لقاء في المستشفى

الكاتب : يحي محمد حميد   المشاهدات : 539   الردود : 0    ‏2003-06-17
      مشاركة رقم : 1    ‏2003-06-17
  1. يحي محمد حميد

    يحي محمد حميد عضو

    التسجيل :
    ‏2002-12-17
    المشاركات:
    109
    الإعجاب :
    0
    بسم الله الرحمن الرحيم

    لقاء في المستشفى
    تقلبت الدكتورة معاد على فراشها وهي تستمع بين اليقظة والمنام إلى رنين جرس الهاتف وكأن جسمها كان يعاني صراعاً بين سلطان النوم ونداء الواجب فاستمر الجرس يرن ويرن بأسلوبه الرتيب ، وبقيت هي تعاني صراعاً بين عالمي اليقظة والمنام ، حتى انتبهت مشاعرها وأحست بمسؤولية اليقظة فاندفعت نحو الهاتف وهي تلاحظ الساعة فتجدها تناهز الواحدة بعد منتصف الليل .
    إذن فلا شك أنها حالة مرضية مستعجلة وهكذا كان ، فقد كانوا يستدعونها من الطابق السابع لوجود حالة خطيرة وما كان منها إلا أن أسرعت بلبس قناعها وأبرادها وخرجت مسرعة إلى حيث تجد المريض.
    وأمام غرفة العلاج وجدت ممرضة أخبرتها أن المريض امرأة عجوز تشكو من آلام شديدة في صدرها فأسرعت الدكتورة في الدخول حيث استقبلتها فتاة شابة جميلة الوجه ، رشيقة القوام ، قد ارتدت الحجاب الكامل وكأن الدكتورة قد ارتاحت لمنظرها فشدت على يدها مسلمة بحرارة وهي تقول :
    ـ خير إن شاء الله .
    قالت الفتاة : إنها جدتي يا دكتورة ، وقد انتابتها آلام قاسية منذ ساعات تعرضت خلالها لاغماء طال بضع دقائق .
    قالت هذا وسارت مع الدكتورة حيث كانت الجدة ترقد شاحبة الوجه على طاولة الفحص وهي تئن من الألم .
    فسارعت الدكتورة باجراء الفحوص اللازمة واستدعت معها من يعينها على ذلك وكانت تعمل بجد واندفاع وكأنها الطبيبة والقريبة في وقت واحد ، وكانت الفتاة تتجول خارج الغرفة تقطع الردهة بخطواتها القلقة جيئة وذهاباً ، حتى اكتملت الفحوص وثبت أنها مصابة بذبحة قلبية وأن عليها البقاء في المستشفى إلى فترة ، عند ذلك تم نقلها إلى غرفة خالية أعطيت بعض المهدئات ، الشيء الذي مكنها من النوم .
    وكانت الدكتورة حتى ذلك الوقت مشغولة بتعهد أمر المريضة وتهيئة وسائل الاسعاف المطلوبة لها ، ولهذا فهي لم تتمكن أن تتحدث مع الفتاة بضع كلمات قصار تتعلق بحال المريضة ، ولكنها عندما اطمأنت على راحة المريضة ووثقت من أداء مهمتها بالشكل المطلوب التفتت نحو الفتاة التي كانت

    تقف في قلق إلى جوار سرير جدتها وقد تندت أهدابها بالدموع ، فبدت عيناها من خلالها وكأنهما نجمتان تتلألأن من وراء الغيوم . فشعرت أن عليها أن تقول لهذه المسكينة كلمة تبعث في نفسها الأمل ، فحاولت أن تبتسم وهي تقول :
    أرجو أن يكون العارض بسيطاً سيما وقد أجريت لها الاسعافات اللازمة منذ البداية .
    قالت الفتاة : أنني جد شاكرة لك اهتمامك بأمرها يا دكتورة .
    قالت الدكتورة : إن هذا واجب عليّ تجاه كل مريض ، وهنا لاحظت الدكتورة أن لون الفتاة يبدو شاحباً ، فأمسكت بيدها فوجدتها باردة كالثلج فقالت لها بحنو بالغ : أجدك مرهقة جداً فلماذا لا تنامي ولو لبعض الوقت ؟ قالت الفتاة : آه نعم أنني متعبة ولكن جدتي كيف أتركها وحيدة ؟
    قالت الطبيبة : أليس لديها بنت سواك لتشاركك السهر ؟
    فترددت الفتاة لحظة ثم قالت : كلا ليس لديها بنت سواي وليس لدي أم سواها ، قالت هذا وانحدرت من عينيها قطرات من الدموع زادتها جمالاً على جمال.
    فتألمت الدكتورة لحالها وقالت لها وهي تشد على يدها بحنو : سوف أسهر أنا عليها بدلاً عنك.

    قالت : كلا إن هذا لا يمكن أن يكون . ان عليك أن تنامي أنت فقد أجهدت نفسك بما فيه الكفاية .
    فابتسمت الدكتورة وقالت : أنني اعتدت على هذه الاتعاب ولم أعد أحس بثقلها عليّ ، ثم أنني نمت ساعتين في بداية الليل ولهذا فأنت أحوج مني إلى الرقاد ، ولكن انتظريني حتى أذهب إلى غرفتي وأعود .
    قالت هذا وخرجت من الغرفة دون أن تنتظر جواباً من الفتاة ، فأحست الفتاة بعد خروجها أنها كانت أمام انسانة رائعة من حقها أن تعتمد عليها وتركن اليها .
    وسرعان ما عادت الدكتورة وهي تحمل بيدها كتاباً ثم قالت للفتاة : حاولي أن تنامي يا عزيزتي وسوف أقضي وقتي مع هذا الكتاب وأرجو أن تطمئني على جدتك لأنني سوف أهتم بأمرها جداً يا...
    وسكتت الدكتورة لأنها لم تكن تعرف اسم الفتاة .
    فأسرعت الفتاة تقول ورقاء ، إن اسمي ورقاء يا دكتورة.
    قالت الدكتورة : وان اسمي معاد يا ورقاء . والآن هيا إلى السرير الثاني فأنت مرهقة جداً ، ولم يسع ورقاء إلا أن تمتثل لأنها كانت تشعر باعياء شديد وسرعان ما استسلمت للنوم .
    أفاقت ورقاء من نومها فوجدت أنها نامت أكثر من ساعة

    وأن معاداً ما زالت جالسة عند رأس جدتها تقرأ ، والجدة ما زالت مستسلمة لنوم مريح نتيجة تأثير الاوكسيجين عليها ، فقامت عن السرير وتوجهت نحو معاد تحييها بلهفة وتسأل عن جدتها فطمأنتها معاد ثم ألقت الكتاب من يدها ونهضت وهي تقول :
    سوف أذهب الآن لكي أستعد لصلاة الفجر ثم أحاول أن أنام بعد ذلك ساعة قبل بداية الدوام وسوف أمر عليك غداً ان شاء الله .
    فشكرتها ورقاء وشدت على يدها وهي تقول : لست أدري كيف أشكرك يا دكتورة معاد فقد كنت بالنسبة لي يداً رحيمة ساعدتني على تحمل الصدمة وأنا وحيدة.
    قالت معاد : أنك لست وحيدة يا ورقاء ما دام الله معك ، فأنا الاحظ من حجابك أنك فتاة مؤمنة والايمان كفيل بأن يشدك ويسندك خلال جميع أدوار الحياة .
    فأعادت ورقاء كلمات الشكر من جديد وودعت الدكتورة حتى باب الغرفة ، ثم عادت لكي تجلس إلى جوار جدتها وحيث كانت تجلس معاد من قبل فلاحظت أن معاد قد نسيت الكتاب الذي كانت تقرأ فيه واسترعى انتباهها اسمه الذي بدا وكأنه غريب عليها أو مستغرب لديها . فقد كان اسم الكتاب هو : ( الطب محراب للإيمان ) .

    وتساءلت مع نفسها في تفكير ساذج قائلة : ما معنى هذا يا ترى ؟
    وما هو ارتباط الطب مع الإيمان ؟
    أو ليس الطب علماً لدواء الأجسام بينما الدين عبادة للنجاة من النار ؟
    إذن فكيف يصبح الطب محراباً للايمان ؟
    ودفعها فضولها إلى أن تقلب صفحات هذا الكتاب. وقد اهتمت بشكل أولي بتصميم الغلاف إذ وجدته يحمل صورة ممثلة لدماغ الانسان وقد كتبت تحتها هذه الآية المباركة : ( هذا خلق الله فأروني ماذا خلق الذين من دونه ).
    واستمرت تقلب صفحات الكتاب فتقرأ فيه سطوراً قصاراً تسلمها إلى تفكير طويل ، ولم تترك الكتاب إلا خلال أداء صلاة الفجر أو قضاء حوائج جدتها حيث كانت تعود الى الكتاب لتغرق بين صفحاته بالمطالعة والتفكير.
    وأشرق الصبح ودخلت الممرضة المسؤولة لاعطاء دواء المريضة ثم خرجت ، وعندما ارتفع النهار جاء الدكتور المختص وفي صحبته دكتورة فأعاد الفحص وطمأنها بكلمات قصار وخرج ومن ورائه الدكتورة مشكلة بمشيتها التي تتراقص فيها أردافها وأكنافها وخصلات شعرها مع رنين كعب حذائها مشكلة في كل ذلك جوقة موسيقية راقصة.

    واستدارت قبل أن تخرج لتؤكد على ورقاء أن لا تدع المريضة تتعرض لأية حركة . وكأن هذه الكلمات القصار مكنت ورقاء من دراسة وجهها عن قرب فوجدته مثل لوحة بالغ النقاش في صبغها وتلوينها ، وسرعان ما خطر لها الفارق بين هذا الوجه الناطق بالتكلف ووجه الدكتورة معاد الناطق بالصفاء والنقاء.
    وهنا أحست أنها تنتظر قدوم معاد بلهفة ، فهي تحس بالحاجة إلى أن تسمع منها بعض كلمات التشجيع ثم أنها تريد أن تسألها عن بعض ما جاء في هذا الكتاب فألقت نظرة على ساعتها وحدثت نفسها قائلة :
    لماذا تأخرت يا ترى ؟
    وعادت تجلس إلى جوار الجدة التي كانت منتبهة ومرتاحة ، فجلست أمامها وهي سعيدة لتحسنها وقالت : لكم أنا سعيدة بتحسنك يا جدتي ليتك تعلمين كم عانيت القلق من أجلك البارحة .
    قالت الجدة في كآبة نعم لقد كنت أحس ذلك منك سيما وأنك كنت وحيدة يا عزيزتي.
    قالت ورقاء : ولكنني لم أشعر بالوحدة لوجود الدكتورة معاد . فقد كانت لطيفة ورقيقة إلى أبعد حد . تصوري أنها أصرت عليّ أن أنام وجلست هي إلى جوارك لمدة ساعة أو أكثر.

    فابتسمت الجدة وقالت : الحمد لله الذي أرسلها لك في ساعة المحنة يا عزيزتي.
    وهنا طلبت ورقاء من جدتها أن تخلد للنوم لكي لا تجهد نفسها في الحديث . وعادت لتأخذ الكتاب تقرأ فيه من جديد ، وكانت تنظر إلى الساعة بين حين وحين وهي تنتظر قدوم معاد . حتى حان وقت الظهر فأدت فريضة الصلاة وهي تشعر أنها تفتقد شيئاً . واستغربت هذا الشعور من نفسها وحدثت نفسها قائلة :
    ما الذي يدعوني الى هذه اللهفة وما رأيتها إلا ساعات قلائل ؟
    وهل هي سوى دكتورة أدت واجبها تجاه مريضة لا أكثر ولا أقل ولعلها سوف لن تعود إلينا ثانية .
    وهنا أحست أن نداء من ضميرها كان يلح عليها بعنف قائلا : إن من حقك هذا التلهف والانتظار . لأنها انسانة وجدت لديها الكثير من العطف والحنان ، أنها لم تؤد واجب الطبيبة فقط ولكنها أدت واجب الانسانة الكاملة ولولاها لكنت الآن منهارة وأنت في وحدتك المرة مع جدة مريضة.
    وأفاقت ورقاء من أفكارها هذه على طرقات خفيفة على الباب ، فنهضت تستقبل القادم وإذا بالدكتورة معاد تدخل وقد أشرق وجهها بابتسامة رصينة .

    فتقدمت ورقاء نحوها لتصافحها بحرارة لم تكن أقل مما أبدته معاد من حرارة ولهفة ثم قالت :
    لقد عرفت من الدكتورة عبير تحسن حال الجدة ، وقد كنت مشغولة منذ الصباح إذ أنني مسؤولة عن ردهة التوليد اليوم ولهذا أرجو أن لا تكوني عاتبة عليّ لتأخري عنك .
    فارتبكت ورقاء وقالت : ولكن كيف لي أن أعتب عليك يا دكتورة ، ولكنني كنت في حاجة إلى حضورك ولهذا كنت أنتظر .
    فاكتسى وجه معاد بطابع الاهتمام إذ حسبت أن المريضة في حاجة إليها فمشت نحو الجدة وهي تقول :
    كنت في حاجة اليّ ؟
    ماذا ؟
    هل تشكو جدتك من شيء ؟
    فزاد ارتباك ورقاء وابتسمت في براءة وهي تقول :
    كلا أن جدتي بخير والحمد لله ولكني أنا التي كنت في حاجة اليك فهل تسمحين بالجلوس ؟.
    فعادت الابتسامة إلى وجه معاد وقالت وهي تجلس : لقد جئت في هذا الوقت لكي أجلس معك إلى فترة يا ورقاء ولكي أرى إذا كنت متعبة أو في حاجة إلى النوم .


    قالت ورقاء : كلا أنني لا أشعر بالحاجة إلى النوم بل أنا في حاجة إلى اليقظة الكاملة ولهذا اريد أن أسألك عن شيء قرأته في هذا الكتاب ، ثم أخذت الكتاب بيدها وجلست إلى جوار معاد ، فقالت معاد :
    آه لقد نسيت هذا الكتاب هنا ، لعلك قرأت فيه يا ورقاء ؟
    قالت ورقاء : نعم وقد أسلمني إلى الكثير من التفكير .
    قالت معاد : لماذا ؟
    قالت : لأنني لم أكن أحسب أن هناك ربطاً بين الطب والايمان ، فالطب حسبما أعرف عنه : علم يتناول جسم الانسان ، والايمان عبادة لا أكثر ولا أقل .
    قالت معاد : ولكن العلم هو الذي يدعو إلى الايمان يا ورقاء ، وكلما اتسعت أمام الانسان معارفه العلمية تصاعد لديه مستوى إيمانه بالخالق . قالت ورقاء : وكيف ؟
    قالت معاد : إن كل من يجهل شيئا لا يثمنه يا ورقاء ، فأنت الآن مثلا لو نظرت إلى هذه المدفأة الكهربائية لما تمكنت أن تقدري مدى ما توخاه الصانع من دقة وعناية في تكوينها ، ولما خمنت ما يتطلبه ذلك من معرفة مسبقة وتجارب متعددة خلافاً لمن يعلم شيئا ولو يسيراً عن أدواتها ، وأجهزتها ، وتركيبها المتقن الرقيق .

    وهنا لاحظت معاد شبح ابتسامة يلوح على وجه ورقاء وهي تحاول أن تخفيها تأدباً أمام الكلمات ، فسكتت لحظة ثم خطر لها خاطر فسألت ورقاء قائلة :
    هل أنت طالبة يا ورقاء ؟
    قالت ورقاء : نعم أنني ما زلت في السنة الأخير من الجامعة .
    قالت ورقاء هذا ولم تذكر اسم الكلية التي تدرس فيها فأردفت معاد تقول :
    إنك في كلية الهندسة فرع المكانيك اليس كذلك ؟
    فاستغربت ورقاء وقالت : نعم ، ولكن من أين عرفت هذا ؟
    قالت : من شبح الابتسامة التي لاحت على شفتيك عند حديثي معك عن المدفأة ، فقد عرفت أن المثل لم يكن لينطبق عليك بالذات لأنك تعرفين عن صنعها بعض الشيء ولكنك لم تحاولي أن تردي عليّ ، وهذا يدل على منتهى الذوق منك وحسن الاستماع .
    قالت ورقاء : ولكن مثلك كان مطابقاً لعين الحقيقة يا معاد سواء انطبق عليّ أو لم ينطبق . ولهذا أرجو أن تستمري بالحديث.


    قالت معاد : نعم ، ولكن العلم بالشيء ولو علماً إجمالياً من حقه أن يضاعف تثمين ذلك الشيء نجد أن العلم على مختلف صوره وأشكاله يقرب أفكاره العلماء إلى الايمان بالله ، وبما أن على الطب من أهم العلوم وأدقها فأنه بالنسبة للعالم المنصف أوضح طريق للايمان .
    قالت ورقاء : هل تسمحين لي بمزيد من التوضيح فأنا لا أعرف عن ديني سوى بعض التزاماته التقليدية ، مثل الصوم ، الصلاة ، والحجاب ، وطالما تعرضت للعديد من المواقف الحرجة بسبب ذلك إذ أن حجابي يوحي بأنني أعرف عن الدين الشيء الكثير ...
    قالت الدكتورة : أنني أرحب بكل سؤال يا ورقاء .
    قالت ورقاء : حتى ولو كان سطحيا يا دكتورة ؟
    قالت معاد : أنني مستعدة للجواب عن كل سؤال مهما كان ولكنني أرجو أن تتركي كلمة الدكتورة جانباً ما دام حديثنا حديثاً أخوياً تجمعنا فيه كلمة الايمان . ناديني بمعاد وهذا يكفي ، ثم هاتي ما لديك بعد ذلك .
    فابتسمت ورقاء وقالت : أريد أن أعرف لماذا اختار المؤلف رسم الدماغ بالذات لكي يجعله على الغلاف ؟
    قالت معاد : لأن الدماغ يا ورقاء هو أهم جزء من أجزاء جسم الانسان ، وهو بمثابة الحاكم العامل في مختلف أجزاء


    الجسم وأعصابه وخلاياه ، وجسم الانسان بجميع ما فيه من خلايا عصبية خاضع في طاعة الدماغ ، والدماغ ، هذا الدماغ الصغير يحتوي على ألف مليون خلية عصبية !.
    وهنا رددت ورقاء قائلة في تعجب : ألف مليون خلية عصبية ؟!.
    قالت معاد : نعم ، ولكل من هذه الخلايا وظيفة خاصة وعمل محدد لا تتجاوزه ولا تتعداه ، ولكنها في الوقت نفسه مترابطة في العمل ، تستند كل خلية منها إلى الخلية الأخرى لكي تساعدها في النجاح ، وإذا تعطل أي منها كان لعطله أسوأ النتائج.
    وهنا سكتت معاد .
    قالت ورقاء : الحقيقة أنني لم أكن أحسب أن دماغ الانسان على هذا المستوى من الدقة .
    قالت معاد : أن أحد العلماء وهو ( جودسون هريك ) قال عن الدماغ خلال محاضرة ألقاها في معهد التاريخ بنيويورك عام ( 1957 ) قال : « لو أننا جمعنا كل أجهزة العالم من التليفون ، والتلغراف ، والرادار ، والتلفزيون ثم حاولنا أن نصغر هذه الكومة الهائلة من الأجهزة المعقدة حتى استطعنا وبمجهود جبار أن نوصلها إلى حجم مثل حجم الدماغ فانها لا تبلغ في تعقيدها مثل الدماغ »..


    وهنا قالت ورقاء : لطيف أن يحمل الانسان في رأسه هذا الجهاز المتقن الدقيق ، ولكن أليس من المؤسف أننا لا نعرف عن حقيقة أجسامنا شيئاً يا معاد ؟
    قالت معاد : ان الحديث عن جسم الانسان طويل جداً يا ورقاء.
    قالت ورقاء : وكيف ذلك يا معاد ؟ ألا يمكنك أن تعطيني بعض الأمثلة ؟
    قالت معاد : مثلاً هل تعلمين أن أعصاب الانسان متصلة مع جسم الانسان بصورة كاملة ، ولكن هذا الاتصال على شكلين :
    فهناك أعصاب تسمى بالاعصاب الارادية ، وهي التي تسيطر على مجموعة مخصوصة من العضلات التي في الجسم وتسمى بالعضلات المخططة والتي منها عضلات اليد ، والرجل ، واللسان ، وهي العضلات التي لا يمكن لها أن تعمل بدون ارادة .
    وهناك أيضاً نوع ثان من العضلات ليس للارادة أي دخل فيها وإنما هي محكومة لجملة عصبية خاصة ومن تلك العضلات أجهزة الهضم . ، والتنفس ، وعمل القلب ، وهنا يبدو جانب من جوانب حكمة الخالق في التصميم ، فلو كانت جميع الأجهزة خاضعة لعمل الارادة لما أمكن للانسان أن


    يغفل عنها لحظة حتى وفي حال النوم وإلا لتوقف القلب عن الحركة وتعطل جهاز الهضم ، والتنفس عن العمل ، وكذلك الحال بالنسبة للعضلات المخططة التي تخضع في عملها للأعصاب الارادية ، فهي لو لم تكن خاضعة للارادة ومنشدة إليها ، ولو لم تكن غير قادرة على العمل بدونها لاستمرت بعملها كما استمرت العضلات الغير خاضعة للارادة .
    قالت ورقاء : وماذا كان يحدث إذن ؟
    قالت معاد : لاستمر الانسان يمشي ويمشي ويتكلم ما دام حياً وما دام قلبه ينبض بالحياة .
    وكانت ورقاء تستمع في اهتمام بالغ ، وحينما سكتت بادرت تستزيدها قائلة أن حديثك شيق جداً يا معاد .
    قالت معاد : يمكنك أن تقرأي هذا الكتاب لتعرفي الكثير عن أسرار جسمك يا ورقاء .
    فسكتت ورقاء برهة ثم قالت في خجل : ولكنني لا أرغب في المطالعة يا معاد ، أنني أحب أن أسمع من أن أقرأ .
    قالت معاد : ولكن السماع وحده لا يكفي ولا يغني يا ورقاء فما لم يعتمد الانسان على ذهنه في فهم ما يريد لما تفهم ما يكفيه . فالانسان الذي يسمع أكثر مما يقرأ يصبح اتكالياً في فهمه للأمور ، لأنه يستقبل الحقائق مشروحة وموضحة ولا يكلف نفسه مشقة مطالعتها واستيعابها شرحاً وتوضيحاً وما


    دام الفهم معتمداً على الآخرين كانت المعلومات محدودة لأن السماع مهما كان لا يبلغ إلى مستوى القراءة في الكم والكيف.
    وهنا تململت الجدة على فراشها فقامتا إليها معاً . وانحنت عليها معاد تسأل عن راحتها فابتسمت الجدة وشكرتهاعلى موقفها منها في الليلة الماضية وقالت لها :
    أنني دعوت لك كثيراً لموقفك البارحة مع ورقاء وسوف أدعو لك ما دمت حية .
    قالت معاد : أنني أشكرك جداً وأرجو لك العمر الطويل .
    قالت الجدة : ولكن ما هو اسمك يا ابنتي ؟
    قالت معاد : ان اسمي معاد .
    فسكتت الجدة لحظة ثم قالت : لقد سبق أن سمعت بمثل هذا الاسم من قبل ولكن ما هو اسم أبوك يا معاد ؟
    وهناك لاحظت ورقاء أن معاداً قد تجاهلت السؤال حيث قالت : أنني سوف أزورك في كل يوم يا خالة وأرجو أن تتقدم صحتك بسرعة بفضل الله وبفضل عناية ورقاء .
    فضحكت ورقاء وهي تقول : وبفضل الدكتورة معاد أيضاً . ثم عادتا للجلوس ، وكانت ورقاء تود لو استأنفت


    معاد حديثها ولكن خشيت أن تطلب منها ذلك فتثقل عليها فيه ، ولهذا مرت عليهما فترة سكوت تتخلله بعض الكلمات وعندما أرادت معاد أن تذهب طلبت منها ورقاء أن تترك الكتاب عندها لتقرأ فيه .
    * * *

    استمرت معاد تزور المريضة في كل يوم الشيء الذي شد أواصر العلاقة بينها وبين ورقاء ، سيما وأن ورقاء كانت تستفيد منها فكرياً فيضاعف ذلك من إعجابها وحبها لمعاد ، ولكن فجأة مر يوم ويومان دون أن تزور معاد غرفة المريضة جدة ورقاء ، وفي اليوم الثالث عندما مرت عليهم الدكتورة عبير سألتها ورقاء هل أن الدكتورة معاد مجازة منذ يومين ؟
    قالت : كلا ولكنها مريضة !
    فندت عن ورقاء آهة تألم وقالت :
    مريضة ؟ ولكن أين هي في البيت أم في المستشفى ؟
    قالت : أنها في المستشفى ثم انصرفت لكي لا تفسح الطريق لسؤال جديد .
    وبقيت ورقاء في قلق حائرة فهي تود أن تذهب إلى معاد ولكنها لا تعرف كيف ؟ وهل يمكن لها ذلك ؟


    وبعد ساعة دخلت الممرضة المسؤولة فسألتها عن معاد فقالت : أنها مريضة منذ يومين .
    قالت وهل يمكن عيادتها في غرفتها ؟
    قالت الممرضة : أنها ليست في غرفتها.
    قالت ورقاء : أين هي إذن ؟
    قالت أنها نقلت إلى الغرفة المقابلة لغرفتكم من الجهة الثانية.
    فردت ورقاء في فزع قائلة : آه أنها مريضة جداً إذاً !!
    فردت الممرضة : أنها مصابة بانفلونزا حادة ولهذا ومن أجل صحتها ووقاية لقسم الطبيبات من العدوى رجح الطبيب نقلها إلى غرفة العلاج .
    فأطرقت ورقاء تفكر في مرض معاد بألم ثم قالت :
    ليتني اتمكن أن أذهب لعيادتها .
    قالت الممرضة : وماذا يمنعك من الذهاب ؟
    قالت : جدتي كيف أتركها وأذهب ؟.
    قالت الممرضة : ان جدتك بخير وسوف أمر عليها أنا خلال فترة غيابك عنها .
    قالت ورقاء : ولكن متى يمكنك الحضور ؟

    قالت : بعد الثانية عشر ظهراً .
    فشكرتها ورقاء وبقيت تنتظر ساعات بعد الظهر على لهفة وقلق حتى حان الوقت فتوجهت نحو غرفة معاد وطرقت الباب بهدوء خشية أن تكون المريضة نائمة ، وفوجئت أن وجدت شاباً يفتح لها الباب ، فارتبكت وحاولت أن تتراجع ولكن مظهر الشاب الوقور بعث في نفسها شيئاً من الثقة فسلمت ثم قالت : كيف حال الدكتورة معاد ؟
    فأفسح الشاب لها الطريق قائلا : تفضلي اليها فهي مستيقظة .
    فدخلت ورقاء تمشي بخطوات مرتبكة ولاحظت أن الشاب خرج من الغرفة وأغلق الباب وراءه فقالت في نفسها : لا شك أنه الطبيب ، ثم مشت إلى حيث ترقد معاد على السرير ، فانحنت نحوها تحييها بعطف وتسأل عن صحتها بلهفة ، فوجدت الحمى لديها مرتفعة وسمعت أنيناً خافتاً يصدر عنها ، الشيء الذي آلمها جداً فنادتها بصوت خافت قائلة :
    دكتورة معاد ! دكتورة معاد ! كيف أنت يا أختاه ؟ فحاولت معاد أن تبتسم وأجابت بصوت واهن :
    أرجو أن أكون بخير ، كيف هي جدتك يا ورقاء ؟
    قالت : أنها بخير تسلم عليك وتدعو لك بالصحة .

    ثم جلست ورقاء إلى جوار المريضة ولاحظت أن معاداً مستغرقة في بحران من الحمى ، وأن غدائر شعرها مبعثرة على الوسادة مع حمرة قانية تصبغ وجهها الجميل الذي كانت تراه بدون حجاب لأول مرة ، فودت لو تمكنت من مساعدتها بأي ثمن .
    ومضت الدقائق طويلة ومتعبة وهي جالسة إلى جوار المريضة يعز عليها أن تذهب وتتركها وحيدة ، ومن ناحية ثانية كانت تحس بالقلق من أجل جدتها المريضة ولا تتمكن أن تتأخر عنها أكثر من هذا.
    ثم فتحت معاد عينها ورأت ورقاء ما زالت إلى جوارها فقالت لها بصوت متقطع : لماذا أنت ما زلت هنا يا ورقاء ؟ عليك أن تعودي إلى جدتك المريضة يا عزيزتي .
    قالت ورقاء : ولكن كيف أتركك وحدك يا معاد ؟
    قالت معاد : أنني لست وحدي يا ورقاء نادي لي أخي إذا خرجت .
    قالت ورقاء : وأين أجد أخاك يا معاد ؟
    قالت أحسبه في غرفة الاستعلامات ، فظهرت الحيرة على ورقاء وقالت :
    ولكن ما هو اسمه ؟ أقصد كيف أتمكن أن أعرفه فأستدعيه ؟


    فابتسمت معاد رغم حالها وقالت : ان اسمه سناد وهو الذي فتح لك الباب .
    قالت ورقاء : آه لقد حسبت أنه الطبيب.
    قالت معاد : صحيح أنه الطبيب كما خمنت ولكنه أخي في الوقت نفسه ولولا ذلك لما كنت أمامه هكذا.
    قالت هذا وأشارت إلى خصلات شعرها المبعثرة .
    قالت ورقاء : لقد حسبته طبيباً غريباً حين رأيته قد خرج ولم يعد.
    قالت معاد : لقد خشي أن يضايقك بوجوده ولهذا خرج .
    وهنا قامت ورقاء وقبلت معاد متمنية لها الشفاء وخرجت من الغرفة متوجهة إلى غرفة الاستعلامات ، وكانت تشعر بالحراجة لهذه المهمة ولكنها وجدته أمام الغرفة وقد لاحظ انصرافها دون أن تقول له شيئاً وبذلك تخلصت مما كانت تستشعره من إحراج وذهبت إلى جدتها مسرعة فوجدتها ما زالت نائمة فجلست إلى جوارها تقرأ ولم تطل مع الجدة سنة النوم إذ فتحت عينها ونظرت إلى ورقاء فسألتها ورقاء عن راحتها فردت قائلة بارتياح :
    أنني بخير ولكن كيف وجدت الدكتورة معاد ؟


    قالت ورقاء بألم : إنها مريضة جداً يا جدتي .
    قالت الجدة : شفاها الله وعافاها ، ولكن من كان معها .
    قالت ورقاء : يبدو أن أخاها طبيب وكان إلى جوارها حين ذهبت ولكنه خرج عند دخولي .
    فقالت الجدة : من هذا يبدو أنه انسان مهذب.
    وفي صبيحة اليوم الثاني ذهبت ورقاء إلى عيادة معاد من جديد فوجدتها أحسن حالاً مما كانت عليه وقد رحبت بها وشكرت لها زيارتها الماضية فقالت ورقاء :
    لقد عز عليّ جداً أن أراك في تلك الحالة سيما عندما تحسست جبينك فوجدته يلتهب من الحرارة ، فقد أحسست بأنني أشاركك الألم ولكن بشكل روحي.
    فابتسمت معاد وقالت : يبدو أن أعصاب الحس لديك مرهفة جداً يا ورقاء ؟
    فضحكت ورقاء وقالت : أنه أمر طبيعي وبسيط ولا يحتاج إلى مزيد في الحساسية .
    قالت معاد : صحيح أنه أمر طبيعي ولكنه ليس بالأمر البسيط كما تتصورين ، فأن عملية الاحساس وسرعتها أمر يسبقه العديد من العمليات داخل الجسم .
    فاستغربت ورقاء وقالت : العديد من العمليات وكيف ؟


    قالت معاد : هل تريدين أن أشرح لك ذلك بالتفصيل أم باختصار ؟
    قالت ورقاء : كما تحبين يا معاد .
    قالت معاد : تنتشر على مستوى سطح الجلد شبكة هائلة يا ورقاء ومهمتها هي نقل الأخبار التي تصلها من مختلف طرق الحس ، وتنتهي جميع هذه الألياف العصبية التي تتشكل منها الشبكة تنتهي بجسيمات خاصة ينفرد كل منها بنقل حس معين محدد ، فهناك مثلاً جسيمات تنقل الحر ، وجسيمات تنقل البرد ، وأخرى تحس الألم ، وهكذا نجد أن كل جسيمة من هذه الجسيمات تنفرد بمهمة خاصة لا تؤديها سواها.
    قالت ورقاء : وما هو عدد هذه الجسيمات يا معاد ؟
    قالت معاد : أنها تتصاعد أعداد هذه الجسيمات في سطح الجلد إلى أعداد هائلة .
    قالت ورقاء : فما هو عدد أجهزة إحساس الألم مثلاً ؟
    قالت معاد : هناك ( 3 ـ 5 ) ملايين جهاز حساس للألم و ( 300000 ) جهاز حساس للحر و ( 500000 ) جهاز حساس للمس والضغط .
    قالت ورقاء : وما هي هذه الأجهزة يا معاد ؟


    ـ قالت معاد : مهمتها هي نقل التنبيهات عن طريق الأعصاب الحسية حتى توصلها إلى المنطقة الخلفية من النخاع الشوكي حيث تبلغ الأخبار إلى الخلايا . وعند ذلك تقوم الخلايا بالاتصال بالمنطقة الأمامية من النخاع الشوكي حيث ترقد هناك مفاتيح السيطرة على العضلات ، ولهذا تجدين أن اليد إذا لامست الحرارة ترتد عنها بسرعة تبلغ جزء من مائة من الثانية ، هذه الساعة الهائلة التي تمر بنا أو نمر بها دون أن نعلم أي تخطيط هائل جبار سبق هذه العملية البسيطة ودون أن نستشعر الصغار أمام عظمة الخالق المبدع المدبر.
    كانت معاد تتحدث وورقاء تستمع إليها بانجذاب وقد جلست على الكرسي الذي أمامها مصغية بكل انتباه . وودت لو أن معاداً بقيت تتكلم أكثر وعندما سكتت أرادت أن تطلب منها الاستمرار ولكنها خشيت أن ترهق صحتها فبقيت ساكتة تنظر إليها في اعجاب واكبار ثم قالت : إن حديثك شيق يا معاد فأنني محرومة ممن يزودني بالمعلومات الدينية سيما عن إثبات وجود الخالق فليس لدي من يعينني على مجابهة الشبه والتشكيكات مع كثرة ما يواجهني منها في مختلف المناسبات ، وليتني كنت مثلك لكي أفهم ما تفهمين وأعرف من أمر ديني وخالقي ما تعرفين ، لقد كنت أتمنى أن أدخل الكلية الطبية ولكن درجاتي لم تساعدني على ذلك .
    فابتسمت معاد وقالت : إن معرفتي لا تستند إلى الكلية

    الطبية فلو لم أكن أعرف لما استفدت شيئا مما قرأت هنا.
    قالت ورقاء : إذن فأنت كنت تعرفين المزيد عن دينك قبل أن تدخلي الكلية ؟
    قالت : نعم ، لأن أخي كان يوجهني ويدفعني إلى القراءة والمطالعة منذ الطفولة ، وقد ساعدني على تفهم الكثير مما كان يعسر عليّ ، ولم تعلم ورقاء لماذا خطر لها أن تسأل قائلة :
    أي إخواتك هذا الذي تعهدك بالتربية والتوجيه ؟
    فابتسمت معاد وقالت : ليس لي إلا أخ واحد وهو الذي ما زال يتعهدني بكل شيء ، حتى بالتمريض إذا مرضت ، انه كل شيء بالنسبة لي .
    قالت ورقاء : أدامه الله لك وأدامك له يا أختاه .
    قالت معاد : تصوري أنه عطل عيادته من أجلي خلال أيام شدة حماي !
    وهنا قالت ورقاء : إذن فهو ليس معك هنا في نفس المستشفى ؟
    قالت : كلا فهو قد أكمل ما عليه وفتح له عيادة خاصة ، عند هذا لاحظت ورقاء أن مدة غيابها عن جدتها قد طالت أكثر مما ينبغي فنهضت لكي تودع معاداً وهي تقول : يعز عليّ أن أتركك وحيدة ولكن عليّ أن أذهب من أجل جدتي.

    قالت معاد : لا عليك يا عزيزتي فإن سناداً يأتي بعد قليل إن شاء الله .
    قالت ورقاء : وسوف أزورك غداً أيضاً .
    قالت معاد : سوف أعود صباح غد إلى غرفتي فتفضلي إلى هناك.
    قالت ورقاء : ولكنني سوف أتعبك بالأسئلة يا معاد .
    قالت معاد : إن تعبك راحة يا ورقاء ، فتعالي إليّ متى أحببت وستجديني سعيدة بزيارتك يا أختاه.
    فضحكت ورقاء وقالت : إذن فأستودعك الله إلى لقاء غد إن شاء الله .
    * * *


    وفي عصر اليوم الثاني ذهبت ورقاء إلى عيادة معاد في غرفتها الخاصة بقسم الطبيبات ، فاستقبلتها معاد مرحبة .
    فقالت ورقاء : كيف أنت اليوم يا معاد ومتى سوف تمارسين أعمالك لكي تعودي إلينا من جديد ؟
    فقالت معاد : أنني اليوم بخير ولكنني أشعر بشيء من الألم في منطقة الطحال وأخشى أن يكون ذلك من تأثير الأنفلونزا ولهذا فأنا أنتظر نتيجة التحليل .
    قالت ورقاء : أرجو أن يكون الطحال سالماً . ثم أنني أتصور أن آلام الطحال ليست مهمة جداً.
    فابتسمت معاد وقالت : ولكن الطحال منطقة مهمة جداً في جهاز جسم الإنسان لأن الله عز وجل لم يخلق عضواً من أعضاء جسم الانسان دون أن يكون له أكبر الأثر في سلامة الجسم.
    قالت ورقاء : فما هو أثر الطحال يا ترى ؟ وما هي مهمتة التي جعله الله تبارك وتعالى أميناً على ادائها ؟
    قالت معاد : أنه مقبرة سيارة مع الجسم تستقبل جثث الكريات الحمر عندما ينتهي عمرها الذي لا يطول عادة أكثر من شهرين واللطيف في عملية الدفن هذه أن ذرة الحديد التي تنقل الكريات حين موتها إلى الطحال تدفنها هناك ثم تعود خاليه .
    قالت ورقاء : ولكن لماذا تعود هي إذن ؟
    قالت معاد : لأن الجسم يستفيد منها في عملية بناء الكريات الحمر الجديدة .
    قالت ورقاء : ولكن هل أن ذرة الحديد هذه هي التي تصنع الكريات الحمر ؟
    قالت معاد : كلا أنها عنصر يستفاد منه في صنع الكريات ، أما المصنع الرئيسي للكريات الحمر وحتى البيض منها فهو النخاع الموجود في باطن العظام ، وهكذا ترين عظمة هذا المصنع الهائل الذي يسمى بجسم الانسان وكيف أن كل عضو منه ينفرد بمهمة خاصة وعمل معين .
    قالت ورقاء : حدثيني عن ذلك يا معاد .
    قالت معاد : سوف أعطيك مثلا عن ذلك . وهو أن جهاز الدوران الذي ينقل الغذاء والأوكسجين إلى الأنسجة العطشى له مهمة ثانية في الوقت نفسه وهي إرجاع بقايا الاحتراق ونفايات الغذاء .
    قالت ورقاء : إذن فهو يقوم بمهمة المعبد للطرق والمسهل للمواصلات بين الأمعاء ؟
    قالت معاد : نعم أنه كذلك ، وهكذا أيضاً جهاز التنفس الذي نعيش معه العمر دون أن نلتفت إلى عظمة خالقه المخطط والموجه له ، فهو يستورد الغازات الضرورية للبدن

    مثل الاوكسجين ويطرح غاز الفحم . وهذه عملية تنقية للدم من كل ما لعله يعلق له من أكدار . يستورد ما يحتاجه البدن ، ويصدر ما لا حاجة له به ، أنها الدقة الهائلة في الخلق والرحمة المعطاء في تدبير شؤون الحياة .
    قالت ورقاء : أزيديني بالله عليك يا معاد .
    قالت معاد : أننا نأكل كل ما يلذ لنا ، ونشرب كل ما يطيب لنا شربه غافلين عما هيأته لنا الرحمة الآلهية من ممون مخلص أمين ينقل إلى الأمعاء النشويات ، والبروتينيات ، والدسم ، والماء والأملاح المعدنية ، والفيتامينات ، وكل هذه هي مما يحتاجه جسم الانسان ، ومن ناحية ثانية لا يغفل هذا الممون الأمين عن إلقاء الفضلات التي لا يحتاجها البدن خارج الحدود .
    قالت : ورقاء وما هو هذا الممون يا معاد ؟
    قالت معاد : ليس هذا الممون الأمين سوى الجهاز الهضمي لدى الانسان .
    وكانت ورقاء تستمع إلى معاد باهتمام بالغ فلما سكتت أردفت قائلة : والكبد ما هي وظيفته إذن ؟
    قالت معاد : الكبد هو مركز الجمارك العام في جسم الأنسان .
    قالت ورقاء : وكيف ؟

    قالت : انه ينقي كل ما يدخل إلى البدن عن الطريق الهضمي فلا يسمح إلا بمرور ما هو مرغوب فيه وصالح للجسم . أنه من خطوط الدفاع المهمة التي خلقها الله تبارك وتعالى للدفاع عن سلامة هذا الجسم القاصر الذي لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً .
    وعند ذلك سكتت معاد وكأنها أرادت تبديل مجرى الحديث . فأعطت لورقاء فترة سكوت وتفكر ثم قالت : والآن حدثيني عن صحة جدتك يا ورقاء .
    فانتبهت ورقاء من استغراقتها الفكرية وقالت أنها أحسن حالاً والحمد لله . ولهذا تمكنت من تركها وأتيت اليك وقد ألحت عليّ أن أعود إلى الدوام في الأسبوع القادم ولكنني ما زلت مترددة في موضوع الدوام .
    قالت معاد : لقد طال انقطاعك عن الدراسة يا ورقاء وأنا أيضاً أرجح عودتك إلى الدوام وسوف أحاول أن أمر أنا عليها خلال غيابك فليس من الصالح تخلفك عن الدراسة أكثر من هذا.
    قالت ورقاء : أن جدتي المسكينة وفرت لي جميع أسباب الراحة ، وبذلت لي المزيد من الحب والحنان ولكنني ما زلت أشعر بالوحدة والغربة في أمثال هذه الحالات لأنني البنت الوحيدة لأبنها الوحيد الذي توفى شاباً وكان عمري حين وفاته

    سنة واحدة ، أما والدتي فقد كانت قد توفيت عل أثر ولادتي مباشرة .
    قالت معاد : إذن فأنت بدون أخت ، وأنا بدون أخت ، فلتكن كل منا أختاً للثانية إذا وافقت على ذلك.
    فأشرق وجه ورقاء وقالت في لهفة : أتراك جادة فيما تقولين ؟ هل تقبلين أخوتي يا معاد ؟
    قالت معاد : وأكون سعيدة بها فهل توافقين أنت ؟
    قالت ورقاء : نعم وكيف لا !.
    قالت معاد : إذن فقد اتفقنا يا أختاه والآن أن عندي لك كتاباً حبذا لو قرأتيه .
    قالت ورقاء : الحقيقة أنني أصبحت أفكر جدياً بالمطالعة ولكنني لم أجربها لحد الآن .
    قالت معاد : إذن جربي مع هذا الكتاب ، ثم أعطتها كتاباً قرأت ورقاء اسمه فوجدته ( التكامل في الاسلام ) ولاحظت أنه الجزء السابع منه ، فأخذته شاكرة ثم ودعت معاد وذهبت إلى جدتها .
    ومضت الأيام ، وكانت معاد قد عادت إلى عملها واستمرت تمر على ورقاء في كل يوم وتعنى بجدتها حال ذهابها إلى الكلية وكانت ورقاء قد قرأت كتاب التكامل في الاسلام .

    وطلبت الأجزاء الباقية منه ، لأنها شعرت ولأول مرة بالرغبة في استيعاب الكتاب ، فكانت تختلس الوقت بين دوامها وتمريض جدتها لتقرأ من الكتاب بعض المواضيع وهي في كل ذلك تسأل معاد عما يخطر لها حول ما تقرأ . ولهذا أخذت تشعر بأنها أصبحت مشدودة إلى معاد فكرياً ، وروحياً ، وأن من العسير عليها أن تبتعد عنها بعد الآن .
    وفي يوم من الأيام كانت ورقاء تجلس أمام معاد تستمع إليها وهي تتحدث عن عظمة الخالق التي تظهر بعض آثارها في دقة خلق الانسان فقالت لها :
    هل حقاً يا معاد أن خلايا جسم الانسان تتغير وتبدل ؟
    قالت معاد : نعم أن الانسان يتغير بشكل مستمر الاخلاط ، والخلايا ، والكريات ، والشحوم ، والبروتينات ، والماء إلى آخر ما في جسم الانسان من خلايا ، وحتى بالنسبة للخلايا العصبية فأنها تتغير وتتبدل أيضاً ، وعلى العموم فأن الجسم كله يتجدد كل فترة قد تقدر ببضع سنين ولا تزيد بحال على عشر سنين.
    وهنا قالت ورقاء مستغربة : حتى الخلايا العصبية تتبدل أيضاً ؟ ولكن كيف أليست الذاكرة ترتبط بالخلايا العصبية ؟ فإذا تبدلت كان معنى ذلك أن الانسان يفقد ذاكرته وكل معلوماته السابقة ؟

    قالت معاد : وهذا هو جانب مدهش من جوانب الخلق ونحن عن هذا الطريق نستدل على أن الذاكرة والذهنية الانسانية عموماً ليست ظاهرة مادية ولا يمكن تفسيرها كما يقول الماديون وإنما هي ظاهرة روحية مجردة عن المادة ولا تخضع لقوانينها من التبدل والتغير والتحلل ، وهكذا تلاحظين أن الذاكرة لو كانت مجرد ظاهرة مادية في الخلايا العصبية ومرتبطة بها لنسي الانسان كل شيء بعد مضي فترة من الزمن تبعاً لتغير تلك الخلايا العصبية ، وأصبح عليه أن يتعلم حتى اسمه واسم أبيه من جديد ، في الوقت الذي نجد أن الانسان العادي يجمع في كل يوم من الصور التي يراها فقط مقدار نصف مليون صورة ، تجتمع كلها في مستودعات الذاكرة العظيمة ، ومعنى ذلك أن ما يقرب من عشرة مليارات من الصور تختزن في مستودعات الذاكرة خلال متوسط حياة الانسان العادي ، هذا بالاضافة إلى المسموعات ، وغيرها مما يلمس ويحس .
    وكانت ورقاء تستمع بانجذاب وعندما سكتت معاد قالت : إنها أرقام هائلة لا يكاد يتصورها الانسان .
    قالت معاد : نعم أنها أرقام هائلة وقد قدر البعض أن ما تخزنه الذاكرة يتسع إلى تسعين مليون مجلد زاخر بالمعلومات ، فردت ورقاء تقول : تسعين مليون مجلد !!
    قالت معاد : نعم ولك أن تعرفي بعد هذا دقة الخالق وحكمة الخالق.

    قالت ورقاء : ألا يمكن لنا إثبات وجود الخالق للمنكرين عن هذا الطريق يا معاد ؟
    أليس في خلق الكون وما فيه حجة بالغة لنا قبالهم يا أختاه ؟
    فابتسمت معاد ثم قالت : أنها حجج بالغة يا ورقاء ولكن فيهم من إذا أردنا أن نثبت وجود الله له عن طريق الاستشهاد بخلق الكون وما فيه قال أنه يشك بوجود الكون ولا يعترف به كموجود حقيقي لم يصوره الوهم والخيال !
    قالت ورقاء : ومن هم هؤلاء يا معاد ؟
    قالت : أنهم المشككون الذين ينكرون وجود كل شيء حتى أنفسهم ، أنهم يتحدثون ويفكرون بشكل يدعو الانسان إلى فقدان الشعور بقيمة ما حوله ولهذا فهو يعيش حياة الوهم والخيال ما دام لا يجد في الكون إلا وهماً وخيالاً .
    قالت ورقاء : وما هو موقفنا من هؤلاء يا معاد ؟
    قالت : أننا نتمكن أن ندحض شبههم ببساطة .
    فتساءلت ورقاء في لهفة : ولكن كيف ؟
    قالت معاد : أن المشككين يقولون أن جميع القضايا مشكوك فيها أليس كذلك ؟.
    قالت ورقاء : نعم .

    قالت معاد : إذن دعينا نعرف ماذا يقولون عن هذه القضية نفسها القائلة أن كل القضايا مشكوك فيها فهل يشكون فيها أو لا يشكون ؟
    قالت ورقاء : طبعاً أنهم لا يشكون فيها لأنهم يؤكدونها .
    قالت معاد : إذا كانوا لا يشكون فيها فقد اعترفوا إذن بأن بعض القضايا غير مشكوك فيها وهذا يناقض مبدأهم في الشك وإذا كانوا يشكون في هذه القضية أيضاً فهذا تنازل منهم عن مبدئهم ويعتبر تخلياً عن تبني مبدأ الشك .
    قالت ورقاء : هذا نقاش رائع فزيديني بالله عليك .
    قالت معاد : يمكنك يا أختي أن تسأليهم منذ البدء هل تفترضون أن موقفنا الذي يتحلى باليقين يتعارض مع موقفكم الذي يتسم بالشك في كل شيء أو لا ترون تعارضاً بين الموقفين فإن سلمتم بالتعارض والتناقض بينهما فهذا يعني انكم تسلمون بأن النقيضين لا يمكن أن يجتمعا . وهذه إذن حقيقة لم يرق إليها شككم وبذلك يثبت أن بعض الحقائق يجب التسليم بها ، وإذا لم تسلموا بوجود أي استحالة في أن يكون الموقفان معاً على صواب فلماذا تعارضوننا وتعتبروننا في إيماننا مخطئين ؟
    أليست هذه الحجة رائعة يا ورقاء ؟
    قالت ورقاء : نعم أنها رائعة ومنطقية تماماً .

    قالت معاد : وان هناك بعض الحجج الأخرى لا يسع الوقت لذكرها الآن ولهذا سوف أؤجلها إلى اللقاء القادم إن شاء الله .
    قالت ورقاء : انني أقدر ظروفك ومسؤولياتك يا معاد وأرجو ألا يطول انتظاري للقاء الثاني فأنا جد مشوقة إلى تكملة الحديث .
    فضحكت معاد وقالت : أنه لن يتعدى ظهر يوم غد إن شاء الله يا ورقاء وقد أتيت لك بكتاب أرجو أن تطالعي فيه خلال هذه الفترة ثم ناولتها الكتاب وذهبت إلى دورتها المعتادة على المرضى.
    وفي عصر اليوم الثاني جلست ورقاء تنتظر حضور معاد وأمسكت بيدها كتابا تقرأ فيه فترة ثم تستسلم للتفكير فترة أخرى ، حتى أتت معاد ، فاستقبلتها بحرارة وجلست أمامها تنتظر تكملة الحديث ، ولما وجدت أن معاداً لا تريد أن تتطرق إلى حديث أمس قالت لها : أكملي حديثك عن أفكار المشككين .
    فابتسمت معاد وقالت : أراك مهتمة جداً بهذا الموضوع ؟
    قالت ورقاء : نعم لأنني قرأت وسمعت الكثير عنه .
    قالت معاد : نحن نتمكن أن نقول لهم متسائلين : أنكم آمنتم بمبدأ الشك هذا من خلال برهان أم لا ؟ فإذا قالوا أننا

    آمنا به من دون برهان فلن تبقى لادعاءاتهم قيمة ما دامت لا تستند إلى برهان.
    قالت ورقاء : وإذا اعترفوا بوجود برهان يدعوهم إلى الايمان بمبدأ الشك ؟
    قالت معاد : أما إذا اعترفوا بوجود برهان جرهم إلى الايمان بمبدأ الشك فنعود لنسألهم ، هل أن بين البرهان الذي جركم إلى مبدأ الشك وبين النتيجة التي حصلت من ذلك البرهان صلة أم لا ؟
    قالت ورقاء : هبيهم قالوا بعدم وجود صلة بين النتيجة والبرهان .
    قالت معاد : أما إذا قالوا بعدم وجود صلة بين البرهان والنتيجة التي هي ( الشك في كل شيء ) فنحن نقول لهم ، إذن فأي قيمة تبقى للأدلة على هذه النتيجة ( نتيجة الشك ) ما دامت لا تمت للبرهان بسبب ؟
    قالت ورقاء : هذا إذا لم يعترفوا بوجود صلة بين النتيجة والبرهان أما إذا اعترفوا بوجود صلة فماذا ؟
    قالت معاد : أما إذا اعترفوا بوجود صلة بين البرهان ونتيجته التي هي الشك في كل شيء فنحن نقول لهم :
    إذن فإن البرهان هو العلة والسبب الذي أدى إلى هذه لنتيجة ! ومعنى هذا أنكم آمنتكم بضرورة وجود علة ومدلول

    هذا الاعتراف هو الاعتراف بوجود قانون العلية ( أي قانون السببية ) إذن ، فهناك شيء موجود غير مشكوك فيه إلا وهو قانون العلية .
    قالت ورقاء : وإذا حاولوا نفي قانون السببية ؟
    قالت معاد : أنهم إذا حالوا نفي السببية اي ( العلية ) فنفيهم هذا منهم على شكلين :
    أولا : أن هذا النفي يستند إلى دليل .
    ثانياً : أنه لا يستند إلى دليل .
    قالت ورقاء : فإن قالوا أنه لا يستند إلى دليل ؟
    قالت معاد : نقول لهم : أنه فقد قيمته إذن لافتقاده الدليل مع حاجته إليه .
    قالت ورقاء : وإذا قالوا أنه يستند إلى الدليل ؟
    قالت معاد : أما إذا قالوا أنه يستند إلى دليل فأن معنى ذلك الاعتراف منهم بقانون العلية . إذ اعترفوا بوجود سبب لهذا البرهان حيث قدموا هذا السبب كدليل لصدق مدعاهم .
    وعند هذا سكتت معاد فقالت ورقاء : هل تسمحين لي أن أكتب خلاصة هذا النقاش ؟

    قالت معاد : نعم ومن الصالح أن تكتبي لكي لا يذهب عن بالك بعض نقاطه .
    فأخذت ورقاء تكتب حتى فرغت من الكتابة ورفعت رأسها نحو معاد وكأنها تستزيدها من الحديث ولكن معاداً قالت :
    لقد جئتك في مهمة خاصة يا ورقاء راجية منك مساعدتي عليها .
    قالت ورقاء : أنني أرحب بكل مساعدة مني لك .
    قالت معاد : أنها تتعلق بزواج أخي سناد فهل أنت مستعدة لمساعدتي يا ورقاء لأنني مهتمة جداً بهذا الموضوع .
    قالت ورقاء : إذن ، وما دام الأمر يهمك فأنني سوف أساعدك بكل جهدي يا أختاه ، ولكن كيف ؟ وعن أي طريق ؟.
    قالت معاد : إن أخي سناداً عزيز عليّ جدا وهو جدير بكل محبة وإعزاز إذ أنه انسان مؤمن ويجسد في سلوكه جميع معاني الايمان ، ولهذا فهو رائع في كل شيء ، ومحبب إلى كل قلب ، ومريح لكل انسان وأنا منذ مدة أتمنى له أن يحصل على زوجة تسعده وتصبح له قرينة بكل شيء وقد وجدتها أخيراً والحمد لله .
    فردت ورقاء قائلة : الحمد لله .


    قالت معاد : وقد كنت أريد أن أطمئن إلى اقتناعه بها لكي أصبح واثقة من سعادة الطرفين وترحيبهما بهذه الوصلة . وهنا ردت قائلة بصوت تشوبه اللهفة : وهل اقتنع ؟
    قالت معاد : نعم ولم يبق سوى اقتناعها هي وهذا ما أريد مساعدتك عليه .
    قالت ورقاء : وكيف ؟
    قالت معاد : أن تحاولي إقناعها بصلاحه لها معتمدة بذلك على شهادتي بحقه وأنا ضمينة لك أنك سوف لن تندمي على ذلك أبدا .
    وكانت ورقاء تستمع في حيرة وارتباك ثم قالت : ولكن من هي ؟ وأين يمكنني أن أجدها ؟
    فابتسمت معاد وقالت : ألا يمكنك أن تحزري من تكون ؟
    قالت ورقاء : كلا ...
    قالت : خمني يا ورقاء.
    قالت ورقاء : لا أتمكن أن أخمن .
    قالت معاد : أنك تعرفينها أكثر من كل انسان وهي قريبة إليك وقريبة جداً يا ورقاء فهل عرفت من تكون ؟
    فأطرقت ورقاء وقد علت وجهها حمرة الخجل ولم تجب .


    قالت معاد : أراك عرفت الآن من هي يا ورقاء . أفلا يحق لي أن أطلب منك المساعدة في أمرها ؟.
    ولم تجب ورقاء . فعادت معاد تقول : ما لي أراك ساكتة يا ورقاء ؟ ألا تثقين فيَّ بابداء رأيك يا عزيزتي ؟ ألم نتفق أن نكون اختين ؟ ثقي أن أمرك يهمني كما يهمني أمر سناد . وقد درست هذا الموضوع من ناحيتك كما درسته من ناحيته هو . ولو لم أكن أعرف فيه الصلاح والخير لما عرضته عليك . ولك أن تسألي عن سناد كل من يعرفه لكي يشهد لك بحقه .
    هنا رفعت ورقاء رأسها وقالت في خجل : إن شهادتك وحدها كافية يا معاد . ولكنني قد فوجئت ولم أكن أتوقع هذا . ولهذا فأنني سوف أفاوض جدتي في الأمر .
    قالت معاد : ولكن المهم أن تكوني أنت مقتنعة فيه يا ورقاء فهل أنت مقتنعة ؟.
    فكادت ورقاء أن تقول : نعم ، لأنها كانت تحس بكامل الاقتناع والارتياح ولكنها وجدت أن من الخير لها أن تأخذ فرصة للتفكير أكثر لكي يكون جوابها بعيداً عن الارتجال فقالت :
    أعطيني فرصة للتفكير يا معاد .
    قالت معاد : طبعاً . فإن من حقك ذلك يا ورقاء . ولكن ما هو مدى هذه الفرصة ؟

    قالت : يوم أو يومين .
    قالت معاد : لك ذلك يا عزيزتي وأرجو أن يقودك تفكير لما فيه الخير .
    فضحكت ورقاء وقالت : هل تعلمين أنني لم أعود نفسي على التفكير في أموري الخاصة من قبل لأن جدتي عودتني أن أتكل عليها بكل شيء .
    قالت معاد : إذن جربي تفكيرك المستقل في هذه المرة .
    قالت ورقاء : نعم سوف أجرب والتجربة هي طريق كل معرفة كما يقولون .
    فابتسمت معاد وقالت : ولكن هذه القاعدة غير صحيحة يا ورقاء .
    قالت ورقاء : وكيف ؟؟ أليست التجربة هي الأساس لكل معرفة وتصديق .
    قالت معاد : كلا . وليست هذه القاعدة سوى دعوى من ادعاءات الجريبيين الذي لا يريدون أن يؤمنوا بتصديق أي قضية مسبقة بتجربة تؤكدها . متجاهلين أن إيمانهم هذا هو دليل على إمكان الايمان بقضية خالية عن التجربة .
    فظهر الاهتمام على ورقاء وقالت : هل لك أن تشرحي

    لي ذلك يا أختاه فإن لدينا معيدة في قسم المكانيك ما برحت تؤكد هذه القاعدة بمناسبة وبدون مناسبة .
    قالت معاد : سوف أشرح لك ذلك غدا إن شاء الله لان وقتي قد انتهى وعليّ أن أبدأ بتفقد المرضى بعد دقائق .
    جلست ورقاء بعد انصراف معاد تستعيد كلماتها فتستشعر الغبطة والسرور ، وحدثت نفسها قائلة :
    أتراني سوف أستجيب لمعاد ، فأكون إلى جانب أخيها آخذ عنه كما أخذت هي عنه من قبل ؟
    أتراه سوف يأخذ بيدي ليفتح أمامي أبواب المعرفة والهداية كما فتحها أمام معاد ؟ لكم سوف أكون سعيدة لو تم لي ذلك ، وكادت تلوم نفسها على إرجاء اعطاء الموافقة وهي لا تجد ما يحول دونها لأنه وعلى ما يبدو لها متكامل الجوانب .
    * * *

    وهكذا بقيت ورقاء تنسخ تصوراتها المشرفة حتى استيقظت الجدة من نومها فنهضت نحوها وقدمت إليها ما كانت تحتاج إليه ثم جلست إلى جانبها تحاول أن تخبرها بما تحدثت به معاد فقالت :
    لقد كانت الدكتورة معاد هنا يا جدتي .
    قالت الجدة باقتضاب : طبيب ...

    فأردفت ورقاء تقول : وقد تحدثت معي في موضوع خاص .
    وهنا نظرت الجدة نحوها باهتمام وقالت : موضوع خاص وما هو ؟
    قالت ورقاء في تلعثم : أنه موضوع خطبة .
    قالت الجدة في شبه حدة : وما أنت وذاك ؟
    قالت : انه أمر يخص أخاها يا جدتي .
    فأجابت الجدة بنفس الشدة القائلة : وما هي علاقتك بأخيها ؟
    فاستغربت ورقاء هذه الشدة من جدتها وقالت : أنها كانت تعرض عليّ خطبتي لأخيها يا جدتي .
    وهنا ظهر الرعب على وجه الجدة وقالت : وبماذا أجبت يا ورقاء ؟
    فارتبكت ورقاء وقالت : لقد ارجأت الأمر إلى ما بعد مشورتك يا جدتي .
    فأدارت الجدة وجهها نحو الجدار وهي تقول : كلا أن هذا أمر لا ينبغي أن يكون أبداً ، أنه غير ممكن يا ورقاء ...
    فانتفضت ورقاء انتفاضة ألم وقالت : لماذا يا جدتي ؟ فسكتت الجدة ولم تجب .


    فألحت عليها قائلة : لماذا تقولين لي أن هذا شيء غير ممكن ؟ ولكن الجدة بقيت معتصمة بالصمت .
    فأردفت ورقاء تقول : أرجوك يا جدتي أن تشرحي لي السبب لأنني مقتنعة بالموضوع اقتناعاً كاملاً .
    ولكن الجدة استمرت ساكتة لا تجيب . فعادت ورقاء تقول : لماذا لا توضحي لي الأمر يا جدتي ؟ فلعلك مخطئة في تشخصيك هذا ؟
    وهنا هزت الجدة رأسها في اصرار وهي تقول : كلا فأنني لست مخطئة وأنا أعرف ماذا أقول يا ورقاء ، وها أنا أقول لك من جديد أن تنصرفي عن التفكير في هذا لأنه لا يمكن أن يتم . ولهذا فأنا لا أريد أن تعودي إلى ذكره ثانية .
    فسكتت ورقاء لحظات ثم قالت : ولكن أليس من حقي أن أعرف السبب فليس من السهل عليّ أن أحدد مستقبلي نتيجة أمر لا أعرف منشأه .
    وهنا قالت الجدة : نعم أن من حقك ذلك يا ورقاء فهل أنت مستعدة للسماع ؟
    قالت ورقاء : وراغبة فيه أيضاً .
    قالت : ولكنك بعد سماع ما أقول سوف يتحتم عليك أن تقطعي علاقتك مع معاد أيضاً .


    فردت ورقاء في ذعر قائلة : أقطع علاقتي مع معاد وكيف لي بذلك وقد أصبحت بالنسبة لي ضرورة من ضرورات الحياة ؟
    قالت الجدة : إذن فلماذا تريدين أن أقول ؟
    فسكتت ورقاء لحظة ثم قالت : قولي ما لديك يا جدتي فأنا على استعداد لاستماعه مهما كان .
    قالت الجدة : إذن فاسمعي ماذا أقول . إنك تعلمين أن أباك قد توفي وأنت صغيرة .
    فخفق قلت ورقاء بشدة وقد توقعت أن تسمع أحاديث غير مريحة ثم قالت : نعم أنني أعلم ذلك .
    قالت الجدة : ولكنك لا تعلمين السبب في وفاته .
    قالت : كلا . ولا أعرف سبباً لموته سوى حياته.
    قالت الجدة : كان هناك رجل تعرف إليه وفرض عليه صداقته واستأثر بثقته حتى اتفقا أن يعملا معاً فأقاما معملاً لصنع الأواني البلاستيكية ، وتم إنشاء المعمل وكان أبوك سعيداً بذلك مرتاحاً إلى عمله فيه ، محدثاً نفسه بالكثير من المشاريع ، وقد اتفقا أن يكون المال من أبيك والعمل على ذاك لم إدعاه من خبرة مسبقة في الموضوع ، ولم يكن أبوك يملك المال المطلوب فأراد أن يبيع نصف الأرض الزراعية التي يملكها ولكن النصف كان أقل من المقدار المسموح به للبيع

    في ذلك العهد ، ولهذا فقد اشترى الاقطاعي حامد أفندي نصف الأرض على أن يكتبها جميعها باسمه وأن يعطيه نصف المحاصيل عن تراض وأن يكون له حق استرجاعها بالقيمة التي باعها متى ما أراد ، وأنت تعلمين استغلال حامد أفندي وجبروته في هذه المعاملات ولهذا فلم يكن في وسع أبيك أن يبيعها لسواه وهي ضمن الأرض التي تقع تحت سيطرته.
    وكان نصف الأرض هذا لا يكفي بمتطلبات المعمل ولهذا فقد رهن هذا البيت عند حامد أفندي أيضاً على أن يستوفى ذاك حقوق الرهن من محاصيل نصف الأرض التي في حوزته.
    وعلى كل حال فقد تم إنشاء المعمل ، وكان هو وصاحبه يتناوبان على حراسة المعمل في الليل.
    وفي صباح يوم من الأيام ذهبت إلى المعمل مبكرة لحاجة عرضت لي فوجدت الناس مجتمعين على باب المعمل وسيارات الشرطة تقف أمام الباب ، فاندفعت إلى الداخل مرعوبة وهناك عرفت أن أول عامل دخل المعمل وجد أباك جريحاً مضرجاً بدمائه وقد أغمي عليه ويبدو أن القاتل كان قد حسبه ميتاً .
    فدخلت الغرفة حيث كان رجال الشرطة يدرسون الموقف وشريكه واقف يبكي بدموع التماسيح فانحنيت عليه ألتمس منه نفساً أو كلمة ، وسرعان ما تم نقله إلى المستشفى فذهبت معه إلى هناك واتفق أن كنت إلى جانبه وحدي وإذا به يفتح


    عينيه وينظر إليّ ثم قال أنه فلان ، ثم أغمض عينيه إلى الأبد.
    وسكتت الجدة وقد تهدج صوتها من التأثر .
    فسألتها ورقاء من خلال دموعها التي انهمرت لتأثرها من حديث جدتها سألتها قائلة بلهفة : وما هو الاسم الذي ذكره يا جدتي ؟
    قالت : إنه عبد المجيد محمود الراجي !
    فصدرت عن ورقاء آهة جريحة وقالت معيدة كلمات جدتها : عبد المجيد محمود الراجي ؟ والد معاد وسناد ؟
    قالت الجدة : نعم ، انه هو ، وقد أدليت بشهادتي في وقتها ولكنها لم تكف وقد أثبت بعده عن مسرح الجريمة بمختلف وسائل الغش والخداع فسجلت الحادثة على أنها حادثة قتل في سبيل الاختلاس من قبل مجهول .
    قالت ورقاء : وهل حصل اختلاس أيضاً .
    قالت : طبعاً . وقد اختلس مع المال الذي كان موجوداً في الصندوق الحديدي هناك الأوراق الرسمية للاتفاق الذي بينهما ، والأوراق التي تخص بيع نصف الأرض وحق استرجاعها وأوراق تصفية حساب رهن هذا البيت ، وهكذا خسرنا كل شيء حتى حق المطالبة بأرضنا ، وحق ملكية هذا البيت فإن لدى حامد أفندي أوراق رسمية تؤيد حقه في


    الأرض والرهان ، في الوقت الذي لا نملك نحن ما يؤيد الاسترجاع ، وما صبر علينا كل هذه المدة إلا لغاية لا يعلمها إلا الله .
    وقد كنت أعرف أن لدى عبد المجيد هذا توأمان باسم سناد ومعاد ولهذا سألت معاد عن اسم أبيها فتجاهلت السؤال . ولكنني بعد ذلك عرفت اسمه من الممرضات فهل تجدين أن من الممكن لك أن تتزوجي ابن قاتل أبيك يا ورقاء ؟.
    فأجابت ورقاء في مرارة قائلة : كلا سوف لن أتزوجه يا جدتي ولكنني لن أقطع علاقتي مع معاد .
    قالت هذا وقد بللت الدموع وجهها وهي تفكرفي معاد أكثر مما تفكر في سناد .
    مر اليوم كئيباً حزيناً على ورقاء . وفكرت كثيراً وهي تحدث نفسها قائلة : ولكن أي ذنب له ولها في الموضوع ؟ لنفرض أن أباهما مجرم فهل يحق لنا أن نأخذهما بجريرته ؟ كيف سوف أرد على معاد ؟ وبأي حجة سوف أرفض أخاها ؟ أتراني سوف أحدثها بالحقيقة ؟ ولكن هل يجوز لي نبش الماضي ووصم هذين الأخوين الطاهرين بمثل هذه الوصمة ؟ لعلهما يجهلان ماضي ابيهما فكيف لي أن أكشف لهما ما يجهلان ؟.

    وصممت أخيراً أن تبقى على علاقتها مع معاد وقد تذكرت موعدها معها في يوم غد . وانتظارها لشرح ما طلبته منها فزاد شعورها بالخسارة وبصعوبة الانقطاع عنها ، وهكذا قضت يومها وليلتها في شدة من الحيرة والألم .
    وأشرق عليها الصبح بعد ليلة ما نامت خلالها إلا القليل وإذا بها تجد جدتها وقد صممت على ترك المستشفى بأي حال من الأحوال ، وكلما حاولت أن تثنيها عن ذلك ألحت تلك وألحت حتى رضخت لرغبتها وجمعت ما لديها من حوائج ثم طلبت من جدتها أن تؤجل الخروج إلى حين إخبار الطبيب المختص .
    ولكن الجدة كانت مندفعة إلى الخروج فلم توافق على التأجيل وكأنها كانت تريد أن تبتعد بورقاء عن طريق معاد بأسرع وقت خشية أن تضعف ورقاء أمام الاغراءات .
    وعندما يئست ورقاء من التأجيل ذهبت تسأل عن معاد وهي لا تعلم ماذا سوف تقول لها ولكنها كانت تريد أن تراها بأي شكل من الأشكال ، وفوجئت عندما علمت أن معاداً مجازة خلال ذلك الصباح فاحتارت ماذا تصنع ؟ وهل يمكنها أن ترحل عنها هكذا وبدون كلمة وداع ؟ وما أبعد هذا عن أحاسيس الوفاء وعرفان الجميل وما أبعده أيضاً عن عهود الأخاء التي أبرمتها لمعاد ؟ ثم خطر لها أن تترك لها ورقة فكتبت سطوراً جاء فيها ما يلي :


    عزيزتي معاد :
    لا أدري ماذا أقول ؟ وأنا أواجه دوامة لا سبيل لي بالنجاة منها ، وها أنا راحلة مع جدتي التي فرضت عليّ هذا الرحيل ، يبدو أن الله عز وجل شاء أن يطردني عن فردوسه بعد أن وجدت السبيل اليه . سوف أتركك بقلب باك لأواجه المستقبل المجهول وأنا وحيدة مهيضة الجناح ، سوف أعود ثانية إلى الضيعة الفكرية والحيرة النفسية فليرحمني الله ، وأرجو أن لا تغضبي عليّ فإن هناك ما يفرض عليّ هذا التصرف أما أخوك فأرجو من الله أن يبدله بخير مني وما رفضته لمنقصة فيه ولكن هكذا شاء الله ، وإذا رأيت أنني ما زلت استحق أخوتك فاكتبي لي على عنوان صديقتي وهو ... زقاق ... رقم الدار ... ثم طوت الرسالة وسلمتها لاحدى الممرضات لكي تسلمها إلى معاد عند عودتها ورجعت إلى جدتها لتتوجه معها إلى البيت .
    تعاقبت الأيام بطيئة وثقيلة بالنسبة إلى ورقاء فقد ساءت صحة جدتها على أثر الحركة وبعدها عن الطبيب وبقيت هي موزعة بين تمريضها ودروسها وباقي الالتزامات إضافة إلى فكر حزين يلازمها ، وحنين إلى معاد لا يفارقها ، وحاجة إلى فهم جديد تلح عليها ، وكثيراً ما لاحظت الجدة على عينيها آثار الدموع فعز عليها ذلك ولكنها تجاهلته واعتبرته ضرورة

    كان لا بد منها ، وبعد مرور أكثر من عشرة أيام سلمتها صديقتها رسالة تحمل طابعاً داخلياً .
    فخفق قلب ورقاء وتساءلت مع نفسها قائلة :
    أتراها من معاد ؟
    أتراها لم تنكر عليّ موقفي منها ؟
    ثم سارعت إلى فتحها وألقت نظرة عجلى على الاسم فوجدتها من معاد ، فاتنحت جانباً وقرأت الرسالة فوجدت فيها ما يلي :
    عزيزتي ورقاء :
    سلام الله عليك ورحمته وبركاته وسلامي وأشواقي وصادق دعائي وأخائي ... ها أنا أكتب إليك بعد أن تخلصت من آثار المفاجأة التي أملتها عليّ سطورك وكم عز عليّ ذهابك دون أن أطبع على جبينك قبلة أخاء صادق . وقبل أن تعرفي بأن معاداً ليست تلك التي تتنازل عن اخوتك بسهولة ، لقد وجدتك يا ورقاء كالزهرة العطرة التي وجدت لتتفتح فتنشر من حولها الأريج ، ولتعطر بعطرها أجواء الربيع . ولكنها افتقدت اليد التي تسقيها الماء ، ولم تحصل على الظل الذي يحميها من وهج الشمس ، فقبعت في أكمامها وهي تنتظر الذبول ، قبل أن تتفتح وتؤدي رسالتها في الحياة .
    وجدتك هكذا يا ورقاء وأحسست بروحك وهي تناديني



    اليها طالبة مني السقاية والحماية وسمعت نداء الواجب يدعوني للاجابة . ففقتحت لك قلبي ، ومددت نحوك يدي ، وعرضت عليك أخوتي فوجدت عندك الاستجابة المطلوبة والتجاوب الذي أقر عيني.
    ثم اخترتك لتكوني قرينة أخي الذي هو أهم شيء عندي ، ثم وفجأة ، وبدون سابق إنذار ، وجدتك تختفين ولا تخلفين وراءك إلا بضعة سطور ، ولا أكتمك بأن المفاجأة لم تكن بسيطة بالنسبة إليّ ، ولهذا فقد أقعدتني آثارها عن المبادرة في الكتابة .
    أما الآن وقد عدت إلى نفسي وجدت أن عليّ الا أدع أواصر أخوتنا تتقطع هكذا ، وبسهولة ، ولهذا فها هي سطوري بين يديك تحدثك عني وتقول لك بأنني ما زلت أختك في السراء والضراء . وأنا لا أريد أن أسألك عن السبب في كل ما حدث لكي لا أحرجك وإحراجك مما يعز عليّ كما تعلمين ، وإذا أردت مراسلتي فإن ذلك ممكن على عنوان المستشفى ، هذا واستودعك الله الذي لا يخون الودائع .
    معاد
    إنتهت ورقاء من قراءة الرسالة وكان شعورها مزيجاً بين الفرحة والألم ، وقررت أن لا تخبر جدتها بأمرها وأن تبقى على


    اتصال مع معاد ، وفعلاً فقد بادرت إلى الكتابة في تلك الليلة ، فكتبت إليها تقول :
    عزيزتي معاد ،
    دعيني اقبلك عن بعد ، فالله وحده يعلم كم أنا متشوقة إليك وخجلة منك يا أختاه ، وأنت التي وجدتك على ظمأ معينا رياً رويا فما شربت منه سوى نهلات حتى صدت الكأس عن شفتي يد الزمان القاسية فأعادتني إلى الظمأ اللاهب ، وأسلمتني إلى حياة الوحدة المريرة ، لقد عشت عمري أفتش في صفحات سجل حياتي عن مرفأ أمين يشدني عبر مسيرتي الطويلة في مدرجات الحياة ، وطالما هفوت لصدر حنون يحتضنني وينفتح إليّ ، فأسند إليه رأسي المكدور ، وأكشف أمامه مشاعري وأفكاري المؤودة ، وقد كنت يا عزيزتي أعيش الضيعة الفكرية وأتمنى لو وجدت فكراً يفتح أمامي مغاليق المعرفة ويأخذ بيدي إلى طريق الهداية والدراية وما أكثر ما رددت قول الشاعر :
    وأني لمحتاج إلى ظل صاحب * يروق ويصفو إن كدرت عليه
    في يوم من الأيام حتى رأيتك ... فوجد فيك تجسيداً للأخت التي نسجت شخصيتها في أحلامي وسبق أن تصورتها في أفكاري فتغلغل حبك في قلبي ، وملأ الاعجاب بك جوانب نفسي ، وأحسست أن سفينة حياتي قد وجدت لديك


    مرفأها الأمين وقد آن لها أن تلقي قلاعها على ساحل أخوتك فركنت إليك كأخت ، واعتمدت عليك كموجهة ، واحللتك من نفسي المحل الرفيع الرفيع ، وفجأة بدأت الحياة تلعب معي لعبتها القاسية من جديد ، فأخذتك مني أو أخذتني منك ، وجعلتني أحس بالضيعة مضاعفة وبالوحدة بشكل أعمق . فأسلمني ذلك إلى دنيا اليأس المريرة ، وعرفت أن الحياة تقسو حتى على أنبل المشاعر والعلاقات ، وأن الأقدار لا تقيم وزناً للعلاقات والصلات ، وأن الدهر لا يصفو بعد كدر ، ولا يهادن بعد حرب ، وإن فاء إلى المهادنة يوماً ندم على ذلك وعاد يشن حربه العتيدة من جديد وما أحسن قول ابن هاني الأندلسي في هذا حين يقول :
    وهب الدهر نفسياً فاسترد * ربما جاد لئيم فحســد

    أو كما قال المتنبي :
    أبداً تسترد ما تهب الدنيا * فيا ليت جودها كان بخلاً

    وهكذا بقيت أعاني من غلواء أحاسيسي الكثير حتى استلمت رسالتك صباح اليوم ، فوجدت فيها خيطاً فضياً من خيوط الأمل . هذه الخيوط التي تشدني إليك وبالتالي فهي تشدني إلى خالقي يا أختاه ، فقد أصبح من العسير عليّ أن ابتعد عنك لأن قربك هو طريق قربي إلى الله ولهذا فقد


    فرحت برسالتك يا معاد ، كما أنها زادتني بك إعجاباً ولشخصك إكباراً . وعلمتني درساً من دروسك في مغالبة النفس ووأد مشاعر الانانية ، والتلبس بالنظرة الواقعية المجردة عن المصالح الشخصية . فالشكر لله أولاً ولك ثانياً يا أختاه . واعلمي بأنني كنت ولا أزال تلك التي تعهدين وما زلت أنتظر منك موعداً لزيارتك في أي مكان تعيشين ، هذا واسلمي لي دائماً وأبداً يا اختاه.
    ورقاء
    أبردت ورقاء رسالتها ومرت عليها أيام الانتظار وهي أحسن مما كانت عليه حتى وصلها الجواب . وكانت معاد تحدد لها فيه موعداً لتزورها فيه في المستشفى ففرحت ورقاء بذلك . وفي اليوم الثاني أخبرت جدتها عند خروجها بأنها سوف تتأخر لكي لا تقلق عليها ثم توجهت من الكلية إلى المستشفى . ويبدو أن معاداً كانت قد أوصت بها إذ أنها لم تصادف أي مضايقة حتى انتهت إلى غرفة معاد فوقفت أمام الباب محاولة التغلب على آثار الارتباك التي كانت تحسها ، ثم طرقتها برفق فطالعها وجه معاد مشرقاً واستقبلتها بالترحاب . فجلست ورقاء وهي تغالب دموعاً طفرت إلى عينيها . وبادرتها معاد قائلة :
    أهلاً وسهلاً بك يا ورقاء ، لقد أوحشني غيابك وكأنني


    عشت معك العمر كله مع أن معرفتي بك لم تتجاوز الأسابيع .
    فقالت ورقاء : وأنا كذلك يا معاد والله وحده يعلم كم عانيت وعانيت لخشيتي أن تكوني ناقمة عليّ .
    قالت معاد : لكنك حرة في اختيارك يا ورقاء فلماذا أنقم عليك يا عزيزتي وبأي حق ؟ لعل أخي لم يرق لك أو لم يحتل الثقة المطلوبة عندك.
    فقطعت ورقاء كلامها قائلة : أرجوك يا معاد ، لا تقولي هذا فإن كل ما حدث لم يكن نتيجة عدم الاقتناع لأن شهادتك في حقه كفيلة باقتناعي به ولكن ...
    فقالت معاد : ولكن ماذا يا ورقاء ؟
    قالت : ولكن جدتي هي التي رفضت ذلك .
    قالت معاد : وهل عرفت السبب في رفضها يا ترى ؟
    فارتبكت ورقاء ولم تعلم بماذا تجيب . ولهذا بقيت ساكتة ولكن معاداً أعادت السؤال ...
    فقالت ورقاء : إنه سبب من الأسباب .
    فابتسمت معاد لهذا الجواب وقالت : ولكن هل هو سبب كاف للرفض ؟


    فسكتت ورقاء لحظة ثم خرج صوتها جريحاً وهو يقول : نعم أنه سبب كاف يا معاد .
    قالت معاد : إذن فسوف لن ألح عليك أكثر من هذا والمهم أن نبقى على أخوتنا يا ورقاء .
    قالت ورقاء : نعم فها أنا استشعر معك بشعور من الراحة والاطمئنان افتقدته منذ فارقتك حتى الآن مع كثرة من أرى وأجد من الصديقات والأخوات ، لأنني وثقت فيك كما لم أثق بسواك والثقة هي طريق كل قرب وود .
    قالت معاد : إن هذا هو نفس شعوري نحوك يا ورقاء .
    قالت ورقاء : لقد مررت بتجارب عديدة قبل اليوم ولكنني لم أشعر بالانهيار أمام أحداها كما انهرت أمام هذه التجربة التي هددتني بالانقطاع عنك يا أختاه.
    فضحكت معاد وقالت : أراك ما زلت تتحدثين عن التجارب يا ورقاء ؟
    قالت ورقاء : كما أنني ما زلت أنتظر حديثك عنها يا معاد .
    قالت معاد : وأي حديث عنها تريدين ؟
    قالت : ألم تعديني أن تعودي إلى حديثك عن التجربة ومدى علاقتها بالعلم الصادق ؟


    قالت معاد : يبدو أن ذاكرتك قوية يا ورقاء ؟!
    قالت ورقاء : وكيف لي أن أنسى هذا وهو أمر مهم بالنسبة إليّ ؟
    قالت معاد : إذن دعينا ندرس الموضوع من جديد لنعرف ماذا يقول التجريبيون ؟
    قالت ورقاء : أنهم يقولون بعدم التمكن من تصديق بدون تجربة مسبقة . وهم لا يعترفون بدور العقل في مضمار تصديق القضية ما لم تدعمها التجربة ، إذ أنهم ينكرون وجود قضايا بديهية .
    قالت معاد : ولهذا فنحن نقول لهم هبوا أنكم جربتم أن تقربوا قطعة من الحديد إلى النار فرأيتم نتيجة ذلك أنه قد تمدد من تأثير الحرارة فكيف تمكنتم أن تعمموا هذه القاعدة ( قاعدة تمدد الحديد بالحرارة ) على مجموع الحديد في العالم ، مع أن التجربة أجريت على قطعة واحدة لا أكثر ؟ ومن هنا يبرز دور العقل في تعميم هذه القاعدة على كل الحديد ، وحتى في هذه القطعة التي تمددت نتيجة تعرضها للنار ، فان التجربة أثبتت حالة التمدد فقط وجعلتنا ندرك هذه الحالة بحواسنا . أما السبب الذي أدى إلى هذا التمدد فهو أمر لم تثبته التجربة ولكن العقل هو الذي دل عليه ، النار حارة ، حرارتها أوجبت التمدد في الحديد ، إذن فإن علة التمدد هي حرارة النار .


    قالت ورقاء : لطيف ، لطيف يا معاد ثم ماذا ؟
    قالت : أننا نتمكن أيضاً أن نناقشهم قائلين : أنكم تؤمنون باستحالة اجتماع النقيضين وهذا إيمان لا مناص لكم منه لأن العلوم الرياضية بما فيها علم الحساب الذي هو أبده العلوم قائمة على أساسه ولولاه لتهاوى علم الحساب وافتقد قواعده التي يرتكز عليها .
    وهنا تساءلت ورقاء قائلة : وما هو تعريف اجتماع النقيضين يا معاد ؟
    قالت : اجتماع النقيضين اصطلاح يعبر عن جمع شيء مع نقيضه في محل واحد ، كأن نقول أن هذا الماء حار وبارد ، أو نقول أن هذه الشمس مضيئة ومظلمة في وقت واحد ، أو نقول أن فلاناً طويل وقصير ، ورفض الايمان باستحالة اجتماع النقيضين يعني عدم الايمان بصحة قواعد علم الحساب.
    قات ورقاء : أرجو توضيح ارتباط ما تقولين من أفكار استحالة اجتماع النقيضين مع علم الحساب يا معاد
    قالت معاد : إن مثل ذلك هو أننا لو عرفنا أن (1 + 1 = 2 ) لحققنا بهذه المعرفة أول ركيزة من ركائز هذا العلم إلى هنا فإن الموضوع لا جدال فيه ولا مراء ، أما إذا قلنا أن ( 1 + 1 = 3 ) فإنما يعني قولنا هذا دعوى اجتماع


    النقيضين ، وتوضيح ذلك ان كلمة يساوي تعني المساواة ، والموازاة ، والمقارنة ، والمماثلة ، وعلى هذا فإن واحداً زائد واحد لا يمكن أن يساوي أو يماثل أكثر من اثنين لأن ما يساوي الواحد إذا أضيف إليه واحد هو الاثنان فقط لا غير ، فأن نقول يساوي ثم نأتي بشيء لا يمكن المساواة فهذا جمع النقيضين وهما المساواة واللا مساواة ، ولهذا فنحن نقول لهم : أنكم أما أن تؤمنوا بعدم إمكان اجتماع النقيضين ، وأما أنكم لا تؤمنون به ، فإذا كنتم تؤمنون فمن أين حصل لكم هذا الإيمان ؟ هل جاء بعد تجربة ؟.
    قالت ورقاء : وكيف لهم أن يجربوا اجتماع النقيضين وهو محال ؟ .
    قالت معاد : إذن وما دامت تجربة اجتماع النقيضين محالة فلا بد أن يكون هذا الايمان وليد معرفة بديهية يمليها لهم العقل الذي لا يريدون أن يعترفوا بدوره المجرد عن التجربة في الحياة .
    قالت ورقاء : لعلهم يقولون أنهم جربوا الأشياء فلم يجدوا في واقع الكون حالة يجتمع فيها النقيض مع نقيضه وعلى هذا الأساس عرفوا أن اجتماع النقيضين مستحيل وغير ممكن .
    قالت معاد : إن هذه التجارب السبيلة إنما تدل على أن اجتماع النقيضين غير واقع وليس على أنه لا يمكن أن يقع


    مع أنا جميعاً نؤمن بأنه لا يمكن أن يقع . وهذا لا يمكن أن يستند إلى التجربة لأن عدم الامكان والاستحالة ليس شيئا يمكن أن نراه في تجاربنا .
    قالت ورقاء : وإذا قالوا بأنهم لا يؤمنون بعدم إمكان اجتماع النقيضين ؟
    قالت معاد : عند ذلك نقول لهم أنهم ينكرون وجود أهم علم قامت عليه معارفهم وهو علم الحساب ...
    وإلى هنا سكتت معاد معطية ورقاء فترة للتفكير وكانت ورقاء مندمجة مع ما سمعت ومنجذبة إليه .
    وبعد أن سكتت معاد فترة قصيرة قالت لها : لشد ما كنت في حاجة لأن أسمع هذا أو أعرف عنه شيئا يا أختاه ، وما زلت أطلب منك المزيد .
    قالت معاد : ولكن متى سوف تأتيني مرة ثانية يا ورقاء ؟
    قالت ورقاء : سوف أحاول ذلك متى ما وسعني ، والآن عليّ أن أذهب قبل أن تقلق جدتي لغيابي .
    * * *

    استمرت ورقاء تزور معاد بين حين وحين دون أن تعرف جدتها بذلك أو تشك فيه وفي يوم من الأيام عادت متأخرة قليلاً فوجدت جدتها مكفهرة الوجه متوترة الأعصاب وبادرتها قائلة بعنف : أين كنت يا ورقاء ؟


    فخمنت ورقاء أن جدتها قد علمت بأمر زيارتها لمعاد ولهذا آثرت المماطلة إلى أن تعرف الواقع .
    فقالت : ولماذا تسأليني يا جدتي ؟
    قالت الجدة بحدة : لكي أعرف هل أنت قادمة لتوك من الكلية ؟
    وحدثت ورقاء نفسها قائلة عليّ أن أقول الصدق مهما كانت النتائج وينبغي أن أواجه الواقع بشجاعة ولهذا ردت تقول : كلا .
    قالت : إذن أين ذهبت ؟
    قالت : لقد مررت على المستشفى.
    عند ذلك انفجرت الجدة تقول : أنك مررت على معاد أليس كذلك ؟ اعترفي يا ورقاء ولا تغالطي في الحقيقة ؟ لقد كنت أحسبك أعقل من هذا ، كيف تسمحين لنفسك بابنة قاتل أبيك ، أنها خيانة منك يا ورقاء .
    فردت ورقاء بهدوء قائلة : ولكن من أين عرفت ذلك يا جدتي ؟
    قالت لقد اتصلت إحدى صديقاتك تسأل عنك وقالت إنك توجهت إلى البيت منذ مدة . ومن هنا عرفت أنك قد ذهبت إلى معاد .


    قالت ورقاء : وماذا في ذهابي يا جدتي ؟ أنني رفضت سناد لكي لا أرتبط في حياتي الزوجية مع ابن قاتل أبي . أما أن أقطع علاقتي وصداقتي مع معاد فان هذا ما لا يمكن أن يكون لأنني محتاجة إليها فكرياً وروحياً ولا أرى في ذلك أي دليل من أدلة الخيانة .
    وهنا ألقت الجدة آخر ما لديها من سهام حيث قالت : أنك لا تعنين معاد فيما تقولين ولكن من يهمك هو أخوها ، فقد عرفت من الممرضات أنه جميل وجذاب وقد انخدعت بجماله يا ورقاء .
    فردت ورقاء بصوت متهدج قائلة : أنك تظلمينني يا جدتي لا تبالغي في القسوة عليّ فأنني لم أره إلا مرتين عن طريق الصدفة فقط ، فلا تنسجي من حولي أفكاراً مريبة يمليها عليك عالم الخيال.
    وفي عصر اليوم الثاني كانت معاد تنتظر ورقاء في موعدها المحدد ، ولما حضرت اليها لاحظت عليها شيئا من الشحوب ولما سالتها عما بها ..
    قالت : أنه من تأثير السهر الذي تفرضه عليها الدراسة . فلم تقتنع معاد بهذا الجواب ولكنها أظهرت الاقتناع . وكانت ورقاء متعجلة أكثر من عادتها ولهذا بادرت تقول :
    أنني ما زلت أنتظر حديثك عن التجربة يا معاد .

    قالت معاد أراك متعجلة اليوم يا ورقاء فهل هناك من جديد ؟
    فترددت ورقاء قليلا ثم قالت : كلا ، ليس هناك من جديد .
    قالت معاد : إذاً فلنبدأ بالحديث .
    قالت : نعم فأنني مشوقة إلى تكلمة ما شرحتيه لي حول التجربة .
    قالت معاد : أن التجريبيين يقولون عن القضايا التصديقية أنها لا يمكن أن يعترف بها دون تجربة مسبقة أليس كذلك ؟
    قالت ورقاء : ولكنني أريد أولاً تعريفاً للقضايا التصديقية .
    قالت : أن القضايا هي كل قضية صادقة يصدقها الانسان ويؤمن بصحتها ، هذا هو التعريف المختصر للقضايا التصديقية ، والحقيقة أن كل تصديق يحتاج ويعتمد على تصديق قبله ، والتصديق الذي قبله يحتاج إلى تصديق قبله ولكن لا يمكن أن تتراجع هكذا باستمرار من تصديق إلى تصديق دون أن نصل إلى بداية ، وإلا كان معنى هذا أننا لن نحصل على أي معرفة أو تصديق أساساً .. فظهر على وجه ورقاء الاهتمام البالغ وتساءلت : كيف ؟.


    قالت معاد : افترضي أنك تريدين أن تتعرفي على بنت معينة وحسن سلوكها وأنها ثقة فماذا تصنعين ؟
    قالت ورقاء أسأل بعض رفيقاتها عنها.
    قالت معاد : ولكن كيف تعرفين هذه الرفيقة لكي تسألي منها فقد لا تكون معرفتك بها إلا عن طريق شهادة من أخرى ، ولكن أليس من المنطقي أن تنتهي هذه الشهادات عند شاهدة تعرفينها مباشرة لكي تكون هذه هي البداية لانطلاقك إلى التعرف على الآخريات .
    قالت ورقاء : هذا صحيح بالضبط .
    قالت معاد : وهذا ما نقوله بالنسبة إلى المعارف التصديقية للانسان عموماً ، فأنها لا بد لها من بداية تعتمد عليها ، وهذه البداية لا بد أن تكون معروفة لنا بصورة مباشرة وبدون أي تجربة واستدلال .
    قالت ورقاء : أذكري لي مثالاً من هذه المعرفة المباشرة .
    قالت : مثله أن نقول أن بعض الكتاب أصغر من مجموع الكتاب ، فنحن لو ادعينا هذا ثم قال لنا قائل : من أين عرفتم أن بعض هذا الكتاب ، هو أصغر من مجموع الكتاب ؟ وهل لديكم تجربة أو دليل يثبت ذلك ؟ لقلنا أن هذا أمر بديهي لا يحتاج إلى تجربة ودليل . إذ أن مجرد قولنا بعض يعني إيماننا بوجود بعض وكل وأن البعض أصغر من الكل .


    قالت ورقاء : وإذا قالوا أنه ما دامت المعارف البديهية لا تحتاج إلى تجربة مسبقة ويتمكن العقل المجرد عن التجربة أن يشخصها فلماذا لا يدركها الانسان منذ الطفولة ما دام العقل معه منذ الطفولة ولماذا لا يبقى يدركها حتى ولو رد إلى أرذل العمر ؟
    قالت : عند ذلك نقول لهم أن الادراك على مرحلتين : إدراك تصور ، وإدراك تصديق .
    قالت ورقاء : عرفي لي الادراكين بالأمثلة من فضلك يا معاد .
    قالت : الادراك التصويري كأن نتصور الماء ، والسماء ، والشمعة ، والزهرة ، والذهب ، والفضة ، وهذا هو الذي يولد عند الانسان نتيجة لوجود أحاسيسه التي تساعده على التصور .
    قالت ورقاء : ولكننا قد ندرك في تصوراتنا أشياء غير ممكنة كأن نتصور بحراً من زئبق ، أو جبلاً من ذهب .
    قالت معاد : وهنا يأتي دور الادراك التصديقي وهو إثبات صحة تصوراتنا وانطباقها على الواقع . ولكن الادراك التصديقي الذي نعتمد عليه هنا يعتمد هو بدوره على الادراك التصوري أيضاً .


    قالت ورقاء : كيف ؟ ولماذا ؟
    قالت : لأنه ليس من الممكن ادراك شيء والتصديق له دون تصوره بشكل مسبق لهذا الادراك ، فنحن مثلاً لا يمكن لنا أن نصدق بوجود النخلة دون أن نتصورها .
    قالت ورقاء : إذن فأن الادراك التصديقي يعتمد على الادراك التصوري ؟
    قالت معاد : نعم ولهذا نجد أن الطفل لا يتمكن ان يدرك حقائق تصديقية فوق مستوى ادراكه التصوري لمحدودية ادراكاته التصورية وسطحيتها ، وهكذا نعرف أن الطفل أو الانسان الذي يرد إلى أرذل العمر لا يتمكن أن يدرك القضايا البديهية .
    قالت ورقاء : لشد ما أحس بالراحة عندما استمع إلى حديثك يا معاد ، أرجو أن لا يفارقني الله عنك يا أختاه .
    قالت معاد بعد شيء من التردد : نعم أرجو ذلك يا ورقاء .
    قالت ورقاء : بودي لو جلست معك أكثر ولكن عليّ الآن أن أذهب .
    فردت معاد تقول : إذهبي بحراسة الله ولكن لا تنسي موعدك غداً إن شاء الله .
    * * *



    وعادت ورقاء إلى البيت فوجدت الجدة متجهمة الوجه وقد ردت سلامها باقتضاب ، فانحنت على يدها تقبلها وهي تقول : أرجوك أن لا تغضبي عليّ يا جدتي لأنني أذهب إلى زيارة معاد ، سامحيني من هذه الناحية وسوف أطيعك في كل شيء عداها .
    فرفعت الجدة رأسها وقالت بتحد : تطيعينني بكل شيء ؟.
    قالت : نعم بكل شيء عدى قطع علاقتي مع معاد .
    قالت الجدة : أقسمي على ذلك إذن ، اقسمي أن تطيعيني بكل شيء مهما كان .
    فكادت ورقاء أن تقسم لولا أن خطر لها خاطر أوحاه اليها تحفز جدتها فشحب وجهها قليلاً ثم قالت : كلا أنني لا أقسم ويكفي أن أعطيك عهداً على ذلك .
    قالت الجدة : وأن يكون عهد شرف يا ورقاء .
    قالت ورقاء : نعم أنه عهد شرف ...
    فانفجرت أسارير الجدة وقبلت حفيدتها وعادت إلى وضعها الطبيعي ولكنها حدثت نفسها بعد ذلك قائلة : لقد أعطتني ورقاء عهداً أن تستجيب لي في كل شيء ولهذا سوف تضطر لقبول قراري الذي اتخذه عند خطبة ابن عمها ماهر لها ، هذا المسكين الذي أجلت أنا خطبته منذ السنة الماضية


    بانتظار أن تكمل دراستها ، وقد بدأ يستعيد الموضوع من جديد ، أنه شاب غني ومثقف وإذا كان غير ملتزم دينياً فهي سوف تهديه للالتزام ، وبهذا تنقطع علاقتها مع معاد بشكل نهائي.
    * * *

    بقيت ورقاء تنتظر عصر اليوم الثاني وما أن اكملت دوامها حتى توجهت إلى معاد فوجدتها تنتظرها عند باب المستشفى حيث قالت لها : إنني ذاهبة إلى البيت وكنت انتظرك لآخذك معي فان عندي بعض الأشغال هناك .
    فاستغربت ورقاء وقالت : إلى البيت وأي بيت ؟.
    فابتسمت معاد وقالت : بيتنا نحن .
    قالت ورقاء في تردد : ومن سوف يكون هناك أيضاً يا معاد ؟
    فعادت معاد تبتسم وهي تقول : لا أحد . كوني واثقة من ذلك . سوف نذهب أنا وأنت وحدنا ثم نعود قبل الغروب إن شاء الله .
    قالت ورقاء : إذن هيا بنا يا معاد .
    قالت معاد : إن بيتنا قريب ولن نحتاج إلى الركوب فتعالي لنتمشى إليه .


    وهكذا سارتا معاً حتى وصلتا إلى البيت ففتحت الباب بمفتاح كان معها ووجدت ورقاء نفسها في حديقة صغيرة منسقة وأمام بيت صغير دخلته مع معاد فوجدته بسيطاً في بنائه وأثاثه ولكنه يتميز بالذوق والتنسيق . لم يسعها إلا أن تسأل معاد قائلة : من الذي ينظف هذا البيت يا معاد ؟
    قالت معاد : أنني آتي إلى هنا مرتين في الأسبوع حيث أتعهد البيت في العناية والترتيب والتنظيف .
    قالت ورقاء : ومن الذي يسكن هنا ؟
    قالت معاد : أنه أخي سناد .
    قالت : وهل يعيش وحده هنا ؟
    قالت معاد بشيء من الألم : نعم فنحن وحيدان في هذه الدنيا .
    فتألمت ورقاء لمرارة هذا الجواب واستشعرت أنه صدى لمشاعر معذبة قد تمكنت معاد بقوة شخصيتها من إخفاء معالمها . ولهذا فقد اطرقت في تألم وخشوع ولكن سرعان ما نادتها معاد بصوت مشرق قائلة مالك يا ورقاء ؟ ألا تريدين أن تساعديني في العمل ؟
    وكأن هذا الصوت قد أعاد ورقاء إلى وضعها الطبيعي فأبدت استعدادها للمشاركة .


    وبهذا تم إنجاز الأعمال بسرعة فاقترحت معاد على ورقاء أن تجلسا قليلاً في ظلال الاشجار فجلستا متجاورتين . وكانت ورقاء تشعر بالسعادة لأنها قدمت بعض المساعدة من أجل معاد ، وكانت أمامها شجرة برتقال صغيرة قد ظهر الثمر فيها لأول مرة فأشارت إليها معاد وهي تقول : هل تعلمين أن هذه الشجرة قد غرزتها بيدي يا ورقاء وبقيت أتعهدها بالسقاية لأنها عزيزة عليّ ولهذا فأنا فرحة لمنظر ثمارها لأول مرة .
    قالت ورقاء : إن من حقك أن تفرحي يا عزيزتي فما الطف أن يرى الانسان البذور الذي بذرها وهي تنمو وتزدهر ثم تثمر الثمر المطلوب .
    وهنا رانت على وجه معاد سحابة ألم خفيفة ثم قالت : ولكن ما أقسى أيضاً أن يشاهد الانسان بعد ذلك هذه الأشجار التي غرز بذرتها بيديه وتعهد سقايتها بماء عينيه وهي تقتلع عن الأرض بيد لئيمة أو نتيجة زوبعة هادرة عاتية .
    فردت ورقاء تقول بألم : آه ، نعم أنه شيء قاس جداً يا معاد ، ولكنني اريد أن أسألك شيئا وهو في خصوص شجرة البرتقال هذه مثلاً ما هو سبب وجودها من الناحية الفلسفية ، البذرة أم أنت ؟
    قالت معاد : لا أنا ولا البذرة ، وإنما هو الله تبارك وتعالى وما نحن سوى وسيلة من الوسائل التي هيأها الله لتواجد

    الحياة ، فالله عز وجل خلق الكون والحياة وجعل كل ما فيها سبباً من أسباب إيجاد سواه أو الابقاء على ذلك الوجود .
    قالت ورقاء : يا لحكمة الخالق المبدع ولا أدري كيف يمكن لأحد أن ينكر وجوده أو ينسب الخلق إلى سواه ؟
    قالت معاد : ماذا تقصدين بنسبة الخلق إلى سواه ؟
    قالت ورقاء : أقصد هؤلاء الذين يرجعون السبب الأول في خلق الكون إلى المادة والذين يقولون أن المادة ونتيجة لحركتها الأزلية بدأت بإيجاد الأنواع !.
    قالت معاد : حتى هؤلاء لو عادوا إلى أنفسهم وفكروا بانصاف لعرفوا أو لاعترفوا بأن الله هو الخالق المدبر ، إذ أنهم يتفقون معنا في المقدمات ويختلفون في النتيجة .
    قالت ورقاء في تعجب : يتفقون في المقدمات وكيف ؟.
    قالت : أقصد أنهم يؤمنون معنا بأننا لم نكن موجودين ثم وجدنا ، ويؤمنون معنا أيضاً أن وجودنا يحتاج إلى موجد لأن الوجود من العدم محال ، ويشتركون معنا أيضاً من أن الموجد لا بد أن يكون غير موجود من العدم بل هو أزلي في وجوده وإلا فمن الذي أوجده ؟ ثم ولا بد لموجدنا أن يكون مالكاً لكل ما ملكنا إياه وإلا كان ما لدينا موجوداً من العدم والوجود من العدم محال .
    إلى هنا تنتهي هذه المقدمات ونعود لكي نرى ماذا يقول الالهيون عن هذا الموجد ؟
    قالت ورقاء : انهم يقولون أنه الله تبارك وتعالى .
    قالت معاد : نعم ، أما الماديون فيقولون أنه المادة ونتيجة لحركتها الأزلية ، ونحن هنا يمكننا أن نسأل هؤلاء الذين يوعزون خلق الكون إلى المادة وحركتها الأزلية نسألهم متى بدأت المادة تتنوع نتيجة لحركتها الأزلية كما يقولون ؟ وأنها إذا كانت أزلية فكيف يمكن لنا أن نعرف بدايتها لأن الأزلي ليس له بداية ؟.
    قالت ورقاء : انهم لن يجيبوا على هذا السؤال لعدم تمكنهم من وضع بداية لما يدعونه أزلياً وهو المادة وحركتها .
    قالت معاد : وعندما لا نجد منهم جواباً لعدم تمكنهم من وضع بداية للأزلي نلتفت إلى العلم لنسأله عن عمر الأرض فنجده يقول : أن الأرض انفصلت عن المجموعة الشمسية منذ ألفي مليون عام ، وإن تكامل برودتها استغرق ألف مليون عام حيث أنها بعد ذلك بدأت فيها بوادر تصلح للحياة .
    قالت ورقاء : إذن فإن للحياة بداية محددة.
    قالت معاد : نعم وبعد الاستماع إلى هذه الحقيقة العلمية نعود إلى أزلية الحركة لنقول : أنها إذا كانت أزلية فإن معنى ذلك أن خلقها للأنواع أزلي أيضاً .


    وقالت ورقاء باستنكار : إذن كيف أمكن للعلم أن يحدد عمر الكون ؟.
    قالت معاد : إن هذا هو السؤال الذي نريد أن نطرحه عليهم يا ورقاء ، إن كيف أمكن للعلم أن يحدد عمر الكون ؟.
    قالت ورقاء : هبيهم يقولون أن الحركة ليست أزلية وأنها أي الحركة قد دخلت على المادة وأضيفت إليها ؟.
    قالت معاد : عند هذا نعود لنسألهم من الذي أوجد هذه الحركة ؟ هل أن المادة هي التي أوجدتها ؟ ولكن كيف توجدها بدون حركة مسبقة وهم يقولون أن عملية الايجاد والخلق هي نتيجة الحركة في المادة ؟ هذا إذا قالوا أن حركة المادة غير أزلية .
    قالت ورقاء : لنفرض أنهم قالوا أن الحركة أزلية ولكن المادة وقتت لها زمن الخلق ؟
    قالت معاد : هذا أمر غير معقول لأن التوقيت والتحديد لا يصدر إلا عن عاقل والمادة غير عاقلة .
    قالت ورقاء : كيف يمكن لنا أن نثبت كون المادة غير عاقلة ؟
    قالت معاد : لأن العلم أثبت أن المادة تتكون من شحنات كهربائية . ولهذا فهي غير قابلة للتفكير والتعقل ، فلا


    يبقى بعد هذا إلا أن تكون المادة خاضعة لعلة توقت وجودها وحركتها وهذا هو ما يقوله الالهيون .
    قالت ورقاء : هبيهم يقولون أن تأخر بداية الكون إنما كان بانتظار استكمال المقدمات ، تماماً كالمسافر يتأخر أربع ساعات بعد الظهر يقضيها في تهيئة المقدمات وضبط الحقائب فكذلك كانت المادة وحين استكملت المقدمات نشأت الحياة ؟
    قالت معاد : إذا قالوا هذا فنحن نقول لهم : لماذا إذن لم تكتمل هذه المقدمات في زمن سابق ؟
    قالت ورقاء : هبيهم قالوا أن الكون سوف يجيب على ذلك كما يجيب المسافر إذا سئل لماذا لم تسافر قبل الرابعة فهو يقول أن المقدمات أخذت من وقته أربع ساعات ولو كان قد بدأ بالمقدمات قبل الظهر لسافر قبل الرابعة ، وكذلك الكون فقد فرضت عليه المقدمات فترة زمنية فلم يتح له أن ينشىء الحياة إلا في اللحظة المحدودة وهي قبل ألفي مليون عام ؟
    قالت معاد : ولكن هذا الجواب الذي يقوله المسافر بكل سهولة لا يمكن للكون أن يقوله .
    قالت ورقاء : لماذا ؟.
    قالت : وذلك لأن أي زمن يفترض أن المقدمات بحاجة إليه فهو موجود فعلاً لديه من خلال حركته الأزلية على ما يدعون ، وإنما يصح هذا الجواب من الكون إذا كان قد بدأ

    حركته وتهيئة المقدمات بنفس الطريقة التي بدأها المسافر ، أي إذا كانت حركته حادثة فإن زمن الحركة يكون محدوداً ، وإذا كان محدوداً فقد يعتذر عن عدم الاسراع بظهور الحياة بأن ظهورها في وقت أسبق كان يتطلب فترة زمنية أبعد .
    قالت ورقاء : شكراً لك يا أختاه ، وبالمناسبة فهل تعلمين أنني أنقم على الزمن أحياناً ؟.
    قالت معاد : أي حين هو هذا الذي تنقمين فيه على جلستنا هذه .
    قالت ورقاء : عندما ينقضي بسرعة كما انقضى علينا في جلستنا هذه .
    فضحكت معاد وتطلعت إلى ساعتها ثم قالت : يبدو أنك قد تأخرت أكثر مما ينبغي والآن هيا بنا لنذهب .
    وقالت ورقاء : لقد شعرت بالراحة في جلستنا هذه بشكل لم استشعره في المستشفى من قبل .
    قالت معاد : سوف آتي بك معي في كل مرة لكي نتخلص هنا ولو إلى فترة قصيرة من أجواء المستشفى الكئيبة .
    * * *

    عادت ورقاء إلى البيت فاستقبلتها جدتها عند الباب وقالت لها باهتمام : إن عندنا ضيوف فاصعدي إلى غرفتك واصلحي من وضعك وتعالى يا ورقاء .


    فاستغربت ورقاء ذلك وقالت باستغراب : ضيوف ... ومن هم يا جدتي ؟
    قالت : أنه الاستاذ ماهر ابن عم أبيك وأمه .
    فردت ورقاء بنفور : وما دخلي أنا بهم ؟
    قالت الجدة : أليس هو ابن عمك يا ورقاء ؟
    قالت : نعم أنه قريبي ولكنه رجل أجنبي من الأفضل لي أن لا أجالسه وأحادثه بدون فائدة .
    قال الجدة : ومن قال لك أن جلوسك معه بدون فائدة ؟ إنه إنسان عظيم .
    فابتسمت ورقاء في تهكم وقالت : ما هو الوجه في عظمته يا جدتي ؟
    قالت : أنه مثقف وفاهم ، وهو واسع الثراء أيضاً .
    فتوجهت ورقاء نحو السلم وهي تقول بلهجة ساخرة : تشرفنا .
    فأمسكت بها الجدة وقالت : لا أدعك تصعدين إلا إذا أعطيتني عهداً بالنزول ، ألم تعاهديني على الاطاعة يا ورقاء ؟.
    ولكن ...
    كلا ، لا تصعدي تعالي وسلمي قبل ذلك فأنا أجدك غير نازلة لو صعدت يا ورقاء .


    قالت ورقاء في توسل : دعيني أصعد يا جدتي ، أرجوك .
    قالت : كلا لن أدعك تصعدين لقد قطعت لي عهداً أن تطيعينني في كل شيء ؟ تعالى يا ورقاء .
    قالت ورقاء : شريطة أن تكتفي مني بالسلام فقط ثم أصعد بعده إلى غرفتي .
    قالت الجدة : نعم أنه كاف في الوقت الحاضر . فلم تجد ورقاء بداً في الاستجابة لجدتها فتوجهت إلى غرفة الاستقبال حسماً للنزاع ، وكان الأستاذ ماهر يجلس على الكرسي المواجه للباب وإلى جواره أمه العجوز .
    فدخلت ورقاء وسلمت عليهم بصوت هادىء فنهض الأستاذ ماهر مجيباً لها ومرحباً لها ثم أشار إلى الكرسي الذي بجواره وهو يقول : تفضلي بالجلوس هنا يا ورقاء .
    وهنا ضمت الجدة صوتها إلى صوت ماهر فأردفت تقول : تعالي يا ابنتي واجلسي إلى جوار ابن عمك الأستاذ ماهر حرسه الله .
    ولكن ورقاء لم تتقدم خطوة وإنما قالت بأدب : أن عندي دروساً مهمة عليّ مراجعتها يا جدتي ولهذا فأنا اعتذر عن الجلوس ومع السلامة .
    قالت هذا وخرجت من الغرفة تشايعها نظرات الجدة الغاضبة وتعليقات ماهر الرخيصة . وما أن وصلت إلى غرفتها


    حتى ألقت برأسها على الوسادة واندفعت تبكي في حرقة وألم ، فلم تكن تعرف كيف يمكنها التخلص من هذا المأزق الجديد ، أنها كانت ومنذ البداية تكره ماهر ولا ترضاه زوجاً لها لضعف شخصيته وميوعته ، أما الآن وقد عرفت من دينها أكثر مما كانت تعرف فقد أصبح من المستحيل أن ترضاه وهو على ما هو عليه من انحراف وتبذل ، وصممت أن تخوضها معركة قوية وصريحة مع الجدة مهما كلفها ذلك من صعاب .
    وبعد مضي ساعة صعدت إليها الجدة وهي بين الشدة واللين وقالت لها : لقد تصرفت اليوم تصرفت الأطفال يا ورقاء فلم يكن من اللائق بك أن تعاملي ابن عمك هذه المعاملة الجافة وهو يحبك ويحترمك وما جاء إلا للتعرف عليك .
    قالت ورقاء : ولكنني لا أريد التعرف على أمثاله يا جدتي . إنه إنسان غير صالح .
    قالت الجدة : انك غلطانة يا ورقاء فهو شاب جميل ومثقف وناجح في عمله وليس لديه سوى أمه العجوز ، تصوري أنه عنده من السيارات الخصوصية ثلاثة .
    قالت ورقاء : ولهذا فهو انسان تافه ، وإلا فما حاجة فرد واحد بثلاث سيارات ؟
    قالت الجدة متجاهلة كلمات ورقاء الأخيرة : أنك تعلمين أنه تقدم لخطبتك قبل ستة أشهر وقد أجلت الموضوع


    إلى ما بعد تخرجك ، وها هو قد جاء يجدد الخطبة لأنك على أبواب الامتحانات النهائية وهو يقول أنه مستعد لتقديم أغلى مهر مع سيارة مرسيدس خاصة بك .
    فقالت ورقاء : هل أنت جادة في حديثك يا جدتي ؟ هل تحتملين حقاً بأنني أوافق على الاقتران بماهر ؟ وأن آلافه وسياراته سوف تغريني بأن أبيع ديني من أجلها ؟
    قالت الجدة : وما دخل دينك في الموضوع ؟
    قالت ورقاء : ألا تعلمين أنه انسان غير ملتزم حتى بالصلاة ؟.
    قالت الجدة : إن حسابه ليس عليك يا ورقاء . إن له رباً يحاسبه ويعاقبه يا عزيزتي .
    قالت ورقاء : ان الاقتران برجل غير متدين غير وارد في حسابي يا جدتي .
    قالت الجدة : ولكنه انسان محترم ، هبيه غير ملتزم دينياً ولكن عدم التزامه سوف لن يضرك أنت يا ورقاء .
    قالت ورقاء بشيء من العنف : أنك لا تريدين فهم ما أعني يا جدتي ولهذا فأنا أقول لك كلمة واحدة وهي كلا ...
    قالت الجدة : ولكن لديك فترة للتفكير فأنا أخشى أن تندمي على هذا الرفض .


    قالت : كوني مطمئنة فأني لن أندم على ذلك .
    قالت الجدة : وإذا لم تحصلي على الرجل الذي نسجته أفكارك يا ورقاء ؟
    قالت : سوف لن أتزوج حين ذاك . ولكنه غير متعذر المنال يا جدتي .
    قالت الجدة : أراك ما زلت طفلة يا ورقاء وإلا فليس من صالحك أبداً أن ترفضي ماهر من أجل قضايا غير مهمة .
    فابتسمت ورقاء بمرارة وقالت : كيف تقولين أنها قضايا غير مهمة يا جدتي ؟ أنني رفضت سناد لأن أباه قاتل أبي أي أن أباه قد أجرم بحق أبي مع أن سناد لم يرتكب أي خطأ في حق أبي أليس كذلك ؟ وماهر هذا هو بشخصه قد أساء لربي وقد أجرم بحقه لكفرانه بالنعم واستهانته بالعذاب وتجنبه للاطاعة ، وديني هو أثمن شيء عندي وأعزّ عليّ من أبي ، فكيف تريدين مني أن أقرن حياتي مع انسان يعاديني عن طريق عداء ديني ؟.
    قالت الجدة بشيء من الضيق : ها أنت ما زلت تذكرين سناد بكل خير ولا أحسبك إلا عازمة عن الزواج بسببه .
    قالت ورقاء : أما أنني أذكره بكل خير فهو لا يستحق مني ذكر السوء يا جدتي ، وأما أنني عازفة عن الزواج بسببه

    فهذا غير صحيح لأن موضوعه قد انغلق ولعله الآن في طريقه للزواج .
    قالت الجدة : أنني لا أريد أن تذكرينه بالسوء فما وجدنا منه ما يسيء ، وأنا اعترف لك بأنه انسان كامل وأنه خير من ماهر ولكنه ابن قاتل أبيك ، وما هر ابن عمك ، ولولا هذا لما قدمت أحداً عليه ، وعلى كل حال فأنا أرجو أن تراجعي نفسك في موضوع ماهر ولا تسيئي إليّ وإلى ذكرى أبيك في رفضه .
    * * *

    لم تتمكن ورقاء أن تنام ليلتها تلك ، فقد هزتها هذه الحادثة وأسلمتها للحيرة والقلق ، وفي اليوم الثاني ذهبت إلى معاد فتناست هناك بعض آلامها ، وفكرت أن تحدثها بأمر ماهر ولكنها آثرت أن تستغل الوقت في حديث ذي فائدة فقالت : بودي لو أكملت حديث أمس يا معاد .
    قالت معاد : ولكنني أجدك اليوم غير منشرحة الصدر وأخشى أن يضايقك ذلك .
    قالت ورقاء : كلا فأنني أريد أن أتناسى الألم بين أفكار المعرفة ، فإن من أسعد الساعات عندي ساعة تزيدني علماً .
    قالت معاد : إذن دعينا نبدأ معهم من جديد .
    قالت ورقاء : مع من ؟


    قالت : مع هؤلاء الذين يقولون بأزلية المادة ويوعزون الخلق إلى حركتها فنقول لهم : هبوا أننا قلنا معكم بأزلية المادة فكيف نتمكن أن نفسر انتقال المادة من حال إلى حال وإختلافها في النتيجة مع أن المادة في حالتها البسيطة واحدة ؟ أو كيف نفسر اختلاف بعض أجزاء المادة عن البعض ؟.
    قالت ورقاء : ماذا تعنين بانتقال المادة من حال إلى حال ؟.
    قالت معاد : أقصد تحول المادة مثل الهيدروجين يتطور إلى أن يصل إاى اليورانيوم ثم اليورانيوم يتحول بعد اشعاعه إلى عنصر الراديوم ثم يتحول الراديوم إلى عنصر آخر ، وهكذا حتى يصير رصاصاً وهنا يقف التطور .
    قالت ورقاء : ولماذا يقف التطور ؟
    قالت معاد : نعم لماذا يقف التطور ؟ ولماذا يتطور بعض الهيدروجين دون البعض ؟
    قالت ورقاء : انهم يقولون أن التطور هو نتيجة لاحتواء كل عنصر على نقيضه .
    قالت معاد : ولكن إذا كان هذا صحيحاً فهو يعني أن جميع الهيدروجين يحتوي على نقيضه فلماذا لم يتطور بمجموعه حتى تتلاشى مادة الهيدروجين وتتحول بمجموعها إلى اليورانيوم ؟.


    فردت ورقاء تقول : نعم لماذا ؟
    قالت معاد : إذن فلا بد من وجود عاقل مؤثر وراء تطور المادة ، إن المادة وكما أثبت العلم تتكون من شحنات كهربائية لا غير ، إذن فهي غير عاقلة فكيف أمكنها أن توجد الخلق بهذا الشكل المنظم المتقن ؟.
    وسكت معاد عند هذا الحد وهي تتطلع إلى وجه ورقاء ، ثم قالت : ماذا بك يا ورقاء ؟
    قالت ورقاء : لا شيء .
    قالت معاد : سواء كان هناك شيء أو لم يكن فأنا أرجو أن تكوني قوية وقوية جداً .
    قالت ورقاء : سوف أكون قوية باذن الله يا أختاه . وها أنا الآن قد ارتحت لجلوسي معك وازددت قوة وثباتاً .
    قالت معاد : ولكنك شاحبة الوجه قليلاً ولهذا فإليك هذا القرص الفوار أشربيه مع نصف كوب ماء .
    فابتسمت ورقاء وقالت : لقد نسيت يا معاد أنك طبيبة أبدان وما عدت أعرف عنك سوى طب الروح والفكر .
    فضحكت معاد وقالت : أنني أعتز بطب الأرواح أكثر من طب الأبدان.


    قالت ورقاء : والآن فأن عليّ أن أذهب وسوف لن أتمكن أن آتي إليك غداً لأن دوامي يستمر حتى الغروب .
    قالت معاد : أما بعد غد فسوف تجدينني وحدي هنا إن شاء الله .
    فنهضت ورقاء وهي تقول : إذن إلى اللقاء ، وهكذا افترقنا على أمل اللقاء بعد يومين .
    * * *

    مر اليوم الثاني دون أن تتحدث الجدة مع ورقاء في موضوع الخطبة ، وكانت ورقاء تبدو حزينة وقد عادت إلى البيت مرهقة وصعدت إلى غرفتها مبكرة ، وفي صباح اليوم الثاني حينما كانت تقف تنتظر الباص وقفت أمامها سيارة مرسيدس فارهة ونزل منها ماهر وهو يقول : صباح الخير يا ورقاء ، فرصة سعيدة أن أتمكن من ايصالك إلى الكلية.
    فلم تغير ورقاء من وقفتها شيئاً وإنما أجابت بهدوء قائلة : كلا أشكرك يا أستاذ .
    قال الماهر : تفضلي واركبي ، ارجوك .
    قالت ورقاء : شكراً فأنني أنتظر .
    قال : هل تنتظرين أحداً ؟
    قالت : كلا بل أنني أنتظر الباص .


    فضحك ماهر وقال باستغراب : تنتظرين الباص وتمتنعين عن ركوب سيارة مرسيدس .
    قال هذا بافتخار واعتزاز زاد من احتقار ورقاء له ، فأدارت وجهها ناحية وهي تقول : أرجو أن لا تتعب نفسك بالتأخر فأنني سوف لن أركب .
    قال : إن التعب في سبيلك راحة واعتبري السيارة سيارتك منذ الآن واركبي فيها دون مضايقة .
    وهنا وصل الباص فأسرعت نحوه ورقاء وهي تقول : ها هو الباص قد وصل مع السلامة ، ثم ركبت الباص تاركة ماهر يتطلع إلى السيارة بإعجاب ويستغرب عزوف ورقاء عنها .
    وقد أثرت هذه الحادثة في نفسية ورقاء فذهبت ذلك اليوم إلى معاد وهي في حالة نفسية سيئة وكان موعدها معها في البيت ولهذا ذهبت رأساً إلى هناك فوجدت معاد مشغولة بالتنظيف والترتيب ، فحاولت أن تشاركها العمل ، ولكن معاداً منعتها عن ذلك لأنها لاحظت عليها آثار الشحوب والارهاق ، وما أن انتهت من أعمالها حتى عرضت على ورقاء أن تجلس قليلاً تحت ظلال الأشجار ، فجلست ورقاء جلسة الحائر الكئيب .
    فقالت لها معاد : ما لك يا ورقاء ؟


    قالت ورقاء : أنني غير مرتاحة يا معاد .
    قالت معاد : إن هذا واضح عليك يا ورقاء ، ولكن ألم نتفق أن تكوني أقوى من الألم ؟
    قالت ورقاء : أنني قوية أمام المهمات والحمد لله ، ولكن المضايقات البسيطة تتعبني يا أختاه ، فأنا منذ مدة أعيش مع سلسلة احراجات ، إذ قد تقدم لخطبتي ابن عمي ـ أي ابن عم أبي ـ وقد ساندته جدتي إذ أنه في نظرها متكامل الجوانب : شاب جميل وغني ومثقف.
    وسكتت ورقاء عند هذا . فتساءلت معاد باهتمام قائلة : ومتدين ؟
    قالت ورقاء : كلا وهذا هو مصدر المضايقات التي أعانيها لأني وبطبيعة الحال قد رفضته نهائياً ولكن جدتي لا تفتأ تناقش الأمر بالشدة حيناً وباللين أخرى ، وهو ما زال يحاول مضايقتي وفرض وجوده عليّ وهذا هو ما يتعبني نفسياً ويجعلني أعيش في صراع مستمر .
    وهنا عادت معاد تسأل في لهفة أيضاً قائلة : صراع ؟ مع من يا ورقاء ؟
    قالت : صراع مع جدتي ومع مضايقاته هو .
    قالت معاد : لقد خشيت أن يكون الصراع مع نفسك يا أختاه .


    قالت ورقاء : كلا فإن الأمر عندي واضح لا يستوجب أي تفكير أو صراع .
    قالت معاد : وهذا هو المأمول منك يا ورقاء ، ان عليك أن تتحملي بعض المضايقات إلى فترة قصيرة تتخلصين في مقابلها من مضايقات طويلة وطويلة جداً .
    قالت ورقاء : تقصدين مضايقات الزواج من رجل غير متدين ؟
    قالت معاد : نعم ، لأن تلك المضايقات تمد جذورها في الحياة الأولى والثانية وتؤثر على المستقبل القريب والبعيد .
    قالت ورقاء : ولكن كيف يمكنني أن أقنع جدتي بوجهة نظري ؟.
    قالت معاد : لا أحسب أنها سوف تقتنع بوجهة نظرك يا ورقاء لأنها تنظر إلى الموضوع بمنظارها الخاص ولهذا عليك أن تستدرجيها عاطفياً حتى تلين وتتنازل عند رغبتك .
    قالت ورقاء : إنها شديدة لا تؤثر فيها العواطف ولكنني سوف أقاوم بأي شكل من الأشكال .
    قالت معاد : ولكن ما الذي يدعوها إلى هذا الاصرار يا ترى ؟ وأي مكسب لها فيه .
    فسكتت ورقاء ولم تعرف كيف تجيب لأنها كانت تخمن


    أن من أهم أسباب إصرار جدتها هو إبعادها عن معاد ، ولكن هل كان يمكنها أن تقول لمعاد ذلك ، لهذا سكتت وبقيت ساكتة ، فعادت معاد تقول : لا شك أن هناك أسباباً تدعوها إلى هذا الاصرار ، فإن لكل شيء سبباً يا ورقاء .
    وهنا أرادت ورقاء أن تبدل مجرى الحديث فقالت : نعم ونتيجة لهذا ( قاعدة أن لكل شيء سبباً ) يضطر منكرو الله تبارك وتعالى أن ينسبوا الخلق إلى المادة مع عجزها عن ذلك لأنهم لا يتمكنون أن يقولوا أن هذا الخلق وجد بدون سبب .
    قالت معاد : نعم وهذا هو ما يشترك فيه الماديون والالهيون مع اختلاف السبب الذي يؤمنون به .
    قالت ورقاء : وكيف ؟
    قالت معاد : أقصد أننا نحن وهم نؤمن ـ :
    أولاً : بأن الكون مخلوق أي حادث ، وأن هناك مؤثراً تنتهي إليه أسباب الوجود .
    ثانياً : بأن وجود الكون حقيقة لا جدل فيها خلافاً للمثاليين الذين يشككون في وجود كل شيء .
    ثالثاً : هي بإحساس الانسان بأنه يستند في وجوده إلى قوة أثرت في تحقيق هذا الوجود على اختلاف في تأويل هذه القوة .


    وهنا قالت ورقاء : وهل أن الماديين يعترفون في كتبهم بهذه الحقائق ؟
    قالت معاد : نعم ومثال ذلك ما جاء في كتاب ( نقد الفكر الديني ) قوله ( في الواقع علينا أن نعترف بكل تواضع بجهلنا حول ما يتعلق بمشكلة المصدر الأول للكون ).
    قالت ورقاء : إذن فإن هذه حقائق يشترك فيها الماديون والالهيون ؟.
    قالت معاد : نعم ولكن الماديين يرجعون السبب إلى المادة وحركتها ، والالهيون يرجعونه إلى الواحد القهار .
    قالت ورقاء : ولكنهم كيف يدعون أزلية المادة مع ما ثبت من إمكان تغيرها والأزلي لا يمكن له أن يتغير ؟.
    قالت معاد : نعم أن الأزلي لا يمكن له أن يتغير يا ورقاء ، لأن التغيير يحتاج إلى بداية وكل ما يحتاج إلى بداية معرض للنهاية .
    قالت ورقاء : إذن فأن ما أثبتته الفيزياء من أن الذرات مركبة من عدة كهارب ودقائق وأنها من الممكن لها أن تتحلل أو تتجزأ إلى طاقات يثبت عدم أزلية المادة لأن الأزلي لا يقبل التركيب ؟
    قالت معاد : ولكن هل تعلمين لماذا الأزلي لا يقبل التركيب ؟


    لأننا حينما نقول أن الأزلي لا يقبل التركيب نقصد أننا لو سألنا عن هذا المركب كيف وجد ، وهل كان مركباً في الأزل ام أن أجزاءه ركبت بالتدريج ، وهل حدث هذا أولاً أم وجدت أجزاؤه قبله ، فماذا سوف يكون الجواب ؟
    قالت ورقاء : هبيهم يقولون أن أجزاءه قد حدثت قبله ؟
    قالت معاد : إذن فأن معنى ذلك أنه حادث وليس أزلياً لأن أجزاءه سبقته في الحدوث وهيأت الأسباب لحدوثه .
    قالت ورقاء : وإذا قالوا أن حدوثه كان مواكباً لحدوث أجزائه أي أنه وأجزاءه حدثا معاً ومرة واحدة ؟
    قالت معاد : عند ذلك نقول لهم : أليس من الممكن أن تتجزأ عنه هذه الأجزاء أو تنفصل عن طريق التحول أو التطور ، كما تحلل الماء إلى الاوكسجين وهايدروجين وكما انتقل الهايدروجين إلى اليورانيوم ، وهذا أمر محتمل الحدوث لأن كل مركب معرض للانحلال ثم للفناء نتيجة تحلل مركباته وعند هذا نعود لنكرر القاعدة الثابتة التي تقول أن كل ما يجوز فناؤه تستحيل أزليته .
    قالت ورقاء : وما هي القاعدة التي تستخلص منها هذه النتيجة ( نتيجة أن ما يجوز فناؤه تستحيل أزليته ؟ ).
    قالت معاد : لأنه إذا كان أزلياً فأن معنى الأزلي هو أن وجوده لم يفتقر إلى علة أو سبب لأنه هوعلة ذاته بمعنى من


    المعاني ، ولهذا فهو لن يتعرض أيضاً لعلة تحول بينه وبين علة وجوده فتسبب فناءه ، على خلاف الذي يفتقر إلى علة لايجاده ، فهو متى ما افتقد تلك العلة تعرض للفناء ، ولعلك تعلمين أن العلم أثبت أخيراً إمكان تجزئة الذرة .
    قالت ورقاء : إذن فإن الذرات أي المادة التي ينادي بها الماديون ويقولون أنها الأصل الأول للحياة ، هذه الذرات يمكن تجزئتها لأنها مركبة والمركب ليس مستحيل التجزئة ؟
    قالت معاد : وبالتالي فهو ليس أزلياً إذ أنه معرض للفناء عند افتقاد عناصره لأنه محتاج إلى علة لوجوده وتلك العلة هي الحفاظ على أجزائه ، والأزلي لا يحتاج إلى علة لوجوده .
    قالت ورقاء : ثم أليس أن في النظرية العلمية التي ثبتت أخيراً ( نظرية الانتقال الحراري المستمر من طاقة حرارية عالية إلى طاقة حرارية أقل حرارة ) دليل على عدم أزلية الكون ؟.
    قالت معاد : طبعاً لأن مجرد الايمان بوجود تغيير في مستويات الطاقة الحرارية في الكون يجعلنا نعرف أن الكون غير أزلي ، إذ لو كان أزلياً لتساوت الحرارة في كل أجزائه منذ أمد طويل جداً ولتعذرت الحياة نهائياً منذ ملايين السنين.
    وقالت ورقاء : وكذلك في ما أثبته العلم من اتساع الكون ، والنسب التي أعطاها لذلك لدليل على عدم أزلية الكون ، إذ أنه لو كان أزلياً وهو على هذه النسب من الاتساع


    لأصبحت المسافات بين الكواكب لا نهائية لأنها تتسع منذ الأزل ، إذن فهو مخلوق .
    قالت معاد : وخالقه غير مخلوق وهو أزلي غير معرض للفناء كالمادة ألا وهو الله تبارك وتعالى .
    قالت ورقاء : يؤسفني أن عليّ أن أذهب الآن وسوف انقطع عنك خلال الأسبوع القادم لأن الامتحانات قد بدأت اليوم وأريد أن أتفرع للدراسة .
    قالت معاد : أتمنى لك الموفقية يا أختاه وسوف أنتظرك بعد أسبوع إن شاء الله .
    * * *

    مرت أيام الامتحانات وقد حاولت ورقاء خلالها أن تتفرع إلى دروسها بشكل تام ، وأبعدت عن أفكارها أحاديث ماهر وتوابعها وفعلاً فقد تمكنت من اجتيازها بتفوق يدل على النجاح وفي آخر يوم عرجت في طريق عودتها على معاد فقيل لها أنها مشغولة ، فتركت لها ورقة تخبرها بانتهاء امتحاناتها وتقول لها أنها سوف تزورها عصر غد ، ثم عادت إلى البيت فاستقبلتها جدتها مشرقة الوجه وقبلتها بحنان وهي تقول : الحمد لله الذي أبقاني حية حتى رأيتك مهندسة .
    فابتسمت ورقاء وقالت : ولكنني لم أحصل على النتيجة بعد يا جدتي .


    قالت الجدة : إنها مضمونة النجاح يا عزيزتي .
    قالت ورقاء : أرجو ذلك ، ثم صعدت إلى غرفتها فوجدت هناك باقة زهر كبيرة في إناء من الكريستال الثمين وقد تربعت وسطها علبة بيضاء صغيرة كتبت فوقها هذه الكلمات : ( هديتي لك بمناسبة انتهاء الامتحانات مع وافر حبي ... ماهر ) .
    واستغربت ورقاء هذه الهدية وخمنت أنها هدية لموقف حاسم ، ولهذا فقد نزلت إلى جدتها وقالت بهدوء : من أين جاءت باقة الورد هذه ؟
    قالت الجدة : لقد بعث بها الأستاذ ماهر مع السائق وقال أنه سوف يأتي مع أمه في المساء .
    قالت ورقاء وهي تحاول أن تبدو طبيعية : وهل تعرفين أين يقع بيت هذا الأستاذ ؟
    فاستغربت الجدة هذا السؤال ثم قالت : كلا ، أنا لا أعرف موقع بيته الجديد ، ولكن لماذا تسألين ؟
    قالت : لكي أعيد إليه باقة الزهر هذه .
    قالت الجدة في هلع : تعيدين باقة الزهر ؟ هل أنت مجنونة يا ورقاء ؟ هل رأيت الخاتم الماسي الذي في العلبة ؟
    قالت ورقاء : انني لم أفتح العلبة ولا شغل لي بها ولن أقبل هذه الهدية بأي شكل من الأشكال .


    قالت الجدة : لا شك أنك مجنونة يا ورقاء ، ليس هناك انسانة عاقلة تتصرف هذا التصرف المشين ، أنه ابن عمك وخطيبك في الوقت نفسه .
    وهنا أجابت ورقاء بشيء من العنف قائلة : ماذا قلت يا جدتي ؟ من هو خطيبي ؟
    قالت : ماهر .
    قالت : ومتى أصبح خطيبي مع أنني لم أوافق على قبوله أبداً ؟
    قالت الجدة : فكري قبل أن تقطعي بالأمر يا ورقاء ، أنه انسان ممتاز يليق لك من جميع الجهات .
    قالت ورقاء : لقد فكرت بما فيه الكفاية وليس لدي إلا الرفض .
    قالت الجدة : ولكن ماذا تأخذين عليه يا ترى ؟
    قالت ورقاء : أولاً وبالذات كونه غير متدين .
    قالت : يمكنك هدايته بعد ذلك .
    قالت : وإذا لم يهتد ؟
    قالت : دعيه هو شأنه وأنت وشأنك ، أنك لن تنامي معه في قبره يا ورقاء ، تنعمي بخيراته ودعيه يتعذب وحده في النار .


    قالت ورقاء : إن هذه لن تكون حياة زوجية بل شركة تجارية استغلالية لا أكثر ولا أقل .
    قالت الجدة : إذن ؟
    قالت ورقاء : إذن سوف لن أوافق .
    قالت الجدة : وهديته ؟
    قالت ورقاء : إن جميع هداياه وسياراته وعماراته لا تساوي عندي شيئاً ما دام هو بشخصه يفتقر إلى الدين ، أعيدي إليه هديته وقولي له أن يفتش عن عروس يليق بها وتليق به .
    قالت الجدة في غضب : أنني لن أقول شيئاً من هذا ، أعيديها أنت إليه إذا أردت .
    وفي المساء حضر ماهر وحده ، فرحبت به الجدة وجلست معه في غرفة الاستقبال ، وكأنها أرادت أن تقول شيئاً تمهد فيه لما قد يصدر عن ورقاء فقالت : أنني أشكرك جداً لهديتك الثمينة يا أستاذ ماهر .
    قال : أنها أقل الواجب تجاه ورقاء ، أرجو أن يكون الخاتم على قياسها ؟
    قالت الجدة : الحقيقة أن ورقاء ما زالت طفلة ولهذا فهي في حاجة إلى تدرج في الترويض .


    قال : كيف ؟
    قالت : تصور أنها لم تلبس الخاتم بيدها لحد الآن لأنها تقول بأنها ما زالت تعبانة من الامتحانات .
    قال : إن من حقها أن تستريح فترة ، ونحن لا نريد فعلاً سوى الموافقة المبدئية ثم تقديم نيشان الخطوبة ، وقد اخترت لذلك طقماً ثميناً من الماس وجدته ملائماً لشباب ورقاء وجمالها ، وما أتيت إلا من أجل تحديد الوقت المناسب لتقديمه .
    فارتبكت الجدة وقالت : سوف أتصل أنا بكم لتحديد الوقت المناسب بعد أن أقنعها بالقبول .
    قال ماهر : عجيب أن تكون في حاجة إلى ترويض وإقناع ، إنه أمر طبيعي وبديهي الصلاح ، ولكنها على ما يبدو ما زالت صغيرة .
    فتأثرت الجدة لهذا الاسلوب في الكلام ولكنها استمرت على خط المجاملة ولهذا قالت : صحيح أنها ما زالت صغيرة ولكنها عاقلة وحكيمة والحمد لله ، ولعل لديها وجهة نظر معينة سوف أتمكن من تصحيحها خلال أيام .
    وقبل أن تنتهي الجدة من كلماتها انفتح الباب ودخلت ورقاء وهي تحمل بيدها علبة الخاتم الصغيرة البيضاء ، فخفق


    قلب الجدة بعنف وغرها الارتباك لما سوى سوف يحدث ، أما ورقاء فقد سلمت وجلست على أقرب كرسي من الباب .
    فنهض ماهر لاستقبالها ورحب بها بحفاوة ، وما أن استقر بها الجلوس حتى التفتت إليه وهي تقول : أنني أشكرك على باقة الزهر التي أرسلتها صباح اليوم يا أستاذ وسوف أتقبلها كتحية طيبة من ابن عم طيب ، أما هذه العلبة فأنا أعتذر عن قبولها لعدم وجود مناسبة لها .
    فبهت ماهر لحظة ثم قال في تلعثم : ماذا تقصدين بهذا يا ترى ؟
    قالت : أقصد بأنك إبن عم أبي فلتبق علاقتنا على هذا المستوى لا أكثر ولا أقل .
    قال : صحيح أنني ابن عم أبيك ولكن أليس من حقي أن أطمع بتعميق هذه العلاقة ؟
    قالت باقتضاب : كلا .
    قال : هل تسمحين لي أن أسأل عن السبب ، لقد لاحظت منك نفوراً منذ البداية فهل قصرت في شيء أو هل أسأت إليك بشيء ؟
    قالت : كلا أنك لم تقصر في حقي ولم تسىء إليّ ولكن رفضي هذا من صالحك وصالحي يا أستاذ.
    قال : كيف عرفت أنه من صالحي يا ورقاء ؟


    قالت : لأنني سوف لن أكون القرينة الحقيقية لك يا أستاذ .إن هناك فارق مهم لا يمكننا تجاوزه في الحياة الزوجية فلنكن أبناء عم فقط وهذا يكفي .
    قال : إذا كنت تفكرين بالفارق المادي فأنا لا يهمني ذلك من قريب أو بعيد ، أنني أنسى حينما تصبحين زوجتي بأن هناك فوارق في الحالة المعاشية ، وسوف أضع جميع ما أملك أمامك تتصرفين فيه كما تشائين .
    فزادت هذه الكلمات من غيظ ورقاء ، ولكنها جاهدت أن تسيطر على أعصابها أكثر ولهذا ردت بهدوء قائلة : أنك لم تستوعب فهم ما أردت أن أشير اليه ، فالفارق الذي ذكرته ليس هو الفارق المادي .
    فقاطع حديثها قائلاً : إذن فهو فارق اجتماعي ؟ ولكننا متجانسون فنحن أولاد عم وكل منا يحمل شهادة مهندس .
    فهزت ورقاء رأسها في استنكار وقالت بشيء من الحدة : ألا تريد أن تتركني أكمل حديثي يا أستاذ ؟
    قال : عفواً تفضلي .
    قالت : إن الفارق المهم الذي أعنيه هو الفارق الديني يا أستاذ ، قالت هذا وسكتت تنتظر ردود الفعل .
    فسكت ماهر لحظة ثم تنحنح يداري بذلك ارتباكه . واغتنمت الجدة هذه الفرصة لتدخل في النقاش فقالت :


    إن فارق الديني غير مهم فهو لن يجبرك على التغيير من وضعك يا عزيزتي أليس كذلك يا أستاذ ماهر ؟
    وكانت الجدة قد أعطت لماهر بحديثها هذا فرصة لاستعادة وضعه الطبيعي حيث أجاب قائلاً باندفاع : طبعاً ، طبعاً ، فأنا لا أريد أن أمنعها عن شيء تريده هي أبداً وإذا كان هذا هو المانع فقد ارتفع .
    فابتسمت ورقاء في مرارة وقالت : أنني لا أريد أن أطيل الحديث ولكنك تضطرني إلى ذلك الآن دعني أسألك سؤالاً واحداً : ما هو مفهوم الحياة الزوجية عندك ؟.
    فظهرت الحيرة على ماهر لأنه لم يكن قد فكر بمفهوم خاص للحياة الزوجية من قبل ولهذا تردد لحظة ثم قال : حياة زوجية سعيدة !.
    قالت : أنك لم تذكر مفهومها عندك وليس ما ذكرته سوى نتيجة لتحقيق ذلك المفهوم .
    فضحك في بلاهة وقال : إذن فأي مفهوم تريدين ؟
    قالت ورقاء : أنا لا أريد شيئاً ولكن أريد أن أعرف نظرتك عن طبيعة الحياة الزوجية .
    وهنا تدخلت الجدة لتنقذ الموقف من جديد فقالت : دعك من هذا الكلام يا ورقاء ، إنه ابن عم أبيك وهذا يكفي .


    فاستدارت ورقاء نحوها وقالت : أرجو أن تفهمي ما أعنيه يا جدتي ، فإذا كان هو لا يريد أن يفهم فافهمي أنت على الأقل ، إن الحياة الزوجية ليست شركة مادية ، أو ندوة اجتماعية . وإنما هي وحدة روح وفكر ومصير وهذا ما لا يمكن أن يتحقق مع اختلاف السلوك وتباين وجهات النظر . وما دمنا لا نستطيع أن نلتقي فكرياً فلن نستطيع أن نلتقي عاطفياً . وعدم الالتقاء العاطفي هو أوضح دليل لفشل الحياة الزوجية ، ولهذا فأنا لا أريد لنفسي ولا أريد له أيضاً أن ترتبط بحياة زوجية فاشلة .
    وسواء فهمت الجدة حديث ورقاء أو لم تفهم فأنها ردت عليها قائلة في إلحاح : إن في إمكان كل منكما أن يبقى على ما هو عليه .
    فتأففت ورقاء وقالت : إن هذا هو ما أعنيه من الفصام الفكري والعاطفي .
    قالت الجدة : أو ليس من الممكن أن تتقارب وجهات النظر بعد الزواج ؟
    قالت ورقاء : كلا يا جدتي لأن ذلك التقارب يستوجب إعطاء تنازلات من الطرفين وأنا غير مستعدة لاعطاء أي تنازلات مهما كانت بسيطة ، إن ديني أهم شيء عندي لأنه هو الذي يحدد مستقبلي في الغد القريب .


    وهنا وجد ماهر مجالاً للدخول في النقاش فقال متحذلقاً : عفواً يا ورقاء ولكن أي دخل لدينك في المستقبل ومستقبلك مضمون كمهندسة ميكانيكية سواء كنت متدينة أم لا . كما ضمنت أنا مستقبلي كمهندس معماري مع عدم التزامي بالدين ؟.
    قالت ورقاء : ها أنت لا تريد أن تفهم ما أقول ، أن المستقبل الذي أعنيه هو مستقبلي بعد الموت . وهذا ما لم تضمنه أنت ، وما أريد أن أضمنه أنا مهما استطعت ، أنني أخطط لمستقبلي ذاك أكثر مما أخطط لمستقبلي كمهندسة لأن هذا المستقبل مهما طال فهو محدود الأمد ، أما ذاك المستقبل فهو ما لا نهاية له .
    فرأت شحوب باهت على وجه ماهر وكأن كلمات ورقاء الأخيرة قد اثرت عليه ، ولكن الجدة أرادت حسم النقاش ، فتوجهت نحو ورقاء بلهجة آمرة : إذهبي الآن إلى غرفتك فأن لدينا مجالاً طويلاً لتدبر الأمر .
    ولما لم تتحرك ورقاء ألحت عليها قائلة : قومي واذهبي ، كفاية كلمات صبيانية يا ورقاء .
    وهنا ضحك ماهر ثم قال : أنها معذورة فقد ربيت تربية معقدة منطوية . وأنا أرجو أن أفتح لها بيدي هاتين أبواب الحياة السعيدة . حياة الانطلاق والحرية ، أنها ولا شك واقعة تحت تأثير سيء لعله من صديقة أو صديق .
    ولم يفت الجدة ما عناه ماهر بكلمته الأخيرة فردت عليه في حجة قائلة : ارجوك أن تسحب كلمتك الأخيرة يا أستاذ ، أن ورقاء شريفة وطاهرة وليست ممن يصادق الرجال ، ثم التفتت إلى ورقاء تقول : قومي واذهبي إلى غرفتك يا ورقاء .
    فنهضت ورقاء وهي مغضبة ثم ودعتهم باقتضاب وذهبت إلى غرفتها حيث جلست على حافة السرير تنتظر انصراف ماهر وهي ترتجف من شدة التأثر .
    أما الجدة فقد بدأت بالاعتذار من ماهر وكأن هذا الموقف من ورقاء دفع ماهر إلى مزيد من الاصرار وقد لبس لذلك لبوس العناد ، وأحس بالرغبة في سحق هذه التي رفضته ورفضت معه ذهبه وعماراته وسياراته ولهذا صمم أن يبدو أمام الجدة كإنسان لين الجانب صبوراً على الأذى فأجابها على كلمات الاعتذار قائلاً : لا عليك يا جدتي أنني سوف أحاول إقناعها بأساليبي الخاصة ، وحاولي أنت مساعدتي أيضاً ، واتصلي بي عند أول بادرة اقتناع .
    قال هذا ثم ودعها وخرج وقد صمم أن ينتقم من ورقاء وأن يقف بالمرصاد لكل من يتقدم لخطبتها فأما أن يدعيها لنفسه وأما أن يشوه سمعتها عنده حتى يضطره أخيراً إلى التنازل له وعند ذلك يرفضها كما رفضته الآن .
    وأما ورقاء فقد بدأت تشعر بالراحة نسبياً لأنها حسمت الموضوع وتخلصت من ماهر ، وقد حاولت أن تنسى


    المضايقات التي حدثت معتبرة نفسها منتصرة في هذه الجولة ، ولهذا فقد نزلت من غرفتها في صباح اليوم الثاني وهي منشرحة الصدر مشرقة الوجه الشيء الذي استغربت له الجدة وكانت تتوقع أن تجدها في حالة نفسية سيئة ، وكانت ورقاء تتعجل الذهاب إلى معاد لكي تحدثها بما جد في الأمر ، ولكنها عندما ذهبت إليها عصراً وجدتها مشغولة مع حالة مرضية مستعجلة فعادت إلى البيت وإذا بجدتها تستقبلها عند الباب قائلة بصوت خافت : إصعدي إلى غرفتك دون أن يصدر عنك أي صوت .
    فبهتت ورقاء وقالت : لماذا ؟ ما الخبر ؟.
    قالت الجدة : صه إصعدي بسرعة وسوف أصعد إليك فيما بعد ، إياك أن تنزلي قبل أن أناديك .
    فصعدت ورقاء إلى غرفتها وهي في حالة قلق وارتباك فقد أوحى إليها منظر جدتها بوجود أحداث غير مريحة ، وكلما ضربت أخماساً بأسداس لم تتمكن أن تقف عند فرض معقول وتعلقت عيناها بعقارب الساعة تستحثها على المسير ولكنها كانت تأبى أن تتحرك وكأنها تحجرت في مكانها من الصفحة السوداء .
    وبعد أكثر من ساعة سمعت صوت الباب ينغلق ثم صوت جدتها يناديها إلى تحت ، فنزلت على عجل ، فاستقبلها

    وجه الجدة كئيباً شاحباً فأرعبها ذلك وقالت في فزع : ماذا بك يا جدتي ؟ ماذا حدث بالله عليك ؟
    قالت الجدة : هل تعلمين من كان هنا قبل دقائق ؟
    قالت ورقاء : من أين لي أن أعلم يا جدتي ؟
    قالت : إنه حامد أفندي !!
    فبهتت ورقاء وقالت باستنكار : حامد أفندي ؟ هذا الاقطاعي المعروف ؟
    قالت الجدة : نعم ، هذا الذي شردنا عن أرضنا واستغل خيراتنا .
    قالت ورقاء : وماذا كان يريد ؟
    قالت الجدة : لقد جاء يطالب بحقه في قطعة الأرض التي بحوزته ، وحقه في هذا البيت لأنه رهن عنده بأوراق رسمية ولا توجد أوراق رسمية تثبت سداد الرهان لأنها سرقت من المعمل كما ذكرت لك سابقاً ، وهو يقول : أنه ما صبر علينا إلا انتظاراً لتخرجك من الكلية ولهذا فهو الآن يطالب بحقه وتصفية الحساب إلا إذا ..
    وسكتت الجدة وكأنها لم تجرأ أن تزيد على ذلك شيئاً .
    فقالت ورقاء في لهفة : إلا إذا ماذا يا جدتي ؟
    قالت الجدة : إذا وافقنا على شيء ؟


    قالت ورقاء وهي تتلفت حولها في حركة لا اختيارية وكأنها تطلب النجدة ، قالت : إلا إذا وافقنا على أي شيء يا جدتي ؟
    قالت الجدة : على قبول ابنه ناصر صهراً لنا فهو حين ذلك سوف يعيد الينا أرضنا كاملة ويعترف لنا بهذا البيت .
    فأحست ورقاء وكأن صاعقة قد انقضت على رأسها وقالت في هلع : وماذا قلت له يا جدتي ؟
    قالت الجدة : لقد أسعفني الله بجواب أنقذ الموقف مؤقتاً .
    قالت ورقاء : وكيف ؟
    قالت : لقد قلت له بأنك معقودة ولم يكن يسعني غير ذلك كي لا أثير غضبه علينا ولا أدع له مطمحاً فيك بعد اليوم .
    قالت ورقاء : ولكن كيف قلت له هذا وسوف ينكشف بطلانه من بعد ؟
    قالت الجدة : ولهذا أصبح محتماً عليك أن تقبلي بماهر في أسرع وقت ، فإن ماهر مهما كان هو أفضل من ابن حامد أفندي الشاب الماجن السكير .
    فصدرت عن ورقاء آهة جريحة ثم أطرقت برهة رفعت


    رأسها بعدها وهي تقول : كلا أنني لن أقبل بماهر مهما كان ، دعيه يأخذ منا كل شيء ، أنني أقدم أرضي وبيتي فداء رخيصاً لديني يا جدتي .
    وهنا ثارت الجدة ثورة عاتية واندفعت تلطم وجهها وتدق صدرها ، وتنادي بالويل والثبور وتكيل لورقاء مختلف كلمات السباب وتتهمها بأقسى التهم .
    فحاولت ورقاء تهدئتها ولكنها لم تتمكن من ذلك إلا بعد جهد ثم صعدت إلى غرفتها وارتمت على فراشها وهي في أسوأ حال .
    * * *

    أصبح صباح اليوم الثاني ولم تنزل ورقاء من غرفتها فحسبت الجدة أنها نائمة ، ولهذا تركتها حتى ساعة عالية من الصباح ثم دخلت اليها لتوقظها وفتحت باب الغرفة ودخلت وانحنت عليها تناديها ، فهالها أن رأت ورقاء غارقة في بحران من الحمى وقد انصبغ وجهها بزرقة قاتمة وأخذت أنفسها تتلاحق لاهثة كاوية ، فنادتها قائلة : ورقاء ! ورقاء .
    ففتحت ورقاء عينها ونظرت إلى جدتها نظرات تائهة .
    فقالت الجدة : ماذا بك يا ورقاء ؟ يا مهندستي الصغيرة ؟
    قالت ورقاء بصوت واهن متقطع : لا أدري .


    قالت الجدة : هل أستدعي لك طبيباً ؟
    قالت ورقاء : نعم ، فأنني لست على ما يرام .
    فنزلت الجدة وهي حائرة ماذا تصنع ، ثم خطر لها أن تتصل بماهر وتطلب منه إحظار طبيب ، فاتصلت به في مكتبه وقالت له في لهفة : أرجوك يا أستاذ ماهر ، أنقذ ورقاء فأنها مريضة جداً .
    فجاءها الجواب في برود قائلاً : ماذا بها ؟
    قالت : أنها مريضة وفي حاجة إلى طبيب .
    قال : ولكن الأطباء ليسوا في عيادتهم صباحاً .
    قالت : ولكن فتش فقد يكون هناك طبيب غير موظف .
    قال : ولكنني مشغول وعندي الكثير من المراجعين ، أجلي الموضوع إلى العصر ، وإذا كانت لا تزال في حاجة إلى طبيب فاتصلي بي مرة ثانية .
    فلم يسع الجدة إلا أن تغلق السكة وهي بين اليأس والغضب وصعدت إلى جوار ورقاء وهيأت لها بعض المجربات . ولكن حماها كانت ترتفع ووضعها لا يوحي بأي تحسن حتى حان العصر فأعادت الاتصال بمكتب ماهر فقيل لها أنه غير موجود فقالت في توسل : هل تعلمون أين هو ؟
    قالوا لها : أنه سافر في مهمة له في خارج البلد وسوف


    لن يعود اليوم . فألقت سماعة التليفون وعادت إلى جوار ورقاء تقرأ لها بعض الأدعية مع بعض آيات من القرآن الكريم وما أن حل الليل حتى أحست أن ورقاء قد فقدت شعورها وأن جسمها قد أخذ يتشنج وقد بدأت تهذي بكلمات غير مفهومة فطار صوابها وعادت إلى التليفون تطلب فيه ماهراً فلم تحصل له على أثر وحاولت أن تحصل على سواه ولكنها لم تتوصل إلى نتيجة ، فخطر لها خاطر أنكرته على نفسها وأهملته وعادت إلى ورقاء فسمعت أنينها يختلط بالهذيان ، ورأت جسمها وهو يتشنج بشكل مرعب ولم يسعها حين ذاك إلا أن تقول : لعنة الله عليّ ، لقد قتلت ابنتي بيدي . ولكن عليّ الآن أن أنقذها بأي شكل ، نعم بأي شكل ، وعادت تنزل إلى جهاز التلفون وأدارت أرقاماً معينة وكأنها كانت تغالب نفسها وتريد أن تحقق أمراً قبل أن تتردد فيه ، وكانت تطلب المستشفى ، الطابق السابع فردت عليها من هناك إحدى الممرضات فقالت لها متوسلة :
    إنني أريد أن أكلم الدكتورة معاد .
    قالت الممرضة : ولكنها فوق في غرفتها ولعلها نائمة .
    قالت الجدة : ناديها أرجوك يا ابنتي فأنني مضطرة إليها .
    قالت الممرضة : أعطيني رقم تليفونك لكي أقول لها أن تتصل بك هي فأن الخط لا يمكن أن يبقى مشغولاً مدة من الزمان .


    فأعطتها رقم التليفون وأغلق السكة وصعدت إلى جوار ورقاء ولم تمض دقائق حتى رن جرس الهاتف فأسرعت اليه الجدة ورفعته وهي تقول : ألو ، من ، الدكتورة معاد ؟
    قالت معاد : نعم ، أنني معاد ، ولكن من أنت ؟
    قالت : أنني جدة ورقاء ، ولقد لجأت إليك في خصوص ورقاء ، إنها مريضة ومريضة جداً .
    فردت معاد تقول : ورقاء مريضة ؟ ماذا بها ؟
    قالت الجدة وهي تبكي : لا أدري ، اسرعي اليها وانقذيها . ان ابنتي سوف تموت فارحميها بالله عليك يا معاد .
    قالت معاد : أنني آتية حالاً يا جدتي ، ولكن أين هو بيتكم ؟
    فأعطتها الجدة عنوان البيت وعادت إلى جانب ورقاء وقد تجدد لديها بعض الأمل وأخذت تتابع عقارب الساعة بلهفة وقلق ولم تمض فترة طويلة حتى رن جرس الباب فاندفعت اليه وفتحته لتجد معاد ، ونسيت الجدة في غمرة قلقها على ورقاء كل احقادها ولم تعد تذكر سوى أنها أمام طبيبة سوف تعيد إليها ابنتها ورقاء ولهذا فقد استقبلتها بالترحاب وقادتها إلى غرفة ورقاء .
    فظهر التأثر على معاد وهي تشاهد ورقاء في هذه الحالة


    ثم طلبت من الجدة أن تعطيها منديلاً لفته حول رأس ورقاء ثم قالت للجدة :
    هل تسمحين لي أن استدعي معي طبيباً يا خالة فإن الحالة شديدة على ما يبدو.
    قالت الجدة : ولكن أين سوف تجدين الطبيب في هذه الساعة المتأخرة من الليل ؟ أرجوك لا تتركيها هكذا .
    قالت معاد : أنه ينتظر في السيارة أمام الباب فهل تسمحين له بالدخول ؟
    قالت الجدة : طبعاً ، طبعاً ، ما دام فيه شفاء ابنتي .
    فنزلت معاد وعادت مع الطبيب ، واشتركا معاً في الفحص والتشخيص وبعد فترة توجهت معاد نحو الجدة قائلة : يبدو أنها مصابة بالحمى القرمزية وهي في حاجة إلى بعض الاسعافات التي لا تتواجد في البيت .
    فبهتت الجدة وقالت : إذن ؟
    قالت معاد إذن فهي في حاجة لأن تنقل إلى المستشفى فهل توافقين ؟؟
    فدعرت الجدة ودقت على صدرها وهي تقول : إذن فهي مريضة جداً يا دكتورة ؟ الويل لي ما أشقاني فقد قتلت ابنتي بيدي .


    وعادت معاد تقول : هل تسمحين لنا بنقلها يا جدتي ؟ قولي فإن الأمر مستعجل .
    قالت وهي تنتحب : وهل لي إلا الموافقة ما دامت ضرورية ، وعند ذلك اتصل الطبيب بالمستشفى وطلب سيارة إسعاف وهكذا ، تم نقل ورقاء إلى المستشفى ولم توافق معاد على استصحاب الجدة معهم وتعهدت لها أن تخبرها عن حالها أولاً بأول .
    سهرت معاد وأخوها سناد الذي كان هو الطبيب الذي جاء بصحبتها ، مع ورقاء حتى الصبح وقد أجريت لها فور وصولها كل الاسعافات المطلوبة .
    وفي ساعة متقدمة من الصبح بدأ بعض الهدوء يظهر عليها وإن كانت لا تزال في غيبوبة ولكن هذيانها أخذ يكون جملاً مفهومة ، وكانت معاد تقف إلى جوارها وسناد يجلس على الكرسي الذي في الجهة الثانية حين التقط سمعهما هذه الكلمات التي كانت ترددها ورقاء بين كلمات الهذيان ، كانت تقول :
    « محال أن يكون أبوهما مجرماً ، لقد انكسر الصحن يا جدتي ، ولكن معاد ليست ابنة قاتل ، دعيه يذهب هذا المدعو ماهر ، سخيف ، أرجوك أن ترحمينني يا جدتي ، دعيه يأخذ البيت ، أنا لا أريد ماهر ، ماذا سوف أقول لها ، كيف أرفض أخاها ، ارحميني ، لا تقولي أنها ابنة مجرم ، إنها ملاك ، لماذا


    قتل أباه أبي ، أنا لم أره إلا مرتين لا أكثر ، كفاك كلاما يا جدتي ، لا أريد ماهر ، لا أريد البيت ، لا أريد ، لا أريد ، لماذا قتل أباه أبي ، لماذا » .
    هنا التفتت معاد نحو أخيها وقد شحب لونها وقالت : هل سمعت ؟
    قال سناد بهدوء : نعم ، ومن هذا يبدو أنها معذورة في رفضها .
    قالت معاد : لقد كنت أخمن شيئا من هذا ولكن ما هو العلاج الآن ؟
    فابتسم سناد وقال : المهم الآن أن تعود إليها صحتها وبعد ذلك يمكن تسوية الأمر .
    * * *

    مر يومان كانت ورقاء خلالهما تصارع المرض حتى شاء الله تبارك وتعالى أن يساعدها على اجتياز الأزمة ، وكانت معاد جالسة إلى جوارها عندما فتحت عينيها ونظرت حولها لأول مرة نظرة تفهم واستغراب ، حتى استقر نظرها على معاد ، ثم عادت فأغلقت عينيها وكأنها لم تصدق ما ترى أو حسبته حلماً من أحلام الحمى ، فانحنت عليها معاد وقبلت جبينها بحنو وهي تقول : ورقاء كيف أنت يا أختاه ؟
    فعادت ورقاء تفتح عينيها وتنظر إلى معاد غير مصدقة ،


    ثم قالت بصوت واهن : هل أنت معاد حقاً أم أنني في حلم ؟
    قالت معاد : كلا أنك لست في حلم يا ورقاء فأنا معاد ، والحمد لله الذي منّ علينا بسلامتك يا أختاه .
    فأدارت ورقاء عينيها إلى الجهة الثانية تفتش عن جدتها ثم قالت : وأين جدتي إذن ؟
    قالت : أنها في البيت ، فقد نبت عنها بمرافقتك وسوف أبعث من يأتي بها اليك ما دامت صحتك قد تحسنت والحمد لله .
    قالت ورقاء : ولكن كيف وصلت إلى هنا ؟ وكيف وصلت أنت الي ؟
    فضحكت معاد وقالت : أنت الآن تعبانة وعليك أن تخلدي للراحة وسوف أخبرك غداً بجميع التفاصيل ، وها أنا ذاهبة للاتصال بجدتك .
    قالت ورقاء : كلا لا تذهبي وتتركيني وحدي يا معاد فأنني خائفة .
    قالت معاد : ولماذا الخوف يا ورقاء وأنت الآن بخير ؟
    قالت ورقاء : أنني لا أخاف من الحمى ولكنني أخاف من الناس .

    قالت معاد : أنني سوف لن أتأخر عنك أكثر من دقائق إن شاء الله .
    وهنا فتحت الباب ودخلت الجدة مندفعة نحو ورقاء فبادرتها معاد قائلة : أنها بخير يا جدتي وقد سألت عنك قبل لحظات.
    فانحنت الجدة تقبل ورقاء وهي تسكب الدموع ، فسألتها معاد : كيف أتيت وحدك يا جدة ؟
    فظهر الارتباك على الجدة ثم قالت : لقد مر عليّ الطبيب الذي كان معك وجاء بي إلى هنا .
    فردت معاد تقول بشيء من الاعتزاز : إنه أخي سناد ، فهل رأيت كم هو رائع يا جدة ؟
    فاستغربت ورقاء ما سمعت ولم تعلم كيف تفسر الموقف ، ولكنها كانت في حالة لا تسمح لها بالمزيد من الكلام فأخذت يد جدتها بين يديها واستسلمت للنوم .
    احتلت الجدة الكرسي الذي كانت تجلس عليه معاد ، وعادت معاد إلى غرفتها ومهامها بعد أن اطمأنت على صحة ورقاء ، وكانت الجدة المسكينة في حيرة من أمرها وتحديد موقفها من معاد ، وقد حدثت ورقاء بتفاصيل الموقف وكيف أنها اضطرت إلى استدعائها وطلب معونتها بعد أن خذلها


    ماهر ، وحدثتها بأمانة أيضاً عن الجهود التي بذلت من قبل معاد وأخيها من أجل إنقاذها .
    وقالت لها ورقاء بعد ذلك : أنظري يا جدتي إلى البون الشاسع الذي بين أخلاق ماهر ومعاد .
    قالت الجدة : نعم ، لقد كانت معاد وأخوها مثالاً للشهامة وتجاوز الذات أما ماهر فقد ظهر زيف دعواه ولكن ...
    ثم سكتت الجدة وفهمت ورقاء ما وراء هذا السكوت فسكتت هي بدورها أيضاً وأوكلت الأمور إلى الله الواحد القهار .
    وفي صباح اليوم الثاني جاءت معاد وكانت ورقاء قد تحسنت صحتها وجلست على فراشها . ففرحت معاد بذلك وجلست إلى جوارها على حافة السرير وهي تنظر إليها في سعادة .
    ثم قالت الجدة : إن لدي ساعة من الوقت أتمكن أن أجلس فيها إلى جوار ورقاء فإذا أردت أن ترتاحي خلال هذه الساعة فتفضلي يا جدتي ، فرحبت الجدة بهذا العرض واستلقت على الأريكة وأدارت وجهها نحو الجدار .
    أما ورقاء ، فقد بدأت تشكر معاد على موقفها منها


    فقالت لها : أن لك عليّ حق الحياتين الفكرية والجسمية يا معاد فكيف لي أن أفي حقك من الشكر يا أختاه .
    قالت معاد : إن هذا واجب كل أخت تجاه أختها يا ورقاء وأنني جد شاكرة لجدتك اتصالها بنا وإلا لكنت ضحية من ضحايا هذه الحمى الحمراء القاسية .
    وهنا قالت ورقاء بتردد : جدتي ، نعم ، إنها راضية منكما يا أختاه .
    قالت معاد : أنك ما زلت تناديني بنداء الأخوة دون أن تعرفي عني كل شيء يا ورقاء .
    فبهتت ورقاء لحظة ثم قالت : ماذا تعنين يا معاد ؟
    قالت معاد : أعني أنك ما زلت تجهلين قصة حياتي .
    قالت ورقاء : وهل لحياتك قصة خاصة ؟
    قالت معاد بصوت لا يخلو من بعض الارتباك : نعم أنها قصة تبدأ منذ كنت أنا وأخي سناد في بطن أمنا .
    فردت ورقاء باستغراب : كنت أنت وأخوك حملين في بطن أمكما ؟ هل أنتما توأمان إذن ؟
    قالت معاد : نعم ، ولم يتقدمني بالدراسة إلا لأنني مرضت في طفولتي وتركت المدرسة ثلاث سنوات .
    قالت ورقاء : آه هكذا إذن ؟


    فقالت معاد : ألم تلاحظي الشبه الشديد الموجود بيننا يا ورقاء ؟
    قالت ورقاء بشيء من الخجل : الحقيقة أنني لم أركز النظر في وجهه يا معاد .
    فابتسمت معاد وقالت : وهذا هو المأول منك يا ورقاء .
    قالت ورقاء : والآن . ما هي القصة ؟
    قالت معاد : أنها تتعلق بأبي ! وهنا خفق قلب ورقاء وقالت تتعلق بأبيك ؟
    قالت : نعم ، فقد توفي قبل أن نرى النور بشهر واحد على أثر حادث اصطدام .
    قالت ورقاء بتعجب : مات قبل ولادتكما ؟
    قالت معاد : نعم ، ولهذا فقد ولدنا يتيمين !!
    وهنا تململت الجدة وكأنها رفعت أذنها عن الوسادة لتسمع بشكل أوضح ، وعادت ورقاء تقول في لهفة : أنتما ولدتما يتيمين ؟
    قالت معاد : نعم ، هذا هو الواقع أما الظاهر فهو أننا لم نفقد أبانا إلا قبل سنتين .
    قالت ورقاء : لست فاهمة ماذا تعنين يا أختاه ؟


    قالت : إذن إليك فاسمعي القصة من بدايتها لقد كان أبي « حمزة عبد الرزاق الرحباوي » رجلاً فقيراً لا يملك من دنياه شيئاً سوى حسن السيرة واعتدال السلوك وطيب السمعة ، ومن أجل هذا اختارته أمي اليتيمة من الأبوين وقدمته على ابن عمتها الشاب المنحرف الغني ، وقد كانت أمي إلى جانب جمالها تملك رصيداً محترماً من المال ورثته عن أبويها ، وعاشت أمي مع أبي إلى مدة لا تتعدى السنتين وكانت أمي قد بلغت من حملها الشهر الثامن عندما توفى أبي ، وبقيت أمي تعاني آلامها وحيدة إلا من عمتها وابنها الذي سبق أن خطبها من قبل ، وقد قدما لها العمة وابنها الكثير من العناية والرعاية حتى حانت ولادتها ، واستمرت العمة تعنى بها العناية الكاملة إلى أن انقضت أيام العدة ، فعرضت عليها العمة أن تتزوج أبنها لكي يكون لها ولولديها والياً وكفيلاً وامتنعت أمي في البداية ، ولكنهما أصرا عليها وقدم هو لها مختلف العهود والمواثيق على أنه سوف يعتدل في سلوكه ويتفرغ لرعايتها ورعاية ولديها ، ولن تجد منه سوى الحب والحنان ، وبما أنها كانت في حاجة إلى من تستند إليه في تربية ولديها وتعتمد عليه في اعداد مستقبلهما فقد وافقت على الزواج مرغمة وبعد مضي فترة وجيزة علمت أنه قد استخرج شهادة ميلادنا باسمه . وبهذا فقد نسبنا إليه ، فأغضب ذلك أمي وأسخطها وثارت عليه ، ونقمت هذا منه ، واعتبرته تعدياً على حقوقنا ومصالحنا ، وكلما حاول إقناعها بأنه قد أنجز ذلك


    لمصلحتنا لم تقتنع فأخذتنا وذهبت إلى بيت ابيها المهجور معرضة عنه ساخطة عليه ، فبدأ يبعث إليها بالرسل ويجدد العهود الكاذبة ، ويكتب إليها أرق الكلمات ، حتى عادت مرغمة من جديد .
    ونشأنا نحن لا نعرف لنا أباً سواه ، وطالما عجبنا لقساوته علينا مع ما نشاهده من حنان الأبوة لدى الآخرين .
    قالت ورقاء بألم : أو كان قاسياً عليكما يا معاد ؟
    قالت معاد : نعم وقد نكث بجميع العهود والمواثيق واستولى على أموال أمي فبددها في لهوه ومجونه حتى اعتلت أمي من جراء ذلك وبقيت عليلة حتى توفيت قبل سنوات .
    ولما بلغنا سن الرشد حدثتنا أمنا بحديث أبينا وقدمت لنا برهاناً على صحة ما تقول .
    وهنا بادرت ورقاء تسأل في لهفة : وما هو البرهان يا معاد ؟
    قالت : أنه الرسائل التي كان يكتبها إليها عندما هجرته وفيها يتحدث عن أن نسبتنا إليه من صالحنا وكان يذكر أبانا في رسائله بكل خير ، ثم أنها أرشدتنا إلى أفراد كانوا على علم بنسبنا من قبل ، وهكذا بقينا نعاني مشكلة انتسابنا إليه حاملين معه تبعات أوزاره حتى مات قبل سنتين ، فوجدنا في صندوقه الخاص ورقة مختومة كتب فيها اعترافاً بعدم بنوتنا له


    مع ذكر اسم أبينا وتقديم الأدلة على ذلك وكأنه خشي أن يورثنا شيئاً من ماله الحرام فبخل به ، كما أننا وجدنا عنده كثيراً من الأوراق تعود للآخرين لم نتمكن أن نستوعبها ، وقد فتحت أمامنا هذه الوصية طريق المطالبة بتصحيح نسبنا مع الرسائل التي لدينا من أمنا مع الشهود الذين سبق وأن ذكرتهم أمنا ، وسوف تظهر النتيجة خلال هذه الأيام إن شاء الله .
    فهل عرفت الآن يا ورقاء من هو أبو سناد ؟
    فردت ورقاء تقول بصوت مبحوح من التأثر : آه نعم ( الآن عرفت أباه ) ثم ألقت برأسها على كتف معاد وهي تقول : والآن عدت إليك يا أختاه .

    فاحتضنتها معاد وقد تندب عيناها بالدموع وهي تقول :
    ( ان الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد ) .
    قصة منقولة من كتاب المجموعة القصصية الكاملة للكاتبة الشهيدة بنت الهدى
     

مشاركة هذه الصفحة