ظاهرة المقاومة في العراق...عبد الباري عطوان

الكاتب : السامعي   المشاهدات : 404   الردود : 0    ‏2003-06-20
      مشاركة رقم : 1    ‏2003-06-20
  1. السامعي

    السامعي عضو نشيط

    التسجيل :
    ‏2003-05-03
    المشاركات:
    384
    الإعجاب :
    0
    ظاهرة المقاومة في العراق
    2003/06/20

    عبد الباري عطوان
    بات مقتل جـــنود امريكيين في هجمات للمـــقاومة العراقــــية من الاخــبار العادية هذه الايام، ولكن ما هو غير العادي ان عدد الجنود القتلي في تصاعد مستمر، كما ان اتساع دائرة الهجمات جغرافياً ايضاً في تصاعد.
    في البداية شكك الكثيرون، في صحة انباء المقاومة، لاعتقادهم بان الشعب العراقي سيرقص في الشوارع طرباً احتفالاً بوصول قوات التحرير الامريكية، وسيقذف هذه القوات بالزهور والرياحين، ولم يخطر في بال هؤلاء ان الشعب العراقي سيقذف هذه القوات، ولكن بالقنابل اليدوية والصواريخ وسينصب لهم الكمائن في الفلوجة والموصل وبغداد.
    مهرجانات الاحتفال بسقوط النظام في بغداد أختفت، ونجوم المعارضة العراقية القادمون من الخارج علي ظهور الدبابات والمروحيات الامريكية تواروا عن الانظار أو كادوا، والديمقراطية التي وعد بها الامريكيون ابناء الوطن المحرومين منها ما زالت بعيدة المنال.
    مواطن عراقي ظهر علي شاشة احدي القنوات الفضائية الامريكية لخص الوطنية العراقية الحقة بجمل بسيطة، عندما قال ان النظام العراقي قتل شقيقه، ووضعه في زنزانة انفرادية لمدة ثماني سنوات، ورغم ذلك فانه يعتبر الاحتلال الامريكي اكثر خطورة علي العراق وشعبه، ويساند بالكامل مقاومته، لانه احتلال يشكل اهانة للعراق المسلم العربي، ومقدمة لاذلال شعبه ونشر الفساد الاخلاقي في اوساطه.
    المسؤولون الامريكيون، وخاصة دونالد رامسفيلد وزير الدفاع الامريكي يقللون من شأن هذه المقاومة، ويؤكدون قدرتهم علي القضاء عليها، ولكن الخط البياني المتصاعد لهذه المقاومة يؤشر الي عكس ذلك تماماً، فبينما كان عدد القتلي في صفوف الجنود الامريكيين لا يزيد عن واحد في اليوم في شهر ايار (مايو) الماضي، فان العدد ارتفع الي ثلاثة جنود في اليوم في شهر حزيران (يونيو) الحالي، ويوم امس سقط اربعة جنود قتلي، وعشرة جرحي بعضهم جروحه خطيرة للغاية.
    القيادة العسكرية الامريكية كانت تتستر علي انباء الخسائر البشرية في صفوف قواتها، تماما مثلما عليه الحال في افغانستان، ولكن وجود عدد كبير من مراسلي وكالات الانباء ومحطات التلفزة العالمية والعربية، جعل مهمتهم عسيرة للغاية، ولهذا لم يكن مفاجئاً بالنسبة الينا ان تعتقل القوات الامريكية لمياء راضي مراسلة وكالة الانباء الفرنسية لانها بثت يوم امس الاول خبراً عن مقتل ثلاثة جنود امريكيين في هجوم بالقنابل اليدوية اثناء حراستهم احدي محطات الوقود علي اطراف العاصمة بغداد.
    الاحصاءات الرسمية الامريكية تقول ان اثنين وخمسين جندياً امريكياً سقطوا قتلي في عمليات المقاومة حتي يوم الثلاثاء الماضي، واذا اضفنا سبعة اشخاص قتلوا في اليومين الماضيين فقط، فان العدد يقترب من الستين قتيلاً تقريباً، ونكتب هذه المقالة منتصف يوم الخميس، ولا نعرف ما اذا كانت المقاومة ستنفذ عمليات جديدة ام لا قبل غروب الشمس، وكل شيء جائز علي اي حال.
    هناك من يقلل من اهمية هذا العدد، ويري ان مقتل ستين او مئة جندي من مجموع مئتي الف جندي امريكي في العراق، يمثل رقماً هزيلاً. وهذا الكلام ينطوي علي بعض الصحة، ولكن الصحيح ايضاً ان عدد القتلي في تصاعد مضطرد، كما ان المقاومة ما زالت في بداياتها، ولم يفق الشعب العراقي او معظمه من الزلزال الذي حل به وببلاده، ولم يكتشف حقيقة الاحتلال الجاثم علي صدره. وعندما يفوق وينفض عن بدنه غبار المفاجأة، فربما تتغير الصورة كلياً.
    وربما يفيد التذكير بان معظم اعمال المقاومة مقتصرة حالياً علي المناطق السنية في العراق، ويتولي زمامها شبان مسلمون او من انصار النظام البعثي السابق، ولم يدل الاشقاء الشيعة بدلوهم بعد في هذا الميدان، وهم قطعاً سيفعلون، واذا فعلوا فان بأسهم عظيم. وعلينا ان نتذكر الهجمات التي تعرض لها المارينز في بيروت التي اطاحت احداها باكثر من 250 جندياً امريكياً، او العمليات البطولية التي نفذها رجال حزب الله ضد الاسرائيليين في جنوب لبنان.
    المرجعيات الدينية الشيعية في العراق ربما لا تحبذ المقاومة في الوقت الراهن لاسباب هي الادري بها، وبرجاحتها، ولكن القاعدة الشعبية والعشائرية في العراق ربما يكون لها رأي آخر، لانها لا يمكن ان تقل وطنية وغيرة علي العراق من القاعدة السنية او بعضها. ولن يكون مفاجئاً بالنسبة الينا اذا ما شاهدنا في الايام او الاشهر المقبلة حالة من التنافس بين الطوائف والعشائر والمناطق العراقية حول من يقاوم الاحتلال اكثر من الآخر.
    قد يجادل البعض بان المقاومة هذه ستكون عديمة الجدوي لان الرأي العام الامريكي يدعم الاحتلال بقوة، ويساند الرئيس جورج بوش في خطوته هذه. وهذا الجدل ينطوي علي بعض الصحة ايضاً، ولكن عندما تتكاثر الاكياس البلاستيكية السوداء التي تصل الي المدن الامريكية حاملة جثث الجنود الشبان القتلي فان الصورة ستتغير، تماماً مثلما تغيرت اثناء حرب فيتنام.
    فامهات الجنود الاسرائيليين القتلي في جنوب لبنان هن اللواتي اجبرن ايهود باراك رئيس الوزراء الاسرائيلي علي اتخاذ قرار الانسحاب غير المشروط، وتفكيك جيش لبنان الجنوبي والحزام الامني، وسيأتي اليوم الذي ستتحرك فيه امهات الجنود الامريكيين القتلي في العراق في مظاهرات امام البيت الابيض يطالبن بعودة ما تبقي من ابنائهن في العراق، خاصة بعد ان اكتشـــف العالم اكاذيب الرئيس بوش وتابعه توني بلير حول اسلحة الدمار الشامل العراقية والخطر الذي تشكله علي الحضارة الغربية.
    هذه الكذبة الكبري اطاحت بالامس برئيسة وزراء فنلندا بعد اشهر من فوزها وحزبها في الانتخابات. وها هو توني بلير رئيس وزراء بريطانيا يتعلق بمقعد السلطة بخيط رفيع ويترنح تحت ضربات نواب حزبه ومقالات الصحف التي تتهمه بخداع الشعب البريطاني وتزوير الاثباتات حول اسلحة الدمار الشامل. ولا نعتقد ان الرئيس بوش، وعصابة اسرائيل التي تحيط به، سيسلمون من لعنة العراق ان عاجلاً ام آجلاً.
    امريكا اختارت الدولة الاصعب لتكون فاتحة عهدها الاستعماري الجديد، ولهذا ستدفع ثمناً باهظاً من خيرة ابنائها، وستضطر في نهاية المطاف الي الخروج، مثلها مثل كل الغزاة الذين مروا علي ارض الرافدين. ولا نبالغ اذا قلنا ان اقامتها في العراق ستكون اقصر بكثير من اكثر التصورات تفاؤلا في صفوف العرب الشرفاء. والخروج من العراق سيكون حتماً بداية انهيار الامبراطورية الامريكية العظمي، مثلما كان انسحاب القوات السوفييتية من كابول بداية انهيار الشيوعية والكتلة الاشتراكية.
     

مشاركة هذه الصفحة