ثــلاث صــور عجيبــة

الكاتب : Poet   المشاهدات : 463   الردود : 0    ‏2003-06-15
      مشاركة رقم : 1    ‏2003-06-15
  1. Poet

    Poet عضو متميّز

    التسجيل :
    ‏2003-03-30
    المشاركات:
    1,088
    الإعجاب :
    0
    )يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا
    وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ)

    (سـبأ:2)

    ويقف الإنسان أمام هذه الصفحة المعروضة في كلمات قليلة ,

    فإذا هو أمام حشد هائل عجيب من الأشياء , والحركات ,

    والأحجام , والأشكال , والصور , والمعاني , والهيئات

    , لا يصمد لها الخيال !

    ولو أن أهل الأرض جميعا وقفوا حياتهم كلها يتتبعون

    ويحصون ما يقع في لحظة واحدة , مما تشير إليه الآية

    لأعجزهم تتبعه وإحصاؤه عن يقين !

    فكم من شيء في هذه اللحظة الواحدة يلج في الأرض ?

    وكم من شيء في هذا اللحظة يخرج منها

    ? وكم من شيء في هذه اللحظة ينزل من السماء ?

    وكم من شيء في هذه اللحظة يعرج فيها ?

    كم من شيء يلج في الأرض ? كم من حبة تختبى ء أو تخبأ

    في جنبات هذه الأرض ? كم من دودة ومن حشرة ومن هامة

    ومن زاحفة تلج في الأرض في أقطارها المترامية ?

    كم من قطرة ماء ومن ذرة غاز , ومن إشعاع كهرباء تندس في الأرض

    في أرجائها الفسيحة ? وكم وكم مما يلج في الأرض

    وعين الله عليه ساهرة لا تنام ?

    وكم يخرج منها ? كم من نبتة تنبثق ? وكم من نبع يفور ?

    وكم من بركان يتفجر ? وكم من غاز يتصاعد ? وكم من مستور ينكشف ?

    وكم من حشرة تخرج من بيتها المستور ? وكم وكم مما يرى ومما لا يرى ,

    ومما يعلمه البشر ومما يجهلونه وهو كثير ?

    وكم مما ينزل من السماء ? كم من نقطة مطر ? وكم من شهاب ثاقب ?

    وكم من شعاع محرق , وكم من شعاع منير ?

    وكم من قضاء نافذ ومن قدر مقدور ?

    وكم من رحمة تشمل الوجود وتخص بعض العبيد .

    وكم من رزق يبسطه الله لمن يشاء من عباده ويقدر . .

    وكم وكم مما لا يحصيه إلا الله .

    وكم مما يعرج فيها ? كم من نفس صاعد من نبات أو حيوان أو إنسان

    أو خلق آخر مما لا يعرفه الإنسان ?

    وكم من دعوة إلى الله معلنة أو مستسرة لم يسمعها إلا الله في علاه .

    وكم من روح من أرواح الخلائق التي نعلمها أو نجهلها متوفاة .

    وكم من ملك يعرج بأمر من روح الله .

    وكم من روح يرف في هذا الملكوت لا يعلمه إلا الله .

    ثم كم من قطرة بخار صاعدة من بحر , ومن ذرة غاز صاعدة من جسم ?

    وكم وكم مما لا يعلمه سواه ?!

    كم في لحظة واحدة ?

    وأين يذهب علم البشر وإحصاؤهم لما في اللحظة الواحدة
    ولو قضوا الأعمار الطوال في العد والإحصاء ?

    وعلم الله الشامل الهائل اللطيف العميق يحيط بهذا كله

    في كل مكان وفي كل زمان . .

    وكل قلب وما فيه من نوايا وخواطر وما له من حركات وسكنات

    تحت عين الله , وهو مع هذا يستر ويغفر . . (وهو الرحيم الغفور). .

    وإن آية واحدة من القرآن كهذه الآية لمما يوحي بأن هذا القرآن

    ليس من قول البشر

    . فمثل هذا الخاطر الكوني لا يخطر بطبيعته على قلب بشر ;

    ومثل هذا التصور الكوني لا دافع إليه من طبيعة تصور البشر ,

    ومثل هذه الإحاطة باللمسة الواحدة تتجلى فيها صنعة الله بارىء هذا الوجود !

    التي لا تشبهها صنعة العبيد !

    ***

    الصـورة الثانيـة :

    )وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجاً

    وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ

    وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ)

    (فاطر:11)


    ... النقلة من غير الحي إلى الحي نقلة بعيدة بعيدة

    أكبر وأضخم من كل أبعاد الزمان والمكان

    . وتأمل هذه النقلة لا ينتهي ولا يمله القلب الحي

    الذي يتدبر أسرار هذا الوجود العجيبة .

    وكل سر منها أضخم من الآخر وأعجب صنعاً .

    والنقلة بعد ذلك من النطفة التي تمثل مرحلة الخلية الواحدة

    إلى الخلقة الكاملة السوية للجنين , حين يتميز الذكر من الأنثى ,

    وتتحقق الصورة التي يشير إليها القرآن في هذه الآية: (ثم جعلكم أزواجاً)...

    . سواء كان المقصود جعلكم ذكراً وأنثى وأنتم أجنة

    , أو كان المقصود جعلكم أزواجاً بعد ولادتكم وتزاوج الذكر والأنثى . .

    هذه النقلة من النطفة إلى هذين النوعين المتميزين نقلة بعيدة كذلك بعيدة !

    فأين الخلية الواحدة في النطفة من ذلك الكائن الشديد التركيب والتعقيد ,

    الكثير الأجهزة المتعدد الوظائف ?

    وأين تلك الخلية المبهمة من ذلك الخلق الحافل بالخصائص المتميزة ?

    إن تتبع هذه الخلية الساذجة وهي تنقسم وتتوالد ;

    وتتركب كل مجموعة خاصة من الخلايا المتولدة منها

    لتكوين عضو خاص له وظيفة معينة وطبيعة معينة .

    ثم تعاون هذه الأعضاء وتناسقها وتجمعها لتكون مخلوقاً واحداً

    على هذا النحو العجيب ;

    ومخلوقاً متميزاً من سائر المخلوقات الأخرى من جنسه ,

    بل من أقرب الناس إليه , بحيث لا يتماثل أبداً مخلوقان اثنان . .

    وكلهم من نطفة لا تميز فيها يمكن إدراكه ! . .

    ثم تتبع هذه الخلايا حتى تصير أزواجاً , قادرة على إعادة النشأة

    بنطف جديدة , تسير في ذات المراحل , دون انحراف . .

    إن هذا كله لعجب لا ينقضي منه العجب .

    ومن ثم هذه الإشارة التي تتردد في القرآن كثيراً

    عن تلك الخارقة المجهولة السر ; بل تلك الخوارق المجهولة الأسرار !

    لعل الناس يشغلون قلوبهم بتدبرها ,

    ولعل أرواحهم تستيقظ على الإيقاع المتكرر عليها !

    وإلى جوار هذه الإشارة هنا يعرض صورة كونية لعلم الله

    [ كالصور التي جاء ذكرها في هذا الجزء في سورة سبأ ]

    صورة علم الله المحيط بكل حمل تحمله أنثى في هذه الأرض جميعاً:

    ( وما تحمل من أنثى ولا تضع إلا بعلمه).

    والنص يتجاوز إناث الإنسان إلى إناث الحيوان والطير والأسماك

    والزواحف والحشرات . وسواها مما نعلمه ومما لا نعلمه

    وكلها تحمل وتضع حتى ما يبيض منها , فالبيضة حمل من نوع خاص .

    جنين لا يتم نموه في داخل جسم الأم ; بل ينزل بيضة ,

    ثم يتابع نموه خارج جسم الأم بحضانتها هي أو بحضانة صناعية

    حتى يصبح جنيناً كاملاً ثم يفقس ويتابع نموه العادي .

    وعلم الله على كل حمل وعلى كل وضع في هذا الكون المترامي الأطراف !!!

    وتصوير علم الله المطلق على هذا النحو العجيب ليس من طبيعة الذهن البشري

    أن يتجه إليه لا في التصور ولا في التعبير - كما قلنا في سورة سبأ –

    فهو بذاته دليل على أن الله هو منزل هذا القرآن .

    وهذه إحدى السمات الدالة على مصدره الإلهي المتفرد .

    ومثلها الحديث عن العمر في الآية ذاتها:

    ( وما يعمر من معمر ولا ينقص من عمره إلا في كتاب .

    إن ذلك على الله يسير). .

    فإن الخيال إذا مضى يتدبر ويتتبع جميع الأحياء في هذا الكون

    من شجر وطير وحيوان وإنسان وسواه على إختلاف في الأحجام

    والأشكال والأنواع والأجناس والمواطن والأزمنة

    ; ثم يتصور أن كل فرد من أفراد هذا الحشد - الذي لا يمكن حصره ,

    ولا يعلم إلا خالقه عدده –

    يعمر فيطول عمره , أو ينقص من عمره فيقصر وفق قدر مقدور

    , ووفق علم متعلق بهذا الفرد , متابع له , عمر أم لم يعمر .

    بل متعلق بكل جزء من كل فرد . يعمر أو ينقص من عمره .

    فهذه الورقة من تلك الشجرة يطول عمرها أو تذبل أو تسقط عن قريب .

    وهذه الريشة من ذلك الطائر يطول مكثها أو تذهب مع الريح .

    وهذا القرن من ذلك الحيوان يبقى طويلاً أو يتحطم في صراع .

    وهذه العين في ذلك الإنسان أو هذه الشعرة تبقى وتسقط وفق تقدير معلوم .

    كل ذلك (في كتاب). . من علم الله الشامل الدقيق .

    وأن ذلك لا يكلف جهداً ولا عسراً: ( إن ذلك على الله يسير). .

    إذا مضى الخيال يتدبر هذا ويتتبعه ; ثم يتصور ما وراءه . .

    إنه لأمر عجيب جد عجيب

    . . وإنه لاتجاه إلى حقيقة لا يتجه إليها التفكير البشري على هذا النحو .

    واتجاه إلى تصور هذه الحقيقة وتصويرها على غير مألوف البشر كذلك .

    وإنما هو التوجيه الإلهي الخاص إلى هذا الأمر العجيب .

    والتعمير يكون بطول الأجل وعد الأعوام ; كما يكون بالبركة في العمر ,

    والتوفيق إلى إنفاقه إنفاقاً مثمراً ,

    واحتشاده بالمشاعر والحركات والأعمال والآثار .

    وكذلك يكون نقص العمر بقصره في عد السنين ;

    أو نزع البركة منه وإنفاقه في اللهو والعبث والكسل والفراغ .

    ورب ساعة تعدل عمراً بما يحتشد فيها من أفكار ومشاعر ,

    وبما يتم فيها من أعمال وآثار .

    ورب عام يمر خاوياً فارغاً لا حساب له في ميزان الحياة ,

    ولا وزن له عند الله !

    وكل ذلك في كتاب . . كل ذلك من كل كائن في هذا الكون

    الذي لا يعرف حدوده إلا الله . .

    والجماعات كالآحاد . والأمم كالأفراد . .

    كل منها يعمر أو ينقص من عمره . والنص يشمله .

    بل إن الأشياء لكالأحياء .

    وإني لأتصور الصخرة المعمرة , والكهف المعمر , والنهر المعمر

    , والصخرة التي ينتهي أجلها أو يقصر فإذا هي فتات ;

    والكهف الذي ينتهي أجله أو يقصر فإذا هو محطم أو مسدود ;

    والنهر الذي ينتهي أجله أو يقصر فإذا هو غائض أو مبدد !

    ومن الأشياء ما تصنعه يد الإنسان . البناء المعمر أو القصير العمر .

    والجهاز المعمر أو قصير العمر . والثوب المعمر أو قصير العمر . .

    وكلها ذات آجال وأعمار في كتاب الله كالإنسان .

    وكلها من أمر الله العليم الخبير . .

    وإن تصور الأمر على هذا النحو ليوقظ القلب إلى :

    تدبر هذا الكون بحس جديد , وأسلوب جديد

    . وإن القلب الذي يستشعر يد الله وعينه على كل شيء بمثل هذه الدقة

    ليصعب أن ينسى أو يغفل أو يضل .

    وهو حيثما تلفت وجد يد الله . ووجد عين الله . ووجد عناية الله

    , ووجد قدرة الله , متمثلة ومتعلقة بكل شيء في هذا الوجود .

    وهكذا يصنع القرآن القلوب !

    ***

    .. الصورة الثـالثة :

    )وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ

    وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ

    إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ)

    (لقمان:27)

    تختم هذه الجولة بمشهد كوني يرمز إلى غنى الله الذي لا ينفد ,

    وعلمه الذي لا يحد , وقدرته على الخلق والتكوين المتجددين بغير ما نهاية ,

    ومشيئته المطلقة التي لا نهاية لما تريد:

    ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام , والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ,

    ما نفدت كلمات الله . إن الله عزيز حكيم .

    ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة . إن الله سميع بصير . .

    إنه مشهد منتزع من معلومات البشر ومشاهداتهم المحدودة ,

    ليقرب إلى تصورهم معنى تجدد المشيئة الذي ليس له حدود ;

    والذي لا يكاد تصورهم البشري يدركه بغير هذا التجسيم والتمثيل .

    إن البشر يكتبون علمهم , ويسجلون قولهم , ويمضون أوامرهم ,

    عن طريق كتابتها بأقلام - كانت تتخذ من الغاب والبوص –

    يمدونها بمداد من الحبر ونحوه .

    لا يزيد هذا الحبر على ملء دواة أو ملء زجاجة !

    فها هو ذا يمثل لهم أن جميع ما في الأرض من شجر تحول أقلاما .

    و جميع ما في الأرض من بحر تحول مدادا .

    بل إن هذا البحر أمدته سبعة أبحر كذلك . .

    وجلس الكتاب يسجلون كلمات الله المتجددة , الدالة على علمه ,

    المعبرة عن مشيئته . . فماذا ? لقد نفدت الأقلام ونفد المداد .

    نفدت الأشجار ونفدت البحار .

    . و كلمات الله باقية لم تنفد , ولم تأت لها نهاية . .

    إنه المحدود يواجه غير المحدود . ومهما يبلغ المحدود فسينتهي ;

    ويبقى غير المحدود لم ينقص شيئا على الإطلاق

    . . إن كلمات الله لا تنفد , لأن علمه لا يحد , ولأن إرادته لا تكف ,

    ولأن مشيئته - سبحانه - ماضية ليس لها حدود ولا قيود .

    وتتوارى الأشجار والبحار , وتنزوي الأحياء والأشياء ;

    وتتوارى الأشكال والأحوال

    . ويقف القلب البشري خاشعا أمام جلال الخالق الباقي

    الذي لا يتحول ولا يتبدل ولا يغيب

    ; وأمام قدرة الخالق القوي المدبر الحكيم: إن الله عزيز حكيم . .

    وأمام هذا المشهد الخاشع يلقي بالإيقاع الأخير في هذه الجولة ;

    متخذا من ذلك المشهد دليلا كونيا على يسر الخلق وسهولة البعث:

    ( ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة . إن الله سميع بصير). .

    والإرادة التي تخلق بمجرد توجه المشيئة إلى الخلق ,

    يستوي عندها الواحد والكثير ; فهي لا تبذل جهدا محدودا في خلق كل فرد ,

    ولا تكرر الجهد مع كل فرد .

    وعندئذ يستوي خلق الواحد و خلق الملايين .

    وبعث النفس الواحدة وبعث الملايين .

    إنما هي الكلمة . هي المشيئة:

    (إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون). .

    ومع القدرة : العلم والخبرة مصاحبين للخلق والبعث وما وراءهما

    من حساب وجزاء دقيق: ( إن الله سميع بصير). .
     

مشاركة هذه الصفحة