الديموقراطية من منظور اسلامي

الكاتب : حضرمية مغتربة   المشاهدات : 1,084   الردود : 8    ‏2003-07-05
      مشاركة رقم : 1    ‏2003-07-05
  1. حضرمية مغتربة

    حضرمية مغتربة مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2002-11-05
    المشاركات:
    14,712
    الإعجاب :
    0
    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته


    اتمنى لو أن أحد الدائمين في المجلس السياسي يتكلم ولو بأسطر قليلة عن الديموقراطية من وجهة نظر الإسلام

    لانه سيفيدني كثيرا في تقديم بحثي




    والسموحة
     
  2.   مشاركة رقم : 2    ‏2003-07-05
  3. فدوة القدس

    فدوة القدس عضو فعّال

    التسجيل :
    ‏2003-05-09
    المشاركات:
    528
    الإعجاب :
    0
    حددى

    الاخت حضرميه مغتربه0
    هل تقصدين الدمقراطيةالغربيه وحكم الاسلام او تعريف بها بنضره اسلامية
     
  4.   مشاركة رقم : 3    ‏2003-07-05
  5. جراهام بل

    جراهام بل مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2003-04-05
    المشاركات:
    12,156
    الإعجاب :
    0
    اختي الغاليه حضرميه مغتربه....
    وجدت هذا البحث وسوف انقله حيث يقول ان الديمقراطيه في نظر الاسلام تعنى الامامه في ايامها بنقاش طويل ومستفيض....
    لك التحايا...




    كلمه المركز :
    عديده هى التساولات حول جدوى طرح مساله الامامه على اساس اطارها التاريخى الذى مضى عليه الزمن! كما انها قد تصبح منطلقا لاثاره الخلافات من جديد بين اعضاء البيت الاسلامى، وانبعاث الروح الطائفيه التى قد تهدد الوحده الاسلاميه والخط‏ى المتسارعه باتجاهها.
    والحقيقه ان مساله الامامه تخترق اطارها التاريخى لتصبح من اكثر المسائل حياتيه ومصيريه، ليس لمحتواها العقائدى فحسب بل لمعطياتها الفكريه فى الحياه الانسانيه، انطلاقا من رويتها السياسيه وجانبها الادارى والقيادى.
    ومن هنا فهى لا ترتبط بزمن مضى بل انها تواكب الازمنه حاضرا ومستقبلا.
    ولاهميتها الفائقه وحساسيتها فقد اضحت وعلى مدى تاريخ الاسلام محورا حيويا للبحث، وكانت واحده من مجالات علم الكلام، وبهذا فاقت غيرها من المسائل الاسلاميه الاخرى.

    ان بحث الامامه يكمن فى الصميم من القضايا الاسلاميه، ذلك ان مساله الامامه منطلق مصيرى للامه الاسلاميه فى محاور عديده:
    × فالى من يرجع المسلمين فى اخذ احكام الاسلام وحلول المشكلات الفكريه؟
    × وبمن يقتدى المسلون بعد غياب النبى(ص)؟
    × وما هو شكل النظام الاسلامى ومقومات الحاكم المسلم؟
    واذا ما بحثت الامامه فى اطار من الحوار العلمى وفى اجواء من الخلق الاسلامى الرفيع، بعيدا عن كل اشكال التعصب والاساءه، فانها لن تكون باعثا على تاجيج النفس الطائفى، بل سيكون لها الاثر البالغ فى ردم هوه الخلاف والتقريب بين الاتجاهات الاسلاميه المختلفه.
    ان روح الاسلام كشريعه ورساله تنطوى على مسووليه بالغه الاهميه وهى مهمه تطبيقها فى واقع الحياه.
    فمعركه (احد) التى انطوت على درس عسكرى بالغ الاهميه قد انطوت على بعد آخر لا يقل اهميه عن مضمونها الحربى فحسب بل يفوقه بكثير، فالايه الكريمه فى قوله تعالى: (وما محمد الا رسول قد خلت من قبله الرسل افان مات او قتل انقلبتم على اعقابكم) تستنكر بشده تراجع البعض واستعدادهم للتخلى عن مسووليتهم الاسلاميه الاكيده، فحتى مصرع النبى(ص) لن يكن مبررا لاى كان فى التخلى عن الرساله او الانقلاب عليها.
    فالايه الكريمه بلهجتها الشديده توكد الحفاظ على النظام الاجتماعى باعتباره ضروره عقليه، وبالتالى استمرار مسووليه الجهاد فى غياب النبى(ص).
    ولقد اصبحت مساله الحكومه من البديهات لدى المسلمين فيما بعد وهذا ما ظهر جليا خلال الجدل الذى احتدم فى سقيفه بنى ساعده عشيه وفاه النبى(ص).
    فقد ظهرت مشكله الخلافه، وبرز النزاع داخل البيت الاسلامى ولكن احدا لم يتفوه بعدم ضرورتها.
    وعلى بن ابى طالب(ع) الذى يعد الافضل فى تسنم هذا المنصب الحساس والذى راى (تراثه نهبا) لم يقف من الخلافه - التى حسمت فى غير صالحه - موقفا سلبيا طيله حياته بل تعاون معهم بالقدر الذى يدعم الكيان الاسلامى ويرسخ جذوره فى الحياه، ولم يسع ابدا فى اضعاف مركز الخلفاء وكان يدعم مواقفهم فى كثير من الاحيان، ومواقفه فى الازمات العاصفه تهتف بذلك.
    ولقد استنكر(ع) بشده فيما بعد شعار الخوارج: (لا حكم الا للّه) بقوله: كلمه حق يراد بها باطل. نعم انه لا حكم الا للّه ولكن
    هولاء يقولون: لا امره الا للّه، انه لابد للناس من امير بر او فاجر يعمل فى امرته المومن ويستمتع فيها الكافر ويبلغ اللّه فيها الاجل ويجمع به الفى‏ء ويقاتل به العدو، وتامن به السبل ويوخذ به للضعيف، حتى يستريح بر ويستراح من فاجر).
    ان مساله القياده من حتميات الاسلام وقد شغلت مركزا حساسا بالغ الاهميه، بحيث يكون القائد فردا معصوما من الخطا مطهرا من الذنوب. ولقد تحقق هذا فى ظلال النبى(ص) الذى كان يجمع بين مسووليتين: اداء الرساله وقياده المجتمع الاسلامى، فهو مبلغ للوحى وحاكم للدوله، مبين للشريعه مسوول عن تنفيذها فى واقع الحياه الانسانيه.
    ولقد حدث شرخ كبير بعد رحيل النبى(ص) والتحاقه بالرفيق الاعلى ذلك ان الذين تصدوا للخلافه لم يكونوا انبياء ولا ادعوا
    الاتصال بالسماء، كما لم يدعوا ايضا الامامه فى اطارها المعنوى ومضمونها الروحى، وكانوا يدركون تماما ان مستوياتهم العلميه، والاخلاقيه لا توهلهم ليكونوا ائمه هداه ومثالا للمسلمين.
    وفى موتمر السقيفه اهملت الامامه تماما كزعامه روحيه، واحتدم الجدل حول الجانب السياسى فيها وقد بلغ حماسهم له ان اهملوا جميع الاعمال والمهام الاخرى وفى طليعتها مواراه الجثمان الطاهر لسيدنا محمد(ص) وهى مهمه تكفلها على بن ابى طالب بشكل اساسى.

    وكانت الافكار والتيارات المتصارعه تتخذ من مساله القرابه وبعض الخدمات والاعتبارات القبليه منطلقا فى التاسيس لحق الخلافه.
    ولم يتطرق احد الى مساله العصمه، والاعلميه كاساس فى مقومات الخليفه القادم، وهكذا حسمت مساله الخلافه بطريقه انطوت على قدر كبير من المخاطره بحيث عدها عمر بن الخطاب نفسه: (فلته) يتوجب عدم تكرارها فى المستقبل! غير ان هذا الحسم قد ادى ومع بالغ الاسف الى انفجار الاسلام.. ومن الموكد اننا سنجد جذورا لحرب الجمل وصفين وحتى ماساه كربلاء فى تلك البقعه الجغرافيه الصغيره حيث عقد الانصار جلستهم الطارئه فى سقيفه بنى ساعده لمواجهه مستقبل ما بعد الرسول(ص)!
    ان من المهم جدا دراسه الرويه الشيعيه التى توكد ان الامامه عهد الهى كما النبوه وان الامام كالنبى معين من قبل اللّه مع فارق واحد هو الوحى، فالنبوه تبليغ للرساله والامامه حراسه لها.
    وهذا الكتاب الذى بين يديك عزيزى القارى‏ء يقدم وعلى مدى احد عشر درسا مساله الامامه، مستعرضا الرويتين السنيه والشيعيه ومشيرا الى اشكال النظم فى الوقت الحاضر كما ويناقش مساله العصمه، ومنابع علم الامام، والتشيع فى التاريخ الاسلامى، واخيرا دور الائمه الاثنى عشر من اهل بيت النبى(ص).
    ( ج مركز الغدير للدراسات الاسلاميه الدرس الاول : موقع القياده فى الاسلام


    مقدمه: هل يثير الموضوع اختلافا فى الامه؟
    قد يتصور البعض ان طرح هكذا موضوع سوف يثير جدلا بين الشيعه والسنه، وهو تصور خاط‏ى‏ء.
    ذلك اننا عندما نغض النظر عن الجانب السياسى فى الموضوع، ليكون البحث فى اطاره العلمى فاننا سوف نكتشف ونتعرف اكثر فاكثر روى الفريقين وآرائهم، وهذا مايتيح الفرصه لتضييق هوه الخلاف والاختلاف بين المسلمين.
    على ان البحث العلمى فى هذه المساله الحيويه سيكون معلما فى طريق حريه الفكر والتعبير عن الراى وسعه الافق لدى الفريقين، وسيزيد من اواصر المحبه ويعزز من علاقات الاخوه والتضامن، هذا اولا، وثانيا: ان الاتحاد فى ظلال الحقيقه ستكون له ثماره المفيده وعطاءه الثر، لان الانطواء على الحقائق وكتمانها والتشبث بالاتحاد الظاهرى لن يكون محورا قويا يمكن ان يشد من روابط الامه ويوحد فئات المجتمع الاسلامى.
    وثالثا: ان صيحات الفرقه والطائفيه تستلزم صحوه جاده ومعرفه جوهريه بالاسلام وحقائقه، وهو ما ينشده القرآن الكريم فى الاداره والقياده والحكم، وهى اهداف لا يمكننا بلوغها فى اجواء متشنجه وآراء متعصبه لا ترى قيمه للاخر ولا وزنا. المفهوم العام للامامه:
    يتسع مفهوم الامامه ليستوعب المرجعيه الفكريه والزعامه السياسيه والقياده‏الدينيه.
    والزعامه الدينيه لا تعنى سوى تطبيق حقائق الاسلام فى واقع الحياه ولا تعنى سوى تحقيق الاهداف الانسانيه لرساله الاسلام، تلك الاهداف التى بعث سيدنا محمد(ص) من اجلها وجاهد فى سبيلها.
    وقد يعنى مفهوم الامامه احيانا زعامه اجتماعيه محدوده او سياسيه فى نطاق معين، ولكن ما نحاول مناقشته هنا هو (الامام) بتلك المنزله الرفيعه التى تنطوى على بعد الهى عندما يتصدى انسان ليكون خليفه للنبى فى قياده الامه، وهدايه المجتمع، قياده تستوعب دنيا الناس وعقائدهم الدينيه فى ذات المسيره التكامليه التى بداها النبى(ص).


    الرويه السنيه:
    ينادى اغلب علماء اهل السنه على ان مفهوم الامامه لا يعنى شيئا سوى الخلافه، فهما اصطلاحان مترادفان، وبالتالى فالخلافه مسئوليه اجتماعيه ودينيه كبرى تتم من خلال الانتخاب.
    والخليفه هو الذى يتصدى الى حل مشكلات المجتمع المسلم الدينيه كما انه مسوول عن استتباب الامن العام من خلال القدره العسكريه وحراسه حدود الدوله الاسلاميه، وعلى هذا فالامام ماهو الا زعيم عادى وحاكم اجتماعى.


    مقومات الخليفه فى ضوء النظريه السنيه:
    1 - الخليفه والامام - فى ضوء النظريه السنيه - انسان يتسلم مسوولياته بطريقه الانتخاب، فتكون الخلافه حينئذ مسووليه اجتماعيه وليست عهدا الهيا.
    ومن هنا فهى مساله فرعيه فقهيا، وموضوعها فعل المكلف، واذن فهى تخرج عن دائره الاصول منطقيا عندما يكون موضوعها فعل اللّه عز وجل فتحتاج عندئذ تاسيسا عقليا فى استيعابها.
    2 - التفوق علما وتقوى - ناهيك عن العصمه - ليس شرطا فى الخلافه، فحتى لو تجاوز الخليفه، حدود التقوى وسقط فى دائره الخطيئه فان هذا لن يشكل اخلالا فى خلافته.
    وفى هذا يقول احد ابرز علماء السنه: (لا ينخلع الامام بفسقه وظلمه، وبغصب الاموال وضرب الابشار، وتناول النفوس المحترمه وتضييع الحقوق، وتعطيل الحدود).
    3 - كيفيه الانتخاب: يجوز انتخاب الخليفه باحدى الطرق الثلاث:
    اجماع الامه او اجماع اهل الحل والعقد.
    الاستخلاف من خلال نص الخليفه السابق على اللاحق.
    الشورى.
    ومن الموكد ان آراء اهل السنه فى هذا المضمار ماهى استلهام لما حدث فى حقبه صدر الاسلام والطرق المختلفه التى حسمت فيها الخلافه.
    ولا تمتلك ايا من تلك الطرق المذكوره اساسا عقليه ومنطقيا لكى يمكن بحثها فى هذا الاطار.


    الرويه الشيعيه:
    من وجه نظر الشيعه فان الامامه ليست الا شكلا من الولايه الالهيه، فهى عهد الهى كما النبوه، اذ يصطفى اللّه من يشاء من عباده، مع التاكيد على فارق هام هو ان النبوه تاسيس للرساله والامامه حراسه لها.
    ومن هنا فان من الضروره بمكان ان يلى امر الامه بعد رحيل النبى(ص) انسان مصون من كل خطا منزه من كل خطيئه ونقص، وبعباره موجزه ان تتجسد فيه كل مقومات النبوه باستثناء الوحى.
    وعليه فمن الضرورى جدا وجود فرد لائق عالم ومعصوم ليكون قدوه لامته فى مسارها التكاملى.
    ان دور القائد فى تربيه المجتمع دور موثر وعميق حتى يمكن القول انه اكثر تاثيرا من محيط الاسره وعوامل الوراثه البيولوجيه.
    يقول امير المومنين على(ع): (الناس بملوكهم اشبه منهم بابائهم) ولما كان اللّه عز وجل هو وحده الذى يعرف ذلك الفرد المعصوم، فهو وحده سبحانه له الحق فى انتخاب ونصب الامام.

    اذن فالامامه عهد الهى، وهى مثل النبوه ليس للناس فى ذلك دور.


    اهميه معرفه الامامه:
    تقول النظريه الشيعيه انه لا يمكن فصل الخلافه عن الامامه، لانه لا يمكن الفصل بين قياده الرسول(ص) ونبوته.
    ذلك ان الاسلام سياسيا ومعنويا كل واحد لا يقبل التفكيك ، كما ان البعد الروحى للاسلام جزء لا ينفك عن بعده السياسى. واضافه الى الدور التربوى لوجود الامام كقدوه، ودوره ايضا فى حفظ وحده المجتمع وهدايته الى السعاده الابديه، فان هناك حاجه فطريه لوجود القائد فى الحياه الاجتماعيه، ولما كان الاسلام هو دين الفطره والذى يتناغم فى قوانينه مع حاجات الانسان اجتماعيا وفرديا، فانه من الضرورى ان يلبى الاسلام هذه الحاجه الفطريه فى الفكر الاجتماعى.
    ان اللّه عز وجل قد وفر كل ماهو ضرورى فى تكامل الانسان ونموه جسميا وروحيا، فكيف يمكن حرمانه من هذه الحاجه الفطريه العامه والحيويه؟

    ويعد اصل الامامه فى النصوص الاسلاميه روح الشريعه الاسلاميه والقلب النابض فيها، وان حذفه او تهميشه سيجعل من الدين جثه هامده لا حياه فيها ولا رمق.

    يقول النبى الاكرم(ص): (من مات ولم يعرف امام زمانه مات ميته جاهليه) ومن خلال هذا الحديث نكتشف ان الجاهليه كانت خواء من التوحيد والنبوه والخلق الانسانى، وهذا ما يضفى على الحديث الشريف اهميه فائقه وحساسيه بالغه لارتباط الجهل بالامامه بالمصير الجاهلى.

    تساول: قد يتصور البعض بان تعيين الامام امر لا ينسجم مع اسس الحريه والديمقراطيه، باعتبار ان ذلك سيحصل دون تدخل من الامه فى تحديد شخص القائد وخليفه النبى(ص) وبعباره اخرى عمليه فرض على الامه.
    وهذا التصور ناجم من شعور يجعل من تعيين الامام مساويا للاستبداد.
    على ان ما نشاهده من نظم استبداديه انما تاتى من خلال انقلابات عسكريه او تحولات اجتماعيه او تدخل اجنبى، وحينئذ يكون الراى الاول والاخير للدكتاتور او الطغمه الحاكمه، دون اعتبار لاى شرط من شروط الحاكميه.
    فى حين ان الامامه وفق الرويه الشيعيه تضع شروطا ومعايير لا يمكن تجاوزها ومالم تتوفر تلك الشروط فى شخص فانه لن يكون اماما.
    وكما مر سابقا فان اللّه عز وجل هو وحده الذى يصطفى من تتوفر فيه مقومات العلم والعصمه وغيرهما.

    فالامامه اختيار الفرد الامثل من لدن اللّه ونصبه قدوه للناس وهاديا للامه.
    وهو ذلك الفرد الذى يتمتع بخصائص مثلى فلا يغلبه هوى، ولا يصرعه مطمع، مطيع للّه طاعه مطلقه.
    وهو يحكم فقط شريعه اللّه فلا راى له لان المشرع اللّه عز وجل وهو الامين على الشريعه، فقط.
    ولما كان المشرع هو خالق الانسان المحيط باسراره وطموحاته ومصالحه الحقيقيه، والقائد فرد منتخب من لدن اللّه قد اصطفاه بعد ان حباه بالعلم والعصمه فاننا سوف نواجه صعوبه قصوى فى ان نتصور حكومه فى مثل هذا الاطار فتكون مستبده.
    وهذا لا يتناقض مع حاكميه الامه التى آمنت بالاسلام واعتنقت رساله اللّه بمل‏ء ارادتها.
    هل الديمقراطيه الاطار الامثل فى اداره المجتمع؟

    عندما نريد الاجابه عن هذا التساول ينبغى اثاره بعض النقاط:

    اولا: بالرغم من ان الديمقراطيه تعنى فى مفهومها اللغوى حكم الشعب ولكنها فى الواقع الحياتى تعنى حكم الاكثريه وليس كل الشعب.
    ثانيا: هل يمكننا الادعاء بوجود الديمقراطيه حقا، وهل توجد فى الواقع حكومه ديمقراطيه؟
    ثالثا: هل ان الحق فى جانب الاكثريه دائما؟ ولو صوتت الاكثريه لراى مخالف للعقل او الاخلاق او الشريعه فهل يعنى ان رايها صوابا؟ واذا وقفت الاكثريه ومن اجل اشباع غرائزها الى جانب الاباحيه فياترى ماذا سيكون موقفنا من ذلك ؟
    الا تعد ظاهره الاباحيه والشذوذ الجنسى والتى ترعرت فى بلاد الديمقراطيه ماساه انسانيه واخلاقيه؟
    الا يسعى الحاكم الذى فاز بالزعامه من خلال ترشيح الاكثريه له من اجل تحقيق تطلعات تلك الاكثريه مشروعه كانت ام غير مشروعه؟
    من البديهى ان الانتخابات لا تسفر عن اختيار الفرد الاصلح، كما ان الاكثريه لا يمكن ان تكون ميزانا للحق والباطل.
    والانتخابات بهذه الطريقه تعنى هضم حقوق شريحه واسعه من المجتمع وهى الاقليه دون دليل منطقى مقنع، لانها ستكون تابعه لنظريات الاكثريه ومصالحها.
    اما فى حاله الانتخاب الالهى، فان مصالح الجميع ماخوذه بنظر الاعتبار وهى مصالح حقيقيه بعيده عن الاهواء، لان فى ذلك تسليم لحاكميه اللّه، فليس هناك حكم للاكثريه ولا الاقليه بل حكم اللّه رب العالمين.


    هل الامامه ضروره اجتماعيه؟
    ربما يتساءل البعض عن اهميه الامامه والقياده لكى يقوم اللّه عز وجل بتعيين امام او تقوم الامه بانتخاب القائد؟
    وفى معرض الجواب عن هذا التساول يجب القول ان امه ما اذا لم يكن هناك من يسوسها ويقودها فان الفوضى ستسود حياتها وبالتالى فانها ستكون عرضه للفناء.
    ومن هنا فاننا نلاحظ وعبر مسار البشريه الطويل ظاهره القياده وهى تواكب التاريخ الانسانى.
    وعلى هذا فاننا امام حالتين لا ثالث لهما، وجود الامام او عدمه والحاله الثانيه ستوول بالمجتمع الى الزوال، فتبقى اذن الحاله الاولى.
    وما دامت الامامه والقياده ضروره اجتماعيه يبقى النقاش حول خصائص القائد فاما ان يكون عالما عادلا تقيا شعبيا وبعباره واحده صالحا واما ان يكون ظالما فاسدا شريرا انانيا وبعباره واحده ايضا طالحا.
    ومن المنطقى هنا ان العقل والضمير يرجحان الاول.

    على ان هناك اختيار آخر عندما نقف بين فردين احدهما صالح والاخر اصلح، فاضل وافضل، وهنا نواجه مساله الافضليه.
    وهى المساله التى‏اثارت جدلا بين السنه والشيعه.
    فاغلبيه اهل السنه يرون جواز امامه المفضول بوجود الافضل، وهى رويه تصطدم مع المنطق العقلى، لان العقل يرفض الترجيح دون مرجح فكيف يمكنه قبول ترجيح المرجوح على الراجح؟!
    وتاسيسا على هذا يبقى طريق واحد فقط وهو وجود الامام الذى يتفوق على اهل زمانه فى كل الخصال الطيبه.
    فالرويه الشيعيه هى الرويه التى تنسجم ومنطق العقل والفطره والضمير.
    ولا تنطوى هذه الرويه على ايه تحديد للحريه ولا على استبداد ولا على اى شى‏ء يتناقض ويصطدم مع موقف العقل.
    وهى رويه تنهض على اساس ان اللّه سبحانه هو خالق الانسان والمجتمع وهو اعلم بمصالحه الحقيقيه وارحم به من غيره، فيبقى اختياره هو الاصلح والاكثر انسجاما مع معطيات العقل وما تنطوى عليه الفطره البشريه السليمه.
     
  6.   مشاركة رقم : 4    ‏2003-07-05
  7. نبض اليمن 2003

    نبض اليمن 2003 عضو متميّز

    التسجيل :
    ‏2003-06-15
    المشاركات:
    1,116
    الإعجاب :
    0
    الأخت الكريمة حضرمية وبس
    أعتقد أن الأخ عادل أحمد قدم طرح ممتاز للموضوع والذي تستفيدين منه في بحثك ، فشكراً لك أخي عادل وشكراً للاخ حضرمية وبس على طرحها لهذا الموضوع الجيد
    تحياتي
     
  8.   مشاركة رقم : 5    ‏2003-07-05
  9. الصريح جدا

    الصريح جدا عضو

    التسجيل :
    ‏2003-05-28
    المشاركات:
    162
    الإعجاب :
    0
    الاخت الكريمة : حضرمية مغتربة

    تعريف الديمقراطية عند أهلها هو (أن يحكم الشعب نفسه بنفسه في كل الامور ، الاجتماعية والسياسية والاقتصادية وغيرها ، فيشرّعون لها مايرونه مناسبا ، ويقضى الحكم بالاغلبية )

    هذا فحوى تعريف المفكرين الغربيين للديمقراطية ، ويعتبر جان جاك روسو المنظر الأكبر للديمقراطية الغربية في العصور الحديثة .

    ومن مميزاتها انهم يطالبون بالمساواة بين كل افراد الشعب في كل الحقوق والواجبات

    حكمها من منظور اسلامي :

    تعتبر الديمقراطية مصادمة لدين الله ، ومنازعه له سبحانه في حكمه و أمره

    وإليك البيان :
    من اصول الديمقراطية : أن الشعب يحكم نفسه بنفسه في كل الامور ،
    أما الاسلام : فالحكم لله الواحد القهار في كل الامور الدينية والدنيوية ، بل هو عبادة كما قال تعالى : ( ان الحكم الا لله أمر الاّ تعبدوا الا اياه )
    واعتبر الله ذلك منازعة له في التشريع قال تعالى : ( أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين مالم يأذن به الله )

    من اصول الديمقراطية : المساواة بين افراد الشعب ذكرا او انثى
    اما الاسلام فقد فرّق بين الذكر والانثى فهناك خصائص لكل منهما فيمتاز الرجل بأمور وتمتاز المرأة بأمور اخرى قال تعالى ( وليس الذكر كالانثى)
    ( وللرجال عليهن درجة)
    وهذا امر الله وحكمه ، فلابد من التسليم ، ولايجوز للنساء الجاهلات ان يأخذن في انفسهن
    كما أن الرجال لايجوز لهم ان يأخذوا في انفسهم اذ فضّل الله رسوله عليهم جميعا ،وفضّل مكة والمدينة على سائر الارض ، وفضّل الانصار واهل اليمن والشام على غيرهم ،
    فهل يجوز لأحد ان يعترض على حكمه وامره ؟ فله سبحانه حكمته وحجته البالغة
    اللهم سلّمنا بما انزلت فاشهد بأنّا مسلمون .

    الديمقراطية ساوت بين الرجل والمرأة في الميراث
    الاسلام جعل للرجل مثل حظ الانثيين

    الديمقراطية لم تلزم الرجل بالنفقة وتوفير السكنى للزوجة
    الاسلام فرض ذلك

    الديمقراطية يستوي فيها صوت الرجل العاقل الخلوق الصالح بصوت الرجل العربيد الاخرق السكّير وربما المجنون

    وفي الاسلام : قال تعالى : ( افنجعل الذين امنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الارض ام نجعل المتقين كلافجار ) استفهام انكاري.

    الديمقراطية يستوي فيها صوت المسلم بالكافر !

    وفي الاسلام : قال تعالى : ( أفنجعل المسلمين كالمجرمين مالكم كيف تحكمون )

    الديمقراطية يستوي فيها صوت العالم بصوت الجاهل !

    وفي الاسلام : قال تعالى : ( هل يستوي الذين يعلمون والذين لايعلمون )

    هذه عجالة
    وللحديث بقية
     
  10.   مشاركة رقم : 6    ‏2003-07-05
  11. الشاحذي

    الشاحذي مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2003-04-16
    المشاركات:
    18,231
    الإعجاب :
    9
    الديمقراطية الشورائية.. نقاط الالتقاء

    مما لا شك فيه أن دائرة واسعة من الفقهاء واهل النظر يؤمنون بوجود نظام سياسي إسلامي عادل يراعي كرامة وحقوق الإنسان اصطلحت على تسمية الأدبيات السياسية المعاصرة بأنه نظام الشورى. وفي نفس الوقت يعتقد الجميع بان هذا الشكل الراقي للحكم انتهى بعد سيطرة النظام الاستبدادي بدأ من سيطرة الأمويين على السلطة ومنذ تلك الحقبة عاش المجتمع المسلم فترة طويلة تحت هيمنة الاستبداد الذي لا يعترف للأمة بأية حقوق كما انه وتبعاً لذلك يمنع الكثير من أنماط التفكير والاعتقاد التي لا تتلائم مع توجهات السلطة ويعالج كل قضايا الخلاف بواسطة استخدام العنف والتصفيات الجسدية مما قاد إلى تأصيل العنف ومنحة شرعية في حل الخلافات والامساك بزمام الحكم مع ضمان خلق طواعية رعايا الدولة.
    ولعل من الثابت هو أن الإسلام يرفض هذا اللون من السلوك الهادف لتحقيق سيطرة الدولة ولا يرى للسلطة حق الطاعة إلا بعد البيعة التي يجب أن تكون طوعية ونابعة من رضى تام لأن الرضى قاعدة عامة في جميع ما يتعلق بالإنسان فلا يحق اخذ مال أو تصرف دون رضى صاحبه وكل ما وقع من الإنسان دون قصد واختيار فهو باطل .
    ويرجع جميع المسلمين إلى معرفة القواعد واطر العلاقات إلى فترة الرسول (ص) وإلى الأئمة (ع) وثم الفقهاء. فهي الأساس في معرفة طبيعة النظام الشورائي والتطبيق الاشمل لهذه القاعدة.
    لكن وصول الأمويين أبدل هذه الطريقة بطريقة شرعنة السيطرة بالقوة وعندما أقرت السلطة أسلوب السيطرة فكأنها أعلنت عن إمكانية لجوء أي طامع بالسلطة إلى اللجوء إليها للاستحواذ عليها وبذلك يسود قانون الغلبة بين فئات المجتمع وهو يعني بالضمن أن الرادع الوحيد عن طلب السلطة هو الضعف والعجز.
    نتائج الاستبداد
    ولقد قادت هذه الشرعنة إلى أضرار فادحة لم تكن واضحة الأبعاد في العصور الإسلامية الأولى لقوة الدولة إلا أن ذلك صار جلياً في فترات لاحقة. في البداية أدت إلى خلق الحوافز لجميع الفئات للبحث عن فرصة فنتج عن ذلك تربص طبقات المجتمع بانتظار السانحة مما أعطى للقانون والذرائع الأخرى دوراً ثانوياً وانفتح باب الصراع الدموي على مصراعيه إلى أن أدى في عصور لاحقة إلى انتهاء مركزية الدولة وبروز دويلات صغيرة تتحكم بمساحات من الدولة في نفس الوقت أفضى ذلك إلى نشوء سلطات لا تمثل الا نفسها وتقوم علناً بالتحكم واحتكار المنافع والمصالح ويغض النظر عن الأضرار التي تنال بقية طبقات المجتمع فضلاً عن استخدام الدين والقيم لإغراض تبريريه بدلاً عن دوره الفعلي في قيادة الحركة الاجتماعية برمتها واعداد القانون الذي يفترض فيه الهيمنة على العلاقات واعتماده كفيصل في التقاطعات والخلافات مما يؤدي في النهاية إلى سيادة الاستقرار والأمن الاجتماعي.
    وطبيعي أن يؤدي هذا المسار إلى تردى متتابع ومتواصل ويمنع أي محاولة للسير بالاتجاه المعاكس وأن تتفاقم السلبيات إلى أن صارت المجتمعات الإسلامية تعرف بالتخلف وتوصف به وخصوصاً حينما بدأت عمليات المقارنة مع الأوضاع التي سادت في العالم الغربي الذي بدأ حديثاً وقوياً ويقرع بقوة على أسوار الحضارة الإسلامية ويهدد بإزالتها.
    الشورى في الفكر المعاصر
    ومن هنا انطلق الفكر الإسلامي للبحث عن أسباب هذا التردي وعلاقته بالنظم الاستبدادية التي سيطرت خلال التاريخ السابق وسبل الخلاص منه مما عرف بفكر اليقظة أو فكر الأنوار تشبيهاً لها بفترة الأنوار التي سبقت النهضة الغربية.
    ولقد كان من نتائج ذلك التأكيد على وثاقة الصلة بين التخلف والاستبداد و أن العلاج يكون بالقضاء على الاستبداد وببناء أنظمة دستورية بدلا من الملكيات المطلقة التي كانت حاكمة في عصر الأنوار ولهذا كثر الحديث عن المشروطية والديمقراطية وما هو أثرها وابعادها ومدى علاقتها بنظام الشورى الإسلامي.
    وهكذا (ارتبط مفهوم الديمقراطية مع فكرة الشورى في الفكر الإسلامي المعاصر ضمن محاولات التجديد المعاصرة)(1) لكن هذه المحاولات لم ترى في الديمقراطية أو الشورى مجرد نظام سياسي ناجح في إدارة شؤون الدولة ويسهل أيضاً عمليات انــتقال السلطة بصورة سلمية بل لأنها من أهم أدوات الأمن الاجتماعي والقضاء على التوترات والصراعات بين فئات المجتمع التي قد تكون غير متطابقة ولهذا صارت (بؤرة الاهتمام باعتبارها مدخلاً لأية تطورات أخرى مثل التنمية أو الوحدة الوطنية أو الاستقرار الداخلي أو السلام)(2).
    إشكاليات التطبيق
    وهكذا احتل الحديث عن النظام الشورائي مساحة واسعة من السجال الفكري الدائر لاختيار السبل المتاحة والموصلة إلى النهضة الإسلامية إلى الصورة التي تختزنها التجربة الإسلامية في التراث والتي لم تكن تحمل أي شكل عملي معاصر مطبق ومعاش والتي انقطعت بعد سيطرة الاستبداد فهذا بالطبع لا يتم الا بالمزاوجة بينها وبين الصورة المشابهة والمطلقة في العالم الغربي والتي تنتمي إلى تجربة اجتماعية وسياسية خاصة مخالفة ومغايرة كلياً.
    ولهذا انطوت عملية المزاوجة على (إشكالية أساسية تنعكس على كل المجهودات التأصيلية والاجتهادات وخاصة حين يسعى المفكرون والمنظرون الإسلاميون عموماً إلى استخدام أدوات ومناهج إسلامية أصولية فاللجوء إلى القياس أو الرأي أو الاستصحاب لا يحل التناقض لأن مفهومي الديمقراطية والشورى ينتميان إلى بيئتين مختلفتين. ولهما عناصر وجزئيات ومكونات مختلفة ومتباينة تطورت ضمن صيرورات تاريخية وظروف اجتماعية مختلفة تماماً. لذلك يظل انتزاع أي مفهوم من سياق بنيته الفكرية عملية معقدة، وفي بعض الأحيان تضر بالاثنين إذا يفرغ من مضمونه الأصلي، وفي الوقت نفسه يصعب دمجه أو تمثيله في البنية الأخرى).(3)
    وهكذا يصبح تأصيل الديمقراطية باعتبارها نظاما حيا معاشا في واقع عاش فترات طويــلة من الاستبداد من خلال أطر فكرية وقانونية إسلامية (شورى) أول مشكلة تواجه المشروع وتتفرع بدورها إلى إطارين الأول نظري والثاني عملي.
    ففي الإطار النظري لابد من الإجابة على سؤال (هل هناك ضرورة لإدراج مفهوم الديمقراطية ضمن بنية الفكر الإسلامي ام يمكن لمفهوم الشورى أن يكون مقابلاً أو بديلاً كاملاً يغني عن استعارة ذلك المفهوم الأجنبي؟)(4)
    وعند محاولة الإجابة يتبعثر الفكر إلى طيف واسع من الاتجاهات تمتد من الأصالة التي ترفض أي مزاوجة ثم الاتجاه التوفيقي واخيراً الذي يدعو إلى استعارة الديمقراطية في وجهها المعاش بلا أي رجوع إلى الشورى وبات هذا التعدد من أهم مشاكل إعاقة البناء السياسي المعاصر ولقد سعت الأنظمة في فترة تاريخية سابقة إلى بناء أنظمة توفيقية وقامت باستعارة القوانين والمؤسسات وجاءت هذه المساعي لتشكل سابقة للمحاولات الفعلية التي لا تزال تتلمس طريقها إلى التطبيق خصوصاً بعد أن انتهت الأنظمة الشمولية في العالم إلى الإفلاس ولشدة المعاناة في العالم الإسلامي التي نالت الجماهير والنخب حتى غدت الديمقراطية والشورى مطلباً واسعاً ترغب رؤيته حياً جميع طبقات المجتمع الإسلامي وليس هناك تفاوت الا في قضية الأصالة أو العودة إلى النموذج الأصيل الذي لا يتعارض مع الجذر الثقافي للأمة. فيكون هذا التوجه هو أحد الجوامع والمشتركات بين اغلب الاتجاهات الفكرية السائدة على أن نفس التوجه الديمقراطي وان كان جاء معاً الا أنه ينتشر بين عدة أطر أيدلوجية تتفاوت في الكثير من المعالم بحيث لا يمكن أن تتشكل دولة ديمقراطية في ظل الجامع الديمقراطي بسبب تناقض بقية التفاصيل والتوجهات وعلى صعيد التطبيق تعد هذه الإشكالية من أهم الإشكاليات التي تعصف بالواقع في البلدان الإسلامية ولهذا تحتاج هذه المجتمعات إلى اكتشاف جامع يمكن بواسطته استيعاب جميع أشكال التباينات وقد سبق لأشكال الــتطبيقات الديمقراطية أن عانت من هذه الإشكالية ففي التيارات العلمانية نلاحظ قيام السلطات بممارسة الديكتاتورية مع الاتجاهات الإسلامية ويمكن أن يحدث العكس في ظل سيطرة التيار الإسلامي.
    الشورى والاستقرار السياسي
    ومن هنا فان العودة إلى البحث عن حلول في الإطار النظري يسمى ضرورة كما أن محاولات الـتطبيق بالكيفية السابقة تحتاج إلى اكتشاف إطار نظري يقضـي على أجواء الصراع لأن الشورى أو الديمقراطية لا يمكن تطــبيقها إلا في أجواء يحكمها القانون والسلام.
    ومن هنا فان مهمة الفكر السياسي هذه المرة تتمثل بالتفكير في إنتاج مؤسسة سياسية تدار بواسطة العلماني أو الإسلامي أو أي اتجاه آخر دون أن تفضي إلى مشاكل تنتج من اختلاف أيدلوجية الاتجاه الذي يمسك بالسلطة والذي غالباً ما ينشأ من محاولة إفناء الآخر.
    الجامع بين التنوعات
    وإذا كان الأمر كذلك فإننا لا نجد جامعا سوى الدين كجامع ثقافي يمكن أن يشكل قاسماً بين التيارات ذلك أن اللا دين يحتاج إلى تجريد أوسع طبقات المجتمع من ثقافتها ومن معتقداتها وهذا أمر غير ممكن فعلاً بينما يحظى عكسه إلا وهو الدين بقبول حتمي من قبل النخب الإسلامية ومن قبل الجماهير بينما لا تتقاطع اغلب النخب العلمانية معه ولكنها لا تتبناه كطريق لتحقيق التنمية أو للعبور من التخلف إلى التقدم وتكون النتيجة أن الدين سيمثل الإطار الذي يمثل الأكثرية ولذلك فانه يجب أن يشكل الفضاء الذي يسمح بتعايش الاتجاهات الفكرية المتعارضة بعد التخلص من عقدة الديكتاتورية المتمثلة بالرغبة بإلغاء الآخر.
    وحين يصل الأمر إلى بحث موقف النخب فإنها أما نخب إسلامية أو علمانية وبالنسبة للنخب الإسلامية لا توجد مشكلة ويمكن للنخب العلمانية أن ترجع إلى أيدلوجياتها التي غالباً لا ترفض الدين ولا تقف ضده ولكنها لا تحاول استنباط الحلول من خلاله لذا يمكنها قبوله كجامع من خلال أرضية عدم التناقض معه وبالتالي مع بقية فئات المجتمع.
    ولعل المرجع لهذا النوع من القبول هو التجربة الاجتماعية الطويلة الأمد التي فرضت خلال عدة قرون حقائق غير قابلة للنقض الا وهي عدم قدرة أي من التيارات للانفراد بالسيطرة على الواقع وأن محاولة ذلك لن ينتج سوى الصراع الدامي الطويل الأمد والذي لا يسفر عن حسم الصراع لصالح أي من الأطراف خصوصاً أن هذا الصراع ليس فقط لا يسفر عن حالة من عدم الحسم بل يؤدي إلى إفشال كل برامج التنمية والنهوض ويؤدي إلى تكريس حالة الركض وراء أحلام طوباوية غير قابلة للتحقق لكن إذا تحقق الاستقرار والأمن الاجتماعي ستتمكن الجماهير من تبني الحلول الواقعية بناءاً على الوعي والتجربة الناضجة وليس على أساس الشعارات وأحلام اليقظة.
    ولكل ما أوردناه ستحل أطروحة الشورى موقفاً هاماً لأنها ستتمتع بالأصالة التي تفضلها التيارات الإسلامية بأنواعها التوفيقية أو التي ترفض التوفيق ويمكن لها أيضاً أن تكون مقبولة من قبل التيارات العلمانية لأنها تشكل وتستوعب جميع تفاصيل الديمقراطية وجوهرها لأنها في كل الأحوال مشروع لا يزال في صورته النظرية التي ستصل إلى صورتها الناضجة من خلال التطبيق الناجح والذي لابد له من أن يتحرى الجوانب القابلة للتحقيق وليس الصور المثالية التي يطمح لها هذا الاتجاه أو ذاك.
    وفي النهاية فأن الصورة النهائية ستكون ملكا للخبراء الذين يصوغون القوانين بحيث يأتي معبراً عن الروح الشورائية والديمقراطية خصوصاً أنها في اصل وجودها تنطوي على نقاط اشتراك جوهرية ويمكن لخبير القانون العلماني أن لا يعارض تعاليم الدين فيماً يتعلق بالجانب السياسي الذي يرى اغلب منظري ومفكري الطرفين أن الدين ترك اغلب تفاصيله مفتوحة لطبيعة العصر يمليها أهله تبعاً لمصالحه وهكذا يكون الفضاء الإسلامي قابلاً لاستيعاب تنوعات مجتمعاته التي نتجت من خلاله الصيرورة الاجتماعية وخلال تاريخ عريق يضيف في كل مقطع تنوعاً جديداً إلى الواقع فيتغير تباعاً.
    الاشتراك بين الديمقراطية والشورى
    ويحاول اغلب الذين تصدوا لبحث قضية الشورى التأكيد على وجود مبادئ أساسية يقرها الدين الإسلامي وتشكل أساس الشورى الإسلامية ويؤكدون أيضاً تطابقها مع أسس الديمقراطية من قبيل سيادة القانون الإسلامي (والقانون من أهم مظاهر الديمقراطية في الحكم واحترام حقوق الإنسان ومدى سعتها أو ضيقها)(5) ولهذا فانه (يفترض (القانون الدستوري) في الدولة الخاضعة للقانون النتائج التالية 1ـ أن الحكام هم في خدمة الشعب... إذ لا فاصلة بين الحاكم والمواطن سوى المسؤولية والدور الوظيفة. 2ـ أن أمن المواطنين وضمان سلامتهم والحفاظ على مصالحهم العامة من التهديدات الداخلية والخارجية من أهم أهدافها. 3ـ أيجاد مقومات القوة والبقاء والكرامة الاجتماعية والسياسية في الشعب والنظام)(6).
    ويتمتع القانون الإسلامي بميزات عن القوانين الوضعية بنقاط قوة إضافية منها (أن قوانين الإسلام إنسانية أممية في الحكم لا تؤمن بالجنسيات والقوميات والعنصريات المختلفة)(7).
    كما تتجلى ديمقراطية الإسلام بجملة عناصر هي (1ـ الحياة الحرة المرفهة 2ـ الأمن والسلام 3ـ تقرير المصير)(8).
    وإذا ثبت لدينا وجوه نواحي عديدة تتفق فيها الديمقراطية والشورى فحينها يمكن للجميع تبنى النظام الديمقراطي بجوهره ومراميه وغاياته وحتى أشكاله المتعددة مما يتيح فرصا أوسع لاختيار الشكل الأكثر انسجاماً مع البنية الاجتماعية الإسلامية.
    التفكيك بين النظام والعقائد
    كما يمكن الوصول إلى حالة اكثر كمال عبر تثبيت النظام السياسي كصيغة يتفق عليها جميع الفرقاء والتفكيك بينه وبين العقيدة فالفرد يقبل النظام السياسي دون أن يتعارض ذلك مع عقيدته السياسية أو المذهبية.
    وبواسطة التفكيك بين العقيدة السياسية وبين النظام السياسي الذي يعيش في ظله جميع أبناء المجتمع سواء كانت مذاهب دينية أو مذاهب سياسية سيتم استيعاب التنوع في إطار وحدة مقبولة لدى الجميع تكون طريقاً للاندماج الاجتماعي الذي يعد اكبر المشاكل التي تواجه التنمية والاستقرار.
    شورى الفقهاء كحل لمعضلة الاستبداد
    وبالنسبة للمذهب الشيعي يمكن أن يــشكل نموذج شورى الفقهاء صيغة ناجحة لبناء مؤسسة شيعية قادرة على التعايش مع السلطات أو الاستقلال دون أن تفقد خصوصياتها المذهبة كما يمكن أن تعمم لتصبح نموذجاً أوسع إذا قبلت من قبل الأطراف الأخرى باعتبارها صيغة عملية قابلة للتطبيق وتنطوي على مواصفات عدة تعطيها فرصة الحياة اكثر من سواها واول هذه المواصفات هي كونها أصيلة أي أنها لا تستعير أي شيء خارج البناء الموروث فالحوزة الشيعية الفت وجود المراجع وجود المرجع الأعلى الذي يصبح كذلك لأنه من اعلم العلماء الموجودين فضلاً عن الصفات الأخرى وهذا الأمر لا يأتي اعتباطا بل يقربه العلماء واهل الفضل ولهذا السبب فانه يحصل على اكبر عدد من المقلدين وبسبب هذا الوضع فانه سيكون زعيماً للأكثرية ويوجد إلى جانبه عدد آخر من العلماء الذين يأتون بعده من ناحية عدد المقلدين وهكذا يمكن أن يمثل هذا الواقع نوعين من الصيغ المعروفة هي صيغة الحزب المرجعي أو صيغة التمثيل النيابي فيكون المرجع إما نائباً عن مقلديه الذين يطيعون فتاواه أو زعيماً لهم باعتبارهم حزباً وبالتالي فانهم يعملون بفتاواه بغض النظر عن هذا الاعتبار أو ذاك.
    وتأتي الأطروحة لتضيف تعديلاً بسيطاً على هذا الواقع إذ تجعل عملية اختيار الزعيم أو المرجع الأعلى تتم بواسطة مجلس يتم فيه التشاور لادارة شؤون المذهب وخصوصاً بالنسبة للمقاطع الخطرة في التاريخ والتي تحتاج إلى وحدة قرار وللتخفيف من ضغط المواجهات الذي يخوضها بعض العلماء مع القوى المستبدة عندما يكون الموقف جماعياً وموقفا لجميع اتباع مذهب أهل البيت.
    الأصالة في أسس الأطروحة
    ومن الواضح أن هذه الأطروحة تتأسس على الاعتقاد بأن النظام الإسلامي نظام شورائي وأن الشورى بالكيفية السابقة نظام سياسي وليست عملية استيناس بآراء بعض الخبراء أو أهل الاطلاع وأن هذا الأخير جزء من العملية لأن الشورى هي (1ـ أن الشورى مبدأ إسلامي عام لا يختص فقط بالمجال السياسي بل حتى في الحياة الأسرية والاجتماعية 2ـ أن للشورى مجالات الأول: مشورة الحاكم المسلم للمسلمين في الأمور المتعلقة بهم، والثاني: مشورة المسلمين فيما بينهم على إدارة شؤونهم، فهي دعوة الطرفين إلى الشورى طرف الحاكم وطرف الرعية 3ـ مبدأ التشاور قائم في الأمور المتعلقة بشؤون المسلمين دون الأحكام الشرعية التي ورد فيها النص)(9).
    وبالإضافة إلى هذا فإن هذا الاعتقاد بناءً على دلالة الآيات والروايات التي يستنبط منها وفق الطرق العلمية في استنباط الأحكام على واجبه (وجوب اخذ الآذن بالتـــصرف، فكل شـــيء يرتبط بــــشؤون الأمة لابد من الاستشارة فيه سواء في اصل الجعل أو تابعه)(10).
    أما بالنسبة لمواردها فأنها لا تمثل المحرمات والواجبات (أما في سائر الشؤون الشخصية منها، فتستحب المشورة فيها، وفي الشؤون الاجتماعية تجب مشورة الحاكم مجيئاً إلى الحكم وتنفيذاً لامر دون أمر. أما وجوب المشورة في مجيء الحاكم إلى الحكم فلأنه تسلط على الناس، والناس لا يصح التسلط عليهم الا برضاهم، أما الصغرى فواضح واما الكبرى فلقاعدة السلطنة الناس مسلطون على أموالهم وانفسهم ـ هذا بالإضافة إلى وجوب كون الحاكم جامعاً للشرائط المقررة في الشريعة الإسلامية)(11).
    الفقه والأطروحة
    وعلى هذا فأن الدعوة قائمة بناءاً على مباني فقهية ويمكن للفقهاء بحثها كذلك وبالتالي تسويقها كأطروحة سياسية تبشر بحل للمشكلة الرئيسة في العالم الإسلامي الا وهي مشكلة الأنظمة الاستبدادية والصراع بين الفئات الاجتماعية التي تختلف في الرؤى السياسية.
    وهي أيضاً تعتمد رؤية النظام المتعدد الأحزاب ولذلك فإنها تتناغم من الاتساع في الأيدلوجية حتى يمكن لها أن تكون أرضية لاستيعاب الأحزاب العلمانية وفق عملية تكييف مقبولة لكنها لــحد الآن لا تبين بوضوح فيما إذا كان الشيعة يعيشون في دولة مستقلة محكومة بالمذهب أو إذا كانوا يعيشون ضمن مجتمع متعدد المذاهب وكيف يمكن إيجاد العنصر المشترك الذي يتم تأسيس النظام السياسي على ضوءه هذه الإجابات يمكن العثور عليها في تفاصيل الأطروحة ويمكن الإشارة إليها لاحقاً عندما يصار إلى بحث المزيد من الجوانب التفصيلية.
    الهوامش
    (1) التيارات الإسلامية وقضية الديمقراطية ـ الدكتور حيدر إبراهيم علي ـ صادر عن مركز دراسات الوحدة العربية، ص139.
    (2) نفس المصدر، ص178.
    (3) المصدر السابق، ص139.
    (4) المصدر السابق، ص157.
    (5) الحكومة الديمقراطية أصولها ومناهجها، فاضل الصفار، ص34، دار المحجة البيضاء.
    (6) المصدر السابق، ص39.
    (7) المصدر السابق، ص54.
    (8) المصدر السابق، ص؟؟
    (9) الشورى في الإسلام ـ الإمام السيد محمد الحسيني الشيرازي، ص20.
    (10) المصدر السابق، ص23.
    (11) المصدر السابق، ص35.
     
  12.   مشاركة رقم : 7    ‏2003-07-05
  13. المريسي مهدي

    المريسي مهدي عضو فعّال

    التسجيل :
    ‏2003-06-11
    المشاركات:
    526
    الإعجاب :
    0
    الديمقراطية التي ندعوا لها ونجاهد من اجل تحقيقها ، هي التي لاتحل حراما ،ولا تحرم حلالا..!

    والديمقراطية ليست قالب واحد..! بل يمكن تكييفها حسب معتقدات وتقاليد الشعوب المختلفة .و هي اداة للتداول السلطة بالطرق السلمية ، بكلمة اخرى هي حل سلمي للصراع الطبقي والطائفي والقبلي داخل المجتمع.

    شكرا للاخ الشهيدي وللاخ عادل احمد على بحثثيهما القيمين.:):):)
     
  14.   مشاركة رقم : 8    ‏2003-07-05
  15. ابن الا مير

    ابن الا مير عضو

    التسجيل :
    ‏2002-12-18
    المشاركات:
    226
    الإعجاب :
    0
    اختى الكريمة .....الديمقراطية مصطلح يونانى تعني حكم الشعب نفسه بنفسه ولاشك ان ثقافة المنشأ لهاتاثيرهافي المحتوى والذى قد تتفق مع ثقافتنافي بعض مفرداتهاوتختلف في بعضهاوبما انها تجربة انسانية فلا ضيران اخذنامنهاماهوموافق لديننافالحكمةظالة المؤمن اناوجدهافهواحق الناس بهاونرفض المخالف... نعلم ان كثيرمن المسلمين ينفرون من مثل هذه المصطلحات رغم ان فقهاءناقالوابان العبرة في المقاصد والمعانى وليس في الالفاظ والمبانى ...فالديمقراطية الغربية عموماتقوم على مبادئ منهاماهوموافق للدين مثل--مشاورةالامة في شئونها العامة ..وحق الامة في اختيارمن يحكمها..حق الامة في محاسبة الحاكم وحق الحسبةالعامةلغرض حماية المبادئ والمصالح العامة...حق عزل الحاكم عن منصبة ......فمصطلح الديمقراطية في الاسلام والبحث في مضامينه ومحتواه قيد للباحث مسبب للمتاعب... وكان الاولى هوالشورى في الاسلام...

    هنابحث قيم حول الشورى في الاسلام قد يفيدك في موضوعك اتمنى لك التوفيق......

    السنة السياسية
    في الشورى والمشاورة
    محمد بن المختار الشنقيطي
    إن من رحمة الله تعالى بعباده أن بعث إليهم رسلا مبشرين ومنذرين يبلغونهم رسالة الله، ويجسدونها أمامهم في مثال بشري حي، وجعل الخالق سبحانه هؤلاء الرسل بشرا ولم يجعلهم ملائكة عن قصد وحكمة، تسهيلا للاقتداء، وإعذارا بالحجة: "رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل" (1) "قل لو كان في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين لنزلنا عليهم من السماء ملكا رسولا" (2).
    وإن من أهم المبادئ السياسية في الإسلام مبدأ الشورى في بناء السلطة والمشاورة في أدائها. وقد ورد ورد المبدأ الأول في سورة "الشورى" في قوله تعالي في وصف المؤمنين: "وأمرهم شورى بينهم" (3) وورد الثاني في أمره تعالى للنبي صلى الله عليه وسلم: "وشاورهم في الأمر" (4). لكن ما ورد في الكتاب الكريم هنا مجملا، ورد في السنة النبوية مفصلا بالقول وبالفعل. والسنة لا تنفك عن الكتاب الكريم، ولا تستقيم حياة المسلمين دون الاغتراف من معينها، والاسترشاد بنورها.
    وهذه مساهمة في الحوار الدائر الآن حول مبدإ الشورى، ومكانته في النظام السياسي الإسلامي، من خلال استقراء لبعض ما ورد في السنة النبوية من مشاورات، نحاول من خلال استنطاقها استنباط بعض الإجابات على بعض الإشكالات ذات الصلة بالشورى، مثل: الفرق بين الشورى والمشاورة، ومن يشملهم الأمر بالشورى والمشاورة، ومدى الإلزام والإعلام فيهما، ووضع المشاورة في موضعها، وتخصيص أهل العلم والخبرة بمكانة خاصة في هذه العملية، وحق المرأة المسلمة في المشاركة فيها، واعتبار الأغلبية مرجحا وقت التشاور..الخ
    ولسنا نطمح إلى تقديم إجابات شافية على هذه الإشكالات العملية - بل نترك ذلك لأهله المؤهلين له - وإنما هي محاولة لكشف جوانب من النموذج الإسلامي في بناء السلطة وأدائها، عسى أن يكون ذخرا للعاملين وعبرة للمعتبر، مع لفت نظر المهتمين بالسياسة نظريةً وممارسةً إلى ثراء السنة النبوية في هذا المضمار، وضرورة الاغتراف منها والاهتداء بهديها. والله الموفق لكل خير.
    بين الشورى والمشاورة
    إن من المستحسن التمييز منهجيا بين مبدإ الشورى ومبدإ والمشاورة، إذ الشورى ترتبط بالمداولات المتعلقة بوجود السلطة ابتداء وشرعيتها وتداولها، أما المشاورة فترتبط بالمداولات المتعلقة بأداء السلطة وإدارتها وتسييرها.
    وهذا التمييز المنهجي مبني على اعتبار شرعي وآخر لغوي:
    · أما الاعتبار الشرعي فهو أن المشاورة وردت في القرآن الكريم في سياق الحديث إلى النبي صلى الله عليه وسلم: "وشاورهم في الأمر"، أما الشورى فقد وردت في سياق الحديث عن المؤمنين: "وأمرهم شورى بينهم" فالنبي صلى الله عليه وسلم لم يؤمر بالشورى، وإنما أُمر بالمشاورة، أما المؤمنون فهم مأمورون بالشورى نصا، ومأمورون بالمشاورة ضمنا، اقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم. وفائدة ذلك في التمييز بين الشورى والمشاورة، هي أن الأنبياء لا يستمدون قيادتهم من الأمة، فهم ليسوا بحاجة إلى الشورى ذات الصلة ببناء السلطة وشرعيتها، لأن شرعية الأنبياء السياسية مسألة اعتقادية، فطاعتهم طاعة لله متعينة: "من يطع الرسول فقد أطاع الله" (5) وبيعتهم بيعة لله لازمة: "إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله" (6). فحق الأنبياء في القيادة أمر مفروغ منه اعتقادا، وهو تولية من الله تعالى لا من الناس، ولذلك قال تعالى لداود: "يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض" (7). وفي قصة الرجل الأزدي ابن اللتبية دلالة واضحة، حيث "قام رسول الله صلى الله عليه وسلم، فخطب الناس، وحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد، فإني أستعمل رجالا منكم على أمور مما ولاني الله، فيأتي أحدكم فيقول: هذا لكم وهذه هدية أهديت لي، فهلا جلس في بيت أبيه وبيت أمه حتى تأتيه هديته إن كان صادقا؟" (8) وفي روايات أخرى: " قال: أما بعد، ما بال أقوام نوليهم أمورا مما ولانا الله" (9) " أما بعد، فإني أستعمل رجلا منكم على أمور مما ولاني الله" (10) "إني استعملت أحدكم على العمل مما ولاني الله" (11) " إنا نستعمل منكم رجالا على ما ولانا الله" (12) فأسند صلى الله عليه وسلم ولايته إلى الله مباشرة، لا إلى الناس. وبذلك يتضح أن نظرية "التفويض الإلهي" التي كان يقول بها ملوك أوربا في العصور الوسيطة هي نظرية صحيحة في الإسلام، لكن بالنسبة للأنبياء فقط. أما غير الأنبياء فهم يستمدون شرعيتهم السياسية المباشرة من الخلق لا من الخالق، وكل ادعاء منهم باستمداد الشرعية السياسية من الخالق مباشرة إنما هي تضليل للخلق وافتراء على الخالق سبحانه.
    · وأما الاعتبار اللغوي الذي نستند إليه في التمييز بين الشورى والمشاورة، فهو الصيغة الصرفية والإيقاع الصوتي: أما صرفيا فالأصل في الفعل على وزن "فاعَلَ" أن يكون مصدره القياسي على وزن "فِعال" مثل "قاتل قتالا" أو على وزن "مُفاعلة" مثل "شاور مشاورة". وبذلك نحمل آية آل عمران "وشاورهم في الأمر" على المشاورة، لا على الشورى. وأما الإيقاع الصوتي فرغم الاشتراك في الجذر اللغوي فإن لفظ الشورى يوحي بمعنى الانفتاح والتداول غير المحدود، فناسب عملية بناء السلطة التي يشترك فيها الكل مع الكل. أما لفظ المشاورة فهو يوحي بالثنائية والتداول الحصري، فناسب مشاورة السلطة لعموم الناس، أو لبعضهم حول صناعة القرار السياسي. وليس استعمالنا للإيقاع الصوتي هنا مجرد انطباع، فالإيقاع الصوتي لألفاظ القرآن الكريم له شأن أحيانا في مدلولاتها، كما بينه كل من الباقلاني والزمخشري، وقد كتب الشهيد سيد قطب دراسة تطبيقية لذلك هي كتابه "التصوير الفني في القرآن"، فقدم نظرات ثاقبة في هذا السبيل.
    نماذج من المشاورات النبوية
    لقد كان النبي صلى الله عليه وسلم أكثر الناس مشاورة، حتى روي عن أبي هريرة رضي الله عنه قوله: "ما رأيت أحدا أكثر مشورة لأصحابه من رسول الله صلى الله عليه وسلم" (13).
    ومن مشاورات رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه - تمثيلا لا حصرا - ما يلي:
    · مشاورته الأنصار في قتال قريش يوم بدر: عن أنس بن مالك رضي الله عنه " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما سار إلى بدر، استشار المسلمين فأشار عليه أبو بكر رضي الله عنه، ثم استشارهم فأشار عليه عمر رضي الله عنه، ثم استشارهم فقالت الأنصار: يا معشر الأنصار إياكم يريد رسول الله صلى الله عليه وسلم. قالوا: إذن لا نقول كما قالت بنو إسرائيل لموسى: "اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون"، والذي بعثك بالحق لو ضربت أكبادها إلى برك الغماد لاتبعناك " (14). وفي رواية: "فاستشار المسلمين، فأشار عليه أبو بكر رضي الله عنه فسكت، ثم استشار فأشار عليه عمر رضي الله عنه فسكت، فقال رجل من الأنصار إنما يريدكم" (15) وفي روايات أخرى: " فتكلم أبو بكر فأعرض عنه، ثم تكلم عمر فأعرض عنه.." (16) "فقال قائل الأنصار: تستشيرنا يا نبي الله.." (17) "فجعل يستشير صلى الله عليه وسلم، فقالت الأنصار: والله ما يريد غيرنا.." (18).
    · مشاورته في أسرى بدر، هل ينبغي قتلهم أم قبول الفداء منهم: "قال ابن عباس: فلما أسروا الأسارى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر وعمر: ما ترون في هؤلاء الأسارى؟ ..." (19) وفي رواية:" قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر وعمر وعلي: ما ترون في هؤلاء الأسارى؟ ..." (20) ومثلها: "... فاستشار رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر وعليا وعمر رضي الله عنهم" (21) وفي رواية أخرى بصيغة أعم: "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما تقولون في هؤلاء الأسارى؟" (22) أو "ما ترون في هؤلاء الأسارى؟" (23) دون قصر ذلك على أبي بكر وعمر وعلي، بل وردت الاستشارة عامة لجميع الحضور من الصحابة. ورواية الطبراني أصرح في ذلك إذ ورد فيها: " لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالأسارى استشار فيهم الناس.." بل فيها: " فجمع أصحابه فقال لهم أشيروا علي فيهم" (24).
    · مشاورته الناس في الخروج إلى قريش لقتالها عند جبل "أُحد"، أو انتظارها في المدينة، واعتماد خطة دفاعية لصدها. "وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما جاءه المشركون يوم أحد كان رأي رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقيم بالمدينة يقاتلهم فيها، فقال له ناس لم يكونوا شهدوا بدرا: تخرج بنا يا رسول الله إليهم فنقاتلهم بأحد، ونرجو أن نصيب من الفضيلة ما أصاب أهل بدر. فما زالوا برسول الله صلى الله عليه وسلم حتى لبس أداته فلما لبسها ندموا وقالوا: يا رسول الله أقم فالرأي رأيك. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما ينبغي لنبي أن يضع أداته بعد أن لبسها حتى يحكم الله بينه وبين عدوه..." (25) و"عن جابر بن عبد الله قال ثم استشار رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس يوم أحد فقال: ... فلو قاتلتموهم في السكك، فرماهم النساء من فوق الحيطان، قالوا: فيدخلون علينا المدينة؟ ما دخلت علينا قط، ولكن نخرج إليهم، قال: فشأنكم إذن. قال [الراوي]: ثم قدموا قالوا رددنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم رأيه، فأتوا النبي صلى الله عليه وسلم، فقالوا يا رسول الله رأيَك. فقال: ما كان لنبي أن يلبس لأمته ثم يخلعها حتى يقاتل.." (26).
    · مشاورته قادة الأنصار في التنازل لقبيلة غطفان عن نصف تمر المدينة على أن تنسحب غطفان من جيش الأحزاب الذي يحاصر المدينة يومذاك: "عن أبي هريرة قال: جاء الحارث الغطفاني إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد شاطرنا تمر المدينة، قال [صلى الله عليه وسلم]: حتى أستأمر السعود، فبعث إلى سعد بن معاذ وسعد بن عبادة وسعد بن الربيع وسعد بن خيثمة وسعد بن مسعود رحمهم الله فقال: إني قد علمت أن العرب قد رمتكم عن قوس واحدة، وإن الحارث يسألكم أن تشاطروه تمر المدينة، فإن أردتم أن تدفعوا إليه عامكم هذا حتى تنظروا في أمركم بعد. قالوا: يا رسول الله أوحي من السماء فالتسليم لأمر الله؟ أو عن رأيك أو هواك فرأينا تبع لهواك ورأيك؟ فإن كنت إنما تريد الإبقاء علينا فوالله لقد رأيتنا وإياهم على سواء ما ينالون منا تمرة إلا بشِرىً أو قرىً. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم [لغطفان]: هو ذا تسمعون ما يقولون... " (27) وفي لفظ آخر: " جاء الحارث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ناصفنا تمر المدينة وإلا ملأتها عليك خيلا ورجالا. فقال: حتى أستأمر السعود: سعد بن عبادة وسعد بن معاذ، يعني يشاورهما، فقالا: لا والله ما أعطينا المدينة من أنفسنا في الجاهلية، فكيف وقد جاء الله بالاسلام. فرجع إلى الحارث فأخبره" (28).
    · مشاورته في طعن حلفاء قريش من الخلف يوم الحديبية حينما بلغه صلى الله عليه وسلم أنهم انضموا إلى الجموع الذين يريدون مقاتلته وصده عن البيت الحرام "فقال أشيروا أيها الناس علي، أترون أن أميل إلى عيالهم وذراري هؤلاء الذين يريدون أن يصدونا عن البيت، فإن يأتونا كان الله عز وجل قد قطع عينا من المشركين، وإلا تركناهم محروبين. قال أبو بكر: يا رسول الله، خرجت عامدا لهذا البيت لا تريد قتل أحد ولا حرب أحد، فتوجه له، فمن صدنا عنه قاتلناه. قال امضوا على اسم الله" (29) وفي رواية: ".. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أشيروا علي، أترون أن نميل إلى ذراري هؤلاء الذين أعانوهم فنصيبهم؟ فإن قعدوا قعدوا موتورين محزونين، وإن نجوْا يكونوا عنقا قطعها الله، أم ترون أن نؤم البيت فمن صدنا عنه قاتلناه؟ فقال أبو بكر الصديق رضوان الله عليه: الله ورسوله أعلم، يا نبي الله: إنما جئنا معتمرين، ولم نجيء لقتال أحد، ولكن من حال بيننا وبين البيت قاتلناه. فقال النبي صلى الله عليه وسلم فروحوا إذن" (30).
    · مشاورته علي بن أبي طالب وأسامة بن زيد في فراق عائشة رضي الله عنها أثناء محنة الإفك. قالت عائشة: " فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب وأسامة بن زيد حين استلبث الوحي يستشيرهما في فراق أهله. فأما أسامة فأشار عليه بالذي يعلم في نفسه من الود لهم، فقال أسامة: أهْلَكَ يا رسول الله، ولا نعلم والله إلا خيرا. وأما علي بن أبي طالب فقال: يا رسول الله لم يضيق الله عليك، والنساء سواها كثير.." (31). ثم مشاورته جمهور الناس في المسجد حول طريقة الرد على الذين جاءوا بالإفك: " عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب الناس، فحمد الله وأثنى عليه، وقال: ما تشيرون عليَّ في قوم يسبون أهلي. ما علمت عليهم من سوء قط .." (32) وفي رواية: "أما بعد، أشيروا علي في أناس أبَنُوا أهلي، وايم الله ما علمت على أهلي من سوء، وأبَنُوهم بمنْ - والله - ما علمت عليه من سوء قط، ولا يدخل بيتي قط إلا وأنا حاضر، ولا غبت في سفر إلا غاب معي" (33).
    وضع المشاورة في موضعها
    يتبين من الأمثلة أعلاه أن حدود المشاورة هي ما يمليه الموقف وتقتضيه المصلحة، وأنها يمكن أن تكون عامة أو خاصة، في أمر عام أو خاص:
    · ففي الخروج إلى قتال قريش يوم أحد والإغارة على ذراري حلفائها يوم الحديبية استشار النبي صلى الله عليه وسلم جميع الناس، لأنها مهمة عامة تحتاج إلى مشاركة الجميع بالرأي والتنفيذ.
    · وفي قتال قريش يوم بدر استشار الأنصار خاصة، وأعرض عن كلام أبي بكر وعمر، لأن الأنصار لم تربطهم بنبي الله صلى الله عليه وسلم قبل ذلك بيعة قتال خارج المدينة، وإنما كانوا ملتزمين - بمقتضى بيعة العقبة الثانية - بحمايته داخل المدينة، فكان لابد من أخذ رأيهم والتأكد من رضاهم بأمر جديد زائد عن بنود بيعة العقبة. وقد نسب ابن حجر إلى ابن إسحاق قوله: إن النبي صلى الله عليه وسلم "كان يتخوف [من الأنصار] أن لا يوافقوه، لأنهم لم يبايعوه إلا على نصرته ممن يقصده [داخل المدينة] لا أن يسير بهم إلى العدو" (34).
    · وفي بذل نصف تمر المدينة لغطفان لم يستشر سوى قادة الأنصار، لأن الأنصار هم أهل الأرض وملاك النخيل، وهم الذين سيتحملون عبء تلك الصفقة لو تمت. أما المهاجرون فقد أخرجوا من ديارهم وأموالهم وتركوها خلفهم في مكة.
    · وفي قضية أسرى بدر جمع بين المشاورة العامة والخاصة، فاستشار الجيش كله، لأن لجميع أفراده حقا في الأسرى، واختص أبا بكر وعمر وعليا بمشاورة خاصة، لأن الأسرى من قريش، وفيهم إخوان للمهاجرين وأبناء عمومة وأقارب، فلا يحسن التصرف في رقابهم دون استبيان مشاعر المهاجرين حول هذا الأمر. ولذلك قال أبو بكر: "يا رسول الله هم بنو العم والعشيرة" ..
    · ونفس الجمع بين المشاورة العامة والخاصة فعله في قضية الإفك، فاستشار أسامة بن زيد وعلي بن أبي طالب في فراق عائشة، فهذا ابن عمه وذاك مولاه، وحري بقضية عائلية مثل هذه أن تظل في محيطها الخاص. أما الجانب العام من الأمر وهو طريقة الرد على الذين جاءوا بالإفك، فقد خطب عموم الناس في المسجد واستشارهم فيهم، لأنها قضية سياسية عامة تتعلق بمقام النبوة وقيادة المجتمع المسلم، وخطر إشاعة الفاحشة في الذين آمنوا.
    لكن عموم اللفظ الذي ورد به الأمر بالمشاورة في القرآن الكريم، وأكثر التطبيقات النبوية تدل على أن الأصل في المشاورة في الأمور العامة العموم. وقد حاول بعض المفسرين أن يقصر مدلول آية المشاورة على أبي عمر وعمر، لكن عموم اللفظ لم يسعفهم. وقد أحسن القاضي أبو بكر بن العربي في الرد عليهم، فقال: "المراد بقوله: "وشاورهم في الأمر" جميع أصحابه، ورأيت بعضهم قال: المراد به أبو بكر وعمر، ولعمرو الله إنهما أهل لذلك وأحق به، ولكن لا يقصر عليهما، فقصره عليهما دعوى" (35).
    ولعل أحسن ضابط هنا حول من تشملهم الشورى والمشاورة، هو ذلك الذي يمكن استنباطه من التعبير القرآني: "وأمرهم شورى بينهم"، فكل من كان الأمر أمره، بمعنى أنه معني بذلك الأمر، متأثر بتائج القرار السياسي الذي سيتخذ حول ذلك الأمر .. يصبح من حقه أن يسهم في المشورة حوله، سواء أصالة أو نيابة. وقد رأينا كيف حرص صلى الله عليه وسلم على أن يكون المعنيون بكل أمر، المتأثرون بما سيؤول إليه، أول من تتم استشارتهم فيه، مثل المهاجرين في أمر أسرى بدر، والأنصار في أمر تمر المدينة.
    تخصيص أهل العلم والخبرة
    ورد عن عمر رضي الله عنه: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يزال يسمر في الأمر من أمر المسلمين مع أبي بكر رضي الله عنه، وأنه سمر عنده ذات ليلة وأنا معه" (36) وقد أكثر النبي صلى الله عليه وسلم من استشارة أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، حتى أصبحا بمثابة وزيريه. كما اختص قادة الأنصار بالاستشارة في بعض الأمور التي تخصهم كمصالحة غطفان على نصف تمر المدينة. ويمكن أن يفهم هذا الاختصاص بالمشاورة على وجهين:
    · أولهما: أن نعتبر أبا بكر وعمر ممثليْن للمهاجرين، والسعدين ممثليْن للأنصار. وفكرة التمثيل والنيابة في المشاورة لها أصل في السنة، ومن أمثلتها بيعتا العقبة، وسؤال النبي صلى الله عليه وسلم عرفاء الناس عن رأيهم في التنازل لهوازن عن سبيهم لما جاؤوا تائبين بعد غزوة حنين. وقد بوب البخاري لهذه القصة: "باب العرفاء للناس" وأورد فيها "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال حين أذن لهم المسلمون في عتق سبي هوازن: إني لا أدري من أذن في ذلك ممن لم يأذن، فارجعوا حتى يرفع إلينا عرفاؤكم أمركم. فرجع الناس فكلمهم عرفاؤهم فرجعوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبروه أن الناس قد طيبوا وأذنوا" (37) " لأن العرفاء مقام الوكلاء" (38).
    · وثانيهما: أن أبا بكر وعمر والسعدين من أهل العلم والخبرة، فاختصاصه صلى الله عليه وسلم لهم بالمشاورة مبني على خبرتهم وعلمهم، لا أنهم ممثلون لعامة الناس من ورائهم. ويشهد لهذا الفهم أن أبا بكر وعمر لم يكونا من زعماء قريش قبل الإسلام، ولا هما ينتميان إلى بيوت القيادة في قريش. كما يشهد له عمل عمر رضي الله عنه. قال البخاري رحمه الله: "كان القراء أصحاب مشورة عمر كهولا أو شبانا، وكان وقافا عند كتاب الله عز وجل" (39). فعمر كان يختص طائفة من المسلمين بالاستشارة، ويصغي إليهم أكثر مما يصغي إلى غيرهم، لعلمهم بكتاب الله عز وجل، الذي هو الأصل والمرجع عند الملمات. وهذا ما يزكي الرأي القائل باختصاص أهل العلم والخبرة بالاستشارة.
    والذي يظهر من الجمع بين النصوص أن لا تناقض: فاختصاص النبي صلى الله عليه وسلم بعض أهل العلم والثقة والخبرة موجود في السنة، لكنه لا يناقض حق عموم المسلمين في المشاورة. وإنما يجمع بين الاستشارة العامة والخاصة. ويصار إلى الاستشارة الخاصة - نيابة عن العامة - إذا فرضت ذلك ظروف عملية تمنع من استبيان رأي الجميع، كما حدث في شأن سبي حنين. كما يصار إليها حين تقتضي طبيعة الموضوع الاقتصار على بعض دون بعض لأن الأمر يهمهم أكثر، أو لما لديهم من علم وخبرة مكنونة.
    حق النساء في الشورى والمشاورة
    ومن عموم المشاورة أنها تشمل الرجال والنساء معا. وقد اختلف المفسرون في جمع المذكر - مثل صيغة وشاورهم - إن ورد في القرآن الكيرم هل يشمل الرجال والنساء أم لا.. لكن الشيخ محمد الأمين الشنقيطي قدم قرينة على خروج هذه الآية من الخلاف، طبقا لمنهجه في "إيضاح القرآن بالقرآن" حين بين أن الأمر بالاستغفار الوارد في آية المشاورة يشمل الرجال والنساء، بصريح قوله تعالى: "فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات" (40). وشمول أحد الأوامر الواردة في آية المشاورة يقضي بشمول الأوامر الأخرى لهن بدلالة الاقتران والتعاطف. ونفس الشيء ينطبق على آية الشورى: فإذا كان النساء داخلات بلا خلاف في تلك الصفات التي امتدح بها الخالق سبحانه عباده المؤمنين من الاستجابة لله، وإقام الصلاة، والانفاق في سبيل الله، فتلك قرينة قوية على دخولهن في الصفة الرابعة وهي الشورى: "وأمرهم شورى بينهم".
    وبالنظر في السنة السياسية، نجد ما يدعم عموم المشاورة للنساء والرجال على حد السواء. فإذا كان العلماء اختلفوا في شمول جمع المذكر للنساء، فإنهم لم يختلفوا في دخولهن تحت مدلول لفظ "الناس" وهو أكثر ما استعمل في أحاديث المشاورة: "أشيروا علي أيها الناس" "فاستشار الناس" ..الخ وفي تصحيح أم المؤمنين أم سلمة لجاريتها دليل طريف على ذلك، فعن أم سلمة: " ...سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: أيها الناس، فقلت للجارية: استأخري عني، قالت: إنما دعا الرجال ولم يدع النساء، فقلت: "إني من الناس"" (41).
    وقد استشار النبي صلى الله عليه وسلم زوجه أم سلمة يوم الحديبية، ووجد فيما أشارت به تداركا للموقف وإنقاذا للمسلمين من الهلكة. وذلك حين " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه: قوموا فانحروا ثم احلقوا. قال [الراوي]: فوالله ما قام منهم رجل، حتى قال ذلك ثلاث مرات، فلما لم يقم منهم أحد دخل على أم سلمة فذكر لها ما لقي من الناس، فقالت أم سلمة: يا نبي الله أتحب ذلك؟ اخرج لا تكلم أحدا منهم كلمة حتى تنحر بُدْنك وتدعو حالقك فيحلقك. فخرج فلم يكلم أحدا منهم حتى فعل ذلك، نحر بدنه ودعا حالقه فحلقه. فلما رأوا ذلك قاموا فنحروا وجعل بعضهم يحلق بعضا..." (42).
    وسواء كان ما ذكره النبي صلى الله عليه وسلم على سبيل المشاورة - كما نفهم من السياق - أو لمجرد الإعلام، فإن أخذه بمشورتها فيه دلالة كافية على دخول المرأة المسلمة في عموم المشاورة، وقيمة خبرتها ورأيها في الشأن العام.
    الشورى بين الإلزام والإعلام
    كثيرا ما دار الجدل حول إلزامية الشورى وإعلاميتها، بمعنى هل يجب الالتزام بمقتضى رأي أغلب الناس في المسألة المتناولة أم لا. لكن هذا الجدل غالبا ما انطلق من خلط بين الشورى ذات الصلة ببناء السلطة، والمشاورة ذات الصلة بأدائها، فأدى إلى تشويش وبلبلة.
    وبالانطلاق من هذا التمييز المنهجي تتضح الصورة أكثر:
    فالشورى ذات الصلة ببناء السلطة لا بد أن تكون ملزمة، وإلا فقدت مدلولها الشرعي وثمرتها المصلحية. وكل نصوص السنة في الموضوع تدل على وجوبها ابتداء وإلزاميتها انتهاء، بل تتوعد الخارج على جماعة المسلمين بعد أن يستقر رأيهم على اختيار قائد يرضونه لدينهم ودنياهم، ومن يفتات عليهم في أمر اختيار قادتهم.
    وأول ما يسترعي الانتباه هنا هو حرص النبي صلى الله عليه وسلم على أن يترك لأمته حق اختيار قادتها، فقد ورد عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لو كنت مستخلفا أحدا دون مشورة لاستخلفت عليهم ابن أم عبد" " (43). وفي روايات أخرى: "لو كنت مستخلفا أحدا دون مشورة لاستخلفت ابن أم عبد" (44) "لو كنت مستخلفا أحدا على أمتي دون مشورة لاستخلفت عليهم عبد الله بن مسعود" (45) "لو كنت مؤمرا على أمتي أحدا دون مشورة منهم لأمرت عليهم ابن أم عبد" (46) وابن أم عبد هو عبد الله بن مسعود رضي الله عنه.
    وقد جهِد النبي صلى الله عليه وسلم واجتهد لأمته نصحا، لكنه لم يلزمها باختيار شخص بعينه قائدا لها من بعده. لذلك حين "قيل يا رسول الله من نؤمر بعدك؟ قال: إن تؤمروا أبا بكر تجدوه أمينا زاهدا في الدنيا راغبا في الآخرة، وإن تؤمروا عمرا تجدوه قويا أمينا لا يخاف بالله لومة لائم، وإن تؤمروا عليا ولا أراكم فاعلين تجدوه هاديا مهديا يأخذ بكم إلى الطريق المستقيم" (47).
    أما ربط بناء السلطة بالشورى فقد قال فيه عمر رضي الله عنه: "من بايع رجلا دون مشورة من المسلمين فلا يتابع هو ولا الذي بايعه تغرة أن يقتلا" (48) "ألا من بايع رجلا دون مشورة من المسلمين فإنه لا يبايع لا هو ولا من بويع له تغرة أن يقتلا" (49) "ألا وإنه بلغني أن فلانا قال لو قد مات عمر بايعت فلانا، فمن بايع امرأ دون مشورة من المسلمين فإنه لا بيعة له ولا للذي بايعه" (50) وقول عمر: "لا خلافة إلا عن مشورة" (51).
    ومن وصية عمر رضي الله عنه وهو على فراش الموت "ثم اجمعوا في اليوم الثالث أشراف الناس وأمراء الأجناد فأمروا أحدكم، فمن تأمر من غير مشورة فاضربوا عنقه" (52) وفي رواية "تشاوروا ثم أجمعوا أمركم في الثلاث واجمعوا أمراء الأجناد، فمن تأمر منكم دون مشورة من المسلمين فاقتلوه" (53).
    بل إن في تحذير النبي صلى الله عليه وسلم كفاية للمستكفي: " عن عرفجة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من أتاكم وأمركم جميع على رجل واحد يريد أن يشق عصاكم أو يفرق جماعتكم فاقتلوه" (54). ومن المعلوم أنه بدون الشورى لن يكون أمر الناس مجتمعا على رجل واحد. ويكفي هذا دلالة على وجوب الشورى المتعلقة ببناء السلطة، وعلى إلزامية نتيجتها.
    ولا يشترط الإجماع في اختيار الحاكم لتعذره عادة، كما نبه على ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية في أكثر من موضع من "منهاج السنة"، وإنما يكفي حصول أغلبية. بل هذا هو عمل الصحابة رضي الله عنهم. فأبو بكر اعترض على بيعته سعد بن عبادة رضي الله عنه مدة حياته، واعترض عليها علي رضي الله عنه مدة ستة أشهر، ثم بايع بعد ذلك "ولم يكن بايع تلك الأشهر" (55) لكن ذلك لم يؤثر في شرعية قيادته ووجوب طاعته. وعلي اعترض على خلافته عدد من كبار الصحابة في المدينة - حصرهم البعض في سبعة عشر - كما اعترض عليها أهل الشام، ومع ذلك " فخلافته صحيحة بالاجماع، وكان هو الخليفة في وقته، لا خلافة لغيره" (56).
    المشاورة بين الإلزام والإعلام
    وأما المشاورة ذات الصلة بأداء السلطة وتسييرها، فهي واجبة ابتداء، لكن نتيجتها قد تكون ملزمة أو معلمة حسب الحالة. وتدل السنة السياسية على أن النبي صلى الله عليه وسلم التزم بنتيجة المشاورة في الأمور العامة إلا في حالتين:
    · الحالة الأولى: أن يكون لديه وحي من الله من تعالى في الأمر، فليس له خيار سوى الإذعان، وليست مشاورته لأصحابه في هذه الحالة سوى إعلام وإقناع باتباع التوجيه الرباني في هذا الشأن. ومن أوضح الأمثلة على ذلك صلح الحديبية الذي أصر عليه النبي صلى الله عليه وسلم، رغم رفض السواد الأعظم من أصحابه للصلح ابتداء، كما يتضح من قصة أم سلمة المتقدمة. وسبب رفض المسلمين لصلح الحديبية ابتداء هو أنه " كان فيما اشترط سهيل بن عمرو على النبي صلى الله عليه وسلم أنه لا يأتيك منا أحد وإن كان على دينك إلا رددته إلينا وخليت بيننا وبينه. فكره المؤمنون ذلك وامتعضوا منه، وأبى سهيل إلا ذلك، فكاتبه النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك" (57) وقد كان عمر رضي الله عنه أرفع الناس صوتا برفض هذا الشرط الذي رآه ورآه المسلمون معه مجحفا " فجاء عمر بن الخطاب فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله ألسنا على حق وهم على باطل؟ قال: بلى، قال: أليس قتلانا في الجنة وقتلاهم في النار؟ قال: بلى، قال: ففيم نعطي الدنية في ديننا ونرجع ولما يحكم الله بيننا وبينهم؟ فقال يا بن الخطاب إني رسول الله ولن يضيعني الله أبدا" (58) وفي رواية: "قال عمر بن الخطاب: فأتيت نبي الله صلى الله عليه وسلم فقلت: ألست نبي الله حقا؟ قال: بلى، قلت: ألسنا على الحق وعدونا على الباطل؟ قال: بلى، قلت: فلم نعطي الدنية في ديننا إذن؟ قال إني رسول الله ولست أعصيه وهو ناصري" (59) وفي روايات أخرى: " قال: إني رسول الله ولست أعصي ربي وهو ناصري" (60) " قال: إني رسول الله ولن أعصيه ولن يضيعني" (61). ومن الواضح من بعض روايات هذه القصة أنه صلى الله عليه وسلم لم يصر على الصلح يوم الحديبية عن رأي منه واجتهاد، وإنما عن أمر إلهي ليس له أن يحيد عنه، وهو ما تنطق به عبارات الروايات الأخيرة التي أوردناها:"ولست أعصي ربي" "ولن أعصيه" "ولست أعصيه". فليس لمسلم - فكيف بنبي - أن يعصي أمر الله تعالى مراعاة لخواطر الناس، أو حرصا على الأخذ بمشورتهم.
    · الحالة الثانية: إذا كانت عملية المشاورة قد اكتملت، واستقر رأي الجماعة على خيار بعينه، وصدر القرار بتبني ذلك الخيار. بحيث يصبح التراجع والتردد أمرا لا يحتمل، نظرا لما يترتب عليه من ظهور الضعف والتخاذل داخل الصف المسلم. ولعل قصة الخروج إلى قريش لقتالها عند جبل أحد تصلح مثالا هنا. فقد قبل النبي صلى الله عليه وسلم رأى السواد الأعظم من أصحابه بالخروج إلى أحد، ولم يكن ذلك رأيه، بل كان يرى المقام واتخاذ موقف دفاعي في المدينة. لكن حينما ندم بعض الناس على رأيهم الأول، وطلبوا منه الرجوع إلى موقفه الأول، أبى ذلك، لأنه ترددٌ يفضي إلى ظهور الضعف وعدم القدرة على الحسم لدى القيادة النبوية، وهو ما لا يجوز في حق القادة السياسيين والعسكريين الناجحين في أي زمان ومكان، فكيف بالأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم. وقد جاء رده صلى الله عليه وسلم معبرا: "ما ينبغي لنبي أن يضع أداته بعد أن لبسها حتى يحكم الله بينه وبين عدوه". والحق أن إصرار النبي صلى الله عليه وسلم على الخروج إلى أحد بعد أن عزم أمره، ليس رفضا لرأي الأكثرين من أصحابه، بل هو إلزام لهم برأيهم الذي ارتأوه، وصيانة لقوة المسلمين وهيبتهم في نفوس أعدائهم، في وقت يوحي فيه التردد بالضعف والتخاذل، وهو أمر لا يحتمل في الحرب.
    وكل من الحالتين متضمن في قوله تعالى: "فإذا عزمت فتوكل على الله" فقد وردت الآية بصيغة المتكلم: "فإذا عزمتُ" بضم التاء وإسناد العزم إلى الله تعالى (62) وهو ما يقضي بعدم اعتبار آراء الناس إذا ورد وحي يحسم الأمر. كما وردت بصيغة المخاطب: "فإذا عزمتَ" بفتح التاء، وهو ما يقضي بأن أمر الجماعة إذا استقر على خيار بعينه، فلا مجال للتراجع، لأن كل تراجع في هذه الحالة - خصوصا في أوقات الحرب- سيكون تخاذلا وضعفا في لحظة الحزم والحسم، وذلك هو "العزم والتبين" الوارد في كلام البخاري الآتي. وقد امتثل صلى الله عليه لمعنى الآية - على القراءتين - الآية يوم الحديبية ويوم أحد.
    وقد أحسن الإمام البخاري حين بوب في صحيحه لفقه هذه المسألة، فقال: "باب قول الله تعالى: "وأمرهم شورى بينهم" و"شاورهم في الأمر" وأن المشاورة قبل العزم والتبين، لقوله "فإذا عزمت فتوكل على الله". فإذا عزم الرسول صلى الله عليه وسلم لم يكن لبشر التقدم على الله ورسوله. وشاور النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه يوم أحد في المقام والخروج، فرأوا له الخروج فلما لبس لأمته وعزم قالوا: أقم، فلم يمل إليهم بعد العزم، وقال: "لا ينبغي لنبي يلبس لأمته فيضعها حتى يحكم الله". وشاور عليا وأسامة فيما رمى به أهل الإفك عائشة، فسمع منهما حتى نزل القرآن فجلد الرامين، ولم يلتفت إلى تنازعهم، ولكن حكم بما أمره الله. وكانت الأئمة بعد النبي صلى الله عليه وسلم يستشيرون الأمناء من أهل العلم في الأمور المباحة ليأخذوا بأسهلها فإذا وضح الكتاب أو السنة لم يتعدوه إلى غيره اقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم. ورأى أبو بكر قتال من منع الزكاة فقال عمر: كيف تقاتل الناس وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوا لا إله إلا الله عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله"، فقال أبو بكر: والله لأقاتلن من فرق بين ما جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم تابعه بعدُ عمر، فلم يلتفت أبو بكر إلى مشورة إذ كان عنده حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم في الذين فرقوا بين الصلاة والزكاة وأرادوا تبديل الدين وأحكامه. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: من بدل دينه فاقتلوه " (63).
    وللشيخ عبد السلام ياسين رأي طريف في لزوم الأخذ برأي الأغلبية في المشاورة، فهو يرى أن الأغلبية الملزمة للحاكم هي الثلثان، لا أقل من ذلك. ودليله حديث ابن غنم الأشعري "أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأبي بكر وعمر: لو اجتمعتما في مشورة ما خالفتكما" (64) فأبو بكر وعمر - في تحليله - يمثلان أغلبية الثلثين، إذا كانا مع النبي صلى الله عليه وسلم.
    والذي نفهمه من مجمل النصوص التي اطلعنا عليها في هذا الشان أن الشورى في بناء السلطة واجبة ابتداء ملزمة انتهاء، كما بينا من قبل، وأن المشاورة فيها تفصيل:
    · فهي واجبة ونتيجتها ملزمة في الأمور العظيمة التي لا تدخل في اختصاصات الحاكم، نظرا لخطورتها وتأثيرها على مجمل الأمة، كإعلان الحرب، وإبرام الصلح، وما إلى ذلك..
    · وهي واجبة ونتيجتها غير ملزمة في الأمور التي تدخل في صلاحيات الحاكم كتعيين رجال الدولة التابعين له وعزلهم. فبيعة الأمة له تقضي له بحق التصرف في هذه الأمور، والأمة تراقب وتصحح.
    · وهي غير واجبة ونتيجتها غير ملزمة في الأمور الشخصية التي يتحمل الفرد مسؤوليتها ونتيجتها، ولكنها مستحبة تأسيا برسول الله صلى الله عليه وسلم.
    وهكذا يتبين أن الشورى والمشاورة في الإسلام عملية سياسية وترويض ذهني ومنهاج تربوي، وليست مجرد إجراء شكلي لتطييب الخواطر، رغم أن ذلك من ضمن فوائدها.
    لقد عانت أمة الإسلام خلال تاريخها الطويل الكثير من الشقاق والاقتتال ناتج عن عدم الاحتكام إلى سنة نبينا صلى الله عليه وسنة خلفائه الراشدين في الشورى والمشاورة والعدل في الحكم والقسْم. ولن تخرج الأمة من أزمتها التاريخية هذه حتى تعود إلى ربها، وتسترشد بهدي نبيها صلى الله عليه وسلم. والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.
    -----------------------------
    هوامش
    1- سورة النساء ، الآية 165
    2- سورة الإسراء، الآية 95
    3- سورة الشورى، الآية 38
    4- سورة آل عمران، الآية 159
    5- سورة النساء، الآية 80
    6- سورة الفتح، الآية 10
    7- سورة ص، الآية 26
    8- البخاري 6/2632
    9- ابن حبان 10/373
    10- أبو عوانة 4/391
    11- عبد الرزاق 4/54
    12- الطبراني في الأوسط 7/359 وفي الصغير 2/90
    13- سنن الترمذي 4/213 ونحوه في سنن البيهقي الكبرى 9/218 ومصنف عبد الرزاق 5/331 ومسند أحمد 4/328 وقال الحافظ ابن حجر: "رجاله ثقات إلا أنه منقطع" انظر: فتح الباري 13/340 وتحفة الأحوذي 5/306
    14- البيهقي في الكبرى 10/109 والنسائي 5/92 وأحمد 3/105
    15- أبو يعلى 6/407
    16- أحمد 3/257
    17- أحمد 3/188
    18- ابن حبان 11/23
    19- مسلم 3/1385 وعبد بن حميد 1/41 ونحوه عند أبي عوانة 4/255 والبزار 1/307
    20- هذه رواية البيهقي في الكبرى 6/320 وابن حبان 11/115
    21- أحمد 1/30
    22- الحاكم 3/24 والترمذي 4/213 والبيهقي 6/321 وابن أبي شيبة 6/496
    23- أبو يعلى 9/116
    24- الطبراني في الكبير 10/114
    25- ابن حجر: تغليق التعليق 5/330 وقال: "قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد. قلت [القائل هو ابن حجر]: وهو كما قال، فقد روى النسائي وابن ماجه وأبو بكر البزار بعضه". وقال ابن حجر في "الفتح": "وهذا سند حسن" انظر: فتح الباري 13/341
    26- النسائي 4/389 وانظر أيضا البيهقي 7/41 ومسند أبي عوانة 4/358
    27- الطبراني في الكبير 6/28 وقال الهيثمي: "رواه البزار والطبراني... ورجال البزار والطبراني فيهما محمد بن عمرو وحديثه حسن، وبقية رجاله ثقات" مجمع الزوائد 6/132
    28- مجمع الزوائد 6/132
    29- البخاري 4/1531
    30- ابن حبان 11/217 والبيهقي 9/218 والنسائي 5/170 وعبد الرزاق 5/330 والطبراني في الكبير 20/10 ونحوه عند ابن أبي شيبة 7/387
    31- البخاري 2/499 ومسلم 4/2133 وابن حبان 10/17 والنسائي 2/495 وأحمد 6/196 والطبراني في الكبير 23/53 وعبد الرزاق 4/415 وأبو يعلى 8/327
    32- البخاري 6/2683
    33- البخاري 4/1780 ومسلم 4/2138 والترمذي 5/332 وأبو يعلى 8/336 وأحمد 6/59 والطبراني في الكبير 23/106. وأبَنوا أهلي "معناه عابوا أهلي أو اتهموا أهلي وهو المعتمد، لأن الابن بفتحتين التهمة. وقال ابن الجوزي المراد رموا أهلي بالقبيح" فتح الباري 8/470
    34- فتح الباري 7/287
    35- ابن العربي: أحكام القرآن 1/299
    36- الحاكم 2/246 والبيهقي 1/452 والترمذي 1/315 وأحمد 1/25 وابن خزيمة 2/186 وأبو يعلى 1/173 وحسنه الترمذي، وقال ابن حجر: "أخرجه الترمذي والنسائي ورجاله ثقات ...إلا أن في إسناده اختلافا على علقمة" فتح الباري 1/213
    37- البخاري 6/2625 وعبد الرزاق 5/380
    38- يوسف الحنفي: معتصر المختصر 1/235
    39- البخاري 6/2682
    40- سورة محمد، الآية 19
    41- مسلم 4/1795
    42- البخاري 2/978 وابن حبان 11/225 والبيهقي في الكبرى 5/215 وأحمد 4/330 والطبراني في الكبير 20/14
    43- المستدرك 3/359 وقال الحاكم: "هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه"
    44- ابن ماجة 1/49
    45- النسائي 5/73
    46- الطبراني في الأوسط 6/272 والبزار 3/73 وأحمد 1/107. وانظر أيضا في اختلاف ألفاظ الحديث: الترمذي 5/673 وابن أبي شيبة 6/384 والبزار 3/83 وأحمد 1/76 وأحمد 1/95
    47- عبد الله بن أحمد بن حنبل: كتاب السنة 2/541 والمقدسي: الأحاديث المختارة 2/86 وابن حجر: الإصابة 2/503 وقال محقق "السنة" د. محمد سعيد القحطاني: "إسناده حسن" وقال محقق "المختارة" عبد الملك بن دهيش: "إسناده صحيح"، وذكر ابن حجر أن الحديث "في مسند أحمد بسند جيد"
    48- البخاري 6/2505 وعبد الرزاق 5/445
    49- البزار 1/302
    50- ابن حبان 2/148
    51- النسائي 4/272 وابن أبي شيبة 7/431
    52- البيهقي في الكبرى 8/151
    53- عبد الرزاق 5/481
    54- مسلم 3/1480 والطبراني في الكبير 17/145 وأبو عوانة 4/412
    55- البخاري 5/1549 ومسلم 3/1380 وابن حبان 11/153
    56- النووي: شرح صحيح مسلم 15/149
    57- البخاري 2/967
    58- البخاري 3/1411 وأبو عوانة 4/296 والهيثمي 6/237 والبيهقي 9/222 والنسائي 6/463 وابن أبي شيبة 7/385 وأحمد 3/485 وأبو يعلى 1/365 والطبراني في الكبير 6/90
    59- البخاري 2/978 والبيهقي في الكبرى 9/220 وعبد الرزاق 5/339 وأحمد 4/330 والطبراني في الكبير 20/14
    60- ابن حبان 11/224
    61- ابن أبي شيبة 7/388
    62- تفسير البيضاوي 1/300
    63- البخاري 6/2682 وانظر أيضا: ابن حجر: تغليق التعليق 5/330
    64- أحمد 4/227 وقال الهيثمي: "رجاله ثقات إلا أن ابن غنم لم يسمع من النبي صلى الله عليه وسلم" الهيثمي 9/53
     
  16.   مشاركة رقم : 9    ‏2003-07-05
  17. حضرمية مغتربة

    حضرمية مغتربة مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2002-11-05
    المشاركات:
    14,712
    الإعجاب :
    0
    مشكووووووووووووووووووووورة واااااااااااااااااااااااااايد على كل اللي ساعدوني وما قصرتم جعلها الله في ميزان حسناتكم ياااااارب
     

مشاركة هذه الصفحة