أمن إسرائيل استراتيجية أميركية

الكاتب : معين اليوسفي   المشاهدات : 526   الردود : 1    ‏2003-06-26
      مشاركة رقم : 1    ‏2003-06-26
  1. معين اليوسفي

    معين اليوسفي عضو نشيط

    التسجيل :
    ‏2003-06-18
    المشاركات:
    338
    الإعجاب :
    0
    إذا سيطرت الولايات المتحدة بواسطة <<نظام صديق>> على مصادر النفط في العراق تكون الولايات المتحدة قد أحكمت السيطرة على معظم ينابيع النفط في العالم. فاحتياطي النفط العراقي هو الثاني في العالم بعد المملكة العربية السعودية، وتكلفة استخراجه رخيصة بكل المقاييس، 1,5 دولار للبرميل الواحد. والولايات المتحدة تستهلك سنويا ربع الاستهلاك العالمي للنفط، وهي في الوقت ذاته لا تنتج إلا نصف ما تستهلك، هذا عدا الطاقة الهائلة الكامنة في السيطرة على هذه المقدرات في ما يتعلق باقتصاديات العالم أجمع. هذه الحقائق دعت الأيكونومست البريطانية المؤيدة للحرب والتي اتخذت هي أيضا موقفا صقريا بعد 11 سبتمبر إلى تقرير ما يلي: <<تنطلق مصلحة أميركا الاستراتيجية في ملاحقة صدام حسين من ضرورة إنقاذ العالم من أسلحة الدمار الشامل القائمة والممكنة، ولكن هنالك اعتبارًا ضخمًا آخر مهما كان ثانويا، إلا أنه لم يحظ بالاهتمام الذي يستحق، والمقصود هو الأثر الهائل الذي سيتركه فتح احتياط هذا البلد الهائل من النفط>>. وإذا أحكمت الولايات المتحدة قبضتها على احتياطي النفط العالمي فلن تبقى بالتأكيد استقلالية ولو نسبية لتتمتع بها منظمة أوبك في ما يتعلق بكمية النفط التي تضخ وأسعاره.
    لقد صرح الرئيس الأميركي ان مجرد وجود قوة عظمى واحدة عالمية، امبراطورية، معرضة في عقر دارها لهجمات بطائرات مدنية حوِّلت سلاحا تدميريا، يضاف إليها مجرد سهولة إنتاج الأسلحة الكيماوية، هذه <<المجردات>> وحدها تبرر أن تقوم هذه الدولة العظمى بضربات وقائية مانعة خارج حدودها. هذه أصول اللعبة الجديدة. والسؤال هو: ما الذي يدخل في نطاق الخطر والوقاية منه، وما هو نوع الوقاية المتاح؟ هكذا نطق جورج بوش بالعقيدة الاستراتيجية الجديدة يوم 20 سبتمبر 2002.
    هذه الأفكار وحدها تغني عن السؤال عن المشترك بين إسرائيل وأميركا، لأن فكرة الضربة الوقائية المانعة خارج الحدود لتجنب نشاط معاد داخل الحدود، خاصة في المنطقة العربية، هي فكرة إسرائيلية قلبا وقالبا، جسدا وروحا.
    وتستطيع الولايات المتحدة أن تدّعي أن مجرد وجود النظام العراقي بحد ذاته هو خطر. كما قد تدعي في المستقبل أن وجود حزب الله هو كذلك، وأن التخلص نهائيا من وجود حركات مثله يتطلب تغييرا جذريا في لبنان، وهذا يتطلب بدوره تغييرا جذريا في سوريا. وقد ادعت الولايات المتحدة أمرا مشابها بالنسبة لياسر عرفات شخصيا، وهي تقوم في هذه الأثناء بمحاولة إجراء التغييرات اللازمة على مستوى القيادة الفلسطينية للبدء بمفاوضات إسرائيلية فلسطينية بعد تنفيذ المخططات العدوانية لإقامة دولة فلسطينية بالشروط التى تتصورها أميركا.
    في هذه الأثناء، تبتز الولايات المتحدة أنظمة صديقة لها مثل مصر والمملكة العربية السعودية بإثارة موضوع أوضاعها الداخلية المطلوب إصلاحها كجزء من هذه الوقاية المطلوبة للدولة العظمى ضد <<خطر الإرهاب>>. وقد يتبين أن هذا التكتيك الابتزازي هو جزء من استراتيجية شاملة، أو قد تضطر الولايات المتحدة للتعامل معه بجدية إزاء ديناميكية الأحداث.
    أفكار أولية عن عجزنا
    أمام تناقضات الإمبراطورية
    يرجع جور فيدال تاريخ السلوك الإمبراطوري للولايات المتحدة إلى حقبة ترومان ويعرض ولادتها بشكل مسرحي كما يليق بكاتب قصة ويستعير المشهد من كتاب Dean Acheson, Present at the Creation: My Years in the State Department (1969) ودين أتشيسون هو وزير خارجية ترومان، والمشهد هو جلسة في غرفة اجتماعات الحكومة في البيت الأبيض بمشاركة كبار المسؤولين في الخارجية والأمن القومي والأغلبية في الكونغرس يوم 27 فبراير 1946 لاتخاذ قرار للتدخل في اليونان ضد إمكانية وصول اليسار إلى السلطة في ذلك البلد بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، ويعني هذا القرار بداية تحلل إدارة ترومان من إرث روزفلت وبداية التحلل من اتفاقيات يالطا والتصرف كإمبراطورية ذات <<أجندة>> سياسية مدعومة بالقوة العسكرية في كل مكان لا يخضع لسيطرة السوفيات المباشرة. إنه عهد ترومان الذي اتخذ فيه القرار بإلقاء نار جهنم على هيروشيما ونغازاكي لغرض إرهاب الاتحاد السوفياتي سياسيا (إرهاب سياسي ضد حكومة بغرض التأثير على قراراتها بواسطة قتل المدنيين) وتحذيره من قدرة أميركا النووية. وهي أيضا حقبة الانقلاب الدموي المدبر أميركيا ضد حكومة ديموقراطية في غواتيمالا لأنها تجرأت على فرض ضريبة حد أدنى على شركة يوناتد فروتس الأميركية العاملة فيها والتي تجاوزت ميزانيتها ضعف ميزانية غواتيمالا. مفتتحة بذلك سلسلة من الانقلابات المدعومة من جهاز المخابرات الأميركية لأسباب شبيهة في العديد من دول أميركا اللاتينية.
    وتسلك الولايات المتحدة في المنطقة العربية سلوكا إمبراطوريا يشير إلى التراتبية ويؤكد مصدر الشرعية، ولكنه أيضا يلمح من الآن إلى تناقضات الحالة الإمبراطورية (الإمبريالية) الأميركية وحدودها.
    خذ مثلا السلوك الأميركي على الصعيد العالمي الذي يذهب باتجاه تأكيد نسبية الحدود الوطنية للدول في ما يتعلق بحقوق الإنسان كما ادعى بشأن العراق وصربيا، وجرائم الحرب تحديدًا. فمن المفترض أن ينسجم هذا السلوك مع محكمة لاهاي بشأن جرائم الحرب، خاصة أن الولايات المتحدة نفسها قد بادرت إلى هذا النوع من المحاكم ضد قادة الصرب وجرائمهم في الحروب الأهلية البلقانية الأخيرة في نهاية القرن العشرين. ولكن طابع محكمة لاهاي القانوني المجرد الذي يتعامل مع الكونية بجدية، يناقض السلوك الإمبريالي الذي يلتقي مع الكونية في حالة واحدة فقط، وهي حالة تطابقها معه (اقرأ! مع مصالحه الخارجية كما تتمخض عنها أيضا بنيته الداخلية ومناقشاته حول الاختلاف على فهمها أيضا).
    إن مجرد محاولة الولايات المتحدة <<التهرب>> من محكمة مجرمي الحرب في لاهاي بعد أن وقعت على وثيقتها التأسيسية، ثم عادت ورفضت الانضمام إليها كعضو كامل، يعني أن الولايات المتحدة قد تحجم ذاتها وتتصرف مثل دولة صغيرة تحتال على القانون. كان هذا أيضا حالها عندما طرحت الحرب على العراق لتنفيذ قرارات الأمم المتحدة بالقوة العسكرية، ثم تهربت من التصويت في مجلس الأمن تجنبا لموقع الأقلية هناك. وقد بلغ صغر الإمبراطورية حداً جعلها يوم الثالث من أغسطس 2002 توقع اتفاقية مع إسرائيل، تتفاهم فيها <<الدولتان>> على عدم تسليم أي منهما مواطني البلد الآخر لمحكمة مجرمي الحرب الدولية في لاهاي. هذه الاتفاقية لا تشير فقط إلى وجود دولتين تتهربان من القانون الدولي، مثل مجرمين صغيرين يتفقان على عدم وشاية أحدهما بالآخر، إنها تشير أيضا إلى أن التوازن بين القيم الكونية ومؤسساتها ومدى تأثيرها على الرأي العام ثم على مجموعات من الدول من ناحية، وبين الامبراطورية وسلوكياتها كمصدر للشرعية من ناحية أخرى قد يحل على المدى البعيد محل التوازن بين <<المعسكرين>>. فالتصرف الأميركي الإسرائيلي يذكر بأيام محاصرة معسكر لمعسكر آخر في الأمم المتحدة، الأمر الذي كان يجعل الولايات المتحدة وإسرائيل يرتبان أوراقهما خارج مؤسسات ما سمي بالشرعية الدولية.
    ولا تدعي الولايات المتحدة ضمنا في هذه الاتفاقية أن ما تقوم به قواتها خارج الحدود الأميركية لا يمكن أن يعتبر جرائم حرب فحسب، بل إن هذا يسري أيضا على ما تقوم به الدولة اليهودية خارج حدودها المعترف بها دوليا. أي أن الإمبراطورية الكبيرة تفرخ إمبراطورية صغيرة تمضي في طريقها لا تلوي على شيء. وتخطئ هذه الأخيرة الصغيرة خطأ فادحا ومميتا إذا اعتقدت أنها تستطيع أن تحتل دولا ناسخة الإمبراطورية، فهذا السلوك في النظام العالمي محفوظ للامبراطورية، ولها فحسب.
    تبدأ اللاعقلانية الأميركية في المنطقة العربية في المرحلة الراهنة باستثناء إسرائيل من قواعد الشرعية الإمبراطورية. فبموجب منطق هذه الشرعية ذاته المستثنى الوحيد هو أميركا لأنها هي مصدرها، ولا يوجد مبرر لاستثناء إسرائيل إلا اللاعقلانية الأميركية في التعامل معها. وقد وصلت اللاعقلانية الأميركية في التعامل مع إسرائيل مؤخرا حد التحالف مع اليمين الإسرائيلي وإحراج اليسار الإسرائيلي الصهيوني. هنالك أكثر من عنصر لاعقلاني في تحالف اليمين الأميركي المسيحي المتطرف مع اللوبي الإسرائيلي اليميني في الولايات المتحدة ومع اليمين الإسرائيلي. لقد كنا نقول إن القضية الإسرائيلية هي قضية أميركية داخلية، فبتنا نضيف أنها قضية أميركية داخلية متعلقة باللاهوت السياسي الاستيطاني أي ب<<الميتابوليتكس>>، ما وراء السياسة.
    قد ينسحب بعض كتاب الورقة موضوع قراءتنا من نصائحهم الفجة لنتنياهو حول القضية الفلسطينية، فقد أصبحوا في السلطة. ووجودهم في الإدارة يحتم عليهم مسؤولية وتكبلهم بقيود لا تكبل الأيدي التي كتبت تلك الورقة. ولكن ما كتب هناك هو ما يؤمنون به. والحل الوسط الممكن، السلم الممكن للنزول عن شجرة الغرور العالية هو إقامة دولة فلسطينية ضمن ما يرضي الرأي العام الإسرائيلي من شروط، والقيادة الفلسطينية التي ترضى بهذه الشروط هي الشريك المؤهل لتغيير فكرتهم عن الفلسطينيين.
    لقد ثبت أيضا أن تحرك الدول العربية كلاً على حدة في الحوار مع الولايات المتحدة يجعلها أكثر تعرضا للضغط مما لتوجيه الضغط، فالمتوجه إلى واشنطن بغرض التأثير عليها يجد بانتظاره إدارة تحمل بيدها ملفاته وتضغط عليه في المكان الذي يؤلمه، <<حيث يوجع>>. قد يكون ما نقوله أضغاث أحلام وكلامًا للتمني ولكن على العرب أن يحاوروا الولايات المتحدة سوية بالحد الأدنى من الاتفاق. ولا يستطيع التيار القومي أن يحل محل التعاون بين الدول العربية بهذا الشأن، هذا من ناحية. ومن ناحية أخرى، لا يستطيع أن يقنعها أن هذه هي مصلحتها إذا لم تكن مقتنعة، فهو أي التيار، ليس أدرى منها بمصلحتها.
    ولو كانت الدول العربية دولا ديموقراطية لسهل تبني الشرعية الدولية على مستوى الرأى العام باتجاه استخدام هذه <<الاستثنائية الإسرائيلية>> من أجل تثبيت رفض <<الاستثنائية الأميركية>> أيضا والتمسك بالقيم الكونية لمحاربتها، ولسهلت أيضًا ترجمة هذا الرأي العام على مستوى عملية صنع القرار العربي الرسمي. ولكن في غياب الحالة العربية القادرة على استغلال هذه التناقضات القائمة فعلا والتي تحجم الولايات المتحدة، لا يدعو الرئيس بوش أمم العالم للتصدى لل<<إرهاب الفلسطيني>> فحسب، بل وإلى احتلال بلد عربي دون توافر حجة شكلية إطلاقا، ودون أن يجهد نفسه بالدفاع عن قراره هذا إلا في جلسات الإدارة الأميركية الداخلية التي لن نعلم ما يدور فيها إلا بعد عشرين عامًا في أفضل الحالات.
    والطامة الكبرى أن إسرائيل ماضية في إرهابها فيزداد عندنا الشعور بالغبن والمرارة و<<الاستثنائية>> العربية أو الإسلامية، ويتحول الموقف المطلوب تجاه بلد عربي يواجه خطر الهجوم الشامل إلى تقاعس وعجز من ناحية، وإلى تعصب وسياسة هوية ترفض أن ترى طبيعة النظام العراقي إلا ضمن المقولة المخففة: <<المنطقة كلها ديكتاتوريات>>، فلماذا العراق؟ ولكن كل هذا التعميم أسهل من سماع مسؤولين عرب يتحدثون بالديموقراطية في دول غير ديموقراطية كل ما يميزها أنها متحالفة مع المشروع الأميركي. على أي أساس؟ أو ينتقدون الفساد بغرور من موقعهم في دول تملك فيها عائلات حاكمة الدولة وثرواتها فلا تحتاج إلى الفساد لأنها تملك كل شيء أصلا، وينتشر فيها نظام العمولات إلى درجة فرض الشراكة في الأعمال الاقتصادية. فعلى أي أساس يتحدثون عن الفساد؟
    سوف يكتشف قباطنة العدوان أن إحدى أكبر جرائم الولايات المتحدة هي التعامل أداتياً مع موضوعة الديموقراطية تعاملا قد يدفع أوساطا واسعة من الشعوب المظلومة والمغلوبة على أمرها وذات المصلحة بالديموقراطية الاجتماعية والسياسية في أحضان سياسات الهوية المعادية لهذه الأدوات باعتبارها شأنًا إمبرياليًا. وإذا لم تتحول قضايا هذه الشعوب والمجتمعات الحياتية ومنها الحقوق السياسية والديموقراطية إلى هم القوى الوطنية القومية، فإن ذلك لن يقلل من شأن هذه القضايا بل سيقلل من أهمية هذه القوى على المدى البعيد. وسوف يجعل هذه القضايا موضوع صراع بين سياسات الهوية وبين الأميركان والنخب المتحالفة معهم، وهذا صراع يتضمن حلولا وسطا كثيرة ولا يتخذ بالضرورة شكل مقاومة الاحتلال. التحول في العراق إلى مقاومة الاحتلال ليس بديلا لبرامج قومية ديموقراطية سياسية تطبيقية، أي برامج سياسية تمارس، في كل بلد عربي. لقد ولى العهد الذي ترفع فيه قضية واحدة إلى مرتبة <<القضية القومية>> وتؤجل بموجب ذلك كل القضايا في انتظار حلها، وتتحول مهمة القوميين إلى التضامن معها، مهمة القومي هي أولا مهمة وطنية ديموقراطية في بلده، ولن يتقن حتى التضامن القومي مع قضية تعتبر قومية إذا لم يشكل قوة وطنية ديموقراطية في بلده. وكما تحاول الولايات المتحدة أن تقيم نموذجا جذابا كما تعتقد في العراق، على التيار القومي في كل بلد عربي أن يشكل في بلده نموذجا جذابا ولا يمكن أن يتم ذلك دون مشروع سياسي في الحكم أو في إصلاح الحكم.
    ولكي نفهم ردة الفعل، علينا اليوم أن نتذكر بذهول أن الشعوب مغلوبة على أمرها من قبل الدكتاتورية ومن قبل مستوردي الهيمنة الأميركية بحجة استيراد الديموقراطية إلى درجة أننا لم نحص حتى الآن عدد قتلى وجرحى العدوان الأميركي على العراق. نحن ببساطة لا نعرف عدد ضحايا هذا العدوان. هل هم عشرة آلاف؟ هل هم أكثر من ذلك؟ هل يهتم أحد بإحصاء القتلى والجرحى والمعاقين العراقيين من المدنيين والجنود؟ والجنود أيضًا بشر، والقتلى الأميركيون هم جنود أيضًا، وجهلنا بالرقم ليس صدفة ولا هو من مزايا الديموقراطية التي تحترم حياة ومصير حياة المواطن الفرد.
    A Clean Break: A New Strategy for Securing the Realm
    (بداية جديدة: استراتيجية جديدة لأمن الدولة)
    Richard Pearle (Study Group leader)
    Jerusalem, Washingon D.C.:
    DInstitute for Advanced Strategic and Political dies, July 8. 6991

    بقلم : د/عزمي بشارة
    وتحياتي
     
  2.   مشاركة رقم : 2    ‏2003-06-26
  3. فدوة القدس

    فدوة القدس عضو فعّال

    التسجيل :
    ‏2003-05-09
    المشاركات:
    528
    الإعجاب :
    0
    الحرب التوراتية على العراق

    يمثل العالم العربي موقعاً متميزاً وفريداً من نوعه في العالم، فبالإضافة إلى أهمية موقعه الجغرافي في وسط العالم، فهو يمثل ســوقاً تجارياً واســتهلاكياً للعالم اجمع ويملك أكبر احتياط من النفط في العالم.

    وأمريكا دولة عظمى بما تملك من إمكانيات مالية وصناعية وعســكرية وزراعية، ومع ذلك فهي لا تلتفت إلى العالم العربي ومصالحها معه، بل تبذل الكثير في ســبيل دعم الكيان الصهيوني من غير ما حاجة إليه، ولا تربطها به رابطة لغة أو عرق أو تاريخ (إذا كان لهذا الكيان تاريخ!)، انه موقف غريب وظاهرة سياسية عجيبة. إن وجود الكيان الصهيوني في قلب الوطن العربي لا يساهم أبدا في تحقيق مصالح أمريكا، فهذه المصالح لا يخشى عليها، لان معظم الدول العربــية تنشد ودَّ امريكا، وتقيم معها علاقات اقتصادية هامة، لذلك يصعب فهم الموقف الامريكي المؤيد لإسرائيل في ضوء المبررات التي اعتاد الباحثون ذكرها. اذن ما هو السبب الحقيقي لهذا

    يقول القسيس الامريكي "جيري فلويل" والذي يتحدث في برنامج امريكي "ساعة من أزمان الإنجيل" ويذاع هذا البرنامج في (392) محطة تلفزيونية و(500) محطة إذاعية كل اسبوع : "لا أعتقد ان بوسع أمريكا أن تدير ظهرها لشعب إسرائيل وتبقى في عالم الوجود، والرب يتعامل مع الشعوب بقدر ما تتعامل هذه الشعوب مع اليهود".

    حسني إبراهيم الحايك


    ويقول الرئيس الأمريكي السابق نيكسون في كتابه "1999 نصر بلا حرب" : "ان صراع العرب ضد اليهود يتطور، ان المعركة ستكون بين الاصوليين الاسلاميين من جانب وبين اسرائيل وامريكا وحلفائها من جانب آخر". كما انه صدر كتاب آخر تحت عنوان "آخر اعظم كرة ارضية" للمؤلف هندل لندسي يقول فيه: "ان اللــه قضى علينا ان نخوض غمار حرب نووية "هرمجدون". وهذا ما دفع الرئيـــس الامريكي السابق (رونالد ريغان) لان يقول لاحد أعضاء اللوبي الصهيوني في أمريكا: "إنني أعود إلى نبوءاتكم القديمة في التوراة، حيث تخبرني الإشارات بان المعركة الفاصلة بين الخير والشـر مقبلة... قد لاحظت هذه النبوءات مؤخراً، ولكن صدقني انها تصف الأوقات التي نجتازها الآن.

    كما يردد الرئيس الامريكي جورج بوش المصطلحات التالية(حرب صليبية، حملة النسر النبيل, حملة العدالة المطلقة، قوى الخير ضد قوى الشر). إنها بالفعل حرب ضد الإسلام فما هي جذور هذا التوجه، فلنعود قليلاً إلى الدوافع التي دفعت بأمريكا بأن تقوم بحروب إسرائيل، وتعتقد بذلك بأنها تنفذ إرادة اللــه على الأرض ومنها إشـعال معركة هرمجدون التي يعتقد معظم الباحثين أن شرارتها قد بدأت ومفجرها اليهود وعقيدتهم الإرهابية.

    إن لليهود مصدرين يوحيان إليهم بأهداف وجودهم، ومنهج وصولهم إلى تحقيق أهدافهم وهما التوراة والتلمود:

    التوراة هي التي أنزلت على ســيدنا موسى عليه السلام في طور سنين سنة 1571 ق.م. وهي حق، ولكنها اختفت, فعمد اليهود إلى التحريف والتزييف، فلقد أدرك أحبار اليهود وكهنتهم أنه لا يمكن تحقيق الأهداف المستقبلية لليهود إلا إذا اختطوا لأنفسهم منهاً عنصرياً، من شــأنه ان يوحد تلك القلة من اتباع دينهم، فخرج الكتاب المعروف بالعهد القديم وهو ما يعرف الآن بالتوراة.

    التلمود: وهو كتاب مؤلف, يجمع أقوال ما يسمى (بحكماء) اليهود الشريرة ووصايا قادتهم القتلة، وهو كتاب عقائدي يفسر معارف اليهود وتعاليمهم وما يخططون للعالم من فتن ومصائب، وفيه تهجم كثير على السيد المسيح وعلى أمه وعلى الديانة المسيحية، لذلك هوجم التلمود بشــدة في العصور الوســطى بعد ان انكشف أمره وما )يحتويه من خطط شــيطانية ضد العالم، ولذلك قال الإمبراطورHonorius) فـــي أحد القوانين التي أصدرها بأن الحاخامات إرهابيون ومخربون (Derastators)

    هذا وحمل ملوك أوروبا وباباواتها حملات شـــديدة ضد التلمود ومخططاتهم الجهنمية عبر التأريخ، فتم طردهم من معظم البلدان الأوروبية. ومن هنا أدرك اليهود انه لابد من تدمير الكنسية المسيحية وسلطة الباباوات الذين يقفون حائلاً دون تحقيق أهدافهم، وقد تم لهم ذلك في ألمانيا في القرن السادس عشر، من خلال ما عرف بالحركة الإصلاحية التي تزعمها مارتن لوثر والذي سميّ مذهبة بالبروتستانتيه، وانتقل هذا المذهب بعد ذلك إلى معظم أوروبا وأمريكا.

    اعتمدت الحركة الإصلاحية على تدمير الكنيسة من الداخل والقضاء على سلطة البابا من خلال عدم ربط تفسير الكتاب المقدس مرهون بالبابا فقط، بل أعطى الحق لكل مسيحي ِأن يفسر نصوص الكتاب المقدس حسب الفهم الشخصي لها. وهذه القضية أحدثت تغييرات لاهوتية كبيرة في الكنيسة المسيحية 0فأصبح كل بروتستانتي حر في دراسة الكتاب المقدس وتفسيره، واستنتاج النصوص منه بشكل فردي مع عدم الاعتراف بأن فهم الكتاب المقدس وفقاً على رجال الكنيسة وحدهم. وهذا الوضع أدى إلى فتح الباب الاجتهاد والتحوير على مصراعيه أمام اليهود. فاعتنق كثيرا من مفكري اليهود وحاخاماتهم هذا المذهب ظاهرياً لوضع البدع والأضاليل التي تخدم مخططاتهم الشيطانية نفسها، حتى وصل عدد فرق هذا المذهب إلى أكثر من (200) فرقة في مذهب لم يتعدى وجوده أكثر من أربعة قرون.

    اعتمدت الحركة الإصلاحية على الكتاب المقدس (العهد القديم كأصل) فأصبح العهد القديم المرجع الأعلى لفهم العقيدة المسيـحية وبلورتها ..واعتبرت اللغة العبرية هي اللغة المعتمدة للدراسة الدينية، فالعهد القديم الذي كان شبه مهمل في أوروبا أصبح على يد الحركة الإصلاحية هذه المرجع للأعلى للنصارى، واللغة العبرية أصبحت جزءاً من الثقافة الأوروبية، وغدت أساس الدراسة اللاهوتية. وسربت الروح العبرية اليهودية إلى الفنون والآداب، وإلى صميم العقيدة والفكر المسيحي. واحتلت فكره عودة المسيح إلى الأرض مكاناً رئيسـاً في أدبيات هذا المعتقد. وتقوم هذه الفكرة على أساس الإعتقاد بأن السيد المسيح سـيعود إلى الأرض ثانية ليقيم ( مملكة الرب) على الأرض والتي سـتدوم ألف عام ( العصر الألفي السعيد)، ولتمهيد لذلك يجب تحقيق ثلاثة أمور :
    إقامة دولة إسرائيل بحدودها التوراتية من النيل للفرات، وتجميع اليهود فيها من كل بقاع الأرض انتظاراً لعودة المسيح. تدمير المسجد الأقصى وإقامة الهيكل مكانه. وقوع معركة فاصلة بين قرى الخير وقوى الشـر تسمى هرمجدون ( والذي يعتقد كل رئيس أمريكا أنه بطلها).


    أن هذه الأمور لم تأتي من فراغ بل وضعها اليهود كأساس لهذا المذهب الإصلاحي الذي يعتمد على معتقدات ضالة هدفها سرقة الشعوب واستعبادها والتعالي عليها والانتقام الغير مبرر منها وهي كالآتي:

    أن اليهود شعب اللـه المختار، وأنهم يكونون بذلك الأمة المفضلة على كل الأمم (من هنا نسـتطيع أن نفهم لماذا قرارات الأمم المتحدة ومجلس الأمن ملزمة لكل الشعوب لكنها لا تطبق ولا تلزم الكيان الصهيوني في ظل هيمنة الولايات المتحدة الأمريكية على المنظمة الدولية.

    أن ثمة ميثاقا إلاهياً يربط اليهود بالأرض المقدسة في فلسـطين وهو ميثاق سرمدي حتى قيام الساعة.
    ربط الإيمان المسيحي بعودة السيد المسيح وبقيام دولة إسـرائيل، وإعادة تجميع اليهود في فلسـطين انتظارا لظهور المسيح.

    أن جميع هذه الأدبيات تجعلنا نقترب من فهم العلاقة الغير طبيعية بين الكيان الصهيوني وأمريكا ونقترب من فهم الحلف الغير مقدس يين الصهيونية والمسيحية الصهيونية0 وأن هناك مخطط يهودي عالمي مفاده أن اليهود خططوا للوصول إلى هدف حكم العالم من خلال تهويد المسيحية والقضاء على الإسلام0 واصبح متعارفا علية ان تهويد المسيحية لخدمة أهداف الصهيونية بالصهيونية المسيحية، والتي تسخر الاعتقاد الديني المسيحي لتحقيق إطماع اليهود في الوصول إلى أهدافهم. ولفهم الموقف الأمريكي على حقيقته علينا أن نعلم أن اتباع هذا المذهب في أمـريكا يصل إلى (150) مليون نسمة، وهم يؤمنون أكثـر من اليهود بمملكة إسرائيل وبناء الهيكل والإسراع في معركة هرمجدون.

    ومعركة هرمجدون حسب المعتقدات اليهودية والصهيونية المسيحية هي منطقة في فلسـطين تعرف بسـهل مجدو ستشهد حرباً بين قوى الخير( اليهود والمسيحيين وحلفائهم) وقوى الشـر (المسلمين) وسيتم استخدام الأسلحة النووية لإبادة قوى الشـر ( فلنحذر من أن نكون حلفائهم لأنها هي حرب ضدنا!)


    ومجدو تعني موضع الجيوش ومعسكرها في اللغة الكنعانية تعني و المقصود بها تل المستلم في فلسطين على بعد 30 ميلاً شرقي سـاحل البحر المتـوسط، والطريق من مصر إلى آسيا تمر في أراضي سهلية فلسطينية موازياً للشاطئ، وفي سـيرة نحو الشمال يعترضه جبل الكرمل.

    فمن هنا نستنتج أن إشعال الحرب في المنطقة أمراً حتمياً لا بد منه، وكأننا أصبحنا أمام قدر مكتوب أو وصية مقدسة لا بد من تنفيذها بحذافيرها0و بالرغم من معارضة كافة دول العالم لهذا النهج الأمريكي باستثناء الدول الأنجلوسكونية (البروتستانيتة) مثل بريطانيا وكندا واستراليا ونيوزيلندا 0 هذه الدول شكـلت فيما بينها حلفاً دينياً انجلوسكونياً من طراز جديد، محاولا تنصيب نفسه لقيادة العالم اعتقاداً منه بأنه ينفذ إرادة اللـه على الأرض. إنطلاقاً مما ذكرنا أنفاً بخرافات وبنبوءات توراتية مزيفة أعطت اليهود ودولة إسرائيل دوراً مركزياً في تشـكيل توجهات هذه الدول حيال العالم. ( ومن هنا يجب علينا أن نفهم حقيقة الموقف الأمريكي والانكلوسكسونيه المنسـاق وراء السياسة الصهيونية، لنوقف المراهنة على هذه الدول) .

    أن هذا الحلف الديني أنجلوسكسوني تنفيذاً لما ذكر يقود الآن حرباً على الإسلام ابتدا في أفغانستان وبعدها العراق وبعد ذلك على إيران ثم سـوريا ولبنان وبعدها على كل البلاد العربية والإسلامية.


    أما العراق الآن فلماذا ؟ فلنستمع لإجابة وزيره الخارجية الأمريكية السابقة مادلين أولبرايت على السيدة لربي استال مراسلة (سي بي أس) في 11|5|1996 حين قالت : "سمعنا أن نصف مليون طفل عراقي توفوا حتى الآن، وهذا العدد يفوق بكثير عدد الأطفال الذين ماتوا في هيروشيما وأنت تعلمين بذلك، فهل يستحقوا ذلك؟


    فأجابت أولبرايت :"أنا أعتقد أن الخيار صعب للغاية ولكن هل يستحقوا ذلك أم لا، نعم أنا أعتقد أنهم يستحقون ذلك. فلنشـاهد ماذا يقول سفر المزامير الذي يردده كل رئيس للولايات المتحدة وكل سياسي أميركي وكل مسيحي صهيوني في صلاته دائما!"پcيا بابل المخربة طوبى لمن يجازيك جزاءك الذي جازيتنا، طوبى لمن يمسك أطفالك ويهشم على الصخرة رؤوسهم" (وللأسف بغياب الوعي العربي والإسلامي جعلنا صامتين أمام ما يخطط له من تدمير للعراق، وقتل لأطفاله وتجويع لشعبه بحجة تطبيق قرارات الشرعية الدولية.إن هذا الأمر أصبح بالنسبة لأمريكا وكأن ضرب العراق وإشعال الحرب في المنطقة أمراً حتمياً لا بد منه، وغاية لا بد من إيجاد المبررات لتسويقها مهما كان الثمن، حتى لو إلتزم العراق حرفياً بكل قرارات الأمم المتحدة، بحيث أصبحنا كأننا أمام قدر مكتوب أو وصية مقدسة لا بد من تنفيذها بحذافيرها.


    من الأمور التي تجعلني أرجح أن تسـتخدم أسلحة نووية أو جرثومية وكيميائية ضد العراق إعتماداً على نفس التحليل هو ما ورد في كتابهم المقـدس، والتـي سـبق وتحـدثنا بأنها وصايا مقدسـة يجب تنفيـذها، فنسـتطيع إسـتشـفاف سـيناريو ما سـيحدث بالعـراق.

    ورد في الكتاب المقدس في أشعيا 16:13: "كل من يؤسر يطعن" كل من يقبض عليه يصرع بالسـيف، ويمزق أطفالهم على مرأى منهم، وتنهب بيوتهم وتغتصب نسـائهم.

    كما ورد في أشعيا 20:14-23: "أنني أهب ضدهم وأمحو من بابل أسما وبقية ونسلاً وذرية، وإجعلها ميراثاً للقنافذ ومسـتنقعات للمياه، وأكنسـها بمكنسـةپc ها أنا أثير على بابل، وعلى المقيمين في ديار الكلدانيين ريحاً مهلكة، وأبعث على بابل مذرين يذرونها، ويجعلون أرضها قفراً ويهاجمونها من كل جانب في يوم بليتها. وحسب رؤيا يوحنا: 12:16-14" وسكب الملاك السادس كأسه على نهر الفرات الكبير فجف ماؤه "هذا النص حسب نبوءاتهم الكاذبة تثبت بأن العراق سيضرب بأسلحة نووية من الأسطول السادس وورد في نفس رؤية يوحنا " وجمعت الأرواح الشـيطانية في هرمجدون ثم سـكب المـلاك السـابع كأسـه على الهواء فحدثت بروق وأصوات رعود وزلزال عنيف فانقسـمت المدينة العظمى (بابل) إلى ثلاثة أقسام.

    وهذا دليل آخر بأن العراق سيضرب بصواريخ وقنابل عنيفة جداً وسيقصف بشـدة ليقسـم إلى ثلاثة دويلات صغيرة، دولة كردية في الشـمال ،وأخرى سنية في وسـط، وثالثه شيعيـة في الجنوب.وهناك الكثير لا يتسـع المجال لذكرها، لكن يمكن التأكيد أن جميع هذه النصوص التي سموها بنبوءات ما هي إ لا أكاذيب وأضاليل فسـرت على نواحي عديدة وفي تواريخ مختلفة من حياة البشـرية، وكان مصيرها دائماً البطلان.

    لكن الخطر اليوم ينـبع من أن هذه الأفكار المجنونة مقرونة بقوة عسـكرية كبيرة، فلـذلك إذا اجتمع هوس الفكر مع هوس السلاح تكون النتائج هي النكبات، فلـذلك علينا كأمة عربية وإسـلامية أن نحذر من الوقوف مع حلف الإرهاب والقتل المتمثل في الولايات المتحدة الأمريكية وإسـرائيل دفاعاً عن أبناؤنا وأمتنا وديننا وحضارتنا ووجودنا.
     

مشاركة هذه الصفحة