يكفي أن يحبك قلب واحد

الكاتب : بن ذي يزن   المشاهدات : 549   الردود : 0    ‏2001-07-04
      مشاركة رقم : 1    ‏2001-07-04
  1. بن ذي يزن

    بن ذي يزن بكر أحمد مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2000-09-30
    المشاركات:
    3,545
    الإعجاب :
    1
    قصه للأديبة السوريه هيفاء البيطار

    +_+_+_+_+_+

    أفلت صغيرها من ذراعيها المتصالبين أمام صدره ، وهي تحتضنه في عيادة طبيب الأسنان واتجه بخطوات متعثرة صوب طفل صغير يماثله بالعمر ، وقف أمامه وهمهم بصوت اجتهد أن يجعله كلمات ، لكنه كأن أشبه بالجعير ، أجفل الطفل السوي والتجأ الى حضن أمه صارخا بجزع " ماما ..ماما ..ابعدي هذا الطفل البشع عني "

    طمأنت أم الطفل السوي صغيرها قائلة وهي تربت على كتفيه " لاتخف ، لاتخف .لن يؤذيك "

    قامت الأم ذات القلب المطحون منذ أربع سنوات تعيد صغيرها المجنون الى ذراعيها ، تبتلع دموعا تعودت طعمها المر وتتساءل في سرها " لماذا تأخر الطبيب ؟ أما كان قد حدد لها موعدا في تمام الخامسة والنصف ؟"

    ركن المجنون الصغير بن ذراعي أمه ، لكنه أخذ يهمهم ويقوم بحركات عشوائية لا إرادية من أطرافه فيما أمه تدفن وجهها في شعره الأسود الكثيف هاربة من حصار النظرات .

    لم يخطر يوما في بالها أن تكون أما لطفل مشوه ،متخلف ومجنون كما شخص الأطباء مرضه ، كم تكرههم ، ما ابنها إلا ضحية لأخطائهم وللظروف ، هذا ماتعتقده .

    ولدته طبيعيا سمعت صراخه الأليم وهو يفصلونه عنها ، ضمته بحنان الى صدرها وشعرت كيف تفجر الحب فجأة في صدرها .

    لسوء حظه كان اليرقان الذي أصابه بعد أيام من ولادته شديدا ، صبغه بالبرتقالي الداكن ،كان يجب نقله فورا الى الحاضنة ولكن الحاضنات الثلاث في المستشفى كانت معطوبة .

    أخذ الصغير يختلج بقوة راميا ذراعيه خارج جسده كأنه يتخلص من شيء ثقيل يرزح على صدره وتدور عيناه في محجريهما الى الوراء لتتحولا الى بياض تام ، كان دماغه قد تأذى بشده حين عثروا أخيرا على حاضنة في مدينة تبعد مسافة ساعتين ونصف الساعة عن مدينتها

    انهارت الأم حين أكد لها طبيب الأعصاب أن دماغ ابنها قد تأذى أذية كبيرة لعدم إدخاله الحاضنة ، لم يخطر ببالها في يوم من الأيام أن تكون أما لمعتوه ، المجانين الذي كانت تصادفهم في الشارع لم تكن تعيرهم أي اهتمام إلا إذا اجبرها المجنون أن تلتفت إليه بسبب تصرفاته الضحكة والخرقاء .

    الأسرة كلها تمنت للصغير الموت وهو لم يتجاوز الشهر من عمره ، زوجها والذي كانت تحكي لصديقاتها أن أروع صفة لديه : الحنان ، كان يصرخ متألما : لا أريد ولدا مشوها ، ليته يموت .

    كانت تخاطبه هامسة وكأنها تحدث نفسها " لكنك والده .

    فيرمقه بألم ويقول " لكن أنظري ..أهذا طفل ؟"

    فتضمه بحنان شديد الى صدرها وكأنها تتمنى لوت عيده الى رحمها ، وتسكب على يديه دموعا غزيرة .

    لشهور طويلة نست أخاه الأكبر _ السليم _ وصار الصغير المشوه هاجسا ، لم يمش حتى بلغ السنتين والنصف ، ولم يتعلم النطق ، الأب تعايش مع الجرح بأنجح وسيلة : تجاهله صابا كل اهتمامه على ولده السليم .

    وحدها الأم كانت تشتري للمعتوه ثياب العيد ولاتمل من غسل ملابسه التي يلوثها عامدا مذعنا لأوامر غامضة تأمره أن يعفر بالتراب وأن يسكب محتويات صحنه على ثيابه .

    أجهدت نفسها في تعليمه الكلام رغم أن كل الأطباء نصحوها أن لافائدة من جعله ينطق ، لكنها توصلت مع الأيام الى جعله يهمهم وكانت وحدها قادرة على ترجمة تلك الهمهمة .

    كان زوجها يتضايق من شدة اهتمامها بالصغير المتخلف ويوبخها لإهمالها أسرتها ، لم تكن تستطيع تخيل حياتها منه ، إنها تحبه بجنون ، تحسه قطعة منها ، هذا المعتوه الصغير الذي يفاجئها في لحظات خاطفة كيف يرنو إليها بعينين تفيضان وجدا ، ما أجمل عينيه قبل أن يغفو ، ماكان ينام إلا وهو يطيل التحديق الى وجهها فتحس بالتحول البطيء والتدريجي لملامح وجهها تحس بالحنان يرفرف حولها كفراشات من فرح .

    ذات يوم سالت دموعه من شدة تحديقه المفتون في وجهها وحين كانت تبتعد يصدر أصواتا متألمة تضطرها للعودة إليه ، وحدها كانت دنياه ..دنياه الغنية بالحب .

    لم يصدقها أحد من أفراد أسرتها حين كانت تصف لهم حساسية الصغير العالية ورقته وذكاءه الخاص

    ذات مرة حين كسر مزهرية الكريستال ، ضربه والده بقسوة وهو يهزه من كتفيه النحيلين قائلا " لقد جعلت حياتنا جحيما ،لكني لا ألومك بل ألوم تلك التي تفوقك جنونا : أمك "

    يومها التجأ بخطواته المتعثرة ومشيته المخلعة الى حضن أمه ورمى نفسه في حضنها وهو يرتعش خوفا كجرو صغير ، كان يبكي ويهمهم بأصوات مخنوقة مبهمة أشبه بالخوار ، واللعاب يسيل بغزارة من فمه ، ضمته الى صدرها ، مسحت لعابه وهدهدته حتى غفا ، كانت تتجاهل نظرات زوجها الغاضبة وحين لم يطق صبرا هزها من كتفيها قائلا

    " ما عادت عيشتنا عيشة ، أفكر أن ألحقه في مدرسة للمتخلفين عقليا "

    صرخت " لا..لن اسمح لك بذلك ..مازلت موجودة "

    " لكنه خرب نصف أغراض المنزل وهو لم يكمل لعد الرابعة من عمره "

    قالت باكية " أرجوك ..يستحيل أن يعيش في مصح للمعوقين "

    صرخ " لماذا "

    لم تستطع أن تجيب في الحال لكنها تمكنت بعد لحظات من جمع شتات نفسها ،

    قالت وهي تحس أنها تسيل حبا كماء مقطر يغسل الصغير :

    " لأني احبه اكثر من أي شيء في الدنيا "

    انطفأ الرجل لوهلة ، شعر أن كلماتها خدرته .

    انفتح باب غرفة الانتظار فجأة ، أطل الطبيب نظر الى ساعته معتذرا لها " أنا آسف لم أتوقع أن حالة السيدة معقدة هكذا "

    كانت سيدة مفرطة في الأناقة تخرج من غرفة الفحص تضغط قطعة من القطن بيم فكيها ، وحين لمحت الطفل شهقت بهلع ، تحفزت الأم وصفعتها بقوة بخيالها ، لكنها حملت الصغير ولحقت بالطبيب الى غرفة المعاينة .

    كان يدير لها ظهره، يغسل أداوته ويقذفها في صينية معدنية بجانب المغسلة ، قال لها " هل عاد الضرس نفسه يؤلمك "؟"

    قالت " أقصدك هذه المرة لأجل الصغير "

    التفت إليها وقد رفع حاجبيه " الصغير "

    تعودت على نصال الألم تنهال بلا رحمة مخترقة قلبها ، كلهم يذهلون حين تعتني بابنها المعتوه ، كانت تصرخ أحيانا " لكنه روح …روح "

    كانت لهجة الطبيب تعني تحديدا " هل يستاهل هذا المسخ عنايتك ؟"

    لم يسمح المعتوه الصغير للطبيب بفحصه إلا وهو في أحضان أمه ، أخذ وجه الطبيب يزداد قتامة وهو يمعن في جوف فم الطفل ، قال للأم بعد ان انتهى من فحصه " تشوه شديد في الفكين والأسنان ، الحالة صعبة ، ومكلفة للغاية ، أرى انه من الجنون التفكير بتصحيح ….."

    قاطعته كأنها لاتسمع كلامه " وما الكلفة يا دكتور ؟"

    بحلق الطبيب بوجه المتيمة حبا وقال " الكلفة كبيرة سأحسبها لك "

    لم يكمل لأن بقايا وجدان ذكرته أنها أم

    قالت " المال لايهم ، سأتدبر المال ..المال لايهم "

    رفع الطبيب كتفيه لا مباليا وقال " كما تشائين لكن من واجبي أن أخبرك انك قد تهدرين المال بلا طائل "

    خرجت من عيادة الطبيب تحمل ابنها ، كانت ذراعه اليسرى تحيط بعنقها وتعبث بشعرها ، أما اليمنى نصف المشلولة فتنسدل مرتخية على صدرها .

    حاجز صدره النحيل ينقل الى صدرها إيقاع دقات قلبه ، تناغم إيقاع القلبين مع إيقاع خطواتها

    انتظم إيقاع القلبين وطغى على ضجيج الشارع وصوت المذياع الملعلع ، تحول الإيقاع الى كلمات مبهمة أخذت تزداد وضوحا مع تسارع خطوتها

    كان قلبها يغني بسرور باك " يكفي أن يحبك قلب واحد كي تعيش ، يكفي أن يحبك قلب واحد يا صغيري البريء ، يا طفلي الرائع "

    توقفت عند إشارة المرور ، تنبهت الى انه أغفى على كتفها ، قبلت وجنته المنداة بلعابه ، دمعت عيناها وهي تتمنى له أحلاما سعيدة .
     

مشاركة هذه الصفحة