بوش وحكم التاريخ ( عبد الباري عطوان )

الكاتب : arab   المشاهدات : 481   الردود : 0    ‏2003-06-10
      مشاركة رقم : 1    ‏2003-06-10
  1. arab

    arab عضو نشيط

    التسجيل :
    ‏2002-03-27
    المشاركات:
    359
    الإعجاب :
    0
    اعلن الرئيس الامريكي جورج بوش امس ان الزمن والتاريخ سيبرهنان ان الولايات المتحدة كانت علي حق في اجتياح العراق حتي لو لم يتم العثور علي أسلحة الدمار الشامل حتي الآن وقال في اجتماع حكومي ان مصداقية الولايات المتحدة مبنية علي رغبتها الحازمة في جعل العالم اكثر اماناً .
    ولا نعرف كيف سيبرهن التاريخ والزمن علي ان الغزو الامريكي للعراق، واحتلاله كانا اخلاقيين طالما ان الولايات المتحدة لم تعثر علي اسلحة الدمار الشامل العراقية. فالعدوان انطلق اساساً بحجة وجود هذه الأسلحة وتهديدها للعالم الغربي.
    ثم لماذا يترك الرئيس بوش هذه المهمة، اي اثبات شرعية هذا الغزو، للتاريخ والزمن، فمن المفترض انه يملك الأدلة القاطعة علي وجود اسلحة الدمار الشامل، ولا توجد اي عقبات في طريق فرق التفتيش التي ارسلها لانجاز هذه المهمة بعد ان اصبح العراق كله، وشعبه تحت الاحتلال الامريكي.
    الاجهزة الدعائية كانت تقول لنا ان طائرات التجسس الامريكية الأكثر تقدماً في مجال التكنولوجيا تستطيع ان تقرأ الكلمات الدقيقة المكتوبة علي حافة الملابس الداخلية للرئيس العراقي، فلماذا لا تعثر هذه الاجهزة علي اسلحة الدمار الشامل تلك، ناهيك عن مكان اختباء الرئيس العراقي.
    الرئيس بوش عندما يوكل مسألة الجزم بوجود أسلحة دمار شامل الي التاريخ فانه يريد ان يقول، وبطريقة غير مباشرة، بعدم قدرته علي العثور عليها في زمان ادارته الحالية، وربما الادارات القادمة ايضا. وهذا الاعتراف الخطير، وغير المباشر، يدينه مسبقاً، ويدين كل الحكومات التي شاركت في هذه الحرب.
    لعل الكذبة الكبري التي تستحق ان يتوقف عندها المرء تلك التي تقول بان العالم اكثر اماناً بعد غزو العراق واحتلاله، فما حدث هو عكس ذلك تماما. فالعالم بات اكثر خطورة، واقل استقراراً بسبب السياسات المندفعة والعدوانية للادارة الامريكية الحالية، وهناك اربعة امثلة في هذا الصدد:
    اولا: بعد ما يقرب من العامين من التدخل العسكري الامريكي في افغانستان، اعترف حميد كرزاي الرئيس الافغاني المعين امريكيا، ان طالبان انتهت ولكن الارهاب في تزايد. وكان يشير بذلك الي تصاعد الهجمات ضد القوات الامريكية والحكومية الافغانية وانعدام الأمن في معظم ارجاء افغانستان. فيوم امس قتل اربعة جنود المان، ولا يمر اسبوع دون ان يواجه جنود امريكيون المصير نفسه. اما التنمية والديمقراطية والحكومة المركزية القوية فما زالت محصورة في خانة التمنيات واحلام اليقظة.
    ثانيا: اذا انتقلنا الي العراق، فان الصورة تبدو اكثر قتامة. فالهجمات حصدت حتي الآن، وفي اقل من شهر حوالي ثلاثين جندياً امريكياً، وربما تحصد حرارة الصيف الملتهبة اضعاف هذا الرقم. بغداد لم تعد آمنة، وكذلك المدن العراقية الاخري، ولا يلوح في الافق ان هذا الوضع سيتغير الي الاحسن، بل الي الاسوأ. بسبب القرارات الامريكية الغبية مثل حل الجيش واجهزة الامن، ما ادي الي تحويل ملايين العراقيين الي مشاريع قوات مقاومة.
    العراقيون، او الوطنيون منهم، لم يفيقوا من صدمة الاحتلال، وبعضهم ما زال غير مصدق ان النظام انتهي، ولا بد انهم سيفيقون من هذه الصدمة في الاسابيع المقبلة، ويتعاملون مع الاحتلال مثل تعامل كل الشعوب الاخري، او مثلما تعاملوا مع الاحتلال البريطاني قبلا.
    ثالثا: موريتانيا، هي في اقصي الغرب العربي شهدت انقلابا عسكريا دمويا امس وكان الدافع الرئيسي له انحياز النظام بالكامل للسياسات الامريكية، واقامته علاقات دبلوماسية وتطبيعية كاملة مع الدولة العبرية بضغوط امريكية. هذا الانقلاب هو نتيجة حتمية للابتزاز الامريكي البشع لفقر هذا البلد وحاجته، وربط المساعدات المالية اليه بالبوابة التطبيعية الاسرائيلية.
    رابعا: الادارة الامريكية فرضت خريطة الطريق علي الفلسطينيين، مثلما فرضت عليهم قبلها رئيسا للوزراء، وانتزعت له، وبالضغوط والتهديدات ايضا صلاحيات كاملة، وهمشت رئيسا منتخبا. فماذا كانت النتيجة تصعيدا في الهجمات الاستشهادية ومقتل خمسة اسرائيليين بعد اقل من ثلاثة ايام من القمة الثلاثية في العقبة التي دشنت بدء تطبيق الخريطة، ونزع اسنان الانتفاضة، اي تجريد فصائلها من اسلحتها.
    العالم سيصبح اقل امانا، واكثر فوضي اذا ما فاز الرئيس الامريكي في الانتخابات الرئاسية المقبلة، لانه سيواصل هذه السياسات الاستفزازية، مثلما سيواصل حروبه العدوانية. فاللوبي الاسرائيلي لن يتوقف عند احتلال العراق وتدميره، وزعزعة استقراره، وسيظل يدفع باتجاه حروب اخري في ايران وسورية وليبيا ولبنان. فالعدوان علي العراق جاء هروبا من الفشل في افغانستان، ولابد من عدوان جديد لتغطية الفشل الاكبر في العراق.
    الرئيس بوش يقول ان العالم بات اكثر امانا، بينما ثلاث دول عربية واجهت احداث عنف، اثنتان في المغرب العربي (موريتانيا والمغرب) وواحدة في المشرق اشتهرت باستتباب الامن فيها وهي المملكة العربية السعودية والبقية تأتي.
    منذ ستة اشهر وحالة الاستنفار الامني في امريكا في اقصي درجاتها، تتأرجح بين اللونين الاصفر والبرتقالي. اما في اوروبا فقد تحولت المطارات الي ما يشبه الثكنات، وباتت الهواية المفضلة لأجهزة الامن هي الرهان علي موعد ومكان الضربة المقبلة لتنظيم القاعدة .
    العالم ينزلق بسرعة مخيفة نحو الكارثة بسبب السياسات المتهورة لهذا الرئيس الامريكي الذي وصل الي السلطة بفارق خمسمئة صوت علي الاكثر، وهي للأسف اصوات عرب ومسلمين. ولهذا سيكون حكم التاريخ قاسيا علي هذا الرئيس وعلي افراد ادارته.
     

مشاركة هذه الصفحة