موت المشاعر ·· واحتضار الأوطان ....(مقال اعجبني)

الكاتب : homeless   المشاهدات : 555   الردود : 0    ‏2001-06-25
      مشاركة رقم : 1    ‏2001-06-25
  1. homeless

    homeless عضو

    التسجيل :
    ‏2000-10-14
    المشاركات:
    170
    الإعجاب :
    0
    موت المشاعر ·· واحتضار الأوطان


    التوتر في شبكة العلاقات الاجتماعية أخطر ما تواجهه المجتمعات العربية في الوقت الراهن، بنسب متفاوتة، لكنه في عموميته قضى على دفء المشاعر التي حملها البدو الرحّل في ترحالهم لمواجهة قساوة الصحراء، أرضاً وكائنات، تلك المشاعر التي قوّاها الإيمان وأنهى ما علق بها من شوائب الجاهلية بدءاً بوأد البنات وانتهاءً بالوثنية، حتى أن السيادة أصبحت لرفاهية المشاعر اقتداء بالرسول- صلى الله عليه وسلم- وخضوعاً للأوامر الإلهية·وقد التزم العمل السياسي فيما عرف بالخلافة الراشدة بدفء المشاعر على اعتبار أنها السبيل لمواصلة الجهاد، طبقاً للقاعدة القرآنية التي خاطب بها الخالق رسوله- صلى الله عليه وسلم-: لو كنت فظـّـاً غليظ القلب لانفضوا من حولك·· ، والسؤال: ما علاقة هذا بحياتنا المعاصرة وما علاقته بالعمل السياسي؟
    واقعنا الراهن آنسنا فيه دعوات الأمم الأخرى لمزيد من الحرية وتكرّست فيه عندنا سبل الغواية لأهواء من اختصروا السلطة في الجبروت أو للذين رأوا فيها تحقيق المكاسب، مما يعني التناقض مع أسلوب العصر، وبمقارنة عاجلة، نرى الاختلاف الواضح بيننا وبين الآخرين في التعامل مع المواطنين على خلفية ملكية الأوطان، لأسباب تتعلق بإرث تاريخي لصراعات قبلية أو قطرية، ترفض القاعدة القرآنية القائلة: ولا تزر وازرة وزر أخرى · والمثال الصارخ أمامنا هو حال المهندس إبراهيم غوشة المطالب حالياً- وسيطالب كل الفلسطينيين بذلك- إما أن يكون فلسطينياً فيعود من حيث أتى، أو يموت كمداً في مطار عمان الدولي، أو يكون أردنياً وينهي جهاده ويعتبر بذلك تجربة حية لكل الفلسطينيين، وهذا مبتكر، وهنا يصبح بعيداً عن وطنه الأصلي، مع أن كثيراً من المسؤولين العرب، وليس المواطنين فقط يحملون جنسيات أخرى غير جنسيات بلادهم فبعضهم أميركياً وآخرون أوروبيون ومع ذلك يدعون العروبة والإسلام ولا أحد طالبهم بالتزام القانون والانتهاء عن جرمهم الضار بالبلاد والعباد·
    نفي وجود دولة قطرية يعتبر وهماً، لكننا نعرف أن بدايات تشكل الدولة الإسلامية قامت على أساس المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار، وقياساً على تلك التجربة يمكن المؤاخاة بين الفلسطينيين والأردنيين وأيضاً بين باقي المواطنين في الدول العربية، لكن من لنا بذلك؟ يصعب أن نجد إجابة ما دامت المسألة تتعلق بيأسنا المشترك والذي يذيعه بعضنا لبعضنا الآخر، أو يذيعه لنا العدو الخارجي، ولا يبقى أمامنا إلا القول: إن إثارة المشاعر المشتركة قد توجد بيننا دفئاً يقربنا من بعضنا زلفى، ويعيد روح المشاركة وأعتقد أن المشاعر في لغتنا أكبر من الأوطان ذلك لأن ملايين الناس يمكن أن يجتمعون تحت ضغوط المنافع والحاجات أو يجمعهم الوطن، غير أنهم يعانون من الخواء الروحي، فنجدهم صرعى بعد حين من الزمن يتخطفهم الطير أو تهوي بهم الريح في مكان سحيق، أي باختصار يواجهون الحقيقة ويحصدون الوهم، والأمثلة في العشرية الأخيرة نجدها في انهيار دول مثـّـلت الى وقت قريب معسكرات، وتلك التي لم تنهار هي في طريقها الى قضائها المحتوم·
    دفء المشاعر على صعيد علاقاتنا الداخلية هو أكبر من الأوطان ومن المواقف السياسية، لذلك لا تستطيع القرارات الفوقية، مهما عظمت، أن توقفها·· إنها سيل عرم لا يبقي ولا يذر حين يأتي بعد جفاف وقحط أو بعد مخاض عسير، لنلاحظ تفاعل عامة الناس مع الأحداث الأخيرة في فلسطين وقبلها في مواطن كثيرة، هل تمكن أحد من إيقافها؟ لقد حركت الأطفال حيث الفطرة والبراءة وزلزلت مواقف من اعتقدوا أن السلام قاب قوسين أو أدنى ، أولئك الذين أحلوا بنا دار البوار وأضلونا السبيل، نراهم منتظرين أوامر تأتي من هناك، تزيد من قتل المشاعر لديهم، لسان حالها: أن لا فعل لكم بعد اليوم إلا الاستسلام ، وصعوبة هذا في كونه ينقل للشعوب بوسائل الضغط والإكراه، ذلك لأن المشاعر يمتلكها الخوف والفراغ بدل الشجاعة والاقدام، هذا على مستوى بعض القيادات، أما بالنسبة لكثير من العامة فإن الأمر مختلف، ربما لأنها لا تجد ما تحافظ عليه من حطام الدنيا، لهذا تواصل الزحف، ولا تولي الأدبار، أملاً في غد آخر يحرّكه الإيمان، أكثر مما يدفع إليه ضنك العيش، أي مخالف لتحليلات واجتهادات يقدمها الغرب تركز وطبقاً لنظرتها الخاصة على افراغ كل الأعمال الجهادية في معانيها السامية بل أنها تحاول التشكيك في صدق المشاعر الجماعية باختزالها في مجرد انفعالات نابعة من الظروف القاسية·
    تجاربنا القطرية الراهنة بعد الاستقلال ليست عملاً سيئاً، إذ ظهرت الى الوجود الدولي بعد تضحيات جسيمة، وأيضاً إذا عدنا لقراءتها لمعرفة تجمع المواطنين من أجل هدف واحد، لكنها حين اختلفت الأهواء وتضاربت المصالح وعاد مجاهدو الأمس من الجهاد الأصغر الى الجهاد الأكبر، أصبحت عملاً سيئاً، لأن المشاعر المشتركة ضاقت مساحتها ثم انتهت كما نلاحظه الآن بالرغم من اتساع الأوطان وزيادة مساحتها، مما يعني أن الأحداث الراهنة في عدد من الدول العربية لا علاقة لها بالمكان، لأن هذا الأخير متسع لدرجة يصعب معها إيجاد من يعمره، وإنما لها علاقة بالإنسان من حيث التغيير والثبات، والكلام هنا يخص الغالبية من المواطنين·
    الوقوف أمام عناء المشاعر يقودنا الى مناقشة حقوق المواطن في الدول العربية، الى خارج التمايز الطبقي وما يتبعه من مصادرة لحقوق جماعة على حساب أخرى فإن مصطلح الحقوق، خصوصاً حق المواطنة أصبح مرفوضاً على مستوى التطبيق لوجود جماعة بعينها تحدد من له حق ومن هو دون ذلك، وكما هو معروف فإن حق المواطنة مكفول بحق الدستور ناهيك على أنه يجاوز عمر الإنسان الى ما بعد حياته، الدليل، أن أي مواطن يموت خارج بلاده يعاد جثمانه ليدفن هناك، وبعض الأنظمة تفضل عودة مواطنيها في توابيت على أن يعودوا أحياء لحسابات خاصة·
    حين تتساوى حياة المواطنين بموتهم أو تكون هذه الأخيرة أهم، فإن ذلك لا يعني فقط فقدان المشاعر الإنسانية لدفئها وإنما ينحو باللائمة عنه نحن الذين لم ندرك بعد أن المشاعر قد انتهت·· ماتت، ومعها تحتضر الأوطان·· وتغدو أمتنا، إن بقيت على هذه الحال مثلما جاء في القرآن: حمر مستنفرة فرت من قسورة ، وقد لا يعد هذا المثل القرآني مقبولاً، قياساً على بعض منا، لكنه ينطبق على الغالبية من الذين تلهيهم أمور السياسة في بعدها الشخصي·


    شهرزاد العربي

    كاتبة جزائرية


    جريدة الاتحاد الا ماراتيه ا لعدد 9486 الإثنين 4 ربيع الثاني 1422 هـ / 25 - 6 - 2001 م
     

مشاركة هذه الصفحة