العراق آمال .... الطريق إلى القدس!! [تقرير ميداني مهم] عفواً على الإطاله

الكاتب : الشنيني   المشاهدات : 480   الردود : 1    ‏2003-07-16
      مشاركة رقم : 1    ‏2003-07-16
  1. الشنيني

    الشنيني عضو متميّز

    التسجيل :
    ‏2002-10-05
    المشاركات:
    1,004
    الإعجاب :
    0
    العراق آمال .... الطريق إلى القدس!! [تقرير ميداني مهم]
    الحمد لله رب العالمين الذي هدانا لهذا الدين القويم ، وصلى الله علي سيد الأنبياء والمرسلين نبينا محمد الذي بعثه الله يهذا النور ، ففتح به وبأصحابه رضوان الله عليهم ؛ الاصقاع والبلاد ، وانتشر نور الله على وجه الأرض فأحالها واحاتٍ وجناتٍ ؛ يرتع فيها وينشدها كل عاقل في هذه كل المعمورة ؛ فصلوات ربّه وسلامه عليه وعلى أصحابه وآل بيته الطاهرين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين ؛ أما بعد :

    فهذه بعض كلمات ومواقف اسجلها إبان زيارتين زرتها للعراق في الفترة الأخيرة ، وامتدت هاتين الزيارتين من الأيام الأخيرة في الحرب إلى شهر ربيع الثاني ، واجتهدت في أثناء زيارتي للذهاب إلى كل مكان يمكنني الذهاب إليه ، من الشوارع والطرق والاسواق والمنتديات العامة والأندية والمراكز الثقافية والمشائخ والعلماء وطلاب العلم والمثقفين وأساتذة الجامعة والمراكز الإعلامية والمنتديات التي تهتم بالمرأة ، كما أني لم اقتصر في زيارتي فقط على نخب فكرية دون الأخرى ، بل إجتهدت أن أجلس مع الجميع حتى أني تجرأت وجلست مع بعض الشيوعيين والذين يطنطنون كثيراً ولا قيمة لهم كبيرة في أرض الواقع ، اللهم إلا إذا اعتبرنا حزب جلال طالباني منهم وعندها يكون هو أقوى الاحزاب الشيوعية إذا نسبناه إلى الشيوعية ؛ وسيأتي تفصيل ذلك فيما سيأتي إنشاء الله . وأجتهدت ان ادخل البيوتات العراقية وآكل من طعامهم وأجلس مع ابنائهم حتى اعرف كيف يفكر هذا الإنسان العراقي ؟! ، وهذا اشبه مايكون بالمسح الميداني أو المسح [ الديموغرافي ] المبسط ؛ ومع ذلك فإني اعترف أنني لا يمكن لي ولا لغيري في فترات لاتتجاوز الأسابيع أن يعرف نفسية وعقلية وتركيبة هذا المجتمع العراقي العريق . وكل ماذكر قابل للأخذ والعطاء ولعلها تكون ورقة عمل يضاف إليها أوراق أخرى ينتفع بها إن شاء الله .

    أولاً : نفسية الإنسان العراقي .

    لاشك أن العراق بلد تجتمع فيه حضارات العالم كله فهو يكاد يكون الأول في العالم كله إذا استثنينا مصر ؛ من ناحية عمق حضارته الإنسانية مابين حضارة آشورية وكلدانية وبابلية وكل هذه الحضارات جاء الإسلام فانتظمها وجعلها في عقدٍ جميل أشرق ضياءه وبث نوره على العالم كله .
    والعراقي تتنازعه نفسيات عدة ؛ فأولها : أن العمق الحضاري المذكور ارتبط واختلط في جيناته ؛ ففيه مزيج من العزة والثقة بهذه الهوية ، وتتأكد هذه الهوية عندما يتقلب ذات اليمين فيرى دجلة شاهدة على تأريخه الثقافي الكبير ، ويتقلب ذات اليسار فينظر الفرات يسجل تاريخ السالفين الغابرين من ابطال الأمم عامة ومن ابطال هذه الأمة خاصة ، إن الماشي في بغداد يرى مقبرة معروف الكرخي ، فتذكره بالزهدِ والمحافل الإيمانية ودموع الليل الطويل الذي امضاه هؤلاء الزهاد ، وإذا مشى قليلاً تذكر مقبرة حرب وأبناء هذه القبيلة البارة الذين ملئوا بغداد وماحولها علماً وعلى رأسهم الإمام : إبراهيم الحربي رحمه الله . وإذا نظر في الأعظمية نظر إمامها الأوحد الإمام ابا حنيفة ، وكذلك إذا قلب النظر رأى امام السنة احمد بن حنبل ووجد كثيراً هنا وهناك وأمثالهم من العلماء ، وفي بغداد اجتمع سفيان والحمّادان وابن المبارك ، وخرج الرشيد غازياً مرة وحاجاً مرة أخرى ، هذا التاريخ العريق يمزج هوية العراقي بعزة وانطلاقة لاتكاد تجدها في غيره إلا قليلاً ، يضاف إلىهذا كله ذكاء فطري طبيعي متميز عند معاشر العراقيين ابناء الرافدين ، وهذاالذكاء تفجر حتى عُرف في أوروبا وكندا وامريكا واستراليا وغيرها ، فهم معروفون بذكائهم الفطري الذي فاقوا به غيرهم . هذا الجزء هو المُشرق من نفسية الإنسان العراقي ؛ ومع ذلك فالعراقيون على مدار تاريخهم كانوا محطة تمر بهم الثقافات والدول ، فمرةً تغزوهم فارس ، ومرة يضطهدهم ملوك الخطا والتتر ؛ ومرة يحاربون بني إسرائيل ، وثالثة أخرى تؤثر فيهم الدولة الصفوية ، ولا تحسن قيادتهم الدولة الإسلامية في الخلافة العثمانية ، ثم تكون فتنة هاهنا وهاهناك خاصة في جنوب العراق في منطقة الكوفة ؛ والتي هي المقصودة بكلامِ السلف الاول عن العراق ، وكلام الحجاج الذي ضرّه قبل أن يضرّ أهل العراق فهذه هي مدينة الكوفة ؛ والتي انتهت كمدينة ، وبقيت كبدع ترفع عقيرتها هنا وهناك وتبقى ظلالها السوداء تدنس جمال العراق وبهاءه ، وتفسد بإفسادها بيئة العراق خاصة الجنوب منه ، على كل حال العراق عبارة عن مجموعة من التاريخ المتلاطم فقد مر به كثير من الفتن وانتهى بهذا الكبت الذي جثم على صدر العراق لمدة نصف قرن تقريباً منذ بداية الثورات المتتالية من ايام عبدالكريم قاسم ومابعده ؛ والذي يستحضر خروج هذه الثورات وثقافة السحل والقتل والسحق الذي تبنته يعرف انها لن تنتج إلا إنسانا مكبوتاً جريحاً ثائراً على هذا الواقع ، فالإنسان العراقي خرج من هذا الكبت الآن وهو يحمل مشاعر العزة بتاريخه القديم ، الممزوجة بكبتٍ وقهر من تاريخه المعاصر ، ولاإخالك أخي القاريء تتخيل هذا الصراع النفسي العجيب الذي لن يفرغه هذا العراقي إلا في هؤلاء العلوج الذين جاؤا بشبابهم الغرّ من مراهقي ' الكيجون فوود' و ' الهارد روك ' ، وهم لا يعرفون ما العراق وماثروته وماتأريخه وماحضارته . هذه نظرة سريعة في نفسية العراقي ؛ أريد أن اخرج منها بخلاصة فأقول : إن العراقي سيثور ثورة عارمة على هؤلاء المحتلين ولكن هذه الثورة لن تؤتي أكلها إلا إذا اشتد عودها واستوى ساقها وأعجب الزراع نباتها ؛ عندها ستكون ثورة حقٍ على كل باطل ، وستكون بركاناً تفجر كل خوفٍ في أمتنا الإسلامية ، وستكون بإذن الله ارض العراق هي المحطة الأولى في انطلاقتنا إلى قدسنا الحبيب الغالي .

    ثانياً : الوضع الإجتماعي والصحي والديموغرافي في العراق :

    كان عام 1970 معلماً بارزاً في مسيرة التنمية العراقية ، فمع كل سيئات النظام البعثي إلا أنه والحق يقال ؛ أنه استطاع أن يخرج بالبترول والطاقة في العراق من تحت ربقة الإستعمار الغربي وإن كان ذلك كلفه أن يقدم تنازلات معروفة إلى المعسكر الشرقي ، إلا أن استقلال الطاقة العراقية أدى إلى نوع من التنمية لايمكن نكرانه البتة للمتأمل في مسيرة التنمية العراقية . ومقارنة بدول الخليج التي كانت تركز في تنميتها على الجانب العمراني البحت من حيث ترف المباني العمرانية والمنشئات والشوارع والطرق ، كان العراق يركز علىهذه الجوانب بشكل آخر وإن كان أقل ؛ إلا أنه ركز في جوانب تميّز بها بين جميع الدول العربية ، فلاتكاد تخلو جامعة من جامعات الموصل أو بغداد او غيرها من قسم متطور جداً في الكيمياء الحيوية أو علم الجينات أو التقنية الحيوية أو التخصصات الطبية الدقيقة ، وقد كانت اقسام الجامعة تحتوي على تقنيات لا تكاد تجدها في أي مكان آخر في المنطقة العربية ولا في المنطقة الآسيوية والإفريقية عموماً ، بل إنه كما صرح عددٌ من أساتذة الجامعات كانت هذه التقنيات ربما لا تتوفر في بعض دول أوروبا ؛ والسبب أنهم كانوا يجمعون هذ التقنيات من عددٍ متعددٍ من مراكز البحث والتقنية في العالم ، وامتاز العراق انه كان يتعاون مع فرنسا بالإضاف إلى ألمانيا والمعسكر الشرقي ، وربما تعاون بطرق مختلفة مع المراكز العلمية الأمريكية خاصة قبل أن يتأزم الوضع في عام 1990م مع الولايات المتحدة ؛ نتج عن ذلك تطور البحث العلمي وانتشارٌ للطاقات العقلية العراقية في نواحي البحث والتقنية ، وللأسف الشديد فإننا نعرف نحن معاشر الأطباء والباحثين أن الغرب يحتوي على كثير من هذه العقول العراقية التي آتت ثمارا كثيرة للبلدان التي هاجرت إليها ، إذا أخذنا هذا في الحسبان لايمكن لمتأمل أن ينكر هذا النمو في التنمية خاصة أن التحدي الذي كان يعيشه صدام وحكومته أمام المد الفارسي كان يحتم عليه التطورالتقني والعلمي في مجالاتٍ شتى ، وبصرف النظر عن هذا كله فإن الإقتصاد العراقي يمكن قياسه بالقدرة الشرائية للدينار ؛ حيث كان الدينار قبل عام 1991م يعادل 3 دولارات تقريباً ، وكانت القوة الشرائية له متميزة وكانت السلع متوفرة بشكل جيد ، والحق يقال إن أكبر كارثة في تأريخ العراق في القرن الماضي وبداية هذا القرن هو الحصار الإقتصادي الذي أصاب العراق على مدى اثنتي عشرة سنة ؛ وهذه النقطة وهي قضية الحصار وأثره هي نقطة اجماع بين جميع الباحثين في القضية العراقية ؛ بأن الحصار دمّر أكثر مما دمرته الحرب الإيرانية وحرب الخليج الثانية ومادمرته الحرب الأخيرة إذا نظرنا إلى كلٍ منها بشكل منفرد ، بل إن عدداً من الباحثين يرون أن الحصار أثّر في مسيرة التنمية على المدى البعيد أكثر مما دمرته جميع هذه الحروب مجتمعة ، وفيما يلي بعض المقاييس والمعايير التي تأثرت بالحصار والحروب عموماً .
    من المتناقضات العجيبة أن العراق بلد الرافدين تعاني من نقص شديد في المياة الصحية ، فعلى سبيل المثال : فلا يتوفر الماء إلا لـ 85 % من سكان العراق والذي يحتوي على نهرين من أكبر الأنهار في العالم ؛ أما الماء الصالح للشرب فلا يزيد على 79 % و يتوفر بشكل أكبر في المدن حيث تكون نسبة المياه الصالحة للشرب 93 % [ من المياه المتوفرة والتي هي 85 % ] ، أما في مناطق الأرياف فلايزيد عن 31 % للماء الذي يصلح للشرب
    أما مايخص الكهرباء في الجانب الآخر فنجد أن الكهرباء تنقطع بين الفينة والأخرى وهذا يؤثر على المعامل والمدارس والجامعات ومراكزالأبحاث والمستشفيات ومخازن الأدوية ؛ وهذه القضية كانت تتأزم أوقات الحروب وتقل فيما دون ذلك ، وتزداد الحاجة إليها ايضا في المناطق الريفية .
    من المؤشرات الخطيرة لأي تنمية مايسمى [ معدل وفيات الأطفال ] فهذا الشعب الذي يبلغ تعداده 23 مليوناً ؛ نجد أنه شعب ولود ؛ فقرابة أربعة ملايين من هذا الشعب هم من دون الخامسة ، ومايقارب النصف منهم دون الثامنة عشر ، ومع ذلك إن معدل وفيات الأطفال يتجاوز المائة ويصل أحياناً إلى مئة وخمسة لكل ألف حالة ولادة ، أما بالنسبة للوفيات لأطفال دون الخامسة من العمر فتبلغ 130حالة وفاة لكل الف ولادة ؛ هذا يعتبر مؤشرخطير على مستوى العالم كله فإنك لا تكاد تجد افقر الدول تصل إلى هذا المستوى، وتتبين خطورة هذا الموضوع إذا قارنّا هذا بما يحصل في اليابان حيث لا يتجاوزهذا المعدل 2 لكل ألف مولود ، وبمايحدث في السويد حيث لايتجاوز 3 لكل ألف حالة ولادة ، أما في الدول العربية فلايتجاوز 40% في غالب هذه الدول وكذلك الدول الآسيوية الإفريقية ، ويعاني كثير من الأطفال من غياب [Expanded program of immunization ] التطعيمات الأساسية بما يسمى [ النظام الموسع للتلقيح أو التطعيم ] والذي يحتوي على لقاح الدرن وشلل الأطفال والدفتيريا والتيتنوس والحصبة وغيرها؛ هذه كلها تعاني من نقص شديد بسبب الحصار الإقتصادي . كما أن معدل الأطفال الذين يصابون بنقص التغذية يتجاوز الخُمس ، وحسب تقارير منظمات الصحة العاليمة واليونيسيف وغيرها فإن كثيرا من هذه الأرقام كانت تزداد من عام 1991م وبلغت إلى حد كارثي حيث أصيب مليون طفل بحالات نقص غذائي مزمن [ chronic malnnutrition ] ، وكما قدمنا أن هناك خمسة ملايين عراقي في عمر الزهور اقل من خمس سنوات فعندها يكون خُمس اطفال العراق مصابون بأمراض نقص الغذاء الحاد ولقد كان اكبر الأسباب لهذه الوفيات وهذه الأمراض هو الإسهال وأمراض الجهاز التنفسي حيث أنهما كانا سببا لوفاة 70% من الأطفال ، وهذان المرضان كلاهما قابلان للعلاج بأرخص الأثمان وأسهل الطرق في الدول الأخرى في العالم .
    ولقد كانت حالات الإسهال لاتزيد عن أربع مرات في العام لكل طفل في العراق قبل عام 1990م وزاد هذا الرقم ليصل إلى 15 مرة في عام 96 ؛ وكذلك زادت حالات التيفود وهي حالات إسهال حادة او مزمنه من [ 2240 ] حالة في تلكمُ الاعوام إلى [ 27000] في عام 1996م وكانت هذه الأرقام ومازالت في إزدياد ، وسنبين أن هذا كله ازداد بعد الحرب الاخيرة والتي جاءت على أناس منهكين اجتماعياً وصحياً.
    أدى غياب الخدمات المدنية العامة وتكاثر الأمراض إلى غياب التعليم في سن أقل من 12 سنة إلى قرابة 31% من البنات و 18% من الأولاد ، أي أن مايعادل الربع من الأطفال الذين تقل أعمارهم عن 12 سنة لايدخلون المدرسة ولايتعلمون القراءة والكتابة ، وأدى هذا تباعاً إلىذهاب هؤلاء الأطفال إلى العمل في سن مبكرةفحدث مايسميه الغربيون بإستغلال الأطفال في أعمال شاقة ؛ وهو مايسمى بـ'child Abuse ' وهذاكله أدى إلىخروج جيل من الشباب في عام2003م [ وهو عام الحرب الحالية ] ؛ وهم : جاهلون ؛ وهم مقهورون ؛ وهم مستبدٌ بهم ؛ وهم يتألمون ؛ وهم منهكون ؛ هم بإختصار ربما يكون كثيرٌ منهم يائساً من حياة كريمة وهذا هو الجيل الذي سيواجه إمريكا وهو يحمل مشاعر الغيظ والحنق والحقد ، ومالم يتعامل هذا العَالَمُ الظالمُ الغاشمُ مع هذا الجيل بالشكل اللائق والسريع فسيكونون قنبلة موقوتة تنفجر أمام كل من يقف أمامهم .

    بإختصار شديد يمكن القول : أن الحصار اثّر على البنى التحتية من شبكات كهربائية وشبكات التصريف الصحي والمجاري ،وتنقية مياة الأمطار والإستفادة من مياه نهري دجلة والفرات ، وتنقية مياه المجاري ، وانتاج الطاقة الكهربائية من الأنهار والغاز الطبيعي والإستفادة من الطاقةالشمسية ؛ ومن الطاقات الزراعيةالموجوة في العراق وفي الأراضي الزراعية الخصبة، وقّلل من إمكانية شبكات الري الزراعي ، وقلل أيضاً من صيانة الطرق التي تنقل فيها البضائع من مدينة لأخرى وينتقل فيها الفلاح ببضاعته ، وزهد الناس في العمل ؛ فقد كانت الحكومة تتعامل ببرنامج النفط مقابل الغذاء ، ثم النفط مقابل الغذاء والدواء ؛ فكانت الحكومة تموّل البيوت بالدقيق والسكر والشاي والأرز وعددٍ آخر قليل من الحاجيات الأساسية ؛ أدّى ذلك كله إلى بطالة مقننة و عامة في الشعب العراقي وأدى إلى وقوفٍ تامٍ للتنمية ووصلت نسبة البطالة إلى مايزيد عن 50 % ، ولقد دخلتُ بغداد وكنت أتوقع أن أرى مدينة جميلة لأنها تحتوي على كل مايمكن أن يتخيله الإنسان من طاقات بشرية وموارد طبيعية؛ إلا أنني شبهت دخولي إليها بدخولي إلى مدن الإتحاد السوفيتي إبان سقوطها عام 1992م ؛ كنت قد رأيت تلك المدن وقد وصلت إلىعملقة حضارية لايستهان بها إلا أن هذا العملاق توقف نموه فجأه !! ، والذين يحيطون به ممن كانوا متأخرين عنه لحقوا به وتجاوزوه ! وهذا يمكن أن يكون أقرب تشبيه للواقع في العراق ، بإختصار هذا البلد بلد منهك و مصابٌ بآلام نفسية واجتماعية وبيئية وصحية مختلفة .

    دعوني أيها الأخوة أنقلكم إلى تقرير نشرته مجلة [ لوس انجلس تايم] في 16 مارس 2003م حيث تقول [ كارول بوجردت ]: أن الإمريكيين يذكرون حربا خالية من الدماء في عام 1991 م لكنها في الحقيقة كانت حرباً خالية من الدماء الإمريكية !! لكنها قتلت 3000 عراقياً بشكل مباشر نتيجة للهجمات الصاروخية والقصف الذي طال المدن والقرى العراقية ، وتقول أيضاً [ إن كثيراً من الإمريكيين يظنون أن الحرب إذا بدأت إنهم سيكونون أكثر عرضة للعمليات الإرهابية ؛ لكنهم في الحقيقة مهما تعرضوا للإرهاب فلن يكونوا بمستوى والخطورة والمعاناة التي يعيشها العراقيون في بلادهم ...كما تقول هذه المرأة العادلة في طرحها هذا تقول : [ إن سياسة الصعقة والصدمة ' shock and owe ' التي تبنتها وزارة الدفاع _ وهذا الكلام كان قبل الحرب بأيام _ إن هذه السياسة ألقت جانباً الإصابات التي يمكن أن تنتج عن هذه الهجمة العسكرية الشرسة ولم تلقِ بالاً لأي مدنيٍ في العراق ] وتذكر أيضا .. [ أن قرابة 110,000] إنسان عراقي قد ماتوا نتيجة الحرب في عام 1991 ونتيجة غياب الكهرباء وغياب البنى التحتية ] وهذا بالطبع رقمٌ متحفظ من هذه الكاتبة كما قد اشرت سابقا نقلا عن التقارير الصحية العالمية .
    وذكرت الكاتبة أن قرابة مليون عراقي أصبحوا مشردين عن ديارهم ولم يجدوا العناية العالمية التي يستحقونها من جيرانهم ومن المنظمات الإنسانية المختلفة .

    وبعد الكلام عن التاريخ دعونا نتحدث عن جغرافية وتوزيع الأمراض الآن في العراق ، العراق الآن يعاني من نقص شديد في الكهرباء لقد كان معدل الإستهلاك الكهربائي قبل الحرب الأخيرة 1000 واط لكل ساعة للفرد مقارنة بما يقارب 20000 [ عشرون الف ] واط للإمريكي في الساعة ، وهذا في حال إستمرار الكهرباء ،والكهرباء إلى قبل أربعة أيام من تأريخ كتابة هذا التقرير كانت تتقطع بشكل مستمر في أكثر الأحياء في بغداد فضلا عن غيرها من المدن الأصغر الأقل أهمية ؛ أما مايخص الماء فيعتبر كارثة بمعنى الكلمة ، ولقد انتشرت حالة الكوليرا بكثيرة ومما زاد الطين بلة أن بعض المغفلين قد جاؤا إلى بعض المختبرات والمعامل النووية وافرغوا بعض محتوياتها في الأنهارفأدى إلى كارثة بيئية في أنهار دجلة والفرات كما أشارت إلى ذلك عدة تقارير رسمية واعلامية .
    يضاف إلى هذا التلوث البيئي الناتج عن هذه القاذورات ما دفن في العراق عام 91 وما يدفن الآن من بقايا قطع عسكرية استخدمت كقنابل ونتج عن ذلك تلوث لهذه المياه ؛ كل هذا نتج عنه فساد المياه ؛ إضافة الى استخدامات غير صحية لمصادر المياة مما يلوثها خاصة مع غياب الصرف الصحي وزيادة القمائم والنفايات وهذا يهدد بكارثة مرضية للأمراض التي تنتقل عن طريق المياه مثل [ الكوليرا ، والتيوفود ، والإيسينيا ، والإيشريشيا؛ وأمراض الدوزينتاريا ، وامراض الشقلا .. ] و غيرها من الامراض التي قد تشكل كوارث صحية كبيرة خاصة في الأطفال الصغار .
    هناك حالات مرضية حادة بسبب الإصابات المباشرة في الحرب ، وغياب الدواء ؛ مثل ادوية المضادات الحيوية وغيرها .. وأدى إلى وجود أخماج وإلى بتر ووفيات بعشرات الألوف ..
    وفي هذه الأيام يومياً يصاب قرابة [ 5 إلى 10] أطفال في مستشفيات بغداد المختلفة نتيجة للقنابل العنقودية الملقاه هنا وهناك ، والتي تاخذ صورة وألوان جميلة ؛ فيأتي الأطفال يعبثون فيها فتنفجر فيهم فحصلت لبعض الأطفال حالات بتر في عدة مشافي ، ايضاً هناك حالات حروق شديدة ؛ وقد توفي عدد من المرضى امام عيني عندما رفض الجنود الإمريكيين توفير الحماية لنا لنقلهم وعندما تخاذل كثير بل كل العالم الإسلامي تقريبا بإستثناء ماليزيا في نقل هؤلاء المرضى ، ولم تأتي طائرات الإخلاء الطبي إلا بعد مرور ثلاثة اسابيع تقريباً ؛ وعندما أتت هذه الطائرات لنقل المرضى لم تستطع أن تنقل إلا أعداداً بسيطة ومازال هناك كثيرون يعانون من المشاكل في مستشفيات العراق .
    هناك امراض حادة مثل الربو نتيجة لتلوث الهواء ، والإسهال كما قدمت وأمراض الأخماج في الأطفال الذين اصيبوا بنقص حاد في التغذية بشكل مزمن ، فأصيبوا الآن اصيبوا بأمراض حادة نتيجة هذه المشاكل كلها . هناك امراض مزمنة كالسكر والضغط والسرطان خاصة سرطان الغدة اللمفاوية وسرطان الدم ، ويموت عشرات من الأطفال شهريا بسبب غياب هذه الأدوية بسبب الحصار الجائر وبظروف الحرب الاخيرة . هناك ايضاً حالات نفسية كثيرة ؛ ولقد رأيت بعيني حالة انتحار لشاب عراقي أراد ان يقتل نفسه فبلع عدداً كبيراً من الحبوب فتركته وهو في حالة إغماء في العناية الفائقة ، ورأيت حالةأخرى لأخِ ضرب أخاه بسكين في فمه عندما ناقشه أراد أن يسكته وهذا يدل على الحالة المزرية التي وصلت إليها الحالة النفسية العراقية .
    هذا كله من الناحية المرضية البحتة ، فهناك غياب للبيئة الإدارية في المشافي وخلافات بين الإداراة الجديدة للمستشفى والإدراة السابقة ؛ وهناك غياب للنظام وللتموين وغياب للأدوية ، وغياب حاد جداً للتبريد بسبب غياب الكهرباء وهذا يؤدي إلىفساد الادوية ، وقد فسدت كل التطعيمات الموجودة في العراق التي تقدر قيمتها بعشرات الملايين من الدولارات ، كما فسدت أدوية تقدر ربما بعشرات الملايين من الدولارات أمام مسمع ومرأى من العالم ، ولقد شهدت نقاشات حادة مع الإمريكين من مسئولي الصحة في نهاية شهر نيسان إبريل الماضي ، وقمت انا شخصياً بمناقشة هذه القضايا مع الزبيدي المحافظ السابق والذي لم أجد منه إلا البسمات الصفراء ، ومع غيره من الجنرالات الإمريكين والذي لم أجد منهم أي تقدير لهذه القضية .
    إذا نظرنا للصحة بأنها الحالة المتكاملة اجتماعيا ونفسياً وروحياً ؛ فلا يمكن انكار غياب الأمن وانتشار الجريمة ؛ لا يمكن إنكار هذه القضية لأنها سبب من اسباب الصحة النفسية والعضوية ، وهذه ظاهرة بشكل يومي خاصة مع دخول بعض الحاقدين من المرتزقة من بعض دول الجوار والذين مازال الحقد المترف يعشعش في عقولهم ويخرب قلوبهم وإسلامهم ، فجاؤوا ينتقمون و يشعلون الحرائق ويثيرون البلابل والفتن ، هذا كله يهدد البنية الإجتماعية والصحية والإقتصادية للعراق الشقيق .

    فخلاصة أن الوضع الإجتماعي والصحي والإقتصادي هو وضع مزري جداً ، فهنا لابد من وقوف مع ثلاث وقفات :
    الوقفة الاولى : أن المنظمات الإنسانية الرسمية ؛ كمنظمة الصليب الأحمر والمنظمات الأخرى التابعة للأمم المتحدة ؛ لم يلمس لها أي دور ملموس في أثناء الحرب وقبل الحرب وبعد الحرب مباشرة ، وقد خرجت في نهاية شهر نيسان وعدت مرة أخرى ولم يأتي ولا حبة دواء واحدة لكثير من المستشفيات وإن قلت لكل المستشفيات لم أكن مخطئاً ؛ خاصة من الصليب الأحمر ، وهذه المنظمة تأريخها اسود في قضايا المسلمين ، ويمكن مراجعة الأدبيات التي كتبت في عام 1948 في فلسطين ، والأدبيات التي كتبت حول هذه المنظمة في إفريقيا وآسيا وتعاملها المتطرف مع المسلمين خاصة ، وعلى كل حال هم يجمعون عشرات الملايين من إمريكا وأوروبا من خلال موقعهم في الشبكة العنكبوتية ومع ذلك لا يقدمون إلا الفتات في الازمات الإنسانية التي تتعلق بالمسلمين ، وهنا دعوة عاجلة إلى الأطباء والعاملين الصحيين والإجتماعيين المسلمين لإقامة منظمة مستقلة تستغني عن هذه المنظمات الظالمة لنفسها والظالمة لنا معاشر المسلمين .
    الوقفة الثانية : أن الإعلام شارك في قضية التعتيم على المشكلة الإغاثية فقد غطى جزءاً منها لكنها كانت تغطية ضعيفة كمّاً وكيفاً ؛ ولقد قابلت كل القنوات العربية وكنت عندما اتكلم بالتفصيل عن تخاذل العالم العربي والإسلامي في الإغاثة العاجلة في العراق وإيجاد طائرات الإخلاء الطبي وإيجاد الأدوية بسرعة والضغط على إمريكا وتخاذل منظمة الصليب الأحمر وغيرها وجدت أن هذه القنوات الإعلامية توقفني وتوقف تعليقاتي في أثناء نشراتها الإخبارية أو في لقائاتها المختلفة ، ولقد كان يرى الذين حولي امام فندق فلسطين كيف يتقافز المخرج وهو يصيح [ stop,stop,stop ] للمراسل الذي احدثه ؛ وكانت هذه ظاهرة واضحة حتى إن بعض القنوات الشهيرة حاول جميع مراسلوها أن يقيموا لقاء طويلاً معي عن هذا الموضوع لكن محاولاتهم جميعها بائت بالفشل ؛ ولم اتمكن إلا من التطرق إلى مواضيع صحية أخرى تبعد عن هذه القضية . وهذامرة أخرى يؤكد غياب الإعلام الصادق المتجرد الذي تحكمه شريعة الغاب .
    الوقفة الثالثة : كثير من الذين كنت أكلمهم عن التبرعات إلى العراق يقولون : إن هذه الدولة غنية ولا تحتاج إلى تبرعات ، بل بعضهم قال لي : إن هذه دروشة أن أجمع المال لبلد الرافدين وبلد اغنى احتياطي بترول في العالم إلا أنني كنت ارد عليهم قائلاً : إن العراق اشبه ببدوي يقبع في خيمة لا أثاث له فيها ولا عدة ولا عتاد ؛ ويجلس بخيمته فوق أكبر بئر للنفط في العالم ، وكل من يمرون حوله فيستجديهم فيردون عليه أنت أغنى رجل في العالم لأنك تملك أكبر بئرٍ للنفط .



    رسائل إلى التجار :

    ألمي يشتد كلما سافرت إلى دولٍ إسلامية يحتاجون إلى موارد مالية تحرك ركود اقتصادهم ، وتسخر الطاقات البشرية الوافرة والرخيصة لديهم ؛ وتجار المسلمين يرددون : [ نخاف من التقلبات الإقتصادية ] ..
    وارد عليهم سائلاً : ياترى كيف تأسست ' جمهوريات الموز ' ؟؟ ولن أجيب على السؤال ؛ ولن أذكر ما المقصود بجمهوريات الموز فهم يعرفونها جيداً ، ويعرفون أن الشركات الإمريكية والغربية واليابانية جعلتها تستثمر في هذه الدول الفقيرة وربما غير المستقرة ، وكثير من صناعات التقنية الإمريكية واليابانية استفادت من العنصر البشري في هذه الدول بل إنني أعرف يقيناً كثيراً من البضائع وخاصة الملابس والأدوات المنزلية تصنع في تايلاند والهند وأمثالها ثم يكتب عليها' صنع في إمريكا ' !! وهذه حقيقة بينة ، دعوني من الكلام عن الإقتصاد فلست من رجالاته؛ لكنني أقولها بصدق إن تجار المسلمين _ بإستثناء نماذج قليلة _ قصّروا كثيرا في تنمية أمتهم لأنهم وبصراحة لا يحملون همّ الدين ونصر الأمة بنفس مستوى الخوف على المال ، ولذلك فإنهم لايدخلون فيما يعتبرونه مجازفة ؛ فإن بعض هؤلاء لو خسر عشرات الملايين هنا أو هناك فإن ذلك لن يؤثر على رصيده في الدنيا ، وستكون في رصيد حسناته عند الله لأنه يريد خدمة دينه وبني ملته وأمته المسكينة ، والتي خذلنا شعوبها فازدادت جهلاً وفقراً وتخلفاً ، يوم ذهبنا بأموانا وتجارتنا إلىأعدائنا فازدادوا غنىً ونمواً وعلماً وتطوراً، كل ذلك لأننا نحب ' البرود ' و ' جبال الألب ' و ' نهر السين ' أو ' الميسيسبي' وربما كان البعض مفتوناً بالعيون الزرقاء والشعر الأشقر .
    سادتي التجار أعلم أنكم اليوم تمتلئون حقداً على إمريكا لأنها قهرتنا جميعاً في أموالنا ومبادئنا وحضارتنا هذه بعض صور ' الإنتقام ' منها في العراق اكتبها لعلكم تهتموا بتحريرها بطريقة علمية أكثر :
    1- العقار ازداد إلى ثلاثة وأربعة اضعاف ؛ ويمكن الشراء الآن قبل أن يفوت الآوان ، وبالنسبة لغياب القانون وانظمة التسجيل هناك طرق مختلفة يمكن ضمان هذا الأمر إلى حدٍ كبير .
    2- الثروة الحيوانية هائلة ؛ ومنتجات اللحوم والحليب والقشدة والزبدة وغيرها من أفضل وأطيب المنتوجات ؛ ويمكن القيام بمشاريع انتاجية تغرق المناطق المجاورة بأسعار منافسة.
    3- المطابع عاطلٌ عمّالها ، وشراء المطابع سهل ميسور وقد يكون شراء مثل هذه المطابع انطلاقة لإعلام عربي [ أو أجنبي بالإنجليزي ] .
    4- هناك عاملون محررون وفنيون من أفضل الطاقات تأهيلاً وخبرات من القنوات العراقية والإذاعة لم يستغلهم إلا القليل . ويمكن توظيفهم والإستفادة منهم قبل أن يهاجروا .
    5- اساتذة الجامعات في أقسام الجينات والهندسة الوراثية [ والطاقة النووية !! ] يحتاجون إلى من يحتضنهم في مراكز بحثية أوتجارية .
    6- استغلال الغاز أو استغلال الأنهار في توليد الكهرباء مشاريع عديدة تحتاج إلى مبادرات .
    7-

    سادتي .. أنا لا أفهم كثيراً في المشاريع التجارية وتركت الأرقام لتكملوها ولتبادروا بتشجيع بعضكم بعضاً لتمويل العراق إلى إنطلاقة حضارية يتفيؤ الجميع ظلالها في عالمنا العربي ؛ ولعلها تكون منطلقاً لدحر تقنية وقوة ' الطفيل المزروع ' في جسمنا المسى بـ [ إسرائيل ] .

    ثالثاً : رسائل إلى العلماء والدعاة أرض الجزيرة المباركة

    سادتي ، مشائخي الكرام ، لم استطع وإلى ساعتي هذه أن أتخيل أن بلاد الحرمين التي خرج منها العلماء والأبطال والدعاة والمحسنون وجابوا أصقاع روسيا وسهول استراليا ، وولجوا إلى ادغال آسيا وأفريقيا واقاموا المراكز العالمية في أوروبا وإمريكا ، لا أتخيل أنه وإلى ساعتي هذه لم يدخل العراق داعيةٌ او مثقف [ فضلاً عن غيره ] !! إلا شخصٌ واحد هو كاتب هذه السطور ، وهذا ليس مبالغةٌ او رجم بالغيب ، بل إنني قد قابلت أكثر أو كل التيارات الإسلامية في بغداد في الزيارتين ومن هؤلاء رئيس الإخوان وقيادات المستقلين في الجامعات والعشائر وهيئة علماء العراق وبعضاً من رابطة علماء العراق وقيادات مايسمى بالتيار السلفي وعدداً من الكتاب والمؤرخين ؛ كل أولئك كنت اسألهم : هل مرّ بكم حجازيٌ ..؟ أو نجدي ..؟ أو أزدي .. أو ... ؟ فيجيبونني : بلا .. ! فازداد حسرة وهماً لعلمي بحاجة هؤلاء الماسّة لمن يتشاورون معه ؛ ولمن يشعرهم بحبنا لهم ؛ وأنا أعلم أن بعضهم أرسل رسلاً إلى بعض العلماء العاملين الربانيين هنا وهذا مع كونه نادراً إلا أنه لا يغني عن حاجتهم إلى زيارتنا . لقد رأيت كبار هؤلاء وهم يهتمون بكلامي ويخرجون الأوراق ليسجلوا نقاطاً وأفكارً يستفيدون بها ، قد تستغرب أخي الكريم من هذا ولكنه لا غرابة .. فهؤلاء كانوا متخفين ومحاربين وأعمالهم تحت رقابة صارمة وتتبع ظالمٍ غاشم ، فلذا هم فرحوا عندما خرجوا ' عمالقة ' من ' القمقم ' يسمعون فرحين لأي أخ ولأب ناصح خاصة وهم شعبٌ لطيف كريم بطبعه ، كنت احتقر نفسي وأسأل ياترى كيف لوكان معي من يساعدهم في وضع خططٍ استراتيجية ..؟! وكيف لو كان معي ممثلون عن المشاريع الكبيرة في بلادي في نواحي الإستثمار والأوقاف ومشاريع الخدمات الإجتماعية يقدمون لهم التجارب الناجحة والفاشلة ليستفيد بها هؤلاء ..؟ وكنت أرى اختلافاً في صف الحركات المتنافسة في العراق أخاف منه أي التناس _ أن يفرقهم ويمزقهم فأناصحهم بعفوية وسذاجة المؤمن فيستمعون ، كنت عندها اسأل كيف لو كان المتكلم عددٌ أكبر من الدعاة ..؟ بل كيف لو كان المتكلم مندوباً من هيئة كبار العلماء معه دعمٌ مادي ومعنوي وفقه يستقي منه ..؟ بل كيف لو كان المتحدث أحد الربانيين الذين قدموا من أنفسهم وحياتهم وجاهدوا لتبليغ دين الله من أمثال العلامة ناصر العمر ، والعلامة سعيد آل زعير ، والعلامة سفر الحوالي ، والعلامة سلمان العودة وغيرهم من الفضلاء والكرماء .
    سادتي العلماء اتقوا الله في العراق وارسلوا ' جيوش ' الدعم المادي والعلمي فهناك مخاوف ومحاذير منها :
    1- الخوف من استغلال الأعداء لتفريق الصف _ الجاهز نسبياً _ الآن بسبب القهر والغيظ والفقر ... إلخ .
    2- الخوف من الطائفية المقيته والتي سأتجاوز الحديث عنهامع أنني والله يشهد سمعت العشرات من قذارتها وخستها !! اتجاوز الحديث عنها لأنني رأيت بعض هذه الطوائف في جهة العشائر لديهم قابلية كبيرة للحوار واتباع الحق . لكن أين المحاور ؟ أو أين السائل عنهم ..؟
    3- العشائر العربية بها انفة وغيرة ؛ وبعضهم بل كلهم بدأ يجهز لأعمال جهادية قد لا تكون مدروسة بشكل ناضج أو متأنٍ ، ولذا وجب علينا دعمهم بالنصح والتعليم والتوجيه ، وهؤلاء العشائر لديهم أقارب وأهل في بلادنا لم نوجهم للذهاب وتقديم العون لأهلهم بالعراق ، ولقد اكرمنا هؤلاء العشائر كرماً كما لو كنّا ملوكاً والله ؛ ففي حفل واحد قابلني وأنا الضعيف المسكين قرابة خمسين شيخ قبيلة من بنى هاشم وشمر وزبيد [ وقحطان اليمن ] ونعم والدباشي والأكراد .. إلخ .
    4- عصائب الخير من شباب العرب الذين ذهبوا للجهاد هناك ، مازالت بقية منهم هناك وبعضهم وضعه حرج وفي كربٍ عظيم ؛ وعلينا إسعافهم ومناصحتهم حتى لا يحدثوا أمراً يؤدي إلى مضاعفات غير حميدة . وهؤلاء أعتقد يقيناً اننا ظلمناهم ببرود مبالغٌ فيه ولم نعطهم من الوقت والتوجيه والنصح مايجعلم يسمعون منّا ومايجعلنا نستفيد بهم ، ولعلي أعود إليهم وإلى تضحياتهم وإلى اثر ذلك على عامة أهل العراق الذين رأيتهم بل رأيت بعض علمائهم تتحدر منه الدموع عندما يذكرُ من مات منهم رحمهم الله .
    أيها العلماء .. الصيف على الأبواب فلماذا لا تخرج قوافلٌ بكتب وهدايا وغذاء ودواء وألعاب أطفال..؟ ونحن مستعدون من خلال الجمعيات العالمية المسلمة من ترتيب ذلك لكن ،ولماذا لا يرسل العلماء طلابهم للتدريس والمناصحة وبذل الرأي ..؟ وبالمناسبة تشكلت لدينا تجربة لابأس بها إن شاء الله في التنقل والتعامل مع الأمريكان وغيرهم . فهل من مجيب ..؟؟ أم أننا نترك الساحة للمخابرات العربية التي قامت تفتك ببقايا العراقيين الذي حولناهم إلى فتات بطائراتهم ثم ارسل ' بنو يعرب ' مخابراتهم لإلتهام هذا الفتات ..

    كلمة لابد منها .. :
    كما هي عادة الجمعيات الحكومية العربية مازالت تغط في سبات عريق، والأخوة في الإمارات لهم دور جيد لكنه تقليدي لا يتجاوز التوزيع العشوائي للمال على بعض الرموز التي يراد الإستفادة منها ..!! أو توزيع الغذاء والدواء ،وكذلك الأخوة من قطر إلا أنهم يوزعون مشكورين بعض الكتب الإنجليزية النافعة وغيرها من المواد الدعوية ، أما السعوديون فلم ارى ولا جمعية واحدة ..!! وبالنسبة للمشفى فله دور طبي تقليدي جيدي إلا أن الأطباء لم يخرجوا إلى المجتمع ، ولقد خفف العاملون جزءاً من غضبة العراقيين علينا ، وكثير من المشائخ وطلاب العلم يعتبون بشدة على غيابنا وكذلك شيوخ العشائر الذين يُمنعون من السفارات المجاورة من الدخول للعمرة وغيرها ، ولقد تعرضت للشتم والسب لما عرف بعضهم أني سعودي . أما الكويتيون ... فهم .....؟؟

    رابعاً : كلمة حول الأحرار !

    لايشك عاقل أن كلمة ' الجهاد ' أصبحت ' غولاً ' يخيف الصليبين والصهاينة وأذيالهم ممن مردوا على النفاق ، كما لايشك أي متأمل أن زعيمة الكفر في العالم أجلبت بخيلها ورجلها للقضاء على كل من تسوّل له نفسه رفع راية الجهاد ، بل جهدت ألا تدع في المنطقة سلاماً ولا قوة يمكن أن يستولي عليها مسلم صادق فيستخدمها ضدهم ولو كان ذلك الإحتمال ضعيفاً حدوثه حتى ولو كان بعد دهرٍ طويل .
    من أجل ذلك كله قامت دولة البغي والطغيان بمتابعةالمجاهدين الصادقين والتضييق عليهم كلهم ، لم تستثن أحدأً ولم تألوا جهداً في ذلك ، ضيقت على الحكومات وآذتها ؛ غيّرت المناهج لتلغي كل سلوك يجاهد الكفار والطواغيت ، بل حاربت كل فكرٍ نقي صافي يوضح معالم طريق المؤمنين فتجعله يسير مع المؤمنين ويعادي الكافرين والمنافقين ، جمعوا لذلك خبراءهم المتخصصين في مجال الفكر الإسلامي والجماعات الإسلامية ، جمعوا بكل قدراتهم اسماء كل من جاهد صغيراً كان أو كبيرا ، تحت أي سماء وفوق أي أرض ثم عاودوا الضغوط القاسية الخانقة على الحكومات لتحارب الجهاد ويمنع أهله ويضيق عليهم ويسجنون ويعذبون .... إلخ

    ومع كل هذه الضغوط والقهر الذي يمارس على شعوب الأمة يصرّ الشباب على العودة إلى حياض الدين وحمى العقيدة ، وكثير منهم يرفض الأفكار المائعة والبدع الضالة لأنه لايجد فيها الصفاء والنقاء ويهتدي بفطرته وبتوفيق الله له إلى عقيدة سلف الأمة وفكرها والتي منها [[ إن الخيل معقودٌ في نواصيها الخير إلى يوم القيامة ]] والتي منها أن الإسلام سيُظِل العالم ويدخل كل بيت مدرٍ ووبر ؛ وأن هذا الدين سيبلغ مابلغ النجم في السماء [[ اقترح عبارة : سيبلغ مالم يبلغه نجمٌ في السماء ]] [ لأن بلوغ الإسلام سيكون اعمق وأعلى مما بلغه هذا النجم ]] وسيبلغ مابلغ الليل والنهار ، يعتقد الشاب يقيناً بكل هذا ؛ ثم يلتفت هنا وهناك يريد و يبحث عن مواكب الإيمان وجحافل الخير ويركب سفينة ركبها آدم ونوح وموسى ومحمد صلى الله عليه وسلم ألا وهي سفينة الدعوة التي شراعها كتب عليه [[ قل هذه سبيلي أدعو إلى الله أنا ومن اتبعني ]] .

    ومع ذلك يرى الحكومات كلها وبلا استثناء تحارب هذه السفينة وتطلق عليها الرجمات المنطلقة من بحر الشيطان لتغرقها ..!! لا لشيء إلا لأن أهلها ' أناسٌ يتطهرون ' فماذا حدث ؟!!
    لما رأى هؤلاء الشباب أنهم مضيّقٌ على أهل الدعوة وعليهم لما تابوا بينما يمكّن للفساد هنا وهناك ؛ خرجوا هاربين باحثين عن رايات الجهاد والكفاح يشتاقون إلى الجنة ويتشممون ريحها وعرفها ، ولما جاءت أحداث العراق سارع كثير من هؤلاء يريدون مقارعة الدولة الكافرة ، فمنهم من دخل قبل الغزو بفترةٍ طويلة نسبياً وتدرب وتجهز ، ومنهم من دخل قبل ومع الغزو وهؤلاء تدربوا قليلاً .
    كانت الخطة التي أكدها جلاوزة الإداراة الإمريكية وصقور البنتاغون أن الحرب ستكون عبارة عن ' أكل قطعة من الكيك ' على حسب التعبير الإمريكي المشهور أكد ذلك خبراؤهم واصدقائهم ! [ من أمثال الشيعي العلماني المتآمر معهم ' فؤاد عجمي ' ] ، لقد اجتهدت المخبارات الإمريكي [ CIA ] ووظفت طاقاتٍ غير قليلة من الخونة والمرتزقة بمساعدة بعض الدول ودول الجوار الحاقدين وبعض الطائفيين ، ويرى بعض المراقبين أن الإستخبارات الإمريكية استعانت بمخابرات بعض الدول التي عرفت بطائفيتها و تلون مواقفها ، لقد كانت الخيانة التي ظهرت في يوم السادس والسابع من نيسان لعام 2003 مرتبةً مسبقاً ولقد ظهرت بوادرها من أول أيام الحرب في الجنوب ، فلقد كان ابطال المجاهدين يرون الضابط يخلع بذلته وبزّته العسكرية فجأة ويوليهم ظهره ، ولقد كان المرجفون من العراقيين وغيرهم من العرب الذين مردوا على النفاق يخذّلون فدائي صدّام ويخذلون المجاهدين ويخذلون كل مقاتل ، ولقد كان بعضهم يضع علامة [ x ] على مواقع المقاتلين العراقيين والعرب فتأتي الطائرات فتقصفهم ، وكان بعض النساء يرسلن أجهزة إشعاعية للطائرات الإمريكية لتدلها على المواقع المناسبة للقصف ، وانتهت معارك الجنوب بضرب المقاتلين العراقين والعرب من الخلف ، ومع ذلك كله دعنا نتسائل ماذا حدث ؟ لقد كانت الخطة المعروفة لدى الجميع أن الجنوب يمكن أن يترك للسقوط مقابل الإهتمام بمنطقة الوسط ، بل وعلمنا أن هناك تعليمات لقصف نقاط الإتصال وبين الجنوب والوسط كالجسور والطرق وغيرها في حال دخول القوات الغازية ،ولكن بعد اختلاف محمد باقر الحكيم مع امريكا وبسبب دخول عددٍ لا بأس به من ابطال العرب والذين لديهم خبرة ارسلت الحكومة السابقة هؤلاء إلى الجنوب بعد تدريبهم ؛ علماً أن بعضاً منهم مدرب فعلاً في بلاده أو في ميادين أخرى ، لقد كان البعض يتهم هؤلاء الشباب بالجنون والغباء أنهم سيقاتلون فوق ارضٍ مكشوفة وأن هذا انتحار ، ومع ذلك فلقد اظهروا بطولات وعمليات فائقة في الروعة من نوع اسقاط الطائرات المروحية وتفجير الدبابات ، بل إنه من الحقائق العروفة لدى الجميع أن فدائيي صدام وأبطال العرب المسلمين والعشائر دحروا الهجوم بشكل غير متوقع لا عند صدام وزمرته ولا عند الإمريكيين مما أصاب الجميع بالذهول ولقد قابلت عدداً من الخبراء والساسة والمشائخ وقيادات التنظيمات والإعلاميين ويجمع كثير منهم أن الإمريكان لم يحاربوا على الارض البتّة إنما داخل الدبابات أو الآلياات أو من خلال القصف ، ولقد ذكرت لي مراسلة ألمانية لقيتها هناك أن كثيراً من التقارير الإخبارية التي تصوّر الإمريكيين يقاتلون على الأرض إنما كانت على أرض هوليود ! وذكرت لي هذه المراسلة أن ذلك كان معروفاً قبل الحرب ، إذن فماذا حدث مرة أخرى ..!؟

    لما تبينت الخيانة في الجنوب انقسم العرب وغيرهم من المخلصين في قتالهم فمنهم من غادر العراق بأسرع وقت ، ومنهم من لم يستطع أن يصدق الخيانة خاصة من شباب المغرب العربي الذين لم يعرفوا خيانة هؤلاء الطائفيين فأرادوا أن يتأكدوا لآخر لحظة ثم لما أرادوا ترك الجنوب لم يجدوا طريقة للخروج سوى المشي على الأقدام مئات الكيلو مترات وكانوا يسيرون من خلال مناطق العشائر والبادية إلى بغداد ثم من خرج منهم من بغداد بسرعة استطاع النجاة ومن تأخر وقع في الأسر أو القتل ، وهناك بعض منهم غفر الله لهم اصر على القتال لآخر لحظة ، يحكي لي بعض المشائخ أن شابأً مغاربياً كان يقاتل الغزاة حول بيته ، فحاول هذا الشيخ أن يدخله وهو ينصحه قائلاً : يابنى لقد قضي الأمر فتعال ادخل إلى المنزل حتى لا يقتلونك . فرد الشاب قائلاً : يا عم أنا ماجئت لأهرب إنما جئت لأقاتل هؤلاء أو لأموت شهيداً . يقول الشيخ : ثم لبتث قليلاً فرأيت الدبابات تقصفه حتى قتلوه رحمه الله .. !!

    لقد غاب عن بعض هؤلاء الشباب رحمهم الله الفكر الإستراتيجي في القتال والمدافعة ومع ذلك فهم ضربوا أروع الأمثلة في التضيحة والبذل ومع كل مايمكن أن ينتقدوا عليه فقد كانوا السبب في إذكاء روح الأخوة عند العراقيين وروح البذل ، فوا الله ماوجدت عراقياً إلا وهو يحمل لهم أعطر الذكرى ويتأوه لذكرهم ، ولا يمكن أن أنسى ماحييت كيف بكى بعض المراسلين الإعلاميين ومنهم كفار !! يوم رأوا أحد العاملين بمشفى الكرامى يحدثنا عن قتال هؤلاء وهو يعرض علينا صورهم والبقايا التي وجدت في جيوبهم يومها انفجر مدير إحدى القنوات باكياً وطلب أن يسجل كلمة إعلامية يخلد فيها ذكر هؤلاء ، كما لايمكن أن أنسى أبداً_ بإذن الله _ اليوم الذي سالت فيه دموعنا معاشر الجالسين أمام مسجد أبي حنيفة يوم نشج وليد الأعظمي ببكاء تفجر له القلوب يوم ذُكِر له الشاب السوري من أبطال معركة الأعظميه يوم جاء أهله لينقلوا رفاته فوجوده بعد واحد واربعين يومأً كما هو لم يتغير فيه شي ، يومها بكى وليد وأبكى ، بكى مؤيد الأعظمي وبشار عواد ورائد ومؤيد وغيرهم ، إنها معانٍ لايمحوها الدهر ، ولا أنسى كلمات الأم التي عزّيناها بإستشهاد ابنها ولمّا عرت بعد فردّت : يابني أنني أحتسبه عند الله ، ورددت ' أن لله ما أخذ وله ما أعطى وكل شي عنه بأجلٍ مسمّى '

    مع كل مامضى فلي وقفات حول هذا الموضوع :
    1- أنني أدين الله أن الجهاد لدفع الغزاة في العراق وغيره من أوجب الواجبات ولكنني مع ذلك ارى _ والله أعلم _ أن العراقيين كما نقل لي بعض شيوخهم [ من خلال بيان طلبوا مني نشره في الإنترنت ] لا يحتاجون رجالاً في ساعتهم هذه ، بل يحتاجون إلى المدد المالي والمعنوي والتوجيه والنصح والإطعام والإغاثة .
    2- أن دخول بعض هؤلاء الشباب للقتال دون تنسيق ربما سبب في مشاكل وأوقع في بلبلة لايريدها أهل العراق ، لأن القتال الحادث لا تتنظمه راية ، ولا تنظمه مجموعة واحدة ويحتاج إلى دربة بحرب العصابات ومعرفة المناطق وهذا قد لا يتوفر للشباب الذاهب .
    3- أرى يقيناً أننا مسئولون عن هؤلاء الذاهبين من الشباب حكومات وعلماء ومربين ، فنحن لم نفتح لهم الأحضان الدافئة ولا المحاضن الصادقة التي تستوعبهم ، ولم توجد لهم الفرص الدعوية التي تستهلك وتستنفد طاقاتهم في الخير فهانت عليهم نفوسهم فأذهبوها في أمور قد _ أكرر قد _ يكون غيرها أولى منها ، لماذا لا تستفيد الحكومات من طاقات هؤلاء الأبطال الأخيار ؟ لماذا لا تفتح لهم معسكرات التجنيد والدعوة وتجعل منهم وقوداً تستفيد به ضد اعداء الأمة والطامعين فيها ؟! لماذا لا يخرج العلماء مع هؤلاء في كتائب دعوية إغاثية إلى إفريقية وجنوب آسيا والهند وآسيا الوسطى والذين يجهلون ابسط مباديء الدين والعقيدة ومعرفة الله ومعرفة رسوله فضلاً عن الأحكام ؟! لماذا لايتقدم العلماء هذه الكتائب هل لأن النصر سيتنزل علينا إذا اصلحنا بلاد السعودية فقط [ هذا إذا كنّا فعلاً نعمل للإصلاح ونسعى له ] ؟ أم أن الدعوة السهلة والإجتماعات في الغرف المكيفة والجلوس في الولائم التي تزينها المفطحات وتبخرها رائحة العود هي منتهى دعوتنا وحركاتنا .؟! إننا معاشر أهل هذه البلاد نحمل عقيدة تغيظ العالم كله ويخافها العالم كله لصفاءها ونقاءها وبساطتها وقدرتها على الإنتشار فلا نحن نشرناها ولا نحن وظفنا الشباب لنشرها من خلال مؤسسات عالمية فعالة ذات تصورات استراتيجية للعودة والتغيير والتأثير ؛ ولا نحن وظفنا ابناء هذه الدول لنشرها من خلال أموالنا ثم لما يرى هذا الشباب الواقع المزري ويتحمّس أمام برودنا وقعودنا لايرى منّا إلا النقد البارد والسخرية الممجوجة والمطارق التي تقرع رأسه إضافة إلى مطارق الكفر والإلحاد التي يواجهها أمامه أومطارق الإهمال والجحود التي تركها خلفه ؛ فالله الله يا أيتها الحكومات ويا أيها العلماء في هؤلاء الشباب .

    ومع ذلك كله فلي كلمة اوجهها لكل شاب أن يلتف حول العلماء الربانيين ولا يلزم ـ ضرورةً ـ أن يكونوا ممن يجاهد بالسلاح فالجهاد بالكلمة قد يوزاي الجهاد بالسلاح وقد يكون أشد وأقوى وأنفع أحياناً ، ومشكلة بعض الشباب هداهم الله أنهم يريدون المسلمين أو العلماء أنموذجاً واحداً ، فالفضيل كان عابداً وسفيان كان مؤدباً للملوك ؛ وابن المبارك كان مجاهداً ، وكذا هدي النبي صلى الله عليه وسلم مع اصحابه كلٌ على ثغرة يسدها ويدافع الكفر وأهله أن يلجوا منها ، فعلى الشباب أن يعذروا كل عالمٍ قائل بالحق عامل بأحكام الدين، وأن يحفظوا السنتهم عن علماء الدنيا واتباع الوجهاء وعبّاد المناصب والوجاهة فإننا لفي شغل كثير عنهم وعن أمثالهم ..!!



    مشاهدات وكلمات
    دخلتُ على بعض الأفاضل في الظلام الدامس في ليالي بغداد إبّان الحرب ولمّا ترجعُ الكهرباء بعد ، لم يجد مكاناً يدخلني فيه فبيته الصغير ازدحم بأمه واخوته وزوجته وابناءه ! أجلسني على كرسيٍّ أمام الدار وذهب يحضر مصباح الكيروسين ، وفاجأني الضوء ورأى هذا الكريم مشاعر وتعبيرات على وجههي فهمها ، وضع المصباح وجلس في كرسي صغير أمامي قائلاً : يادكتور تعجب لحالنا .!؟ نحن قومٌ فقراء ولكننا شرفاء !!
    هذا كان امامه مايسيل اللعاب أيام النظام البائد لكنه تركه لأنه شريف ! فطوبى للشرفاء [ الغرباء بالطبع ] .
    · الشيخ الدكتور علاء المدرسي الأعظمي علامة في المذهب الشيعي ويمتاز بفهم هذا المذهب وروعة الحوار مع أهله ، سمع بي فجائني في الظلام عرف علاقتي بأفاضل مشائخنا ذهب في الظلام وعاد في الظلام وهو يحمل صندوقاً ممتلئاً كتباً عن المذهب الشيعي وضعه في يديه وبعد دردشة في ليلة نيسانية لطيفه انطلق في الظلام ، لو رأيته الآن لا أعرفه . ما أجمل ظلامٌ اختلط بنور العلماء .
    · الإعلاميون كثير منهم لا يتجاوزون مساحة الفردوس أمام فندق فلسيطين وشيراتون ولمّارأيت المئات يموتون بسبب الجروح والحروق ذهبت لبعض الإعلاميين كالمحرش لهم ، ذهب عددٌ منهم ، بعد ساعة أو أكثر ترك مراسل قناة عربية ومدير قناة انجليزية ومسئولة القناة السويدية تركوا عملهم والدموع تملىء أعينهم وتحولوا إلى عاملي إغاثة معي طوال ذلك اليوم وهم ينقلون الإغاثة التي قدمنا بها من اوروبا ، وتحول بعض زملائي إلى مصورين يصورون الإعلاميين ؛ إنها الفطرة تستيقظ من تحت الرماد .
    · لم أقابل عراقياً عشائرياً أو ريفياً أو مدنياً ، عالماً أو عامّياً إلا وهو يهتف بصوت مسموع : سنخوض معاركنا معهم ، وسنمضي جموعاً نردعهم ونعيد المجد لأمتنا !! كلٌ له توقيتٌ خاص به لساعة الصفر .
    · الإمريكان العلوج حقاً وصدقاً !! كثير منهم كحمار أهله لايدري فيما يمسك ولا فيم يرسل ، صورت كاميراتي حوارات معهم من نوع شرُُّ البلية مايضحك ، مع ذلك فكثير نمهم أرضٌ خصبة للدعوة .
    · الدكتور أحمد الدباشي داعية معروف مشهور واستاذ جامعي ، وابن شيخ قبيلة ، كان بطلاً من أبطال الأمن الوطني الشعبي ، نظم ابناءه الطلاب ومريديه في المسجد حفظوا الأمن ، ووزعوا الأعطيات القليلة ، تاب على يديه عدد من اللصوص وتحولوا إلى جندٍ بين يديه منهم السني ومنهم الشيعي كان الإمريكان يقدرونه ويصافحونه قائلين : يو قود [ You good man ] وأولئك على بابا !!! ويشيرون إلى أحد الأحياء الطائفيه العريقة في احتراف الفساد والإفساد .
    · حي الأعظمية كان أنموذجاً للحي المسلم الإيجابي ، اجتمع الشيوخ والعلماء والدعاة والأطباء ورجال البلد .. إلخ في مجلس بلدي شعبي خططوا ووزعوا المهام ، الشباب يحفظ الأمن في نوبات قتالية على كل دوار وعلى كل مدخل ومخرج حي او شارع ، فرق لنقل المرضى في سيارات حولت إلى أشبه اسعافات ، الأطباء فتحوا عيادات في المسجد ، فرقٌ اهتمت بالأرامل بالأيتام وبمن فقدوا عائلهم ، فرقٌ تحولوا إلى إشارات مرور بشرية كنت اراهم فاطلب من سائقي التوقف لأترجل وأحييهم ، وفرقٌ أخرى أبت إلا أن تؤدب الفجار مستلهمين تاريخ الأعظمية العظيم واسألوا عن بطولات معركة الأعظمية ، ويُراجع كتاب ألفه علاء المدرسي بعنوان [ 40 شاهداً على الحرب في بغداد ] .
    بقلم د/ سعود المختار
     
  2.   مشاركة رقم : 2    ‏2003-07-16
  3. الفارس الذهبي

    الفارس الذهبي عضو

    التسجيل :
    ‏2003-03-26
    المشاركات:
    30
    الإعجاب :
    0
    جزاك الله الف خير على الموضوع اخي
     

مشاركة هذه الصفحة