السياسة الشرعية

الكاتب : Poet   المشاهدات : 1,294   الردود : 16    ‏2003-07-23
      مشاركة رقم : 1    ‏2003-07-23
  1. Poet

    Poet عضو متميّز

    التسجيل :
    ‏2003-03-30
    المشاركات:
    1,088
    الإعجاب :
    0
    السياسة الشرعية


    د.محيي الدين قاسم
    مدرس القانون الدولي - جامعة القاهرة

    ----------------


    إن السياسة -في الفكر الإسلامي- هي حركة بما يوافق الشرع، أو هي حركة في إطار توافق القواعد الحاكمة للوجود -السنن- في المجتمع الإنساني، وبالتالي فهي غايتها ضبط كافة الأنشطة والفعاليات السياسية و تحقيق الامتثال للقواعد الشرعية من خلال توجيه سلوك الأفراد والجماعات. ويعني ذلك أن الرؤية الإسلامية تربط بين الشرع والسياسة معاً كأساس لشرعية الحكم. ويعتبر مفهوم السياسة الشرعية مفهومًا مركبًا؛ حيث يعكس إحدى خصوصيات المفاهيم السياسية الإسلامية الجامعة على نحو يجمع بين الفكر والحركة، وبين السياسة والشرع.

    السياسة الشرعية..هروب من الجمود:
    سارت التجربة الإسلامية الأولى ممثلة في أعمال الرسول -صلى الله عليه وسلم- والخلفاء الراشدين على أن الشرع كفيل بتحقيق متطلبات السياسة العادلة، فلا يضيق عن حاجة، ولا يقصر عن إدراك مصلحة. وأختلف الأمر في العصور التالية، حيث أدى التزام المجتهدون العديد من الشروط الصارمة والمعقدة للمصالح الواجبة؛ سواء أكان الباعث لهم على هذا زيادة حرصهم على ألا يتعدوا شرع الله أم غير ذلك، إلى ظهور مقدمات لجمود القواعد الفقهية وعدم قدرتها على مسايرة ظروف الواقع.

    وقد قاد ذلك الجمود إلى محاولة ولاة الأمور تلافي الخلل ومواجهة المستجدات عن طريق تدخلهم في حركة التشريع تنظيمًا لأحوال المجتمع، ووضعًا لمقاصد الشرع موضع الممارسة الفعلية، وإن خالفت أقوال الفقهاء المتبوعين واجتهاداتهم، ومن ثم كانت الجدلية في عدم تفهم المجتهدين لحقيقة الشرع عن طريق الاجتهاد، وإلى جهل السياسيين بموضع السياسة ومنزلتها في منظومتها الشرعية، و ما زال هذا الصدع حتى الآن.

    ويلفت د.عز الدين فودة -أستاذ القانون الدولي- النظر إلى تزامن نشأة السياسة الشرعية اصطلاحًا مع سيادة الاعتقاد بالأصل المغولي للسياسة فكرًا ومنهاجًا، في عصر تغلب المغول على ديار الشام، فقضي لهم في بعض الأحكام بالمصلحة على حساب العقل وعدم مخالفة الشرع، مما جعل بعض الفقهاء يضيقون بالتوسع في الأحكام بالسياسة، والبحث في مسائلها كي لا يكون ذريعة إلى المظالم، وقصور الفهم عن إدراك رخص الشرع الشريف.

    السياسة الشرعية ... توسعة على الولاة:
    بداية التعريف بالسياسة الشرعية هي ما أورد ابن عقيل الحنبلي في موسوعته الفنون: "للسلطان سلوك السياسة، وهي الحزم عندنا، ولا تقف السياسة على ما نطبق به الشرع" وقد فصل ذلك بقوله: "السياسة ما كان من الأفعال بحيث يكون الناس به أقرب إلى الصلاح وأبعد عن الفساد، وإن لم يشرعه الرسول -صلى الله عليه وسلم- ولا نزل به وحي، فإن أردت بقولك: لا سياسة إلا ما وافق الشرع: أي لم يخالف ما نطق به الشرع فصحيح، وإن أردت ما نطق به الشرع فغلط وتغليط للصحابة".

    والواقع أن السياسة الشرعية من حيث الممارسة العملية هي التوسعة على ولاة الأمور في أن يعملوا ما تقضي به المصلحة مما لا يخالف أصول الشرع، وإن لم يقم على كل تدبير دليل جزئي، فهي إعمال للاجتهاد وتمكين للحاكم في أن يعمل بما غلب على ظنه أنه مصلحة من الأحكام. وذلك أن الأحكام الشرعية ليست كلها منطوقًا للشرع، بل من مفهومه الموافق المعتمد على قواعده الكلية ومبادئه وغاياته.

    مقومات شرعية السياسة الشرعية:

    تصبح السياسة شرعية بشرط مراعاة اعتبارين أساسيين:
    1 - الاعتبار الأول: شرعية التأسيس بمعنى موافقة الأصول العقائدية للسياسة الشرعية. وفي هذا الصدد، تطرح علاقة الإنسان بالكون من حيث ضرورة إحداث التناسق بين حركة الإنسان بما يوافق الشرع كما أرادها الله وبين حركة الكون كما أبدعه الخالق، في إطار من فهم امتلاك الإنسان لقدرة ذاتية متميزة على الحركة والاختيار والتفاعل الواعي مع معطيات الكون سعيًا وراء أداء أمانة الاستخلاف.
    وتؤكد أيضاً علي علاقة الإنسان بالإنسان من خلال ضرورة الإخلاص في النية والحركة كاملة للخالق - عز وجل - في كل مستوى من مستويات الولاية بعناصرها:
    - العقيدة والتي تشكل الأساس في المعرفة والحركة والمقوم التابع لتحقيق مقاصد شرعية.
    - الوظيفة التي هي الممارسة على أساس البينات التي تحددها العقيدة.
    - درجة تأثير الأحكام والسياسات على الفرد وحده ثم المجتمع بأسره باعتبار أن الأمة هي أساس المنظومة الإسلامية.
    وينسحب ذلك على كافة الولايات والأحكام في مجال السياسة الشرعية باعتبارها شكلاً من أشكال النهي عن المنكر والأمر بالمعروف.
    ويلاحظ أن مفهوم السياسة الشرعية يختلف في ذلك عن مفهوم السياسة في الفكر الغربي، حيث يتمحور الثاني حول السلطة والنخبة المسيطرة عليها، مستنداً إلى مرجعية التشريع البشري وحده، مهملاً بذلك تفاعل الفرد مع مجتمعه من جانب، ومع العناصر الأخرى في الكون. وتقود تلك الرؤية المبتسرة إلى الإخلال بالتوازن الدقيق في الكون، والذي نظمه الخالق-عز وجل- لتحقيق مصالح العباد.
    2 - الاعتبار الثاني: المقاصد الشرعية وشرعية المصالح، حيث تشكل المصلحة العامة المعيار الأساسي لتحديد ميدان السياسة، الأمر الذي يفرض الصلة بين العقل الذي يحاول تفهم السياسة وبين الحقائق التي يجب فهمها.
    ويمكن الإشارة إلى المصلحة الشرعية أو مقصود الشارع كما قدم الغزالي في أن "يحفظ عليهم دينهم وأنفسهم ومالهم وعقلهم ونسلهم، فكل ما يتضمن حفظ هذه الأصول فهو مصلحة، وكل ما يفوت هذه الأصول فهو مفسدة ودفعه مصلحة". فالمقصود من شرع الحكم إما جلب مصلحة أو دفع مفسدة أو مجموع الأمرين معًا.

    وتوجد ضوابط أساسية لمفهوم المصلحة:

    1 - أن المصلحة ليست بحد ذاتها دليلاً شرعيًّا بل يجب تتبع الأحكام الجزئية المختلفة والمبنية على الأدلة الشرعية لتوضيح المصلحة منها.
    2 - عدم مخالفة المصلحة للنص: لا يمكن الاستناد إلى مصلحة خالفت نصًا سواء بشكل كلي أم جزئي ويبرز الخلاف بين الفقهاء حول مجال المصلحة التي يسعى الحاكم إلى تحقيقها عن طريق تدخله في الأحكام الشرعية بالسياسة، وينبغي التمييز بصدد الأحكام الشرعية بين نوعين أساسيين:

    الأول: الأحكام التي لا تتبدل فيها علة المصلحة باختلاف الأزمان والأحكام؛ وهي من الفقه الثابت الذي يشكل قواعد السياسة ومقاصدها في الأحوال العادية.
    الثاني: الأحكام الجزئية الاجتهادية التي روعيت فيها ومناط أعمالها مصالح الناس المشروعة وأعرافهم، ومدى تأثير تغير الأحوال والأزمان على تلك المصالح والأعراف؛ فهي سياسة جزئية بحسب المصلحة، تختلف باختلاف الأزمنة.


    السياسة الشرعية بين النص والمصلحة:واستنادًا إلى ذلك فإن السياسة الشرعية بشكل عام هي تطبيق لأحكام الشرع فيما ورد فيه نص، ومراعاة المصالح ودرء المفاسد فيما ليس فيه نص، ومن ثم تصبح شرعية مبنى ومعنى إذا روعي في أصل بنائها وإعمالها أمران:

    الأول: موافقة حكم السياسة الشرعية لمقاصد الشرع وغاياته وكلياته وقواعده العامة الحاكمة للسياسة مبدأ ومسارًا وغاية.
    الثاني: عدم مخالفة أي دليل شرعي ولو كان فرعيًّا ثبت بدليل عام لجميع الأزمنة والأحوال أو أي دليل من أدلة الشريعة التفصيلية.
    ويعد القياس - وهو إلحاق حكم غير منصوص عليه بحكم منصوص عليه للاشتراك في العلة-أحد المداخل الاجتهادية الأساسية، والذي اعتمد عليه الفقهاء في تصورهم للتوسعة على الحكام في الأخذ بمتطلبات السياسة الشرعية وظروف ملابسات صنع القواعد والتشريعات المحققة للمقاصد الشرعية؛ استنادا إلى تبدل الأحكام وتغير العمل بها بتغير الأحوال في الزمان والمكان أو تغير العادات والأعراف أو من قبل التوسعة في الأحكام الشرعية في حالة ضيق الحال.
    لا شك أن السياسة الشرعية تعبير صادق عن خصوصية المفهوم السياسي والإسلامي، على النحو الذي يجعلها فن الممكن الذي يستخدم كل ما هو متاح من الأدوات والنظريات والأساليب بقدر ما هي متكاملة منضبطة ابتداء ومسارًا ومقصدًا، رعاية لكل الشئون وقيامًا على كل الأمور بما يصلحها، فالاستصلاح هو جوهر السياسة مثلما هو مقصدها ومنتهاها


    Islamonline
     
  2.   مشاركة رقم : 2    ‏2003-07-24
  3. YemenHeart

    YemenHeart مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2001-08-04
    المشاركات:
    1,891
    الإعجاب :
    5
    اشكرك اخي الغالي Poet على طرح اول موضوع عن تخصصك الذي هو علوم سياسيه
    الموضوع رائع جدا واستمتعت بقراءته ولكن لدي تساؤلات ؛
    هناك نقطه لم افهمها :
    ويلفت د.عز الدين فودة -أستاذ القانون الدولي- النظر إلى تزامن نشأة السياسة الشرعية اصطلاحًا مع سيادة الاعتقاد بالأصل المغولي للسياسة فكرًا ومنهاجًا، في عصر تغلب المغول على ديار الشام، فقضي لهم في بعض الأحكام بالمصلحة على حساب العقل وعدم مخالفة الشرع.

    تحياتي لك
     
  4.   مشاركة رقم : 3    ‏2003-07-26
  5. Poet

    Poet عضو متميّز

    التسجيل :
    ‏2003-03-30
    المشاركات:
    1,088
    الإعجاب :
    0
    اشكرك يا قلب اليمن على قراة المقال وطرح السوال

    واجابته كالتالي:

    ظهرت السياسة الشرعية كحاجة وليس للاثراء الفكري ففي العصور الاولى عصر الرسول والخلفاء الراشدين كان الشرع متكفلا بتحقيق جميع الحاجات والمتطلبات السياسية العادلة فلم تظهر اي حاجة تتطلب تشريعا لمعظلة ما او مشكلة ما.

    لكن في العصور التالية اختلفت الامور بظهور حاجات جديدة ومتطلبات عصرية خاصة ادى الى محاولات اجتهادية من جانبي الفقهاء والساسة ادت الى اختلاف ربما اثاره باقية الى الان .

    وكمثل ذكر على هذا الاختلاف ما حدث عندما استولى المغول على بلاد الشام: كانت تصدر الاحكام بشكل اخاف الفقهاء من الوقوع في المحذور الشرعي او الخوف من تجاوز الحد المشروع للرخص الشرعية.

    ارجو ان اكون قد وفقت في شرح تلك النقطة وان احتجت الى ايضاح اكثر فلا تتردد في السؤال

    لك خالص التحايا :)
     
  6.   مشاركة رقم : 4    ‏2003-07-27
  7. الشاحذي

    الشاحذي مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2003-04-16
    المشاركات:
    18,231
    الإعجاب :
    9
    الأخ / Poet الطرح عظيم جداً ولكن أرى أن هذا ليس مكانه , بل مكانه هو المجلس الإسلامي أو المجلس السياسي لما فيه من فوائد جمة تغني الكثيرين , ..
     
  8.   مشاركة رقم : 5    ‏2003-07-27
  9. Poet

    Poet عضو متميّز

    التسجيل :
    ‏2003-03-30
    المشاركات:
    1,088
    الإعجاب :
    0
    يا حيا الله باخي الكريم

    اولا اشكرك لمرورك العاطر على موضوعي المتواضع..:)

    ثانيا اموضوع طرح في هذا القسم لانني اذكر مثالا على تخصصي الذي ادرسه وهو علوم سياسية لكن لا مانع بالمرة ان يتم نقله لا حد المنتديات الاسلامي او السياسي والامر يعود للمشرف والفائدة مطلوبه للجميع:)

    لك خالص التحايا
     
  10.   مشاركة رقم : 6    ‏2003-07-28
  11. YemenHeart

    YemenHeart مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2001-08-04
    المشاركات:
    1,891
    الإعجاب :
    5
    لا حصرا هو للمجلس العلمي اخي الشاهدي :) واللي يريد يقرأه يدخل هههههه
    خليهم يزورونا يعرفوا ان معنا اقلام رائعه في المجلس العلمي :)

    ثانيا اتوقع حتى لو نقل لن يجد نقاشا علميا يثريه . انا اعرفهم ؛ اذا كان هناك موضوع مثير كحدث واقع فسيتفاعلوا ؛ اما اذا كان علمي فلا اتوقع .

    تحيه صادقه :):)
     
  12.   مشاركة رقم : 7    ‏2003-07-28
  13. YemenHeart

    YemenHeart مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2001-08-04
    المشاركات:
    1,891
    الإعجاب :
    5
    اسف جدا على التكرار الخط عندي ضعيف جدا

    مكرر
     
  14.   مشاركة رقم : 8    ‏2003-07-28
  15. YemenHeart

    YemenHeart مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2001-08-04
    المشاركات:
    1,891
    الإعجاب :
    5
    اشكرك اخي poet اللي كان محيرني هو نقطه حول ظهورها في عصر المغول ؛ فأشكرك الان اتضحت لي هذه النقطه .

    بشكل عام السياسه الشرعيه بامكاني اختصارها حسب قرأتي للمقال كمفهوم حالي وهي كتعريف ابن عقيل :) لا سياسة إلا ما وافق الشرع: أي لم يخالف ما نطق به الشرع فصحيح، وإن أردت ما نطق به الشرع فغلط وتغليط للصحابة")
    ولكن في النقاش حول المصلحه في السياسه الشرعيه في المقال ذكر ها ضمن اتمييز هذه الاحكام الشرعيه في مفهوم المصلحه وقال :

    الأول: الأحكام التي لا تتبدل فيها علة المصلحة باختلاف الأزمان والأحكام؛ وهي من الفقه الثابت الذي يشكل قواعد السياسة ومقاصدها في الأحوال العادية
    هل ممكن اعرف بعض الامثله على هذه الاحكام؟
    الثاني تقريبا فهمته وشملته بما يتعلق بمصالح الناس ؛ فما هو الفرق بين الاول والثاني او بالاصح هل لي بمقارنه بين الاثنين ؟ بشكل اوضح ولو من واقعنا المعاصر ؟

    تحيه صادقه لك
     
  16.   مشاركة رقم : 9    ‏2003-07-28
  17. Poet

    Poet عضو متميّز

    التسجيل :
    ‏2003-03-30
    المشاركات:
    1,088
    الإعجاب :
    0
    Give me some time

    OK
    :)
     
  18.   مشاركة رقم : 10    ‏2003-07-28
  19. YemenHeart

    YemenHeart مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2001-08-04
    المشاركات:
    1,891
    الإعجاب :
    5
    ok , thx , and im so sorry if i disturbed u

    love policy more than u can expect :)

    خالص تحياتي
     

مشاركة هذه الصفحة