أساسيات العلوم الشرعيّة أو الخادمة للشريعة مما اصطلح عليه -بعد-بعلوم الآلة,خرج الإمام الشافعي رحمه الله بكتابه العظيم (الرسالة)مؤصّلاً فيه قواعد التعامل مع النصوص,في عمل استعمل فيه الإمام كل مقدراته العلميّة,وخاصّة اللغوية,لتأصيل قواعد الفهم الصحيح,وكان هذا منشأ علم عظيم من علوم الإسلام هو علم(أصول الفقه).
    لقد روى الإمام الذهبي في السير عن أحد الخلفاء أعطى لأحد الأئمّة كتاباً جمع فيه صاحبه الرخص ,فأجاب ذلك الإمام أنّ مؤلف هذا زنديق,لأنّ من أحل الغناء لم يحل النبيذ ....الخ الخبر (1).
    والكثير اليوم يوردون الخبر ليصلوا إلى أحكام جائرة ,أو استخدامه ضد من يخالفهم,لكن هذا الإمام رمى إلى شيء آخر رحمه الله,فقد كان مؤكّداً لضرورة المنهج,فليس الإشكال في اختلاف الفتاوى لكن الإشكال الكبير هو أنّ هذه الفتاوى بنيت على مناهج مختلفة,وأتى ذلك المصنّف ليغمض بصره عن هذه المناهج جامعاً للرخص ,ولا شك أنّ في هذا هدم خطير لأصول وقواعد قامت على أساسها الفتوى,وهذا الهدم استحق صاحبه لقب الزنديق!!!
    إنّ أولى مشاكل منهج الشيخ الكريم,الذي يسمّيه(الوسطية)تارة,وفقه الواقع تارة أخرى,وبث شرحه في الكثير من مؤلّفاته,ومقالاته المنشورة هنا وهناك,ولعل أكثر المقالات جمعاً للشرح الجيّد لهذا المنهج هي المقالة التي نشرها الشيخ في مجلّة (المنار الجديد) في صيف 1998 كما أتذكّر.
    أقول إنّ أولى مشاكل هذا المنهج هو فقدانه لمنهج متكامل في فهم النصوص,بل أتى الشيخ إلى قاعدة من قواعد الأصول(وهي تغير الفتوى بتغير الزمان والمكان)ليجعل منها أساساً للكثير من فتاواه,وهذا الطريق الذي سلكه الشيخ أوجد فجوات عدّة خطيرة:
    -أنّ الاهتمام بالدليل ,وهو الأساس الذي ينبغي إقامة الفتوى عليه,أضحى في منهج الشيخ أمراً ثانويّاً للأسف.
    -أنّ الواقع أصبح هو الحكم وليس الحجة والبرهان .
    -أنّ قواعد أصول الفقه اختزلت في تلك القاعدة المفردة ,وفي هذا خلط خطير.
    وهنا موضوع أوردت فيه بعض الأمثلة

    http://forum.rayaheen.net/showthread.php?s=&threadid=6916

    وللحديث بقيّة....
    ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
    1-ليس السير بين يدي الآن,فأعتذر عن عدم إيراد النص بشكل أوضح,ولعلّي احصل على القصّة فأوردها لا حقاً إن شاء الله.
     
  2.   مشاركة رقم : 2    ‏2003-08-04
  3. الشاحذي

    الشاحذي مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2003-04-16
    المشاركات:
    18,231
    الإعجاب :
    9
    إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه , ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا , وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للأنام وعلى آله وصحبه ومن والاه , وبعد :

    أخي الحبيب : أبو الحسن الشافعي ..
    لقد وضعتني في موضع أنا لست أهلاً له , وكسوتني من حلل المديح ما أراني إلا فقيراً إلى كل ما قلت ونطقت ولكنه حسن الظن بأخيك فجزاك الله عني خير الجزاء وجمع قولبنا على الإيمان والمحبة فيه .

    واستجابة لطلبك وفخراً لي بأن أكون معك محاوراً لا مجادلاً سأدلو بدلوي وبالله التوفيق :

    وبادئ ذي بدء أراني مدفوعاً إلى تبيين أمرين اثنين لكشف اللبس الحاصل وتفادياً لإعادة النقاط ورغبة في الإبانة وهما :
    1- حينما كتبت المقال المشار إليه حول الذب عن الشيخ يوسف القرضاوي أنا لم أدع أنني فندت فتاواه وهذا ما لست أهلاً له لأن هذا تعالماً , وأنا لا أرق حتى لطالب علم ولست في معرض التصدر لفتاوى العلماء ونقدها وتفنيدها لأني لا أرى في نفسي ما يؤهلها على الفتيا أصلاً فكيف بي أقحم نفسي الضعيفة في مجال الرد على فتاوى علم من أعلام الأمة كالشيخ القرضاوي حفظه الله ونفعنا بعلمه . وما وددت توضيحه لأخي الشافعي بأن الردود جاءت على موضوع يبدو أنك لم تخض فيه وكان القائل فيهم – لا أذكر اسمه – يخوض في الشيخ القرضاوي حتى وصفه بما لا يستحق أن يوصف به العوام فما بالك بالعلماء حتى قال عنه نقلاً عن الشيخ مقبل بن هادي الوادعي – رحمه الله – "الكلب العاوي" وهذا كما بدا لي من سوء الأدب ومجافاة الإنصاف ومن فحش القول إن لم يكن زوراً .. وهنا أبت نفسي عليّ إلا أن أرد على هذا المعتوه – لا أقصد الشيخ مقبل حاشا لله – بل من ألب الصدور على الشيخ وملأ مقاله بكيلات الذم وبحور السباب الآسنة وجعل عرض الرجل ميتة يأكل منها ويلغ فيها كل والغ . ومن هنا جاءت الحاجة الملحة إلى الخوض في الموضوع وتبيين رأي الشيخ وأفكاره بالدراسة والتحليل لا في معرض الأخذ والرد .

    2- والأمر الآخر : أننا جميعاً نلتقي عند نقطة واحدة هي أن الشيخ يوسف وكل العلماء دون استثناء يؤخذ من قوله ويرد إلا المعصوم صلوات الله عليه وسلامه , ومن هنا كان لزاماً الاعتراف بأن الأمة جمعاء معرض علماؤها للخطأ والنسيان والزلل ومعلوم أن تتبع زلات العلماء مكروه ويقدح في المروءة , وقد ظهر قوم من بين أظهرنا لا هم لهم سوى تتبع هذه العورات وتسقط السواقط هنا وهناك ورأيتهم بعين البصيرة المحايدة لا بعين التعصب ينزهون أناساً من الزلل والهفوات ويرفعون قولهم إلى مصاف أقوال الأنبياء ولا يرونهم على خطأ بينما يسعون حثيثاً إلى كشف عورات باقي العلماء – واعلم أني لا أحسبك منهم – فكان لابد من القول بأن الشيخ القرضاوي كغيره من العلماء يخطىء ويصيب , وجاهل من قال أن في العلماء من لا زلل له ولا خطأ ولكن لسنا مدعوين أن نتتبع زلات العلماء وكشف عوراتهم فتفقد الأمة هيبتها بفقدان هيبة علمائها ويتصدر للفتيا من هم ليسوا بأهل لها , وحتى لا أطيل سأبدأ أولاً ببيان أمر ربما لم تقرأه في المقالة الطويلة جداً وهو موضوع منهجية القرضاوي في الإفتاء وسوف أقوم بإعادة طرحها مرة أخرى حتى نكون على بينة وأرضية صلبة ونشرك الرجل فيما نتخاطب بشأنه , هذا وللعلم أن الرجل ما زال حياً ويمكن لأي منا أن يرجع إليه ويراسله عبر بريده أو يتصل به هاتفياً لمعرفة آرائه وسبب ظهور فتاواه .

    وسأدعك الآن مع الشيخ القرضاوي يحدثنا عن نهجه في الإفتاء :

    “إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا. من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد ألا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله.
    (رب اشرح لي صدري، ويسر لي أمري. واحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي).
    اللهم يا معلم آدم وإبراهيم، علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما. (سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم).
    اللهم أرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلا وارزقنا اجتنابه.
    (ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب). اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع، وقلب لا يخشع، ودعاء لا يسمع، وعمل لا يرفع وصل اللهم وسلم على معلم الناس الخير، ورحمتك المهداة للعالمين. خاتم أنبيائك، وصفوة خلقك، محمد بن عبد الله، وعلى آله وصحبه ومن دعا بدعوته، واهتدى بسنته إلى يوم الدين.
    (وبعد) فقد كان مما كتبه الله لي أن أشتغل بإفتاء الناس منذ عهد مبكر. فقد كنت أؤم الناس وأخطبهم وأدرسهم، وأنا طالب في القسم الابتدائي (الإعدادي الآن) من الأزهر الشريف، ومن خطب الناس أو درسهم، فلا بد أن يسألوه، ولا مفر له أن يجيب. وهذا ما دعاني إلى الاهتمام بفقه الشريعة، ومشكلات الناس من أمد بعيد.
    ومع أني تخرجت في كلية أصول الدين بالأزهر، التي تعنى بالعقيدة والفلسفة والتفسير والحديث، لا في كلية الشريعة التي تعنى بالفقه وأصوله. فإن ذلك لم يقطعني عن دوام الإطلاع على الفقه وتاريخه وأصوله وقواعده. وقد زادتني دراستي في كلية أصول الدين ولم تنقصني، وأمدتني بزاد نافع من الثقافة الفلسفية والتاريخية، بجانب الثقافة الإسلامية المتنوعة.
    وكان من نعمة الله علي أن تحررت منذ وقت مبكر أيضا من ربقة التمذهب والتقليد والتعصب لقول عالم بعينه، وإن كانت دراستي الرسمية للفقه على مذهب أبي حنيفة رضي الله عنه.
    ويرجع الفضل في ذلك لعدة عوامل، منها: بيئة الحركة الإسلامية التي كنت أعيش في رحابها، ودعوة مؤسسها الشهيد حسن البنا -رحمه الله- في رسالته المركزة المسماة "رسالة التعاليم" إلى التحرر من العصبية، ووزن أقوال المتقدمين بميزان الكتاب والسنة، فما وافقهما من أقوال السلف قبلناه، وإلا فكتاب ربنا، وسنة نبينا، أولى بالاتباع.
    وكان لكتاب أخينا الشيخ سيد سابق "فقه السنة" وكان قد صدر الجزء الأول منه في فقه الطهارة والصلاة، تأثير طيب في تفكيري، وتوجيهي إلى الأدلة من القرآن والسنة، أستقي منهما بدل الرجوع إلى كتب الفقه المذهبي وحدها.
    وقد تبين لي بطول الدراسة والممارسة، أن الرجوع المباشر إلى الكتاب والسنة يقترن دائما بالتخفيف والتيسير، والبعد عن الحرج والتعسير. على خلاف الرجوع إلى الفقه المذهبي الذي حمل على طول العصور كثيرا من التشددات، نتيجة الاتجاه إلى الأخذ بالأحوط غالبا. وإذا صار الدين مجموع "أحوطيات" فقد روح اليسر، وحمل طابع الحرج والمشقة، مع أن الله تعالى نفى الحرج عنه نفيا باتا حين قال: (وما جعل عليكم في الدين من حرج).
    ومن الأحداث التي تستحق التسجيل، ما وقع لي وأنا طالب بالقسم الثانوي حين خالفت نهج علماء قريتنا -وهم مجموعة من الأفاضل- إلا أنهم التزموا تدريس الفقه على مذهب الشافعي رضي الله عنه، حتى الحنفية منهم التزموا ذلك ولم يحيدوا عنه بناء على أن مذهب الشافعي هو مذهب عوام البلد. هذا مع تقرير المحققين: أن العامي لا مذهب له، وأن مذهبه هو مذهب من يفتيه ويعلمه.
    ومن المعلوم لدى الدارسين أن مذهب الشافعي من أشد المذاهب -أو لعله أشدها- في مسائل النجاسة والطهارة وما إليها، حتى قال الإمام الغزالي في كتاب الطهارة من "الإحياء" معلقا على مذهب إمامه الشافعي في مسألة المياه، قال: "وكنت أود أن يكون مذهبه في المياه كمذهب مالك".
    وسرد سبعة أوجه يؤيد بها رأي مالك رضي الله عنه.
    المهم أني شرعت أدرس الفقه من غير "أبي شجاع" بل على طريقة الشيخ سيد سابق في فقه السنة، مستعينا بما تيسر لي من المراجع في ذلك الوقت، وقد أحدث ذلك في أول الأمر ضجة بين الناس: كيف يخالف هذا الشاب كبار الشيوخ؟ وكيف يفقه الناس من غير "المتون المعتمدة"؟ وكيف يأتي بأقوال لم نسمع بها من قبل؟
    ولكني قابلت هذه الضجة بالثبات والتحدي، وقلت للمجادلين: بيني وبينكم القرآن والسنة، فلنحتكم إليهما. فلما حاججتهم بالآيات والأحاديث -وبضاعتهم قليلة منها- كانوا هم المحجوجين والمغلوبين.
    والعجب أن العوام الذين اعتبرهم العلماء في البلدة شافعية، قد استراحوا جدا لهذا النهج الجديد، ورحبوا به، لما فيه من تيسير عظيم عليهم، ورفع الحرج عنهم.
    وما كان أعظم فرحتهم حين قلت لهم: إن كل ما يؤكل لحمه، فبوله وروثه طاهر، وأيدت ذلك بالأدلة من السنة.
    وحين قلت: إن الماء طهور لا ينجسه شيء إلا ما غير طعمه أو لونه أو ريحه، مستدلا على ذلك بصحيح الحديث.
    وحين قلت لهم: إن لمس المرأة لا ينقض الوضوء، مستشهدا على ذلك بالقرآن والسنة.
    ومعروف أن مذهب الشافعي يقول بأن اللمس ناقض للوضوء بشهوة أو بغير شهوة. وكان يحدث كثيرا أن تناول المرأة زوجها شيئا، فتلمسه أو يلمسها خطأ فينتقض وضوؤه وكان هذا في فصل الشتاء كثيرا ما يحدث شجارا بين الزوجين، لما يترتب عليه من تجديد الوضوء في البرد الشديد.
    وحدث مرة أن فعلت إحدى الزوجات -لمست زوجها خطأ- فغضب زوجها وهم بإيذائها. فقالت له: لا تغضب، صل، ووضوؤك صحيح على مذهب الشيخ يوسف!
    وهكذا جعلوني صاحب مذهب!
    والواقع أن القول بعدم النقض باللمس مطلقا هو مذهب "أبي حنيفة" وأصحابه ومن قبله حبر الأمة "عبد الله بن عباس".
    وإذا كان اللمس بغير شهوة فلا ينقض أيضا عند مالك وابن حنبل وأصحابهما.
    وفي الخمسينات كلفت الخطابة في جامع الزمالك بالقاهرة فكان من خطتي عقد ندوة أسبوعية عقب صلاة الجمعة، يتقدم فيها المصلون بأسئلتهم مكتوبة، وأقوم بالرد عليها شفهيا.
    وفي هذه المرحلة بدأت أكتب بعض الفتاوى في بعض المجلات الإسلامية مثل مجلة "منبر الإسلام" التي تصدرها وزارة الأوقاف المصرية، ومجلة "نور الإسلام" التي يصدرها علماء الوعظ والإرشاد بالأزهر.
    ولم أزل أسير في هذا الطريق، متوسعا ومتعمقا، فلما اتسعت المعرفة، ونضج الفكر، وزادت الخبرة، بالاطلاع على كتب الحديث والآثار، وكتب الفقه المقارن، كان من نتاج ذلك كتاب "الحلال والحرام في الإسلام" ثم كتاب "فقه الزكاة" من بعد.
    وأرجو أن يعين الله على إخراج كتاب "تيسير الفقه" الذي كتبت منه فصولا متفرقة، لم يلتئم شملها بعد.
    ومنذ أنشئت إذاعة دولة قطر المسموعة، ثم المرئية "التلفزيون" كلفت أن أتولى الرد على أسئلة المواطنين ورسائلهم التي تتعلق بالإسلام والحياة، وخصص لذلك برنامج أسبوعي لمدة نصف ساعة في الإذاعة بعنوان "نور وهداية" ومثله في التلفزيون بعنوان "هدي الإسلام".
    وإني لأحمد الله تعالى حمدا كثيرا طيبا، كما ينبغي لجلال وجهه، وسابغ نعمه: أن فتح القلوب والعقول لهذين البرنامجين، ولقيا من القبول -في قطر ومنطقة الخليج كلها، وكل مكان يصل إليه صوت الإذاعة القطرية من جزيرة العرب- ما يشرح صدور المؤمنين، ويغيظ الذين في قلوبهم مرض. هداهم الله وأصلحهم.
    وكان هذا من فضل ربي ليبلوني: أأشكر أم أكفر. وأسأله تعالى أن يجعلني من الشاكرين، وأن يعينني على ذكره وشكره وحسن عبادته.
    ولا غرو أن اقترح الكثيرون من المستمعين والمشاهدين للبرنامجين، أن أجمع هذه الفتاوى والردود وأنشرها، حتى اقترح بعض الأخوة في إمارة رأس الخيمة أن أجعلها حوليات، كل سنة تجمع في مجلد وتصدر تباعا، وبخاصة أن بعض الردود والأجوبة تتناول قضايا مهمة بالشرح والتحليل، مؤيدة بالأدلة من نصوص الشرع وقواعده، وموصولة بروح الإسلام وفلسفته العامة للإنسان والكون والحياة.
    ولكن كانت هناك حوائل شتى، تقف دون تحقيق هذه الرغبة الخيرة. منها مشقة نقل هذه الأجوبة من الأشرطة المسجلة إلى الورق المكتوب.
    ومنها أن طبيعة اللغة المرتجلة التي ألقى بها هذه الفتاوى، غير اللغة المكتوبة، فالعبارة المرتجلة تحتاج إلى شيء من التهذيب والصياغة حتى تتهيأ للطباعة والنشر، وذلك يحتاج إلى وقت وجهد.
    ومنها أن بعض الأسئلة تتكرر فتتكرر أجوبتها، ومضمونها في الغالب واحد وإن اختلف العرض، أو اختلفت الصياغة والأسلوب.
    ولهذا، رأيت أن الأولى هو الانتقاء من هذه الأجوبة ما هو أدق وأوفى وأبعد عن الفضول والتكرار. مع تهذيب بعض العبارات، وإضافة ما تحسن إضافته، وحذف ما ينبغي حذفه.
    ثم أضفت إلى هذه الفتاوى المنتقاة من حلقات الإذاعة والتلفزيون ما وجدته عندي من فتاوى مكتوبة نشرت من قبل أو لم تنشر. وكان منها هذا الكتاب الذي اخترت له اسم: "هدي الإسلام" وهو اسم البرنامج التلفزيوني الذي سبق الحديث عنه، والذي حببه الله إلى قلوب الناس فضلا منه ونعمة.
    وهذا القدر يعتبر الحلقة الأولى أو الجزء الأول من هذا الكتاب، الذي أسأل الله تعالى أن ينفع به مؤلفه وناشره وقارئه، وكل من عاون فيه.
    نهجي في الإفتاء:
    وكان المنهج الذي اتبعته في هذه الفتاوى يقوم على عدة قواعد، أهمها:
    لا عصبية ولا تقليد:
    أولا: التحرر من العصبية المذهبية، والتقليد الأعمى لزيد أو لعمرو من المتقدمين أو المتأخرين. فقد قيل: لا يقلد إلا عصبي أو غبي. وأنا لا أرضى لنفسي واحدا من الوصفين.
    هذا مع التوقير الكامل لأئمتنا وفقهائنا، فعدم تقليدهم ليس حطا من شأنهم، بل سيرا على نهجهم، وتنفيذا لوصاياهم بألا نقلدهم ولا نقلد غيرهم ونأخذ من حيث أخذوا.
    وهذا الموقف لا يتطلب من العالم المسلم المستقل في فهمه أن يكون قد بلغ درجة الاجتهاد المطلق كالأئمة الأولين، وإن كان هذا غير ممنوع شرعا ولا قدرا.
    ولكن حسب العالم المستقل في هذا الموقف أمور:
    ( أ ) ألا يلتزم رأيا في قضية بدون دليل قوي، سالم من معارض معتبر، ولا يكون كبعض الناس الذين ينصرون رأيا معينا لأنه قول فلان، أو مذهب فلان، دون نظر إلى دليل أو برهان، مع أن الله تعالى يقول: (قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين) ولا يسمى العلم علما إذا كان ناشئا من غير دليل.ولقد قال الإمام علي -كرم الله وجهه-: (لا تعرف الحق بالرجال، بل اعرف الحق تعرف أهله).
    (ب) أن يكون قادرا على الترجيح بين الأقوال المختلفة، والآراء المتعارضة بالموازنة بين أدلتها، والنظر في مستنداتها من النقل والعقل، ليختار منها ما كان أسعد بنصوص الشرع، وأقرب إلى مقاصده، وأولى بإقامة مصالح الخلق التي نزلت لتحقيقها شريعة الخالق.وهذا أمر ليس بالعسير على من ملك وسائله من دراسة العربية وعلومها، وفهم المقاصد الكلية للشريعة، بجانب الاطلاع على كتب التفسير والحديث والمقارنة.
    (جـ) أن يكون أهلا للاجتهاد الجزئي: أي الاجتهاد في مسألة معينة من المسائل وإن لم يكن فيها حكم للمتقدمين، بحيث يستطيع أن يعطيها حكمها بإدخالها تحت عموم نص ثابت، أو بقياسها على مسألة مشابهة منصوص على حكمها، أو بإدراجها تحت الاستحسان أو المصالح المرسلة، أو غير ذلك من الاعتبارات والمآخذ الشرعية.
    والقول بتجزئة الاجتهاد هو الصحيح الذي اتفق عليه المحققون.
    ومن أبين العبارات في ذلك ما قاله ابن القيم:
    "الاجتهاد حالة".
    يسروا ولا تعسروا:
    ثانياً: تغليب روح التيسير والتخفيف على التشديد والتعسير، وذلك لأمرين:
    الأول: أن الشريعة مبنية على التيسير ورفع الحرج عن العباد، وهذا ما نطق به القرآن، وصرحت به السنة في مناسبات عديدة.
    ففي ختام آية الطهارة من سورة المائدة، وما ذكر فيها من تشريع التيمم، يقول تعالى: (ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج، ولكن يريد ليطهركم، وليتم نعمته عليكم لعلكم تشكرون).
    وفي ختام آية الصيام من سورة البقرة، وما ذكر فيها من الترخيص للمريض والمسافر بالإفطار، يقول سبحانه: (يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر).
    وفي ختام آيات المحرمات في الزواج، وما رخص الله فيه من نكاح الإماء المؤمنات لمن عجز عن زواج الحرائر، يقول جل شأنه (يريد الله أن يخفف عنكم، وخلق الإنسان ضعيفاً) وفي ختام سورة الحج، وما ذكر فيها من أحكام وأوامر، يقول عز وجل: (هو اجتباكم وما جعل عليكم في الدين من حرج). هذا إلى الآيات الأخرى التي حرمت الغلو في الدين، وأنكرت على من حرموا الطيبات، وهي كثيرة.
    والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: (يسروا ولا تعسروا، وبشروا ولا تنفروا).
    ويقول: (إنما بعثتم ميسرين، ولم تبعثوا معسرين).
    ويقول: (إنما بعثت بحنيفية سمحة).
    وينكر على المتطرفين والمغالين في العبادة أو في تحريم الطيبات، ويعلن أن من فعل ذلك فقد رغب عن سنته (ومن رغب عن سنتي فليس مني).
    ويوجه أصحاب هذه النزعة إلى التوسط والاعتدال، حتى لا يطغى حق على حق. ولهذا قال لبعضهم: (إن لبدنك عليك حقاً، ولأهلك عليك حقاً، ولزوجك عليك حقاً، فأعط كل ذي حق حقه).
    والأمر الثاني: طبيعة عصرنا الذي نعيش فيه، وكيف طغت فيه المادية على الروحية، والأنانية على الغيرية، والنفعية على الأخلاق، وكيف كثرت فيه المغريات بالشر، والمعوقات عن الخير، وأصبح القابض على دينه كالقابض على الجمر، حيث تواجهه التيارات الكافرة عن يمين وشمال، ومن بين يديه ومن خلفه، تريد أن تقتلعه من جذوره، وتأخذه إلى حيث لا يعود.
    وهي تيارات تحركها وتغذيها قوى ضخمة، تمدها بالتمويل والتخطيط والتوجيه، وتسهل لمن اتبعها طريق الشهوات، وربما طريق الوصول إلى المناصب والدرجات.
    والفرد المسلم في هذه المجتمعات يعيش في محنة قاسية، بل في معركة دائمة، فقلما يجد من يعينه، وإنما يجد من يعوقه.
    ولهذا ينبغي لأهل الفتوى أن ييسروا عليه ما استطاعوا، وأن يعرضوا عليه جانب الرخصة أكثر من جانب العزيمة. ترغيباً في الدين، وتثبيتاً لأقدامه على طريقه القويم. وقد نقل الإمام النووي في مقدمات "المجموع" كلمة حكيمة للإمام الكبير -إمام الفقه والحديث والورع- سفيان الثوري. قال فيها: "إنما العلم الرخصة من ثقة، أما التشديد فيحسنه كل أحد!".
    فالعالم حقاً -في نظر الثوري رحمه الله- من يراعي الرخص والتيسير على عباد الله، شرط أن يكون ثقة في علمه ودينه.
    وكان منهج الصحابة ومن تخرج على أيديهم هو التيسير والرفق بالناس، ثم بدأ التشديد يدخل على العلماء شيئاً فشيئاً، وعصراً بعد عصر، حتى أصبح هو طابع المتأخرين.
    روى الحافظ أبو الفضل بن طاهر في كتاب "السماع" بسنده عن عمر ابن إسحاق من التابعين قال: كان من أدركت من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم أكثر من مائتين، لم أر قوماً أهدى سيرة، ولا أقل تشديداً منهم.
    وهكذا كان علماء السلف: إذا شددوا فعلى أنفسهم، أما على الناس فييسرون ويخففون.
    ولقد وصفوا الإمام المزني صاحب الشافعي في معرض الثناء عليه. بأنه "كان أشد الناس تضييقاً على نفسه في الورع، وأوسعه في ذلك على الناس".
    وكذلك وصفوا الإمام التابعي الجليل محمد بن سيرين، قال تلميذه عون: كان محمد أرجى الناس لهذه الأمة. وأشدهم أزراً على نفسه.
    هذا وزمنهم زمن الإقبال على الدين فكيف بزماننا والناس مدبرون عنه؟.
    إننا أحوج ما نكون إلى التوسعة على الناس.
    وهذا ما اخترته لنفسي أن أيسر الفروع، حين أشدد في الأصول
    وليس معنى هذا أن ألوي أعناق النصوص رغماً عنها، لأستخرج منها -كرهاً- معاني وأحكاماً تيسر على الناس.
    كلا، فالتيسير الذي أعنيه، هو الذي لا يصادم نصاً ثابتاً محكماً، ولا قاعدة شرعية قاطعة، بل يسير في ضوء النصوص والقواعد والروح العامة للإسلام.
    ولهذا لم أتساهل قط في تحريم الفوائد الربوية من البنوك وغيرها، لأني أجد النصوص في ذلك صريحة محكمة، تتحدى أي متهاون في شأنها.
    ولم أتساهل في أمر التدخين -رغم عموم البلوى به- لأني أجد قواعد الشرع تمنعه وتأباه.
    وتساهلت في موضوعات أخرى لأني لم أجد من النصوص الملزمة ما يدل على التحريم.
    وتبنيت رأي شيخ الإسلام ابن تيمية وتلاميذه في أمر الطلاق، لأني وجدته يعبر عن روح الإسلام، ومقاصد الشريعة، ويتمشى مع نصوص القرآن والسنة عند التحقيق.
    وعلى العموم: إذا كان هناك رأيان متكافئان: أحدهما أحوط، والثاني أيسر فإني أوثر الإفتاء بالأيسر، اقتداءً بالنبي صلى الله عليه وسلم الذي ما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثماً.
    أما الأحوط فيمكن أن يأخذ به المفتي في خاصة نفسه، أو يفتي به أهل العزائم والحريصين على الاحتياط، ما لم يخش عليهم الجنوح إلى الغلو.
    مخاطبة الناس بلغة العصر:
    ثالثاً: ومن القواعد التي التزمتها، أن أخاطب الناس بلغة عصرهم التي يفهمون، متجنباً وعورة المصطلحات الصعبة، وخشونة الألفاظ الغريبة، متوخياً السهولة والدقة.
    وقد جاء عن الإمام علي: (حدثوا الناس بما يعرفون، ودعوا ما ينكرون. أتريدون أن يكذب الله ورسوله؟!).
    وقال تعالى: (وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم) ولكل عصر لسان أو لغة تميزه وتعبر عن وجهته. فلابد لمن يريد التحدث إلى الناس في عصرنا أن يفهم لغتهم ويحدثهم بها.
    ولا أعني باللغة مجرد ألفاظ يعبر بها قوم عن أغراضهم، بل ما هو أعمق من ذلك، مما يتصل بخصائص التفكير، وطرائق الفهم والإفهام.
    ولغة عصرنا تتطلب عدة أشياء، يجب على المفتي أن يراعيها:
    ( أ ) أن يعتمد على مخاطبة العقول بالمنطق، لا على إثارة العواطف بالمبالغات. فمعجزة الإسلام الكبرى معجزة عقلية هي القرآن، الذي تحدى الله به. ولم يتحد بالخوارق مع وقوعها للنبي صلى الله عليه وسلم ولم تعرف البشرية ديناً يحترم العقل والعلم كما يحترمه الإسلام.
    (ب) أن يدع التكلف والتقعر في استخدام العبارات والأساليب، ولهذا كنت استخدم اللغة السهلة القريبة المأنوسة، وربما استخدمت بعض الألفاظ أو الأمثال العامية لتوضيح ما أريد. إيماناً مني بأن جمهور المشاهدين والمستمعين ليسوا في مستوى واحد من الثقافة والفكر، فمنهم الأستاذ الكبير، ومنهم الطالب الصغير، ومنهم التاجر، ومنهم العامل، وكلهم يجب أن يفهم ويعي، وإفهام المستويات المتفاوتة أمر صعب، ولكني حرصت عليه قدر استطاعتي، وأنا مؤمن بالوسطية والاعتدال في كل الأمور، ولهذا كنت بين بين، لا أعلو كل العلو إلى مستوى الخواص فأفقد العوام، ولا أنزل كل النزول إلى العوام فأفقد الخواص. بل جعلت هدفي أن أرضي الخاصة وأفهم العامة معاً. وهذا نهجي طول حياتي، وأرجو أن أكون قد وفقت إليه أو قاربت.
    (جـ) أن يذكر الحكم مقروناً بحكمته وعلته، مربوطاً بالفلسفة العامة للإسلام. وهذا ما التزمته في فتاواي وكتاباتي بصفة عامة، وذلك لأمرين:
    الأول: أن هذه هي طريقة القرآن والسنة.
    فالقرآن حين يفتي في المحيض -وقد سألوا عنه- يقول: (ويسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض ولا تقربوهن حتى يطهرن) فأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يبين لهم أن علة الحكم -وهو الأذى- مقدمة للحكم نفسه، وهو الاعتزال.
    وفي تقسيم الفيء بين الفئات المستحقة له، ومنهم اليتامى والمساكين وابن السبيل، يذكر الله تعالى الحكمة في ذلك فيقول: (كيلا يكون دولة بين الأغنياء منكم) أي حتى لا يكون المال متداولاً بين طبقة الأغنياء وحدهم، ويحرم منه سائر الطبقات. فهذا مصدر الشرور، وهو أبرز خصائص الرأسمالية الطاغية.
    حتى العبادات الشعائرية يأمر بها القرآن مقرونة بعلل وأحكام تقبلها الفطر السليمة، والعقول الرشيدة.
    ففي الصلاة يقول: (إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر).
    وفي الصيام يقول: (لعلكم تتقون).
    وفي الزكاة: (تطهرهم وتزكيهم بها).
    وفي الحج: (ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله في أيام معلومات).
    وأما في السنة، فإن من تأمل فتاوى النبي صلى الله عليه وسلم رآها مشتملة على حكمة الحكم ونظيرة ووجه مشروعيته.
    من هذا قوله لعمر حين جاءه منزعجاً، إذا قبل امرأته وهو صائم، فقال له: أرأيت لو تمضمضت ثم مججته، أكان يضر شيئاً؟ قال: لا، فنبه على أن مقدمة المحظور لا يلزم أن يكون دائماً محظورة. فإن غاية القبلة أن تكون مقدمة الجماع، فلا يلزم من تحريمه تحريم مقدمته، كما أن وضع الماء في الفم مقدمة شربه، وليست المقدمة محرمة.
    ومن هذا قوله صلى الله عليه وسلم: (لا تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها، ولا على ابنة أخيها، ولا على ابنة أختها، فإنكم إن فعلتم ذلك قطعتم أرحامكم) فذكر لهم الحكم، ونبههم على حكمة التحريم، وهو ما يترتب عليه من قطع ما أمر الله به أن يوصل نتيجة الاحتكاك الضروري بين الضرائر.
    ومثل ذلك قوله لبشير بن سعد، وقدخص بعض أولاده بعطية دون الآخرين: أيسرك أن يكونوا لك في البر سواء؟ قال: نعم. قال: (فاتقوا الله واعدلوا بين أولادكم).
    وهذا في القرآن والسنة كثير جداً، مع أن قول الله ورسوله حجة بنفسه، وإن لم تعرف له علة معينة، وحسبنا أنه لا يأمر إلا بخير.
    الثاني: أن الشاكين والمشككين في عصرنا كثيرون، ولم يعد أغلب الناس يقبلون الحكم دون أن يعرفوا مأخذه ومغزاه، ويعوا حكمته وهدفه، وخاصة فيما لم يكن من التعبدات المحضة.
    ولابد أن نعرف طبيعة عصرنا، وطبيعة الناس فيه، ونزيل الحرج من صدورهم ببيان حكمة الله فيما شرع، وبذلك يتقبلون الحكم راضين منشرحين. فمن كان مرتاباً ذهب ريبه، ومن كان مؤمن ازداد إيماناً.
    ومع هذا لابد أن نؤكد للناس، أن من حق الله تعالى، أن يكلف عباده ما شاء، بحكم ربوبيته لهم، وعبوديتهم له، فهو وحده له الأمر، كما له الخلق. ولهذا لابد أن يطيعوه فيما أمر، ويصدقوه فيما أخبر، وإن لم يدركوا علة أمره، أو كنه خبره، وعليهم أن يقولوا في الأول: "سمعنا وأطعنا"، وفي الثاني: (آمنا به كل من عند ربنا).
    إن الله لا يأمر بشيء، ولا ينهى عن شيء، إلا لحكمة.
    هذه قضية ثابتة جازمة. ولكن لسنا دائما قادرين على أن نتبين حكمة الله بالتفصيل. وهذا مقتضى الابتلاء الذي قام عليه أمر التكليف، بل أمر الإنسان (إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه).
    رابعا: الإعراض عما لا ينفع الناس:
    ومن القواعد التي التزمتها: ألا أشغل نفسي ولا جمهوري إلا بما ينفع الناس، ويحتاجون إليه في واقع حياتهم.
    أما الأسئلة التي يريد بها أصحابها المراء والجدل، أو التعالم والتفاصح، أو امتحان المفتي وتعجيزه، أو الخوض فيما لا يحسنونه، أو إثارة الأحقاد والفتن بين الناس، أو نحو ذلك، فكنت أضرب عنها صفحا، ولا ألقي لها بالا، لأنها تضر ولا تنفع، وتهدم ولا تبني، وتفرق ولا تجمع.
    كان بعض الناس يبعثون بأسئلة تتضمن ألغازا شرعية يريدون حلها من مثل: "نوى ولا صلى، وصلى ولا نوى" و "قوم كذبوا ودخلوا الجنة، وقوم صدقوا ودخلوا النار" وأشباه ذلك، فكان ردي عليها الإلقاء في سلة المهملات لأن الاشتغال بمثل هذه المسائل من عمل الفارغين.
    ومثل ذلك الأسئلة التي تتعلق بالأمور الغيبية، مما لم يجيء بتحديده نص معصوم. ومثل ذلك غوامض المسائل الدينية والعقائدية التي لا تحتملها الطاقة العقلية المعتادة لجمهور الناس، ويخشى من الخوض فيها -سؤالا وجوابا- التشويش على الكثيرين.
    فهذا أيضا مما لا أعتني بالإجابة عنه إلا إزالة لشبهة، أو ردا لفرية، أو تنبيها على قاعدة، أو تصحيحا لفهم. أو نحو ذلك.
    ومما قاله في ذلك الإمام شهاب الدين القرافي:
    "ينبغي للمفتي إذا جاءته فتيا في شأن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو فيما يتعلق بالربوية، يسأل فيها عن أمور لا تصلح لذلك السائل لكونه من العوام الجلف، أو يسأل عن المعضلات، ودقائق الديانات، ومتشابه الآيات والأمور التي لا يخوض فيها إلا كبار العلماء، ويعلم أن الباعث له على ذلك إنما هو الفراغ والفضول والتصدي لما لا يصلح له، فلا يجيبه أصلا. ويظهر له الإنكار على مثل هذا ويقول له: اشتغل بما يعنيك من السؤال عن صلاتك وأمور معاملاتك، ولا تخض فيما عساه يهلكك، لعدم استعدادك له.
    وإن كان الباعث له شبهة عرضت له: فينبغي أن يقبل عليه، ويتلطف به في إزالتها عنه بما يصل إليه عقله. فهداية الخلق فرض على من سئل.
    قال: والأحسن أن يكون البيان له باللفظ دون الكتابة، فإن اللسان يفهم ما لا يفهم القلم، لأنه حي، والقلم موات. فإن الخلق عباد الله، وأقربهم إليه أنفعهم لعباده، ولا سيما في أمر الدين وما يرجع إلى العقائد.
    وكثيرا ما كنت أطلب من صاحب السؤال إذا أحسست جديته، وخشيت على جمهور المستمعين أو المشاهدين التشويش -أن يلقاني على انفراد، لأستطيع أن آخذ معه وأعطي، بلا حرج ولا خشية.
    ومن الأسئلة التي لم أكن أعبأ بها: ما يتعلق بالمفاضلة بين آل البيت والصحابة رضي الله عنهم وما شجر بينهم من خلاف، ونحو ذلك -مما لا طائل تحته. وقد أفضى الجميع إلى ربهم، وقضى الله ما كان.
    سئل الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز عن قتال أهل صفين، فقال: تلك دماء كف الله عنها يدي، فلا أحب أن يلطخ بها لساني.
    ومن الأسئلة التي يحرص بعض الناس على إثارتها، وتلقيت في شأنها أكثر من رسالة:
    أيهما أفضل عند الله: أبو بكر أم علي؟ وأيهما كان أحق بالخلافة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم؟
    أيهما أفضل: فاطمة الزهراء بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم أم عائشة أم المؤمنين زوج رسول الله صلى الله عليه وسلم؟
    ومثل ذلك: المفاضلة بين الأنبياء، مثل إسماعيل واسحق، أو موسى وعيسى.
    أسئلة لا يترتب على العلم بها، قوة في دين، ولا نهضة في دنيا، ومن جهل الجواب عنها فلا إثم عليه، ومن كون في كل منها رأيا فهيهات أن يتنازل عنه.
    ولقد قلت في بعض إجاباتي عن مثلها: إنها أشبه بموضوعات الإنشاء التي كان معلمونا -ونحن تلاميذ صغار- يكلفوننا الكتابة فيها تدريبا للقلم، وشحذا للملكات، مثل: المفاضلة بين الليل والنهار، وبين الصيف والشتاء، وبين الأرض والسماء، وبين القطار والسفينة، وغير ذلك مما لا معنى للمفاضلة بين بعضها وبعض عند أهل البصر والبصيرة.
    إن الله تعالى ورسوله عابا على بني إسرائيل كثرة أسئلتهم، واختلافهم على أنبيائهم، وسؤالهم فيما لا ضرورة إليه، ولا فائدة منه إلا إعنات أنفسهم. وفي هذا ذكر الله تعالى لنا قصة ذبح البقرة وكثرة أسئلتهم فيها دون حاجة، ولو أخذوا أي بقرة فذبحوها لكانوا ممتثلين للأمر، ولكن شددوا، فشدد الله عليهم.
    وما ذكر الله لنا هذه القصة إلا لتكون لنا عظة وعبرة.
    ومن الأسئلة التي أعرضت عنها: ما يتعلق بتفسير الرؤى والأحلام.
    وقد أعلنت غير مرة: أن مهمتي بيان الأحكام، لا تفسير الأحلام. وذلك أن الأحكام لها أصول يحتكم إليها، ومصادر يرجع إليها. أما الأحلام فلا ضابط لها ولا قاعدة، ويختلف تأويلها باختلاف الأشخاص والأحوال والأزمان.
    وعلى العموم هي تخمين وظن، إلا من وهبه الله الفراسة في ذلك، وعلمه تأويل الأحاديث (وما نحن بتأويل الأحلام بعالمين).
    وطالما قلت للسائلين في ذلك: أنا لست يوسف الصديق. وإنما أنا يوسف القرضاوي. ويوسف الصديق قد خصه الله بذلك، وعلمه ما لم يعلمه غيره.
    والحقيقة إني لا أحسن ذلك، ولست حريصا على أن أحسنه، فإن ذلك -لو كان- جدير أن يلتهم وقتي كله، لأن أحلام الناس لا تنتهي، واهتمامهم بتفسيرها لا يتوقف. وبخاصة النساء اللاتي تشغل الأحلام والرؤى من حياتهن وتفكيرهن حيزا غير ضئيل.
    خامسا: الاعتدال بين المتحللين والمتزمتين:
    ومن خصائص المنهج الذي سرت عليه: التزام روح التوسط دائما، والاعتدال بين التفريط والإفراط. بين الذين يريدون أن يتحللوا من عرى الأحكام الثابتة بدعوى مسايرة التطور من المتعبدين بكل جديد، الذين يريدون أن يظل كل ما كان على ما كان من الفتاوى والأقاويل والاعتبارات، تقديسا منهم لكل قديم.
    عبيد التطور:
    أما الأولون فهم لا يريدون أن يبقى شيء على حاله، ولا يستمر وضع كما كان وأن يغيروا كل شيء، بحجة أن العالم يتطور، والحياة تتغير، وهم الذين سخر منهم بعض الأدباء بأنهم يريدون أن يغيروا الدين واللغة والشمس والقمر!
    الربا كان حراما في الزمن الماضي لأن آخذ الربا -المرابي- كان هو القوي الغني، ومعطي الربا كان هو الضعيف المحتاج.
    أما الآن، فآخذ الربا هو العامل أو الموظف الضعيف الذي يدخر من دخله دراهم معدودة يودعها في البنك، ليأخذ عليها فائدة محددة، والبنك الذي يعطيه الفائدة هو الغني القوي، الذي يربح من وراء إيداع الكثير.
    وإذن يقضي التطور بتبديل الحكم في الربا الذي اعتبره القرآن والسنة من أكبر الكبائر، وأعظم الموبقات، وآذن القرآن فاعله بحرب من الله ورسوله!!.
    وهذا أمر لا يسيغه عقل، ولا يسمح به نقل: أن ينتقل فعل تكليفي ما من دائرة المحرمات المنصوصة، بل الكبائر المعلومة، إلى دائرة المباحات المشروعة.
    أما المقدمات التي استند إليها هؤلاء التطوريون فغير مسلمة، وقائمة على المغالطات فمن أين لهم أن علة تحريم الربا تنحصر فيما ذكروه وصوروه؟.
    إن تحريم الربا له أكثر من وجه، وأكثر من علة. بعضها اقتصادي، وبعضها اجتماعي، وبعضها سياسي، وبعضها أخلاقي، وقد شرح ذلك أهل الاختصاص في كتب ورسائل وبحوث شتى، ينبغي لكل معني بالموضوع الرجوع إليها.
    وتصوير آخذ الربا من البنك بأنه الضعيف المستفيد، ليس تصويرا صحيحا على إطلاقه.
    فكم من أصحاب ملايين، يودعون في البنوك أموالهم لعدة سنين، فيأخذون فوائد أكبر، لأن المبالغ كلما كبرت، ومدة الإيداع كلما طالت، كانت الفائدة أكثر.
    أما الضعيف المحتاج، فلا يودع -إن أودع- إلا مبالغ تافهة، وفائدته عليها أقل، واستفادة البنك منه أكبر. وهو لا يأخذ من البنك المستغل إلا الفتات من الربح العريض..
    فتصوير هذا بأنه هو المستفيد تصوير غير عادل.
    ومن العجيب أن من المشتغلين بالفتوى من يتولى تبرير الفوائد باسم الفقه، في حين يرد عليهم فتاويهم أساتذة "مدنيون" باسم علم الاقتصاد الحديث، ومنطقه ذاته.
    لقد ذكرت هذا المثال نموذجا لما يفتى به المتعبدون لصنم التطور، والذين يزعمون لأنفسهم الاجتهاد ليغيروا أحكام الله القطعية.
    ومن المقرر المعلوم أن القطعي لا يحل الاجتهاد فيه: وإنما الاجتهاد في الظنيات.
    ومما يحسن تسجيله هنا من مظاهر العبودية لما يسمونه "التطور" ما ذكره رئيس عربي في خطاب عام له عن المساواة بين الرجل والمرأة قال فيه:
    "أريد أن ألفت نظركم إلى نقص سأبذل كل ما في وسعي لتداركه، قبل أن تصل مهمتي إلى نهايتها. وأريد أن أشير بهذا إلى موضوع المساواة بين الرجل والمرأة، وهي مساواة متوفرة في المدرسة وفي العمل وفي النشاط الفلاحي، وحتى في الشرطة ولكنها لم تتوفر في الإرث، حيث بقي للذكر مثل حظ الأنثيين. إن هذا المبدأ يجد ما يبرره عندما يكون الرجل قواما على المرأة. وقد كانت المرأة بالفعل في مستوى اجتماعي لا يسمح بإقرار المساواة بينها وبين الرجل. فقد كانت البنت تدفن حية، وتعامل باحتقار، وهاهي اليوم تقتحم ميدان العمل، وقد تضطلع بشئون أشقائها الأصغر منها سنا. فهلا يكون من المنطق أن نتوخى طريق الاجتهاد في تحليلنا لهذه المسألة وأن ننظر في إمكان تطوير الأحكام الشرعية بحسب ما يقتضيه تطور المجتمع؟
    وقد سبق لنا أن حجرنا تعدد الزوجات بالاجتهاد في مفهوم الآية الكريمة، وباعتبار أن الإسلام يجيز للإمام تعطيل العمل المباح إذا دعت إلى ذلك مصلحة الأمة. ومن حق الحكام بوصفهم أمراء المؤمنين أن يطوروا الأحكام بحسب تطور الشعب، وتطور مفهوم العدل، ونمط الحياة"!!.
    المتزمتون في الفتوى:
    وفي مقابل هؤلاء "العصريين" أو "التقدميين" الذين يريدون أن يحللوا كل شيء بحجة "التطور" وتغير الزمان، ومرونة الشريعة الخ… نجد آخرين يريدون أن يحرموا على الناس كل شيء. فأقرب شيء إلى ألسنتهم وأقلامهم إطلاق كلمة "حرام" دون مراعاة لخطورة الكلمة، ودون تقديم الأدلة الشافية من نصوص الشرع وقواعده سندا للتحريم.
    فعمل المرأة حرام، والغناء حرام، والموسيقى حرام، والتمثيل حرام،والتلفزيون حرام، والسينما حرام، والتصوير كله حرام، والشركات المساهمة حرام، والجمعيات التعاونية حرام!
    والحياة كلها اليوم حرام في حرام.
    هذا مع تحذير القرآن والسنة والسلف الصالح من إطلاق كلمة "الحرام" إلا ما علم تحريمه جزما من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.
    يقول الله تعالى: (قل أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حراما وحلالا، قل: آلله أذن لكم أم على الله تفترون؟)
    ويقول: (ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب: هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب، إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون).
    قال الإمام ابن القيم:
    "لا يجوز للمفتي أن يشهد على الله ورسوله بأنه أحل كذا أو حرمه أو أوجبه أو كرهه إلا مما يعلم أن الأمر فيه كذلك، مما نص الله ورسوله على إباحته أو تحريمه أو إيجابه أو كراهته.
    وأما ما وجده في كتابه الذي تلقاه عمن قلده دينه، فليس له أن يشهد على الله ورسوله به، ويقر الناس بذلك، ولا علم له بحكم الله ورسوله.
    قال غير واحد من السلف: ليحذر أحدكم أن يقول: أحل الله كذا، أو حرم الله كذا، فيقول الله له: كذبت. لم أحل كذا، ولم أحرمه.
    وثبت في صحيح مسلم من حديث بريدة بن الحصيب: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (وإذا حاصرت حصنا فسألوك أن تنزلهم على حكم الله ورسوله، فلا تنزلهم على حكم الله ورسوله، فإنك لا تدري أتصيب حكم الله فيهم أم لا؟ ولكن أنزلهم على حكمك وحكم أصحابك).
    وقال الإمام مالك:
    لم يكن من أمر الناس، ولا من مضى من سلفنا الذين يقتدى بهم، ويعول الإسلام عليهم، أن يقولوا: هذا حلال، وهذا حرام. ولكن يقول: أنا أكره كذا، وأحب كذا. وأما حلال وحرام فهذا الافتراء على الله أما سمعت قول الله تعالى: (قل أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق..) الآية لأن الحلال ما أحله الله ورسوله، والحرام ما حرمه الله ورسوله.
    سادسا: إعطاء الفتوى حقها من الشرح والإيضاح:
    إنني لا أرضى أبدا طريقة بعض العلماء قديما وحديثا في جواب السائلين: بأن هذا يجوز وهذا لا يجوز… وهذا حلال وهذا حرام… أو حق وباطل، طلبا للاختصار، وعدولا عن الإطالة، ليفرق بين الفتيا والتصنيف. وإلا لصار المفتي مدرسا.
    حتى ذكر ابن حمدان في كتابه: "صفة الفتوى والمفتي والمستفتي" أن بعض الفقهاء قيل له: أيجوز كذا. فكتب: لا!
    وهذا إن جاز مع بعض الأشخاص، وفي بعض الأحوال، لا يجوز أن يكون قاعدة فيما يذاع على جمهور الناس، أو يكتب في صحيفة أو مجلة أو كتاب، يقرؤه الخاصة والعامة.
    والحق أني أعتبر نفسي عند إجابة السائلين مفتيا، ومعلما، ومصلحا، وطبيبا ومرشدا.
    وهذا يقتضي أن أبسط بعض الإجابات وأوسعها شرحا وتحليلا، حتى يتعلم الجاهل، ويتنبه الغافل، ويقتنع المتشكك، ويثبت المتردد، وينهزم المكابر، ويزداد العالم علما، والمؤمن إيمانا.
    ولا بأس أن أسجل أهم الخطوات التي كنت أتبعها في الشرح والبيان. وقد أشرت إلى بعضها فيما سبق.
    ( أ ) أن الفتوى لا معنى لها إذا لم يذكر معها دليلها، بل جمال الفتوى وروحها الدليل كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية. وقد يحوج الأمر إلى مناقشة أدلة المخالفين عند اللزوم في المسائل الهامة ليسلم ذهن السائل من تشويش المعارضات.
    (ب) ثم إن ذكر الحكمة والعلة أمر لا يستغنى عنه، وخصوصا في عصرنا، كما بينا ذلك من قبل. وإلقاء الفتوى ساذجة مجردة من حكمة التشريع، وسر التحليل والتحريم يجعلها جافة، غير مستساغة لدى كثير من العقول، بخلاف ما إذا عرفت سرها وعلة حكمها، وقد قيل: إذا عرف السبب بطل العجب.
    (جـ) ومما نجده نافعا في أحوال كثيرة: المقارنة أو الموازنة بين موقف الإسلام في القضية المسئول عنها، وموقف غيره من الأديان أو المذاهب والفلسفات، فقديما قال الشاعر:والضد يظهر حسنه الضد
    وقال آخر: وبضدها تتميز الأشياء
    والذي أؤكده وأنا منشرح الصدر، مطمئن القلب: أن الذي يدرس الإسلام دراسة عميقة، ثم يدرس غيره من الأديان السماوية المنسوخة، أو الفلسفات الأرضية الممسوخة، يتبين له أن الإسلام لا يمكن إلا أن يكون منهج الله الخالد، ونظامه الكامل، فلا وجه للمقارنة بينه وبين مناهج البشر وأنظمتهم، التي ينضح عليها قصورهم وأهواؤهم ونزعاتهم ونقصهم الذاتي.
    وأين ما يصنع الإنسان مما يخلق الله؟
    إذا قيل: هذا السيف أمضى من العصا! ألم تر أن السيف يزري بقدره
    (د) ومن خطتي كذلك: التمهيد للحكم المستغرب بما يجعله مقبولا لدى السائلين وقد ذكر ابن القيم أن الحكم إذا كان مما لم تألفه النفوس، وإنما ألفت خلافه، فينبغي للمفتي أن يوطئ قبله ما يكون مؤذنا به، كالدليل عليه، والمقدمة بين يديه.
    وهذه هي سنة الله تعالى في كتابه العزيز. ولهذا نقرأ فيه قصة مريم في سورة آل عمران، وكيف كان رزقها يأتيها في غير وقته، وغير إبانه. حتى عجب زكريا وقال: (يا مريم أنى لك هذا؟ قالت: هو من عند الله، إن الله يرزق من يشاء بغير حساب). وكان هذا تمهيدا لقصة زكريا وزوجه، وكيف رزقهما الله يحيى، وهو شيخ كبير وامرأته عاقر.
    كان رزق مريم الذي جاء في غير إبانه محركا لنفس زكريا، ليدعو الله بطلب الولد، وإن كان في غير إبانه.
    وكانت قصة زكريا أيضا مقدمة بين يدي قصة المسيح وولادته من غير أب، فإن النفوس لما أنست بولد من شيخين كبيرين لا يولد لمثلهما عادة، سهل عليها التصديق بولادة ولد من غير أب.
    هذا مع أن الله تعالى أن يخلق ما يشاء، ويفعل ما يشاء. ولكنه تعالى رحيم ودود، يأخذ عباده بالرفق، ويهديهم للتي هي أقوم، بالتي هي أحسن.
    (هـ) ومن الفتاوى ما يحرم على المستفتي أمرا كان يظن إباحته، أو يريدها ويتمناها لحاجة إليه، أو تعلقه به، فينبغي هنا أن يدل على البديل الحلال، مادمنا قد سددنا في وجهه طريق الحرام. وما من شيء حرمه الله إلا وفيما أحله ما يغني عنه.
    فمن سألنا عن إيداع المال في المصارف (البنوك) بالفوائد الربوية منعناه منها حتى لا يأذن بحرب من الله ورسوله، ودللنا على المضاربة المشروعة، وهي أن يشترك اثنان أو جماعة في تجارة أو صناعة، بعضهم بالمال، وبعضهم بالخبرة والجهد، ويتقاسمون الربح أو الخسارة على حسب ما يتفقون.
    ومن سأل عن الاستخارة بفتح الكتاب، أو الخط على الرمل، أو نحو ذلك، بينا له حرمته، ودللناه على الاستخارة الشرعية، وهي صلاة ركعتين، يعقبها بالدعاء المأثور المعروف.
    ومن سأل عن صيام يوم الجمعة بينا له كراهة إفراده، ودللناه على استحباب صوم يومي الاثنين والخميس، أو الثلاثة الأيام البيض من كل شهر.
    ومن سأل عن صرف الزكاة في بناء مسجد في بلاد عامرة بالمساجد، بينا له الحكم ودللناه على مصارف أهم منه للأمة مثل: نشر الدعوة الإسلامية، والوعي الإسلامي ومقاومة المخططات الصليبية واليهودية والشيوعية لطرد الإسلام من الحياة.
    فهذا هو مصرف (في سبيل الله) في عصرنا كما بينت ذلك في كتابي "فقه الزكاة".
    وهكذا حين نحرم شيئا أو نمنع من شيء، ندل على بديل مثله أو خير منه.
    وما حرم الله شيئا يضطر الناس إليه، أو يحتاجون إليه حاجة حقيقية، بل لو اضطروا إلى الحرام لعاد حلالا، فإنما أحل الله الطيبات وحرم الخبائث.
    ولهذا لا يوجد حرام ممنوع، إلا وله في الواقع بديل مباح بيقين.
    وهذا ما ينبغي للمفتي أن يرشد إليه، ويدل عليه. فذلك من فقهه ونصحه قال العلامة ابن القيم:
    "وهذا لا يأتي إلا من عالم ناصح مشفق، قد تاجر الله، وعامله بعلمه، فمثاله في العلماء مثال الطبيب العالم الناصح في الأطباء، يحمي العليل عما يضره، ويصف له ما ينفعه. فهذا شأن أطباء الأديان والأبدان".
    وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (ما بعث الله من نبي إلا كان حقا عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم، وينهاهم عن شر ما يعلمه لهم).
    وهذا شأن خلفاء الرسل وورثتهم من بعدهم. وكان شيخ الإسلام يتحرى ذلك في فتاويه مهما أمكنه. ومن تأمل فتاويه وجد ذلك ظاهرا فيها.
    وقد منع النبي صلى الله عليه وسلم بلالا أن يشتري صاعا من التمر الجيد، بصاعين من الرديء سدا للذريعة إلى الربا، في أي صورة من صوره -ثم أمره أن يبيع الرديء الذي عنده بالدراهم، ثم يشتري بالدراهم الجيد الذي يريده. فمنعه من المحظور، وأرشده إلى المباح.
    (و) ومما يحتاج إليه المفتي كثيرا ربط الحكم المسئول عنه بغيره من أحكام الإسلام، حتى تتضح عدالته، وتتبين روعته، فإن أخذ الحكم منفصلا عن غيره قد لا يعطي الصورة المضيئة لعدل الإسلام، ومحاسن شرعه.
    أذكر من أمثلة ذلك: إعطاء البنت نصف نصيب أخيها الذكر من ميراث أبيها. فمن أخذ هذا الحكم وحده، ربما يظن في ذلك إجحافا بالبنت لأول وهلة. ولكن إذا نظر نظرة شاملة للأعباء العائلية، والالتزامات المالية المنوطة بكل من الابن والبنت، رأي في هذا التشرع العدل كل العدل، لأن العدل ليس هو المساواة دائما، بل هو التكافؤ بين الحقوق والواجبات.
    إن على الابن إذا أراد أن يتزوج، أن يدفع مهرا لمن يتزوجها، وعليه أن يقوم بنفقتها كلها، وإن كانت ذات مال وثروة. أما البنت فحين تتزوج تأخذ ولا تدفع، وتعيش في كفاية تامة من مال زوجها.
    وبهذا نجد ميراث الابن يتناقض بحكم أعبائه، وميراث البنت يبقى سالما. إن لم يزد. وبكلمة أخصر: الابن المطلوب منه أن ينفق على امرأة معه، فضلا عن الأولاد. أما البنت فليس مطلوبا منها أن تنفق على أحد. ولو افترضنا أن لا عائل لها، فهي تنفق على نفسها فقط.
    وبهذا لا يكون صنف النساء مظلوما، لأن النسبة التي نقصت من حظ الأنثى، أنفقت على أنثى مثلها، هي امرأة أخيها. وهذا هو عدل الله.
    ومثل ذلك: قطع يد السارق. فربما نظر ناظر إلى هذه العقوبة مجردة، فاعتبرها جد قاسية. ولكن إذا علم أن الإسلام يضمن لأبنائه العيش الكريم، والكفاية التامة أولا، لهذا فرض التكافل الاجتماعي من الزكاة وغيرها من موارد بيت المال.. وعلم أن العلم في الإسلام فريضة، وحسن التربية واجب، وأن السارق لا تقطع يده إلا بشروط وقيود كثيرة منها: أن تنتفي كل شبهة في ثبوت الجريمة، وإلا فإن الحدود تدرأ بالشبهات. ومن الشبهات أن يسرق في أيام المجاعة، أو يسرق بدافع الحاجة، أو يسرق من مال له فيه شبهة ملك. أو غير ذلك مما يدرأ عنه العقوبة.
    على أن الشفاعة في الحدود ممكنة ما لم تصل إلى القضاء، ودرؤها ممكن ولو بعد الوصول إلى القضاء، إذا بدت على السارق دلائل التوبة..
    ومهما يكن في هذه العقوبة من شدة، فإن أشد منها ترويع السارق لأمن المجتمع كله، وقسوته على ضحاياه إلى حد قتل البرآء في عقر دارهم..
    من نظر هذه النظرة الشاملة آمن بأن شرع الله هو الدواء الناجع والعقاب العادل (نكالا من الله. والله عزيز حكيم)
    (ز) وقد يحتاج المفتي في بعض الأحيان إلى ترك الإجابة عن سؤال السائل، لعدم أهميته.. مثل سؤال بعضهم عن القرآن: أهو مخلوق أم غير مخلوق؟.
    فهذا سؤال لا وزن له في هذا العصر، ولا حاجة إلى إثارته، وقد مضى زمن أصاب المسلمين من ورائه شر مستطير، ومحنة عظيمة أوذي فيها علماء المسلمين وخيارهم وعلى رأسهم إمام السنة أحمد بن حنبل رضي الله عنه.
    فإحياء هذه المشكلة التاريخية لا معنى له، ولا جدوى منه، إلا إهدار الطاقات الفكرية للأمة في جدل بيزنطي كما يقولون.
    فكان الأولى بالسائل عن هذا أن يسأل عن وجه إعجاز القرآن -مثلا- ليقنع غير المسلمين بأنه من عند الله، وأنه تنزيل من حكيم حميد.
    أو يسأل عن بعض قصص القرآن، ليأخذ منها العظة، ويلتمس العبرة والذكرى له، ولكل من كان له قلب، أو ألقى السمع وهو شهيد.
    أو يسأل عن شيء من أحكام القرآن وتشريعه، ليرى فيه عدل الله بين عباده، ورحمته في خلقه (ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون).
    ومثل ذلك من يسأل عن آيات الصفات مثل (على العرش استوى) وأحاديث الصفات، (ينزل ربنا كل ليلة …) ويريد أن يسعر حربا بين دعاة السلفية، وأتباع الأشاعرة والماتريدية.
    فمع أني أؤمن بمذهب السلف، وأراه أسلم وأعلم وأحكم، لا أحب أن أفتت الجبهة الإسلامية الداخلية حول خلافات جزئية، وهي تحارب أعداء كثرا مدججين بكل سلاح، من يهود ماكرين، وصليبيين حاقدين، وشيوعيين ملحدين، ومستعمرين طامعين، ومرتدين مارقين.
    فالواجب أن نقف -نحن المسلمين كافة- صفا واحدا، في مواجهة هؤلاء، الذين يختلفون في أمور كثيرة، ويتفقون علينا نحن أمة الإسلام.
    وليس من الدين، ولا من السياسة، ولا من العقل، أن ننقل المعركة من ميدانها الحقيقي في مواجهة هؤلاء الأقوياء الشرسين ليواجه بعضنا بعضا.
    إن كل المعارك الجانبية، والخلافات الجزئية، والصراعات الداخلية، يجب أن تنتهي اليوم إن كنا نعقل أمر ديننا، وندرك مصلحة دنيانا. وأن نكون كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضا.
    ومهما يكن بيننا من نقاط خلاف، فعندنا أكثر منها نقاط التقاء واتفاق. ويمكننا كما قال العلامة المجدد السيد رشيد رضا في قاعدته الذهبية -أن نتعاون فيما اتفقنا عليه، ويعذر بعضنا بعضا فيما اختلفنا فيه.
    وهذا لا يمنع من البحث النزيه، والتحقيق العلمي الأصيل في مواطن الخلاف ولكن ليس مجال ذلك برامج إذاعية أو تلفزيونية، الشأن فيها أن نخاطب جمهور الناس، إنما مجال ذلك الكتب المتعمقة، والمجلات المتخصصة وأمثالها، مع التزام النهج العلمي الموضوعي، ورعاية أدب الحوار، أو أدب البحث والمناظرة، كما يعبر علماؤنا القدامى.
    ومما يقتضيه البيان أحيانا: الاستطراد إلى أشياء تكمل موضوع السؤال، أو ترتبط به ارتباط تشابه أو تضاد، أو غير ذلك مما يمكن أن يحتاج إليه السائل، وإن لم يسأل عنه.
    فقد يسأل سائل عن الصلوات المحدثة في ليلة النصف من شعبان، فيجاب عنها ثم ينتقل الحديث إلى صلاة محدثة أخرى هي "صلاة الرغائب" في أول رجب، فإن الشيء بالشيء يذكر.
    وقد يسأل آخر عن سنة الصبح القبلية، فأجيبه ببيان السنن الراتبة مع الصلوات الخمس جميعا، تتميما للفائدة، وقد يتطرق الأمر إلى الوتر. وهكذا.
    وقد يستفتي ثالث في صلاة الركعتين قبل الجمعة وما تكييفهما؟ فقد أبين له: أنهما ليستا سنة قبلية، وإنما هما تحية للمسجد، يصليها الداخل، ولو كان الخطيب على المنبر، كما ثبت في الصحيح في قصة سليك الغطفاني. وقد استطرد من هذا إلى سنة الجمعة البعدية وقد ثبتت بالحديث الصحيح.
    وربما أدى هذا إلى نقلة أخرى هي التحذير مما يفعله بعض الناس، من التزام صلاة الظهر بعد كل جمعة، بناء على الشك في عدم صحة الجمعة.
    وهذا كله يقتضيه المقام، وذكره مما يفيد، وإن عاب ذلك بعض الناس، قال ابن القيم: "من عاب ذلك فلقلة علمه، وضيق عطنه، وضعف نصحه".
    وقد سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن الوضوء بماء البحر، فقال لهم: (هو الطهور ماؤه، الحل ميتته).
    فأجابهم عما سألوه عنه، ببيان طهارة ماء البحر، ثم زادهم فائدة أخرى لم يسألوا عنها، وهي حل ميتته، نصحا لهم، وبرا بهم.
    ملاحظات هامة:
    وقد تبين لي جملة ملاحظات من خلال ممارستي للفتوى في الإذاعة والتلفزيون سنين عديدة، تلقيت فيها ألوفا مؤلفة من الرسائل، من بلاد شتى، ومن أصناف شتى، شباب وشيوخ، ورجال ونساء، وخاصة وعامة.
    دور الدين في الحياة:
    أولى هذه الملاحظات: أن الدين في مجتمعاتنا لا يزال له دور الصدارة في التوجيه والتأثير، وأن كلمته لا تعدلها كلمة في قوتها، وأنه ليس شيئا ثانويا أو على هامش حياة الناس. بل هو المحور الأساسي، والمقوم الأول لحياتهم.
    يدل لذلك هذا السيل المتدفق من الرسائل التي تستفسر عن أمور شتى في كل جوانب الحياة.
    يسألون عن العقائد والغيبيات، عن العبادات والقربات، عن المعاملات والعلاقات، عن الأمور الشخصية، والشئون الأسرية، والصلات الاجتماعية، والعلاقات الدولية.
    أسئلة شتى من هنا وهناك، يريد أصحابها أن يطمئنوا على سلوكهم، ويجتنبوا سخط ربهم.
    ولو كان الدين دبر آذانهم، أو بعيدا عن اهتمامهم، ما بلغت الرسائل هذا الحد من الكثرة والتنوع. فضلا عن الاتصالات الهاتفية، والمقابلات الشخصية.
    وهذا يضع أيدينا على جملة حقائق.
    الأولى: أن العلمانيين الذين يريدون أن يفرغوا مجتمعاتنا من الدين، أو يحكموا الأمة بغير شريعة الله -من الحكام وأعوانهم، ورجال الأحزاب اللادينية- إنما يثنون عنان شعوبهم قسرا، ويحكمونها كرها وقهرا، ويقودونها رغم أنوفها إلى ما لا تريد ولا تحب.
    وهذا ليس في صالح هذه الشعوب التي تشعر بالتناقض بين عقيدتها ونظامها، وبين ضميرها وواقعها.
    الثانية: أن الدعاة إلى تطبيق الإسلام، عقيدة وشريعة، وعبادة وقيادة، وبعث أمة لتقوم بدورها التاريخي في هداية البشرية، لا ينبغي لهم أن يجزعوا من يومهم، أو ييئسوا من غدهم، ويفقدوا الأمل في شعوبهم فإن "أرضية" هذه الشعوب هي الإسلام، و "خامة" أفرادها هي الإيمان. ومهما تراكم على هذه الخامة الأصيلة من صدأ الغفلة، أو غبار التقليد، فنحن نستطيع بحكها وصقلها أن نجلوها، ونردها إلى أصالتها صافية مشرقة.
    ولا شك أن ذلك يحتاج إلى جهد وجهاد.
    الثالثة: إن الاتجاه المتطرف، الذي تبناه نفر من غلاة المتدينين المتحمسين -وجمهرتهم من الشباب المخلص حقا- وأعني به الاتجاه إلى تكفير جماهير الناس، واعتبارهم مارقين من الدين، مرتدين عنه، أو لم يدخلوا فيه أصلا -هذا الاتجاه خاطئ جزما، لأن هذه الجماهير لا زالت مؤمنة بربها وقرآنها ورسولها، ولا زالت تسأل عن أمور دينها، محاولة أن تستغني بالحلال عن الحرام، وبالطاعة عن المعصية.
    وما شاب عقيدتها ومفاهيمها وسلوكها من شوائب -نتيجة الجهل والتجهيل والغزو الثقافي- لا يخرجها عن الملة، ولا يبعدها عن أهل القبلة.
    لا ريب أن فيها العاصي الظالم لنفسه. ولكن فيها المقتصد والسابق بالخيرات بإذن الله.
    المرأة والدين:
    والملاحظة الثانية: أن المرأة -في الجملة- أكثر اهتماما بدينها من الرجل. ويبدو أن ما حباها الله وخصها به من مشاعر الحنان والرحمة والرقة، جعلها أقرب إلى الفطرة الدينية من الرجل.
    ولا عجب أن كانت رسائل السيدات والفتيات أكثر وأغزر من رسائل الرجال والفتيان، وحرصهن على التدين أكبر، وخوفهن من سوء الحساب أقوى.
    وهذا ما يجعلنا نؤمن بأن الغزو الحضاري الغربي، الفكري والاجتماعي، الذي استطاع أن يهزم المرأة المسلمة في عقر دارها، ويجعلها تتحلل من لباسها الشرعي، وتقاليدها الموروثة، لم ينتصر نصرا نهائيا، ولم يفقد المرأة المسلمة عاطفتها الدينية، ولا عقيدتها الإسلامية.
    ولا زال في مقدرة الإسلام أن يكسب المعركة في النهاية، ببعض الجهد والتخطيط والتعاون من دعاته والغيورين عليه.
    ولا زلنا نرى كثيرا من المتبرجات يعدن باختيارهن إلى حظيرة الاحتشام والالتزام بآداب الإسلام، برغم الجهود الجبارة المبذولة من كل القوى المعادية للإسلام في الداخل والخارج. حتى طالبات الجامعات -في بلاد القاهرة والإسكندرية ودمشق وحلب- ترى منهن العشرات والمئات، قد رجعن إلى دينهن، وتمردن على الأفكار والتقاليد الدخيلة.
    وأصبح لبس الخمار، والثياب السابغة، أمرا مألوفا مأنوسا، في قاعات الكليات الجامعية وساحاتها، بعد أن مرت أيام كان فيها مثل هذا المنظر هو الشذوذ كل الشذوذ.
    وليس هذا بغريب، فكثير من السيدات والآنسات -اللائى يلبسن الملابس الغربية العصرية بما فيها من خروج على آداب الشرع -جد حريصات على الصلاة والصيام، والحج والعمرة، والقيام بسائر أركان الإسلام.
    ومعنى هذا، أن بذور الدين في صدورهن لم تمت، وأن شيئا من التعهد والرعاية لها، خليق بأن يجعلها تنبت وتترعرع، ثم تزهر وتثمر، وتؤتي أكلها عن قريب بإذن ربها. وتتحرر من "الفصام" المشؤوم في حياتها.

    عالم الدين وجمهور الشعب:
    والملاحظة الأخيرة: أن المفتي -أو العالم الديني- في استطاعته أن ينجح نجاحا بالغا، إذا أحسن فهم الإسلام، وأحسن عرضه وإفهامه للجمهور، وعامل الناس بروح الأبوة والأخوة والمحبة، لا بروح الاستعلاء والاتهام.
    يجب أن يشعر الجمهور تجاه العالم أنه أب لصغيرهم، وأخ لكبيرهم، وصديق لجميعهم، وأنه ليس "شرطيا" يريد أن يضبطهم متلبسين، ولا "ممثل اتهام" يطلب لهم أقصى العقوبة. بل هو محام يدافع عنهم، وإن كان في بعض الأحيان قاضيا يحكم بالعدل لهم أو عليهم.
    يجب أن يكون الفقيه المفتي مع سائليه كالطبيب النفسي مع مرضاه. لابد أن يثقوا به، ويستريحوا إليه، ويفضوا إليه بذات أنفسهم، ومكنون ما في صدورهم.
    وأحمد الله أن كانت هذه الروح هي جوهر الصلة بيني وبين جمهوري من المستمعين والمشاهدين.
    لقد فتحت لهم قلبي وأذني، ومكتبي وبيتي. أصغي إليهم، وأستمع إلى مشكلاتهم وآهاتهم لمدد قد تطول، برغم أن واجباتي أكثر من أوقاتي.
    ولكنني كنت أشعر أن بعض الناس يريد أن يتحدث وينفس عما في صدره، فيستريح من عبء ثقيل يحمله وحده. فأدع له الفرصة ليريح نفسه، وإن كان ذلك يزيد من همومي وآلامي، كلما تعرفت على آلام الناس وما أكثرها.
    ولقد كاشفني الكثيرون والكثيرات في رسائلهم إلي أو في اتصالاتهم الهاتفية بي، أو في زياراتهم لي، بأخص أسرارهم الشخصية والعائلية، ائتمنوني على أغلى ما يحتفظون به لأنفسهم.
    وهذه ثقة لا تقدر بثمن، ونعمة لا تقابل إلا بالشكر.
    كما أن هذا أطلعني على كثير من المآسي التي لا تتحدث بها الألسن، وكثير من المفاسد التي لا تراها الأعين، وإن كانت تنخر في عظام المجتمع، وكيانه المعنوي.
    وكانت كلمة الدين هي البلسم الشافي، أو على الأقل المرهم الملطف لجراح الكثيرين من هؤلاء.
    الفقير إلى ربه
    يوسف القرضاوي
     
  4.   مشاركة رقم : 3    ‏2003-08-04
  5. مُجَاهِد

    مُجَاهِد قلم ماسي

    التسجيل :
    ‏2003-05-11
    المشاركات:
    14,043
    الإعجاب :
    0
    رااااااااائع منكم..
     
  6.   مشاركة رقم : 4    ‏2003-08-07
  7. أبوحسن الشّافعي

    أبوحسن الشّافعي عضو نشيط

    التسجيل :
    ‏2002-12-07
    المشاركات:
    344
    الإعجاب :
    0
    أوّلاً:أعتذر عن هذا التأخير..لمشاغل خارجة عن إرادتي.
    ثانياً:القصّة التي ذكرتها أعلاه هي في سير أعلام النبلاء(13/465).
    بارك الله في أخينا الشاحذي لخلقه وأدبه.
    ولا عليك يا أخي أن تدافع عن الشيخ مادمت ترى صحّة موقفك,وإنّما يلام الفرد منّا على إفراطه أو تفريطه.
    ولا عليك من أولئك الذين جاروا وظلموا,فليس الشيخ أوّل ضحاياهم ولا آخرها!!
    وهاهم اليوم يأكل بعضهم بعضاً ....وشيوخ الأمس صاروا مبتدعة اليوم!!
    وأنت تعلم الكثير من التفاصيل....هدانا الله وإيّاهم .
    أخي الكريم:
    لقد طالعت الكثير من مؤلّفات الشيخ ومقالاته التي تشرح مذهبه في الفتوى
    لاهتمامي بالموضوع ووقوفاً على حقيقة كلام الشيخ من كلماته هو.
    والرسالة التي أوردتها قد لا تشرح مذهبه بتوسّع,كما هو موجود في بعض مؤلّفاته,ومقالاته المنشورة.
    واسمح لي أن أقول أنّ الشيخ-حفظه الله-خالف بعض كلامه الوارد هنا,فذكره للدليل واعتماده له خالفه الشيخ في بعض فتاواه,بل وصرّح بذلك للأسف الشديد
    وما عليك سوى الرجوع إلى الرابط الذي وضعته أعلاه لتجد تفاصيل ذلك.
    وأنبّه على قول للشيخ هنا ما أحببت أن يصدر من مثله وهو قوله:

    واسمح لي ياأخي أن أقول أنّ قولة الشيخ هذه وإن لم يقصد بها الهزء بالفقه,إلاّ أنّها استغلّت من قبل دعاة الفوضى لمقصد خبيث.
    والشيخ-رعاه الله-يعلم أنّ الفقهاء لا يعلّمون المبتدئين أمثال هذه الألغاز,بل يقصدون بها التسهيل وجمع المسائل.
    والتسهيل يا أخي والإفتاء به,لا بد أن يقوم دليل شرعي معتبر عليه,لكن الشيخ اتّخذ التسهيل منهجاً ينهجه في غالب فتاواه.
    وإليك بعض أقوال الأئمّة في الموضوع:
    -قال الإمام ابن عبدالبر في (جامع بيان العلم وفضله)(2/112) بعد أن روى قول سليمان التيمي((لو أخذت برخصة كل عالم اجتمع فيك الشر كله)) ما نصّه:
    (هذا إجماع لا أعلم فيه خلافاً).
    -قال الإمام النووي في( المجموع)(1/46):
    (يحرم التساهل في الفتوى ,ومن عرف به حرم استفتاؤه).
    -قال الإمام الشاطبي في الموافقات (4/134):
    (.....فإنّه يفضي إلى تتبّع رخص المذاهب من غير استناد إلى دليل شرعي,وقد حكى ابن حزم الإجماع على أنّ ذلك فسق لا يحل).
    كما أحيلك إلى كلام الإمام الشاطبي رحمه الله في الموافقات ,حول تغير الفتوى بتغير الزمان والمكان في الموافقات (2/283 وما بعد),وهو كلام مهم في غاية العمق كعادة الإمام الشاطبي رحمه الله.
    إنّ فتاوى الشيخ إذا خرجت على منهج يرضاه لنفسه,منهج متكامل قائم على الدليل والحجة,لن تكون لها أمثال هذه الاستنكارات التي تسمعها ضد الشيخ,لكن الشيخ -بارك الله فيه-يتّخذ التسهيل والتيسير منهجاً,وفي هذا إهمال لمنهج فهم النصوص,وحاجة الأمّة اليوم إلى المنهج المضبوط يعيد قيمة العلم والعلماء في أوساطها,خير من فتاوى تحدث الشقاق وتزرع الاستهانة بالمنهج العلمي المتكامل.
    وللحديث بقيّة...
    وغفر الله لنا ما كنّا أخطأناه في حق الشيخ الجليل,وألهمه مسامحتنا,ويعلم الله أنّ رضاه سبحانه مقصدنا.
    وبارك الله في أخينا الحبيب الشاحذي.
     
  8.   مشاركة رقم : 5    ‏2003-08-08
  9. الشاحذي

    الشاحذي مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2003-04-16
    المشاركات:
    18,231
    الإعجاب :
    9
    [ALIGN=JUSTIFY]الحمد لله وكفى , وصلاة وسلاماً على عباده الذين اصطفى , وبعد :-
    أخي الفاضل : الشافعي :

    حقيقة لقد قرأت ما كتبته في الرابط الذي أعطيتني إياه في حينه ولكني آثرت على نفسي وإياك أن نستمع إلى الشيخ قبل الخوض في أي شيء آخر .

    أولاً : أريد أن أتأكد إن كانت الرسالة التي أشرت إليها والتي تم تداولها بين طلاب العلم على إثر المؤتمر الإسلامي هي هذه التي سأنقلها لك :

    الدكتور محمود الطحان على مؤتمر رابطة علماء الشريعة في أمريكا برئاسة الشيخ القرضاوي

    للمسلمين في أمريكا الشمالية خاصة وللمسلمين في أقطار الأرض عامة
    د. الطحان: شراء البيوت عن طريق البنوك هو الربا بعينه
    المؤتمر الفقهي الأول لرابطة علماء الشريعة تجاهلنا

    جاءتنا الرسالة المرفقة من الأستاذ الدكتور محمود الطحان تعليقاً على مقررات المؤتمر الفقهي الأول لرابطة علماء الشريعة الذي عُقد في شهر نوفمبر الماضي في مدينة ديترويت.

    الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد: فإشارة إلى المؤتمر الفقهي الأول لرابطة علماء الشريعة في أمريكا الشمالية المنعقد في مدينة ديترويت بولاية متشغان بالولايات المتحدة الأمريكية في الفترة 10-13 شعبان 1420 هجري الموافق 19-22 نوفمبر 1999م وإشارة إلى القرار (ثانياً) المتعلق بحكم شراء المنازل عن طريق قروض ربوية من بنك ربوي والذي جاء فيه أنه ذهب أكثر المشاركين في المؤتمر إلى جواز التملك للمسكن عن طريق القروض الربوية إذا لم توجد البدائل الشرعية "للحاجة التي تنزل منزلة الضرورة" وادعوا أنَّ الحاجة لا تندفع بالاستئجار لأنه لا يخلو من عقبات كثيرة. كما جاء فيه "وهناك من يرى المنع من استخدام طريقة التسهيلات البنكية (أي شراء البيوت عن طريق القروض الربوية) ولو تحققت الحاجة التي تُنزّل منزلة الضرورة، وأنه ينبغي الاكتفاء بالاستئجار كبديل عن التملك" ولا شك أنَّ الحاجة تندفع إذا تيسر الاستئجار وشرط الذين أجازوا شراء البيوت عن طريق القروض الربوية ما يلي:ـ
    1- أن يكون المسلم خارج ديار الإسلام.
    2- أن تتحقق فيه الحاجة لعامة المقيمين في خارج البلاد الإسلامية.
    3- أن يقتصر التملك على بيت للسكنى الذي يحتاج إليه، وليس للتجارة أو الاستثمار.
    أقول ونحن نُرحب ببحث المشكلات والمسائل ولكن ليس بهذه الطريقة المتسرعة، وبما أنَّ صِياغة القرار غير دقيقة، فإيضاحاً للواقع وإبراءً للذمة وتحذيراً للمسلمين لئلا يُخدعوا بهذا القرار فيقعوا في حُرمة التعامل بالربا عن غير علمٍ ولا تبين، اُبيِّنُ ما يلي:ـ
    أنَّ الذين لم يُوافقوا على هذا القرار هم أكثر المشاركين المدعوِّين من خارج أمريكا من علماء الشريعة وأهل الاختصاص والفتوى ولا عِبرة بالكثرة إذا لم يكونوا من أهل الفتوى أو أهل الاختصاص الشرعي فقد حشدت إدارة المؤتمر أشخاصاً ليسوا من أهل الاختصاص في العلوم الشرعية بل لقد عدُّوا من بين العلماء والأئمة المشاركين الأستاذ بيتر سميت وهو غير مسلم ومنهم اقتصاديون وتربويون… إلخ وعمدوا إلى عدم ذكر أسماء بعض المشاركين، فقد شطبوا اسمي من قائمة المشاركين مع أنني مدعو ومن أبرز غير الموافقين على هذا القرار من العلماء المشهورين ما يلي:ـ
    1- الأستاذ الدكتور وهبة الزحيلي أستاذ الفقه بكلية الشريعة في جامعة دمشق.
    2- الأستاذ الدكتور محمود الطحان أستاذ الحديث بكلية الشريعة بجامعة الكويت.
    3- الأستاذ الدكتور محمد رأفت عثمان أستاذ الفقه بكلية الشريعة بجامعة الأزهر.
    4- الأستاذ الدكتور عبد الله مبروك النجار أستاذ الفقه بكلية الشريعة بجامعة الأزهر.
    5- الأستاذ الدكتور علي الصوا أستاذ الفقه بكلية الشريعة بالجامعة الأردنية.
    6- الأستاذ الدكتور عتيق القاسمي أستاذ الفقه في الهند وعضو مجمع الفقه الإسلامي في الهند.
    7- الشيخ عبد الله سليم من الهند ومقيم في أمريكا.
    8- الشيخ موفق الغلاييني مدير المركز الإسلامي في مدينة آن أربار.
    9- الدكتور حمود الصلوي من اليمن.
    10- الدكتور شرف القضاة أستاذ جامعي في الأردن.
    وغيرهم من العلماء الذي طلبوا من رئاسة المؤتمر ذكر أسمائهم في قائمة غير الموافقين على هذا القرار ولكن رئاسة المؤتمر رفضت طلبهم وبعد الإلحاح الشديد على هذا الطلب وعدت رئاسة المؤتمر بتلبية الطلب ثم نكثت بوعدها فلم تذكر أسماءهم وما أدري ما السبب؟
    ثانياً: ما معنى أن يُباح الربا للحاجة للمسلم الذي يُقيم خارج دار الإسلام ولا يُباح للمسلم الذي يُقيم في ديار الإسلام؟ يعني هل يُباح للمسلم أن يتفلتَ من أحكام الإسلام إذا خرج من ديار الإسلام؟ مع أنَّ الرسول صلى الله عليه وسلم قال: "اتقِ الله حيثما كنتَ".
    ثالثاً: جاء نص الفقرة (ثالثاً) كما يلي: "قد تبيّن من البيانات التي قدمها بعض المختصين حول العقود المطبقة حالياً لتملك المساكن أنَّ بعض هذه العقود تقترب كثيراً من عقد بيع الأجل من حيث المضمون وأنه تُطبق هنا قاعدة ـ العِبرة في العقود بالمقاصد والمعاني لا بالألفاظ والمباني وأنَّ تنقيحها ممكن بتغيير المصطلحات التقليدية المستخدمة فيها" انتهى نص الفقرة بالحرف الواحد.
    وهذا أمرٌ عجيبٌ وخطيرٌ جداً ولم يُذكر في مداولات المؤتمر بل هو من عند رئاسة المؤتمر وهو يُشبه قول الكفرة في الربا ـ كما حكاه القرآن الكريم عنهم ـ ذلك بأنهم قالوا: (إنما البيع مثل الربا وأحلَّ الله البيع وحرم الربا) إنَّ الصيغة في العقود لها قيمتها ولا أريد الدخول في التفاصيل إذِ الأمر معروف لدى أهل العلم فلا يجوز تمييع الأمور حتى يختلط الحلال بالحرام فالحلال بيِّنٌ والحرام بيِّنٌ.
    فبدلاً من العمل على إيجاد البدائل الشرعية ونُصح المسلمين بالثبات على التزام أحكام دينهم عمدت رئاسة المؤتمر إلى التحايل لإحلال الربا الذي حرمه الله بنصوص قاطعة واضحة في الكتاب والسنّة.
    رابعاً: إنَّ سير المؤتمر والأجواء التي سادت جلسات المؤتمر غير سليمة وغير مألوفة في المؤتمرات التي تبحث في قضايا علمية مهمة وذلك لما يلي:ـ
    1- لأنَّ طريقة انتخاب رئيس المؤتمر ونائبه والمقرر ونائبه لم تكن ديمقراطية وإنما كانت أشبه بطريقة الانتخابات في البلاد المتخلفة أو الدكتاتورية.
    2- ولأنه لم يُؤخذ التصويت على القرارات في نهاية مناقشة كل بند من البنود المطروحة على المؤتمر.
    3- ولأنه لم تُشكل لجنّة علمية متخصصة لدراسة كل بند من البنود المطروحة وإنما نُوقشت القضايا المطروحة بشكل جماهيري عام، يُعطى لكلِّ شخصٍ ثلاث دقائق ليُعلق على الموضوع المطروح.
    4- ولأنه لم يكن بين أيدي أعضاء المؤتمر وثائق ولا إحصاءات ولا إثباتات تدل على الضرورة أو الحاجة العامة التي تُنزل منزلة الضرورة لشراء البيوت بالقروض الربوية.
    5- ولأنه لم يُدع كل المشاركين في المؤتمر للنظر في القرارات والتوصيات على المشاركين في المؤتمر لإقرارها أو تعديلها وذلك خلافاً لما هو معمول به في المؤتمرات وخلافاً لما هو مذكور في جدول المؤتمر في اليوم الرابع وهو يوم الاثنين 22/11/1999م الذي ينص على بند لجنّة الصياغة وبند قراءة القرارات والتوصيات على المشاركين في المؤتمر.
    فقد سافر رئيس المؤتمر ومقرر المؤتمر في صبيحة اليوم ولم تُقرأ على المشاركين في المؤتمر أية قرارات.
    مناشدة
    وفي الختام أُناشد إخوتنا المسلمين في أمريكا الشمالية وفي كلِّ مكان من العالم ألا ينخدعوا بقرار هذا المؤتمر الذي يُبيح للمسلمين التعامل بالربا المحرم لشراء المنازل المريحة بدون ذكر الأدلة الشرعية على ذلك. وأُوصيهم بأن يلتزموا حدود الله تعالى في عدم الوقوع في الحرام ألا وهو الربا المقطوع بحرمته في الكتاب والسنّة فقد قال تعالى: (يا أيّها الذين آمنوا اتقوا وذروا ما بقيَ من الربا إن كنتم مؤمنين، فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله) فهل ترضون أن تكونوا محاربين لله تعالى؟ بل إنَّ حُرمة الربا أشد من حُرمة الزنا فقد روى الإمام أحمد والطبراني في معجمه الكبير ـ رجال أحمد رجال الصحيح ـ عن عبد الله بن حنظلة أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (درهمُ ربا يأكله الرجل ـ وهو يعلم ـ أشد من ست وثلاثين زنية) فهل ترضون أن تكونوا في الإثم أشد من الزُناة؟ أعيذكم بالله من ذلك.
    هذا وإنَّ آكل الربا ومُوكله سواء في الإثم عند الله. فقد روى الإمام مسلم في صحيحه عن جابر بن رضي الله عنه أنه قال: (*** رسول الله صلى الله عليه وسلم آكل الربا ومُوكله وكاتبه وشاهديه وقال هم سواء) كما أُوصيهم أن يُحافظوا على أحكام دينهم وعلى هويتهم الإسلامية في بلاد غير المسلمين وأن يعتزوا بالتمسك بتعاليم دينهم الحنيف وأن يعملوا على إيجاد الحلول الإسلامية والبدائل الشرعية لشراء المساكن فإنَّ في هذا القرار تعدٍ على أحكام الله كما أنَّ فيه إعلاناً بإفلاس وانهزام النظام الاقتصادي الإسلامي في إيجاد الحلول لمشكلات المسلمين الاقتصادية واللجوء إلى النظام الرأسمالي لحلِّ مشكلات المسلمين.
    وأخيراً أقول لإخوتنا المسلمين المقيمين في أمريكا خاصة وفي بلاد غير المسلمين عامة، إنَّ الربا حرام بل هو من السبع الموبقات (أي المهلكات) وإنَّ حُرمته مقطوع بها ولا تُغيَّر هذه الحُرمة فتاوى بعض المتساهلين بالفتوى فدين الله واضح وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (البر ما اطمأنت إليه النّفس واطمأن إليه القلب والإثم ما حاك في القلب وتردد في الصدر وإن أفتاك النّاس وأفتوك).
    أسأل الله تعالى أن يُثبتَ المسلمين عامة والمسلمين في غير ديار الإسلام خاصة على الالتزام بأحكام دينهم وعدم الوقوع في الحرام إنه تعالى سميع مجيب وآخر دعوانا أن الحمد ربِّ العالمين.

    أ.د. محمود الطحان أستاذ الحديث الشريف بكلية الشريعة ـ جامعة الكويت ـ والمقيم حالياً بتوليدو في أوهايو

    فإن كانت هي فأجبني بذلك وإن لم تكن هي فأرجو أن تخبرني عن فحوى ما جاء في الرسالة المذكورة .
    هذا بالنسبة للموضوع الخاص بالرابط .

    وأما بالنسبة لتساهل الشيخ القرضاوي – المزعوم – في فتاواه فهو للأسف محض فرية لفقها له شانئوه , وإن كان الرجل يميل إلى التيسير والأخذ بالأيسر لا تتبع الرخص كما تفضلت فالفرق هائل ولا أظنني في حاجة إلى التفريق بين هذا وذاك , ولكني – وإن كان الشيخ القرضاوي – قد أورد خلال مسيرته الدعوية مجموعة من الفتاوى الشاذة التي لا يقبل بها أحد إلا أن هذا لا يحملنا على القول بأنه متساهل أو "ماجناً" كما وصفه البعض, والشيخ – حفظه الله – لم يخرج عن المطلب الشرعي في الإفتاء ولم يرد النصوص الثابتة إلا في حالات نادرة جداً وهذا ليس بدعاً فانظر إلى عمر - رضي الله عنه – حين عطل نصاً شرعياً مرتين (مرة في عام الرمادة , ومرة حين حرم تزويج المسلمين بالكتابيات" وذلك لفقه المصالح والمفاسد .

    وحري بالقول هنا أن منهج الشيخ القرضاوي لم يكن بدعاً – أي التيسير – فهذا مطلب جاء به القرآن وحثت عليه السنة الشريفة ولا أجد حاجة لسوق الأمثلة على ذلك ويكفي أن أسوق بعض الأمثلة على الترغيب في التيسير :

    * نقل الإمام النووي في مقدمات "المجموع" كلمة حكيمة للإمام الكبير -إمام الفقه والحديث والورع- سفيان الثوري. قال فيها: "إنما العلم الرخصة من ثقة، أما التشديد فيحسنه كل أحد!".

    • روى الحافظ أبو الفضل بن طاهر في كتاب "السماع" بسنده عن عمر ابن إسحاق من التابعين قال: كان من أدركت من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم أكثر من مائتين، لم أر قوماً أهدى سيرة، ولا أقل تشديداً منهم.
    و
    • هكذا كان علماء السلف: إذا شددوا فعلى أنفسهم، أما على الناس فييسرون ويخففون.

    • ولقد وصفوا الإمام المزني صاحب الشافعي في معرض الثناء عليه. بأنه "كان أشد الناس تضييقاً على نفسه في الورع، وأوسعه في ذلك على الناس".

    • وكذلك وصفوا الإمام التابعي الجليل محمد بن سيرين، قال تلميذه عون: كان محمد أرجى الناس لهذه الأمة. وأشدهم أزراً على نفسه.
    هذا وزمنهم زمن الإقبال على الدين فكيف بزماننا والناس مدبرون عنه؟.

    ومن هنا فإذا كان هناك رأيان متكافئان (متكافئان) : أحدهما (أحوط)، والثاني (أيسر) فإنه يوثر الإفتاء بالأيسر، اقتداءً بالنبي صلى الله عليه وسلم الذي ما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثماً.
    أما الأحوط فيمكن أن يأخذ به المفتي في خاصة نفسه، أو يفتي به أهل العزائم والحريصين على الاحتياط، ما لم يخش عليهم الجنوح إلى الغلو.


    أما تعليقك على ما قاله الشيخ :
    " كان بعض الناس يبعثون بأسئلة تتضمن ألغازا شرعية يريدون حلها من مثل: "نوى ولا صلى، وصلى ولا نوى" و "قوم كذبوا ودخلوا الجنة، وقوم صدقوا ودخلوا النار" وأشباه ذلك، فكان ردي عليها الإلقاء في سلة المهملات لأن الاشتغال بمثل هذه المسائل من عمل الفارغين" .

    بقولك :
    "واسمح لي يا أخي أن أقول أنّ مقولة الشيخ هذه وإن لم يقصد بها الهزء بالفقه,إلاّ أنّها استغلّت من قبل دعاة الفوضى لمقصد خبيث. والشيخ-رعاه الله-يعلم أنّ الفقهاء لا يعلّمون المبتدئين أمثال هذه الألغاز,بل يقصدون بها التسهيل وجمع المسائل.

    فأنت قد استعجلت في الحكم على الشيخ ولم تنتبه لما أكمل به عباراته تلك وظهر من خلاله أن :
    1- المقصود من ذلك هم العامة الذين يسألون مشائخهم في هذه الأمور (الألغاز الفقهية) التي لا طائل من ورائها والأحوط أن يسألوا عما يهمهم في أمور دينهم , وحين قال سلة المهملات لا يعني كما ذكرت الفقه وإنما طبيعة المسألة , وأنا أستغرب كيف يستخدم الخبثاء مثل هذه المقولة طالما أن الأمر جلي واضح.
    2- لو أنك أكملت قليلاً أو انتبهت لوجدت ما يفسر كلامه , ولا مندوحة من تكرار ذلك حتى يستبين لنا هذا الأمر , وإليك البقية " ومثل ذلك الأسئلة التي تتعلق بالأمور الغيبية، مما لم يجيء بتحديده نص معصوم. ومثل ذلك غوامض المسائل الدينية والعقائدية التي لا تحتملها الطاقة العقلية المعتادة لجمهور الناس، ويخشى من الخوض فيها -سؤالا وجوابا- التشويش على الكثيرين.
    فهذا أيضا مما لا أعتني بالإجابة عنه إلا إزالة لشبهة، أو ردا لفرية، أو تنبيها على قاعدة، أو تصحيحا لفهم. أو نحو ذلك.
    ومما قاله في ذلك الإمام شهاب الدين القرافي:
    "ينبغي للمفتي إذا جاءته فتيا في شأن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو فيما يتعلق بالربوية، يسأل فيها عن أمور لا تصلح لذلك السائل لكونه من العوام الجلف، أو يسأل عن المعضلات، ودقائق الديانات، ومتشابه الآيات والأمور التي لا يخوض فيها إلا كبار العلماء، ويعلم أن الباعث له على ذلك إنما هو الفراغ والفضول والتصدي لما لا يصلح له، فلا يجيبه أصلا. ويظهر له الإنكار على مثل هذا ويقول له: اشتغل بما يعنيك من السؤال عن صلاتك وأمور معاملاتك، ولا تخض فيما عساه يهلكك، لعدم استعدادك له.
    وإن كان الباعث له شبهة عرضت له: فينبغي أن يقبل عليه، ويتلطف به في إزالتها عنه بما يصل إليه عقله. فهداية الخلق فرض على من سئل.
    قال: والأحسن أن يكون البيان له باللفظ دون الكتابة، فإن اللسان يفهم ما لا يفهم القلم، لأنه حي، والقلم موات. فإن الخلق عباد الله، وأقربهم إليه أنفعهم لعباده، ولا سيما في أمر الدين وما يرجع إلى العقائد.
    وكثيرا ما كنت أطلب من صاحب السؤال إذا أحسست جديته، وخشيت على جمهور المستمعين أو المشاهدين التشويش -أن يلقاني على انفراد، لأستطيع أن آخذ معه وأعطي، بلا حرج ولا خشية.
    ومن الأسئلة التي لم أكن أعبأ بها: ما يتعلق بالمفاضلة بين آل البيت والصحابة رضي الله عنهم وما شجر بينهم من خلاف، ونحو ذلك -مما لا طائل تحته. وقد أفضى الجميع إلى ربهم، وقضى الله ما كان.
    سئل الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز عن قتال أهل صفين، فقال: تلك دماء كف الله عنها يدي، فلا أحب أن يلطخ بها لساني.
    ومن الأسئلة التي يحرص بعض الناس على إثارتها، وتلقيت في شأنها أكثر من رسالة:
    أيهما أفضل عند الله: أبو بكر أم علي؟ وأيهما كان أحق بالخلافة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم؟
    أيهما أفضل: فاطمة الزهراء بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم أم عائشة أم المؤمنين زوج رسول الله صلى الله عليه وسلم؟
    ومثل ذلك: المفاضلة بين الأنبياء، مثل إسماعيل واسحق، أو موسى وعيسى.
    أسئلة لا يترتب على العلم بها، قوة في دين، ولا نهضة في دنيا، ومن جهل الجواب عنها فلا إثم عليه، ومن كون في كل منها رأيا فهيهات أن يتنازل عنه.
    ولقد قلت في بعض إجاباتي عن مثلها: إنها أشبه بموضوعات الإنشاء التي كان معلمونا -ونحن تلاميذ صغار- يكلفوننا الكتابة فيها تدريبا للقلم، وشحذا للملكات، مثل: المفاضلة بين الليل والنهار، وبين الصيف والشتاء، وبين الأرض والسماء، وبين القطار والسفينة، وغير ذلك مما لا معنى للمفاضلة بين بعضها وبعض عند أهل البصر والبصيرة.
    إن الله تعالى ورسوله عابا على بني إسرائيل كثرة أسئلتهم، واختلافهم على أنبيائهم، وسؤالهم فيما لا ضرورة إليه، ولا فائدة منه إلا إعنات أنفسهم. وفي هذا ذكر الله تعالى لنا قصة ذبح البقرة وكثرة أسئلتهم فيها دون حاجة، ولو أخذوا أي بقرة فذبحوها لكانوا ممتثلين للأمر، ولكن شددوا، فشدد الله عليهم.
    وما ذكر الله لنا هذه القصة إلا لتكون لنا عظة وعبرة.
    ومن الأسئلة التي أعرضت عنها: ما يتعلق بتفسير الرؤى والأحلام.
    وقد أعلنت غير مرة: أن مهمتي بيان الأحكام، لا تفسير الأحلام. وذلك أن الأحكام لها أصول يحتكم إليها، ومصادر يرجع إليها. أما الأحلام فلا ضابط لها ولا قاعدة، ويختلف تأويلها باختلاف الأشخاص والأحوال والأزمان.
    وعلى العموم هي تخمين وظن، إلا من وهبه الله الفراسة في ذلك، وعلمه تأويل الأحاديث (وما نحن بتأويل الأحلام بعالمين).
    وطالما قلت للسائلين في ذلك: أنا لست يوسف الصديق. وإنما أنا يوسف القرضاوي. ويوسف الصديق قد خصه الله بذلك، وعلمه ما لم يعلمه غيره.
    والحقيقة إني لا أحسن ذلك، ولست حريصا على أن أحسنه، فإن ذلك -لو كان- جدير أن يلتهم وقتي كله، لأن أحلام الناس لا تنتهي، واهتمامهم بتفسيرها لا يتوقف. وبخاصة النساء اللاتي تشغل الأحلام والرؤى من حياتهن وتفكيرهن حيزا غير ضئيل.
    خامسا: الاعتدال بين المتحللين والمتزمتين:
    ومن خصائص المنهج الذي سرت عليه: التزام روح التوسط دائما، والاعتدال بين التفريط والإفراط. بين الذين يريدون أن يتحللوا من عرى الأحكام الثابتة بدعوى مسايرة التطور من المتعبدين بكل جديد، الذين يريدون أن يظل كل ما كان على ما كان من الفتاوى والأقاويل والاعتبارات، تقديسا منهم لكل قديم." انتهى .

    هذا وأكرر القول أن دفاعي عن الشيخ القرضاوي لا يعفيه من زلات وهنات وقع فيها بين الفينة والأخرى ولكن أن يقال عن الرجل بأنه "مدلس , ومتساهل , وقضى على الدين , وهلم جرا من هذه الألفاظ المشينة فهذا ما لا نقبله ولا يقبله عاقل.

    وللحديث بقية إن شاء الله .
     

مشاركة هذه الصفحة