هل هذا الرجل من مشائخ الوهابية

الكاتب : العبري   المشاهدات : 605   الردود : 5    ‏2001-07-05
حالة الموضوع:
مغلق
      مشاركة رقم : 1    ‏2001-07-05
  1. العبري

    العبري عضو

    التسجيل :
    ‏2001-07-05
    المشاركات:
    20
    الإعجاب :
    0
    بسم الله الرحمن الرحيم
    وهو حسبي ونعم الوكيل
    وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم
    1- الحمد لله الواحد الأحد، العزيز الماجد، المتفرد بالتوحيد، والمنفرد بالتمجيد، الذي لا تبلغه صفات العبيد، ليس له مثل ولا نديد، وهو المبدئ المعيد، الفعال لما يريد، جل عن اتخاذ الصواحب والأولاد، وتقدس عن ملابسة الأجناس والأرجاس، ليست له عثرة تقال، ولا حد يضرب له مثال، لم يزل (2/ 8) بصفاته أولا قديرا، ولا يزال عالما خبيرا، استوفى الأشياء علمه، ونفذت فيها إرادته، فلم تعزب عليه خفيات الأمور، ولم تغيره سوالف صروف الدهور، ولم يلحقه في خلق شيء مما خلق كلال ولا تعب، ولا مسه لغوب ولا نصب، خلق الأشياء بقدرته، ودبرها بمشيئته، وقهرها بجبروته، وذللها بعزته، فذل لعظمته المتكبرون، واستكان لعز ربوبيته المتعظمون، وانقطع دون الرسوخ في علمه العالمون، وذلت له الرقاب، وحارت في ملكوته فطن ذوى الألباب، وقامت بكلمته السماوات السبع، واستقرت الأرض المهاد، وثبتت الجبال الرواسي، وجرت الرياح اللواقح، وسار في جو السماء السحاب، وقامت على حدودها البحار، وهو الله الواحد القهار .
    2- فنحمده كما حمد نفسه، وكما هو أهله ومستحقه، وكما حمده الحامدون من جميع خلقه، ونستعينه استعانة من فوض الأمر (2/ 9) إليه، وأقر أنه لا منجى ولا ملجأ إلا إليه، ونستغفره استغفار مقر بذنبه، معترف بخطيئته .
    ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إقرارا بوحدانيته، وإخلاصا لربوبيته، وأنه العالم بما تظن الضمائر، وتنطوي عليه السرائر، وما تخفيه النفوس، وما تجن البحار، وما تواريه الأسراب، (وما تفيض الأرحام وما تزداد، وكل شيء عنده بمقدار) ، لا توارى عنه كلمة، ولا تغيب عنه غائبة، (وما تسقط من ورقة إلا يعلمها، ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين) من الآية (59) .
    ويعلم ما يعمل العاملون وما ينقلب إليه المنقلبون .
    3 - ونستهديه بالهدى، ونسأله التوفيق لمجانبة الردى .
    4 - ونشهد أن محمدا صلى الله عليه وسلم عبده ورسوله، ونبيه وأمينه وصفيه، أرسله إلى خلقه بالنور الساطع، والسراج اللامع، والحجج الظاهرة، والبراهين والآيات الباهرة، والأعاجيب القاهرة، فبلّغ رسالة ربه، ونصح لأمته، وجاهد في الله حق جهاده، حتى تمت كلمة الله عز وجل، وظهر أمره، وانقاد الناس إلى الحق خاضعين، حتى أتاه اليقين، لا وانيا ولا مقصرا، (2/ 10) فصلوات الله عليه من قائد إلى هدى مبين، وعلى أهل بيته الطيبين، وعلى أصحابه المنتخبين، وعلى أزواجه أمهات المؤمنين .
    عرَّفنا الله به الشرائع والأحكام، والحلال والحرام، وبيَّن لنا به شريعة الإسلام، حتى انجلت عنا طخياء الظلام، وانحسرت عنا به الشبهات، وانكشفت عنا به الغيابات، وظهرت لنا به البينات .
    وجاءنا بـ (كتاب عزيز لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تنزيل من حكيم حميد) من الآية (41 -42)
    جمع فيه علم الأولين والآخرين، وأكمل به الفرائض والدين، فهو صراط الله المستقيم، وحبل الله المتين، فمن تمسك به نجا، ومن خالفه ضل وغوى، وفي الجهل تردى، وحـثـنا الله في كتابه على التمسك بسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، فقال عز وجل: (وما أتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا) من الآية (7) ، (2/ 11) وقال عز وجل: (فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم) من الآية (63) ، وقال تعالى: (ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولى الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم) من الآية (83) ، وقال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولى الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول) من الآية (59) ، يقول: إلى كتاب الله وسنة رسوله: (وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يـوحى) ، وقال تعالى: (قل ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي، إن أتبع إلا ما يوحى إلي) من الآية (15) ، (2/ 12) وقال: (إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا) من الآية (51) فأمرهم أن يسمعوا قوله، ويطيعوا أمره، ويحذروا مخالفته، وقال: (وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول) من الآية (92) فأمرهم بطاعة رسوله كما أمرهم بطاعته، ودعاهم إلى التمسك بسنة نبيه كما أمرهم بالعمل بكتابه .
    5 - فنبذ كثير ممن غلبت عليهم شقوته، واستحوذ عليهم الشيطان سنن نبي الله صلى الله عليه وسلم وراء ظهورهم، ومالوا إلى أسلاف لهم قلدوهم دينهم، ودانوا بديانتهم، وأبطلوا سنن نبي الله عليه الصلاة والسلام، ودفعوها وأنكروها وجحدوها افتراء منهم على الله، (قد ضلوا وما كانوا مهتدين) من الآية (14) .
    أوصيكم عباد الله بتقوى الله، وأحذركم الدنيا، فإنها حلوة خضرة، تغر أهلها وتخدع سكَّانها، (2/ 13) قال الله تعالى: (واضرب لهم مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض) الآية من الآية (45) .
    من كان فيها في حيـرة أعقبته بعدها عبرة، ومن أعطته من سرائها بطنا أعقبته من ضرائها ظهرا، غرارة غرور ما فيها، فانية فَانٍ ما فيها، كما بقوله تعالى: (كل من عليها فان) (26) ، فاعملوا رحمكم الله للحياة الدائمة، ولخلود الأبد، فإن الدنيا تنقضي على أهلها، وتبقى الأعمال قلائد في رقاب أهلها .
    واعلموا أنكم ميتون، ثم إنكم من بعد موتكم إلى ربكم راجعون، (ليجزي الذين أساؤوا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى) من الآية (31) .
    فكونوا بطاعة ربكم عاملين، وعما نهاكم منتهين . (2/ 14)
    فصل في قول أهل الزيغ والبدع:
    أما بعد: فإن كثيرا من الزائغين عن الحق من المعتزلة وأهل القدر مالت بهم أهواؤهم إلى تقليد رؤسائهم ومن مضى من أسلافهم، فتأولوا القرآن على آرائهم تأويلا لم ينزل به الله سلطانا، ولا أوضح به برهانا، ولا نقلوه عن رسول رب العالمين، ولا عن السلف المتقدمين .
    وخالفوا روايات الصحابة رضي الله عنهم عن نبي الله صلى الله عليه وسلم في رؤية الله عز وجل بالأبصار، وقد جاءت في ذلك الروايات من الجهات المختلفات، وتواترت بها الآثار وتتابعت بها الأخبار . (2/ 15)
    وأنكروا شفاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم للمذنبين، ودفعوا الروايات في ذلك عن السلف المتقدمين .
    وجحدوا عذاب القبر، وأن الكفار في قبورهم يعذبون، وقد أجمع على ذلك الصحابة والتابعـون رضي الله عنهم أجمعين .
    ودانوا بخلق القرآن نظيرا لقول إخوانهم من المشركين؛ الذين قالوا: (إن هذا إلا قول البشر) (25) .
    وأثبتوا أن العباد يخلقون الشر، نظيرا لقول المجوس الذين أثبتوا خالقين:
    أحدهما الخير، والآخر يخلق الشر .
    وزعمت القدرية أن الله تعالى يخلق الخير، والشيطان يخلق الشر .
    وزعموا أن الله تعالى يشاء ما لا يكون، ويكون مالا يشاء، خلافا لما أجمع عليه المسلمون من أن ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، وردا لقول الله تعالى (2/ 16) : (وما تشاؤون إلا أن يشاء الله) من الآية (30)
    فأخبر تعالى أنا لا نشاء شيئا إلا وقد شاء الله أن نشاءه .
    ولقوله: (ولو شاء الله ما اقتتلوا) من الآية (253) ، ولقوله تعالى: (ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها) من الآية (13) ، ولقوله تعالى: (فعال لما يريد) من الآية (107) ، ولقوله تعالى مخبرا عن نبيه شعيب صلى الله عليه وسلم أنه قال: (وما يكون لنا أن نعود فيها إلا أن يشاء الله ربنا، وسع ربنا كل شيء علما) من الآية (89) .
    ولهذا سماهم رسول الله صلى الله عليه وسلم مجوس هذه الأمة؛ لأنهم دانوا بديانة المجوس، وضاهوا أقاويلهم .
    وزعموا أن للخير والشر خالقين، كما زعمت المجوس ذلك، وأنه يكون من الشرور ما لا يشاء الله كما قالت المجوس .
    وأنهم يملكون الضر والنفع لأنفسهم من دون الله عز (2/ 17) وجل، ردا لقول الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: (قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا إلا ما شاء الله) (188) ، وإعراضا عن القرآن، وعما أجمع عليه أهل الإسلام .
    وزعموا أنهم منفردون بالقدرة على أعمالهم دون ربهم، فأثبتوا لأنفسهم الغنى عن الله عز وجل، ووصفوا أنفسهم بالقدرة على ما لم يصفوا الله عز وجل بالقدرة عليه، كما أثبت المجوس لعنهم الله للشيطان من القدرة على الشر ما لم يثبتوا لله عز وجل، فكانوا مجوس هذه الأمة؛ إذ دانوا بديانة المجوس، وتمسكوا بأقاويلهم ومالوا إلى أضاليلهم .
    وقنطوا الناس من رحمة الله، وآيسوهم من روحه، وحكموا على العصاة بالنار والخلود فيها، خلافا لقول الله تعالى: (ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء) من الآية (48) .
    وزعموا أن من دخل النار لا يخرج منها، خلافا لما جاءت به الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الله عز وجل يخرج قوما من النار بعد أن امْتَحَشُوا فيها (2/ 18) وصاروا حمما) .
    ودفعوا أن يكون لله وجه مع قوله عز وجل: (ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام) (27)
    وأنكروا أن له يدان مع قوله سبحانه: (لما خلقت بيدي) من الآية (75) .
    وأنكروا أن يكون له عينان مع قوله سبحانه: (تجري بأعيننا) من الآية (14) ، وقوله: (ولتصنع على عيني) (39) .
    وأنكروا أن يكون له سبحانه علم مع قوله: (أنزله بعلمه) من الآية (166) .
    وأنكروا أن يكون له قوة مع قوله سبحانه: (ذو القوة المتين) من الآية (58) .
    ونفوا ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم (أن الله (2/ 19) عز وجل ينزل كل ليلة إلى السماء الدنيا) وغير ذلك مما رواه الثقات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم .
    وكذلك جميع أهل البدع من الجهمية والمرجئة والحرورية، أهل الزيغ فيما ابتدعوا وخالفوا الكتاب والسنة، وما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضى الله عنهم أجمعين، وأجمعت عليه الأمة كفعل المعتزلة والقدرية وأنا ذاكر ذلك بابا بابا، وشيئا شيئا إن شاء الله تعالى وبه المعونة . (2/ 20)
    فصل في إبانة قول أهل الحق والسنة:
    فإن قال لنا قائل: قد أنكرتم قول المعتزلة والقدرية والجهمية والحرورية والرافعة والمرجئة، فعرفونا قولكم الذي به تقولون، وديانتكم التي بها تدينون .
    قيل له:
    قولنا الذي نقول به، وديانتنا التي ندين بها، التمسك بكتاب الله ربنا عز وجل، وبسنة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وما روى عن السادة الصحابة والتابعين وأئمة الحديث، ونحن بذلك معتصمون، وبما كان يقول به أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل - نضر الله وجهه ورفع درجته وأجزل مثوبته - قائلون، ولما خالف قوله مخالفون؛ لأنه الإمام الفاضل، والرئيس الكامل، الذي (2/ 21) أبان الله به الحق، ودفع به الضلال، وأوضح به المنهاج، وقمع به بدع المبتدعين، وزيغ الزائغين، وشك الشاكين، فرحمة الله عليه من إمام مقدم، وجليل معظم، وكبير مفهم .
    وجملة قولنا: أنا نقر بالله وملائكته وكتبه ورسله، وبما جاءوا به من عند الله، وما رواه الثقات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، لا نرد من ذلك شيئا، وأن الله عز وجل إله واحد لا إله إلا هو، فرد صمد، لم يتخذ صاحبة ولا ولدا، وأن محمدا عبده ورسوله، أرسله بالهدى ودين الحق .
    وأن الجنة والنار حق، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور .
    وأن الله تعالى استوى على العرش على الوجه الذي قاله، وبالمعنى الذي أراده، استواء منزها عن الممارسة والاستقرار والتمكن والحلول والانتقال، لا يحمله العرش، بل العرش وحملته محمولون بلطف قدرته، ومقهورون في قبضته، وهو فوق العرش، وفوق كل شيء، إلى تخوم الثرى، فوقية لا تزيده قربا إلى العرش والسماء، بل هو رفيع الدرجات عن العرش، كما أنه رفيع الدرجات عن الثرى، وهو مع ذلك قريب من كل موجود، وهو أقرب إلى العبد من حبل الوريد، وهو على كل شيء شهيد . (2/ 22)
    وأن له سبحانه وجها بلا كيف، كما قال: (ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام) (27) .
    وأن له سبحانه يدين بلا كيف، كما قال سبحانه: (خلقت بيدي) من الآية (75) ، وكما قال: (بل يداه مبسوطتان) من الآية (64) .
    وأن له سبحانه عينين بلا كيف، كما قال سبحانه: (تجري بأعيننا) من الآية (14) .
    وأن من زعم أن أسماء الله غيره كان ضالا .
    وأن لله علما كما قال: (أنزله بعلمه) من الآية (166) ، وكما قال: (وما تحمل من أنثى ولا تضع إلا بعلمه) من الآية (11) .
    ونثبت لله السمع والبصر، ولا ننفى ذلك كما نفته المعتزلة والجهمية والخوارج . (2/ 23)
    ونثبت أن لله قوة، كما قال: (أولم يروا أن الله الذي خلقهم هو أشد منهم قوة) من الآية (15) .
    ونقول: إن كلام الله غير مخلوق، وأنه سبحانه لم يخلق شيئا إلا وقد قال له كن، كما قال: (إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون) (40) .
    وأنه لا يكون في الأرض شيء من خير أو شر إلا ما شاء الله، وأن الأشياء تكون بمشيئة الله عز وجل، وأن أحدا لا يستطيع أن يفعل شيئا قبل أن يفعله، ولا يستغني عن الله، ولا يقدر على الخروج من علم الله عز وجل .
    وأنه لا خالق إلا الله، وأن أعمال العباد مخلوقة لله مقدرة، كما قال سبحانه: (والله خلقكم وما تعملون) (96) ، وأن العباد لا يقدرون أن يخلقوا شيئا، وهم يخلقون، (2/ 24) كما قال: (هل من خالق غير الله) من الآية (3) ، وكما قال: (لا يخلقون شيئا وهم يخلقون) من الآية (20 /16) ، وكما قال سبحانه: (أفمن يخلق كمن لا يخلق) (17 /16) ، وكما قال: (أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون) (35 /52) ، وهذا في كتاب الله كثير .
    وأن الله وفق المؤمنين لطاعته، ولطف بهم، ونظر لهم، وأصلحهم وهداهم، وأضل الكافرين ولم يهدهم، ولم يلطف بهم بالإيمان، كما زعم أهل الزيغ والطغيان، ولو لطف بهم وأصلحهم لكانوا صالحين، ولو هداهم لكانوا مهتدين .
    وإن الله يقدر أن يصلح الكافرين، ويلطف بهم حتى (2/ 25) يكونوا مؤمنين، ولكنه أراد أن يكونوا كافرين، كما علم وخذلهم وطبع على قلوبهم .
    وأن الخير والشر بقضاء الله وقدره، وإنا نؤمن بقضاء الله وقدره، خيره وشره، حلوه ومره، ونعلم أن ما أخطأنا لم يكن ليصيبنا، وأن ما أصابنا لم يكن ليخطئنا،
    وأن العباد لا يملكون لأنفسهم ضرا ولا نفعا إلا بإذن الله، كما قال عز وجل: (قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا إلا ما شاء الله) (188 /7) .
    ونلجئ أمورنا إلى الله، ونثبت الحاجة والفقر في كل وقت إليه سبحانه وتعالى .
    ونقول: إن كلام الله غير مخلوق، وأن من قال بخلق القرآن فهو كافر .
    وندين بأن الله يُرى في الآخرة بالأبصار، كما يُرى القمر ليلة البدر، يراه المؤمنون كما جاءت الروايات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم .
    ونقول: إن الكافرين محجوبون عنه إذا رآه المؤمنون في الجنة، كما قال (2/ 26) سبحانه: (كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون) (15 /83) ، وإن موسى صلى الله عليه وسلم سأل الله عز وجل الرؤية في الدنيا، وأن الله تعالى تجلى للجبل فجعله دكا، فأعلم بذلك موسى أنه لا يراه في الدنيا .
    وندين بأن لا نكفر أحدا من أهل القبلة بذنب يرتكبه ما لم يستحله، كالزنا والسرقة وشرب الخمر، كما دانت بذلك الخوارج، وزعمت أنهم كافرون .
    ونقول: إن من عمل كبيرة من هذه الكبائر مثل الزنا والسرقة وما أشبهها مستحلا لها، غير معتقد لتحريمها كان كافرا .
    ونقول: إن الإسلام أوسع من الإيمان، وليس كل إسلام إيمانا .
    وندين الله عز وجل بأنه يقلب القلوب بين أصبعيـن من أصابعه، وأنه سبحانه يضع السماوات على أصبع، والأرضين على (2/ 27) أصبع، كما جاءت الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من غير تكييف .
    وندين بأن لا ننزل أحدا من أهل التوحيد والمتمسكين بالإيمان جنة ولا نارا، إلا من شهد له رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجنة، ونرجو الجنة للمذنبين، ونخاف عليهم أن يكونوا بالنار معذبين، أجارنا الله منها بشفاعة سيدنا وحبيبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم .
    ونقول: إن الله عز وجل يخرج قوما من النار بعد أن امتحشوا بشفاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم، تصديقا لما جاءت به الروايات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم .
    ونؤمن بعذاب القبر وبالحوض، وأن الميزان حق، والصراط حق، والبعث بعد الموت حق، وأن الله عز وجل يوقف العباد في الموقف، ويحاسب المؤمنين .
    وأن الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص، ونسلم الروايات الصحيحة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم التي رواها الثقات عدل عن عدل، حتى تنتهي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم . (2/ 28)
    وندين بحب السلف الذين اختارهم الله تعالى لصحبة نبيه صلى الله عليه وسلم، ونثني عليهم بما أثنى الله به عليهم، ونتولاهم أجمعين .
    ونقول: إن الإمام الفاضل بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أبو بكر الصديق رضى الله عنه، وأن الله سبحانه وتعالى أعز به الدين، وأظهره على المرتدين، وقدمه المسلمون بالإمامة، كما قدمه رسول الله صلى الله عليه وسلم للصلاة، وسموه بأجمعهم خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم عمر بن الخطاب رضى الله عنه، ثم عثمان بن عفان رضى الله عنه، وأن الذين قتلوه قتلوه ظلما وعدوانا، ثم علي بن أبي طالب رضي الله عنه .
    فهؤلاء الأئمة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وخلافتهم خلافة النبوة (2/ 29) .
    ونشهد بالجنة للعشرة الذين شهد لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بها، ونتولى سائر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونكف عما شجر بينهم .
    وندين بأن الأئمة الأربعة خلفاء راشدون، مهديون فضلاء، لا يوازنهم في الفضل غيرهم .
    ونصدق بجميع الروايات التي يثبتها أهل النقل عن النزول إلى سماء الدنيا، وأن الرب عز وجل يقول: (هل من سائل، هل من مستغفر) ، وسائر ما نقلوه و أثبتوه خلافا لما قاله أهل الزيغ والتضليل .
    ونعوِّل فيما اختلفنا فيه على كتاب ربنا عز وجل، وسنة نبينا صلى الله عليه وسلم، وإجماع المسلمين، وما كان في معناه، ولا نبتدع في دين الله (2/ 30) ما لم يأذن لنا، ولا نقول على الله مالا نعلم .
    ونقول: إن الله عز وجل يجيء يوم القيامة، كما قال سبحانه: (وجاء ربك والملك صفا صفا) (22 /89) .
    وأن الله مقرب من عباده كيف شاء بلا كيف، كما قال تعالى: (ونحن أقرب إليه من حبل الوريد) من الآية (16 /50) ، وكما قال سبحانه: (ثم دنا فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى) (8 - 9 / 53) .
    ومن ديننا أن نصلي الجمعة والأعياد، وسائر الصلوات والجماعات خلف كل بر وفاجر، كما روى أن عبد الله بن عمر رضى الله عنهم كان يصلي خلف الحجاج . (2/ 31)
    وأن المسح على الخفين سنة في الحضر والسفر، خلافا لقول من أنكر ذلك .
    ونرى الدعاء لأئمة المسلمين بالصلاح والإقرار بإمامتهم، وتضليل من رأى الخروج عليهم إذا ظهر منهم ترك الاستقامة .
    وندين بإنكار الخروج بالسيف، وترك القتال في الفتنة، ونقر بخروج الدجال -أعاذنا الله من فتنته - كما جاءت به الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم .
    ونؤمن بعذاب القبر، ومنكر ونكير عليهما الصلاة والسلام، ومساءلتهما المدفونين في القبور .
    ونصدق بحديث المعراج، وتصحيح كثير من الرؤيا في المنام، ونقر أن لذلك تفسيرا .
    ونرى الصدقة على موتى المسلمين، والدعاء لهم، ونؤمن بأن الله ينفعهم بذلك .
    ونصدق بأن في الدنيا سحرة وسحرا، وأن السحر كائن موجود في الدنيا . (2/ 32)
    وندين بالصلاة على من مات من أهل القبلة، برهم وفاجرهم، وتوارثهم .
    ونقر أن الجنة والنار مخلوقتان، وأن من مات وقتل فبأجله مات وقتل .
    وأن الأرزاق من قبل الله سبحانه، يرزقها عباده حلالا وحراما، وأن الشيطان يوسوس الإنسان، ويشككه ويخبطه، خلافا للمعتزلة والجهمية، كما قال تعالى: (الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس) من الآية (275 /2) ، وكما قال: (من شر الوسواس الخناس الذي يوسوس في صدور الناس من الجنة والناس) (4 - 6 /114) . (2/ 34)
    ونقول: إن الصالحين يجوز أن يخصهم الله تعالى بآيات يظهرها عليهم .
    وقولنا في أطفال المشركين أن الله تعالى يؤجج لهم في الآخرة نارا، ثم يقول لهم اقتحموها، كما جاءت بذلك الرواية .
    وندين الله عز وجل بأنه يعلم ما العباد عاملون، وإلى ما هم صائرون، وما كان وما يكون، وما لا يكون أن لو كان كيف كان يكون، وبطاعة الأئمة ونصيحة المسلمين .
    ونرى مفارقة كل داعية إلى بدعة، ومجانبة أهل الأهواء .
    وسنحتج لما ذكرناه من قولنا، وما بقى منه مما لم نذكره بابا بابا، وشيئا شيئا إن شاء الله عز وجل . (2/ 35)
    الباب الأول الكلام في إثبات رؤية الله سبحانه بالأبصار في الآخرة
    قال الله تعالى: (وجوه يومئذ ناضرة) (22 /75) يعني مشرقة، (إلى ربها ناظرة) (23 /75) يعني رائية، وليس يخلو النظر من وجوه نحن ذاكروها:
    إما أن يكون الله سبحانه عنى نظر الاعتبار، كقوله تعالى: (أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت) (17 /88) .
    أو يكون عنى نظر الانتظار، كقوله تعالى: (ما ينظرون إلا صيحة واحدة) من الآية (49 /36)
    أو يكون عنى نظر التعطف، كقوله تعالى (2/ 36) : (ولا ينظر إليهم يوم القيامة) من الآية (77 /3) .
    أو يكون عنى نظر الرؤية .
    فلا يجوز أن يكون الله عز وجل عنى نظر التفكير والاعتبار؛ لأن الآخرة ليست بدار اعتبار .
    ولا يجوز أن يكون عنى نظر الانتظار؛ لأن النظر إذا ذكر مع ذكر الوجه فمعناه نظر العينين اللتين في الوجه، كما إذا ذكر أهل اللسان نظر القلب فقالوا: " انظر في هذا الأمر بقلبك "، لم يكن معناه نظر العينين، وكذلك إذا ذكر النظر مع الوجه لم يكن معناه نظر الانتظار؛ الذي يكون للقلب، وأيضا فإن نظر الانتظار لا يكون في الجنة؛ لأن الانتظار معه تنغيص وتكدير، وأهل الجنة في ما لا عين رأت ولا أذن سمعت من العيش السليم والنعيم المقيم .
    وإذا كان هذا هكذا لم يجز أن يكونوا منتظرين؛ لأنهم كلما خطر ببالهم شيء أتوا به مع خطوره ببالهم، (2/ 37)
    وإذا كان ذلك كذلك فلا يجوز أن يكون الله عز وجل أراد نظر التعطف؛ لأن الخلق لا يجوز أن يتعطفوا على خالقهم .
    وإذا فسدت الأقسام الثلاثة صح القسم الرابع من أقسام النظر، وهو أن معنى قوله: (إلى ربها ناظرة) أنها رائية ترى ربها عز وجل .
    ومما يبطل قول المعتزلة: أن الله عز وجل أراد بقوله: (إلى ربها ناظرة) نظر الانتظار، أنه قال: (إلى ربها ناظرة) ونظر الانتظار لا يكون مقرونا بقوله: (إلى) ؛ لأنه لا يجوز عند العرب أن يقولوا في نظر الانتظار " إلى "، ألا ترى أن الله تعالى لما قال: (ما ينظرون إلا صيحة واحدة) من الآية (49 /36) لم يقل " إلى "؛ إذ كان معناه الانتظار .
    وقال عز وجل مخبرا عن بلقيس: (2/ 38) (فناظرة بم يرجع المرسلون) من الآية (35 /27) ، فلما أرادت الانتظار لم تقل " إلى " .
    وقال امرؤ القيس:
    فإنكما إن تنظراني ساعة من الدهر تنفعني لدى أم جندب
    فلما أراد الانتظار لم يقل " إلى "، فلما قال سبحانه (2/ 39) : (إلى ربها ناظرة) (23 /75) علمنا أنه لم يرد الانتظار، وإنما أراد نظر الرؤية .
    ولما قرن الله عز وجل النظر بذكر الوجه؛ أراد نظر العينين اللتين في الوجه، كما قال: (قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها) (144 /2) ، فذكر الوجه، وإنما أراد تقلب عينيه نحو السماء ينظر نزول الملك عليه، يصرف الله تعالى له عن قبلة بيت المقدس إلى القبلة .
    فإن قيل: لم قلتم: إن قوله تعالى: (إلى ربها ناظرة) إنما أراد إلى ثواب ربها ناظرة ؟ (2/ 40)
    قيل له: ثواب الله غيره، والله سبحانه وتعالى قال: (إلى ربها ناظرة) (23 /75) ولم يقل: إلى غيره ناظرة .
    والقرآن العزيز على ظاهره، وليس لنا أن نزيله عن ظاهره إلا بحجة، وإلا فهو على ظاهره .
    ألا ترى أن الله عز وجل لما قال: صلوا لي واعبدوني، لم يجز أن يقول قائل: إنه أراد غيره، ويزيل الكلام عن ظاهره؛ فلذلك لما قال: (إلى ربها ناظرة) لم يجز لنا أن نزيل القرآن عن ظاهره بغير حجة .
    ثم يقال للمعتزلة: إن جاز لكم أن تزعموا أن قول الله تعالى: (إلى ربها ناظرة) إنما أراد به أنها إلى غيره ناظرة، فلم لا جاز لغيركم أن يقول: إن قول الله سبحانه وتعالى (2/ 41) : (لا تدركه الأبصار) (103 /6) أراد بها لا تدرك غيره، ولم يرد أنها لا تدركه ؟ وهذا مما لا يقدرون على الفرق فيه .
    ودليل آخر: ومما يدل على أن الله تعالى يرى بالأبصار قول موسى صلى الله عليه وسلم: (رب أرني أنظر إليك) من الآية (143 /7) ولا يجوز أن يكون موسى صلوات الله عليه وسلامه - وقد ألبسه الله جلباب النبيين، وعصمه بما عصم به المرسلين - قد سأل ربه ما يستحيل عليه، فإذا لم يجز ذلك على موسى صلى الله عليه وسلم علمنا أنه لم يسأل ربه مستحيلا، وأن الرؤية جائزة على ربنا تعالى .
    ولو كانت الرؤية مستحيلة على ربنا تعالى كما زعمت المعتزلة، ولم يعلم ذلك موسى صلى الله عليه وسلم وعلموه هم لكانوا على (2/ 42) قولهم أعلم بالله من موسى صلى الله عليه وسلم، وهذا مما لا يدعيه مسلم .
    فإن قال قائل: ألستم تعلمون حكم الله في الظهار اليوم، ولم يكن نبي الله صلى الله عليه وسلم يعلم ذلك قبل أن ينزل ؟
    قيل له: لم يكن يعلم نبي الله صلى الله عليه وسلم ذلك قبل أن يلزم الله العباد حكم الظهار، فلما ألزمهم الحكم به أعلم نبيه صلى الله عليه وسلم قبلهم، ثم أعلم نبي الله صلى الله عليه وسلم عباد الله ذلك، ولم يأت عليه وقت لزمه حكمه فلم يعلم صلى الله عليه وسلم، وأنتم زعمتم أن موسى صلى الله عليه وسلم وقت لزمه علمه وعلمتموه أنتم الآن لزمكم بجهلكم (2/ 43) أنكم بما لزمكم العلم به الآن أعلم من موسى صلى الله عليه وسلم بما لزمه العلم به، وهذا خروج عن دين المسلمين .
    ودليل آخر: مما يدل على جواز رؤية الله تعالى بالأبصار قوله تعالى لموسى صلى الله عليه وسلم: (فإن استقر مكانه فسوف تراني) من الآية (143 /7)
    فلما كان الله تعالى قادرا على أن يجعل الجبل مستقرا؛ كان قادرا على الأمر الذي لو فعله لرآه موسى صلى الله عليه وسلم، فدل ذلك على أن الله تعالى قادر أن يُري عباده نفسه، وأنه جائز رؤيته .
    فإن قال قائل: فلِم لا قلتم إن قول الله تعالى: (فإن استقر مكانه فسوف تراني) من الآية (143 /7) تبعيد للرؤية ؟ (2/ 44)
    قيل له: لو أراد الله عز وجل تبعيد الرؤية لقرن الكلام بما يستحيل وقوعه، ولم يقرنه بما يجوز وقوعه، فلما قرنه باستقرار الجبل وذلك أمر مقدور لله سبحانه وتعالى دل ذلك على أنه جائز أن يرى الله تعالى .
    ألا ترى أن الخنساء لما أرادت تبعيد صلحها لمن كان حربا لأخيها قرنت الكلام بأمر مستحيل فقالت: (2/ 45)
    ولا أصالح قوما كنت حربهم حتى تعود بياضا حلكة القارى
    والله تعالى إنما خاطب العرب بلغتها، وما نجده مفهوما في كلامها ومعقولا في خطابها .
    فلما قرن الرؤية بأمر مقدور جائز علمنا أن رؤية الله بالأبصار جائزة غير مستحيلة .
    دليل آخر: قال الله عز وجل: (للذين أحسنوا الحسنى وزيادة) (16 /10) ، قال أهل التأويل: النظر إلى الله عز وجل، ولم يُنعم الله تعالى على أهل الجنة بأفضل من نظرهم إليه ورؤيتهم له .
    وقال تعالى: (ولدينا مزيد) من الآية (35 /50) قيل: النظر إلى الله عز وجل .
    وقال تعالى: (تحيتهم يوم يلقونه سلام) من الآية (44 /33) ، (2/ 46) وإذا لقيه المؤمنون رأوه .
    وقال تعالى: (كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون) (15 /83) فحجبهم عن رؤيته، ولا يحجب عنها المؤمنين . (2/ 47)
    فصل
    فإن قال قائل: فما معنى قوله تعالى: (لا تدركه الأبصار) من الآية (103 /6) ؟
    قيل له: يحتمل أن يكون لا تدركه في الدنيا، وتدركه في الآخرة؛ لأن رؤية الله تعالى أفضل اللذات، وأفضل اللذات تكون في أفضل الدارين .
    ويحتمل أن يكون الله تعالى أراد بقوله: (لا تدركه الأبصار) من الآية (103 /6) يعني: لا تدركه أبصار الكافرين المكذبين، وذلك أن كتاب الله يصدق بعضه بعضا، فلما قال في آية: إن الوجوه تنظر إليه يوم القيامة، وقال في آية أخرى: إن الأبصار لا تدركه، علمنا أنه إنما أراد أبصار الكافرين لا تدركه . (2/ 48)
    مسألة والجواب عنها:
    فإن قال قائل: قد استكبر الله تعالى سؤال السائلين له أن يُرى بالأبصار، فقال: (يسألك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتابا من السماء، فقد سألوا موسى أكبر من ذلك فقالوا: أرنا الله جهرة) من الآية (153 /4)
    فيقال لهم: إن بني إسرائيل سألوا رؤية الله عز وجل على طريق الإنكار لنبوة موسى صلى الله عليه وسلم، وترك الإيمان به حتى يروا الله؛ لأنهم قالوا: (لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة) فلما سألوه الرؤية على طريق ترك الإيمان بموسى صلى الله عليه وسلم حتى يريهم الله نفسه؛ استعظم الله سؤالهم من غير أن تكون الرؤية مستحيلة عليهم، كما استعظم سؤال أهل الكتاب أن ينزل عليهم كتابا من السماء من غير أن يكون ذلك مستحيلا، ولكن لأنهم أبوا أن يؤمنوا بنبي الله حتى ينزل عليهم من السماء كتابا .
    دليل آخر (2/ 49) :
    ومما يدل على إثبات رؤية الله تعالى بالأبصار رواية الجماعات من الجهات المختلفة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (ترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر، لا تضارون في رؤيته) والرؤية إذا أطلقت إطلاقا ومثلت برؤية العيان لم يكن معناها إلا رؤية العيان، ورويت الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من طرق مختلفة عديدة، عدة رواتها أكثر من عدة خبر الرجم، ومن عدة من روى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا وصية لوارث) ، ومن عدة رواة المسح على الخفين، ومن عدة رواة قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تنكح المرأة على عمتها ولا خالتها) ، وإذا كان الرجم وما ذكرناه سننا عند المعتزلة كانت الرؤية (2/ 50) أولى أن تكون سنة؛ لكثرة رواتها ونقلتها، كذا يرويها خلف عن سلف .
    والحديث (أنَّى أراه) لا حجة فيه؛ لأنه عندما سأل سائل النبي صلى الله عليه وسلم عن رؤية الله عز وجل في الدنيا، وقال له: هل رأيت ربك ؟
    فقال: (نورٌ أنى أراه) ؟ لأن العين لا تدرك في الدنيا الأنوار المخلوقة على حقائقها؛ لأن الإنسان لو حدق ينظر إلى عين الشمس فأدام النظر إلى عينها لذهب أكثر نور بصره، فإذا كان الله سبحانه حكم في الدنيا بأن لا تقوم العين بالنظر إلى عين الشمس فأحرى أن لا يثبت البصر للنظر إلى الله تعالى في الدنيا، إلا أن يقويه الله تعالى، فرؤية الله تعالى في الدنيا قد اختلف فيها . (2/ 51)
    وقد روي عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الله عز وجل تراه العيون في الآخرة، وما روى عن أحد منهم أن الله تعالى لا تراه العيون في الآخرة، فلما كانوا على هذا مجتمعين، وبه قائلين، وإن كانوا في رؤيته تعالى في الدنيا مختلفين، ثبتت في الآخرة إجماعا، وإن كانت في الدنيا مختلفا فيها .
    ونحن إنما قصدنا إلى إثبات رؤية الله تعالى في الآخرة، على أن هذه الرواية على المعتزلة لا لهم؛ لأنهم ينكرون أن الله نور في الحقيقة .
    فإذا احتجوا بخبر هم له تاركون وعنه منحرفون، كانوا محجوجين .
    دليل آخر:
    ومما يدل على رؤية الله تعالى بالأبصار؛ أنه ليس موجود إلا وجائز أن بريناه الله عز وجل، وإنما لا يجوز أن يرى المعدوم، فلما (2/ 53) كان الله عز وجل موجودا مثبتا، كان غير مستحيل أن يرينا نفسه عز وجل، وإنما أراد من نفى رؤية الله عز وجل بالأبصار التعطيل، فلما لم يمكنهم أن يظهروا التعطيل صراحا أظهروا ما يؤول بهم إلى التعطيل والجحود، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا .
    دليل آخر:
    ومما يدل على رؤية الله سبحانه بالأبصار أن الله تعالى يرى الأشياء، وإذا كان للأشياء رائيا فلا يرى الأشياء من لا يرى نفسه، وإذا كان لنفسه رائيا فجائز أن يرينا نفسه، وذلك أن من لم يعلم نفسه لا يعلم الأشياء، فلما كان الله تعالى عالما بالأشياء كان عالما بنفسه، فكذلك من لا يرى نفسه لا يرى الأشياء، ولما كان الله عز وجل رائيا للأشياء كان رائيا لنفسه، وإذا كان رائيا لها فجائز أن يرينا نفسه، كما أنه لما كان عالما بنفسه جاز أن يعلمناها، وقد قال تعالى: (إنني معكما أسمع وأرى) من الآية (46 /20) ، فأخبر أنه يسمع كلا منهما ويراهما، ومن زعم أن الله عز وجل لا يجوز أن يُرى بالأبصار يلزمه أن لا يجوز أن يكون الله عز وجل رائيا ولا عالما ولا قادرا؛ لأن العالم والقادر الرائي جائز أن يُرى .
    مسألة:
    فإن قال قائل: قول النبي صلى الله عليه وسلم: (ترون ربكم) يعني تعلمون ربكم اضطرارا .
    قيل له: إن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه هذا على سبيل البشارة، فقال: (فكيف بكم إذا رأيتم الله سبحانه) ، ولا يجوز أن يبشرهم بأمر يشركهم فيه مع الكفار، على أن النبي صلى الله عليه وسلم قال (2/ 54) : (ترون ربكم) وليس يعني رؤية دون رؤية، بل ذلك عام في رؤية العين ورؤية القلب .
    دليل آخر:
    إن المسلمين اتفقوا على أن الجنة فيها مالا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر من العيش السليم، والنعيم المقيم، وليس نعيم في الجنة أفضل من رؤية الله تعالى بالأبصار .
    وأكثر مَن عَبَدَ اللهَ تعالى عَبَدَه للنظر إلى وجهه الكريم - أرانا الله إياه بفضله - فإذا لم يكن بعد رؤية الله عز وجل أفضل من رؤية نبيه صلى الله عليه وسلم، وكانت رؤية نبي الله أفضل لذات الجنة كانت رؤية الله عز وجل أفضل من رؤية نبيه صلى الله عليه وسلم .
    وإذا كان ذلك كذلك لم يحرم الله أنبياءه المرسلين، وملائكته (2/ 55) المقربين، وجماعة المؤمنين، والصديقين النظر إلى وجهه الكريم، وذلك أن الرؤية لا تؤثر في المرئي؛ لأن رؤية الرائي تقوم به، فإذا كان هذا هكذا، وكانت الرؤية غير مؤثرة في المرئي لم توجب تشبيها ولا انقلابا عن حقيقة، ولم يستحل على الله عز وجل أن يَري عباده المؤمنين نفسه في جنانه .
    مسألة في الرؤية:
    احتجت المعتزلة في أن الله عز وجل لا يُرى بالأبصار بقوله تعالى: (لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار) من الآية (103 /6) ، قالوا: فلما عطف الله عز وجل بقوله: (وهو يدرك الأبصار) على قوله (لا تدركه الأبصار) ، وكان قوله: (وهو يدرك الأبصار) على العموم أنه يدركها في الدنيا والآخرة، وأنه يراها في الدنيا والآخرة، كان قوله (2/ 56) : (لا تدركه الأبصار) دليلا على أنه لا تراه الأبصار في الدنيا والآخرة، وكان في العموم كقوله: (وهو يدرك الأبصار) ؛ لأن أحد الكلامين معطوف على الآخر .
    قيل لهم: فيجب إذا كان عموم القولين واحدا، وكانت الأبصار أبصار العيون وأبصار القلوب؛ لأن الله تعالى قال: (فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور) (46 /22) ، وقال: (أولي الأيدي والأبصار) (45 /38) أي فهي بالأبصار، فأراد أبصار القلوب وهي التي يفضل بها المؤمنون الكافرين، ويقول أهل اللغة: فلان بصير بصناعته، يريدون بصر العلم، ويقولون: قد أبصرته بقلبي، كما يقولون قد أبصرته بعيني، فإذا كان البصر بصر العين (2/ 57) وبصر القلب ثم أوجبوا علينا أن يكون قوله تعالى: (لا تدركه الأبصار) في العموم كقوله: (وهو يدرك الأبصار) ؛ لأن أحد الكلامين معطوف على الآخر، وجب عليهم بحجتهم أن الله تعالى لا يُدرك بأبصار العيون ولا بأبصار القلوب؛ لأن قوله: (لا تدركه الأبصار) في العموم كقوله: (وهو يدرك الأبصار) وإذا لم يكن عندهم هكذا فقد وجب أن يكون قوله تعالى: (لا تدركه الأبصار) أخص من قوله: (وهو يدرك الأبصار) وانتقض احتجاجهم .
    وقيل لهم: إنكم زعمتم أنه لو كان قوله: (لا تدركه الأبصار) خاصا في وقت دون وقت لكان قوله: (وهو يدرك الأبصار) خاصا في وقت دون وقت (2/ 58) ، وكان قوله: (ليس كمثله شيء) من الآية (11 /42) ، وقوله: (لا تأخذه سِنَة ولا نوم) من الآية (255 /2) ، وقوله: (لا يظلم الناس شيئا) من الآية (44 /10) في وقت دون وقت، فإن جعلتم قوله تعالى: (لا تدركه الأبصار) من الآية (103 /6) خاصا رجع احتجاجكم عليكم، وقيل لكم: إذا كان قوله: (لا تدركه الأبصار) خاصا ولم يجب خصوص هذه الآيات فلم أنكرتم أن يكون قوله عز وجل: (لا تدركه الأبصار) إنما أراد في الدنيا دون الآخرة ؟ وكما أن قوله: (لا تدركه الأبصار) أراد بعض الأبصار دون بعض، ولا يوجب ذلك تخصيص هذه الآيات التي عارضتمونا بها . (2/ 59)
    فإن قالوا: قوله تعالى: (لا تدركه الأبصار) يوجب أن لا يدرك بها في الدنيا والآخرة، وليس ينفي ذلك أن نراه بقلوبنا، ونبصره بها، ولا ندركه بها .
    قيل لهم: فما أنكرتم أن يكون لا تدركه بإبصار العيون لا يوجب إذا لم ندركه بها أن لا نراه، فرؤيتنا له بالعيون وإبصارنا له بها ليس بإدراك له بها، كما أن إبصارنا له بالقلوب ورؤيتنا له بها ليس بإدراك له بها .
    فإن قالوا: رؤية البصر هي إدراك البصر .
    قيل لهم: ما الفرق بينكم وبين من قال: إن رؤية القلب وإبصاره هو إدراكه وإحاطته، فإذا كان علم القلب بالله عز وجل وإبصار القلب له رؤيته إياه ليس بإحاطة ولا إدراك فما أنكرتم أن يكون رؤية العيون وإبصارها لله عز وجل ليس بإحاطة ولا إدراك .
    مسألة:
    ويقال لهم: إذا كان قول الله سبحانه: (لا تدركه الأبصار) في العموم (2/ 60) كقوله: (وهو يدرك الأبصار) ؛ لأن أحد الكلامين معطوف على الآخر، فخبرونا أليس الأبصار والعيون لا تدركه رؤية ولا لمسا ولا ذوقا ولا على وجه من الوجوه ؟
    فمن قولهم: نعم، فيقال لهم: أخبرونا عن قوله تعالى: (وهو يدرك الأبصار)
    أتزعمون أنه يدركها لمسا وذوقا بأن يلمسها ؟ فمن قولهم: لا .
    فيقال لهم: فقد انتقض قولكم: إن قوله: (وهو يدرك الأبصار) في العموم كقوله: (لا تدركه الأبصار) .
    مسألة:
    إذا قال قائل منهم: إن البصر في الحقيقة هو بصر العين لا بصر القلب .قيل له: (2/ 61) ولِم زعمت هذا وقد سمى أهل اللغة بصر القلب بصرا، كما سموا بصر العين بصرا، وإن جاز لك ما قلته جاز لغيركم أن يزعم أن البصر في الحقيقة هو بصر القلب دون العين، وإذا لم نجز هذا فقد وجب أن البصر بصر العين وبصر القلب .
    مسألة:
    ويقال لهم: حدثونا عن قول الله عز وجل: (وهو يدرك الأبصار) ما معناه ؟
    فإن قالوا: معنى (يدرك الأبصار) أنه يعلمها .
    قيل لهم: وإذا كان أحد الكلامين معطوفا على الآخر، وكان قوله تعالى: (وهو يدرك الأبصار) معناه يعلمها، فقد وجب أن يكون قوله تعالى: (لا تدركه الأبصار) لا تعلمه، وهذا نفي للعلم لا لرؤية الأبصار .
    فإن قالوا: معنى قوله تعالى: (وهو يدرك الأبصار) أنه يراها رؤية ليس معناها العلم . قيل لهم (2/ 62) : فالأبصار التي في العيون يجوز أن ترى ؟
    فإن قالوا: نعم، نقضوا قولهم: إنا لا نرى بالبصر إلا من جنس ما نرى الساعة، فإن جاز أن يرى الله وكل ما ليس من جنس المرئيات وهو الإبصار الذي في العين، فلِم لا يجوز أن يرى نفسه وإن لم يكن من جنس المرئيات ؟ ولِم لا يجوز أن يرينا نفسه وإن لم يكن من جنس المرئيات ؟
    ويقال لهم: حدثونا إذا رأينا شيئا فبصرنا يراه أو إنما يراه الرائي دون البصر ؟
    فمن قولهم: إنه محال أن يرى البصر الذي في العين .
    فيقال لهم: الآية تنفي أن تراه الأبصار، ولا تنفي أن يراه المبصرون .
    وإنما قال الله: (لا تدركه الأبصار) فهذا يدل على أن المبصرين لا يرونه على ظاهر الآية الشريفة . (2/ 63)
    الباب الثاني الكلام في أن القرآن كلام الله تعالى غير مخلوق
    إن سأل سائل عن الدليل على أن القرآن كلام الله غير مخلوق .
    قيل له الدليل على ذلك قوله تعالى: (ومن آياته أن تقوم السماء والأرض بأمره) من الآية (25 /30) وأمر الله كلامه، فلما أمرهما بالقيام فقامتا لا يهويان ؟ كان قيامهما بأمره .
    وقال عز وجل: (ألا له الخلق والأمر) من الآية (54 /7) ، فالخلق جميع ما خلق داخل فيه؛ لأن الكلام إذا كان لفظه عاما فحقيقته أنه عام، ولا يجوز لنا أن نزيل الكلام عن حقيقته بغير حجة ولا برهان، فلما قال (2/ 64) : (ألا له الخلق) كان هذا في جميع الخلق، ولما قال: (والأمر) ذكر أمرا غير جميع الخلق، فدل ما وصفنا على أن أمر الله غير مخلوق .
    فإن قال قائل: أليس قد قال الله تعالى في كتابه: (من كان عدوا لله وملائكته ورسله وجبريل) من الآية (98 /2) .
    قيل له: نحن نخص القرآن بالإجماع وبالدليل، فلما ذكر الله عز وجل نفسه وملائكته ولم يدخل في ذكر الملائكة جبريل وميكائيل وإن كانا من الملائكة، ثم ذكرهما بعد ذلك كأنه قال: الملائكة إلا جبريل وميكائيل، ثم ذكرهم بعد ذكر الملائكة فقال: وجبريل وميكائيل .
    ولما قال: (ألا له الخلق والأمر) من الآية (54 /7) ، ولم يخص قوله الخلق دليل، كان قوله ألا له الخلق في جميع (2/ 65) الخلق، ثم قال بعد ذكره الخلق " والأمر " فأبان الأمر من الخلق، وأمرُ الله كلامه، وهذا يوجب أن كلام الله غير مخلوق .
    وقال سبحانه: (لله الأمر من قبل ومن بعد) من الآية (4 /30) يعني من قبل أن يخلق الخلق ومن بعد ذلك، وهذا يوجب أن الأمر غير مخلوق .
    دليل آخر:
    ومما يدل من كتاب الله على أن كلامه غير مخلوق؛ قوله سبحانه: (إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون) (40 /16) فلو كان القرآن مخلوقا لوجب أن يكون مقولا له: (كن فيكون) .
    ولو كان الله عز وجل قائلا للقول: " كن " لكان للقول قولا، وهذا يوجب أحد أمرين:
    إما أن يؤول الأمر إلى أن قوله تعالى غير مخلوق .
    أو يكون كل قول واقع بقول لا إلى غاية، وذلك محال، وإذا استحال ذلك صح وثبت أن لله عز وجل قولا غير مخلوق . (2/ 66)
    سؤال:
    فإن قال قائل: معنى قول الله: (أن يقول له كن فيكون) إنما يكون فيكون .
    قيل: الظاهر أن يقول له، ولا يجوز أن يكون قول الله للأشياء كلها كوني هو الأشياء؛ لأن هذا يوجب أن تكون الأشياء كلها كلاما لله عز وجل، ومن قال ذلك أعظم الفرية؛ لأنه يلزمه أن يكون كل شيء في العالم من إنسان وفرس وحمار وغير ذلك كلام الله، وفي هذا ما فيه .
    فلما استحال ذلك؛ صح أن قول الله للأشياء كوني غيرها، وإذا كان غير المخلوقات فقد خرج كلام الله عز وجل عن أن يكون مخلوقا، ويلزم من يثبت كلام الله مخلوقا أن يثبت الله غير متكلم ولا قائل، وذلك فاسد، كما يفسد أن يكون علم الله مخلوقا، وأن يكون الله غير عالم .
    فلما كان الله عز وجل لم يزل عالما؛ إذ لم يجز أن يكون لم يزل بخلاف العلم موصوفا، استحال أن يكون لم يزل بخلاف الكلام موصوفا؛ لأن خلاف الكلام الذي لا يكون معه كلام سكوت أو آفة، كما أن خلاف العلم الذي لا يكون معه علم جهل أو شك أو آفة، ويستحيل أن يوصف ربنا (2/ 67) جل وعلا بخلاف العلم .
    وكذلك يستحيل أن يوصف بخلاف الكلام من السكوت والآفات، فوجب لذلك أن يكون لم يزل متكلما، كما وجب أن يكون لم يزل عالما .
    دليل آخر:
    وقال الله تعالى: (قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي) من الآية (109 /18) ، فلو كانت البحار مدادا للكتبة لنفدت البحار وتكسرت الأقلام ولم يلحق الفناء كلمات ربي، كما لا يلحق الفناء علم الله تعالى، ومن فني كلامه لحقته الآفات وجرى عليه السكوت، فلما لم يجز ذلك على ربنا سبحانه صح أنه لم يزل متكلما؛ لأنه لو لم يكن متكلما وجب السكوت والآفات، تعالى ربنا عن قول الجهمية علوا كبيرا . (2/ 68)
    فصل
    وزعمت الجهمية - كما زعمت النصارى - أن كلمة الله تعالى حواها بطن مريم رضي الله عنها، وزادت الجهمية عليهم فزعمت أن كلام الله مخلوق حل في شجرة، وكانت الشجرة حاوية له؛ فلزمهم أن تكون الشجرة بذلك الكلام متكلمة، ووجب عليهم أن مخلوقا من المخلوقين كلم موسى صلى الله عليه وسلم، وأن الشجرة قالت: يا موسى إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني .
    فلو كان كلام الله مخلوقا في شجرة لكان المخلوق قال: يا موسى إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني، وقد قال تعالى: (ولكن حق القول مني لأملأنّ جهنم من الجنة والناس (2/ 69) أجمعين) (13 /32) وكلام الله من الله تعالى، فلا يجوز أن يكون كلامه الذي هو منه مخلوقا في شجرة مخلوقة، كما لا يجوز أن يكون علمه الذي هو منه مخلوقا في غيره، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا .
    مسألة:
    ويقال لهم: كما لا يجوز أن يخلق الله إرادته في بعض المخلوقات، كذلك لا يجوز أن يخلق كلامه في بعض المخلوقات، ولو كانت إرادة الله مخلوقة في بعض المخلوقات لكان ذلك المخلوق هو المريد بها، وذلك يستحيل، وكذلك يستحيل أن يخلق الله كلامه في مخلوق؛ لأن هذا يوجب أن ذلك المخلوق متكلم به، ويستحيل أن يكون كلام الله كلاما للمخلوق .
    دليل آخر:
    ومما يبطل قولهم إن الله قال مخبرا عن المشركين أنهم قالوا: (إن هذا إلا قول البشر) (25 /74) يعني القرآن (2/ 70) .
    فمن زعم أن القرآن مخلوق فقد جعله قولا للبشر، وهذا ما أنكره الله على المشركين .
    وأيضا فلو لم يكن الله متكلما حتى خلق الخلق ثم تكلم بعد ذلك لكانت الأشياء قد كانت لا عن أمره ولا عن قوله، ولم يكن قائلا لها كوني .
    وهذا رد للقرآن، والخروج عما عليه جمهور أهل الإسلام . (2/ 71)
    فصل
    واعلموا - رحمكم الله - أن قول الجهمية: " إن كلام الله مخلوق "، يلزمهم به أن يكون الله تعالى لم يزل كالأصنام التي لا تنطق ولا تتكلم، لو كان لم يزل غير متكلم؛ لأن الله تعالى يخبر عن إبراهيم عليه الصلاة والسلام أنه قال لقومه لما قالوا له: (أأنت فعلت هذا بآلهتنا يا إبراهيم) من الآية (62 /21) (قال بل فعله كبيرهم هذا فاسألوهم إن كانوا ينطقون) (63 /21) ، فاحتج عليهم بأن الأصنام إذا لم تكن ناطقة متكلمة لم تكن آلهة، وأن الإله لا يكون غير ناطق ولا متكلم، فلما كانت الأصنام التي لا يستحيل أن يحييها الله وينطقها لا تكون آلهة فكيف يجوز أن يكون من يستحيل عليه الكلام في قدمه إلها ؟ تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا . (2/ 72)
    وإذا لم يجز أن يكون الله سبحانه وتعالى في قدمه بمرتبة دون مرتبة الأصنام التي لا تنطق؛ فقد وجب أن يكون الله لم يزل متكلما .
    دليل آخر:
    وقد قال الله تعالى مخبرا عن نفسه أنه يقول: (لمن الملك اليوم) من الآية (16 /40) وجاءت الرواية أنه يقول هذا القول ولا يرد عليه أحد شيئا، فيقول: (لله الواحد القهار) من الآية (16 /40) ، فإذا كان الله قائلا مع فناء الأشياء؛ إذ لا إنسان ولا ملك ولا حي ولا جان ولا شجر ولا مدر، فقد صح أن كلام الله خارج عن الخلق؛ لأنه يوجد ولا شيء من المخلوقات موجود .
    دليل آخر:
    وقد قال الله تعالى: (وكلم الله موسى تكليما) (164 /40) ، والتكليم هو المشافهة بالكلام، ولا يجوز أن يكون كلام المتكلم حالا في غيره، مخلوقا في شيء سواه، كما لا يجوز ذلك في العلم . (2/ 73)
    دليل آخر:
    وقال الله تعالى: (قل هو الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد) سورة الإخلاص ورقمها (112) ، فكيف يكون القرآن مخلوقا وأسماء الله في القرآن ؟ هذا يوجب أن تكون أسماء الله مخلوقة، ولو كانت أسماؤه مخلوقة لكانت وحدانيته مخلوقة، وكذلك علمه وقدرته . تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا .
    دليل آخر:
    وقد قال الله تعالى: (تبارك اسم ربك) من الآية (78 /55) ولا يقال لمخلوق " تبارك " فدل هذا على أن أسماء الله غير مخلوقة، وقال: (ويبقى وجه ربك) من الآية (27 /55) (2/ 74) فكما لا يجوز أن يكون وجه ربنا مخلوقا، فكذلك لا يجوز أن تكون أسماؤه مخلوقة .
    دليل آخر:
    وقد قال الله تعالى: (شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم قائما بالقسط) من الآية (18 /3) ولا بد أن يكون شهد بهذه الشهادة، وسمعها من نفسه؛ لأنه إن كان سمعها من مخلوق فليست شهادة له، وإذا كانت شهادة له وقد شهد بها فلا يخلو أن يكون شهد بها قبل كون المخلوقات؛ أو بعد كون المخلوقات .
    فإن كان شهد بها بعد كون المخلوقات؛ فلم يسبق شهادته لنفسه بآلهية الخلق، و كيف يكون ذلك كذلك ؟ وهذا يوجب أن التوحيد لم يكن يشهد به شاهد قبل الخلق، ولو استحالت الشهادة بالوحدانية قبل كون الخلق لاستحال إثبات التوحيد ووجوده، وأن يكون واحدا قبل الخلق؛ لأن ما يستحيل الشهادة عليه فمستحيل .
    وإن كانت شهادته لنفسه قبل الخلق بالتوحيد فقد بطل أن يكون كلام الله تعالى مخلوقا؛ لأن كلام الله شهادته . (2/ 75)
    دليل آخر:
    ومما يدل عليه بطلان قول الجهمية، وأن القرآن كلام الله غير مخلوق: أن أسماء الله من القرآن، وقد قال الله سبحانه: (سبح اسم ربك الأعلى الذي خلق فسوى) (1 - 2 /87) ولا يجوز أن يكون (اسم ربك الأعلى الذي خلق فسوى) مخلوقا، كما لا يجوز أن يكون (جد ربنا) من الآية (3 /72) مخلوقا، قال الله تعالى في سورة الجن: (وإنه تعالى جد ربنا) من الآية (3 /72) ، وكما لا يجوز أن تكون عظمته مخلوقة كذلك لا يجوز أن يكون كلامه مخلوقا .
    دليل آخر:
    وقد قال الله تعالى: (وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء) من الآية (51 /42) فلو كان كلام الله لا يوجد إلا مخلوقا في شيء مخلوق؛ لم يكن لاشتراط هذه الوجوه معنى؛ لأن الكلام قد سمعه جميع الخلق ووجدوه - بزعم الجهميّة - مخلوقا في غير الله (2/ 76) تعالى، وهذا يوجب إسقاط مرتبة النبيين صلوات الله عليهم أجمعين .
    ويجب عليهم إذا زعموا أن كلام الله لموسى خلقه في شجرة؛ أن يكون من سمع كلام الله عز وجل من ملك أو من نبي أتى به من عند الله أفضل مرتبة من سماع الكلام من موسى؛ لأنهم سمعوه من نبي ولم يسمعه موسى من الله عز وجل، وإنما سمعه من شجرة، وأن يزعموا أن اليهودي إذا سمع كلام الله من النبي عليه الصلاة والسلام أفضل مرتبة في هذا المعنى من موسى صلى الله عليه وسلم؛ لأن اليهودي سمعه من نبي من أنبياء الله، وموسى سمعه مخلوقا في شجرة، ولو كان مخلوقا في شجرة لم يكن مكلما لموسى من وراء حجاب؛ لأن من حضر الشجرة من الجن والإنس قد سمعوا الكلام من ذلك المكان، وكان سبيل موسى وغيره في ذلك سواء في أنه ليس كلام الله له من وراء حجاب .
    مسألة:
    ثم يقال لهم: إذا زعمتم أن معنى أن الله عز وجل كلم موسى أنه خلق (2/ 77) كلاما كلمه به في الشجرة وقد خلق الله عندكم في الذراع كلاما؛ لأن الذراع قالت لرسول الله صلى الله عليه وسلم لا تأكلني فإني مسمومة، فيلزمكم أن ذلك الكلام الذي سمعه النبي صلى الله عليه وسلم كلام الله تعالى، فإن استحال أن يكون الله تكلم بذلك الكلام المخلوق فما أنكرتم من أنه يستحيل أن يخلق الله عز وجل كلامه في شجرة؛ لأن الكلام المخلوق لا يكون كلاما لله، فإن كان كلام الله وكان معنى أن الله تكلم عندكم أنه خلق الكلام؛ فيلزمكم أن يكون الله متكلما بالكلام الذي خلقه في الذراع، فإن أجابوا إلى ذلك؛ قيل لهم: فالله تعالى على قولكم هو القائل لا تأكلني فإني مسمومة . تعالى الله عن قولكم وافترائكم عليه علوا كبيرا .
    وإن قالوا: لا يجوز أن يكون كلام الله مخلوقا في ذراع (2/ 78) .
    قيل لهم: وكذلك لا يجوز أن يكون كلام الله مخلوقا في شجرة .
    مسألة:
    ثم يسألون عن الكلام الذي أنطق الله تعالى به الذئب لما أخبر عن نبوة النبي صلى الله عليه وسلم .
    فيقال لهم: إذا كان الله عز وجل يتكلم بكلام خلقه في غيره، فما أنكرتم أن يكون الكلام الذي سمعه من الذئب كلاما لله، ويكون إعجازه يدل على أنه كلام الله، وفي هذا ما يجب عليهم أن الذئب لم يتكلم به، وأنه كلام الله تعالى؛ لأن كون الكلام من الذئب معجز، كما أن كونه من الشجرة معجز، فإن كان الذئب متكلما بذلك الكلام المنقول فما أنكرتم أن الشجرة متكلمة بالكلام إن كان خلق في الشجرة، وأن يكون المخلوق فيه قال: (يا موسى إني أنا الله) . تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا .
    مسألة:
    ثم يقال لهم: إذا كان كلام الله عز وجل مخلوقا في غيره عندكم (2/ 79) فما يؤمنكم أن يكون كل كلام تسمعونه مخلوقا في شيء، وهو حق أن يكون كلاما لله سبحانه ؟
    فإن قالوا: لا تكون الشجرة متكلمة؛ لأن المتكلم لا يكون إلا حيا .
    قيل لهم: ولا يجوز خلق الكلام في شجرة؛ لأن من خلق الكلام فيه لا يكون إلا حيا، فإن جاز أن يخلق الكلام فيما ليس بحي فلِمَ لا يجوز أن يتكلم من ليس بحي . ويقال لهم: لِمَ لا قلتم إنه يقول من ليس بحي، لأن الله عز وجل أخبر أن السماوات والأرض: (قالتا أتينا طائعين) من الآية (11 /41) .
    مسألة:
    ثم يقال لهم: أليس قد قال الله عز وجل لإبليس: (وإن عليك لعنتي إلى يوم الدين) (78 /38) ؟ فلا بد من نعم .
    قيل لهم: فإذا كان كلام الله مخلوقا وكانت المخلوقات فانيات؛ فيلزمكم إذا أفنى الله عز وجل الأشياء أن تكون اللعنة على إبليس (2/ 80) قد فنيت، فيكون إبليس غير *****، وهذا ترك دين المسلمين، ورُدَّ لقوله تعالى: (وإن عليك لعنتي إلى يوم الدين) (78 /38) ، وإذا كانت اللعنة باقية على إبليس إلى يوم الدين؛ وهو يوم الجزاء، وهو يوم القيامة؛ لأن الله تعالى قال (مالك يوم الدين) (4 /1) يعني يوم الجزاء، ثم هي أبدا في النار واللعنة كلام الله وهو قوله (عليك لعنتي) فقد وجب أن يكون الله عز وجل لا يجوز عليه الفناء، وأنه غير مخلوق؛ لأن المخلوقات يجوز عليها العدم، فإذا لم يجز ذلك على كلام الله عز وجل فهو غير مخلوق .
    مسألة:
    ثم يقال لهم: إذا كان غضب الله غير مخلوق، وكذلك رضاه وسخطه، فلِم لا قلتم إن كلامه غير مخلوق ؟ ومن زعم أن غضب الله (2/ 81) مخلوق لزمه أن غضب الله وسخطه على الكافرين يفنى، وأن رضاه عن الملائكة والنبيين يفنى، حتى لا يكون راضيا عن أوليائه ولا ساخطا عن أعدائه، وهذا هو الخروج عن الإسلام .
    مسألة:
    ويقال: خبرونا عن قول الله تعالى: (إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون) (40 /16)
    أتزعمون أن قوله للشيء " كن " مخلوق مرادا لله ؟ فإن قالوا: لا، قيل لهم: فما أنكرتم أن يكون كلام الله الذي هو القرآن غير مخلوق، كما زعمتم أن قول الله للشيء " كن " غير مخلوق .
    وإن زعموا أن قول الله للشيء " كن " مخلوق .
    قيل لهم: فإذا زعمتم أنه مخلوق مراد فقد قال الله عز وجل (2/ 82) : (إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون) (40 /16) ؛ فيلزمكم أن قوله تعالى للشيء (كن) قد قال له: (كن) .
    وفي هذا ما يجب أحد أمرين:
    إما أن يكون قول الله لغيره كن غير مخلوق، أو يكون لكل قول لا إلى غاية وذلك محال .
    فإن قالوا: إن لله قولا غير مخلوق .
    قيل لهم: فما أنكرتم أن تكون إرادة الله للإيمان غير مخلوقة .
    ثم يقال لهم ما العلة التي إنما قلتم إن قول الله للشيء (كن) غير مخلوق .
    فإن قالوا: لأن القول لا يقال له (كن) فيقال لهم القرآن غير مخلوق؛ لأنه قول الله، والله لا يقول لقوله (كن) .
    مسألة على الجهمية:
    ويقال لهم: أليس لم يزل الله عالما بأوليائه وأعدائه (2/ 83) ؟
    فلا بد من نعم .
    قيل لهم: فهل تقولون إنه لم يزل مريدا للتفرقة بين أوليائه وأعدائه ؟
    فإن قالوا نعم، قيل لهم: فإذا كانت إرادة الله لم تزل فهي غير مخلوقة، وإذا كانت إرادته غير مخلوقة فلِم لا قلتم إن كلامه غير مخلوق ؟
    فإن قالوا: لا نقول لم يزل مريدا للتفرقة بين أوليائه وأعدائه، زعموا أن الله لا يريد التفرقة بين أوليائه وأعدائه، ونسبوه سبحانه إلى النقص . تعالى عن قول القدرية علوا كبيرا .
    مسألة:
    ويقال لهم: إن الشيء المخلوق إما أن يكون بدنا من الأبدان، شخصا من الأشخاص؛ أو يكون نعتا من نعوت الأشخاص .
    فلا يجوز أن يكون كلام الله شخصا؛ لأن الأشخاص يجوز عليها الأكل والشرب والنكاح، ولا يجوز ذلك على كلام الله تعالى .
    ولا يجوز أن يكون كلام الله نعتا لشخص مخلوق؛ لأن النعوت لا تبقى طرفة عين؛ لأنها لا تحتمل البقاء، وهذا يوجب أن يكون كلام الله قد فني ومضى . (2/ 84)
    فلما لم يجز أن يكون شخصا ولا نعتا لشخص لم يجز أن يكون مخلوقا، على أن الأشخاص يجوز أن تموت .
    فمن يثبت كلام الله شخصا مخلوقا لزمه أن يجوز الموت على كلام الله عز وجل، وذلك ما لا يجوز .
    وأيضا فلا يجوز أن يكون كلام الله مخلوقا في شخص مخلوق، كما لا يجوز أن يكون نعتا لشخص مخلوق، ولو كان مخلوقا في شخص، وكلام الإنسان مفعولا فيه، كما لا يمكن التفريق بين كلام الله وكلام الخلق إذا كانا مخلوقين في شخص مخلوق، كما لا يجوز أن يكون علمه مخلوقا في شخص مخلوق .
    مسألة:
    ويقال لهم أيضا: لو كان كلام الله مخلوقا لكان جسما أو نعتا لجسم، ولو كان جسما لجاز أن يكون متكلما، والله قادر على قلبهما، وفي هذا ما يلزمهم، ويجب عليهم أن يجوزوا أن يقلب الله القرآن إنسانا أو جنيا (2/ 86) أو شيطانا . تعالى الله عز وجل أن يكون كلامه كذلك .
    و لو كان نعتا لجسم كالنعوت؛ فالله قادر على أن يجعلها أجساما، لكان يجد على الجهمية أن يجوزوا أن يجعل الله القرآن جسما متجسدا، يأكل ويشرب، وأن يجعله إنسانا ويميته، وهذا ما لا يجوز على كلام الله، تعالى عن ذلك . (2/ 87)
    الباب الثالث في ذكر الرواية في القرآن
    قال أبو بكر: أتيت أنا والعباس بن عبد العظيم العنبري أبا عبد الله أحمد بن حنبل، فسأل العباسُ أبا عبد الله - رحمه الله، ورضي عنه - فقال له: قوم ههنا قد حدثوا يقولون: القرآن لا مخلوق ولا غير مخلوق .
    فقال: هؤلاء أضر من الجهمية على الناس، ويلكم فإن لم تقولوا ليس بمخلوق فقولوا مخلوق .
    قال أبو عبد الله: هؤلاء قوم سوء .
    فقال العباس: ما تقول يا أبا عبد الله ؟
    فقال: الذي أعتقد وأذهب إليه ولا أشك فيه أن القرآن غير مخلوق . (2/ 88)
    ثم قال: سبحان الله ومن يشك في هذا ؟ !
    ثم تكلم أبو عبد الله مستعظما للشك في ذلك، فقال: سبحان الله أفي هذا شك ؟ ! قال الله تبارك وتعالى: (ألا له الخلق والأمر) من الآية (54 /7) وقال: (الرحمن علم القرآن خلق الإنسان) (1 - 3 /55) ففَرَّق بين الإنسان وبين القرآن، فقال: " علَّمَ " " خلَقَ " فجعل يعيدها " علَّم " " خلَقَ " أي فَرْقٌ بينهما .
    قال أبو عبد الله: والقرآن علم الله، ألا تراه يقول: (علم القرآن) والقرآن فيه أسماء الله عز وجل، أي شيء يقولون ؟ ألا يقولون: إن أسماء الله غير مخلوقة، لم يزل الله قديرا عليما عزيزا حكيما سميعا بصيرا، لسنا نشك أن أسماء الله عز وجل غير مخلوقة، لسنا نشك أن علم الله عز وجل غير مخلوق، فالقرآن من علم الله وفيه أسماء الله، فلا نشك أنه غير مخلوق، وهو كلام الله عز وجل، ولم يزل به متكلما، ثم (2/ 89) قال: وأي كفر من هذا ؟ وأي كفر أشر من هذا ؟
    إذا زعموا أن القرآن مخلوق فقد زعموا أن أسماء الله مخلوقة، وأن علم الله مخلوق، ولكن الناس يتهاونون بهذا ويقولون، إنما يقولون القرآن مخلوق ويتهاونون به ويظنون أنه هين، ولا يدرون ما فيه وهو الكفر، وأنا أكره أن أبوح بهذا لكل أحد، وهم يسألون وأنا أكره الكلام في هذا، فبلغني أنهم يدعون أني أمسك .
    فقلت له: فمن قال القرآن مخلوق ولا يقول إن أسماء الله مخلوقة ولا علمه لم يزد على هذا، أقول: هو كافر ؟
    فقال: هكذا هو عندنا .
    ثم قال أبو عبد الله: نحن نحتاج أن نشك في هذا القرآن عندنا فيه أسماء الله وهو من علم الله، فمن قال: إنه مخلوق فهو عندنا كافر .
    فجعلت أردد عليه، فقال لي العباس - وهو يسمع - سبحان الله أما يكفيك دون هذا .
    فقال أبو عبد الله: بلى .
    وذكر الحسين بن عبد الأول، قال: سمعت وكيعا يقول: من قال: القرآن مخلوق فهو مرتد يستتاب، فإن تاب وإلا قتل . (2/ 90)
    وذكر محمد بن الصباح البزار، قال: حدثنا علي بن الحسين بن شعبان، قال: سمعت ابن المبارك يقول: إنا نستطيع أن نحكي كلام اليهود والنصارى، ولا نستطيع أن نحكي كلام الجهمية .
    قال محمد: نقول: نخاف أن نكفر ولا نعلم .
    وذكر هارون بن إسحاق الهمداني عن أبي نعيم، عن سليمان بن عيسى القاري، عن سفيان الثوري رضي الله عنه قال: قال لي حماد بن أبي سليمان: أبلغ أبا حنيفة المشرك أنى منه بريء ؟
    قال سليمان: ثم قال سفيان؛ لأنه كان يقول القرآن مخلوق .وحاشى الإمام الأعظم أبو حنيفة رضي الله عنه من هذا القول، بل هو زور وباطل، فإن أبا حنيفة من أفضل أهل السنة .
    وذكر سفيان بن وكيع قال: سمعت عمر بن حماد بن أبي سليمان قال: أخبرني أبي قال: الكلام الذي استتاب فيه ابن أبي ليلى أبا حنيفة هو قوله: القرآن مخلوق، قال: فتاب منه وطاف به في الخلق، قال أبى: فقلت له كيف صرت إلى هذا، قال: خفت والله أن يقدم عليَّ فأعطيته التقية . (2/ 91)
    وذكر هارون بن إسحاق قال: سمعت إسماعيل بن أبي الحكم يذكر عن عمر بن عبيد الطنافسي إن حماد - يعني ابن أبي سليمان - بعث إلى أبي حنيفة: أني بريء مما تقول، إلا أن تتوب، وكان عنده ابن أبي عقبة، قال: فقال: أخبرني جارك أن أبا حنيفة دعاه إلى ما استتيب منه بعد ما استتيب .
    وهذا كذب محض على أبي حنيفة رضي الله عنه .
    وذكر عن أبي يوسف قال: ناظرت أبا حنيفة رضي الله عنه شهرين حتى رجع عن خلق القرآن .
    وقال سليمان بن حرب: القرآن غير مخلوق، وأخذته من كتاب الله تعالى، قال الله تعالى: (لا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم) من الآية (77 /3) ، وكلام الله ونظره واحد، يعني غير مخلوق .
    وذكر الحسين بن عبد الأول، قال: حدثنا محمد بن الحسن ابن أبي يزيد الهمذاني عن عمرو بن قيس، عن أبي قيس المديني، عن عطية، عن أبي سعيد الخدري قال: قال (2/ 92) رسول الله صلى الله عليه وسلم: (فضل كلام الله عز وجل على سائر الكلام كفضل الله على خلقه) ، فهذا يثبت أن القرآن كلام الله عز وجل، وما كان كلاما لله عز وجل لم يكن خلقا لله، وقد بين الله أن القرآن كلامه بقوله عز وجل: (حتى يسمع كلام الله) من الآية (6 /9) ، ودل على ذلك في مواضع من كتابه العزيز، وقد قال الله تعالى مخبرا أن الله كلم موسى تكليما .
    وروى وكيع عن الأعمش عن خيثمة، عن عدى بن حاتم، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه ليس بينه وبينه ترجمان)
    ومما يدل أن الله عز وجل متكلم، وأن له كلاما ما رواه (2/ 93) عفان، قال: ثنا حماد بن سلمة عن الأشعب الحداني عن شهر ين حوشب قال: (فضل كلام الله عز وجل على سائر الكلام كفضل الله على خلقه)
    وروى يعلى بن المنهال السعدي، قال: حدثنا إسحاق بن سليمان الرازي، قال: ثنا الجراح بن الضحاك الكندي، عن علقمة بن مرثل، عن أبي عبد الرحمن السلمي، عن عثمان بن عفان رضي الله عنه قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أفضلكم من تعلم القرآن وعلمه) ، وقال: (إن فضل القرآن على سائر الكلام كفضل الله على خلقه) ، (2/ 94) وذلك أنه منه .
    وروى سعيد بن داود، قال: حدثنا أبو سفيان، عن معمر، عن قتادة قوله تعالى: (ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله) الآية، من الآية (27 /31) .
    وذكر هارون بن معروف قال: حدثنا جرير، عن منصور، عن هلال بن أساف، عن فروة بن نوفل وقال: كنت جارا لخباب بن الأرت، فقال لي: يا هذا تقرب إلى الله عز وجل بما استطعت فإنك لن تتقرب إلى الله بشيء أحب إليه من كلامه .
    وروى عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى: (قرآنا عربيا غير ذي عوج) من الآية (28 /39) ، (2/ 95) قال: غير مخلوق .
    وروى الليث بن يحيى، قال: حدثني إبراهيم بن أبي الأشعث، قال: سمعت مؤمل ابن إسماعيل يحدث عن الثوري، قال: من زعم أن القرآن مخلوق فقد كفر .
    وصحت الرواية عن جعفر بن محمد أن القرآن لا خالق ولا مخلوق .
    وروي ذلك عن عمه زيد بن علي، وعن جده علي بن الحسين رضي الله عنهم أجمعين .
    ومن قال: إن القرآن غير مخلوق، وإن من قال بخلقه كافر من العلماء، وحملة الآثار، ونقلة الأخبار، وهم لا يحصون كثرة، ومنهم: حماد، والثوري وعبد العزيز بن أبي سلمة، ومالك بن أنس رضي الله عنه، والشافعي رضي الله عنه وأصحابه، وأبو حنيفة، وأحمد بن حنبل، ومالك رضي الله عنهم، والليث بن سعد رضي الله عنه، وسفيان بن عيينة، وهشام، وعيسى بن يونس، وجعفر (2/ 96) ابن غياث، وسعيد بن عامر، وعبد الرحمن بن مهدي، وأبو بكر بن عياش، ووكيع، وأبو عاصم النبيل، ويعلى بن عبيد، ومحمد بن يوسف، وبشر ابن الفضل، وعبد الله بن داود، وسلام بن أبي مطيع، وابن المبارك، وعلي بن عاصم، وأحمد بن يونس، وأبو نعيم، وقبيصة بن عقبة، وسليمان بن داود، وأبو عبيد القاسم بن سلام، ويزيد بن هارون، وغيرهم .
    ولو تتبعنا ذكر من يقول بذلك لطال الكلام، وفيما ذكرنا من ذلك مقنع، والحمد لله رب العالمين .
    وقد احتججنا لصحة قولنا: إن القرآن غير مخلوق من كتاب الله عز وجل، وما تضمنه من البرهان، وأوضحه من البيان، ولم نجد أحدا ممن تحمل عنه الآثار، وتنقل عنه الأخبار، ويأتم به المؤتمون من أهل العلم يقول بخلق القرآن، وإنما قال ذلك رعاع الناس، وجهال من جهالهم، لا موقع لهم .
    والحجاج الذي قدمناه في ذلك يأتي على كثير من قولهم، ودفع باطلهم، والحمد لله على قوة الحق حمدا كثيرا . (2/ 97)
    الباب الرابع الكلام على من توقف في القرآن وقال لا أقول إنه مخلوق ولا أنه غير مخلوق
    جواب:
    يقال لهم: لِم زعمتم ذلك وقلتموه ؟
    فإن قالوا: قلنا ذلك؛ لأن الله لم يقل في كتابه إنه مخلوق، ولا قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا أجمع المسلمون عليه، ولم يقل في كتابه إنه غير مخلوق، ولا قال ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا أجمع عليه المسلمون، فتوقفنا لذلك، ولم نقل إنه مخلوق، ولا إنه غير مخلوق . (2/ 98)
    يقال لهم: فهل قال الله تعالى لكم في كتابه توقفوا فيه ولا تقولوا إنه غير مخلوق، وقال لكم رسول الله صلى الله عليه وسلم توقفوا عن أن تقولوا إنه غير مخلوق، وهل أجمع المسلمون على التوقف عن القول إنه غير مخلوق ؟
    فإن قالوا: نعم، فقد بهتوا .
    وإن قالوا: لا، قيل لهم: فلا تقفوا عن أن تقولوا غير مخلوق بمثل الحجة التي بها ألزمتم أنفسكم التوقف .
    ثم يقال لهم: ولم أبيتم أن يكون في كتاب الله ما يدل على أن القرآن غير مخلوق ؟ فإن قالوا: لم نجده، قيل لهم: ولم زعمتم أنكم إذا لم تجدوه في القرآن فليس بموجود (2/ 99) فيه ؟ ثم إنا نوجدهم ذلك، ونتلو عليهم الآيات التي احتججنا بها في كتابنا هذا، واستدللنا بها على أن القرآن غير مخلوق، كقوله تعالى: (ألا له الخلق والأمر) من الآية (54 /7) ، وكقوله: (إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون) من الآية (40 /16) ، وكقوله: (قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي) من الآية (109 /18) ، وسائر ما احتججنا في ذلك من آي القرآن .
    ويقال لهم: يلزمكم أن تتوقفوا في كل ما اختلف الناس فيه، ولا تقدموا في ذلك على قول، فإن جاز لكم أن تقولوا ببعض تأويل المسلمين إذا دل على صحتها دليل فلم لا قلتم إن القرآن غير مخلوق بالحجج التي ذكرناها في كتابنا هذا قبل هذا الموضع ؟ (2/ 100)
    مسألة:
    فإن قال قائل: حدثونا، أتقولون: إن كلام الله في اللوح المحفوظ .
    قيل له: كذلك نقول؛ لأن الله تعالى قال: (بل هو قرآن مجيد في لوح محفوظ) (21 - 22 /85) ، فالقرآن في اللوح المحفوظ .
    وهو في صدور الذين أوتوا العلم، قال الله تعالى: (بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم) من الآية (49 /29) .
    وهو متلو بالألسنة، قال الله تبارك وتعالى: (لا تحرك به لسانك لتعجل به) (16 /75) .
    والقرآن مكتوب في مصاحفنا في الحقيقة، محفوظ في صدورنا في الحقيقة، متلو بألسنتنا في الحقيقة، مسموع لنا في الحقيقة، كما قال تعالى (2/ 101) : (فأَجِرْه حتى يسمع كلام الله) من الآية (6 /9) .
    مسألة:
    فإن قال قائل: حدثونا عن اللفظ بالقرآن كيف تقولون فيه ؟
    قيل له: القرآن يقرأ في الحقيقة، ويتلى، ولا يجوز أن يقال يلفظ به؛ لأن القائل لا يجوز له أن يقول إن كلام الله ملفوظ به؛ لأن العرب إذا قال قائلهم لفظت باللقمة من فمي فمعناه رميت بها، وكلام الله تعالى لا يقال يلفظ به، وإنما يقال يقرأ، ويتلى، ويكتب، ويحفظ .
    وإنما قال قوم لفظنا بالقرآن ليثبتوا أنه مخلوق، ويزينوا بدعتهم، وقولهم بخلقه، ويدلسوا كفرهم على من لم يقف على معناهم، فلما وقفنا على معناهم أنكرنا قولهم، وكذا لا يجوز أن يقال إن شيئا من القرآن مخلوق؛ لأن القرآن بكماله غير مخلوق . (2/ 102)
    مسألة:
    إن قال قائل: أليس قد قال الله تعالى: (ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث إلا استمعوه وهم يلعبون) من الآية (2 /21) ؟
    قيل له: الذكر الذي عناه الله عز وجل ليس هو القرآن، بل هو كلام الرسول صلى الله عليه وسلم ووعظه إياهم .
    وقد قال الله تعالى لنبيه: (وذكِّر فإن الذكرى تنفع المؤمنين) (55 /51) ، وقد قال الله تعالى: (ذكرا رسولا) نهاية آية (10) وبداية آية (11 /65) فسمى الرسول ذكرا، والرسول محدث .
    وأيضا فإن الله تعالى قال (2/ 103) : (ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث إلا استمعوه وهم يلعبون) من الآية (2 /21) يخبر أنه لا يأتيهم ذكر محدث إلا استمعوه وهم يلعبون، ولم يقل لا يأتيهم ذكر إلا كان محدثا، وإذا لم يقل هذا لم يوجب أن يكون القرآن محدثا .
    ولو قال قائل: ما يأتيهم رجل من التميميين يدعوهم إلى الحق إلا أعرضوا عنه، لم يوجب هذا القول أنه لا يأتيهم رجل إلا كان تميميا، فكذلك الحكم فيما سألونا عنه .
    مسألة:
    فإن سألونا عن قول الله تعالى: (قرآنا عربيا) من الآية (2 /12) .
    قيل لهم: الله عز وجل أنزل وليس بمخلوق .
    فإن قالوا: فقد قال الله تعالى (2/ 104) : (وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد) من الآية (25 /57) والحديد مخلوق .
    قيل لهم: الحديد جسم موات، وليس يجب إذا كان القرآن منزلا أن يكون جسما مواتا، فكذلك لا يجب إذا كان القرآن منزلا أن يكون مخلوقا، وإن كان الحديد مخلوقا .
    مسألة:
    ويقال لهم: قد أمرنا الله تعالى أن نستعيذ به وهو غير مخلوق، وأمر أن نستعيذ بكلمات الله التامات، وإذا لم نؤمر أن نستعيذ بمخلوق من المخلوقات، وأمرنا أن نستعيذ بكلام الله، فقد وجب أن كلام الله غير مخلوق . (2/ 105)
    الباب الخامس ذكر الاستواء على العرش
    إن قال قائل: ما تقولون في الاستواء ؟
    قيل له: نقول: إن الله عز وجل يستوي على عرشه استواء يليق به من غير طول استقرار، كما قال: (الرحمن على العرش استوى) (5 /20) ، وقد قال تعالى: (إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه) من الآية (10 /35) ، وقال تعالى: (بل رفعه الله إليه) من الآية (158 /4) ، (2/ 106) وقال تعالى: (يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه) من الآية (5 /32) ، وقال تعالى حاكيا عن فرعون لعنه الله: (يا هامان ابن لي صرحا لعلي أبلغ الأسباب أسباب السماوات فأطلع إلى إله موسى وإني لأظنه كاذبا) من الآيتين (36 - 37 /40) ، كذب موسى عليه السلام في قوله: إن الله سبحانه فوق السماوات .
    وقال تعالى: (أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض) من الآية (16 /67)
    فالسماوات فوقها العرش، فلما كان العرش فوق السماوات قال: (أأمنتم من في السماء) من الآية (14 /67) ... لأنه مستو على العرش (2/ 107) الذي فوق السماوات، وكل ما علا فهو سماء، والعرش أعلى السماوات، وليس إذا قال: (أأمنتم من في السماء) من الآية (16 /67) يعني جميع السماوات، وإنما أراد العرش الذي هو أعلى السماوات، ألا ترى الله تعالى ذكر السماوات، فقال تعالى: (وجعل القمر فيهن نورا) من الآية (16 /7) ، ولم يرد أن القمر يملأهن جميعا، وأنه فيهن جميعا، ورأينا المسلمين جميعا يرفعون أيديهم إذا دعوا نحو السماء؛ لأن الله تعالى مستو على العرش الذي هو فوق السماوات، فلولا أن الله عز وجل على العرش لم يرفعوا أيديهم نحو العرش، كما لا يحطّونها إذا دعوا إلى الأرض 1 (2/ 108) .
    فصل
    وقد قال قائلون من المعتزلة والجهمية والحرورية: إن معنى قول الله تعالى: (الرحمن على العرش استوى) (5 /20) أنه استولى وملك وقهر، وأن الله تعالى في كل مكان، وجحدوا أن يكون الله عز وجل مستو على عرشه، كما قال أهل الحق، وذهبوا في الاستواء إلى القدرة .
    ولو كان هذا كما ذكروه كان لا فرق بين العرش والأرض السابعة؛ لأن الله تعالى قادر على كل شيء والأرض لله سبحانه (2/ 109) قادر عليها، وعلى الحشوش، وعلى كل ما في العالم، فلو كان الله مستويا على العرش بمعنى الاستيلاء، وهو تعالى مستو على الأشياء كلها لكان مستويا على العرش، وعلى الأرض، وعلى السماء، وعلى الحشوش، والأقدار؛ لأنه قادر على الأشياء مستول عليها، وإذا كان قادرا على الأشياء كلها لم يجز عند أحد من المسلمين أن يقول إن الله تعالى مستو على الحشوش والأخلية، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، لم يجز أن يكون الاستواء على العرش الاستيلاء الذي هو عام في الأشياء كلها، ووجب أن يكون معنى الاستواء يختص بالعرش دون الأشياء كلها .
    وزعمت المعتزلة والحرورية والجهمية أن الله تعالى في كل مكان، فلزمهم أنه في بطن مريم وفي الحشوش والأخلية، وهذا خلاف الدين . تعالى الله عن قولهم علوا كبيرا .
    مسألة:
    ويقال لهم: إذا لم يكن مستويا على العرش بمعنى يختص العرش (2/ 110) دون غيره، كما قال ذلك أهل العلم، ونقله الأخبار، وحملة الآثار، وكان الله عز وجل في كل مكان فهو تحت الأرض التي السماء فوقها، وإذا كان تحت الأرض والأرض فوقه، والسماء فوق الأرض وفي هذا ما يلزمكم أن تقولوا إن الله تحت التحت، والأشياء فوقه، وأنه فوق الفوق والأشياء تحته، وفي هذا ما يجب أنه تحت ما هو فوقه، وفوق ما هو تحته، وهذا هو المحال المتناقض، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا .
    دليل آخر:
    ومما يؤكد أن الله عز وجل مستو على عرشه دون الأشياء كلها، ما نقله أهل الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم .
    روى عفان، قال: ثنا حماد بن سلمة، قال: حدثنا (2/ 111) عمرو بن دينار، عن نافع، عن جبير، عن أبيه رضي الله عنهم أجمعين، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ينزل ربنا عز وجل كل ليلة إلى السماء الدنيا فيقول: هل من سائل فأعطيه ؟ هل من مستغفر فأغفر له ؟ حتى يطلع الفجر) .
    روى عبيد الله بن بكر قال: ثنا هشام بن أبي عبد الله، عن يحيى بن كثير، عن أبي جعفر، أنه سمع أبا حفص يحدث أنه سمع أبا هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا بقى ثلث الليل ينزل الله تبارك وتعالى فيقول: من ذا الذي يدعوني فأستجيب له ؟ من ذا الذي يستكشف الضر فأكشفه عنه ؟ من ذا الذي يسترزقني فأرزقه ؟ حتى ينفجر الفجر) . (2/ 112)
    وروى عبد الله بن بكر السهمي، قال: ثنا هشام بن أبي عبد الله عن يحيى بن كثير، عن هلال بن أبي ميمونة، قال: ثنا عطاء بن يسار أن رفاعة الجهني حدثه قال: فكنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا كفا بالكديد - أو قال بقديد - حمد الله وأثنى عليه، ثم قال: (إذا مضى ثلث الليل - أو قال ثلثا الليل - نزل الله عز وجل إلى السماء، فيقول: من ذا الذي يدعوني أستجيب له ؟ من ذا الذي يستغفرني أغفر له ؟ من ذا الذي يسألني أعطيه ؟ حتى ينفجر الفجر) نزولا يليق بذاته من غير حركة وانتقال، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا .
    دليل آخر:
    قال الله تعالى (2/ 113) : (يخافون ربهم من فوقهم) من الآية (50 /16) ، وقال تعالى: (تعرج الملائكة والروح إليه) من الآية (4 /70) ، وقال تعالى: (ثم استوى إلى السماء وهي دخان) من الآية (11 /41) ، وقال تعالى: (ثم استوى على العرش الرحمن فاسأل به خبيرا) من الآية (59 /25) ، وقال تعالى: (ثم استوى على العرش مالكم من ولي ولا شفيع) (4 /32) ، فكل ذلك يدل على أنه تعالى في السماء مستو على عرشه، والسماء بإجماع الناس ليست الأرض، فدل على أنه تعالى منفرد بوحدانيته، مستو على عرشه استواء منزها عن الحلول والاتحاد . (2/ 114)
    دليل آخر:
    قال الله تعالى: (وجاء ربك والملك صفا صفا) (22 /89) ، وقال تعالى: (هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة) من الآية (210 /2) ، وقال: (ثم دنا فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى فأوحى إلى عبده ما أوحى ما كذب الفؤاد ما رأى أفتمارونه على ما يرى ولقد رآه نزلة أخرى) (8 - 13 /53) إلى قوله: (لقد رأى من آيات ربه الكبرى) (18 /53) ، وقال تعالى لعيسى ابن مريم عليه السلام: (إني متوفيك ورافعك إليّ) ، وقال تعالى: (وما قتلوه يقينا بل رفعه الله إليه) من الآية (158 /4) ، (2/ 115) وأجمعت الأمة على أن الله سبحانه رفع عيسى صلى الله عليه وسلم إلى السماء، ومن دعاء أهل الإسلام جميعا إذا هم رغبوا إلى الله تعالى في الأمر النازل بهم يقولون جميعا: يا ساكن السماء، ومن حلفهم جميعا: لا والذي احتجب بسبع سماوات .
    دليل آخر:
    قال الله عز وجل: (وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء) من الآية (51 /42) ، وقد خصت الآية الشريفة البشر دون غيرهم ممن ليس من جنس البشر، ولو كانت الآية عامة للبشر وغيرهم، كان أبعد من الشبهة، وإدخال الشك على من يسمع الآية أن يقول: ما كان لأحد أن يكلمه الله إلا وحيا (2/ 116) ، أو من وراء حجاب، أو يرسل رسولا، فيرتفع الشك والحيرة من أن يقول: ما كان لجنس من الأجناس أن أكلمه إلا وحيا، أو من وراء حجاب، أو أرسل رسولا، وننزل أجناسا لم يعمهم بالآية فدل ما ذكرنا على أنه خص البشر دون غيرهم .
    دليل آخر:
    قال الله تعالى: (ثم ردوا إلى الله مولاهم الحق) من الآية (62 /6) ، وقال: (ولو ترى إذ وقفوا على ربهم) من الآية (30 /6) ، وقال: (ولو ترى إذ المجرمون ناكسو رؤوسهم عند ربهم) (12 /32) ، وقال عز وجل: (وعرضوا على ربك صفا) من الآية (48 /18) ، كل ذلك يدل على أنه تعالى ليس في خلقه، ولا خلقه فيه، وأنه مستو (2/ 117) على عرشه سبحانه، بلا كيف ولا استقرار، تعالى الله عما يقول الظالمون والجاحدون علوا كبيرا، فلم يثبتوا له في وصفهم حقيقة، ولا أوجبوا له بذكرهم إياه وحدانية؛ إذ كل كلامهم يؤول إلى التعطيل، وجميع أوصافهم تدل على النفي، يريدون بذلك التنزيه، ونفي التشبيه على زعمهم، فنعوذ بالله من تنزيه يوجب النفي والتعطيل .
    دليل آخر:
    قال الله تعالى (الله نور السماوات والأرض) من الآية (35 /24) فسمى نفسه نورا، والنور عند الأمة لا يخلو من أن يكون أحد معنيين (2/ 118) :
    إما أن يكون نورا يسمع، أو نورا يرى .
    فمن زعم أن الله يسمع ولا يرى فقد أخطأ في نفيه رؤية ربه، وتكذيبه بكتابه، وقول نبيه صلى الله عليه وسلم .
    وروت العلماء عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أنه قال: (تفكروا في خلق الله ولا تفكروا في الله عز وجل، فإن بين كرسيه إلى السماء ألف عام، والله عز وجل فوق ذلك) .
    دليل آخر:
    وروت العلماء رحمهم الله عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إن العبد لا تزول قدماه من بين يدي الله عز وجل حتى يسأله عن عمله) .
    وروت العلماء أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم بأمة (2/ 119) سوداء فقال: يا رسول الله إني أريد أن أعتقها في كفارة، فهل يجوز عتقها ؟
    فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: أين الله ؟ قالت: في السماء، قال فمن أنا ؟ قالت: أنت رسول الله، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أعتقها فإنها مؤمنة .
    وهذا يدل على أن الله تعالى على عرشه فوق السماء فوقية لا تزيده قربا من العرش . (2/ 120)
    الباب السادس الكلام في الوجه والعينين والبصر واليدين
    قال الله تبارك وتعالى: (كل شيء هالك إلا وجهه) من الآية (88 /28) ، وقال تعالى: (ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام) (27 /55) ، فأخبر أن له سبحانه وجها لا يفنى، ولا يلحقه الهلاك .
    وقال تعالى: (تجرى بأعيننا) من الآية (14 /54) ، وقال تعالى: (واصنع الفلك بأعيننا ووحينا) من الآية (37 /11) ، (2/ 121) فأخبر تعالى أن له وجها وعينا ولا تكيَّف ولا تحد .
    وقال تعالى: (واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا) من الآية (48 /52) ، وقال تعالى: (ولتصنع على عيني) من الآية (39 /20) ، وقال تعالى: (وكان الله سميعا بصيرا) من الآية (134 /4) ، وقال لموسى وهارون عليهما أفضل الصلاة والسلام: (إنني معكما أسمع وأرى) من الآية (46 /20) فأخبر تعالى عن سمعه وبصره ورؤيته . (2/ 122)
    فصل
    ونفى الجهمية أن يكون لله تعالى وجه كما قال، وأبطلوا أن يكون له سمع وبصر وعين، ووافقوا النصارى؛ لأن النصارى لم تثبت الله سميعا بصيرا إلا على معنى أنه عالم، وكذلك قالت الجهمية، ففي حقيقة قولهم أنهم قالوا: نقول إن الله عالم، ولا نقول سميع بصير، على غير معنى عالم، وذلك قول النصارى . (2/ 123)
    فصل
    قالت الجهمية: إن الله لا علم له، ولا قدرة، ولا سمع له، ولا بصر، وإنما قصدوا إلى تعطيل التوحيد، والتكذيب بأسماء الله تعالى، فأعطوا ذلك له لفظا، ولم يحصلوا قولهم في المعنى، ولولا أنهم خافوا السيف؛ لأفصحوا بأن الله غير سميع ولا بصير ولا عالم، ولكن خوف السيف منعهم من إظهار زندقتهم . (2/ 124)
    فصل
    وزعم شيخ منهم نحس مقدم فيهم أن علم الله هو الله، وأن الله سبحانه علم، فنفى العلم من حيث أوهم أنه يثبته، حتى ألزم أن يقول: يا علم اغفر لي؛ إذ كان علم الله عنده هو الله، وكان الله - على قياسه الفاسد - علما وقدرة .تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا .
    قال الشيخ أبو الحسن علي بن إسماعيل الأشعري رحمه الله ورضى عنه: بالله نستهدي، وإياه نستكفي، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وهو المستعان أما بعد:
    مسألة:
    فمن سألنا فقال: أتقولون إن لله سبحانه وجها ؟
    قيل له: نقول ذلك، خلافا لما قاله المبتدعون، وقد دل على ذلك (2/ 125) قوله تعالى: (ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام) (27 /55) .
    مسألة:
    قد سئلنا أتقولون إن لله يدين ؟
    قيل: نقول ذلك بلا كيف، وقد دل عليه قوله تعالى: (يد الله فوق أيديهم) من الآية (10 /48) ، وقوله تعالى: (لما خلقت بيدي) من الآية (75 /38) .
    وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إن الله مسح ظهر آدم بيده فاستخرج منه ذريته) ، (2/ 126) فثبتت اليد بلا كيف .
    وجاء في الخبر المأثور عن النبي صلى الله عليه وسلم (أن الله تعالى خلق آدم بيده، وخلق جنة عدن بيده، وكتب التوراة بيده، وغرس شجرة طوبى بيده) ، أي بيد قدرته سبحانه .
    وقال تعالى: (بل يداه مبسوطتان) من الآية (64 /5) .
    وجاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (كلتا يديه يمين) .
    وقال تعالى: (لأخذنا منه باليمين) من الآية (45 /69) .
    وليس يجوز في لسان العرب، ولا في عادة أهل الخطاب، أن يقول القائل: عملت كذا بيدي، ويعني به النعمة، وإذا كان الله عز وجل إنما خاطب العرب بلغتها وما يجري مفهوما في كلامها، ومعقولا في خطابها، وكان لا يجوز في خطاب أهل اللسان أن يقول القائل: فعلت بيدي، (2/ 127) ويعني النعمة؛ بطل أن يكون معنى قوله تعالى: (بيدي) النعمة، وذلك أنه لا يجوز أن يقول القائل: لي عليه يدي، بمعنى لي عليه نعمتي، ومن دافعنا عن استعمال اللغة ولم يرجع إلى أهل اللسان فيها دوفع عن أن تكون اليد بمعنى النعمة؛ إذ كان لا يمكنه أن يتعلق في أن اليد النعمة إلا من جهة اللغة، فإذا دفع اللغة لزمه أن لا يفسر القرآن من جهتها، وأن لا يثبت اليد نعمة من قبلها؛ لأنه إن روجع في تفسير قوله تعالى: (بيدي) نعمتي فليس المسلمون على ما ادعى متفقين، وإن روجع إلى (2/ 128) اللغة فليس في اللغة أن يقول القائل: بيدي يعني نعمتي، وإن لجأ إلى وجه ثالث سألناه عنه، ولن يجد له سبيلا .
    مسألة:
    ويقال لأهل البدع: ولِم زعمتم أن معنى قوله: (بيدي) نعمتي أزعمتم ذلك إجماعا أو لغة ؟
    فلا يجدون ذلك إجماعا ولا في اللغة .
    وإن قالوا: قلنا ذلك من القياس .
    قيل لهم: ومن أين وجدتم في القياس أن قوله تعالى: (بيدي) لا يكون معناه إلا نعمتي ؟ ومن أين يمكن أن يعلم بالعقل أن تفسير كذا وكذا مع أنا رأينا الله عز وجل قد قال في كتابه العزيز، الناطق على لسان نبيه الصادق (2/ 129) : (وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه) من الآية (4 /14) ، وقال تعالى: (لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين) من الآية (103 /16) ، وقال تعالى: (إنا جعلناه قرآنا عربيا) من الآية (3 /4) ، وقال تعالى: (أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله) من الآية (82 /4) ، ولو كان القرآن بلسان غير العرب لما أمكن أن نتدبره، ولا أن نعرف معانيه إذا سمعناه، فلما كان من لا يحسن لسان العرب لا يحسنه، وإنما يعرفه العرب إذا سمعوه على أنهم إنما علموه؛ لأنه بلسانهم نزل، وليس في لسانهم ما ادعوه .
    مسألة:
    وقد اعتل معتل بقول الله تعالى (2/ 130) : (والسماء بنيناها بأيد) من الآية (47 /51) قالوا: الأيد القوة، فوجب أن يكون معنى قوله تعالى: (بيدي) بقدرتي، قيل لهم: هذا التأويل فاسد من وجوه:
    أحدها: أن الأيد ليس جمع لليد؛ لأن جمع يد أيدي، وجمع اليد التي هي نعمة أيادي، وإنما قال تعالى: (لما خلقت بيدي) من الآية (75 /38) ، فبطل بذلك أن يكون معنى قوله: (بيدي) معنى قوله: (بنيناها بأيد) .
    وأيضا فلو كان أراد القوة لكان معنى ذلك بقدرتي، وهذا ناقض لقول مخالفنا، وكاسر لمذهبهم؛ لأنهم لا يثبتون قدرة واحدة، فكيف يثبتون قدرتين . (2/ 132)
    وأيضا فلو كان الله تعالى عنى بقوله: (لما خلقت بيدي) القدرة لم يكن لآدم صلى الله عليه وسلم على إبليس مزية في ذلك، والله تعالى أراد أن يرى فضل آدم صلى الله عليه وسلم عليه؛ إذ خلقه بيديه دونه، ولو كان خالقا لإبليس بيده كما خلق آدم صلى الله عليه وسلم بيده لم يكن لتفضيله عليه بذلك وجه، وكان إبليس يقول محتجا على ربه: فقد خلقتني بيديك كما خلقت آدم صلى الله عليه وسلم بهما، فلما أراد الله تعالى تفضيله عليه بذلك، وقال الله تعالى موبخا له على استكباره على آدم صلى الله عليه وسلم أن يسجد له: (ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي أستكبرت ؟) (75 /38) ، دل على أنه ليس معنى الآية القدرة؛ إذ كان الله تعالى خلق الأشياء جميعا بقدرته، وإنما أراد إثبات يدين، ولم يشارك إبليس آدم صلى الله عليه وسلم في أن خلق بهما . (2/ 133)
    فصل
    وليس يخلو قوله تعالى: (لما خلقت بيدي) أن يكون معنى ذلك إثبات يدين نعمتين، أو يكون معنى ذلك إثبات يدين جارحتين . تعالى الله عن ذلك، أو يكون معنى ذلك إثبات يدين قدرتين، أو يكون معنى ذلك إثبات يدين ليستا نعمتين ولا جارحتين ولا قدرتين لا توصفان إلا كما وصف الله تعالى، فلا يجوز أن يكون معنى ذلك نعمتين؛ لأنه لا يجوز عند أهل اللسان أن يقول القائل: عملت بيدي وهو نعمتي .
    ولا يجوز عندنا ولا عند خصومنا أن نعني جارحتين، ولا يجوز عند خصومنا أن يعني قدرتين . (2/ 134)
    وإذا فسدت الأقسام الثلاثة صح القسم الرابع؛ وهو أن معنى قوله تعالى: (بيدي) إثبات يدين ليستا جارحتين، ولا قدرتين، ولا نعمتين لا يوصفان إلا بأن يقال: إنهما يدان ليستا كالأيدي، خارجتان عن سائر الوجوه الثلاثة التي سلفت .
    مسألة:
    وأيضا فلو كان معنى قوله تعالى: (بيدي) نعمتي لكان لا فضيلة لآدم صلى الله عليه وسلم على إبليس في ذلك على مذاهب مخالفينا؛ لأن الله تعالى قد ابتدأ إبليس على قولهم، كما ابتدأ آدم صلى الله عليه وسلم، وليس تخلو النعمتان أن يكونا هما بدن آدم صلى الله عليه وسلم، أو يكونا عرضين خلقا في بدن آدم عليه الصلاة والسلام، فلو (2/ 135) كان عنى بدن آدم عليه السلام فلأبدان عند مخالفينا من المعتزلة جنس واحد، وإذا كانت الأبدان عندهم جنسا واحدا فقد حصل في جسد إبليس على مذاهبهم من النعمة ما حصل في جسد آدم صلى الله عليه وسلم، وكذلك إن عنى عرضين فليس من عرض فعله في بدن آدم صلى الله عليه وسلم من لون، أو حياة، أو قوة، أو غير ذلك إلا وقد فعل من جنسه عندهم في بدن إبليس، وهذا يوجب أنه لا فضيلة لآدم صلى الله عليه وسلم على إبليس في ذلك، والله تعالى إنما احتج على إبليس بذلك ليريه أن لآدم صلى الله عليه وسلم في ذلك الفضيلة، فدل ما قلناه على أن الله عز وجل لما قال: (خلقت بيدي) لم يعن نعمتي (2/ 136) .
    مسألة:
    ويقال لهم: لم أنكرتم أن يكون الله تعالى عنى بقوله: (بيدي) يدين ليستا نعمتين ؟
    فإن قالوا: لأن اليد إذا لم تكن نعمة لم تكن إلا جارحة .
    قيل لهم: ولم قضيتم أن اليد إذا لم تكن نعمة لم تكن إلا جارحة ؟ وإن رجعونا إلى شاهدنا، أو إلى ما نجده فيما بيننا من الخلق فقالوا: اليد إذا لم تكن نعمة في الشاهد لم تكن إلا جارحة .
    قيل لهم: إن عملتم على الشاهد وقضيتم به على الله تعالى فكذلك لم نجد حيا من الخلق إلا جسما لحما ودما فاقضوا بذلك على الله - تعالى عن ذلك - وإلا كنتم لقولكم تاركين و لاعتلالكم ناقضين .
    وإن أثبتم حيا لا كالأحياء منا فلم أنكرتم أن تكون اليدان اللتان أخبر الله تعالى عنهما يدين ليستا نعمتين ولا جارحتين، ولا كالأيدي ؟ (2/ 137)
    وكذلك يقال لهم: لم تجدوا مدبرا حكيما إلا إنسانا ثم أثبتم أن للدنيا مدبرا حكيما ليس كالإنسان، وخالفتم الشاهد ونقضتم اعتلالكم فلا تمنعوا من إثبات يدين ليستا نعمتين ولا جارحتين من أجل أن ذلك خلاف الشاهد .
    مسألة:
    فإن قالوا إذا أثبتم لله عز وجل يدين لقوله تعالى: (لما خلقت بيدي) فلم لا أثبتم له أيدي لقوله تعالى: (مما عملت أيدينا) من الآية (71 /36) ؟
    قيل لهم: قد أجمعوا على بطلان قول من أثبت لله أيدي، فلما أجمعوا على بطلان قول من قال ذلك؛ وجب أن يكون الله تعالى (2/ 138) ذكر أيدي ورجع إلى إثبات يدين؛ لأن الدليل عنده دل على صحة الإجماع، وإذا كان الإجماع صحيحا وجب أن يرجع من قوله أيدي إلى يدين؛ لأن القرآن على ظاهره، ولا يزول عن ظاهره إلا بحجة، فوجدنا حجة أزلنا بها ذكر الأيدي عن الظاهر إلى ظاهر آخر، ووجب أن يكون الظاهر الآخر على حقيقته لا يزول عنها إلا بحجة .
    مسألة:
    فإن قال قائل: إذا ذكر الله عز وجل الأيدي وأراد يدين، فما أنكرتم أن يذكر الأيدي ويريد يدا واحدة ؟
    قيل له: ذكر تعالى أيدي وأراد يدين؛ لأنهم أجمعوا على بطلان قول من قال أيدي كثيرة، وقول من قال يدا واحدة، فقلنا يدان؛ لأن القرآن على ظاهره، إلا أن تقوم حجة بأن يكون على خلاف الظاهر . (2/ 139)
    مسألة:
    فإن قال قائل: ما أنكرتم أن يكون قوله تعالى: (مما عملت أيدينا) من الآية (71 /36) ، وقوله تعالى: (لما خلقت بيدي) من الآية (75 /38) على المجاز ؟
    قيل له: حكم كلام الله تعالى أن يكون على ظاهره وحقيقته، ولا يخرج الشيء عن ظاهره إلى المجاز إلا بحجة .
    ألا ترون أنه إذا كان ظاهر الكلام العموم، فإذا ورد بلفظ العموم والمراد به الخصوص فليس هو على حقيقة الظاهر، وليس يجوز أن يعدل بما ظاهره العموم عن العموم بغير حجة، كذلك قوله تعالى: (لما خلقت بيدي) من الآية (75 /38) (2/ 140) على ظاهره أو حقيقته من إثبات اليدين، ولا يجوز أن يعدل به عن ظاهر اليدين إلى ما ادعاه خصومنا إلا بحجة .
    ولو جاز ذلك لجاز لمدع أن يدعي أن ما ظاهره العموم فهو على الخصوص، وما ظاهره الخصوص فهو على العموم بغير حجة، وإذا لم يجز هذا لمدعيه بغير برهان لم يجز لكم ما ادعيتموه أنه مجاز أن يكون مجازا بغير حجة، بل واجب أن يكون قوله تعالى: (لما خلقت بيدي) من الآية (75 /38) إثبات يدين لله تعالى في الحقيقة غير نعمتين إذا كانت النعمتان لا يجوز عند أهل اللسان أن يقول قائلهم: فعلت بيدي، وهو يعني النعمتين (2/ 141) .
    الباب السابع الرد على الجهمية في نفيهم علم الله تعالى وقدرته وجميع صفاته
    قال الله تعالى: (أنزله بعلمه) من الآية (166 /4) ، وقال تعالى: (وما تحمل من أنثى ولا تضع إلا بعلمه) من الآية (11 /35) ، وذكر العلم في خمسة مواضع من كتابه العزيز، وقال تعالى: (فإن لم يستجيبوا لكم فاعلموا أنما أنزل بعلم الله) من الآية (14 /11) ، وقال تعالى: (ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء) من الآية (255 /2) . (2/ 142)
    وذكر القوة فقال: (أولم يرو أن الله الذي خلقهم هو أشد منهم قوة) من الآية (15 /41) ، وقال تعالى: (ذو القوة المتين) من الآية (58 /51) ، وقال تعالى: (والسماء بنيناها بأيد) من الآية (47 /51) . (2/ 143)
    فصل
    وزعمت الجهمية أن الله تعالى لا علم له، ولا قدرة، ولا حياة، ولا سمع، ولا بصر له، وأرادوا أن ينفوا أن الله تعالى عالم، قادر، حي، سميع، بصير، فمنعهم خوف السيف من إظهارهم نفي ذلك، فأتوا بمعناه؛ لأنهم إذا قالوا لا علم لله ولا قدرة له، فقد قالوا إنه ليس بعالم ولا قادر، ووجب ذلك عليهم، وهذا إنما أخذوه عن أهل الزندقة والتعطيل؛ لأن الزنادقة قد قال كثير منهم: إن الله تعالى ليس بعالم، ولا قادر، ولا حي، ولا سميع، ولا بصير، فلم تقدر المعتزلة أن تفصح بذلك فأتت بمعناه، وقالت إن الله عالم، قادر، حي، سميع، بصير من طريق التسمية من غير أن يثبتوا له حقيقة العلم، والقدرة، والسمع، والبصر . (2/ 144)
    فصل
    وقد قال رئيس من رؤسائهم - وهو أبو الهذيل العلاف - إن علم الله هو الله، فجعل الله تعالى علما .
    وأُلْزِم، فقيل له: إذا قلت إن علم الله هو الله فقل يا علم الله اغفر لي وارحمني، فأبى ذلك فلزمه المناقضة .
    واعلموا رحمكم الله أن من قال عالم ولا علم كان مناقضا، كما أن من قال علم الله ولا عالم كان مناقضا، وكذلك القول في القادر والقدرة، والحياة والحي، والسمع والبصر والسميع والبصير .
    مسألة:
    ويقال لهم: خبرونا عمن زعم أن الله متكلم، قائل، آمر (2/ 145) ، ناه، لا قول له، ولا كلام، ولا أمر له، ولا نهى، أليس هو مناقض خارج عن جملة المسلمين ؟
    فلا بد من نعم .
    يقال لهم: فكذلك من قال: إن الله تعالى عالم ولا علم له، كان ذلك مناقضا خارجا عن جملة المسلمين .
    وقد أجمع المسلمون قبل حدوث الجهمية والمعتزلة والحرورية على أن لله علما لم يزل، وقد قالوا: علم الله لم يزل، وعلم الله سابق في الأشياء، ولا يمتنعون أن يقولوا في كل حادثة تحدث ونازلة تنزل كل هذا سابق في علم الله، فمن جحد أن لله علما فقد خالف المسلمين وخرج عن اتفاقهم .
    مسألة:
    ويقال لهم: إذا كان الله مريدا فله إرادة ؟ فإن قالوا: لا، قيل لهم: فإذا أثبتم مريدا لا إرادة له فأثبتوا أن قائلا لا قول له، وإن (2/ 146) أثبتوا الإرادة قيل لهم: فإذا كان المريد لا يكون مريدا إلا بإرادة، فما أنكرتم أن لا يكون العالم عالما إلا بعلم، وأن يكون لله علم كما أثبتم له الإرادة .
    مسألة:
    وقد فرقوا بين العلم والكلام فقالوا: إن الله تعالى علم موسى وفرعون، وكلم موسى ولم يكلم فرعون، فكذلك قد يقال علم موسى الحكمة وفصل الخطاب، وآتاه النبوة، ولم يعلم ذلك فرعون فإن كان لله كلام؛ لأنه كلم موسى ولم يكلم فرعون، فكذلك لله علم؛ لأنه علم موسى ولم يعلم فرعون .
    ثم يقال لهم: إذا وجب أن لله كلاما به كلم موسى دون فرعون؛ إذ كلم موسى دونه، فما أنكرتم إذا علمهما جميعا أن يكون له علم به علمهما جميعا .
    ثم يقال: قد كلم الله الأشياء بأن قال لها: كوني، وقد أثبتم لله قولا، وإن علم الأشياء كلها فله علم . (2/ 147)
    مسألة:
    ثم يقال لهم: إذا أوجبتم أن لله كلاما وليس له علم؛ لأن الكلام أخص من العلم، والعلم أعم منه، فقولوا: إن لله قدرة؛ لأن العلم أعم عندكم من القدرة؛ لأن مذاهب القدرية أنهم لا يقولون أن الله لا يقدر أن يخلق الكفر، فقد أثبتوا القدرة أخص من العلم، فينبغي لهم أن يقولوا على اعتلالهم إن لله قدرة .
    مسألة:
    ثم يقال لهم: أليس الله عالما، والوصف له بأنه عالم أعم من الوصف له بأنه متكلم مكلِّم ؟
    ثم لم يجب؛ لأن الكلام أخص من أن يكون الله تعالى متكلما غير عالم ؟ فلم لا قلتم إن الكلام - وإن كان أخص من العلم - أن ذلك لا ينفي أن يكون لله علم، كما لم ينف بخصوص الكلام أن يكون الله عالما ؟
    مسألة:
    ويقال لهم: من أين علمتم أن الله عالم ؟ (2/ 148)
    فإن قالوا: يقوله تعالى: (إنه بكل شيء عليم) من الآية (12 /42) .
    قيل لهم: وكذلك فقولوا: إن لله علما بقوله: (أنزله بعلمه) من الآية (166 /4) ، وبقوله: (وما تحمل من أنثى ولا تضع إلا بعلمه) من الآية (11 /35) ، وكذلك فقولوا إن له قوة لقوله تعالى: (أولم يروا أن الذي خلقهم هو أشد منهم قوة) من الآية (15 /41) .
    فإن قالوا: قلنا: إن الله عالم؛ لأنه صنع العالم على ما فيه من آثار الحكمة واتساق التدبير .
    قيل لهم: فلم لا قلتم إن لله علما بما ظهر في العالم من حكمة وآثار تدبيره ؟ (2/ 149) لأن الصنائع الحكمية لا تظهر إلا من ذي علم، كما لا يظهر إلا من عالم، وكذلك لا تظهر إلا من ذي قوة كما لا تظهر إلا من قادر .
    مسألة:
    ويقال لهم: إذا نفيتم علم الله فلم لا نفيتم أسماءه ؟
    فإن قالوا كيف ننفي أسماءه وقد ذكرها في كتابه ؟
    قيل لهم: فلا تنفوا العلم والقوة؛ لأنه تعالى ذكر ذلك في كتابه العزيز .
    مسألة أخرى:
    ويقال لهم: قد علَّم الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم الشرائع والأحكام، والحلال والحرام، ولا يجوز أن يعلمه ما لا يعلمه، فكذلك لا يجوز (2/ 150)
    أن يعلم الله نبيه صلى الله عليه وسلم مالا علم الله به . تعالى الله عن قول الجهمية علوا كبيرا .
    مسألة:
    ويقال لهم: أليس إذا *** الله الكافرين، فلعنه لهم معنى، ولعن النبي صلى الله عليه وسلم لهم معنى ؟
    فمن قولهم نعم .
    فيقال لهم: فما أنكرتم من أن الله تعالى إذا علم نبيه صلى الله عليه وسلم شيئا فكان للنبي صلى الله عليه وسلم علم، ولله تعالى علم، وإذا كنا متى أثبتناه غضبانا على الكافرين فلا بد من إثبات غضب، وكذلك إذا أثبتناه راضيا عن المؤمنين فلا بد من إثبات رضى، وكذلك إذا أثبتناه حيا سميعا بصيرا فلا بد من إثبات حياة وسمع وبصر . (2/ 151)
    مسألة:
    ويقال لهم: وجدنا اسم عالم اشتق من علم، واسم قادر اشتق من قدرة، وكذلك اسم حي اشتق من حياة، واسم سميع اشتق من سمع، واسم بصير اشتق من بصر، ولا تخلو أسماء الله عز وجل من أن تكون مشتقة إما لإفادة معنى، أو على طريق التلقيب، فلا يجوز أن يسمى الله تعالى على طريق التقليب باسم ليس فيه إفادة معنى، وليس مشتقا من صفة .
    فإذا قلنا: إن الله تعالى عالم قادر فليس تلقيبا، كقولنا زيد وعمر، وعلى هذا إجماع المسلمين . (2/ 152)
    وإذا لم يكن كذلك تلقيبا، كان مشتقا من علم، فقد وجب إثبات العلم، وإن كان ذلك لإفادة معنى، فلا يختلف ما هو لإفادة معنى واجب إذا كان معنى العالم منا أن له علما أن يكون كل عالم فهو ذو علم، كما إذا كان قولي موجود مفيدا فينا الإثبات كان الباري تعالى واجبا إثباته؛ لأنه سبحانه وتعالى موجود .
    مسألة:
    ويقال للمعتزلة والجهمية والحرورية: أتقولون إن لله علما (2/ 153) بالأشياء سابقا فيها، وبوضع كل حامل، وحمل كل أنثى، وبإنزال كل ما أنزله ؟
    فإن قالوا: نعم، أثبتوا العلم ووافقوا .
    وإن قالوا: لا، قيل لهم: جحد منكم؛ لقوله تعالى: (أنزله بعلمه) من الآية (166 /4) ، ولقوله: (وما تحمل من أنثى ولا تضع إلا بعلمه) من آية (11 /35) ، ولقوله تعالى: (فإن لم يستجيبوا لكم فاعلموا أنما أنزل بعلم الله) من الآية (14 /11) .
    وإذا كان قول الله تعالى: (بكل شيء عليم) من الآية (12 /42) ، (وما تسقط من ورقة إلا يعلمها) من الآية (59 /6) (2/ 154) يوجب أنه عليم بعلم الأشياء، فكذلك فما أنكرتم أن تكون هذه الآيات نوجب أن لله علما بالأشياء سبحانه وبحمده .
    مسألة:
    ويقال لهم: هل لله عز وجل علم بالتفرقة بين أوليائه وأعدائه ؟ وهل هو مريد لذلك ؟ وهل له إرادة للإيمان إذا أراد الإيمان ؟
    فإن قالوا: نعم، وافقوا .
    وإن قالوا: إذا أراد الإيمان فله إرادة .
    قيل لهم: وكذلك إذا فرق بين أوليائه وأعدائه، فلا بد من أن يكون له علم بذلك، وكيف يجوز أن يكون للخلق علم بذلك، وليس للخالق عز وجل علم (2/ 155) بذلك ؟ ! وهذا يوجب أن للخلق مزية في العلم وفضلا على الخلاق . تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا .
    قيل لهم: إذا كان من له علم من الخلق أولى بالمنزلة الرفيعة ممن لا علم له، فإذا زعمتم أن الله تعالى لا علم له لزمكم أن الخلق أعلى مرتبة من الخالق . تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا .
    مسألة:
    ويقال لهم: إذا كان من لا علم له من الخلق يلحقه الجهل والنقصان، فما أنكرتم من أنه لا بد من إثبات علم الله ؟ وإلا ألحقتم به النقصان - جل عن قولكم وعلا - ألا ترون أن من لا يعلم من الخلق يلحقه الجهل والنقصان، (2/ 156) ومن قال ذلك في الله عز وجل وصف الله تعالى بما لا يليق به، فكذلك إذا كان من قيل له من الخلق لا علم له لحقه الجهل والنقصان، وجب أن لا يُنفى ذلك عن الله تعالى؛ لأنه لا يلحقه جهل ولا نقصان .
    مسألة:
    ويقال لهم: هل يجوز أن تنسق الصنائع الحكمية ممن ليس بعالم ؟
    فإن قالوا: ذلك محال، ولا يجوز في وجود الصنائع التي تجري على ترتيب ونظام إلا من عالم قادر حي .
    قيل لهم: وكذلك لا يجوز وجود الصنائع الحكمية التي تجري على ترتيب ونظام إلا من ذي علم وقدرة وحياة .
    فإن جاز ظهورها لا من ذي علم فما أنكرتم من جواز ظهورها لا من عالم قادر حي . (2/ 157)
    وكل مسألة سألناهم عنها في العلم فهي داخلة عليهم في القدرة والحياة والسمع والبصر .
    مسألة:
    وزعمت المعتزلة أن قول الله تعالى: (سميع بصير) من الآية (28 /31) إن معناه عليم .
    قيل لهم: فإذا قال الله تعالى: (إنني معكما أسمع وأرى) من الآية (46 /20) ،
    وقال: (قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها) من الآية (10 /58) فمعنى ذلك عندكم علم .
    فإن قالوا: نعم .
    قيل لهم: فقد وجب عليكم أن تقولوا معنى قوله: (إنني معكما أسمع وأرى) من الآية (46 /20) أعلم وأعلم إذا كان معنى ذلك العلم . (2/ 158)
    فصل
    ونفت المعتزلة صفات رب العالمين، وزعمت أن معنى (سميع بصير) من الآية (28 /31) راء بمعنى عليم، كما زعمت النصارى أن سمع الله هو بصره، وهو رؤيته، وهو كلامه، وهو علمه، وهو ابنه . تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا .
    فيقال للمعتزلة: إذا زعمتم أن معنى سميع وبصير معنى عالم، فهلا زعمتم أن معنى قادر معنى عالم .
    وإذا زعمتم أن معنى سميع وبصير معنى قادر، فهلا زعمتم أن معنى قادر معنى عالم .
    وإذا زعمتم أن معنى حي معنى قادر، فلم لا زعمتم أن معنى قادر معنى عالم . (2/ 160)
    فإن قالوا: هذا يوجب أن يكون كل معلوم مقدورا .
    قيل لهم: ولو كان معنى سميع بصير معنى عالم لكان كل معلوم مسموعا، و إذا لم يجز ذلك بطل قولكم . (2/ 161)
    الباب الثامن الكلام في الإرادة والرد على المعتزلة في ذلك
    مسألة:
    يقال لهم: ألستم تزعمون أن الله تعالى لم يزل عالما ؟ فمن قولهم: نعم .
    قيل لهم: فلم لا قلتم إن ما لم يزل عالما أنه يكون في وقت من الأوقات لم يزل مريدا أن يكون في ذلك الوقت، وما لم يزل عالما أنه لا يكون فلم يزل مريدا أن لا يكون، وأنه لم يزل مريدا أن يكون ما علم كما علم ؟
    فإن قالوا: لا نقول إن الله لم يزل مريدا؛ لأن الله تعالى مريد بإرادة مخلوقة . (2/ 162)
    قيل لهم: فلم زعمتم أن الله عز وجل مريد بإرادة مخلوقة، وما الفصل بينكم وبين الجهمية في زعمهم أن الله عالم بعلم مخلوق، وإذا لم يجز أن يكون علم الله مخلوقا، فما أنكرتم أن لا تكون إرادة الله مخلوقة ؟
    فإن قالوا: لا يجوز أن يكون علم الله محدثا؛ لأن ذلك يقضي أن يكون حدث بعلم آخر كذلك لا إلى غاية .
    قيل لهم: ما أنكرتم أن لا تكون إرادة الله محدثة مخلوقة؛ لأن ذلك يقتضي أن تكون حدثت عن إرادة أخرى، ثم كذلك لا إلى غاية .
    فإن قالوا: لا يجوز أن يكون علم الله محدثا؛ لأن من لم يكن عالما ثم علم لحقه النقصان . (2/ 163)
    قيل لهم: ولا يجوز أن تكون إرادة الله محدثة مخلوقة؛ لأن من لم يكن مريدا ثم أراد لحقه النقصان، وكما لا يجوز أن تكون إرادته تعالى محدثة مخلوقة، كذلك لا يجوز أن يكون كلامه محدثا مخلوقا .
    مسألة أخرى:
    ويقال لهم: إذا زعمتم أنه قد كان في سلطان الله عز وجل الكفر والعصيان، وهو لا يريده، وأراد أن يؤمن الخلق أجمعون، فلم يؤمنوا فقد وجب على قولكم أن أكثر ما شاء الله أن يكون لم يكن، وأكثر ما شاء الله أن لا يكون كان؛ لأن الكفر الذي كان وهو لا يشاؤه عندكم، أكثر من الإيمان الذي كان وهو يشاؤه، وأكثر ما شاء الله أن يكون لم يكن .
    وهذا جحد لما أجمع عليه المسلمون من أن ما شاء الله أن يكون كان، وما لا يشاء لا يكون . (2/ 164)
    مسألة أخرى:
    ويقال لهم: من قولكم: إن كثيرا ما شاء أن يكون إبليس كان؛ لأن الكفر أكثر من الإيمان، وأكثر ما كان هو شاءه، فقد جعلتم مشيئة إبليس أنفذ من مشيئة رب العالمين جل ثناؤه، وتقدست أسماؤه، ولا إله غيره؛ لأن أكثر ما شاءه كان، وأكثر ما كان فقد شاءه .
    وفي هذا إيجاب أنكم قد جعلتم لإبليس مرتبة في المشيئة ليست لرب العالمين . تعالى الله عز وجل عن قول الظالمين علوا كبيرا .
    مسألة أخرى:
    ويقال لهم: أيما أولى بصفة الاقتدار: من إذا شاء أن يكون الشيء كان لا محالة، وإذا لم يرده لم يكن، أو من يريد أن يكون ما لا يكون ويكون مالا يريد ؟
    فإن قالوا: من لا يكون أكثر ما يريده أولى بصفة الاقتدار كما يروا . (2/ 165)
    وقيل لهم: إن جاز لكم ما قلتموه جاز لقائل أن يقول: من يكون مالا يعلمه أولى بالعلم ممن لا يكون إلا ما يعلمه .
    وإن رجعوا عن هذه المكابرة، وزعموا أن من إذا أراد أمرا كان، وإذا لم يرده لا يكون أولى بصفة الاقتدار لزمهم على مذاهبهم أن يكون إبليس - لعنه الله - أولى بالاقتدار من الله تعالى؛ لأن أكثر ما أراده كان، وأكثر ما كان قد أراده .
    وقيل لهم: إذا كان من إذا أراد أمرا كان، وإذا لم يرده لم يكن أولى بصفة الاقتدار، فيلزمكم أن يكون الله تعالى إذا أراد أمرا كان، وإذا لم يرده لم يكن؛ لأنه أولى بصفة الاقتدار .
    مسألة:
    ويقال لهم: أيما أولى بالإلهية والسلطان من لا يكون إلا ما يعلمه ولا يغيب عن علمه شيء ولا يجوز ذلك عليه، أو من يكون مالا يعلمه ويعزب عن علمه أكثر الأشياء ؟ (2/ 166)
    فإن قالوا: من لا يكون إلا ما يعلمه ولا يعزب عن علمه شيء أولى بصفة الإلهية .
    قيل لهم: فكذلك من لا يريد كون شيء إلا ما كان، ولا يكون إلا ما يريده، ولا يعزب عن إرادته شيء أولى بصفة الإلهية كما قلتم ذلك في العلم، وإذا قالوا ذلك تركوا قولهم ورجعوا عنه، وأثبتوا الله عز وجل مريدا لكل كائن، وأوجبوا أنه لا يريد أن يكون إلا ما يكون .
    مسألة:
    ويقال لهم: إذا قلتم أنه يكون في سلطانه تعالى ما لا يريد، فقد كان إذا في سلطانه ما كرهه . فلا بد من نعم .
    يقال لهم: فإذا كان في سلطانه ما يكرهه فما أنكرتم أن يكون في سلطاته ما يأبى كونه .
    فإن أجابوا إلى ذلك، قيل لهم: فقد كانت المعاصي شاء الله أم أبى، وهذه صفة الضعف والفقر . تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا .
    مسألة:
    ويقال لهم: أليس لما فعل العباد ما يسخطه تعالى وما (2/ 167) يغضب عليهم إذا فعلوه فقد أغضبوه وأسخطوه ؟ فلا بد من نعم .
    يقال لهم: فلو فعل العباد ما لا يريد وما يكرهه لكانوا أكرهوه، وهذه صفة القهر . تعالى عن ذلك علوا كبيرا .
    مسألة:
    ويقال لهم: أليس قد قال الله تعالى: (فعال لما يريد) من الآية (107 /11) ؟
    فلا بد من نعم .
    قيل لهم: فمن زعم أن الله تعالى فعل ما لا يريد، وأراد أن يكون من فعلة ما لا يكون، لزمه أن يكون قد وقع ذلك وهو ساه غافل عنه، أو أن الضعف والتقصير عن بلوغ ما يريده لحقه . فلا بد من نعم .
    قيل لهم: فكذلك من زعم أنه يكون في سلطان الله تعالى (2/ 168) مالا يريده من عبيده؛ لزمه أحد أمرين:
    إما أن يزعم أن ذلك كان عن سهو وغفلة .
    أو أن يزعم أن الضعف والتقصير عن بلوغ ما يريده لحقه .
    مسألة:
    ويقال لهم: أليس من زعم أن الله تعالى فعل مالا يعلمه فقد نسب الله سبحانه إلى ما لا يليق به من الجهل ؟
    فلا بد من نعم .
    قيل لهم: وكذلك يلزم من زعم أن الله فعل ما لا يريده؛ لزمه أن ينسب الله تعالى إلى السهو والتقصير عن بلوغ ما يريده، فإذا قالوا: نعم .
    قيل لهم: وكذلك يلزم من زعم أن العباد يفعلون مالا يعلم الله نسب الله تعالى إلى الجهل . فلا بد من نعم . (2/ 169)
    يقال لهم: فكذلك إذا كان في كون فعل فعلة الله، وهو لا يريده إيجاب سهو أو ضعف أو تقصير عن بلوغ ما يريده .
    فكذلك إذا كان من غيره مالا يريده وجب إثبات سهو وغفلة، أو ضعف وتقصير عن بلوغ ما يريد، لا فرق في ذلك بين ما كان منه وما كان من غيره .
    مسألة:
    ويقال لهم: إذا كان في سلطان الله مالا يريده وهو يعلمه، ولا يلحقه الضعف والتقصير عن بلوغ ما يريده فما أنكرتم أن يكون في سلطانه مالا يعلمه ولا يلحقه النقصان، فإن لم يجز هذا لم يجز ما قلتموه .
    مسألة:
    إن قال قائل: لـِم قلتم: إن الله مريد لكل كائن أن يكون، ولكل مالا يكون أن لا يكون ؟
    قيل له: الدليل على ذلك أن الحجة قد وضحت أن الله تعالى (2/ 170) خلق الكفر والمعاصي، وسنبين ذلك بعد هذا الموضع من كتابنا .
    وإذا وجب أن الله سبحانه خالق لذلك، فقد وجب أنه مريد له؛ لأنه لا يجوز أن يخلق مالا يريده .
    وجواب آخر:
    أنه لا يجوز أن يكون في سلطان الله تعالى من اكتساب العباد مالا يريده، كما لا يجوز أن يكون من فعله المجتمع على أنه فعل مالا يريده؛ لأنه لو وقع من فعله مالا يعلمه، لكان في ذلك إثبات النقصان، وكذلك القصد لو وقع من عباده مالا يعلمه فكذلك لا يجوز أن يقع من عباده مالا يريده؛ لأن ذلك يوجب أن يقع عن سهو وغفلة، أو عن ضعف وتقصير عن بلوغ ما يريده، كما يجب ذلك لو وقع من فعله المجتمع على أنه فعل مالا يريده .
    وأيضا فلو كانت المعاصي وهو لا يشاء أن تكون لكان قد كره أن (2/ 171) تكون وأبى أن تكون، وهذا يوجب أن تكون المعاصي كائنة شاء الله أم أبى، وهذا صفة الضعف . تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا .
    وقد أوضحنا أن الله سبحانه لم يزل مريدا على حقيقته التي علمه عليها، فإذا كان الكفر مما يكون، وقد علم ذلك فقد أراد أن يكون .
    مسألة:
    يقال لهم: إذا كان الله عز وجل علم أن الكفر يكون، وأراد أن لا يكون، فقد أراد أن يكون ما علم على خلاف ما علم، وإذا لم يجز ذلك فقد أراد أن يكون ما علم كما علم .
    مسألة:
    ويقال لهم: لم أبيتم أن يريد الله الكفر الذي علم (2/ 172) أنه يكون أن يكون قبيحا فاسدا متناقضا خلافا للإيمان ؟
    فإن قالوا: لأن مريد السفه سفيه .
    قيل لهم: ولم قلتم ذلك، أو ليس قد أخبر الله تعالى عن ابن آدم أنه قال لأخيه: (لئن بسطت إلي يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك إني أخاف الله رب العالمين إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك فتكون من أصحاب النار وذلك جزاء الظالمين) من الآية (28 - 29 /5) ، فأراد أن لا يقتل أخاه لئلا يعذب، وأن يقتله أخوه حتى يبوء بإثم قتله له، وسائر آثامه التي كانت عليه فيكون من أصحاب النار، فأراد قتل أخيه الذي هو سفه، ولم يكن بذلك سفيها، فلم زعمتم أن الله تعالى إذا أراد سفه العباد وجب أن ينسب ذلك إليه ؟ (2/ 173)
    مسألة:
    ويقال لهم: قد قال يوسف صلى الله عليه وسلم: (رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه) من الآية (33 /12) وكان سجنهم إياه معصية، فأراد المعصية التي هي سجنهم إياه دون فعل ما يدعونه إليه، ولم يكن سفيها فما أنكرتم من أن لا يجب إذا أراد الباري سبحانه سفه العباد أن يكون قبيحا منهم، خلافا للطاعة أن يكون سفيها .
    مسألة أخرى:
    ويقال لهم: أليس من يرى منا حرم المسلمين كان سفيها، والله تعالى يراهم ولا ينسب إلى السفه ؟ فلا بد من نعم .
    يقال لهم: فيما أنكرتم أن من أراد السفه منا فكان سفيها، والله سبحانه يريد سعة السفهاء ولا ينسب إلى الله تعالى سفه تعالى الله عن ذلك . (2/ 174)
    مسألة أخرى:
    ويقال لهم: السفيه منا إنما كان سفيها لما أراد السفه؛ لأنه نهى عن ذلك، ولأنه تحت شريعة من هو فوقه، ومن يحد له الحدود وترسم له الرسوم فلما أتى ما نهي عنه كان سفيها، ورب العالمين جل ثناؤه وتقدست أسماؤه ليس تحت شريعة، ولا فوقه من يحد له الحدود ويرسم له الرسوم، ولا فوقه مبيح ولا حاظر، ولا آمر ولا زاجر، فلم يجب إذا أراد ذلك أن يكون قبيحا أن ينسب إلى السفه سبحانه وتعالى .
    مسألة:
    ويقال لهم: أليس من خلى بين عبيده وبين إمائه منا يزني بعضهم ببعض وهو لا يعجز عن التفريق بينهم يكون سفيها ؟ ورب العالمين عز وجل قد خلى بين عبيده وإمائه يزني بعضهم ببعض وهو يقدر على التفريق بينهم وليس سفيها، وكذلك من أراد (2/ 175) السفه منا كان سفيها، ورب العالمين عز وجل يريد السفه وليس سفيها .
    مسألة أخرى:
    ويقال لهم: من أراد طاعة الله منا كان مطيعا، كما أن من أراد السفه كان سفيها ورب العالمين عز وجل يريد الطاعة وليس مطيعا، فكذلك يريد السفه وليس سفيها .
    مسألة أخرى:
    ويقال لهم: قال الله تعالى: (ولو شاء الله ما اقتتلوا) من الآية (253 /2) فأخبر أنه لو شاء أن لا يقتتلوا ما اقتتلوا، (2/ 176) قال: (ولكن الله يفعل ما يريد) من آية (253 /2) من القتال، فإذا وقع القتال فقد شاءه، كما أنه قال: (ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه) من الآية (28 /6) فقد أوجب أن الرد لو كان إلى الدنيا لعادوا إلى الكفر، وأنهم إذا لم يردّهم إلى الدنيا لم يعودوا، فكذلك لو شاء الله أن لا يقتتلوا لما اقتتلوا، وإذا اقتتلوا فقد شاء أن يقتتلوا .
    مسألة:
    ويقال لهم: قال الله تعالى: (ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها ولكن حق القول مني لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين) من الآية (13 /23) وإذا حق القول بذلك فما شاء أن تؤتي كل نفس هداها؛ لأنه إذا لم يؤتها هداها لما حق القول بتعذيب الكافرين، وإذا لم يرد ذلك (2/ 177) فقد شاء ضلالتها .
    فإن قالوا: معنى ذلك لو شئنا جبرناهم على الهدى واضطررناهم إليه .
    قيل لهم: فإذا أجبرهم على الهدى واضطرهم إليه ليكونوا مهتدين، فإن قالوا: نعم . قيل لهم: فإذا كان إذا فعل الهدى كانوا مهتدين، فما أنكرتم لو فعل كفر الكافرين فكانوا كافرين، وهذا هدم قولهم؛ لأنهم زعموا أنه لا يفعل الكفر إلا كافر .
    ويقال لهم أيضا: على أي وجه يؤتيهم الهدى لو آتاهم إياه، وشاء ذلك لهم .
    فإن قالوا: على الإلجاء .
    قيل لهم: وإذا ألجأهم إلى ذلك هل ينفعهم ما يفعلونه على طريق الإلجاء ؟ فمن قولهم: لا . (2/ 178)
    قيل لهم: فإذا أخبر أنه لو شاء لآتاهم الهدى لولا ما حق منه من القول أنه يملأ جهنم، وإذا كان لو ألجأهم لم يكن نافعا لهم ولا مزيلا للعذاب عنهم، كما لم ينفع فرعون قوله الذي قاله عند الغرق والإلجاء، فلا معنى لقولكم، لأنه لولا ما حق من القول لأوتيت كل نفس هداها، وإتيان الهدى على الوجه الذي قلتموه لا يزيل العذاب .
    مسألة أخرى:
    ويقال لهم: قال الله تعالى: (ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض) من الآية (27 /42) ، وقال تعالى: (ولولا أن يكون الناس أمة واحدة لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفا من فضة ومعارج عليها يظهرون) من الآية (33 /43) مخبرا أنه لولا أن يكون الناس مجتمعين على الكفر لم يبسط لهم الرزق ولم يجعل للكافرين سقفا من فضة، فما أنكرتم من أنه تعالى لو لم يرد أن يكفر الكافرين ما خلقهم مع علمه بأنه إذا خلقهم كانوا (2/ 180) كافرين، كما أنه لو أراد أن لا يكون الناس على الكفر مجتمعين لم يجعل للكافرين سقفا من فضة ومعارج عليها يظهرون؛ لئلا يكونوا جميعا على الكفر متطابقين، إذا كان في معلومه أنه لو لم يفعل ذلك لكانوا جميعا على الكفر مطبقين . (2/ 181)
    الباب التاسع الكلام في تقدير أعمال العباد والاستطاعة والتعديل والتجوير
    يقال للقدرية: هل يجوز أن يعلم الله عز وجل عباده شيئا لا يعلمه ؟
    فإن قالوا: لا يعلم الله عباده شيئا إلا وهو به عالم .
    قيل لهم: فكذلك لا يقدرهم على شيء إلا وهو عليه قادر، فلا بد من الإجابة إلى ذلك .
    قيل لهم: فإذا قدرهم على الكفر، فهو قادر أن يخلق الكفر لهم، وإذا قدر على خلق الكفر لهم فلم أبيتم أن يخلق كفرهم فاسدا متناقضا باطلا، وقد قال تعالى: (فعال لما يريد) من الآية (107 /11) (2/ 182) وإذا كان الكفر مما أراد فقد فعله وقدره .
    مسألة:
    ويرد عليهم في اللطف . يقال لهم: أليس الله عز وجل قادر أن يفعل بخلقه من بسط الرزق ما لو فعله بهم لبغوا في الأرض ؟ وأن يفعل بهم ما لو فعله بالكفار لكفروا ؟ كما قال تعالى: (ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض) ، وكما قال: (ولولا أن يكون الناس أمة واحدة لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفا من فضة) من الآية (33 /43) . فلا بد من نعم . (2/ 183)
    يقال لهم: فما أنكرتم من أنه قادر أن يفعل بهم لطفا لو فعله بهم لآمنوا أجمعين، كما أنه قادر أن يفعل بهم أمرا لو فعله بهم لكفروا كلهم .
    مسألة أخرى:
    ويقال لهم: أليس قد قال الله تعالى: (ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان إلا قليلا) من الآية (83 /4) ، (ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكى منكم من أحد أبدا) من الآية (21 /24) ، وقال: (فاطلع فرآه في سواء الجحيم) (55 /37) يعني في وسط الجحيم، قال: (تالله إن كدت لتردين ولولا نعمة ربي لكنت من المحضرين) من الآية (56 - 57 /37) .
    ما الفضل الذي فعله بالمؤمنين، الذي لو لم يفعله لاتبعوا الشيطان، ولو لم يفعله ما زكى منهم من أحد أبدا ؟ وما النعمة التي لو لم يفعلها لكانوا من (2/ 184) المحضرين ؟ وهل ذلك شيء لم يفعله بالكافرين وخص به المؤمنين ؟
    فإن قالوا: نعم .
    فقد تركوا قولهم، وأثبتوا لله تعالى نعما وفضلا على المؤمنين ابتدأهم بجميعه، ولم ينعم بمثله على الكافرين، وصاروا إلى القول بالحق .
    فإن قالوا: قد فعل الله ذلك أجمع بالكافرين لما فعله بالمؤمنين، فقل لهم: فإذا كان الله تعالى قد فعل ذلك أجمع بالكافرين فلم يكونوا زاكين، وكانوا للشيطان متبعين، وفي النار محضرين .
    وهل يجوز أن يقول للمؤمنين: لولا أني خلقت لكم أيدي وأرجل لكنتم للشيطان متبعين، وهو قد خلق الأيدي والأرجل للكافرين وكانوا للشيطان متبعين ؟
    فإن قالوا: لا يجوز ذلك .
    قيل لهم: وكذلك لا يجوز ما قلتموه .
    وهذا يبين أن الله تعالى اختص المؤمنين من النعم والتوفيق والتسديد (2/ 185) بما لم يعط الكافرين، وفضل عليهم المؤمنين .
    مسألة في الاستطاعة:
    ويقال لهم: أليست استطاعة الإيمان نعمة من الله تعالى وفضلا وإحسانا ؟
    فإذا قالوا: نعم .
    قيل لهم: فما أنكرتم أن يكون توفيقا وتسديدا، فلا بد من الإجابة إلى ذلك .
    يقال لهم: فإذا كان الكافرون قادرين على الإيمان، فما أنكرتم من أن يكونوا موفقين للإيمان، ولو كانوا موفقين مسددين لكانوا ممدوحين؛ وإذ لم يجز ذلك لم يجز أن يكونوا على الإيمان قادرين، ووجب أن يكون الله تعالى اختص بالقدرة على الإيمان للمؤمنين . (2/ 186)
    مسألة أخرى:
    ويقال لهم: لو كانت القدرة على الكفر قدرة على الإيمان، فقد رغب إليه في أن يقدره على الكفر، فلما رأينا المؤمنين يرغبون إلى الله تعالى في قدرة الإيمان، ويزهدون في قدرة الكفر؛ علمنا أن الذي رغبوا فيه غير الذي زهدوا فيه .
    مسألة أخرى:
    ويقال لهم: أخبرونا عن قوة الإيمان، أليست فضلا من الله تعالى ؟
    فلا بد من نعم .
    يقال لهم: فالتفضل، أليس هو ما للمتفضل أن لا يتفضل به، وله أن يتفضل به، فلا بد من الإجابة إلى ذلك؛ لأن ذلك هو الفرق بين الفضل وبين الاستحقاق .
    فيقال لهم: وللمتفضل إذا أمر بالإيمان أن يرفع التفضل، ولا يتفضل به فيأمرهم بإيمان، وإن لم يعطهم قدرة الإيمان وخذلهم، وهذا هو قولنا ومذهبنا . (2/ 187)
    مسألة:
    ويقال لهم: هل يقدر الله على توفيق يوفق به الكافرين حتى يكونوا مؤمنين ؟
    فإن قالوا: لا . نطقوا بتعجيز الله، تعالى عن ذلك علوا كبيرا .
    وإن قالوا: نعم يقدر على ذلك، ولو فعل بهم التوفيق لآمنوا، تركوا قولهم، وقالوا بالحق .
    مسألة:
    وإن سألوا عن قول الله تعالى: (وما الله يريد ظلما للعباد) من الآية (31 /40) ، وعن قوله: (وما الله يريد ظلما للعالمين) من الآية (103 /3) .
    قيل لهم: معنى ذلك أنه لا يريد أن يظلمهم؛ لأنه قال: (وما الله يريد ظلما لهم) ولم يقل: لا يريد ظلم بعضهم لبعض، فلم يرد أن يظلمهم وإن كان أراد أن يتظالموا . (2/ 188)
    مسألة:
    وإن سألوا عن قول الله تعالى: (ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت) من الآية (3 /67) ، قالوا: والكفر متفاوت، فكيف يكون من خلق الله ؟
    والجواب عن ذلك: أن الله تعالى قال: (خلق سبع سماوات طباقا ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت فارجع البصر هل ترى من فطور ثم أرجع البصر كرتين ينقلب إليك البصر خاسئا وهو حسير) من الآية (3 - 4 /67) فإنما عنى ما ترى في السماوات من فطور؛ لأنه ذكر خلق السماوات، ولم يذكر الكفر، وإذا كان هذا على ما قلناه بطل ما قالوه . والحمد لله رب العالمين .
    مسألة:
    ويقال لهم: هل تعرفون لله عز وجل نعمة على أبي بكر الصديق رضي الله عنه خص بها دون أبي جهل ابتداء ؟
    فإن قالوا: لا، فحُش قولهم .
    وإن قالوا: نعم، تركوا مذاهبهم، (2/ 189) لأنهم لا يقولون إن الله خص المؤمنين في الابتداء بما لم يخص به الكافرين .
    مسألة:
    وإن سألوا عن قوله تعالى: (ما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلا) من الآية (27 /38) ، فقالوا: هذه الآية تدل على أن الله عز وجل لم يخلق الباطل . والجواب عن ذلك: أن الله عز وجل أراد بذلك المشركين الذين قالوا: لا حشر ولا نشور ولا إعادة، فكأنه قال تعالى: ما خلقت ذلك، وأنا لا أثيب من أطاعني، ولا أعاقب من عصاني، كما ظن الكافرون أنه لا حشر ولا نشر ولا ثواب ولا عقاب، ألا تراه قال (2/ 190) : (ذلك ظَنُّ الذين كفروا فويل للذين كفروا من النار) من الآية (27 /38) ، وبيَّن ذلك بقوله: (أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين كالفجار) (28 /38) أي لا نسوي بينهم في أن نفنيهم أجمعين ولا نعيدهم، فيكون سبيلهم سبيلا واحدا .
    مسألة:
    وسألوا عن قوله تعالى: (ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك) (79 /4)
    والجواب عن ذلك: أن الله تعالى قال: (وإن تصبهم حسنة) من الآية (78 /4) يعني الخصب والخير، (يقولون هذا من عند الله وإن تصبهم سيئة) من الآية (78 /4) (2/ 191) يعني الجدب والقحط والمصائب، (قالوا هذه من عندك) من الآية (/4) أي بشؤمك، قال الله تعالى: (يا محمد قل كل من عند الله فمال هؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا) من الآية (78 /4) في قولهم: (ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك) (79 /4) فحذف " في قولهم " لأن ما تقدم من الكلام يدل عليه؛ لأن القرآن لا يتناقض، ولا يجوز أن يقول في آية إن الكل من عند الله، ثم يقول في الآية الأخرى التي تليها إن الكل ليس من عند الله، على أن ما أصاب الناس هو غير ما أصابوه، وهذا يبين بطلان تعلقهم بهذه الآية، ويوجب عليهم الحجة .
    مسألة:
    وإن سألوا عن قول الله تعالى: (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون) (56 /15) . (2/ 192)
    والجواب عن ذلك: أن الله تعالى إنما عنى المؤمنين دون الكافرين؛ لأنه أخبرنا أنه ذرأ لجهنم كثيرا من خلقه، فالذين خلقهم لجهنم، وأحصاهم، وعدهم، وكتبهم بأسمائهم وأسماء آبائهم وأمهاتهم؛ غير الذين خلقهم لعبادته .
    مسألة في التكليف:
    ويقال لهم: أليس قد كلف الله عز وجل الكافرين أن يستمعوا الحق ويقبلوه ويؤمنوا بالله ؟
    فلا بد من نعم .
    فيقال لهم: فقد قال الله تعالى: (ما كانوا يستطيعون السمع) من الآية (20 /11) ، وقال: (وكانوا لا يستطيعون سمعا) من الآية (101 /18) ، وقد كلفهم استماع الحق . (2/ 193)
    مسألة:
    ويقال لهم: أليس قد قال الله تعالى: (يوم يكشف عن ساق ويدعون إلى السجود فلا يستطيعون) (42 /68) ، أليس قد أمرهم الله تعالى بالسجود في الآخرة ؟
    وجاء في الخبر: (أن المنافقين يجعل في أصلابهم كالصفائح فلا يستطيعون السجود) ، وفي هذا تثبيت ما نقوله من أنه لا يجب لهم على الله تعالى إذا أمرهم أن يقدرهم، وهو بطلان قول القدرية .
    مسألة في إيلام الأطفال:
    ويقال لهم: أليس قد آلم الله تعالى الأطفال في الدنيا بآلام أوصلها إليهم، كنحو الجذام الذي يقطع أيديهم وأرجلهم وغير ذلك - أعاذنا الله من ذلك - كما يؤلمهم به، وكان ذلك سائغا جائزا ؟
    فإذا قالوا: نعم . (2/ 194)
    قيل لهم: فإذا كان هذا عدلا فما أنكرتم أن يؤلمهم في الآخرة، ويكون ذلك منه عدلا .
    فإن قالوا: آلمهم في الدنيا ليعتبر بهم الآباء .
    قيل لهم: فإذا فعل بهم ذلك في الدنيا ليعتبر بهم الآباء، وكان ذلك منه عدلا فلم لا يؤلم أطفال الكافرين في الآخرة ليغيظ بذلك آباءهم، ويكون ذلك منه عدلا ؟
    وقد قيل في الخبر: (إن أطفال المشركين تؤجج لهم نار يوم القيامة ثم يقال لهم اقتحموها، فمن اقتحمها أدخله الجنة، ومن لم يقتحمها أدخله النار)
    وقد قيل في الأطفال، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم: (إن شئت أسمعتك ضغاءهم في النار) .
    مسألة:
    ويقال لهم: أليس قد قال الله تبارك وتعالى (2/ 195) : (تبت يدا أبي لهب وتب ما أغنى عنه ماله وما كسب سيصلى نارا ذات لهب) (1 - 3 /111) ، وأمره مع ذلك بالإيمان، فأوجب عليه أن يعلم أنه لا يؤمن، وأن الله صادق في إخباره عنه أنه لا يؤمن، وأمره مع ذلك أن يؤمن ولا يجتمع الإيمان والعلم بأنه لا يكون ولا يقدر على أن يؤمن، وأن يعلم أنه لا يؤمن .
    وإذا كان هذا هكذا فقد أمر الله سبحانه أبا لهب بما لا يقدر عليه؛ لأنه أمره أن يؤمن، وأنه يعلم أنه لا يؤمن .
    مسألة:
    ويقال لهم: أليس أمر الله عز وجل بالإيمان من علم أنه لا يؤمن ؟
    فمن قولهم نعم .
    يقال لهم: فأنتم قادرون على الإيمان، ويتأتى لكم ذلك .
    فإن قالوا: لا، وافقونا .
    وإن قالوا: نعم، زعموا أن العباد يقدرون على الخروج من علم الله . تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا . (2/ 196)
    مسألة عن المعتزلة:
    قال الشيخ أبو الحسن الأشعري رحمة الله عليه:
    ويقال لهم: أليس المجوس أثبتوا الشيطان يقدر على الشر الذي لا يقدر الله عز وجل عليه فكانوا بقولهم هذا كافرين ؟ فلا بد من نعم .
    يقال لهم: فإذا زعمتم أن الكافرين يقدرون على الكفر، والله تعالى لا يقدر عليه فقد زدتم على المجوس في قولكم؛ لأنكم تقولون معهم: إن الشيطان يقدر على الشر، والله لا يقدر عليه، وهذا ما بينه الخبر عن الرسول صلى الله عليه وسلم، وأن القدرية مجوس هذه الأمة، وإنما صاروا مجوس هذه الأمة؛ لأنهم قالوا بقول المجوس . (2/ 197)
    مسألة:
    وزعمت القدرية أنا نستحق اسم القدر؛ لأنا نقول إن الله تعالى قدر الشر والكفر، فمن يثبت القدر كان قدريا دون من لم يثبته .
    يقال لهم: القدري هو من يثبت القدر لنفسه دون ربه عز وجل، وأنه يقدر أفعاله دون خالقه، وكذلك هو في اللغة؛ لأن الصائغ: هو من زعم أنه يصوغ دون من يزعم أنه يصاغ له، والنجار: هو من يضيف النجارة إلى نفسه دون أنه ينجر له .
    فلما كنتم تزعمون أنكم تقدرون أعمالكم وتفعلونها دون ربكم، وجب أن تكونوا قدرية، ولم نكن نحن قدرية؛ لأنا لم نضف الأعمال إلى (2/ 198) أنفسنا دون ربنا عز وجل، ولم نقل إنا نقدرها دونه، وقلنا: إنها تقدر لنا .
    مسألة:
    ويقال لهم: إذا كان من أثبت التقدير لله عز وجل قدريا، فيلزمكم إذا زعمتم أن الله تعالى قدر السماوات والأرض، وقدر الطاعات أن تكونوا قدرية، فإذا لم يلزم هذا فقد بطل قولكم وانتقض كلامكم .
    مسألة في الختم:
    يقال لهم: أليس قد قال الله تعالى: (ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة) من الآية (7 /2) ، وقال تعالى: (فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله (2/ 199) يجعل صدره ضيقا حرجا) من الآية (125 /6) ، فخبرونا عن الذين ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم، أتزعمون أنه هداهم وشرح للإسلام صدورهم وأضلهم .
    فإن قالوا: نعم، تناقض قولهم .
    وقيل لهم: كيف تكون الصدور مشروحة للإيمان، وهي ضيقة حرجة مختوم عليها، وكيف يجتمع الفعل الذي قال الله عز وجل: (أم على قلوب أقفالها) من الآية (24 /47) مع الشرح، والضيق مع السعة، والهدى مع الضلال، إن كان هذا جاز أن يجتمع التوحيد والإلحاد الذي هو ضد التوحيد، والكفر والإيمان معا في قلب واحد، وإن لم يجز هذا لم يجز ما قلتموه .
    فإن قالوا: الختم والضيق والضلال لا يجوز أن يجتمع مع شرح الله الصدر .
    قيل لهم: وكذلك الهدى لا يجتمع مع الضلال، وإذا كان هذا هكذا (2/ 200) فما شرح الله صدور الكافرين للإيمان، بل ختم الله على قلوبهم وأقفلها عن الحق، وشد عليها، كما دعا نبي الله موسى صلى الله عليه وسلم على قومه فقال: (ربنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى تروا العذاب الأليم) من الآية (88 /10) قال الله تعالى: (قد أجبت دعوتكما) من آية (89 /10) ، وقال تعالى يخبر عن الكافرين إنهم قالوا: (قلوبنا في أكنَّة مما تدعوننا إليه وفي آذاننا وقر ومن بيننا وبينك حجاب) من الآية (5 /41) ، فإذا خلق الله الأكنة في قلوبهم، والقفل والزيغ؛ لأن الله تعالى قال: (فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم) من الآية (5 /16) (2/ 201) والختم وضيق الصدر تم أمرهم بالإيمان الذي علم أنه لا يكون، فقد أمرهم بما لا يقدرون عليه، وإذا خلق الله في قلوبهم ما ذكرنا من الضيق عن الإيمان، فهل الضيق عن الإيمان إلا الكفر الذي في قلوبهم ؟ وهذا يبين أن الله خلق كفرهم ومعاصيهم .
    مسألة:
    ويقال لهم: قال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: (ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا) (74 /17) ، وقال تعالى يخبر عن يوسف صلى الله عليه وسلم: (ولقد همت به وهم بها لولا أن رأى برهان ربه) من الآية (24 /12) (2/ 202) فحدثونا عن ذلك التثبيت والبرهان، هل فعله الله عز وجل بالكافرين، أو ما هو مثله ؟
    فإن قالوا) لا، تركوا القول بالقدر .
    وإن قالوا: نعم .
    قيل لهم: فإذا كان لم يركن إليهم من أجل التثبيت فيجب لو كان فعل ذلك بالكافرين أن لا يثبتوا على الكفر، وإذا لم يكونوا عن الكفر مفترقين فقد بطل أن يكون فعل بهم مثل ما فعله بالنبي صلى الله عليه وسلم من التثبيت الذي لما فعله به لم يركن إلى الكافرين .
    مسألة في الاستثناء:
    ويقال لهم: خبرونا عن مطالبة رجل بحق، فقال له: والله لأعطينك ذلك غدا إن شاء الله تعالى، أليس الله شائيا أن يعطيه حقه ؟
    فمن قولهم: نعم .
    يقال لهم: أفرأيتم إن جاء الغد فلم يعطه حقه، (2/ 203) أليس لا يحنث ؟ فلا بد من نعم .
    يقال لهم: فلو كان الله شاء أن يعطيه حقه لحنث إذا لم يعطه، كما لو قال: والله لأعطينك حقك إذا طلع الفجر غدا، ثم طلع ولم يعطه أنه يكون حانثا .
    مسألة في الآجال:
    يقال لهم: أليس قد قال الله تعالى: (فإذا جاء أجلهم فلا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون) من الآية (61 /16) ، وقال تعالى: (ولن يؤخر الله نفسا إذا جاء أجلها) من الآية (11 /63) ؟
    فلا بد من نعم .
    يقال لهم: خبرونا عمن قتله قاتله ظلما، أتزعمون أنه قتل في أجله، أو بأجله (2/ 204) ؟
    فإن قالوا: نعم، وافقوا وقالوا بالحق، وترك القدر .
    وإن قالوا: لا .
    قيل لهم: فمتى أجل هذا المقتول ؟
    فإن قالوا: الوقت الذي علم الله أنه لو لم يقتل لتزوج امرأة أنها امرأته، وإن لم يبلغ إلى أن يتزوجها، وإذا كان في معلوم الله أنه لو لم يقتل وبقي لكفر أن تكون النار داره .
    وإذا لم يجز هذا لم يجز أن يكون الوقت الذي لم يبلغ إليه أجلا له، على أن هذا القول مقيد لقول الله تعالى: (فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون) من الآية (61 /16) .
    مسألة أخرى:
    ويقال لهم: إذا كان القاتل عندكم قادرا على أن لا يقتل هذا المقتول فيعيش، فهو قادر على قطع أجله وتقديمه قبل أجله، وهو قادر على تأخيره إلى أجله، فالإنسان على قولكم يقدر أن يقدم آجال العباد ويؤخرها، ويقدر أن (2/ 205) يبقي العباد ويبلغهم ويخرج أرواحهم، وهذا إلحاد في الدين .
    مسألة في الأرزاق:
    ويقال لهم: خبرونا عمن اغتصب طعاما فأكله حراما، هل رزقه الله ذلك الحرام ؟
    فإن قالوا: نعم، تركوا القدر .
    وإن قالوا: لا .
    قيل لهم: فمن أكل جميع عمره الحرام، فما رزقه الله شيئا اغتذى به جسمه .
    ويقال لهم: فإذا كان غيره يغتصب له ذلك الطعام ويطعمه إياه إلى أن مات، فرازق هذا الإنسان عندكم غير الله، وفي هذا إقرار منهم أن للخلق رازقين:
    أحدهما يرزق الحلال، والآخر يرزق الحرام، وأن الناس تنبت لحومهم وتشد عظامهم، والله غير رازق لهم ما اغتذوا به . (2/ 206)
    وإذا قلتم: إن الله لم يرزقه الحرام، لزمكم أن الله لم يغذه به، ولا جعله قواما لجسمه، وأن لحمه وجسمه قام وعظمه اشتد بغير الله عز وجل، وهو ممن رزقه الحرام، وهذا كفر عظيم إن احتملوا .
    مسألة أخرى في الأرزاق:
    ويقال لهم: لم أبيتم أن يرزق الله الحرام ؟
    فإن قالوا: لأنه لو رزق الحرام لملك الحرام .
    يقال لهم: خبرونا عن الطفل الذي يتغذى من لبن أمه، وعن البهيمة التي ترعى الحشيش، من يرزقهما ذلك ؟
    فإن قالوا: الله تعالى .
    قيل لهم: فمن ملَّكهما ؟ وهل للبهيمة مِلك ؟
    فإن قالوا: لا . (2/ 207)
    قيل لهم: فلم زعمتم أنه لو رزق الحرام لملك الحرام، وقد يرزق الله الشيء ولا يُمَلِّكُه ؟
    ويقال لهم: هل أقدر الله العبد على الحرام ولم يملِّكْه إياه ؟
    فمن قولهم: نعم .
    يقال لهم: فما أنكرتم أن يرزقه الحرام، وإن لم يملِّكه إياه .
    مسألة أخرى:
    يقال لهم: إذا كان توفيق المؤمنين بالله، فما أنكرتم أن يكون خذلان الكافرين من قبل الله تعالى، وإلا فإن زعمتم أن الله وفق الكافرين للإيمان فقولوا عصمهم من الكفر، وكيف يعصمهم من الكفر وقد وقع الكفر منهم ؟
    فإن أثبتوا أن الله خذلهم، قيل لهم: فالخذلان من الله أليس هو الكفر الذي خلقه فيهم ؟
    فإن قالوا: نعم، وافقوا .
    وإن قالوا: لا .
    قيل لهم: فما ذلك الخذلان الذي خلقه ؟
    فإن قالوا: تخليته إياهم والكفر .
    قيل لهم: أو ليس من قولكم: إن الله عز وجل خلى بين المؤمنين وبين الكفر ؟ (2/ 208)
    فمن قولهم: نعم .
    قيل لهم: فإذا كان الخذلان التخلية بينهم وبين الكفر، فقد لزمكم أن يكون خذل المؤمنين؛ لأنه خلى بينهم وبين الكفر، وهذا خروج عن الدين، فلا بد لهم أن يثبتوا لهم الخذلان الكفر الذي خلقه فيتركوا القول بالقدر .
    مسألة أخرى:
    إن سأل سائل مِن أهل القدر، فقال: هل يخلو العبد من أن يكون بين نعمة يجب عليه أن يشكر الله عليها، أو بلية يجب عليه الصبر عليها ؟
    قيل له: العبد لا يخلو من نعمة وبلية، والنعمة يجب على العبد أن يشكر الله عليها، والبلايا على ضربين:
    منها ما يجب الصبر عليها كالأمراض والأسقام وما أشبه ذلك .
    ومنها ما يجب عليه الإقلاع عنها كالكفر والمعاصي .
    مسألة:
    وإن سألوا فقالوا: أيما خير، الخير أو مَن الخير منه ؟
    قيل لهم: من كان الخير متفضلا به فهو خير من الخير .
    فإن قالوا: فأيما شر، الشر أو من الشر منه ؟ (2/ 209)
    قيل لهم: من كان الشر منه جائزا به فهو أشر من الشر، والله تعالى يكون منه الشر خلقا، وهو عادل به، ولذلك لا يلزمنا ما سألتم عنه على أنكم ناقضون لأصولكم؛ لأنه إن كان من كان الشر منه فهو أشر من الشر، وقد خلق الله تعالى إبليس الذي هو أشر من الشر الذي يكون منه، فقد خلق ما هو أشر من الشرور كلها، وهذا نقض دينكم وفساد مذهبكم .
    مسألة في الهدى:
    يقال للمعتزلة: أليس قد قال الله تعالى: (ألم ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين) (2 /3) فأخبر أن القرآن هدى للمتقين ؟ فلا بد من نعم .
    يقال لهم: أو ليس قد ذكر الله عز وجل القرآن فقال: (والذين لا يؤمنون بالآخرة في آذانهم وقر وهو عليهم عمى) من الآية (44 /41) فخبر أن القرآن على الكافرين عمى ؟ فلا بد من نعم .
    يقال لهم: فهل يجوز أن يكون من خبر الله عز وجل أن (2/ 210) القرآن له هدى وهو عليه عمى ؟ فلا بد من لا .
    يقال لهم: فكما لا يجوز أن يكون القرآن عمى على من أخبر الله تعالى أنه له هدى، كذلك لا يجوز أن يكون القرآن هدى لمن أخبر الله أنه عليه عمى .
    مسألة أخرى:
    ثم يقال لهم: إذا جاز أن يكون دعاء الله إلى الإيمان هدى لمن قَبِل ولمن لم يقبل، فما أنكرتم دعاء إبليس إلى الكفر إضلالا لمن قبل ولمن لم يقبل، فإن كان دعاء إبليس إلى الكفر إضلالا للكافرين الذين قبلوا عنه، دون المؤمنين لم يقبلوا عنه، فما أنكرتم أن دعاء الله تعالى إلى الإيمان هدى للمؤمنين الذين قبلوا عنه، دون الكافرين الذين لم يقبلوا عنه، وإلا فما الفرق بين ذلك ؟
    مسألة أخرى:
    ويقال لهم: أليس قال الله تعالى (2/ 211) : (يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا) من الآية (26 /2) فهل يدل قوله: (يضل به كثيرا) على أنه لم يضل الكل؛ لأنه لو أراد الكل لقال: يضل به الكل، فلما قال: (يضل به كثيرا) علمنا أنه لم يضل الكل ؟ فلا بد من نعم .
    يقال لهم: فما أنكرتم أن قوله تعالى: (ويهدي به كثيرا) دليل على أنه لم يرد الكل؛ لأنه لو أراد الكل لقال: ويهدي به الكل، فلما قال تعالى: (ويهدي به كثيرا) علمنا أنه لم يهد الكل، وفي هذا إبطال قولكم: إن الله هدى الخلق أجمعين .
    مسألة أخرى:
    ويقال لهم: إذا قلتم إن دعاء الله إلى الإيمان هدى للكافرين الذين لم يقبلوا عن الله أمره، فما أنكرتم أن يكون دعا الله إلى الإيمان نفعا وصلاحا (2/ 212) وتسديدا للكافرين الذين لم يقبلوا عن الله أمره، وما أنكرتم أن يكون عصمة لهم من الكفر وإن لم يكونوا من الكفر معتصمين، وأن يكون توفيقا للإيمان وإن لم يوفقوا للإيمان، وفي هذا ما يجب أن الله سدد الكافرين وأصلحهم وعصمهم ووفقهم للإيمان وإن كانوا كافرين، وهذا ما لا يجوز؛ لأن الكافرين مخذولون .
    وكيف يكونون موفقين للإيمان وهم مخذولون ؟
    فإن جاز أن يكون الكافر موفقا للإيمان، فما أنكرتم أن يكون الإيمان له متفقا، فإن استحال هذا، فما أنكرتم أن يستحيل ما قلتموه .
    مسألة في الضلال:
    يقال لهم: أضل الله تعالى الكافرين عن الإيمان، أو عن الكفر ؟
    فإن قالوا: عن الكفر . (2/ 213)
    قيل لهم: فكيف يكونون ضالين عن الكفر ذاهبين عنه، وهم كافرون ؟
    وإن قالوا: أضلهم عن الإيمان، تركوا قولهم .
    وإن قالوا: نقول: إن الله أضلهم، ولم يضلهم عن شيء .
    قيل لهم: ما الفرق بينكم وبين من قال: إن الله هدى المؤمنين لا إلى شيء ؟
    فإن استحال أن يهدي المؤمنين لا إلى الإيمان، فما أنكرتم من أنه محال أن يضل الكافرين لا إلى الإيمان .
    مسألة أخرى:
    ويقال لهم: ما معنى قول الله تعالى: (ويضل الله الظالمين) من الآية (27 /14) ؟
    فإن قالوا: معنى ذلك أنه يسميهم ضالين، ويحكم عليهم بالضلال .
    قيل لهم: أليس خاطب الله العرب بلغتهم فقال: (بلسان عربي مبين) من الآية (195 /26) ، (2/ 214) وقال: (وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه) من الآية (4 /14) ؟ فلا بد من نعم .
    يقال لهم: وإذا كان الله عز وجل أنزل القرآن بلسان العرب، فمن أين وجدتم في لغة العرب أن يقال: أضل فلان فلانا أي سماه ضالا ؟
    فيقال: قالوا وجدنا القائل يقول: إذا قال رجل لرجل ضال قد ضللت .
    قيل لهم: قد وجدنا لعمري القائل: ضلل فلان فلانا أنه سماه ضالا، ولم نجدهم يقولون: أضل فلان فلانا بهذا المعنى، فلما قال الله تعالى: (ويضل الله الظالمين) من الآية (27 /14) لم يجز أن يكون معنى ذلك الاسم، والحكم إذا لم يجز في لغة العرب أن يقال: أضل فلان فلانا، بأن سماه ضالا، بطل تأويلكم إذا كان خلاف لسان العرب . (2/ 215)
    مسألة أخرى:
    ويقال لهم: إذا قلتم: إن الله أضل الكافرين بأن سماهم ضالين، وليس ذلك في اللغة على ما ادعيتموه، فيلزمكم إذا سمى النبي صلى الله عليه وسلم قوما ضالين فاسدين بأن يكون قد أضلهم وأفسدهم بأن سماهم ضالين فاسدين، وإذا لم يجز هذا بطل أن يكون معنى (يضل الله الظالمين) الاسم والحكم كما ادعيتم .
    مسألة:
    ويقال لهم: أليس قد قال الله تعالى: (من يهد الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا) من الآية (17 /18) ، وقال تعالى: (كيف يهدي الله قوما كفروا بعد إيمانهم) من الآية (86 /3) فذكر أنه يهديهم، وقال تعالى (2/ 216) : (والله يدعو إلى دار السلام ويهدي من يشاء إلى صراط مستقيم) الآية من (25 /10) فجعل الدعاء عاما، والهدى خاصا، وقال تعالى: (لا يهدي القوم الكافرين) من الآية (264 /2) فإذا أخبر الله عز وجل أنه لا يهدي القوم الكافرين، فكيف يجوز لقائل أن يقول: إنه هدى الكافرين مع إخباره أنه لا يهديهم، ومع قوله تعالى: (إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء) من الآية (56 /28) ، ومع قوله تعالى: (ليس عليك هداهم ولكن الله يهدي من يشاء) من الآية (272 /2) ، ومع قوله تعالى: (ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها) من الآية (13 /32) ، (2/ 217) ؟
    وإن جاز هذا جاز أن يقال: أضل المؤمنين، مع قوله تعالى: (ومن يهد الله المهتد) من الآية (97 /17) ، ومع قوله: (هدى للمتقين) من الآية (2 /2) ، فإن لم يكن ذلك، فما أنكرتم أنه لا يجوز أن يهدي الكافرين مع قوله تعالى: (لا يهدي القوم الكافرين) من الآية (264 /2) ومع سائر الآيات التي طالبناكم بها . مسألة:
    ويقال لهم: أليس قد قال الله تعالى: (أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة) من الآية (23 /45) ؟ (2/ 218)
    فلا بد من نعم .
    يقال لهم: فأضلهم ليضلوا أو ليهتدوا ؟
    فإن قالوا: أضلهم ليهتدوا .
    قيل لهم: وكيف يجوز أن يضلهم ليهتدوا، وإن جاز هذا جاز أن يهديهم ليضلوا، وإذا لم يجز أن يهدي المؤمنين ليضلوا، فما أنكرتم من أنه لا يجوز أن يضل الكافرين ليهتدوا .
    مسألة:
    ويقال لهم: إذا زعمتم أن الله هدى الكافرين فلم يهتدوا، فما أنكرتم أن ينفعهم فلا ينتفعون، وأن يصلحهم فلا ينصلحون، وإذا جاز أن ينفع من لا ينتفع بنفعه فما أنكرتم من أن يضر من لا تلحقه المضرة، فإن كان لا يضر إلا من يلحقه الضرر فكذلك لا ينفع إلا منتفعا، ولو جاز أن ينفع من ليس منتفعا، ويهدي من ليس مهتديا؛ جاز أن يقدر من ليس مقتدرا، وإذا استحال ذلك استحال أن ينفع من ليس منتفعا، ويهدي من ليس مهتديا . (2/ 219)
    مسألة يسألون عنها:
    يقولون: أليس قد قال الله تعالى: (شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات) من الآية (185 /2) فما أنكرتم أن يكون القرآن هدى للكافرين والمؤمنين .
    قيل لهم: الآية خاصة؛ لأن الله تعالى قد بين لنا أنه هدى للمتقين، وخبرنا أنه لا يهدي الكافرين، والقرآن لا يتناقض، فوجب أن يكون قوله: (هدى للناس) أراد المؤمنين دون الكافرين .
    مسألة:
    فإن قال قائل: أليس قد قال الله تعالى: (إنما تنذر من اتبع الذكر) من الآية (11 /36) (2/ 220) ، وقال تعالى: (إنما أنت منذر من يخشاها) (45 /79) ، وقد أنذر النبي صلى الله عليه وسلم من اتبع الذكر ومن لم يتبع، ومن خشي ومن لم يخش ؟
    قيل له: نعم .
    فإن قالوا: فما أنكرتم أن يكون قوله تعالى: (هدى للمتقين) من الآية (2 /2) أراد به هدى لهم ولغيرهم ؟
    قيل لهم: إن معنى قول الله تعالى: (إنما ينذر من اتبع الذكر) من الآية (11 /36) إنما أراد به ينتفع بإنذارك من اتبع الذكر، وقوله تعالى: (إنما أنت منذر من يخشاها) (45 /79) أراد أن الإنذار ينتفع به من يخشى الساعة، ويخاف العقوبة فيها، على أن الله تعالى قد أخبر في موضع آخر من القرآن أنه أنذر الكافرين، فقال (2/ 221) : (إن الذين كفروا سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون) (6 /2) وهذا هو خبر عن الكافرين، وقال تعالى: (وأنذر عشيرتك الأقربين) (214 /26) ، وقال تعالى: (أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود) من الآية (13 /41) وهذا خطاب للكافرين .
    فلما أخبر الله تعالى في آيات من القرآن أنه أنذر الكافرين، كما أخبر في آيات من القرآن أنه أنذر من يخشاها، وأنذر من اتبع الذكر؛ وجب بالقرآن أن الله قد أنذر المؤمنين والكافرين، فلما أخبرنا (2/ 222) الله أنه هدى للمتقين وعمى على الكافرين، وخبرنا أنه لا يهدي الكافرين؛ وجب أن يكون القرآن هدى للمتقين دون الكافرين .
    مسألة:
    وإن سأل سائل عن قول الله تعالى: (وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى) من الآية (17 /41) فقال: أليس ثمود كانوا كافرين وقد أخبر الله تعالى أنه هداهم .
    قيل له: ليس الأمر كما ظننت .
    والجواب في هذه الآية على وجهين:
    أحدهما: أن ثمود كانوا فريقين مؤمنين وكافرين، وهم الذين أخبر الله أنه نجاهم مع صالح صلى الله عليه وسلم بقوله تعالى (2/ 223) : (نجينا صالحا والذين آمنوا معه برحمة منا) من الآية (66 /11) فالذين عنى الله عز وجل من ثمود أنه هداهم هم المؤمنون دون الكافرين؛ لأن الله تعالى قد بين لنا في القرآن أنه لا يهدى الكافرين، والقرآن لا يتناقض، بل يصدق بعضه بعضا، فإذا أخبرنا في موضع أنه لا يهدي الكافرين، ثم خبر في موضع آخر أنه هدى ثمود، علمنا أنه إنما أراد المؤمنين من ثمود دون الكافرين .
    والوجه الآخر: أن الله عز وجل عنى قوما من ثمود كانوا مؤمنين ثم ارتدوا، فأخبر أنه تعالى هداهم فاستحبوا بعد الهداية الكفر على الإيمان، وكانوا في حال ما هداهم مؤمنين .
    فإن قال قائل معترضا في الجواب الأول: كيف يجوز أن يقول: (فهديناهم) ويعني المؤمنين من ثمود، ويقول: (فاستحبوا) يعني الكافرين منهم وهم غير مؤمنين ؟
    يقال له: هذا جائز في اللغة التي ورد بها القرآن أن يقول: (فهديناهم) (2/ 224) ويعني المؤمنين من ثمود، ويقول: (فاستحبوا) ويعني الكافرين منهم، وقد ورد القرآن بمثل هذا، قال الله تعالى: (وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم) من الآية (33 /8) يعني الكافرين، ثم قال تعالى: (وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون) من الآية (33 /8) يعني المؤمنين، ثم قال تعالى: (وما لهم ألا يعذبهم الله) من الآية (34 /8) يعني الكافرين، ولا خلاف عند أهل اللغة في جواز الخطاب بهذا أن يكون ظاهره لجنس والمراد به جنسان، فبطل ما اعترض به ودل على جهله . (2/ 225)
    الباب العاشر ذكر الروايات في القدر
    روى معاوية بن عمرو، ثنا زائدة، قال: ثنا سليمان الأعمش، عن زيد بن وهب، عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، قال: أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم - وهو الصادق المصدوق -: (أن خلق أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين ليلة، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يبعث الله الملك، قال: فيؤمر بأربع كلمات، يقال: اكتب أجله، ورزقه، وعمله، وشقي أو سعيد، ثم ينفخ فيه الروح) .
    قال صلى الله عليه وسلم (2/ 226) : (إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع أو باع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع أو باع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها) . لا حرمنا الله منها .
    وروى معاوية بن عمرو قال: ثنا زائدة، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (احتج آدم وموسى صلوات الله وسلامه عليهما فقال موسى عليه السلام: يا آدم أنت الذي خلقك الله بيده ونفخ فيك من روحه، أغويت الناس وأخرجتهم من الجنة، قال: فقال آدم صلى الله عليه وسلم (2/ 227) : أنت موسى الذي اصطفاك الله بكلماته، تلومني على عمل كتبه الله علي قبل أن يخلق الله السماوات، قال: فحج آدم موسى) .
    وروى حديث (حج آدم موسى) مالك عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا يدل على بطلان قول القدرية الذين يقولون: إن الله تعالى لا يعلم الشيء حتى يكون؛ لأن الله تعالى إذا كتب ذلك وأمر بأن يكتب فلا يكتب شيء لا يعلمه - جل عن ذلك وتقدس - وقال تعالى: (وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين) من الآية (59 /6) ، وقال تعالى: (وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ويعلم مستقرها ومستودعها كل في كتاب مبين) من الآية (6 /11) ، (2/ 228) وقال تعالى: (أحصاه لله ونسوه) من الآية (6 /58) ، وقال تعالى: (لقد أحصاهم وعدهم عدا) (94 /19) ، وقال تعالى: (أحاط بكل شيء علما) من الآية (12 /25) ، (وأحصى كل شيء عددا) من الآية (28 /72) ، وقال تعالى (بكل شيء عليم) من الآية (231 /25) ، فذلك يبين أنه يعلم الأشياء كلها .
    وقد أخبر الله تعالى أن الخلق يبعثون ويحشرون، وأن الكافرين في النار يخلدون، وأن الأنبياء والمؤمنين في الجنان يخلدون، وأن القيامة تقوم ولم تقم (2/ 229) القيامة، فذلك يدل على أن الله تعالى يعلم ما يكون قبل أن يكون، وقد قال تعالى في أهل النار: (ولو ردوا لعادوا) من الآية (28 /6) ، فأخبر عما لا يكون أنه لو كان كيف يكون، وقال تعالى: (فما بال القرون الأولى قال علمها عند ربي في كتاب لا يضل ربي ولا ينسى) من الآية (51 - 52 /20) ، ومن لا يعلم الشيء قبل كونه لا يعلم بعد تقضيه، تعالى الله عن قول الظالمين علوا كبيرا .
    وروى معاوية بن عمرو، قال: ثنا زائدة، عن سليمان الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن عبد الله بن ربيعة، قال: (2/ 230) كنا عند عبد الله، قال: فذكروا رجلا فذكروا من خُلُقِه، فقال القوم: أما له من يأخذ على يديه ؟ قال عبد الله: أرأيتم لو قطع رأسه كنتم تستطيعون أن تجعلوا له رأسا ؟ قالوا: لا .
    قال عبد الله: إن النطفة إذا وقعت في المرأة مكثت أربعين يوما، ثم انحدرت دما، ثم تكون علقة مثل ذلك، ثم تكون مضغة مثل ذلك، ثم يبعث ملك فيقول: اكتب أجله، وعمله، ورزقه، وأثره، وخلقه، وشقي أو سعيد، وأنكم لن تستطيعوا أن تغيروا خُلُقه حتى تغيروا خَلْقه .
    وروى معاوية بن عمرو، قال: ثنا زائدة، عن سعيد بن عبيدة، عن أبي عبد الرحمن، عن علي رضي الله عنه، قال: كنا في جنازة في بقيع الغرقد فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فقعد ونحن (2/ 231) حوله، ومعه حصير فنكت بها ورفع رأسه، فقال: (ما منكم من نفس منفوسة إلا قد كتب مكانها من الجنة والنار، وإلا قد كتبت شقية أو سعيدة) ، فقال رجل من القوم: يا رسول الله أفلا نمكث على كتابنا وندع العمل، فمن كان منا من أهل السعادة فسيصير إلى السعادة، ومن كان من أهل الشقاوة فسيصير إلى الشقاوة ؟ فقال: (اعملوا فكل ميسر لما خلق له أما أهل الشقوة فميسرون لعمل الشقوة، وأما أهل السعادة فميسرون لعمل السعادة) ، ثم قال: (فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى فسنيسره لليسرى (2/ 232) وأما من بخل واستغنى وكذب بالحسنى فسنيسره للعسرى) (5 - 10 /92) .
    وروى موسى بن إسماعيل قال: ثنا حماد، قال: ثنا هشام بن عروة، عن عروة، عن عائشة رضي الله عنها، وعن أبويها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة، وإنه مكتوب في الكتاب من أهل النار، فإذا كان قبل موته تحول فعمل بعمل أهل النار، فمات فدخل النار، وإن الرجل ليعمل بعمل أهل النار، وأنه مكتوب في الكتاب أنه من أهل الجنة، فإذا كان قبل موته تحول فعمل بعمل أهل الجنة، فمات فدخل الجنة) . (2/ 233)
    وهذه الأحاديث تدل على أن الله تعالى علم ما يكون أنه يكون وكتبه، وأنه قد كتب أهل الجنة وأهل النار، وخلقهم فريقين فريقا في الجنة وفريقا في السعير، وبذلك نطق كتابه العزيز؛ إذ يقول: (فريقا هدى وفريقا حق عليهم الضلالة) من الآية (30 /7) ، وقال تعالى: (فريق في الجنة وفريق في السعير) من الآية (7 /42) ، وقال تعالى: (فمنهم شقي وسعيد) من الآية (105 /11) فخلق الله الأشقياء للشقاء، والسعداء للسعادة، وقال تعالى: (ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس) من الآية (179 /7) . (2/ 234)
    وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم: (أن الله عز وجل جعل للجنة أهلا وللنار أهلا) أعاذنا الله منها .
    دليل آخر في القدر:
    ومما يدل على بطلان قول القدرية قول الله تعالى: (وإذا أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم) الآية من الآية (172 /7) .
    وجاءت الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أن الله عز وجل مسح ظهر آدم فأخرج ذريته من ظهره كأمثال الذر، ثم قررهم بوحدانيته وأقام الحجة عليهم) ؛ لأنه قال تعالى: (وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا) من آية (172 /7) ، (2/ 235) قال الله تعالى: (أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين) من الآية (172 /7) فجعل تقريرهم بوحدانيته لما أخرجهم من ظهر آدم صلى الله عليه وسلم حجة عليهم إذا أنكروا في الدنيا ما كانوا عرفوه في الذر الأول، ثم من بعد الإقرار جحدوه .
    وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (أنه سبحانه وتعالى قبض قبضة للجنة، وقبض قبضة للنار، ميز بعضها من بعض، فقلبت الشقوة على أهل الشقوة، والسعادة على أهل السعادة) . (2/ 236)
    قال الله تعالى مخبرا عن أهل النار - أعاذنا الله منها - أنهم قالوا: (ربنا غلبت علينا شقوتنا وكنا قوما ضالين) ، فكل ذلك أمر قد سبق في علم الله تعالى، ونفذت فيه إرادته، وتقدمت فيه مشيئته .
    وروى معاوية بن عمرو قال: ثنا زائدة، قال: حدثنا طلحة بن يحيى القرشي، قال: حدثتني عائشة بنت طلحة، عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها وعن أبويها أن النبي صلى الله عليه وسلم دعي إلى جنازة غلام من الأنصار ليصلي عليه، فقالت عائشة رضي الله عنها: طوبى لهذا يا رسول الله، عصفور من عصافير الجنة لم يعمل سوءا ولم يدركه، قال: (أو غير ذلك يا عائشة، إن الله تعالى قد جعل للجنة أهلا وهم في أصلاب آبائهم، وللنار أهلا جعلهم لها وهم في أصلاب آبائهم) ، (2/ 237) وهذا يبين أن السعادة قد سبقت لأهلها، والشقاء قد سبق لأهله .
    وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (اعملوا فكل ميسر لما خلق له) .
    دليل آخر:
    وقد قال الله تعالى: (من يهد الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا) من الآية (17 /18) ، وقال تعالى: (يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا) من الآية (26 /12) ، فأخبر تعالى أنه يضل ويهدي، وقال تعالى: (ويضل الله الظالمين ويفعل الله ما يشاء) من الآية (27 /14) ، فأخبرنا أنه (فعال لما يريد) من الآية (107 /11) (2/ 238) وإذا كان الكفر مما أراده فقد فعله، وقدره، وأحدثه، وأنشأه، واخترعه، وقد تبين ذلك بقوله تعالى: (أتعبدون ما تنحتون والله خلقكم وما تعملون) من الآية (95 - 96 /37) فلو كانت عبادتهم للأصنام من أعمالهم كان ذلك مخلوقا لله تعالى، وقد قال الله تعالى: (جزاء بما كانوا يعملون) من الآية (17 /32) يريد أنه تعالى يجازيهم على أعمالهم، فكذلك إذا ذكر عبادتهم للأصنام وكفرهم بالرحمن، ولو كان مما قدروه وفعلوه لأنفسهم لكانوا قد فعلوا وقدروا ما خرج عن تقدير ربهم وفعله، وكيف يجوز أن يكون لهم من التقدير والفعل والقدرة ما ليس لربهم ؟ فمن زعم ذلك فقد عجَّز الله . تعالى الله عن قول المعجزين له علوا كبيرا .
    ألا ترى أن من زعم أن العباد يعلمون مالا يعلمه الله عز وجل (2/ 240) لكان قد أعطاهم من العلم ما لم يدخله في علم الله، وجعلهم لله نظراء، فكذلك من زعم أن العباد يفعلون ويقدِّرون ما لم يقدِّره، ويقدرون على ما لم يقدر عليه، فقد جعل لهم من السلطان والقدرة والتمكن ما لم يجعله للرحمن . تعالى عن قول أهل الزور والبهتان، والإفك والطغيان علوا كبيرا .
    مسألة:
    ويقال لهم: هل فعل الكافر الكفر فاسدا باطلا متناقضا ؟ فإن قالوا: نعم .
    قيل لهم: وكيف يفعله فاسدا متناقضا قبيحا، وهو يعتقده حسنا صحيحا أفضل الأديان ؟
    وإذا لم يجز ذلك؛ لأن الفعل لا يكون فعلا على حقيقته إلا ممن علمه على ما هو عليه من حقيقته، كما لا يجوز أن يكون فعلا ممن لم يعلمه فعلا، فقد وجب أن الله تعالى هو الذي قدر الكفر وخلقه كفرا فاسدا باطلا متناقضا، خلافا للحق والسداد (2/ 241) .
    الباب الحادي عشر الكلام في الشفاعة والخروج من النار:
    مسألة:
    ويقال لهم: قد أجمع المسلمون أن لرسول الله صلى الله عليه وسلم شفاعة، فلمن الشفاعة أهي للمذنبين المرتكبين للكبائر، أم للمؤمنين المخلصين ؟
    فإن قالوا: للمذنبين المرتكبين للكبائر وافقوا .
    وإن قالوا: للمؤمنين المبشرين بالجنة الموعودين بها .
    قيل لهم: فإذا كانوا موعودين بالجنة وبها مبشرين، والله تعالى لا يخلف وعده فما معنى الشفاعة لقوم لا يجوز عندكم أن لا يدخلهم الله جناته ؟ ومن قولكم أنهم قد استحقوها على الله عز وجل (2/ 242) واستوجبوها عليه سبحانه، وإذا كان الله تعالى لا يظلم مثقال ذرة وكان تأخيرهم عن الجنة ظلما، فإنما يشفع الشفعاء إلى الله تعالى في أن لا يظلم على مذاهبكم . تعالى الله عن افتراءكم عليه علوا كبيرا .
    فإن قالوا: يشفع النبي صلى الله عليه وسلم إلى الله تعالى في أن يزيدهم من فضله، لا في أن يدخلهم جناته .
    قيل لهم: أو ليس قد وعدهم الله عز وجل ذلك فقال تعالى: (يوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله) من الآية (173 /4) والله تعالى لا يخلف وعده، فإنما يشفع إلى الله تعالى عندكم من أن يخلف وعده، وهذا جهل منكم، وإنما الشفاعة المعقولة فيمن استحقه عقابا أن يوضع عنه عقابه، أو في من لم يعده شيئا أن يتفضل (2/ 244) عليه به، فأما إذا كان الوعد بالتفضل سابقا فلا وجه لهذا .
    مسألة:
    فإن سألوا عن قول الله تعالى: (ولا يشفعون إلا لمن ارتضى) من الآية (28 /21) .
    فالجواب عن ذلك: إلا لمن ارتضى لمن يشفعون له، وقد روي أن شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم لأهل الكبائر، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم: (أن المذنبين يخرجون من النار) . (2/ 245)
    الباب الثاني عشر الكلام في الحوض
    وأنكرت المعتزلة الحوض، وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم من وجوه كثيرة، وروي عن أصحابه رضي الله عنهم أجمعين بلا خلاف .
    وروي عن عفان، قال: ثنا حماد بن مسلمة، عن علي بن زيد، عن الحسن، عن أنس بن مالك رضي الله عنه أنه ذُكر الحوض عند عبيد الله بن زياد فأنكره، فبلغ أنسا رضي الله عنه فقال: لا جرم والله لأفعلن به، قال: فأتاه فقال: ما ذكرتم من الحوض، ما أنكرتم من الحوض، (2/ 246) قال عبيد الله: هل سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يذكره ؟ قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم أكثر من كذا مرة وكذا مرة يقول: (ما بين طرفيه - يعني الحوض - ما بين أيلة ومكة، أو ما بين صنعاء ومكة، وأن آنيته أكثر من نجوم السماء) اللهم اسقنا منه شربة لا نظمأ بعدها أبدا .
    وروى أحمد بن عبد الله بن يونس قال: ثنا ابن زائدة، عن عبد الملك بن عمير عن جندب بن سفيان، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (أنا فرطكم على الحوض) في أخبار كثيرة . (2/ 247)
    الباب الثالث عشر الكلام في عذاب القبر
    وأنكرت المعتزلة عذاب القبر أعاذنا منه .
    وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم من وجوه كثيرة، وروي عن أصحابه رضي الله عنهم أجمعين، وما روي عن أحد منهم أنه أنكره ونفاه وجحده، فوجب أن يكون إجماعا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم .
    وروى أبو بكر بن أبي شيبة قال: ثنا أبو معاوية عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (تعوذوا بالله من عذاب القبر) . (2/ 248)
    وروى أحمد بن إسحاق الحضرمي، قال: ثنا وهيب، قال: ثنا موسى بن عقبة قال: حدثتني أم خالد بنت خالد بن سعيد بن القاضي رضي الله عنها أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم (يتعوذ من عذاب القبر) أعاذنا الله منه .
    وروى أنس بن مالك رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لولا أن تدافنوا لسألت الله عز وجل أن يسمعكم من عذاب القبر ما أسمعني)
    دليل آخر:
    ومما يبين عذاب الكافرين في القبور قول الله تعالى: (النار يعرضون عليها غدوا وعشيا ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب) (46 /40) ، (2/ 250) فجعل عذابهم يوم تقوم الساعة بعد عرضهم على النار في الدنيا غدوا وعشيا، وقال تعالى: (سنعذبهم مرتين) من الآية (101 /9) مرة بالسيف، ومرة في قبورهم، ثم يردون إلى عذاب غليظ في الآخرة .
    وأخبر الله تعالى أن الشهداء في الدنيا يرزقون ويفرحون بفضل الله تعالى، قال الله تعالى: (ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون فرحين بما آتاهم الله من فضله ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون) (169 - 170 /3) وهذا لا يكون إلا في الدنيا؛ لأن الذين لم يلحقوا بهم أحياء لم يموتوا ولا قتلوا . (2/ 251)
    الباب الرابع عشر الكلام في إمامة أبي بكر الصديق رضي الله عنه
    قال الله تبارك وتعالى: (وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدونني لا يشركون بي شيئا) من الآية (55 /24) ، وقال تعالى: (الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتو الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر) من الآية (41 /22) ، وأثنى الله تعالى على المهاجرين والأنصار والسابقين إلى الإسلام، وعلى أهل بيعة الرضوان، ونطق القرآن بمدح المهاجرين والأنصار رضي الله عنهم أجمعين في مواضع كثيرة، وأثنى على أهل بيعة الرضوان فقال تعالى (2/ 252) : (لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة) من الآية (18 /48) الآية، وقد أجمع هؤلاء الذين أثنى الله عليهم ومدحهم على إمامة أبي بكر الصديق رضي الله عنه وسموه خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم وبايعوه وانقادوا له، وأقروا له بالفضل، وكان أفضل الجماعة في جميع الخصال التي يستحق بها الإمامة من العلم والزهد وقوة الرأي، وسياسة الأمة وغير ذلك .
    دليل آخر من القرآن على إمامة أبي بكر الصديق رضي الله عنه
    دليل آخر من القرآن على إمامة الصديق رضي الله عنه:
    وقد دل الله تعالى على إمامة أبي بكر الصديق رضي الله عنه في سورة براءة فقال تعالى للقاعدين عن نصرة نبيه صلى الله عليه وسلم والمتخلفين عن الخروج معه (2/ 253) : (فقل لن تخرجوا معي أبدا ولن تقاتلوا معي عدوا) من الآية (83 /9) ، وقال تعالى في سورة أخرى: (سيقول المخلفون إذا انطلقتم إلى مغانم لتأخذوها ذرونا نتبعكم يريدون أن يبدلوا كلام الله) من الآية (15 /48) يعني قوله: (لن تخرجوا معي أبدا) من الآية (83 /9) ، ثم قال تعالى: (كذلكم قال الله من قبل فسيقولون بل تحسدوننا بل كانوا لا يفقهون إلا قليلا) من الآية (15 /48) ، وقال تعالى: (قل للمخلفين من الأعراب ستدعون إلى قوم أولى بأس شديد تقاتلونهم أو يسلمون فإن تطيعوا يؤتكم الله أجرا حسنا وإن تتولوا) من الآية (16 /48) يعني تعرضوا عن إجابة الداعي لكم إلى قتالهم (كما توليتم من قبل يعذبكم عذابا أليما) من الآية (16 /48) (2/ 254) والداعي لهم إلى ذلك غير النبي صلى الله عليه وسلم الذي قال الله عز وجل له: (قل لن تخرجوا معي أبدا ولن تقاتلوا معي عدوا) من الآية (83 /9) ، وقال تعالى في سورة الفتح: (يريدون أن يبدلوا كلام الله) منالآية (15 /48) فمنعهم الخروج مع نبيه صلى الله عليه وسلم وجعل خروجهم معه تبديلا لكلامه، فوجب بذلك أن الداعي الذي يدعوهم إلى القتال داع يدعوهم بعد نبيه صلى الله عليه وسلم، وقد قال الناس: هم أهل فارس، وقالوا: أهل اليمامة، فإن كانوا أهل اليمامة فقد قاتلهم بعد نبيه صلى الله عليه وسلم أبو بكر الصديق (2/ 255) رضي الله عنه، وإن كانوا الروم فقد قاتلهم الصديق أيضا، وإن كانوا أهل فارس فقد قوتلوا في أيام أبي بكر رضي الله عنه، وقاتلهم عمر رضي الله عنه من بعده وفرغ منهم .
    وإذا وجبت إمامة عمر رضي الله عنه وجبت إمامة أبي بكر رضي الله عنه، كما وجبت إمامة عمر رضي الله عنه؛ لأنه العاقد له الإمامة، فقد دل القرآن على إمامة الصديق رضي الله عنه والفاروق رضي الله عنه .
    وإذا وجبت إمامة أبي بكر رضي الله عنه بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم وجب أنه أفضل المسلمين .
    دليل آخر من الإجماع على إمامة أبي بكر رضي الله عنه:
    ومما يدل على إمامة الصديق رضي الله عنه أن المسلمين جميعا بايعوه وانقادوا لإمامته، وقالوا له: يا خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم . (2/ 256)
    ورأينا عليا والعباس رضي الله عنهما بايعاه رضي الله عنه وأقرا له بالإمامة، وإذا كانت الرافضة يقولون: إن عليا رضي الله عنه هو المنصوص على إمامته، والراوندية تقول: العباس هو المنصوص على إمامته، ولم يكن للناس في الإمامة إلا ثلاثة أقوال:
    من قال منهم: إن النبي صلى الله عليه وسلم نص على إمامة أبي بكر الصديق رضي الله عنه، وهو الإمام بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم .
    وقول من قال: نص على إمامة علي رضي الله عنه .
    وقول من قال: الإمام بعده العباس .
    وقول من قال: هو أبو بكر الصديق رضي الله عنه، هو بإجماع المسلمين والشهادة له بذلك .
    ثم رأينا عليا رضي الله عنه والعباس رضي الله عنه قد بايعاه (2/ 257) وأجمعا على إمامته، فوجب أن يكون إماما بعد النبي صلى الله عليه وسلم بإجماع المسلمين .
    ولا يجوز لقائل أن يقول كان باطن علي والعباس خلاف ظاهرهما، ولو جاز هذا لمدعيه لم يصح إجماع، وجاز لقائل أن يقول ذلك في كل إجماع للمسلمين .
    وهذا يسقط حجة الإجماع؛ لأن الله تعالى لم يتعبدنا في الإجماع بباطن الناس، وإنما تعبدنا بظاهرهم، وإذا كان كذلك فقد حصل الإجماع والاتفاق على إمامة أبي بكر الصديق رضي الله عنه .
    وإذا ثبتت إمامة الصديق رضي الله عنه، ثبتت إمامة الفاروق رضي الله عنه؛ لأن الصديق رضي الله عنه نص عليه وعقد له الإمامة، واختاره لها .
    وكان أفضلهم بعد أبي بكر رضي الله عنه .
    وثبتت إمامة عثمان رضي الله عنه بعد عمر رضي الله عنه بعقد (2/ 258) من عقد له الإمامة من أصحاب الشورى؛ الذين نص عليهم عمر رضي الله عنه، فاختاروه ورضوا بإمامته، وأجمعوا على فضله وعدله .
    وتثبت إمامة علي رضي الله عنه بعد عثمان رضي الله عنه لعقد من عقدها له من الصحابة رضي الله عنهم من أهل الحل والعقد، ولأنه لم يدعها أحد من أهل الشورى غيره في وقته، وقد اجتمع على فضله وعدله، وأن امتناعه عن دعوى الأمر لنفسه في وقت الخلفاء قبله كان حقا؛ لعلمه أن ذلك ليس بوقت قيامه، وأنه قلما كان لنفسه في وقت الخلفاء قبله (2/ 259) ، ثم لما صار الأمر أظهر وأعلن ولم يقصر حتى مضى على السداد والرشاد، كما مضى من قبله من الخلفاء، وأئمة العدل من السداد والرشاد متبعين لكتاب ربهم وسنة نبيهم .
    هؤلاء هم الأئمة الأربعة المجمع على عدلهم وفضلهم رضي الله عنهم أجمعين .
    وقد روى شريح بن النعمان قال: ثنا حشرج بن نباته عن سعيد بن جمهان، قال ثني سفينة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الخلافة في أمتي ثلاثون سنة، ثم ملك بعد ذلك) ، ثم قال لي سفينة: أمسك خلافة أبي بكر وخلافة عمر وخلافة عثمان، ثم أمسك خلافة علي بن أبي طالب رضي الله عنهم أجمعين، (2/ 260) قال فوجدتها ثلاثين سنة .
    فدل ذلك على إمامة الأئمة الأربعة رضي الله عنهم أجمعين .
    فأما ما جرى من علي والزبير وعائشة رضي الله عنهم أجمعين، فإنما كان على تأويل واجتهاد، وعلي الإمام، وكلهم من أهل الاجتهاد، وقد شهد لهم النبي صلى الله عليه وسلم بالجنة والشهادة، فدل على أنهم كلهم كانوا على حق في اجتهادهم، وكذلك ما جرى بين سيدنا علي ومعاوية رضي الله عنهما، فدل على تأويل واجتهاد .
    وكل الصحابة أئمة مأمونون غير متهمين في الدين، وقد أثنى الله ورسوله على جميعهم، وتعبدنا بتوقيرهم وتعظيمهم وموالاتهم، والتبري من كل من ينقص أحدا منهم رضي الله عنهم أجمعين . (2/ 260)
    وقد قلنا في الأبرار قولا وجيزا، والحمد الله أولا وآخرا.

    إنتهى كتاب الأبانة عن أصول الديانة .

    لأبي الحسن الأشعري المتوفى سنة 324 هـ 935 م

    و أبو الحسن : هو الشيخ الإمام العالم أبو الحسن علي بن إسماعيل بن علي بن أبي بشر الأشعري البصري رحمه الله .
     
  2.   مشاركة رقم : 2    ‏2001-07-05
  3. طالب2001

    طالب2001 عضو

    التسجيل :
    ‏2001-07-05
    المشاركات:
    16
    الإعجاب :
    0
    الرد

    انظر :

    http://www.acf42.dial.pipex.com/masud/ISLAM/nuh/masudq2.htm


    http://www.rayaheen.net/vb/showthread.php3?threadid=436


    نقلا عن الأشعري من حوار الخيمة

    أنقل لك ما كتبه أخ أشعري في الخيمة قبل حذفه:

    عدنا لكتاب الإبانة مرة أخرى ..
    هلا ذكرت لنا أي طبعة من كتاب الإبانة فيها ما تقول عن الأشعري، وذلك أنني قارنت بنفسي قبل نحو خمس سنوات بين ثلاث طبعات للإبانة طبعت في السعودية الأولى من جامعة الملك سعود والثانية من جامعة أم القرى والثالثة أذكر أنها من مطبعة الرياض (إن لم تخني الذاكرة في اسم المطبعة)، وبين نسخة رابعة هي من تحقيق الدكتورة فوقية طبعت في مصر وهي أقدمهن طباعة وأكثرهن تحر للدقة بسبب اعتمادها على أربع نسخ مخطوطة مع العلم أن نسخة الدكتورة فوقية لم تسلم هي الأخرى من السقط والتغيير ولكنها نقلت كل ما وجدته في المخطوطات الأربعة التي حصلت عليها ولم تنزع منها شيئا.
    قارنت هذه النسخ المطبوعة من الكتاب مع الجزء الذي نقله الحافظ ابن عساكر من الإبانة في كتابه "تبيين كذب المفتري فيما نسبه إلى الإمام أبي الحسن الأشعري" فوجدت الاختلاف الكبير والبون الشاسع بين هذه النسخ الأربعة وبين ما نقله ابن عساكر، وكذلك وجدت اختلافاً كبيرا فيما بين هذه النسخ المطبوعة بعضها مع بعض، وهذا زاد ما في القلب من أن كتاب الإبانة لم يسلم من حشو الحشوية وتحريف بعض النساخ، واستحضرت قول التاج السبكي في كتابه معيد النعم: آفة الكتب نساخها.
    ومما يقدح بصحة ما في كتاب الإبانة المطبوع حاليا أن متقدمي الأشاعرة فضلا عن متأخريهم لم ينقلوا ما ورد في هذا الكتاب عن إمامهم بل نقلوا خلاف ذلك، وكتاب "مقالات الأشعري" لابن فورك خير شاهد على هذا.
    إضافة لما ذكرنا فإن في هذا الكتاب المطبوع الآن دعاء لم يقله أحد ممن يعتمد عليه وننزه الإمام أبا الحسن الأشعري عن قوله أو اعتقاد معناه، حتى إن المخالفين الذين يعتمدون على كتاب الإبانة المطبوع الحالي لا يقبلونها نصاً ولا يصرحون بها رغم اعتقاد كثير منهم إياها، ووجودها في الكتاب من أدل الأدلة على تعرض هذا الكتاب للدس والتحريف والحشو.
    والعبارة هي: "ومن دعاء أهل الإسلام جميعاً إذا هم رغبوا إلى الله تعالى بالأمر النازل بهم يقولون: (((يا ساكن العرش))) ومن حلفهم جميعا قولهم: لا والذي احتجب بسبع سماوات"، انتهى بحروفه.
    وهذا كذب ظاهر تعمّد مفتريه على الإمام أبي الحسن الأشعري نسبة ذلك إليه، لأن الواقع يكذب ذلك فإن هاتين العبارتين لم ينقلا عن إمام ولا عن عالم أنه قال ذلك في دعائه او في حلفه بل ولا عن عوام المسلمين.
    فما أجرأ هذا الذي نسب إلى الإمام أبي الحسن هذا الكلام، لا يستحي من الله ولا من المسلمين، فمثل هذه النسخ المطبوعة التي فيها هذا الكلام وما أشبهه فهي مدسوسة على الإمام ابي الحسن، والإمام أبو الحسن من أشهر من عُلم بنفي التحيّز عن الله، وقد صرّح بمنع قول الله بمكان كذا، وإن الله بمكان واحد أو في جميع الأمكنة، وهذا الذي توارد عليه علماء المسلمين الذي تلقوا عنه عقيدة أهل السنة والجماعة والذين تلقوا عنهم وهلمّ جرا.
    الخاتمة القاصمة: إن المتكئين على هذه النسخ المطبوعة التي لا ولم تثبت عن الإمام الأشعري بصورتها الحالية، هل يستطيعون ان يأتوا بسند صحيح متصل لهذا الكتاب بصورته الحالية؟ وهم يعلمون ان هذا العلم يروى بالسند، وأن الإسناد من خصائص هذه الأمة، هيهـــــات.
    خاتمة الخاتمة: نحن لا ننكر أن الإمام أبا الحسن الأشعري قد ألف كتابا أسماه الإبانة، ولكننا ننكر صورته المطبوعة حالياً للأسباب التي ذكرتها آنفاُ، وهذه النسخ المطبوعة يعتمد عليها المخالفون ويدندنون حولها في نقاشهم معنا في حلهم وترحالهم.
    والله من وراء القصد.
     
  4.   مشاركة رقم : 3    ‏2001-07-05
  5. ابوعبدالله اليمني

    ابوعبدالله اليمني عضو

    التسجيل :
    ‏2001-01-13
    المشاركات:
    159
    الإعجاب :
    0
    جزاك الله خيرا أخي العبري
     
  6.   مشاركة رقم : 4    ‏2001-07-07
  7. العبري

    العبري عضو

    التسجيل :
    ‏2001-07-05
    المشاركات:
    20
    الإعجاب :
    0
    بسم الله الرحمن الرحيم

    عليك بالصدق ولو أنه *** أحرقك الصدق بنار الوعيد
    وابغ رضا المولى فأغبى الورى *** من أسخط المولى وأرضى العبيد

    آخر :
    لا يكذب المرء إلا من مهانته *** أو فعله السوء أو من قلة الأدب
    لبعض جيفة كلب خير رائحة *** من كذبة المرء في جدّ و في لعب

    أخي طالب :
    1)هل تعرف معنى أن يكون للكتاب نسخ مخطوطة ؟ و معنى مخطوط ؟ و معنى السقط في المخطوط ؟
    و كيف يمكن أن يكون الاختلاف في النسخ موجب إسقاط للمخطوط ؟ وكيف يمكن الترجيح بين المخطوطات ؟ .
    2) ومن هو الذي يستطيع العمل في إخراج المخطوط من عالم المخطوطات إلى عالم المطبوعات ؟
    3) أما بالنسبة لهذا الكتاب العظيم (( الإبانة )) فهو صحيح النسبة لصاحبه الإمام الأشعري بالإجماع بين أهل السنة و الجماعة السلفيين و بين من ينسب إلى الإمام الأشعري ظلماً .
    فإذا كان ذلك كذلك ، فيرجع أمر المخطوطات إلى المتخصصين في معرفة جواب ما مضى من أسئلة .
    و لله الحمد فإن أهل الحق جميعاً يعرفون بأن الإمام أبو الحسن الأشعري كان هذا الذي مضى معنا هو عقيدته و أما أتباع الكلابية اليوم و هم الذين ينتسبون إليه . هم على عقيدة فاسدة و هم ليسوا من أتباع أبو الحسن عليه من ربه الرحمه و الرضوان ، بل هم أتباع شيء تراجع عنه و تركه ، و هذا الذي يثبته البحث و الدليل .

    هذه تذكرة مني لكل من له عقل أو باحث عن الحق و أما المعاند فلا كلام لي معه .

    و السلام عليكم و رحمة الله و بركاته .

    أخي ابوعبدالله اليمني : و أنت أخي جزاك الله خيراً .

    أخوكم العبري .
     
  8.   مشاركة رقم : 5    ‏2001-07-07
  9. المسلم

    المسلم عضو

    التسجيل :
    ‏2001-07-06
    المشاركات:
    9
    الإعجاب :
    0
    لله درك

    اخي العبري السلام عليكم ورحمه الله وبركاته
    جزاك الله خير الجزاء. اللهم اهد ضال المسلمين
    اخوك ابو عبد الرمن
     
  10.   مشاركة رقم : 6    ‏2001-07-07
  11. العبري

    العبري عضو

    التسجيل :
    ‏2001-07-05
    المشاركات:
    20
    الإعجاب :
    0
    أخي المسلم أبو عبد الرحمن صح

    و عليكم السلام ورحمة الله وبركاته .

    أخوكم العبري
     
حالة الموضوع:
مغلق

مشاركة هذه الصفحة