تفسير السقوط السريع لبغداد... وخيارات صدام الحالية

الكاتب : صقر الذرى   المشاهدات : 445   الردود : 0    ‏2003-07-27
      مشاركة رقم : 1    ‏2003-07-27
  1. صقر الذرى

    صقر الذرى عضو

    التسجيل :
    ‏2002-10-03
    المشاركات:
    118
    الإعجاب :
    0
    في حقنا القوة في قوتنا الحق




    تفسير السقوط السريع لبغداد... وخيارات صدام الحالية
    2003/07/21

    هل ينهض التمثال ثانية؟
    د. ظافر العاني
    لطالما عنَّ علي بالي سؤال لم أكن لأجرؤ حتي ولو لمجرد الهمس به مع نفسي، لكني اليوم سأغامر بأن أفكر بصوتٍ عالٍ دون أن أستنتج شيئاً ما أو أفرض رؤية معينة. هي أفكار غير يقينية تحتاج إلي تدقيق وتوثيق والسؤال هو: تري هل كان إختفاء القيادات العراقية في ساعة واحدة بعيد دخول القوات الأمريكية بغداد خياراً قيادياً مخططا له مسبقاً أم لا؟
    وبهدف إجراء مناقشة واعية، لا مناص إذن من العودة، إلي ما قبل العدوان حينما قدمت حكومة صدام كل ما يمكن أن يحول دون حدوث الحرب وبلغت التنازلات السياسية حداً بات يجرح المشاعر الوطنية مثلما يقلص قدرات العراق الدفاعية عندما وافق صدام بعد قليل من التردد علي تدمير صواريخ الصمود 2 وتوالت مبادرات العراق التي كانت أمريكا تصم آذانها عنها وتشكك بصدق نواياها أما عجلة الحرب فقد كانت تدور بشكل متسارع، وتتعالي أصوات معسكر الحرب لتغطي علي معسكر السلام، وتكسرت المقترحات السلمية القادمة من هنا وهناك علي صخرة العناد الأمريكي، إلي الحد الذي بدأ فيه العالم يحبس أنفاسه، ويتابع العد التنازلي لبدء الإطلاقة الأولي في حرب احتلال العراق.
    في لجة هذا التلاطم، لم يكن أمام صدام من خيار سوي الاستعداد الفعلي لمواجهة عدوان صار مؤكداً، حتي أن شيخ الدبلوماسية العراقية طارق عزيز قال حينها نحتاج إلي معجزة إلهية كي لا تحدث الحرب . ولا ريب فإن أي عاقل كان يدرك تماماً في خضم هذه الاستعدادات مدي الاختلال المريع في ميزان القوي العسكري بين جيش تآكلت قدراته مراراً سواء من الحروب المتواصلة أم بالحصار القاسي، وآخر يحوز علي أحدث تقنية وصلت إليها البشرية في الافناء والتدمير.
    وعندما وجد صدام نفسه أمام خيار مواجهة حتمية يغيب عنها أي تكافؤ، فالمنطق أنه عند ذلك رسم استراتيجيته العسكرية علي أساس العمل علي تخفيف نسبة الخسائر في صفوف قواته وتعويق تقدم القوات إلي أقصي حد علي أمل أن يطول أمد الحرب بانتظار تداعيات يمكن أن يستثمرها وبالمقابل محاولة إحداث أكبر قدر من الخسائر في القوات الغازية لعل أمريكا تنزل إلي طاولة المفاوضات السياسية، وهو ما حدث ـ مثلاً ـ عام 1991 عندما أوقفت أمريكا الحرب من طرفها بعد ما أدركت أن عدداً من قواتها أصبح مطوقاً من الحرس الجمهوري.
    أما أمريكا فكانت تعد استراتيجيتها العسكرية علي أساس الضربة الاستباقية، وقدرتها علي إحداث الصدمة والترويع من خلال تكبيد العراقيين خسائر فادحة في الساعات الأولي للعدوان، مما قد يؤدي إلي تآكل البنيان السياسي والشعبي للدولة، ومن ثم إنهيارها. ولكن الأهم هو تجنب الالتحام المباشر مع القوات العراقية قدر الإمكان لتجنب الخسائر.
    ماذا لو نجحت أمريكا في خطتها باحتلال العراق؟ سؤال لا بد وأن صدام قد واجهه مع قياداته العسكرية، حينما كان يبحث في البدائل العسكرية. وهو أمر ليس بعيدا، لا سيما وأن أمريكا قد أعلنت منذ وقت مبكر بأن هدفها من الحرب هو احتلال العراق وتغيير النظام السياسي فيه، بل واستهداف صدام حسين شخصياً.
    لو نجحت أمريكا في هدفها، فإن أمام صدام حسين خيارين لا ثالث لهما، أولاً: الاستسلام لمنطق الهزيمة والبحث عن فرص النجاة الشخصية، وثانيهما: التمرد علي هذا المنطق من خلال تنظيم مقاومة مسلحة لمحاولة طرد الغزاة.
    وإذا ما حللنا سايكولوجية صدام حسين وسجله الشخصي لأمكننا الوصول إلي نتيجة منطقية وهي أن صدام حسين من الشخصيات التي لا تقبل الهزيمة بشكلها النهائي، وأنه سيحاول بما أوتي من وسائل، لاستعادة السلطة وهذا ينسجم تماماً مع إرثه الثوري في تنظيم خلايا عمل واللجوء إلي أساليب العمل السري التي بدأ أولي حياته بها. وهو أسلوب احترفه صدام مذ كان يافعاً.
    عند ذاك، كان علي صدام إذن أن يستبق الأمور ويعد نفسه لاحتمال واقعي كهذا. أي الإعداد للمواجهة مع القوات الغازية فيما لو انهارت الدولة. وهو ما يستلزم أمورا عدة: أولها: الاستعداد القتالي، وثانيهما: التجهيز التسليحي، وثالثهما: المستلزمات المالية. فهل عمل صدام ذلك؟
    قتالياً، نظم صدام حسين منذ وقت مبكر تدريبات عسكرية لجهازه الحزبي ظلت متواصلة حتي ساعة بدء الحرب علي الأسلحة الخفيفة وقذائف آر. بي. جي7، نصب الكمائن، حرب الشوارع، ووضع ما سمي بـ خطط الطوارئ في كل مؤسسات الدولة والحزب، إضافة إلي التدريب القتالي العنيف لخطوط حمايته الشخصية، وهو أمر لمسته من بعض طلبتي في الدراسات المسائية الذين لم يستطيعوا أداء الامتحانات نصف السنوية في شباط بسبب انغماسهم في التدريبات يومها.
    تسليحياً. وزع صدام حسين الملايين من قطع الأسلحة علي الجهاز الحزبي، مثلما خزن أكداساً هائلة من العتاد. صحيح أن أمريكا قامت بتدمير ما وجدته من هذه الأكداس، إلا أنها نفسها ما تزال تقول بأن هناك مخابئ عديدة لم يتم العثور عليها بعد، والراجح أن صدام وثلة قليلة من أخلص معاونيه هم من يعرفون بمكانها، وها هي تتنقل بين أيدي المقاومين بشكل يسير بحيث أن قوات الاحتلال صادرت في 11 تموز (يوليو) شاحنة محملة بخمسمائة صاروخ لقذائف آر. بي. جي7 وهو ما يدل علي أن هناك مناقلة لهذه الأعتدة من منطقة لأخري. فضلاً عن أن الحصول علي السلاح والعتاد في العراق ليس أمراً عصياً بسبب وفرته، أو حتي يمكن إدخاله من دول الجوار، حيث الحدود بلا رقابة شديدة، ووجود رغبة لدي عدة دول في إذكاء المقاومة العراقية لدوافع شتي، من بينها زيادة انغماس أمريكا في الشأن العراقي بما يخفف الضغط عن هذه الدول.
    مالياً. المؤكد أن صدام وابنيه استطاعوا أن يستحوذوا علي مبالغ طائلة وهي ما تزال بحوزتهم. ولكم أن تتصوروا حجمها عندما تصرح أمريكا بأن معلوماتها تؤكد قيام قصي النجل الثاني لصدام بأخذ مليار وثلاثمائة مليون دولار أثناء الحرب، وكذلك عثورها علي مئات الملايين من الدولارات المتناثرة في قصوره.
    وإذن، فإن لصق المعلومات واحدة بالأخري تفصح أن صدام حسين قد استعد فعلاً للمقاومة التي بشر بها حتي في خطاباته الأولي أثناء العدوان. ولو عدنا بذاكرتنا إلي اليوم الذي أعلنت فيه الإدارة الأمريكية بدء العدوان لوجدنا أنها أعدت خطتها علي أساس تفويت الفرصة علي صدام في تكبيد قواتها خسائر بشرية من خلال الابتعاد عن الالتحام مع القوة العسكرية العراقية واستثمار تفوقها علي نحو صارخ، حتي لكأن العراقيين كانوا يقاتلون أشباحاً. صواريخ تنطلق من علي بعد آلاف الأميال، وطائرات تعجز عن اكتشافها أكثر الرادارات تقنية، وقنابل صوتية، وأخري تزن أطناناً ينخلع الفؤاد من هولها. سيادة جوية، وأسلحة تضرب من بعد دون أن تدركها النيران العراقية. في نفس الوقت راحت القطعات الأمريكية تزحف باتجاه بغداد متجنبة خوض أية معركة مباشرة من خلال خط مسير يمشي علي مشارف المدن والتي سبق وكدس العراق قواته فيها وقد ساعدها علي سرعة التقدم طوبوغرافية العراق وعدم وجود عوائق طبيعية. وفي المرات القلائل التي حدثت فيها مواجهة، استطاع العراقيون أن يخوضوا قتالاً مشرفاً كما حصل في أم قصر، والزبير، وأبي الخصيب والناصرية وكربلاء. لقد كان الاستعداد القتالي عالياً إنما بأسلحة عتيقة وقاعدة اجتماعية هشة سيما وأن الهجوم جاء من جنوب العراق وهي المنطقة التي تقطنها أغلبية شيعية تشعر علي نحو مبرر ـ بالحرمان السياسي ـ في عهد صدام، وتضخّم تظلماتها الانتماءات الطائفية.
    لكن أمريكا، التي ظنت تداعي القدرات العراقية سراعاً، وجدت نفسها الأسبوعين الأوليين في موقف حرج، فالمقاومة العراقية كانت شديدة للغاية، والعراقيون لم يستقبلوا قواتها بالزهور، وإنما مشاعر كره واستياء حقيقي وهو ما دفع الرئيس الأمريكي ووزير دفاعه وقائد قواته للتراجع عن تصريحاتهم المتكررة السابقة في أن الحرب ستكون سهلة وسريعة أزاء الانتقادات المتصاعدة. ليقولوا بأنه لا يوجد جدول زمني لنهاية الحرب. وبأن مجرياتها صعبة. لكنهم مع ذلك وعدوا بأن يكون النصر فيها ـ حتي وإن طال ـ حاسماً ونهائياً.
    كيف يمكن لأمريكا إذن أن تحسم نتيجة الحرب بشكل مؤكد وسريع؟
    ما كان أمام القوات الأمريكية سوي تكثيف جهدها العسكري بمضاعفة نيرانها من خلال إلقاء الحمم علي القطعات العراقية مستخدمة ابتداءً زهرة الجيش العراقي حرسه الجمهوري وحرسه الخاص، اللذان كانا معدّين بشكل فائق نفسياً وعسكرياً لخوض معارك مشرفة. بحيث صرح فرانكس بأن ثلث المخزون الاستراتيجي الأمريكي من الصواريخ قد استعمل بإلقائه علي القوات العراقية في الأسبوع الأول للحرب وظلت القنابل تنهال بلا هوادة وطائرات الأباتشي تلتقط الدروع العراقية واحدة أثر أخري، بل أن أمريكا لم تتورع عن استهداف المدنيين بإلقاء بالقنابل العنقودية والصوتية لخلق حالة من الارتباك لمجتمعي وإيغار صدور العراقيين علي الحكومة، وعلي الجيش الذي كان يخطط للتخندق داخل المدن.
    أمريكا إذن كانت علي استعداد لانتهاج أي سبيل كي تنتصر في المعركة، ومن المحبذ لها أن يكون الانتصار سريعاً وحاسماً خشية ما قد يسببه الجنرال زمن من تأليب للمشاعر العربية والإسلامية بما يعرض مصالحها ومنشآتها لخطر جدي. فضلاً عن أنها قد تجد نفسها وسط بيئة أقليمية ودولية متشككة ومتسائلة عن نوايا الاستراتيجية الأمريكية من استهداف العراق، خصوصاً وأن الحرب لم تكن شرعية وتجري دونما موافقة مجلس الأمن عليها ، بل واعتراض عدد غير قليل من القوي الدولية المؤثرة.
    ولا بد بالمقابل، من الإقرار بأن القيادة العسكرية العراقية آنذاك لم تُعد خطهها علي نحو مرضٍ. وبالذات في إعداد المواضع الحصينة، والتنقل الآمن للقطعات، وهو أمر قد يغفر لها إذ ربما حتي لو أنها بذلت جهداً مضنياً في ذلك ما كان من المتصور أن تقي قطعاتها من النيران التي تقتلع الأرض وتغور فيها، بوجود أجهزة رادار كانت ترصد أي تحرك مهما بدا ثانوياً، وعملاء غص بهم العراق آنذاك وهم يحملون أجهزة الثريا لتحديد مواقع القطعات بشكل دقيق وتصحيح الأهداف. بضوء ذلك كله ما كان مقدراً سوي أن تصل أمريكا لأهدافها المرسومة.
    والواضح أن القيادات العسكرية العراقية لم تكن بعيدة عن هذا التحليل، ولنتذكر هنا تصريح الفريق الركن سلطان هاشم وزير الدفاع العراقي السابق حينما قال ـ بينما ما يزال القتال في الناصرية ـ إن القطعات العسكرية الأمريكية ستصل بغداد في غضون خمسة إلي عشرة أيام وهذا يعني وجود تصور أولي لقدرة أمريكا في وصول بغداد، وبالتالي ستكون الخطة التي أعدت لانتحار الأمريكان عند أسوار بغداد جاهزة للعمل.
    ومع أن تصريح الفريق سلطان سبب ارتباكاً مجتمعياً في صفوف البغداديين الذين لم يكونوا مهيئين نفسياً وتعبوياً لرؤية حرب شوارع قاسية بمحاذاة بيوتهم، فإنه من جانب آخر، إن القطعات العراقية التي أعدت لمواجهة الأمريكان عند أسوار بغداد قد أبيدت معظمها أثناء القصف الجوي والصاروخي الأمريكي، وأصبحت فاعليتها في أدني درجاتها. فقد صرح فرانكس وقتها أن ثمانين بالمائة من القصف علي العراق كان موجهاً لبغداد وبالذات علي القطعات العسكرية التي تشكل حزاماً واقياً لها.
    ومع ذلك، فإن المواجهة الأولي التي حدثت عند أسوار بغداد كانت في المطار عندما استطاعت القوات الأمريكية السيطرة علي جزء منه ـ وهو مكان فسيح يمتد طولاً وعرضاً إلي عشرات الكيلو مترات ـ وبالرغم من أن ما حدث في المطار ما يزال لغزاً غامضاً، إلا أن ما تم جمعه من معلومات حتي الآن يشير إلي أن القوات العراقية استطاعت أن تنزل بالأمريكيين خسائر كبيرة في معركة المطار الأولي، وفيها تم قطع رؤوس الأمريكيين بسيوف فدائيي صدام، وكان صدام ـ مثلما أكد عديدون ـ يقود معركة المطار شخصياً يمتطي دبابة وأخري نجله قصي. واستطاعت القوات العراقية تحرير المطار من القوات الأمريكية التي وجدت في ذلك هزيمة مهينة لقواتها في الاشتباك والالتحام الحقيقي الأول لها مما قد يؤثر في نفسية جنودها ومعنوياتهم، فلجأت إلي استخدام كل ما في مخزونها من أسلحة استراتيجية. أما الذي يبقي بلا جواب هو ما أكده عراقيون يقطنون بالقرب من المطار، وقالوا ذلك أمام الفضائيات العربية هو أنهم شاهدوا هالة نارية ضخمة علي شكل عش الغراب أو الفطر استخدمت فوق سماء مطار بغداد لسبع دقائق تقريباً، وشاهدوا مئات من جثث الجنود العراقيين المشوهة دونما أثر لجرح فيها أو شظية فضلاً عن أن القوات الأمريكية ظلت طوال أسابيع تمنع المصورين ووكالات الأنباء من الوصول إلي منطقة المطار في سلوك مريب. قد لا تكون هناك أدلة ملموسة عما استخدمته أمريكا فعلاً في المطار. ولكن لنتساءل: هل في سجل أمريكا العسكري والأخلاقي ما يحول دون استخدامها لأسلحة محرمة فيما لو شعرت بدنو الهزيمة؟ بالقطع كلا، خصوصاً وأن وزير دفاعها رامسفيلد هدد مع بدء الحرب باحتمال اللجوء إلي استخدام قنابل نووية تكتيكية. وبغض النظر عما تكشفه قوادم الأيام من خفايا، فإن النتيجة النهائية لمعركة المطار هو أن القوات العراقية تكبدت فيها خسائر كبيرة وكانت بداية الانهيار السريع لمجريات الحرب علي الجانب العراقي، بحيث استطاعت أمريكا بعدها أن تدخل بغداد بسهولة بعد تداعي المعنويات التي ساهمت فيها وسائل الإعلام علي نحو بارع، خصوصاً وأن أمريكا حرصت علي أن تظل الطاقة الكهربائية موجودة في العراق لممارسة أقصي قدر من اهتزاز الروح المعنوية عبر التلفزيون، واللحظة الدراماتيكية هي في ترميز انهيار الدولة بسقوط تمثال صدام في ساحة الفردوس وسط بغداد يوم 9إبريل 2003م.
    حينما يشاهد صدام هذا الانهيار الكلي للدولة أزاء قوة لا قبيل له بها، ماذا يمكن أن نتخيل أنه فاعل؟
    ربما يقودنا التفكير العقلاني إلي أن يختار صدام مواجهة القوات الغازية في بغداد لا عند أسوارها. ولكن لا بد عليه قبل ذلك أن يحافظ علي ما تبقي من قواته ومؤيديه من فناء محدق، ليستطيع بعدئذٍ من إعادة تنظيمهم علي نحو أكثر فاعلية. وهذا ما يمكن أن نستنتجه من اختفاء القيادات العراقية العسكرية والسياسية والحزبية في ساعة واحدة، بعد أن صدرت لها أوامر شفهية وأخري مكتوبة بخلع البزات العسكرية والاحتماء في البيوت بعيداَ عن عيون الأمريكيين، بل أن الصحاف وصف ذلك بأن القيادات والمسؤولين اختفوا بلمح البرق في لحظة واحدة دون أن أعرف وجهتهم . أكثر من ذلك، فإن رغبة صدام في المحافظة علي قواته بعد ما أدرك عدم جدوي المواجهة التي ستكون باهظة الثمن فعلاً. ولا أخال أن القادة العسكريين قد تصرفوا من وحي أفكارهم عندما أصدروا الأوامر بعدم القتال في مناطق الأنبار، والموصل، وكركوك، وبغداد، حيث تمت المفاوضة علي انفضاض القوات بلا مقاومة ومن المفيد القول أني اطلعت علي رسالة مؤرخة في 23 إبريل كان قد بعث بها عزت الدوري نائب صدام حسين والمسؤول يومذاك عن القطعات العسكرية في القاطع الشمالي موجهة إلي أحد كبار الزعماء التقليديين، عند شخص كان يعرضها علي إحدي الفضائيات العربية. يذكر فيها عزت أنه بعد ما أدرك بعدم جدوي المقاومة وأن الاحتلال بات مؤكداً أصدرت الأوامر بعدم القتال. مثلما يذكر بأنه أوصي شيوخ ووجهاء مدينتي سامراء والدور أن يفاوضوا الأمريكان سلماً، وبأن تقتصر المقاومة علي المعارضة العراقية لو دخلت مدنهم، ثم يؤكد أن هؤلاء الشيوخ استمعوا للنصيحة فعلاً.
    تأسيساً علي ذلك، فإن القوات العراقية في هذه المدن قد حافظت علي قوتها في الأشخاص والعتاد، وبالتالي فإنها أكثر جاهزية من سواها في صفحة المقاومة، ولذلك ليس من قبيل المصادفة أن المقاومة العراقية تكاد تنحصر في هذه المناطق تحديداً، أي في تلك التي لم تحدث فيها مواجهة مباشرة مع الأمريكان، وأبقت علي شكل من أشكال التماسك البنيوي.
    صحيح أن القوات العراقية كانت قد تفككت حينها، أو بدت كذلك إلا أن المؤسسة العسكرية العراقية، كمؤسسة نظامية قائمة علي الولاء السياسي والضبط العالي والخبرة الاحترافية من الممكن إعادة جمعها علي نحو فاعل وسريع أكثر من أية مؤسسة أخري. ولو أضفنا لذلك أن المدن التي تحدث فيها عمليات المقاومة يغلب عليها طابع المحافظة والتدين، وأهلها من اتباع المذهب السني الذي يشعر أبناؤه بأن المستقبل السياسي للعراق قد يكون علي حسابهم، لأمكننا القول عندئذٍ بأن المقاومة المسلحة في هذه المناطق هي خليط من بقايا القوات المسلحة النظامية وأتباع الرئيس صدام حسين والإسلاميين من العراقيين وغيرهم كذلك.
    أما التساؤل الذي يقفز للذهن ويلح عليه فهو: هل أن خيار المقاومة كان قراراً من صدام؟ وما دوافعه؟
    المنطقي هو أن صدام حينما شاهد تمثاله يتهاوي، وصيحات الابتهاج تتعالي، وعمت حمي شعبية بتدمير وحرق كل ما يمت للنظام البعثي من صلة، ما كان أمامه من خيار سوي الاختفاء والمحافظة علي أمنه الشخصي، ربما استعداداً ليوم يقود فيه المقاومة أو يساهم فيها. ولذلك فإن من يشاهد قصي في الشريط الذي يؤرخ لصدام في الأعظمية يوم 9 أبريل يلاحظ تقبيله لأبيه، رغم أنه كان معه طوال المدة الفائتة. وتوحي هذه اللقطات بأنها علي الأرجح كانت لحظات وداع بينهما، وهو ما تبين بعدئذٍ عندما أكدت وكالات الأنباء أن ابني صدام إضافة لسكرتيره عبد حمود قد ذهبوا إلي سوريا التي لم تستقبلهم، فيما بقي صدام في العراق مختفياً ويتصل سراً بأتباعه ومريديه كما أشار في رسالته الصوتية التي ذكر فيها أنه بعث رسائل مكتوبة إلي بعض المحافظات والمدن العراقية يهيئ فيها للمقاومة. ولا أخال أن هنالك من شخص في العالم أكثر براعة من صدام وأمضي دهاءً في قدرته للمحافظة علي أمنه الشخصي. فلطالما تعامل صدام مع التهديدات المستمرة لحياته، وحصّن نفسه من خصومه، وأظن أنه أعد نفسه بشكل جيد ليوم كهذا.
    بقي صدام متوارياً لشهرين جري خلالهما تفريغ العراقيين لشحنات كراهيتهم لنظامه، وفترت فيها حدة قضية القبور الجماعية والأصوات التي قيل أنها تنطلق من تحت الإسفلت لسجناء عراقيين لم يرهم أحد. وبالمقابل ازدادت مشاعر الاستياء العراقي من الممارسات الأمريكية، وبدأت تظهر أصوات تعلن تأييداً لصدام سواء أكان ولاءً أم نكاية بالأمريكيين. عند ذاك، وعند ذاك فقط قطع صدام ستار الصمت والاختفاء ليعلن وجوده في العراق وبأنه ينظم تشكيلات واسعة من المقاومة الشعبية لطرد الأمريكيين من العراق.
    وبسبب خبرته في الميدان العسكري، يدرك صدام ولا شك أن خيار المقاومة داخل المدن لهو أجدي من المنازلة العسكرية بشكلها التقليدي، ففيها يتم تحييد عناصر التفوق الأمريكي الطيران، الدبابات، والصواريخ ولا يعود أمام الجنود الأمريكان من سلاح يستخدمونه سوي الشخصي منه الرشاشات الآلية وبذلك تتساوي قوتها مع قدرات المقاومين العراقيين الذين يملكون في هذه الحال مرونة أكبر مما للقوات الغازية في الحركة والمباغتة والاختفاء، لذا صرنا نسمع يومياً عن خسائر كبيرة في صفوف القوات الأمريكية، فالجنرال توم فرانكس صرح بأن قواته تتعرض يومياً إلي حوالي 25 عملية عسكرية، (المؤكد أن ما يعلن من خسائر لهو أقل بكثير من الحقيقة) في حين استطاع المقاومون أن يحافظوا علي أنفسهم وفق منطق حرب العصابات اضرب واهرب خصوصاً وأن البيئة الاجتماعية الحاضنة للمقاومة تظهر تعاطفاً شديداً وإياها مما يساعدها علي سرعة الحركة والاختفاء.
    ولعل ما يفيد بأن صدام يقود جزءً مهماً من المقاومة أو أكثر المقاومين من أنصاره، أمور عديدة أولاً: أنها تجري في مناطق التأييد فيها لصدام أكثر من سواها. وثانياً: أن المقاومين علي وصف بريمر هم من المحترفين . وثالثا: أن وسائل المقاومة وتكتيكها يؤكد أن وراءها قوة منظمة ولا أعتقد أن هناك تشكيلا قادرا علي تنظيم المقاومة علي هذا النحو الدقيق إلا عناصر النظام السابق المنظمين بشكل جيد. ورابعاً: أن عدداً من مجاميع المقاومة أعلنوا في لقاءات تلفزيونية وبيانات أنهم من فدائيي صدام وأنهم يتلقون منه الأوامر شخصياً. هذا التحليل ينبغي أن لا يؤخذ علي عواهنه، وأن لا ينصرف الذهن الي أن المقاومين هم فقط من أنصار صدام، ولكن المنطق قد يدعو إلي الاعتقاد بأن الجزء المهم والفاعل منها هو ربما كذلك، بل أن أمريكا بما لديها من معلومات استخبارية تؤكد هذا الاستنتاج.
    بعيداً عن كل ما تقدم، ما الذي يأمله صدام حسين من تنظيم المقاومة؟ لعله من نافلة الكلام، أن الأهداف الاستراتيجية لأمريكا من احتلال العراق باتت سافرة ولا نحتاج إلي تحليل يغرق في سرياليته. وهي بالطبع تتجاوز حدود تغيير نظام صدام أو تحرير الشعب العراقي، وإنما تتعلق بمجمل العلاقات الدولية، ورؤية أمريكا لموقعها في النظام الدولي. بحيث أصبحت أمريكا أمام امتحان عسير، ولذلك فإن القول بأن أمريكا قد تفكر بتسليم السلطة للعراقيين ومغادرة المنطقة دون غنائم انما هو رأي ينطوي علي سذاجة بالغة. لكن ما يجعل إدارة بوش تراجع خياراتها فعلاً هي في اللحظة التي يضغط فيها الشعب الأمريكي علي حكومته ويطالبها بالانسحاب. وهذا يمكن تخيل حدوثه فقط عندما يشعر الأمريكان بأن أبناءهم ـ فلذات أكبادهم ـ يواجهون خطراً مميتاً كل يوم وبأن دماء غزيرة منهم ستسيل في العراق دون توقف. عند ذاك، وربما عند ذاك فقط، يمكن أن تفكر الإدارة الأمريكية بسيناريو ما تحفظ به ماء وجهها.
    حريٌ القول بأن المقاومة العراقية بشكلها الحالي وإن كانت تكبد الأمريكيين خسائر مؤلمة إلا أنها ليست كافية بعد لجعل واشنطن تفكر ببدائل ما، فالمزايا الاستراتيجية التي ينطوي عليها العراق تستحق المجازفة حتي الآن، بل أن المقاومة قد تدفع أمريكا للإيغال في قوتها بقمع المقاومين، وهذا ما أشار له بوش في 11يوليو عندما قال نواجه مشاكل أمنية صعبة في العراق لكننا سنجابهها بصرامة .
    لئن كانت لهذه التهديدات مصداقية فعلية، فإنه من غير المرجح أن تكون ذات تأثير علي طبيعة المقاومة أو أنها يمكن أن تدفعهم للتراجع عن خيارهم المسلح. فالردع يمكن أن يكون مجدياً فقط في حالة اقتناع الطرف المقابل بأن خسارته مؤكدة مقابل فوائد محدودة للغاية. أي عندما يدخل الروع في قلب الخصم خشية الأذي. وهو ما لا يتصوره أحد عند المقاومين المؤمنين بعدالة قضيتهم وطنياً ودينياً. بل لا أغالي إذا ما قلت أن أمريكا ذاتها تعتقد أن المقاومة ستشتد في قابل الأيام، فها هو رامسفيلد يعلن في 12 يوليو أن القوات الأمريكية ستواجه صيفاً صعباً وخطيراً في العراق . ناهيك عن أن القوات الأمريكية ليس أمامها الكثير كي تفعله ازاء المقاومين سوي مواجهتهم بشكل مباشر وجهاً لوجه، وهو غاية ما تتمناه المقاومة نفسها، أي النزول عن الدبابات والمدرعات التي تحتمي بها والاشتباك الفعلي وإياها، لأنه عند ذاك سيكون الطرفان في كفة ميزان واحدة يغيب عنها الردع وتتفوق فيها الإرادة لوحدها.
    وعلي النقيض من ذلك، فإن المؤشر الذي يستشفه المرء من تتابع الأحداث هو أن أمريكا فيما لو شعرت أنها عرضة للخسائر لن تتورع عن إيثار السلامة، ولعل ما حدث في الفلوجة من انسحاب القوات الغازية خارج المدينة يعد مقياساً للهلع الذي سببته المقاومة في نفوس الأمريكان جراء الخسائر الفادحة التي تكبدتها.. الأمر الذي يرفع الروح المعنوية للمقاتلين ويجعل من الفلوجة أمثولة لغيرها. وهذا الرعب لم يصب الجنود الأمريكان وحسب، وإنما امتد إلي المجتمع الأمريكي وعوائل الجنود الذين يسألون عن مصير أبنائهم، مما أحرج الإدارة الأمريكية ووضعها في دائرة الشك من النصر المزعوم، وهو ما تزايدت حدته بعد تصريحات عن أن مهمة الجنود ستمتد إلي أربع سنوات.
    ولو أضفنا إلي ذلك انكشاف الخديعة الأمريكية حول مبررات الحرب التي راحت تتفاعل إعلامياً وسياسياً فيما يتعلق بإمتلاك العراق لأسلحة الدمار الشامل أو علاقة نظام صدام بمنظمات القاعدة، وهي ربما لم تكن تتصاعد بهذه الحدة لولا إدراك الشعب الأمريكي لحجم خسائره التي يعدها غير مبررة وغير مقبولة، فإن شرعية شن الحرب نفسها أصبحت موضع الشك عند الأمريكان الذين أصبحوا في حيرة من أمرهم بين خداع الحكومة وخسائر الأبناء من جهة، واستياء العراقيين من الوجود الأمريكي من جهة ثانية، وهذا ما قد يمهد الطريق أمام ضغط شعبي قوي علي إدارة بوش بالانسحاب من العراق.
    ماذا لو زدنا علي هذه العوامل قدرة صدام علي تحشيد الأنصار والأتباع ممن بقي موالياً له، أو سيواليه بعد خيبة الأمل بالقيادات الحزبية الموجودة وتصاعد وتيرة الاستياء من الاحتلال. عند ذاك ستكون البيئة العراقية مهيأة لاستقبال تغيرات دراماتيكية ستفرضها المقاومة العراقية عندما تزيد جرعات الموت للأمريكيين. من هنا نفهم سبب حرص القيادات الحزبية سواء الوافدة أو التي أنشئت في ظل الاحتلال علي الطلب من القوات الأمريكية البقاء لحين استتباب الوضع السياسي لها وتحت حمايتها. ربما لأنها مدركة بأن خروج القوات الأمريكية مبكراً قد يجعل التمثال ينهض ثانيةً.
    كاتب وأكاديمي من العراق
     

مشاركة هذه الصفحة