الحقيقة الضائعة بين الصحافة والسياسة ..؟؟

الكاتب : الصقر الجارح   المشاهدات : 462   الردود : 0    ‏2003-08-02
      مشاركة رقم : 1    ‏2003-08-02
  1. الصقر الجارح

    الصقر الجارح قلم فضي

    التسجيل :
    ‏2003-04-18
    المشاركات:
    2,647
    الإعجاب :
    1
    هتكت قضية النزاع الدائر بين هيئة الاذاعة البريطانية ورئاسة الوزارة البريطانية أو 10 داوننغ ستريت بلندن، الستر المضروب على الحقيقة.. حقيقة نزاع اوسع واكثر ضراوة بين الصحافة في سعيها للكشف عن الحقائق واعلام القراء بها.


    للوفاء بحقهم الانساني في المعرفة من جهة والحكومات واصحاب السلطة المالية والاقتصادية والسياسية من جهة ثانية في سعيهم لاخفاء كل حقيقة، والتلاعب بالمعلومات واعادة انتاجها في سياق يضمن لهم تمرير سياساتهم والبقاء في السلطة ان لم يكن تعاظم سلطتهم، وضمان ابقاء الرأي العام في موقع الولاء والتأييد لها.


    وتعد قضية النزاع في جوهرها نموذجاً ومحكاً لاختبار قدرة الصحافة على قول الحقيقة، بعد الوصول اليها دون تحريف او تحوير، فالذي حدث ان مراسل الـ «بي.بي.سي» بوزارة الدفاع البريطانية الصحفي أندرو جليجان خلال تغطيته لملف توني بلير رئيس الوزراء من اسلحة الدمار العراقية، وما تلاه من بيانات حول الخطر العراقي الذي يهدد الامن القومي البريطاني والسلم والاستقرار العالمي،


    وجد نفسه في قلب العاصفة، ولم يكتف بدور نقل عناصر الملف والبيان الحكومي فقط، واعتبر ان واجبه المهني وشرفه الصحفي يفرضان عليه البحث عن اجابات لاسئلة تدور في ذهن القراء، حول حقيقة هذه الاسلحة الفتاكة، ومدى امكانية تطوير العراق لها وهو تحت حصار دولي خانق ورقابة صارمة، ومن اين له امكانيات تطويرها واطلاقها في اقل من 45 دقيقة كما نطقت الحكومة؟


    لم يرضخ الصحفي لرذيلة الصمت والاكتفاء بدور الناقل للخبر الذي يتحول في الغالب الاعم لدور «البوق» وليس لدور المدقق الباحث عن الحقيقة، وفي رحلته اكتشف عبر مصادره من داخل الحكومة ان هناك مبالغات وتضخيماً وكذباً وافتعالاً لوقائع غير موثوق بوجودها بهدف تبرير الحرب المحتومة على العراق، ولنشر الصحفي ما اكتشفه،


    وكأنه القى بحجر في بحيرة اسنة محرك مياهها، وفتحت ملفات ما كان لها ان تفتح او تمس، لولا الدفاع عن حق الصحافة في المعرفة ونقل الحقيقة التي باتت مهددة بقيود غير مسبوقة بفعل تداعيات ما بعد هجمات 11 سبتمبر على الولايات المتحدة الاميركية، وما خلفته من اجواء مشحونة بالاتهامات المسبقة او الاحكام الجاهزة، والعدوان على الحريات العامة، وفي مقدمتها حرية الصحافة.


    وتضعنا قضية نزاع الـ «بي.بي.سي» مع الحكومة البريطانية في قلب ازمة الاعلام وحرية الصحافة، رغم ان النموذج الغربي لهذه العلاقة يعتبر في نظر كثيرين هو الاكثر جذباً وقدرة على الاستقطاب والاقتداء به، خصوصاً في مجتمعات عالمنا الثالث.


    فمن المعروف ان الصحافة الغربية خصوصاً بعد سقوط النظام السوفييتي، وما طرحه من صحافة واعلام مركزي موجه ناطق بلسان الحزب الحاكم، باتت هي النموذج في التمتع بحريات النشر واستقلالية مؤسساتها عن الدولة، أو هكذا يتم تصويرها بعد اخفاء كثير من القيود التي تغل يدها وحرياتها، وتضعها على المحك في اوقات الازمات الكبرى.


    ورغم ان المجال ليس مجال المقارنة بين نظام الصحف الموجهة ابان الحقبة السوفييتية ونظام الصحف في المجتمع الغربي، من حيث الملكية والقناعات العامة، الا ان الملاحظ حالياً فشل وتهافت مقولة ان الصحف المملوكة لافراد او مؤسسات عملاقة عابرة للقارات هي الاكثر تمتعاً بحرية، والاكثر اداءاً لمهمة اعلام القاريء بالحقيقة.


    الشواهد على تهافت وزيف هذه المقولة كثيرة وظهرت كلها واضحة للعيان في الأعوام الأخيرة، سواء بعد هجمات 11 سبتمبر أو الحرب على العراق، ونكفي ان نذكر بأن روبرت مردوخ بارون الاعلام الاميركي والدولي بصحفه التي تعد بالعشرات وشبكاته التلفزيونية لعب دوراً مشهوداً في التحضير للحرب وتبريرها،


    سواء عبر حملة ترديد كل المزاعم الحكومية على انها حقائق أو عبر اخفاء أية حقائق والتعتيم على حجم المعارضين للحرب، بل زاد باسكات وفصل أي صحفي حاول تخطي خطوطه الحمراء، وهو ما حدث مع بيتر ارنديت اشهر مراسلي شبكة «سي.إن.إن» خلال حرب الخليج الثانية، والذي كان عيناً للشبكة من بغداد حققت لها السبق والانفراد، وعندما تحول الى أحدى الشبكات المملوكة لمردوخ وعاد مراسلاً لها من العاصمة العراقية، وجاءت رسائله على غير الهوى والتوجهات، فصل من وظيفته، عقاباً له على قيامه بدوره في الدفاع عن حق مشاهده في معرفة ما يجري.


    مثال آخر على تردي حرية الصحافة أو اداء مهمة البحث عن الحقيقة، والوقوع بدلاً من ذلك في الفخ الحكومي لترديد المزاعم، ما جرى للنائب العمالي البارز جورج جالاوي الذي فتحت عليه نيران التشهير والتشكيك في ذمته السياسية، وتصويره كمتاجر بالمباديء يتلقى رشاوى واموالاً من صدام حسين الرئيس العراقي المخلوع لقاء تنظيم حملات تضامن مع العراق وضد الحرب.


    ووقعت أكثر من صحيفة بريطانية عريقة في الفخ، ونشرت صوراً لوثائق قيل انها رسائل حول الاموال التي دفعت لجالاوي أو طلبها من بغداد، وتبين لاحقاً أنها كلها مزورة وفق سيناريو محكم.


    ورغم مبادرة صحيفة كريستيان ساينس مونيتور الاميركية أحد الشركاء في الفضيحة لتقديم الاعتذار وكشف اسرار حياكتها، واعترافها بالوقوع في فخ أحد الضباط العراقيين من الذين نهبوا اوراقاً حكومية ابان الفوضى التي اجتاحت بغداد، وقيامه بتزوير الوثائق على هذه الأوراق، الا ان مغزى الفضيحة يبقى قائما ويطرح سؤال شراكة الصحافة مع دوائر السياسة في نسج الأكاذيب، بدلاً من الكشف عن الحقائق.


    وتتفاقم قضية ضياع الحقيقة بين الصحافة ودهاليز الاجهزة الحكومية عندما نقترب من معالجة الصحف الغربية والاميركية لقضية الصراع العربي الاسرائيلي، حيث تطغى المفاهيم والمصطلحات والافكار المسيقة والقوالب المنمطة على مفردات الواقع ولغة الحقيقة، فمثلا يتم تصوير اي عملية للمقاومة الفلسطينية على أنها عمل من اعمال الارهاب الدولي، في حين يتم التعامل مع أي عدوان اسرائيلي على أنه دفاع عن النفس،


    أوعنف مقابل العنف الفلسطيني، وتختزل حقيقة الصراع وتضيع في ثنايا وتفريعات وتفصيلات تشغل القاريء والباحث عن الحقيقة، وتغرقه في بحر من المزاعم، وتبعده عن جذور الصراع بين شعب شرد واغتصبت ارضه من جهة وجيش له كيان وأسس دولة على أنقاض الحق واصحابه.


    بالمثل تتجلى قضية ضياع الحقيقة بين الصحافة والسياسة، عندما نقترب من معالجات ملفات الارهاب الدولي والجماعات الارهابية وارهاب الدول، حيث اصبحت عملية دمغ العرب والمسلمين في الاعلام العربي مسألة أسهل من كتابة تقرير عن حادث سطو مسلح في احد شوارع شيكاغو أو أي مدينة من مدن أميركا اللاتينية.


    وتختلط التهم الجاهزة بالافكار المسبقة لتضيع حقيقة نشأة الارهاب وتفريخ الجماعات الارهابية وعلاقتها باسرار عمليات أجهزة المخابرات قبل أن ينتفض مارد الارهاب من قمقمه وينقلب السحر على الساحر.


    خلاصة القول، ان قضية الاعلام عن الحقيقة والبحث عنها، وحق القاريء والانسان عموما، في المعرفة وفي الاعلام باتت مهددة في العالم الحر (الغرب) مثلما هي مهددة في عالمنا الثالث، باستثناء ان الصحافة في الغرب لم تفقد بعد كل قدراتها بفعل المنافسة ووجود صحف مستقلة فعلاً تشكل مهمازاً على بقاء مهمة البحث والدفاع عن الحقيقة باقية تستعصي على التدجين والاستئصال، وتحفظ للصحفي حقه في قول الحقيقة رغم أنف محاذير الساسة وخطوطهم الحمراء.



    تحياتي وتقديري للجميع
     

مشاركة هذه الصفحة