الحداثة والمجتمع التقليدي ( مقال يشرح الوضع بشكل محايد )

الكاتب : بن ذي يزن   المشاهدات : 2,385   الردود : 3    ‏2001-06-26
      مشاركة رقم : 1    ‏2001-06-26
  1. بن ذي يزن

    بن ذي يزن بكر أحمد مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2000-09-30
    المشاركات:
    3,545
    الإعجاب :
    1
    --------------------------------------------------------------------------------

    ينطوي الكلام عن الحداثة، بالنسبة للمثقّف العربي، على مفارقة لايمكن تخطّيها بأي شكل من الأشكال، لأنها متصلة بسلسلة من التطلّعات الحالمة الخاصة بالتحديث من جهة،وبسلسلة مضادة من الإخفاقات الحاصلة في الواقع من جهة اخرى. وفيما يعرف ذلك المثقف أن الحداثة الغربية قد أنجزت كثيرا من وعودها الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والثقافية، وان النقد يثار الآن حول بعض النتائج التي أفضت إليها الحداثة العقلانية،وليس إلى الشك في كامل منجزها الذي احدث نقلة لايمكن إنكارها في البنية الاجتماعية بما في ذلك الفكر والعلاقات الاجتماعية والتطور التقني وحقوق الإنسان وغير ذلك) يمكن تتبّع ذلك في نقد آلان تورين وهابرماز على سبيل المثال كما عرضاه في كتابيهما"نقد الحداثة" بالنسبة للأول،و" الخطاب الفلسفي للحداثة"بالنسبة للثاني، ويمكن أيضا تتبّع النزعة النقدية بصورتها المثالية التي تأخذ الخطاب موضوعا لها في فكر فوكو ودريدا ودولوز)،فانه يعرف اكثر انه ينتمي إلى مجتمع لم يقترب بعد من مخاض الحداثة،ومازال يتخبّط دونها،لأنه لم يراكم معرفة عقلية- نقدية تمكنه من الاقتراب إلى خيار الحداثة بعد،ومازال النسق المهيمن في العلاقات الاجتماعية نسقا إقطاعيا- أبويا يقوم على الطاعة والخضوع،ويحكمه التراتب الفئوي والطبقي والجنسي والمذهبي،ومازال مفهوم( الحريم) شديد السطوة في قطّاعات واسعة من المجتمع، وفي بعض المجتمعات العربية يشمل عالم المرأة بأجمعه،ومازلنا ابعد ما نكون عن الاقتراب إلى مفهوم المجتمع المدني الذي تنظمّه وتضبط إيقاعه وتعبّر عنه المؤسسات المستقلّة،ومازلنا نهبا للانتماءات العرقيّة الضيّقة المعززّة بميول مذهبية أو عشائرية أومناطقية(=جهوية)0 وهذا الأمر هو ذاته الذي يجعل المثقف العربي يحيا ازدواجية عقلية،لأنه يعيش ذهنيا معطيات الحداثة الغربية،ويفكّر فيها وبها، وفي الوقت نفسه يعيش واقعيا في العصور الوسطى 0وهذه الازدواجية التي ترتفع في الحياة والفكر إلى مستوى الإشكالية التي لايمكن حلّها هي التي تجعل خيار التحديث أمرا بالغ الصعوبة والتعقيد، لان الفكر لم يتسق بعد باتجاه محدد ليفضي إلى نتيجة معينة. فالتعارضات الناشئة بين نموذج الحداثة الغربية المستعار من الآخر دون اعتبار للسياقات الثقافية- التاريخية التي نشأ فيها،والنموذج المنبعث من طيات الماضي وقد جّرّد هو الآخر من المحضن الثقافي- التاريخي الذي نشأ فيه، بحيث اعتبر نموذجا صالحا لكل زمان ومكان،تلك التعارضات بدأت منذ مطلع (ما يسمى بعصر النهضة العربية) تحول دون ترجيح أي خيار على آخر،بغض النظر عن السؤال عن مدى صلاحية أي من النموذجين. ثمة تقويض دائم للنسيج الاجتماعي والفكري والشعوري أدي خلال هذه المدة الطويلة إلى حيرة عقلية حقيقية إلى درجة لا يستطيع فيها أحد أن يقترح العلاج اللازم،ذلك أن الأثر الذهني الذي تركته الحداثة الغربية، بفعل التجربة الاستعمارية أو بفعل المعرفة المباشرة بالطرق المتاحة الأخرى أنتجت فئة محاكاتية اندهشت بمنجز تلك الحداثة،وأدرجت نفسها في رهان التقليد دون أن تأخذ في حسبانها الصعوبات الناشئة من نقل التجارب الثقافية والحضارية للأمم الأخرى،وهي تجارب قد تصلح في إثارة الأسئلة،ولكنها لا تصلح للنقل والتطبيق الحرفييّن0 وكما يلاحظ كل معنّي بهذا الأمر فان الفئات المحاكاتية،وبخاصة السياسية منها هي من مخلفات التجربة الاستعمارية أو ذيولها،وأنا اشدد على أهمية هذا الموضوع لأنني انظر إلى تلك التجربة كحقبة تاريخية لا ينبغي علينا أن نظلّ إلى الأبد نرتب عليها أبعادا أيديولوجية تهييجيّة، فمعظم الشعوب قد مرت بتجارب مماثلة،والمطلوب هو تخطّي تلك التجربة بصورة حقيقية وليس الدوران في حلقتها المغلقة باستمرار،إذ مازال قطاع واسع من العقل العربي محكوما بهذه التجربة وذيولها إلى درجة يبدو وكأنه غير قادر على الانقطاع عنها، فهو مشغول بما ينتجه أهل تلك التجربة بشغف الطفل المندهش المستثار بحيث يصعب القول انه استوعب الحداثة الغربية التي أنتجها أصحاب التجربة الاستعمارية أنفسهم،لأنه رتّب فرضياته في الأفق الذي شكلته تلك التجربة، وهو يلوذ بالغرب حينما يتعرّض لأدنى إحساس بالخطر،ويحتمي به من مخاطر هي في حقيقتها من صناعة الغرب نفسه ولكن بطلاء مختلف ومضلّل 0واذا نظرنا إلى الفئات السياسية لوجدناها تعيد استهلاك مادة سبق وان استهلكت كثيرا من قبل، فوعودها بالتحديث تفتقر إلى المصداقية لأنها تتنزّل في إطار الاستهلاك الإيديولوجي المخادع الذي يراد منه تجييش المجتمع حول ادعاءات تشغله عن مطالبه الملحة وتصرفه إلى قضايا تُصوّر له على أنها مصيرية،وبها يستبدل أولوياته الحقيقية، إلى ذلك فقد شغلت تلك الفئات بموضوع الاستئثار بالسلطة،وتحصين مواقعها، ولم تلتفت إلى بناء المؤسسات التي تضمن التماسك الاجتماعي وتطوّره، وتوفر نوعا أدنى من التداول السياسي وحتى الوظيفي، وهي من هذه الناحية صدى للبنية الاجتماعية التقليدية التي تحترز من التغيير،وتسعى للحفاظ على الأمر كما هو عليه،ومع أنها تحاكي الغرب في بعض مظاهره لكنها تتقاطع معه في تصرفاتها العامة، وفي أخلاقيات الممارسة السياسية،وليس هذا حطّا من شانها إنما هو وصف يراد به الوصول إلى معرفة أننا مازلنا نعيش ذيول الحقبة الاستعمارية وما تولد عنها من قيم امتثالية ترهن المجموع لمصلحة الفرد،وتضحّي بالذاكرة الجماعية من اجل اصطناع ذاكرة ملفّقة 0وفي ضوء ثورة الاتصالات وطموحات العولمة والتفكير بعالم موحد الرؤى والآمال فإننا نعود إدراجنا شئنا أم أبينا إلى خوض غمار تلك التجربة مرة ثانية بأشكال جديدة قد تكون اشد مرارة هذه المرة0 لقد فقدنا الفرصة التي بها كان يمكن أن ننجح في الوصول إلى ما نحتاج إليه فعلا،والحق فان الرهان المشوّه للتحديث الذي وصفناه قد بعث نسقا من التفكير المضاد، يقول بالاعتصام بالذات،وتشكيل هوية ثقافية خاصة وثابتة تسعى إلى بعث نموذج مستعار من الماضي، بإلحاح من فكرة إننا بذلك النموذج نحقق الصفاء الكامل،ونبعث الخصوصية،وندرأ حالة الذوبان في الآخر0 والأمر الملفت للنظر هو تصاعد أهمية هذا التيار في الأوساط الاجتماعية وتأثيره فيها، فبدأ يغزو عقلية الطبقة الوسطي( ثمة شك عميق في تبلور ملامح هذه الطبقة،وقد فات الوقت المناسب لذلك، ونستخدمها هنا تجوّزا) بصورة لاتقبل اللبس، واخترق المؤسسة التعليمية والاقتصادية وهو يصبو باتجاه تطلّعات سياسية كبيرة 0فاذا عرفنا أن بنية المجتمع التقليدي المهيمنة،هي بنية أبوية تجد انسجاما عاما مع هذا الاتجاه،فان ذلك يفسر اطّراد أهمية ذلك النموذج في العقدين الأخيرين.
    من الواضح إن هذا التيار وضع نفسه في تعارض لما هو قائم من آثار الغرب، وذلك يعني ضمنا أن المجتمع انشطر شطرين كل منهما يأخذ بمناقضة الآخر والحط من شأنه0 ومهما أدرنا التفكير في المناحي المتعددة لهذه الإشكالية وقلّبناها على وجوهها فإننا لانجد سوى التوتّر وسوء التفاهم بين التيارين،فكل منهما يصدر عن جملة من المسلّمات الأولية التي يعتقد في صحتها المطلقة،وتغلغلت هذه الازدواجية في تضاعيف الممارسات السياسية والثقافية والاجتماعية،وضربت الإنسان العربي في الصميم، فهو يجد نفسه على حافة خيارين،ولم يفلح بعد في إدراج هذين الخيارين في إطار من الحوار والتفاعل ليصل إلى خيار ثالث مختلف عنهما لكنه غير متقاطع معهما،وهذا الخيار هو الذي نصطلح عليه ( الاختلاف) بوصفه بديلا عن ( المطابقة) التي هي امتثال سلبي للماضي والآخر معا( ينظر كتابنا : المطابقة والاختلاف في جزأيه،الاول: المركزية الغربية 0والثاني: الثقافة العربية والمرجعيّات المستعارة).
    إن كل معالجة تحليلية لسؤال الحداثة لايمكن لها أن تتجاوز هذه القضية،لان ثقافة المطابقة بأبعادها التي وصفناها قد أصبحت مرجعية لأنساق التفكير والتعبير في حياتنا بكل مستوياتها الأساسية، إذ في ضوئها تترتب شؤون الفكر0 وفي حالة معقدّة مثل هذه يغيب التفكير النقدي الجذري،ويتراجع الإبداع الأصيل،ويحل محلهما الاقتباس الذي يقوم على التشويه والتلخيص والاستنساخ،وتحل ثقافة التجميع محل ثقافة الإبداع، ويتجه التفكير إلى البحث عن أصول حتى لو اقتضى الأمر تلفيق تلك الأصول،أصول قد تبعث من طيات الماضي أو تستعار من الآخر لا فرق كبيرا بين ذلك وهذا 0 وفي ظل حالة من التوتّر التي يحدثها انتماء مزدوج إلى رؤيتين وعالمين وزمنيين ومكانين وثقافتين في آن واحد قد تظهر إنتاجات فكرية أو أدبية ترتدي لباس التجريب اللغوي أو البنيوي، تسمى خطأ تحديثية،لان الحداثة – في رأينا- انما هي موقف فكري جديد،ورؤية فلسفية للنظر إلى الذات والعالم طبقا لمنظورات مختلفة عن المرجعيات التقليدية الموروثة والمرجعيات المستعارة من الآخر، وغايتها إعادة ترتيب الواقع والفكر طبقا لحاجات اللحظة التاريخية المتجددة 0 فالحداثة المنشودة لاتقرّ بالثبات إنما تتطلّع دائما إلى التجدد،وبذلك تنتج فكرا يتحوّل باستمرار متخطّيا فكرة الهوية القارّة واليقين الثابت، وبهما تستبدل هوية ثقافية متحوّلة ومنفتحة، تقر بنسبية علاقتها مع نفسها وتاريخها وفرضياتها بالدرجة نفسها التي تقر فيها بنسبية الهويات الأخرى،وتشكّل مضمونها من نسيج متنوع الموارد يقوم على فكرة الحوار والتواصل والتفاعل، ثم تقليب المفاهيم والنظريات والمرجعيات الموروثة والمستعارة على كل الأوجه والاحتمالات عبر ممارسة نقدية جريئة، فبدون النقد تظل العلاقة مع المؤثرات الأخرى علاقة استتباع وخوف وقلق وتوتّر0 ولعل اكثر المظاهر المثيرة للانتباه في عصرنا هو إن النخبة الثقافية العربية التي استأثرت ببعض المواقع المتقدمة في الحياة الثقافية منذ النصف الثاني للقرن التاسع عشر لم تلتفت جدّيا إلى نقد المفاهيم الأساسية السائدة في المجتمع، كمفهوم السلطة،والحرية، والحقوق،ونمط العلاقات الاجتماعية التراتبي، وهيمنة الذكورة،وبها استبدلت ممارسات متواطئة مغلّفة بشعارات تنتج باستمرار نسقا متماثلا من السعار الأيديولوجي الذي لا يعالج القضايا الجوهرية ولكنه يوهم بذلك، وغالبا ما تفيّأت ظلّ السلطان في قيلولة مُخدّرة طالت اكثر بكثير ما ينبغي لها ، إلى ذلك فان خيرة تلك النخبة (بخاصة في مصر وبلاد الشام باعتبارهما أهم بيئتين حيويتين لإنتاج النخب خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين) نأت بنفسها عن معالجة هذه القضايا الجوهرية، وبعضها كان ولائيا وامتثاليا للغرب، إلى درجة تراه المخلّص الذي لابد منه،فأقامت علاقة ذهنية مع التجربة الغربية بعد أن جرّدتها من شروطها التاريخية،وشحنتها بقوة الديمومة الأبدية، وتفاعلت إيجابيا مع التجربة الاستعمارية التي اعتبرها- بتأثير من المركزية الغربية_ القدر الذي بعثته العناية الإلهية لنا،وهذه الفئة تشبّعت بالثقافة الغربية، وتمثّلتها،فتدخّلت تلك الثقافة في صياغة لاوعيها،وهي فئة انتزعت لها مواقع في الحياة السياسة والاقتصادية والتعليمية وعملت على صوغ وعي فئات كثيرة صوغا يوافق المضمون الفكري للتجربة الاستعمارية،وهي نموذج للمحاكين ويصح تسميتهم ثقافيابـ( مثقفي الاستعمار) بالمقارنة مع( مثقفي ما بعد الاستعمار )0 ومن تلك النخبة فئة انخرطت في نمط تهيجي من الأيديولوجيات،وأسست تنظيمات أيديولوجية وانتهى بها الأمر إلى التلاعب السيئ بالإنسان كقيمة رفيعة0 ومن وجهة نظرنا فان الفئتين تخطّتا – أحيانا بسهولة بالغة- أهم المشكلات القائمة في الوسط الاجتماعي، ولم تلتفا إلى المناحي التي تحتاج إلى تغيير،وفي نهاية المطاف فان النخبة العربية الثقافية لم تدرك أهمية دورها،ولم تمارس شيئا من ذلك الدور، إذ أن نسيج المجتمع التقليدي لم يتعرّض للتحليل والتشريح والنقد،فنشأ مع الزمن خوف من الاقتراب إلى هذا الموضوع الذي يكاد يعتبره الجميع قيما مقدسة لا يصح نقدها0 والحق ما من مسافة تفصل المثقف العربي عن شيء آخر أبعد من المسافة التي تفصله عن مجتمعه،وحـتى لو ادّعى الاقتراب إليه فهو اقتراب محكوم بدرجة عالية من سوء التفاهم وسوء الظن،وهذا الوضع هو الذي قاد، وبصورة لاتقبل اللبس، إلى نبذ المجتمع للمثقف،وعدم تقدير دوره،ألا بوصفه كائنا غريبا يحتفي أحيانا به،لكن لاموقع فاعلا له في الأوساط الاجتماعية0 وأقصى ما قام به وهو نادر انه وصف في بعض الأحيان جوانب من الظواهر الاجتماعية لكنه لم يجرؤ على نقد شيء وتغييره0 ظل المجتمع راكدا،والحراك الذي تتصاعد مظاهره بين حين وآخر غالبا ما يكون بفعل مؤثرات خارجية0 وخيرة التحليلات الفكرية والأنثروبولوجية والتاريخية والاجتماعية والأدبية المعتمدة في الأوساط الأكاديمية والتربوية، قام بها دارسون غربيون لمجتمعنا وثقافتنا وديننا وتقاليدنا وأدبنا،وهي تحليلات تعكس رؤيتهم ومرجعياتهم التي يصدرون عنها اكثر ما تعبّر عن حقيقة الموضوعات التي درستها،وكثيرا ماجرى تعسّف في إخضاع المادة المدروسة لتوافق الخلفيات الثقافية التي توجههم( كان ذلك مثار نقد لامع قام به إدوارد سعيد) ،وذلك يفضح قصور النخبة الثقافية التي لايمكن وصفها إلا بأنها تلاعبت بمجتمعها لغايات شخصية دون أن تضع في اعتبارها أمر تحديثه،ولهذا نبذت وتقطّعت روابطها،وانعزلت عن خلفياتها الاجتماعية،واستأثرت بالمكانة النخب الدينية والسياسية والعسكرية 0ومن الواضح أن تواطؤاً قد وقع بين هذه النخب أفضى إلى استبعاد النخبة الثقافية التي لم تنجح من قبل في انحاز وعودها، إلى درجة صار سؤال التحديث –الذي يفترض أن تثيره النخبة الثقافية- سؤالا محظورا ومشبعا بمعاني تثير المخاوف في المجتمع، وتبعث استعداء للمثقف، فراح يتواطأ هو الآخر كما يلمس ذلك في كثير من الأوساط الجامعية والتعليمية التي يعوّل عليها في مجال التحديث اكثر من سواها.
    إن سؤال الحداثة اليوم بالنسبة للعرب لاجواب عليه، فهو ضائع في خضّم التوترات العرقية والمذهبية، ومتقطّع بين التطلّعات المتناقضة، وعالق بين التيارات المتعارضة، ومفرغ من المعنى في ظل العولمة. هذا هو واقع المرجعيات التي تترتب فيها الممارسة النقدية في مجتمعاتنا، فكيف سيكون الأمر في عالم بدأ يندرج في نظام متكامل من القيم الثقافية والاقتصادية؟


    --------------------------------------------------------------------------------

    مفكرة عبد الله إبراهيم
     
  2.   مشاركة رقم : 2    ‏2001-06-28
  3. بن ذي يزن

    بن ذي يزن بكر أحمد مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2000-09-30
    المشاركات:
    3,545
    الإعجاب :
    1
    الحداثة الأدبية من وجهة نظر أخري

    إن الحداثة في الأدب ما هي إلا فرع عن الحداثة في الفكر، وهي مثلها مستمدة من الغرب ولادة وحضانة وتصديراً.

    يعتبر الأدب (الشعر - القصة - الرواية - المسرحية.. الخ) أحد أهم قنوات التحديث ووسائله، من حيث هو وسيلة التواصل بين الأفراد والمجتمعات للتعبير عن الأفكار والهواجس والدوافع والرغائب والمطامع والمطامح، وكل ما يدور في خلد الإنسان وفكره.

    وبكسر طوق الكنيسة في الغرب، والتحرر من المفاهيم والقيم الدينية، برزت كثير من النظريات الفلسفية المرتكزة على المادية والإلحاد.

    وفي هذا الجو الفكري تتابعت المذاهب الأدبية الغربية من كلاسيكية ورومانسية وواقعية، أفضت إلى الرمزية ومنها إلى ما سمي بالحداثة، ثم نقلت إلى العالم العربي دون أي تغيير أو تبديل، فسادت في أدبنا العربي الحديث المصطلحات الغربية وأساليب الكتابة الغربية، ومناهج النقد الأدبي الغربية، وحتى الكلمات وهي تكتب بالحرف العربي لم تعد ذات مضامين ومعانٍ عربية.

    تقول الكاتبة الحداثوية خالدة سعيد في بحث لها عنوانه (الملامح الفكرية للحداثة): (إن التوجهات الأساسية لمفكري العشرينات تقدم خطوطاً عريضة تسمح بالقول إن البداية الحقيقية للحداثة من حيث هي حركة فكرية شاملة قد انطلقت يومذاك، فقد مثل فكر الرواد الأوائل قطيعة مع المرجعية الدينية والتراثية كمعيار ومصدر وحيد للحقيقة، وأقام مرجعين بديلين: العقل والواقع التاريخي، وكلاهما إنساني ومن ثَمّ تطوري. فالحقيقة عند رائد كجبران أو طه حسين لا تلتمس بالنقل، بل تلتمس بالتأمل والاستبصار عند جبران، وبالبحث المنهجي العقلاني عند طه حسين)(8).

    وحتى لا يلتبس الأمر على أحد فيظن أن ذلك النهج إنما ينطبق على الدين كما صورته الكنيسة فقط، أنقل فقرة أخرى للباحثة نفسها تقول فيها:

    (عندما كان طه حسين وعلي عبد الرازق يخوضان معركة زعزعة النموذج (الإسلام) بإسقاط صفة الأصلية فيه، وردّه إلى حدود الموروث التاريخي، فيؤكدان أن الإنسان يملك موروثه ولا يملكه هذا الموروث، ويملك أن يحيله إلى موضوع للبحث العلمي والنظر، كما يملك حق إعادة النظر فيما اكتسب صفة القداسة، وحق نزع الأسطورة من المقدس، وحق طرح الأسئلة والبحث عن الأجوبة)(9).

    إبراهيم محمد جواد
     
  4.   مشاركة رقم : 3    ‏2001-06-28
  5. بن ذي يزن

    بن ذي يزن بكر أحمد مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2000-09-30
    المشاركات:
    3,545
    الإعجاب :
    1
    موقف الكاتب أعلاه من الحداثة في الفكر والأدب

    ليست مجتمعاتنا العربية بأقل حاجة إلى بعض معطيات الحداثة من المجتمعات الغربية، لكننا نرفض أن تكون الحداثة العربية نسخة طبق الأصل - بل ربما مشوهة - عن الحداثة الغربية، ونطالب بالتحديث والتجديد النابعين من ضرورة عربية خالصة، والمنطلقين على أساس متين من المنهج الاستدلالي العقلي في الفكر والاستخدام السليم للغة العربية في الأدب.

    فالمجتمع العربي أيضاً تثقل كواهله مجموعة كبيرة من القيود والأغلال التي تفرضها السلطات السياسية، مغطاة تارة بقشور من الأخلاق والعادات، ومبررة تارة أخرى بالتطور والتجدد والمعاصرة.

    ولذلك فنحن مع الحداثة فيما ترمي إليه من تغيير وتجديد، على أن يقوم هذا التجديد على أسس علمية سليمة، وأن يكون للتغيير هدف مشروع مدروس بعناية، ولسنا معها في هدم القيم الدينية الأصيلة والأخلاق الإنسانية الراشدة.

    نحن معها في إعادة صياغة الشكل وفق ضوابط سليمة، ولسنا معها في أن تجر الأدب إلى ظلمات اليأس والفوضى والعبثية والسوداوية المغرقة أو الخيال المفرط، أو الواقعية المؤذية التي تفسد الفرد والمجتمع الإنساني.

    نحن نريد أن يستفيد أدباؤنا وشعراؤنا من إيجابيات الحداثة.. من الوعي المبدع، من الخيال الخلاق، من الأبعاد الجمالية الأخاذة، من الظلال الفنية الموحية، دون التورط في العوالم المجهولة، والتلبس باللاهدفية واللاجدوائية والفوضى الفكرية واللغوية، والانبتات عن الجذور، والضياع في بحر من ظلمات الطلاسم والغموض...
     
  6.   مشاركة رقم : 4    ‏2001-06-28
  7. بن ذي يزن

    بن ذي يزن بكر أحمد مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2000-09-30
    المشاركات:
    3,545
    الإعجاب :
    1
    وايضا الحداثة من وجهة نظر أخرى

    .......سنركز في هذا القسم من الدراسة على مفهومي "الحداثة" ("modernity") و التحديث ("modernization") في إطارهما التاريخي خاصة، انسجاما مع التوجه المنهجي لهذه الدراسة. وسيتم التركيز بطبيعة الحال على التجربة الغربية، لأنها الأسبق زمنياً في هذا المجال، ولأن ذلك من شأنه بعد أن يساعد في تمثل تجارب الحداثة والحداثية في سياقات عالمية وقومية متعددة، سيكون الكلام، فيما يلي، على مفاهيم الحداثة والتحديث وما يرتبط بها تمهيداً ضرورياً لوضع إشكاليات الأدب والفن المتصلة بالحداثية خاصة في سياقها التاريخي المحدد: حلقات الحداثة والتحديث والحداثية مرتبطة بعضها ببعض على نحو لا يسمح بفصل إحداهما عن الأخريات يربط مارشال بيرمان، على نحو ما أشرنا في القسم السابق، ربطا جدلياً بين حلقات السلسلة التي نعالجها ابتداء من انبثاق مفهوم الحداثة مع بواكير النهضة الأوروبية وانتهاء بمفهوم ما بعد الحداثية ("post-modernism") المعاصر، في هذا الإطار، يمكن لتقسيمات بيرمان للمراحل التي مرت بها تجربة الحداثة، في إطارها التاريخي الشامل، أن توفر لنا المعالم البارزة لمسار هذه التجربة أوروبيا وعالمياً.

    تبدأ المرحلة الأولى، كما يرى، من أوائل القرن السادس عشر تقريباً وتستمر حتى نهاية القرن الثامن عشر، حين أخذ الناس يجربون الحياة "الحديثة" دون أن يعوا تماماً حقيقة ما يجربون ويواجهون.

    ثم تبدأ المرحلة الثانية، في تسعينيات القرن الثامن عشر، مع الثورة الفرنسية وجمهورها الثوري الحديث الذي تعمق إحساسه، في القرن التاسع عشر خاصة، بأنه يعيش في عالم حديث يختلف تماماَ عن عوالم سابقة ليست حديثة إطلاقا. "من هذا الإحساس بالحياة في عالمين في آن"، كما يمضي بيرمان في عرضه، "تبزغ أفكار التحديث ونزعة الحداثة وتنتشر.

    أما في القرن العشرين، المرحلة الثالثة والأخيرة، فإن عملية التحديث تتسع لتشمل العالم كله بالفعل، وتحقق ثقافة العالم النامية لنزعة الحداثة انتصارات مشهودة في الفن والفكر"(12).

    .......لقد حققت التجربة الأوروبية في المرحلة الأولى، ابتداء بشمالي غربي أوروبا، الثورة الصناعية، وانطلقت من هذه المنطقة أيضا حركة الإصلاح الديني البروتستنتية، وتقوم أطروحة أساسية لماكس فيبر (Max Weber) على أن هذه الحركة كانت في الأساس ديانة تنتمي إلى هذا العالم، وقد سعت إلى الفصل بين الدين والدولة، بين الدين والسوق ، لقد ساعدت على بلورة نمط من الشخصية الإنسانية يثمن عالياً العمل الجاد المخلص والاقتصاد في الإنفاق، باختصار، ساعدت أخلاقيات العمل التي أرستها على تطوير الرأسمالية الصناعية، في مثل هذا المناخ، كان من بين العوامل الحاسمة في تأكيد أسس الحداثة بروز الثقافة العقلانية والعادات العلمية في التفكير والعمل، بزوغ العلم منهجاً وممارسة. ومن الإحساس المزدوج بالتمايز الجوهري بين عالم حديث وعالم سابق قديم، كما مر بنا سابقاً، ولدت فكرة التقدم، ومعها فكرة الحداثية (13).

    .......تؤدي عملية التحديث، بخلاف واقع الحال في ثقافات العالم غير الصناعي السابقة، إلى ما يسميه ماكس فيبر "تحرر العالم من الوهم"، التحرر من وهم القوى الخارقة المنسوبة إلى الإنسان أو الطبيعة. يصبح البديل المقبول هو التأويل العلمي الحديث للطبيعة: القوانين والضوابط التي تقدمها الطريقة العلمية هي وحدها ما يمكن اعتبارها تفسيرات سليمة للظواهر. تسعى هذه العملية، إذن، إلى إقامة مؤسسات ومبادئ وممارسات تستند إلى العقل والعلم. لقد واكبت هذه التحولات احتشاد الجماهير العريضة من الناس في المدن الكبيرة. يمكن القول باختصار شديد، إن الحياة الحديثة هي بالدرجة الأولى حياة مدينية. ولكن "المدينية" ("urbanism") لا يمكن أن تفهم فقط من خلال إحصائيات النمو السكاني وغيره، إذ هي مسألة ذات أبعاد مميزة في الثقافة والوعي، إنها، كما يحللها علماء الاجتماع خاصة، طريقة حياة.

    .......إن حياة المدنية، بما تفرضه على سكانها من أسباب الإثارة والتهييج العصبي، قد تفضي إلى مواقف تتسم بالضجر واللامبالاة، قد تشجع نزعات ومعتقدات وصرعات عابثة سريعة الزوال، قد تقطع بين الناس وأسباب الأمن الاجتماعي، قد تتركهم في دوامة التيه والضياع يداعبون أحلاماً مجموعة وتطلعات غير واقعية، في مثل هذا المناخ الاجتماعي، قد يضطر الأفراد إلى إقامة الحواجز لحماية جوانب حياتهم الخاصة، قد يضطرون إلى اتخاذ مواقف التحفظ والعزلة، هكذا، كما يلاحظ عالم الاجتماع الألماني جورج شمل(George Simmel) تقوم المفارقة غير الطبيعية بأنه "ليس ثمة مكان يشعر المرء فيه بالوحدة والضياع كما في زحام المدينة الكبيرة".

    .......ولكن ينبغي ألا نغفل الوجه الثاني للصورة. فالمدن، من جهة أخرى، توفر وتعزز فرصاً لا حد لها من التنوع والإبداع، إذ تجتذب إليها في العادة أفضل المواهب والقدرات وأكثرها إشراقا. إذا كان ثمة شيء لا بد أن يتم إنجازه في المجتمع الحديث، فلا بد أن يكون ذلك في المدينة. أن ما تبقى من "حياة الريف" لم يعد في الغالب أكثر من أفكار للذكرى والحنين والتخيل، لقد أصبحت المدينة، في آن واحد معاً، الرمز والواقع للمجتمع الصناعي ككل، وخلقت النزعة الصناعية شبكة مركزية من العلاقات الاجتماعية، أصبحت فيها المدينة نقطة اللقاء والتقاطع، لقد أملت الأساليب والطرق، وهيأت المعايير للمجتمع كله، وفرضت على الجميع أطرها الاقتصادية والسياسية والثقافية (14).

    .......هكذا انطوى واقع الحداثة، واقع المجتمع الحديث، منذ البداية، على وجهين متقاربين باستمرار، أو قل أن شئت، وجهين متناقضين: وجه إيجابي مشرق، وآخر سلبي كئيب.

    - الأول دينامي، تقدمي، متطلع إلى الأمام باستمرار، واعد بأسباب الحرية والاكتفاء والرخاء غير المسبوق.

    - والثاني يُظهر الجانب المظلم للحداثة، بما تنطوي عليه من مشكلات اجتماعية وثقافية حادة.

    .......ففي الوقت الذي تقدم فيه الحياة المدنية الصناعية الحديثة فرصاً هائلة في مجالات تعزز حركية الأفراد وحرياتهم الشخصية، فإن الوجه الآخر للعملة يعكس عزلة ساكن المدينة الكبيرة ومرارة الفشل التي يُمنى بها أولئك الذين لا يحظون بأي من فرصها ومكافأتها. وبرغم ذلك كله، تظل عمليات التحديث مستمرة. فثمة أساس دينامي مجدول في صميم نسيج المجتمعات الحديثة لا يسمح لها بالإبطاء أو الاستقرار أو إحراز التوازن النهائي. يظل هناك مصدر دائم للإجهاد والقلق والصراع. ومع ذلك، فإن التحدي والاستجابة هما جوهر المجتمع الحديث(15). هكذا يرى هنري لوفيفر أن الحداثة لا يمكن أن تواصل مسيرتها بدون أزمات: التناقضات تعمل عملها، والأزمات تتعدد، وهي بذلك تبدو كعناصر مؤسِّسة للحداثة، "غالباً ما يتم اعتبارها أزمات خصبة، حتى حينما يتم شجبها"(16).

    .......إن ركوب موجة الحداثة والتحديث يعني التورط في دوامة. وهي إذ تنطلق فان حركة الدوران المتسارعة لا يمكن وقفها أو حتى إبطاؤها لفترة طويلة، فالمجتمع الذي يخوض غمار هذه التجربة يكون قد وضع نفسه في طريق التطور الذي يحمل معه منطقاً خاصاً ومزيجاً لا يمكن فصله من الإيجابي والسلبي، المشرق والمظلم، الجيد والرديء. وعلى أية حال، ليس ثمة أماكن للجوء أو الانسحاب أو الهرب. سوى ما يخترعه المجتمع الحديث نفسه. أن تمضي في طريق الحداثة والتحديث هو أن تأخذ كل شيء في هذا السبيل، وألاّ تمضي في هذه الطريق هو ألاّ يكون لك أي دور أساسي في حياة الإنسانية المعاصرة: أحد أوجه الحداثة والتحديث، غير العادية وغير المسبوقة تاريخياً، أنها لا تترك لنا أي خيار في ذلك(17).



    الدكتور نايف العجلوني
     

مشاركة هذه الصفحة