حفريات في ذاكرتي (الحلقة الأولى) ** الرنتيسي

الكاتب : الشنيني   المشاهدات : 442   الردود : 0    ‏2003-07-23
      مشاركة رقم : 1    ‏2003-07-23
  1. الشنيني

    الشنيني عضو متميّز

    التسجيل :
    ‏2002-10-05
    المشاركات:
    1,004
    الإعجاب :
    0
    حفريات في ذاكرتي (الحلقة الأولى)

    د. عبدالعزيز الرنتيسي *
    22/5/1424
    22/07/2003


    أينما وليت شطر ذكرياتٍ مرت بخيرها وشرها وحلوها ومرها؛ وجدت أن المعاناة الناجمة عن احتلال فلسطين تصبغ كل شيء في حياتنا كشعب فلسطيني، وأجدني مضطراً إلى العودة إلى أحداث من تلافيف الماضي البعيد، التي حتماً ستسلط بعض الضوء على حجم الكارثة التي حاقت بالشعب الفلسطيني، الذي لم يكن له من ذنب إلا أنه شعب فلسطيني مسلم، وقد غلف اليهود جرائمهم بحق شعبنا المعذب على أيديهم بغلاف توراتي أسطوري، ولقد حفرت بعض المآسي أخاديد عميقة في الذاكرة؛ فلا يمكن نسيانها، ومنها:
    مذبحة خان يونس على يد اليهود عام 1956

    في عام 1956 إبان العدوان الثلاثي على مصر احتل الصهاينة قطاع غزة، وارتكبوا مجازر بشعة كعادتهم، ولكن هذه المرة في مدينة (خان يونس) حيث كنت أقيم في مخيمها منذ أخرجت مع أسرتي من قريتي (يبنا) التي تقع بين (اسدود) و (يافا) وأنا ابن ستة أشهر؛ لأجد نفسي في معسكر (خانيونس) للاجئين الفلسطينيين، لقد ارتكبت المجازر بحق المدنيين الفلسطينيين، حيث كان اليهود يقتحمون البيوت ويقتلون كل من فيها من رجال أمام أزواجهم وأبنائهم، وكان لي عم يدعى "حامد الرنتيسي"، ولم يكن لأبي أخوة غيره، ولقد اقتحم اليهود بيته كما اقتحموا بيوت الجيران، وكان يجلس مع زوجته وأبنائه، فصوبوا عليه السلاح، فما كان من ابن عمي "موفق" ابن التسع سنوات إلا أن ألقى بنفسه على والده، ولكن القتلة اليهود لم يكترثوا لهذا المشهد، ولم يترددوا في إطلاق رصاص بنادقهم؛ فقتلوا الوالد وأصابوا الطفل بجراح متوسطة في ساعده، وبعد أن اقترفوا جريمتهم تلك انتقلوا إلى البيت المجاور بيت آل "السعدوني" حيث كان أربعة إخوة، فأمروهم بالوقوف ووجوههم إلى الجدار، ثم أطلقوا عليهم الرصاص فحصدوا أرواح ثلاثة منهم، وقفز الرابع فوق الجدار فأصابوه في قدمه، ولكنه تمكن من الفرار ليبقى شاهداً على المجزرة حتى يومنا هذا، وهو السيد "خميس السعدوني".
    لقد قتل الصهاينة في مذبحة (خان يونس) بدم بارد 525 فلسطينياً، جميعهم من المدنيين الأبرياء، ولقد تعفنت جثثهم في شوارع المخيم، وكان الأمر لا يطاق. فحسبنا الله ونعم الوكيل.

    الفقر الذي عاشه الفلسطينيون إحدى جرائم الاحتلال

    لقد كنا في وطننا نعيش حياة كريمة ميسورة؛ بيت جميل في (يبنا) لا زال قائماً حتى يومنا هذا وقد ولدت فيه، وبستاناً واسعاً يحيط بالبيت من كل جانب، ولكن الصهاينة الذين اغتصبوا الوطن وشردوا أهله وضعونا بين فكي الفقر يطحننا طحناً، مما اضطر أخي الذي يكبرني مباشرة إلى أن يترك دراسته ليتعلم حرفة يستطيع من خلالها الإنفاق علينا، وكان الوالد قد توفي عام 1962؛ ليصبح أخي رب الأسرة، ولكن دخله من هذه الحرفة وهي "الحلاقة" كان زهيداً جداً، فأخذ يرنو إلى الذهاب إلى السعودية وهو ابن العشرين من العمر عله يجد عملاً ينقذنا به من براثن الفقر، وفي عام 1964 عقد العزم على السفر، وفي هذا العام كنت أشق طريقي إلى الثانوية العامة؛ فخرجنا لوداعه بعد صلاة الفجر مباشرة نسير على أقدامنا متجهين إلى محطة القطار، وبينما نحن نسير إذا بالوالدة -رحمها الله- تقول لي: يا بني أعط حذاءك لأخيك؛ حتى لا يذهب إلى السعودية حافي القدمين، وأما أنت فسيرزقنا الله، ونتمكن من شراء حذاء لك قبل بداية العام الدراسي -الذي كان فعلاً على الأبواب-، وقد فعلت وأعطيت أخي الحذاء الذي كنت قد اشتريته من الأحذية المستخدمة بملاليم قلائل، وعدت إلى البيت حافياً.

    الاحتلال والضريبة المضافة

    لقد دمر الاحتلال في الضفة الغربية وقطاع غزة البنية التحتية للشعب الفلسطيني، وانصب اهتمام العدو على نهب ثروات هذا الشعب واستنزاف اقتصاده بالرغم من الضعف الشديد في البنية الاقتصادية للشعب الفلسطيني، ففضلاً عن أن مرتبات الموظفين الفلسطينيين في مختلف الوظائف لا تصل إلى ثلث مرتبات نظرائهم من اليهود مع أن الظروف المعيشية واحدة، إلا أن العدو الصهيوني كان يفرض ضرائب باهظة على الفلسطينيين، من بينها ضريبة الدخل، وكذلك الضريبة المضافة التي تصل إلى 18% من مجمل الدخل، ولقد لاحق العدو الصهيوني العديد من الأطباء عام 1981 بهدف استنزافهم ضريبياً، مما اضطررنا معه كقيادة منتخبة للجمعية الطبية العربية الفلسطينية والتي كانت بمثابة "نقابة الأطباء" إلى إعلان الإضراب العام عن العمل؛ فلا نستقبل إلا حالات الطوارئ، ولقد خضنا إضرابنا الطبي ضد الضريبة المضافة، ثم اتسع الإضراب ليشمل نقابة المحامين، وجمعية المهندسين، وبلدية (غزة)، وبلدية (خان يونس)، وباقي الجمعيات والبلديات، وتحول الأمر إلى انتفاضة شعبية استمرت لمدة ثلاثة أسابيع، وقد سقط فيها شهيدٌ واحد وعددٌ من الجرحى، ثم تحركت الضفة الغربية بإرسال الوفود وإصدار بيانات الدعم والتأييد، وكادت أن تتسع رقعة الإضراب لتشمل الضفة أيضا، ولكننا بعد ثلاثة أسابيع اضطررنا لوقف الإضراب بقرار ذاتي دون إلغاء الضريبة المضافة، وذلك رأفة بالوضع الصحي للشعب الفلسطيني، ولقد واصل الأطباء تحديهم من خلال قيامنا بجمع تواقيعاتهم على مذكرة يرفضون فيها دفع الضريبة المضافة، وأثناء الإضراب اتخذ العدوالصهيوني قراراً بفرض الإقامة الجبرية عليّ، مما حال بيني وبين ذهابي إلى مقر الجمعية الطبية في مدينة (غزة) لعدة أيام، وذلك لأنني كنت مقيماً في مدينة (خان يونس).
    وبعد فترة زمنية تصل إلى العام تقريباً بدأت ملاحقتي من قبل الصهاينة الذين يعملون في الضريبة المضافة، حيث استدعيت إلى مقر الضريبة وطلب مني دفع المستحقات فرفضت ذلك؛ فقاموا بعدها بمداهمة عيادتي الخاصة واستولوا على جميع محتوياتها، وأخذوا يساومونني على دفع الضريبة أو أنهم سيقومون ببيع العيادة في المزاد العلني، وكانت محتويات العيادة أغلى ثمنا من الضريبة المطلوبة، ولكني رفضت لمبدأ القضية، فرفض الضريبة في واقع الأمر يعتبر رفضاً للاحتلال، ولو تمرد الشعب الفلسطيني عن دفع الضريبة وطور الأمر إلى عصيان مدني؛ لضاق الاحتلال بذلك ذرعاً، ولقد حاول الصهاينة بعد ذلك الذهاب إلى بيتي لأخذ ما يمكن أخذه من ثلاجة وغسالة وتلفاز، ولقد حضروا إلي وقت دوامي في عيادتي الخاصة، حيث استمر عملي بها دون إعادة إعدادها بأجهزة وأثاث ذي قيمة، وطلبوا مني الذهاب إلى البيت فرفضت؛ لأنهم لم يكونوا على علم بعنوان البيت كرجال ضريبة، وقلت لهم متذرعاً: "لن أسمح بالذهاب إلى البيت حتى تحضروا إذناً من الشرطة بتفتيش البيت"، ولكنهم والحمد لله رفضوا، وكان هدفي إخلاء البيت من أجهزة منزلية يمكنهم أخذها، واقتادني الجند إلى سيارة خاصة بالضريبة بينما هم ساروا خلفها بسيارتهم العسكرية، وأخذوا يسألون عن بيتي في الأحياء الراقية في مدينة (خان يونس)، ولم يخطر ببالهم أنني أسكن في بيت متواضع في المخيم، وكانوا يطرقون أبواب البيوت ويسألون الناس عن بيتي فيقول لهم الناس: "لا نعرف أين يقع بيت الدكتور"، وبينما هم يبحثون في الشوارع استوقفوا شاباً كان يسير على قدميه في السابعة عشرة من عمره تقريبا، وهذا الشاب كان جاراً لي فسألوه أين منزل الدكتور الرنتيسي؟ فنظر الشاب فرآني معهم؛ فقال لهم: "لا أعرف المنزل"، فحاولوا إرهابه؛ إلا أنه أبي أن يدلهم على المنزل، وبعد ساعتين من البحث عن البيت تبادلنا خلالها الشتائم ذهبوا بي إلى الشرطة، وهناك احتجوا لدى مدبر الشرطة متهمين إياي بأنني أعطل عملهم، فقلت لمدير الشرطة هذا قول غير صحيح؛ لأنني طلبت منهم أن يحضروا إذناً من الشرطة فرفضوا، وسأل مدير الشرطة مسؤول الضريبة: هل طلب منك ذلك؟ فقال له: نعم، فلامه على عدم استجابته، وبينما نحن كذلك إذ همس في أذني شرطي فلسطيني من (خان يونس) قائلاً: "أن البيت قد تم تنظيفه"، وهنا قلت لمدير الشرطة: إذا أذنت لهم فلا مانع لدي من الذهاب إلى البيت، وفعلاً ذهبنا إلى البيت وعادوا بخفي حنين، ثم بيعت العيادة في المزاد العلني، وقدر الله -سبحانه- أن يشتري محتويات العيادة رجل فاضل وهو ابن الداعية والمحسن الكبير الحاج "صادق المزيني"، فلما علم أنها لي اتصل بي، ورد محتويات العيادة إلي، وأقسم أيماناً مغلظة ألا يأخذ المبلغ الذي دفعه للمزاد، وفعلاً لم يأخذ شيئاً رغم إلحاحي الشديد؛ فجزاه الله من كريم خيراً.
    ثم فوجئت باستدعائي للمحكمة العسكرية، وذلك بتهمة استنكافي عن دفع الضريبة المضافة، ولقد أكدت أمام القاضي العسكري رفضي دفع الضريبة المضافة لقوات الاحتلال، وطعنت في شرعية المحكمة، وبعد ثلاث جلسات حكم القاضي علي بدفع الضريبة بالإضافة إلى عقوبة تمثلت بدفع غرامة مالية خلال شهرين أو الاعتقال لمدة ستة أشهر بدلاً من الغرامة، وانقضت المدة الزمنية ولم أدفع الغرامة، وعندها قاموا باستدعائي إلى مركز الشرطة ومساومتي على أن أدفع مبلغاً رمزياً لكي لا أعتقل، وكانوا يخشون أن يحرض اعتقالي على التمرد على دفع الضريبة، فكان همهم كسر إرادتي ولو بتقليص المبلغ إلى شيء رمزي، ولكني رفضت مما اضطرهم إلى اعتقالي بعد إعطائي مهلتين إضافيتين للتفكير ولكن لم يتغير رأيي، ودخلت المعتقل وتعرفت هناك على شباب مسلم مجاهد قد شكلوا نواة لحركة إسلامية في معتقلات العدو، فالتقيت في غرفة رقم "6" قسم "ب" بالمجاهد (جبر عمار) والمجاهد (محمد نصار) وغيرهم من الإخوة الأفاضل، وبعد دخولي المعتقل حاولوا مراراً أن يثنوني عن موقفي لكي أغادر إلى البيت، ولكني رفضت، وقد سمحوا لوفود من الجمعية الطبية بزيارتي بهدف إقناعي بدفع المبلغ إلا أني أبيت ذلك، وفوجئت في اليوم التاسع بالإفراج عني، وعندما خرجت اكتشفت أن الجمعية الطبية قامت بدفع الغرامة المالية دون إذن مني.

    الاحتلال وكلية التمريض

    لقد عمل الصهاينة على إفساد مهنة التمريض في قطاع غزة، وكان ضابط ركن الصحة يحرص على تعيين مدراء أقسام التمريض ممن اشتهروا بأخلاقهم الهابطة إلا ما رحم الله، ولقد فكرنا في إنشاء كلية التمريض في الجامعة الإسلامية، وكنت والدكتور "محمود الزهار" من وراء هذه الفكرة، ولكن الأمر لم يرق لليهود الذين لا يريدون أن ينهض التمريض نهضة أخلاقية قيمية، فبدأت المعركة التي استمرت خمسة وأربعين يوماً، بدأت باستدعائنا من قبل مكتب الحاكم العسكري الصهيوني كل في مدينته، فبينما كنت أقيم في (خان يونس) كان الدكتور (الزهار) يقيم في مدينة "غزة" ليطلبوا منا عدم فتح هذه الكلية، وعندما قوبل هذا الطلب بالرفض القاطع، أرسل العدو الصهيوني قوة عسكرية لتحاصر عيادتي الخاصة في (خان يونس) وكذلك عيادة الدكتور (الزهار) في (غزة)، ويستمر الحصار طوال ساعات العمل، وأثناء الحصار كانوا يرهبون المرضى ويطالبونهم بإظهار البطاقات الشخصية، ومن لم يكن حاملاً بطاقته الشخصية كالنساء مثلاً؛ يردونه ويمنعونه من دخول العيادة، وبما أنني طبيب أطفال فمعظم الحضور كانوا من النساء بأطفالهن، فكانوا يردونهن وأطفالهن رغم أن عدداً كبيراً منهن كان يأتي من مدن أخرى كمدينة (رفح) مثلاً، أو من قرى بعيدة نسبياً عن (خان يونس)، وعند نهاية الدوام في العيادة كنت أركب سيارتي عائداً إلى المنزل؛ فتقوم القوة العسكرية المحمولة بسيارة عسكرية ناقلة للجنود بمتابعتي حتى أصل البيت، ورغم أنني كنت أشعر بضيق لا يعلمه إلا الله؛ إلا أنني والدكتور (الزهار) لم نستسلم، وبعد حوالي الشهر من هذه المضايقات اليومية استدعيت من قبل الحاكم العسكري الذي قال لي بأن هذه المضايقات لن تتوقف إلى أن تغلق كلية التمريض، فقلت له بأنني لا أريدها أن تتوقف، فيكفيني أن الناس وهم يرون ما تفعلون بي يرفعون أكفهم قائلين اللهم انصر الدكتور عليهم، وبعد قولي هذا توقفوا لمدة ثلاثة أيام شعرت خلالها أن كابوساً قد أزيح عن صدري، ولكنهم عادوا ثانية إلى ما كانوا يقومون به من مضايقات؛ فكانت عودتهم أشد هماً وكرباً إلا أننا صبرنا حتى فشلوا في حملتهم وانتهت دون أن يحققوا هدفهم، ولا زالت كلية التمريض قائمة حتى يومنا هذا والحمد في ذلك لله وحده.
    ومن عجائب القدر أن ضابطاً يهودياً كان يعمل في شرطة (خان يونس) قد مرضت ابنته، وعالجها داخل الكيان الصهيوني ولكن لم يُكتب لها الشفاء، فنصحه ضباط الشرطة الفلسطينيون الذين يعملون معه أن يذهب بها لعيادتي الخاصة قائلين له ليس لهذا الأمر إلا الدكتور "الرنتيسي"، وعندما وصلت إلى مدخل عيادتي في ذلك اليوم رأيت ضابطاً صهيونياً شرطياً يقف على قارعة الرصيف المقابل للعيادة، فقلت في نفسي ربما تريد الشرطة الصهيونية أن تنضم إلى عملية الحصار التي يقوم بها الجنود، خاصة أنه كان يقف وحده أي لم تكن معه طفلته، ولكن بعد قليل دخل العيادة موظف مسؤول في دائرة إصدار البطاقات الشخصية في الداخلية وهو فلسطيني من عائلة كبيرة في (خان يونس)، وأخبرني أن في الخارج ضابط شرطة صهيوني ابنته مريضة، ولقد عالجها لدى أطباء صهاينة ولكن عبثاً، فقلت له ألم تر كيف يحاصر الجنود العيادة ويحرمون أطفال المسلمين من العلاج؟ فكيف أعالج أطفالهم في الوقت الذي يحرمون فيه أطفالنا من العلاج؟! ورفضت بشدة، وألح علي إلا أنني أبيت، فخرج ولكن لم يكن راضياً، وبعد حوالي نصف الساعة جاءني ضابط فلسطيني يعمل في الشرطة وهو رجل دمث الخلق ومواظب على الصلاة في المسجد الذي أصلي فيه، وطلب مني أن أعالج الطفلة فرفضت؛ فألح علي فأبيت، فأقسم ألا يخرج من العيادة حتى أعالجها، فلم أستطع المقاومة، وقلت له اذهب فأحضرها ولا تحضر والدها معها، وقدر الله أن يكتب لها الشفاء في أقل من 24 ساعة والحمد لله، وبعد خمسة وأربعين يوما توقف الجند عن الحصار فجأة، وانتصرت الإرادة وانكشفت الغمة وبقيت كلية التمريض والحمد في ذلك لله وحده.

    الاعتقال الأول

    كنت أحد قياديي حركة الإخوان المسلمين السبعة في (قطاع غزة) عندما حدثت "حادثة المقطورة"، تلك الحادثة التي صدمت فيها مقطورة صهيونية سيارة لعمال فلسطينيين فقتلت وأصابت جميع من في السيارة، واعتبرت هذه الحادثة بأنها عمل متعمد بهدف القتل مما أثار الشارع الفلسطيني، خاصة أن الحادثة جاءت بعد سلسلة من الاستفزازات الصهيونية التي استهدفت كرامة الشباب الفلسطيني، خاصة طلاب الجامعات الذين كانوا دائماً في حالة من الاستنفار والمواجهة شبه اليومية مع قوات الاحتلال، وقد خرجت على إثر حادثة السير المتعمدة هذه مسيرة عفوية غاضبة في (جباليا) أدت إلى سقوط شهيد وعدد من الجرحى، فاجتمعنا نحن قادة (الإخوان المسلمين) في قطاع غزة على إثر ذلك، وتدارسنا الأمر واتخذنا قراراً هاماً يقضي بإشعال انتفاضة في قطاع غزة ضد الاحتلال الصهيوني، وتم اتخاذ ذلك القرار التاريخي في ليلة التاسع من ديسمبر 1987، وقررنا الإعلان عن "حركة المقاومة الإسلامية " كعنوان للعمل الانتفاضي الذي يمثل الحركة الإسلامية في فلسطين، وصدر البيان الأول موقعا بـ "ح.م.س." هذا البيان التاريخي الذي أعلن بداية انتفاضة سيكتب لها أن تغير وجه التاريخ بإذن الله، وبدأنا الانتفاضة انطلاقاً من المساجد، واستجاب الناس، وبدأ الشعب الفلسطيني مرحلة من أفضل مراحل جهاده، ولقد كنت مقيماً في مخيم "خان يونس" في ذلك الوقت.
    وفجأة بعد منتصف ليلة الجمعة الخامس عشر من يناير 1988 -أي بعد 37 يوماً من اندلاع الانتفاضة- إذا بقوات كبيرة جداً من جنود الاحتلال تحاصر البيت، بعض الجنود تسوروا جدران فناء البيت، بينما عدد آخر منهم أخذوا يحطمون الباب الخارجي بعنف شديد، محدثين أصواتا فزع بسببها أطفالي الصغار، وقد كانوا في غرفة مجاورة لغرفتي، فنهضت على الفور من الفراش، وخرجت من غرفة النوم لأتترس ببابها كي أمنع الجند من الدخول إلى الغرفة، ولما حاول ثلاثة من الجنود اقتحام الغرفة عنوة وحاولوا الاعتداء علي لإبعادي عن بابها دخلت معهم في اشتباك بالأيدي جرح على أثره أحد الجنود، وهنا ارتفع صوت الضابط وهو يأمرهم بالابتعاد عن الغرفة والإقلاع عن الاشتباك، ثم طلب مني ارتداء ملابسي ففعلت، وخرجت معهم فعصبوا عيني وكبلوا يدي من الخلف بعنف شديد تورمت على أثره يداي، وفقدت الإحساس في أجزاء من يدي لمدة زمنية طويلة، وكان ضابط الأمن الصهيوني الملقب بـ(أبي رامي) -وهو اسم أمني حركي- يعاني من جنون العظمة، فبعد اعتقالي تناقل الناس فيما بينهم أنني ضربت "أبا رامي" ضرباً مبرحاً؛ فكان يتحرك في الشارع برفقة جنوده المدججين بالسلاح ويقول للناس: انظروا إليَّ؛ فأين آثار الضرب وأنتم تزعمون بأن الدكتور قد ضربني؟.
    والواقع أنه كان بعيداً عندما اشتبكت مع الجنود، ولم يشارك في العراك!.

    كرامات في المعتقل

    كنا في المعتقل الصحراوي في النقب وذلك عام 1988، وكنا في فصل الصيف حيث الحرارة الشديدة، وفي آخر ليلة من رمضان استيقظنا لتناول السحور فإذا بالحرارة لا تطاق، وشعرنا بأننا أمام يوم صعب، وانتظمنا في صلاة الفجر، وصلى بنا إماماً طالبٌ من طلاب الجامعة الإسلامية، وقد حباه الله سبحانه صوتاً نديا في تلاوة القرآن، وبعد القيام من ركوع الركعة الثانية رفع إمامنا أكف الضراعة باكياً يدعو الله ونحن نؤمّن من خلفه، وألهمه الله فقال في دعائه: "اللهم سق إلينا الغمام، واسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين"، وألح في الدعاء وكان الواحد منا يقول في نفسه: "ومن أين سيأتي الغمام في يوم من أيام الصيف كهذا اليوم، وفي مكان صحراوي كصحراء النقب؟!"، وتنفس الصباح، واشتعلت الأرض، إن دخلنا الخيام فكأنها حمامات شمسية، وإن خرجنا من الخيام شعرنا كأن جهنم تحيط بنا من كل جانب، وما هي إلا لحظات بعد ارتفاع الشمس قليلاً؛ فإذا بغيمة تتهادى من بعيد لتستقر فوق المعتقل مظللة جزءًا من خيام المعتقلين فلم نصدق عيوننا، ثم تبعتها أخرى، ثم جاء الغيم تباعاً حتى ظلل المعتقل كاملاً ومساحة حوله، فكنا نشاهد على الأرض حدود ظلال الغيوم من حولنا وبعدها تبدو أمام ناظرينا شمس تلفح سطح الأرض، ثم تساقط المطر، وتساقطت معه دموع المعتقلين الذين اعتبروا ذلك آية ورحمة من الله سبحانه!، وخرجنا على الفور من الخيام وأخذت أدعو الله ويؤمّن المعتقلون من خلفي، ثم تناوب الأخوة الدعاء والحمد والتسبيح، تغمرنا فرحة استجابة الله لدعائنا في صلاة الفجر.

    http://www.islamtoday.net/articles/show_articles_content.cfm?catid=40&artid=2596
    ---------------------------------------
    * عضو القيادة السياسية لحركة حماس
     

مشاركة هذه الصفحة