حين أنكسر ظهركِ (ظهري) /قصة قصيرة

الكاتب : جلنار   المشاهدات : 1,561   الردود : 24    ‏2003-07-31
      مشاركة رقم : 1    ‏2003-07-31
  1. جلنار

    جلنار قلم ماسي

    التسجيل :
    ‏2002-02-28
    المشاركات:
    13,030
    الإعجاب :
    3
    حين أنكسر ظهركِ(ظهري)
    القاصة / جلنار عبدالله
    مجموعة " أجنحة لاتطير "
    نشرت في جريدة " العربي "


    كانت هناك غصة داخلي وأنا اسير نحو كل هذا ... لم أصدق انها قد تقودني لكل هذا توسلت لها كثيراً أن لاتفعل لكنها بكت ... انتحبت امامي كثيراً ، كان الصباح كئيب جداً رغم شدة المطر الذي كان غزيراً وكأنه يبكى معي هذا اليوم ..ضوء الفجر في الساعات الاولى وذاك الهدوء الذى ملأ المنطقة الإ من صوت قرآن يتلو من المسجد القريب ... كنت أجلس بجوار نافذتي التى لطالما جلست عليها ايام مراهقتي وأنا اتحدث مع " أسماء " وكأن الحديث لم يكن يحلو لنا الا من خلال تلك النافذة التي تطل على " سوق " صغير بحارتنا .كانت الدكاكين الصغيرة كلها مازلت مغلقة .. العم " برعي " يعلو مدخنه محله الدخان الذي كان له رائحة والذي يبشر ..بطباخة فول ، وبعد نصف ساعة فقط سيمتلىء السوق بالمشترين والاطفال الذين يصحون مباشرة لشراء الفول " أو البرعي " أو الفاصوليا التي يصنعها العم " برعي .. فتحت اشرعة النافذة كأنني أسترق لحظات قديمة كنت أجلس عليها لساعات فهذة النافذة اكاد أن اقول انها مرت عليها الان سنوات طويلة لاتفتح نظراً لأنها تطل على السوق ، ولأننا كبرنا .. أصبح ممنوع أن نطل منها فقد يسترق احد الشباب المارين نظراته الى شقوق تلك النافذة .. فيغمز بعينه .. أو تجده يجلس قريباً من الدكة ولا يفارقها ، وكم من حكايات نسجت على تلك النوافذ ، وكم من غراميات ، وكم من قصص حب أنتهت بعضها بالزواج ، وبعضها لم تكن الإ كما تعودنا ان نسمع عنها ... "مراهقة "
    أطلقت تنهيدة عميقة لو كانت أمي بجواري الان لنهرتني وقالت لي " البنت لاتزفر هكذا " وتتبعها قائلة " استغفري الله العظيم " ..
    هاناذا يا أمي أطلقها وأنتِ لن تسمعينها وأعيد إطلاقها مرات ومرات اليوم ... وحتى إن سمعتِها لابد انك ستكونين مشغولة بيوم كهذا ولن تنتبهي وربما قد أسترق نظرة لك فأجدك تزفرين كما لم تفعلي في حياتك ابداً ... ! اليس هو اليوم زواج أبي " زوجك " .. نزلت دمعة ساخنه تشارك هذا المطر الغزير بهذا الفجر .. وانا مازلت سارحة وربما بطريقة سرية مستمتعة بهذه السرقة لفتح النافذة دون ان تكون هناك عيون فضولين في هذاالوقت من الصباح .. بدأت أسمع حركتك .. أنت والنساء اللواتي مثلك يا أمي ... ها انتِ قد صحوتِ ، وبدأتِ بتجهيز الغداء للمعازيم !!!! تتحركين كنحلة في البيت ، لاتقفين ، تأمرين الجميع ، ها هو شريك حياتك اليوم " يعيد شبابه " بزوجة" أخرى بمثل عمري أو اقل بقليل !! كانت الدموع قد كونت بركة صغيرة على حافة النافذة المبنية من الطين وحجر الياجور..أختطلت قطرات المطر بدموعي ، رفعت رأسي قليلاً لأرى.غسان أخي قادماً من ناصية الشارع وعندما لمحني عقد حاجبه وصاح كي أنتبه له وكأنه يقول " إقفلي النافذة " لكنه قال بدلاً منها .. " ياكــــــــريم " . بسرعة مرتبكة أقفلتها فلابد أن وراءه آخرين قادمين من المسجد ، وانا

    هنا مازلت سارحة بهذا اليوم الذي يجب كما قالت امي ان نرسم كلنا الإبتسامة على وجوهنا وأن لانكدر يوم ابي فيه ابداً .. !

    إيتها الصحابية المتأخرة ! كم نساء مثلك اليوم !!. نزلت الطابق السفلي لأجد النساء بدأن بتجهيز " التنور " والعجين ممتلىء بالمطاجن ، وأمي كعادتها متماسكة تربط رأسها " مقرمة" وتتحرك دون انقطاع تصرخ بوجهي !
    _ صليتِ يابنتِ !
    _ ايوه صليت ..
    _ يللا قومي ساعدي بنات عمك بتجهيز منصة العروسه ! والمفرج تفاقديه حق المخزنين ! ولاخلاص دخلتي الجامعه وشفتي نفسك على الناس كلهم !
    _ حاضر ياأمي .. !

    أي طاقة جاء بها الله لك .!؟.. أي تحمل اعطته السنوات لك ؟، وهل تكرهينه لهذه الدرجة فلا تشعرين ! ام هو حب لم اعد أفهم ! أنا وأنا ابنته التى أستطيع أن أمرر الامر كأن لاشيء حدث ! أشعر بحرقة وغصة والم شديد ، وكراهية لهذا الرجل الذي سلب كل شبابك ، وقوتك وها هو الان عندما فتحت طاقة القدر لديه في التجارة ، اول شيء يفعله أن يجدد شبابه !! من أين تأتيك هذة القوة الجبارة على التحمل؟ !

    مر اليوم سريعاً ... والزغاريد تمتلىء بالبيت كأن العرس ليس عرس أبي بل كأنه عرس احد اخواتي الخمسه ..، القادمون والمهنئون الجيران والنساء اللواتي أغلبهن متشحات بالسواد ، التنور لم يكف عن انضاج الخبز .و. " الملوج " وبنات الصحن اللوات تواردن بإنتظام الى قاعة المعزومين ، الذين لم يشبعوا !!! كم أشعر بكراهية لأولئك الذين يتضاحكون ويمزحون ، ويأكلون وكأنهم يشدون ازر هذا الذي يرى نفسه أبن اليوم !! كم أمقت كل هذا كنت أ سير كما اردتني أمي ويبدو انها لمحتني ضائعه فكانت كلما سنحت لها فرصة بان تقودني الى مكان كي اقوم بشيء كانت تفعل وحين خلد المعازيم لتخزين القات ... وإشباع افواههم الجائعة لكل شيء !!!!!! بدأ البيت يعمه الهدوء ، وبدأ صوت العود بالعزف الذي لطالما أحببته حين كنت أستمع ل غسان يعزفه ، وكانت أمي ترفض بشدة ان يعزف عليه وذلك كي لايقال " ابن سيد و مغني " وحلفته ان لايفعل ابداً في حياتها ولأجل خاطرها ترك هوايته ولم يعد يمارسها الإ وحده وبدون أن تعرف هي أو حتى نحن اخوته ، كثيراً مااستمعت له يعزفه " بالسفل " وحده خوفاً من أن تسمعه أمي .. واليوم ! تصر عليه ان يغني لأاجل أبي ويعزف بالعود ايضا ! هل اخبرتك اي قوة جبارة تملكين ياامي !! احياناً ترعبينى بتصرفاتك هذه !

    حل الليل وجاءت العروسه مصحوبة بأابواق السيارات والنساء حولها " والشارعة " التي وقفت بوقاحة من الباب ترفض أن تجعل أحداً يقترب من العروسه وتطلب مفتاح غرفتها !! قبل اي شيء كي يدخلون أشيائها ... كنت اراقب المشهد ، الذي مزقني ، ذبحني جداً ... ولكنى أصبت وقتها بالعجم لم أستطع ان أتفوه بكلمة واحده .. ودخلت العروسه المنصة الصغيرة التي صنعنها البنات ، وبدأت النساء بتغطية وجوههن حين قالوا ان العريس سيدخل ! ها هو زوجك ياامي سيزف الى نفس البيت الذي زفوك له ! وها هي آخرى تجلس بنفس المكان الذي جلستي فيه قبل خمسه وعشرين عام ! وهاهو قد لمع " جنبيته " وسيفه المعلق !! وووووووووالخ يا له من موت إباحي !! ياله من ذبح علني لكِ ايتها المسكينة كنت أبحث عنك بين الوجوه ... راني غسان مرتين امرني ان اضع شيء على رأسي، خوفاً من ان يراني اقارب العروسة الذين احتشدوا في الديوان الاسفل ، ! لكني كنت ابحث عنكِِ حينها لم التفت لشيء كنت اريد ان اراكِ ..لم اجدك بين النساء اللواتي التفين حول .المكان المزحوم ليشاهدن العروسه والعريس ! نزلت ابحث عنك كنت موقنة أنني أبحث عنك لأتحقق من شيء داخلي ... وبينما كنت في دهليز الحجرة المطلة على الطابق الاسفل في زوايه مظلمة سمعت أنينك ... ورايتك من خلال الضوء القادم من بيوت الحمام التي على الدرج ... تسندين ظهرك على الجدار .لم يبق معك الا الجدار تسندين ظهرك عليه اليوم !. وعيناك دامعتان ، داخلك صرخة لكنها متكومة ... كان أنينك خافتاً ...وبكاؤك جعل سيول الألم تحتشد داخلي ، أعرف ان لاحول لكِ ولاقوة....عرفت كم ظلمك هذا الذي يسمونه " رجل " لم اشأ أن اجعلك تلمحيني خفت أن اكسر قوتك التي تصنعتها امامنا كلنا !!، بل امامه ايضا ، اي كبرياء تحملين ايتها القديسه !! ؟ اي عزة تجعلك تفعلين مافعلتِ بنفسك ! لملمت نفسي وانسحبت ،وقبل ان أفعل سمعتك تهمسين لنفسك كأنك تناجين " الله " وبصوت خافت جداً محشو بالأنين سمعتك تهمسين له " كسرت ظهري يا محمد.. كسرت ظهري " تبعتها حشرجة صوتك وبكاء خافت ،! أقسمت داخلي انني لن أعيش يوماً كيومك هذا ... ! مر الليل ولا أعرف كيف مر علي ! أو عليها لكن الفجر كان على غير عادته متشحاً بالسواد ...!

    --------------------------------------------------------
    1-الدكاكين : جمع محلات صغيرة 2- مقرمه : غطاء يوضع على الراس
    3-الدكة : رصيف مرتفع عن ناصية الشارع 4: التنور : مكان يصنع من الفخار ويخصص للخبز
    5-الطواجن . :الاواني التي يوضع بها العجين 6- المفرج : مكاناً للمقيل ( جلسات القات باليمن )
    7- الملوج : نوع من انواع الخبز 8- : السفل : مكاناً مظلم اسفل البيت يخزن فيه الحطب
    9- الشارعة : التى تصحب العروس ليلة عرسها ! تسمى في بعض المناطق : المزينه !
     
  2.   مشاركة رقم : 2    ‏2003-07-31
  3. سمير محمد

    سمير محمد مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2002-09-26
    المشاركات:
    20,703
    الإعجاب :
    0
    اللقب الاضافي:
    نجم المجلس اليمني 2003
    قضية إجتماعية هامة تناولتها في قصتك الرائعة

    الأديبة جلنار ...

    المشاهد الصغيرة للأحياء ووصف الجزيئات الصغيرة الموغلة في يمنيتها يعطي لقصصك بعدا ساحرا وجماليا لأبعد حد ... ومع مابها أيضا من وصف للمشاكل الإجتماعية أو الصعاب التي يجدها الصغير بكيانه الصغير أيضا تكون قصص في قمة الروعة والجمالية ....ربما تكوني نظرت للموضوع من زاوية أنثوية ... لكن هذا هو الحاصل تماما لدينا كمحيط عربي وليس يمني فحسب ....

    رائع ماتكتبين أيتها الأديبة
     
  4.   مشاركة رقم : 3    ‏2003-07-31
  5. ندى القلب

    ندى القلب عضو

    التسجيل :
    ‏2003-07-21
    المشاركات:
    118
    الإعجاب :
    0
    مرحبا


    أسعد الله الصباح

    استمتعت برحلتي معك أيتها الراقية حرفا .. هذا الصباح

    كلماتك اتشحت بالتمكن واكتست بالجمال


    مودتي



    واحترامي
     
  6.   مشاركة رقم : 4    ‏2003-07-31
  7. درهم جباري

    درهم جباري مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2001-07-16
    المشاركات:
    6,860
    الإعجاب :
    1
    أديبتنا الغالية / جلنار ..

    لقد برعت ريشتك الخبيرة بألم المرأة ، بنقل توجع هذه الأم المغلوبة على أمرها من قبل شريك العمر الذي لم يجعل للشراكة قيمة ..

    قصة أكثر من رائعة .

    لك خالص الود .
     
  8.   مشاركة رقم : 5    ‏2003-07-31
  9. جلنار

    جلنار قلم ماسي

    التسجيل :
    ‏2002-02-28
    المشاركات:
    13,030
    الإعجاب :
    3

    الكريم / سمير محمد

    بلا شك أسعدني تعليقك الذي لمست منه أنني أصبت الهدف ولمست أقصوصتي قليل من المعاناة التى يعيشها المجتمع العربي

    سعدت بحضورك هنا


    الشاعرة الرقيقة / ندى القلب

    واكتست صفحتي برقة شاعرة ولجت هنا

    دمتِ نقية


    الكريم / درهم جباري

    عبورك بلا شك جمل صفحتي ، وعمق القراءة التى مارستها على أقصوصتي أثلج صدري

    دمت بخير
     
  10.   مشاركة رقم : 6    ‏2003-07-31
  11. محمود مرعي

    محمود مرعي مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2003-03-18
    المشاركات:
    103
    الإعجاب :
    0
    انت حقا قاصة مبدعة ليس تزلفا ولا تملقا
    لكنه الحق
    ابدعت اختنا الكريمة
    لقد وقفت على المكان في قصتك
    رغم عدم معرفتي به
    لكنني من خلال القصة
    دخلت المكان وسرت فيه
    وشممت رائحة القات
    دمت متالقة
     
  12.   مشاركة رقم : 7    ‏2003-08-01
  13. جلنار

    جلنار قلم ماسي

    التسجيل :
    ‏2002-02-28
    المشاركات:
    13,030
    الإعجاب :
    3


    الأخ الكريم / محمود مرعي

    شكراً حضورك وشكراًهذا العبور

    دمت بخير
     
  14.   مشاركة رقم : 8    ‏2003-08-01
  15. moataz

    moataz عضو نشيط

    التسجيل :
    ‏2003-01-07
    المشاركات:
    368
    الإعجاب :
    0
    أحسنت صنعا أختي الكريمة:)
     
  16.   مشاركة رقم : 9    ‏2003-08-02
  17. ابن الاصول

    ابن الاصول قلم فضي

    التسجيل :
    ‏2003-07-21
    المشاركات:
    2,607
    الإعجاب :
    0
    [TABLE=width:70%;background-color:transparent;background-image:url(backgrounds/21.gif);][CELL=filter: shadow(color=limegreen,direction=135);][ALIGN=center]مرحبا


    أسعد الله الصباح

    استمتعت برحلتي معك أيتها الراقية حرفا .. هذا الصباح

    كلماتك اتشحت بالتمكن واكتست بالجمال


    مودتي



    واحترامي ابن الاصوووووووول
    [/CELL][/TABLE]
    [​IMG]
     
  18.   مشاركة رقم : 10    ‏2003-08-03
  19. Poet

    Poet عضو متميّز

    التسجيل :
    ‏2003-03-30
    المشاركات:
    1,088
    الإعجاب :
    0
    القاصة المبدعة جلنار

    تعبير مدهش وحبكة قصصية رائعة

    لك خالص التحايا
     

مشاركة هذه الصفحة