التطرف لا يعالج بالتطرف

الكاتب : azizf3f3   المشاهدات : 460   الردود : 1    ‏2003-06-10
      مشاركة رقم : 1    ‏2003-06-10
  1. azizf3f3

    azizf3f3 عضو فعّال

    التسجيل :
    ‏2003-05-02
    المشاركات:
    783
    الإعجاب :
    0
    لقد اختار الله لأمة الإسلام منهجها، وبين لها طريقها، فهي وسط بين الأمم، وطريقها هو الطريق المستقيم، الذي لا عوج فيه.
    "وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ"، فهي أمة الوسطية، ودينها وسط بين الغالي فيه، والجافي عنه، كالوادي بين جبلين، والهدى بين ضلالتين، والوسط بين طرفين ذميمين، فكما أن الجافي عن الأمر مضيع له، فالغالي فيه مضيع له أيضاً؛ هذا بتقصيره عن الحد، وهذا بتجاوزه الحد!.
    إن التزحزح عن هذا المنهج الوسط يعتبر افتراءً على الله في حكمه، واستدراكاً عليه في شرعه، وإن وسطية الإسلام وسماحته لا تؤخذ من العقول البشرية، ولكنها تؤخذ من النصوص الشرعية، وإن دين الإسلام والمتمسكين به بعلم برآء من الانحراف عن الوسط، سواء الجانح إلى الغلو، أو الجانح إلى التقصير .
    والذي ينحرف عن هذه الوسطية -بغلو أو جفاء- لم يتمسك بالإسلام بكماله، وهو غير ممثل له، وإنما يمثل نفسه .
    وإن كانت الأمة قد عايشت صوراً من الغلو والتطرف في عصور سلفت، فإن من أشدّ أنواع التطرف ما عاشته الأمة في هذا العصر، حيث تطرف التطرف، إلى طرف الطرف.
    وإن كانت الضوضاء قد علت -وعلا ضجيجها عن التطرف أخيراً- فإن وجود التطرف حقيقة لا مريّة فيها، ولكن قبل ذلك.
    إن التطرف سابق للضجة التي أثيرت حوله بكثير، فقد عانت الأمة من التطرُّف، وعانت من ثمار التطرُّف، ذلك أنه شجرة خبيثة، إذا نمت، نمت معها أشواكها الحادة، ومن أشواكها الحادة العنف واستباحة الدماء.
    ولاشك أن القتل والتفجير، والترويع الذي يستهدف أمن المجتمعات المسلمة واستقرارَها عملٌ يتنافى مع أحكام الشريعة التي جاءت بعصمة دماء المسلمين، والمستأمنين، ويخالف مقاصد الشريعة التي جاءت بحفظ الدين والنفس والمال والعرض، ولذلك فإنَّا ندين التفجيرات التي حصلت هذا الأسبوع، ونؤكد على خطورتها على دين من يقوم بها، قبل خطورتها على غيره؛ فإن المسلم لا يزال في فسحة في دينه، ما لم يصب دماً حراماً.
    ولقد أصدرت (هيئة كبار العلماء) بياناً ضافياً في هذا الموضوع، وبينت أن ما وقع في مدينة (الرياض) -من حوادث التفجير- أمر محرم لا يقره دين الإسلام، وبيَّنت ذلك بالأدلة الشرعية القطعية من الكتاب والسنة، وبيَّنت الهيئة أيضاً أن هذا العمل -كما أنه محرم شرعاً- فإن فيه ذريعة لتسلط الأعداء على الأمة الإسلامية من كل جانب، وبيَّنت أن أعداء الإسلام يفرحون بالذرائع التي تبرر لهم التسلط على أهل الإسلام، وإذلالهم واستغلال خيراتهم، فمن أعانهم في مقصدهم، وفتح على المسلمين -وبلاد الإسلام- ثغراً لهم، فقد أعان على انتقاص المسلمين، والتسلُّط على بلادهم وهذا من أعظم الجرم.
    وما جاء في بيان (هيئة كبار العلماء) من أحكام وتحذيرات هو ما يعتقده عموم المسلمين في هذه البلاد ولله الحمد، وهو المعتقد السائد في الصحوة الإسلامية المباركة بجميع أطيافها ومؤسساتها الدعوية، وهو الذي ينتشر في أوساط الصالحين، في المدارس وحلق القرآن، وهو الذي تعالت به نداءات الدعاة قبل وقوعه، في بيان (الجبهة الداخلية) وغيرها.
    وهذا الفكر الوسط المعتدل هو الذي تقوم عليه مناهج التعليم في هذه البلاد المباركة.

    تمهيد في علاج الظاهرة :
    إذا نشأ في المجتمع فكر نشاز، فإن أهل الوسط والاعتدال من العلماء والدعاة ومن تبعهم، هم أشعر الناس بالمسؤولية، وأحرصهم على علاجه بالمنهج العلمي الرصين، الذي يستشعر الواقع ويستشرف المستقبل، بعيداً عن أساليب المعالجة السطحية، والتي تقتصر على إدانة الحدث، وشتم المنفذين، ثم كيل التهم يميناً وشمالاً !.
    إن هذه المشكلة قد استعصت على كثير من الدول، لما أقصي المعتدلون عن حلها، وتركت بأيدي أناس متطرفين من الجهة الأخرى.
    استعصت المشكلة لما تركت بأيدي العلمانيين وأهل النفاق؛ ذلك أن علاج هذه الأحداث ليس فرصة للمباهاة، وتصفية الحسابات، والتسلُّق على الأكتاف، دون جهد صادق وحقيقي في الإصلاح، بل لا بد من منهج علمي يجمع حسن التصور، وسلامة القصد، حتى يساهم بشكل فاعل في علاج قضية هي من أعقد القضايا، بالإضافة إلى أن علاجها يستلزم التضحية الكبيرة من الطرفين.

    وصايا في علاج الظاهرة :
    إن أول وصية في علاج ظاهرة التطرف والغلو في الدين أن يتولى علاجها المعتدلون الناصحون، والذين يعرفون أن الغلو في الدين هو الخروج عنه بالزيادة فيه، أو الخطأ في فهمه، ونحو ذلك، وليس غلواً الأخذ بالدين، على منهج الوسطية والاعتدال، ويؤكد أهمية هذا العلاج أن كثيراً من الكتَّاب، والإعلاميين، والساسة يتعاملون مع الغلو دون فهم صحيح لحقيقته، بل يرى كثير منهم أن في التمسك بالدين غلواً، ولذلك نجد من ألصق سبب التفجيرات في المناهج الدينية، وخطب الجمعة، والدعاة، والتعليم الديني، وحلقات القرآن، ولم يُبْق هؤلاء شيئاً مما يتصل بالدين لم يتهموه بأنه سبب التفجير.
    ولو ترك علاج هذه القضايا الكبيرة بيد هؤلاء -الذين يرون في تعاليم الدين غلوَّاً وتطرُّفاً، ويريدون تمييعها أو إزالتها-، فإن التطرف سيزداد بلا شك؛ لأنهم سيحاربون هذا المجتمع، في أعز ما يملك وهو دينه، وعفاف نسائه، ومناهج تعليمه، ولذلك نستطيع القول: إن كثيراً من الصحف، والكتاب مارسوا في الأسبوع المنصرم عداءً حقيقياً للمجتمع، حتى رأينا بعض الأقلام المغرضة تعبر من الحديث عن نقد الغلو والتطرف الديني إلى نقد الدين ذاته!، وتعبر من نقد بعض الجماعات المتطرفة إلى نقد الصحوة الدينية بعامة!، وتعبر من نقد بعض مظاهر الغلو إلى نقد شعائر الدين الظاهرة، كالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر!، وحرضوا ولاة الأمر على كل ما يعرفون من معالم الدين، ولذلك فإن المتعين على جميع المسلمين -حكاماً ومحكومين- ألا ينخدعوا بهذا المكيدة، التي تحاول تبرير محاربة التدين في البلاد بحجة محاربة الغلو؛ فإن الغلو في مجتمعنا -بحمد الله- قليل الحجم، ومن الظلم أن يسحب الحكم على الكثرة التي تمثل تيار الاعتدال.

    الوصية الثانية في علاج هذه الظاهرة: عدم استخدام العنف بمفرده؛ ذلك أن الواضح من تجربة معالجة الغلو في العصر الحديث أن العنف لم يجد فيها شيئاً، بل كان سبباً لظهور تيارات غلو أخرى، والوسيلة الأنفع في ذلك هي الحوار، وهي الواردة عن النبي -صلى الله عليه وسلم- وابن عباس –رضي الله عنهما- فلقد حاور النبي صلى الله عليه وسلم (ذا الخويصرة) وقال له: "ويحك من يعدل إن لم أعدل"، وكذلك حاور ابن عباس -رضي الله عنهما- الخوارج فرجع منهم ألفان، ولا شك أن أسلوب الحوار في هذه المشكلة هو من أنفع الأساليب؛ ذلك أن نور الحق ساطع، وبرهانه قاطع، وهو يعلو ولا يُعلى عليه، وهو الذي يعالج المشكلة من جذورها؛ لأن العنف مظهر للفكر، ولا يمكن إزالة الفكر بإزالة مظهره فقط .

    الوصية الثالثة: تعزيز ما من شأنه إزالة أسباب هذا الغلو، كنشر عقيدة السلف، ونشر العلم الشرعي، ونشر المنهج الشرعي في الاستدلال والاستنباط، ذلك أن السمة الغالبة لكثير ممن يغلو في دين الله -جل وعلا- هي الجهل بعقيدة السلف، ومنهجهم في الاستدلال، ولذلك قال النبي -صلى الله عليه وسلم- في صفة الذي اعترض على قسمته: "إن من ضئضئ هذا قوماً يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان" رواه البخاري، فذكر من أبرز مظاهر الغلاة عدم فهم القرآن، ولو قرؤوه بألسنتهم فهم لا يتفقهون فيه، ولا يعرفون مقاصده، وهذا يجعلهم يأخذون آيات نزلت في الكفار، فيجعلونها على المؤمنين، كما قال ابن عمر -رضي الله عنه-، وهذا يقودنا إلى :

    الوصية الرابعة: وهي إحياء دور العلماء، ذلك أن غياب العلماء عن الساحة -في كثير من الأحيان- هو من ضمن أسباب الغلو المبني على الجهل، ولذلك فإن الوصية المبذولة هي الاهتمام بإعادة دور العلماء، ويتولى مسؤولية ذلك بشكل رئيس ثلاث فئات:

    الفئة الأولى:العلماء أنفسهم، وذلك بالإخلاص لله -عز وجل- والقيام بواجبهم، تجاه ولاة الأمر بالمناصحة، وتجاه عموم المجتمع بالتربية والتوجيه، وتجاه فئة الشباب بالتربية والعناية، والبعد عن كل ما يخدش مقام وكرامة العلماء، من الحرص على الدنيا والتكالب عليها، ومن ضعف الالتزام بأوامر الدين.

    الفئة الثانية: ولاة الأمر، وذلك بأن يصدروا العلماء، ويستشيروهم ويأخذوا برأيهم في جميع أمور الدين، دون انتقائية، ويوكلوا إليهم مهمة معالجة مظاهر الانحراف.

    الفئة الثالثة: المجتمع والشباب بشكل خاص، وذلك بأن يأخذوا من العلماء ويأتمروا بأوامرهم، وفتاواهم الشرعية.
    وإذا تحقق دور العلماء في المجتمع، فإن المجتمع سيكتسب حصانة من مظاهر الانحراف، ووقاية من مشكلة الغلو وغيره من المشكلات.

    الوصية الخامسة:يتفق الباحثون في مشكلة الغلو والتطرف والعنف على أن هذه الظاهرة إنما هي رد فعل لما يعايشه الإنسان من أوضاع شاذة وخاطئة تحياها المجتمعات المسلمة، وهذه المظاهر التي تكون منها رد الفعل، أو الظروف التي كونت القابلية للغلو فهي ما يشاهده في مجتمعه، من غياب شرع الله عن الحكم، وما يراه من غربة الدين، ومن العداء له، والتحريض على شعائره في الصحف والمجلات، وما يظهر له من التضييق على الإسلام، وفتح المجال للاتجاه العلماني يقول ما يشاء، ويكيل التهم على من يشاء.
    وتتكون ردة الفعل أيضاً بسبب ما يشاهده من الفساد والتحلل الأخلاقي الذي يشجعه على القول بجاهلية المجتمعات، وكذلك ما يراه من فتح المجال لأهل التغريب، ونشر الفساد في المجتمع، وكذلك الهزائم السياسية والعسكرية؛ كل هذه المظاهر التي يراها الإنسان ولا يملك أن يفعل تجاهها شيئاً يوصله إلى ردة فعل مساوية في القوة معاكسة في الاتجاه، وبناءً على ذلك تكون الوصية الخامسة: إزالة المظاهر غير الإسلامية، وفتح المجال للمصلحين كما يفتح المجال للمخربين الذين تمكنوا من إعلام البلاد وسُكت على تخريبهم، ولا شك أن بقاءهم على هذا الوضع يعد رافداً كبيراً من روافد الغلو، وجذراً رئيساً من جذوره، وسبباً لاستفزاز الحليم فضلاً عن غيره، ولذلك فإنَّا نطالب ولاة الأمر بإزالة الشكاية، وفتح المجال للمصلحين، وقبول قولهم، وإزالة المظاهر التي تستفز المشاعر، وتشكل مناخاً مولداً للغلو والتطرف.

    الوصية السادسة:دفن الهوة بين العلماء والحكام من جهة، وبين الشباب من الجهة الأخرى؛ ذلك أن الشاب إذا وثق بولي الأمر من حاكم أو عالم فإنه سيسمع ويطيع، وعندما يثق ولي الأمر -من حاكم أو عالم- بالشاب فإنه سيفتح قلبه له ويحل مشكلاته، ويزيل شكايته.
    أسأل الله أن يهدي ضال المسلمين، وأن يدفع عن هذه البلاد الفتن والمحن ما ظهر منها وما بطن، وصلى الله على نبينا محمد .
     
  2.   مشاركة رقم : 2    ‏2003-06-12
  3. azizf3f3

    azizf3f3 عضو فعّال

    التسجيل :
    ‏2003-05-02
    المشاركات:
    783
    الإعجاب :
    0
    التطرف لا يعالج بالتطرف التطرف لا يعالج بالتطرف

    لقد اختار الله لأمة الإسلام منهجها، وبين لها طريقها، فهي وسط بين الأمم، وطريقها هو الطريق المستقيم، الذي لا عوج فيه.
    "وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ"، فهي أمة الوسطية، ودينها وسط بين الغالي فيه، والجافي عنه، كالوادي بين جبلين، والهدى بين ضلالتين، والوسط بين طرفين ذميمين، فكما أن الجافي عن الأمر مضيع له، فالغالي فيه مضيع له أيضاً؛ هذا بتقصيره عن الحد، وهذا بتجاوزه الحد!.
    إن التزحزح عن هذا المنهج الوسط يعتبر افتراءً على الله في حكمه، واستدراكاً عليه في شرعه، وإن وسطية الإسلام وسماحته لا تؤخذ من العقول البشرية، ولكنها تؤخذ من النصوص الشرعية، وإن دين الإسلام والمتمسكين به بعلم برآء من الانحراف عن الوسط، سواء الجانح إلى الغلو، أو الجانح إلى التقصير .
    والذي ينحرف عن هذه الوسطية -بغلو أو جفاء- لم يتمسك بالإسلام بكماله، وهو غير ممثل له، وإنما يمثل نفسه .
    وإن كانت الأمة قد عايشت صوراً من الغلو والتطرف في عصور سلفت، فإن من أشدّ أنواع التطرف ما عاشته الأمة في هذا العصر، حيث تطرف التطرف، إلى طرف الطرف.
    وإن كانت الضوضاء قد علت -وعلا ضجيجها عن التطرف أخيراً- فإن وجود التطرف حقيقة لا مريّة فيها، ولكن قبل ذلك.
    إن التطرف سابق للضجة التي أثيرت حوله بكثير، فقد عانت الأمة من التطرُّف، وعانت من ثمار التطرُّف، ذلك أنه شجرة خبيثة، إذا نمت، نمت معها أشواكها الحادة، ومن أشواكها الحادة العنف واستباحة الدماء.
    ولاشك أن القتل والتفجير، والترويع الذي يستهدف أمن المجتمعات المسلمة واستقرارَها عملٌ يتنافى مع أحكام الشريعة التي جاءت بعصمة دماء المسلمين، والمستأمنين، ويخالف مقاصد الشريعة التي جاءت بحفظ الدين والنفس والمال والعرض، ولذلك فإنَّا ندين التفجيرات التي حصلت هذا الأسبوع، ونؤكد على خطورتها على دين من يقوم بها، قبل خطورتها على غيره؛ فإن المسلم لا يزال في فسحة في دينه، ما لم يصب دماً حراماً.
    ولقد أصدرت (هيئة كبار العلماء) بياناً ضافياً في هذا الموضوع، وبينت أن ما وقع في مدينة (الرياض) -من حوادث التفجير- أمر محرم لا يقره دين الإسلام، وبيَّنت ذلك بالأدلة الشرعية القطعية من الكتاب والسنة، وبيَّنت الهيئة أيضاً أن هذا العمل -كما أنه محرم شرعاً- فإن فيه ذريعة لتسلط الأعداء على الأمة الإسلامية من كل جانب، وبيَّنت أن أعداء الإسلام يفرحون بالذرائع التي تبرر لهم التسلط على أهل الإسلام، وإذلالهم واستغلال خيراتهم، فمن أعانهم في مقصدهم، وفتح على المسلمين -وبلاد الإسلام- ثغراً لهم، فقد أعان على انتقاص المسلمين، والتسلُّط على بلادهم وهذا من أعظم الجرم.
    وما جاء في بيان (هيئة كبار العلماء) من أحكام وتحذيرات هو ما يعتقده عموم المسلمين في هذه البلاد ولله الحمد، وهو المعتقد السائد في الصحوة الإسلامية المباركة بجميع أطيافها ومؤسساتها الدعوية، وهو الذي ينتشر في أوساط الصالحين، في المدارس وحلق القرآن، وهو الذي تعالت به نداءات الدعاة قبل وقوعه، في بيان (الجبهة الداخلية) وغيرها.
    وهذا الفكر الوسط المعتدل هو الذي تقوم عليه مناهج التعليم في هذه البلاد المباركة.

    تمهيد في علاج الظاهرة :
    إذا نشأ في المجتمع فكر نشاز، فإن أهل الوسط والاعتدال من العلماء والدعاة ومن تبعهم، هم أشعر الناس بالمسؤولية، وأحرصهم على علاجه بالمنهج العلمي الرصين، الذي يستشعر الواقع ويستشرف المستقبل، بعيداً عن أساليب المعالجة السطحية، والتي تقتصر على إدانة الحدث، وشتم المنفذين، ثم كيل التهم يميناً وشمالاً !.
    إن هذه المشكلة قد استعصت على كثير من الدول، لما أقصي المعتدلون عن حلها، وتركت بأيدي أناس متطرفين من الجهة الأخرى.
    استعصت المشكلة لما تركت بأيدي العلمانيين وأهل النفاق؛ ذلك أن علاج هذه الأحداث ليس فرصة للمباهاة، وتصفية الحسابات، والتسلُّق على الأكتاف، دون جهد صادق وحقيقي في الإصلاح، بل لا بد من منهج علمي يجمع حسن التصور، وسلامة القصد، حتى يساهم بشكل فاعل في علاج قضية هي من أعقد القضايا، بالإضافة إلى أن علاجها يستلزم التضحية الكبيرة من الطرفين.

    وصايا في علاج الظاهرة :
    إن أول وصية في علاج ظاهرة التطرف والغلو في الدين أن يتولى علاجها المعتدلون الناصحون، والذين يعرفون أن الغلو في الدين هو الخروج عنه بالزيادة فيه، أو الخطأ في فهمه، ونحو ذلك، وليس غلواً الأخذ بالدين، على منهج الوسطية والاعتدال، ويؤكد أهمية هذا العلاج أن كثيراً من الكتَّاب، والإعلاميين، والساسة يتعاملون مع الغلو دون فهم صحيح لحقيقته، بل يرى كثير منهم أن في التمسك بالدين غلواً، ولذلك نجد من ألصق سبب التفجيرات في المناهج الدينية، وخطب الجمعة، والدعاة، والتعليم الديني، وحلقات القرآن، ولم يُبْق هؤلاء شيئاً مما يتصل بالدين لم يتهموه بأنه سبب التفجير.
    ولو ترك علاج هذه القضايا الكبيرة بيد هؤلاء -الذين يرون في تعاليم الدين غلوَّاً وتطرُّفاً، ويريدون تمييعها أو إزالتها-، فإن التطرف سيزداد بلا شك؛ لأنهم سيحاربون هذا المجتمع، في أعز ما يملك وهو دينه، وعفاف نسائه، ومناهج تعليمه، ولذلك نستطيع القول: إن كثيراً من الصحف، والكتاب مارسوا في الأسبوع المنصرم عداءً حقيقياً للمجتمع، حتى رأينا بعض الأقلام المغرضة تعبر من الحديث عن نقد الغلو والتطرف الديني إلى نقد الدين ذاته!، وتعبر من نقد بعض الجماعات المتطرفة إلى نقد الصحوة الدينية بعامة!، وتعبر من نقد بعض مظاهر الغلو إلى نقد شعائر الدين الظاهرة، كالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر!، وحرضوا ولاة الأمر على كل ما يعرفون من معالم الدين، ولذلك فإن المتعين على جميع المسلمين -حكاماً ومحكومين- ألا ينخدعوا بهذا المكيدة، التي تحاول تبرير محاربة التدين في البلاد بحجة محاربة الغلو؛ فإن الغلو في مجتمعنا -بحمد الله- قليل الحجم، ومن الظلم أن يسحب الحكم على الكثرة التي تمثل تيار الاعتدال.

    الوصية الثانية في علاج هذه الظاهرة: عدم استخدام العنف بمفرده؛ ذلك أن الواضح من تجربة معالجة الغلو في العصر الحديث أن العنف لم يجد فيها شيئاً، بل كان سبباً لظهور تيارات غلو أخرى، والوسيلة الأنفع في ذلك هي الحوار، وهي الواردة عن النبي -صلى الله عليه وسلم- وابن عباس –رضي الله عنهما- فلقد حاور النبي صلى الله عليه وسلم (ذا الخويصرة) وقال له: "ويحك من يعدل إن لم أعدل"، وكذلك حاور ابن عباس -رضي الله عنهما- الخوارج فرجع منهم ألفان، ولا شك أن أسلوب الحوار في هذه المشكلة هو من أنفع الأساليب؛ ذلك أن نور الحق ساطع، وبرهانه قاطع، وهو يعلو ولا يُعلى عليه، وهو الذي يعالج المشكلة من جذورها؛ لأن العنف مظهر للفكر، ولا يمكن إزالة الفكر بإزالة مظهره فقط .

    الوصية الثالثة: تعزيز ما من شأنه إزالة أسباب هذا الغلو، كنشر عقيدة السلف، ونشر العلم الشرعي، ونشر المنهج الشرعي في الاستدلال والاستنباط، ذلك أن السمة الغالبة لكثير ممن يغلو في دين الله -جل وعلا- هي الجهل بعقيدة السلف، ومنهجهم في الاستدلال، ولذلك قال النبي -صلى الله عليه وسلم- في صفة الذي اعترض على قسمته: "إن من ضئضئ هذا قوماً يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان" رواه البخاري، فذكر من أبرز مظاهر الغلاة عدم فهم القرآن، ولو قرؤوه بألسنتهم فهم لا يتفقهون فيه، ولا يعرفون مقاصده، وهذا يجعلهم يأخذون آيات نزلت في الكفار، فيجعلونها على المؤمنين، كما قال ابن عمر -رضي الله عنه-، وهذا يقودنا إلى :

    الوصية الرابعة: وهي إحياء دور العلماء، ذلك أن غياب العلماء عن الساحة -في كثير من الأحيان- هو من ضمن أسباب الغلو المبني على الجهل، ولذلك فإن الوصية المبذولة هي الاهتمام بإعادة دور العلماء، ويتولى مسؤولية ذلك بشكل رئيس ثلاث فئات:

    الفئة الأولى:العلماء أنفسهم، وذلك بالإخلاص لله -عز وجل- والقيام بواجبهم، تجاه ولاة الأمر بالمناصحة، وتجاه عموم المجتمع بالتربية والتوجيه، وتجاه فئة الشباب بالتربية والعناية، والبعد عن كل ما يخدش مقام وكرامة العلماء، من الحرص على الدنيا والتكالب عليها، ومن ضعف الالتزام بأوامر الدين.

    الفئة الثانية: ولاة الأمر، وذلك بأن يصدروا العلماء، ويستشيروهم ويأخذوا برأيهم في جميع أمور الدين، دون انتقائية، ويوكلوا إليهم مهمة معالجة مظاهر الانحراف.

    الفئة الثالثة: المجتمع والشباب بشكل خاص، وذلك بأن يأخذوا من العلماء ويأتمروا بأوامرهم، وفتاواهم الشرعية.
    وإذا تحقق دور العلماء في المجتمع، فإن المجتمع سيكتسب حصانة من مظاهر الانحراف، ووقاية من مشكلة الغلو وغيره من المشكلات.

    الوصية الخامسة:يتفق الباحثون في مشكلة الغلو والتطرف والعنف على أن هذه الظاهرة إنما هي رد فعل لما يعايشه الإنسان من أوضاع شاذة وخاطئة تحياها المجتمعات المسلمة، وهذه المظاهر التي تكون منها رد الفعل، أو الظروف التي كونت القابلية للغلو فهي ما يشاهده في مجتمعه، من غياب شرع الله عن الحكم، وما يراه من غربة الدين، ومن العداء له، والتحريض على شعائره في الصحف والمجلات، وما يظهر له من التضييق على الإسلام، وفتح المجال للاتجاه العلماني يقول ما يشاء، ويكيل التهم على من يشاء.
    وتتكون ردة الفعل أيضاً بسبب ما يشاهده من الفساد والتحلل الأخلاقي الذي يشجعه على القول بجاهلية المجتمعات، وكذلك ما يراه من فتح المجال لأهل التغريب، ونشر الفساد في المجتمع، وكذلك الهزائم السياسية والعسكرية؛ كل هذه المظاهر التي يراها الإنسان ولا يملك أن يفعل تجاهها شيئاً يوصله إلى ردة فعل مساوية في القوة معاكسة في الاتجاه، وبناءً على ذلك تكون الوصية الخامسة: إزالة المظاهر غير الإسلامية، وفتح المجال للمصلحين كما يفتح المجال للمخربين الذين تمكنوا من إعلام البلاد وسُكت على تخريبهم، ولا شك أن بقاءهم على هذا الوضع يعد رافداً كبيراً من روافد الغلو، وجذراً رئيساً من جذوره، وسبباً لاستفزاز الحليم فضلاً عن غيره، ولذلك فإنَّا نطالب ولاة الأمر بإزالة الشكاية، وفتح المجال للمصلحين، وقبول قولهم، وإزالة المظاهر التي تستفز المشاعر، وتشكل مناخاً مولداً للغلو والتطرف.

    الوصية السادسة:دفن الهوة بين العلماء والحكام من جهة، وبين الشباب من الجهة الأخرى؛ ذلك أن الشاب إذا وثق بولي الأمر من حاكم أو عالم فإنه سيسمع ويطيع، وعندما يثق ولي الأمر -من حاكم أو عالم- بالشاب فإنه سيفتح قلبه له ويحل مشكلاته، ويزيل شكايته.
    أسأل الله أن يهدي ضال المسلمين، وأن يدفع عن هذه البلاد الفتن والمحن ما ظهر منها وما بطن، وصلى الله على نبينا محمد .

    الملف المرفق : emailbest.gif
     

مشاركة هذه الصفحة