د/عبدالله النفيسي .. هل يشكل الإسلام خطرا على الغرب

الكاتب : أبو لقمان   المشاهدات : 579   الردود : 0    ‏2003-06-10
      مشاركة رقم : 1    ‏2003-06-10
  1. أبو لقمان

    أبو لقمان مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2001-06-11
    المشاركات:
    5,204
    الإعجاب :
    3
    هل يشكل الإسلام خطرا على الغرب؟

    *بقلم الدكتور عبدالله النفيسي

    حصار غروزني في الشيشان والمذابح والمجازر الروسية ضد المسلمين في الشيشان وما حدث قبل ذلك في البوسنة والهرسك وكوسوفا ضد المسلمين هناك يجب أن تتم دراسته بروية ومن خلال منظورات استراتيجية ويجب التوصل لمستخلصات نظرية بغية تشكيل الرؤية الموضوعية لمثل هذه الأمور. لماذا هذه الحساسية - المفرطة أحيانا - في دوائر القرار الغربي من الإسلام والمسلمين؟ عفوا: هل الحساسية هي من الاسلام والمسلمين عموما أم من فئة قليلة من المسلمين يسميهم الغرب أحيانا بـ (المتشددين Fundamentalist) وأحيانا بـ (الإرهابيين Terrorist)؟ هل ثمة قلق غربي من الإسلام من حيث هو إطار مرجعي يفرز في نهاية المطاف حركة (مستقلة) تماما عن الغرب تنتظم أمة تبلغ المليار ونصف المليار نسمة وتتجمع على مناطق جغرافية فيها من أحزمة المعادن الثمينة (وبالأخص النفط) وتبشر بأنسقة تنموية جديدة وأسواق مشتركة وصناعات مشتركة لا تخضع للتوجيه الغربي كما هو حاصل في اتفاقية التجارة الدولية WTO؟ وأسئلة أخرى كثيرة.
    صدرت في الغرب وبالذات في الولايات المتحدة وأوروبا الغربية - خلال العشرين سنة الماضية - عدة كتابات تساعدنا في الإجابة عن هذه الأسئلة. فالرئيس الأمريكي الأسبق ريتشارد نيكسون عبر عن قلقه من الإسلام والمسلمين من خلال كتاين نشرهما منذ سنوات قريبة مضت. أولهما (نصر بلا حرب Victory withour war) وثانيهما (انتهزوا الفرصة Seize the moment) يقول فيهما أنه بعد سقوط الاتحاد السوفياتي 1991 ومعه سقوط الحركة الاشتراكية عالميا سيواجه الغرب والولايات المتحدة خصوصا (ماردا آخر) هو الإسلام فينبغي على الولايات المتحدة أن تعمل - وبسرعة - على الإمساك بما أسماه نيكسون بـ (الريادة الروحية في العالم Spiritual leadership) وعدم السماح لنماذج (التشدد الإسلامي) - حسب تعبير نكيسون - أن تجد فرصتها في هذا المجال. حتى نشاط العراق وليبيا وباكستان في المجال النووي خلال الثمانينات تم ربطه - في المنظور الغربي - بالإسلام والمسلمين لذلك نجد ستيف وايسمان وهربرت كروزني يصدران كتابهما (القنبلة الإسلامية The Islamic Bomb) يحذران فيه الغرب من حماس هذه الدول للحصول على التقانة النووية ويربطان حركة هذه الدول في هذا الاتجاه بالإسلام والمسلمين في العالم. العقبة الكأداء أمام العملية السلمية في الشرق الأوسط - كما يراها د~ ستيفن بيلليتيير Pelletiere - هما حزب الله في جنوب لبنان وحماس في فلسطين وكلاهما يقول بيلليتيير (أحزاب إسلامية). والأخير يعمل خبيرا ومستشارا في كلية الحرب War College التابعة لرئاسة الأركان في الجيش الأمريكي وقد وضع دراسة في هذا المجال بعنوان: (حزب الله وحماس: تحد للسلام Hizballah & Hamas: Chllenges to peace). حنيف قريشي {روائي بريطاني من أصل باكستاني) كتب روايته الشهيرة ولدي المتعصب My Son The Danatic يصور فيها مشكلة الجيل من أبناء الجالية الإسلامية في المملكة المتحدة من حيث شعور هذا الجيل بالاغتراب alienation الديني والثقافي وكيف أن عملية {العودة إلى الجذور} الدينية والثقافية - التي تتمحور في الإسلام - تقود هي بدورها - ولا محالة - إلى بناء سيكولوجية التعصب وآلياته في السلوك الاجتماعي والعمل السياسي وغير ذلك من التداعيات حسب تعبير قريشي. باري بوزان من مركز دراسات السلام والصراع Peace & Conflict في جامعة كوبنهاجن - الدنمارك ألمح إلى تخوفه من أن تحصل بعض المجموعات الإسلامية على أسلحة ذات تدمير شامل WMD سواء كانت نووية أو بيولوجية. لقد قامت في الثمانينات عشرات المراكز البحثية في الولايات المتحدة وأوروبا لمتابعة (الظاهرة الإسلامية) وكانت معظم المجلات والكراسات والنشرات والأبحاث تركز على موضوع ما أسمته بـ {التهديد الأحمر The Red threata الذي يرمز للحركة الشيوعية العالمية. اللجان الفنية التي شكلها الحلف الأطلسي NATO لمتابعة الظاهرة الإسلامية نشطت في متابعة هذا الأمر في أوروبا الغربية وخاصة في ألمانيا بين الأتراك وفرنسا بين المغاربة والجزائريين والتوانسة والمملكة المتحدة بين الباكستانيين والهنود والعرب. وتأسست بين دول الحلف الأطلسي أقنية لتبادل المعلومات في هذا المجال وتبع ذلك تنسيق في السياسات والإجراءات والقوانين ذات الصلة بالموضوع (وخاصة في مجال الهجرة والتعليم والثقافة) لحماية الخواص الداخلية للمجتمع الأوروبي من المؤثرات الإسلامية. وانفرزت (مدارس) فكرية غربية لمواجهة هذا الأمر: مدرسة الأقلية ويبرز فيها جون إزبوزيتو J. Esposito الذي ينادي بضرورة تفهم الظاهرة الإسلامية وأهمية فتح الحوار معها بغية استيعابها و(ترشيدها) وهناك مدرسة الأكثرية التي يبرز فيها عُتاة الكتابة السياسية أمثال هنري كيسنجر ودانييل بايبس ومارتن كريمر وجون لوتواك وهذه المدرسة تعادي بكل وضوح الظاهرة الإسلامية وتنادي بالتعاون مع الحكومات الحريصة على (استئصالها) حسب تعبير كريمر.
    هكذا نلاحظ من خلال ما ذكرناه أن ثمة قلقا مشتركا ينتظم الغرب - بأقدار متفاوتة - إزاء الظاهرة الإسلامية، فمن المسؤول عن ذلك؟ وهل لهذا القلق ما يبرره؟ وهل هناك حل لهذه المعضلة؟ سنلاحظ أن الغرب ذو وجهين: سياسي وهو الوجه الظاهر للحضارة الغربية، والآخر فكري يمثل القاعدة العلمية للحضارة الغربية وموقفها الفعلي من الإسلام والمسلمين، وسنلاحظ أيضا أن الغرب السياسي كان عبر التاريخ ولا يزال عبر تعامله معنا اليوم يروم الهيمنة والسيطرة على مقدرات المسلمين. والنظام الدولي الحالي له {قلب} يتمثل بالدول الغربية {وبالأخص الولايات المتحدة وأوروبا الغربية} وله {أطراف} حيث تقع كل بلاد المسلمين، ويتحكم القلب بالأطراف عبر أربعة أضلاع: احتكار ثقافة السلاح وتجارته (التقليدي والنووي) واحتكار النفط والخامات الأخرى واحتكار الشرعية الدولية (عبر الأمم المتحدة) وضلع العولمة (التجارة والثقافة والإعلام). عبر هذه الأضلاع الأربعة يتحكم الغرب - الذي يمثل قلب النظام الدولي - بالأطراف - التي تشمل كل دول العالم الثالث (ومنها بالطبع بلاد المسلمين بشتى ألوانهم وعنناصرهم وألسنتهم ومواقعهم من جغرافيا العالم). أما الغرب الفكري والذي يتمثل في منهج الخطاب المعرفي الغربي في رؤيته وفهمه للإسلام سنلاحظ أنه يتركز في أربعة مفاصل: الموقف من الوحي والموقف من النبوة وشخص النبي محمد صلى الله عليه وسلم والموقف من الإنجازات الحضارية للمسلمين (في ميدان الطب والفلك والرياضيات والجغرافيا وغيره) والموقف من مسألة تخلف المسلمين الحالي وسببه. ومن خلال استعراض تأويلات الغرب وتفسيراته لهذه المواضيع المتمثلة بكتابات دوزيه Doze وراينهارت Reinhart وجولدظيهر Goledzeiher ولامانس Lamans وسورديل Sordell ووات Watt وردنسون Rodinson وغيرهم كثير سنلاحظ أنهم أنكروا الوحي وأنكروا النبوة وتطاولوا بسب النبي صلى الله عليه وسلم وأنكروا دور المسلمين في الإنجازات الحضارية.. وأكدوا أن سبب تخلف المسلمين هو الإسلام ذاته ومعظم كتاباتهم في حقيقتها اتجهت نحو محاولة تقويض أساس العقيدة الإسلامية: الكتاب الكريم والسنة الشريفة.
    هذا الموقف التاريخي للغرب (السياسي والفكري) من الصعب محوه من ذاكرة الأمة الإسلامية ونخبها ومفكريها ولذلك علء الغرب مسؤولية أدبية كبيرة إزاء الأمة الإسلامية إذا أراد أن يحافظ على مكانته الأدبية بين المسلمين. نعم باستطاعة الغرب - حاليا وعبر قوته المادية - أن يفرض شروطه الموضوعية والفنية في علاقاته مع الإسلام والمسلمين لكن من قال إن ذلك يكفي لبناء علاقات (مستقرة ومثمرة) عبر آفاق المستقبل؟ ومثلما يطالبنا الغرب بتحسين صورتنا لديه، فهو مطالب - وربما أكثر منا - بتحسين صورته لدينا خاصة ونحن نرقب صمته المريب إزاء قصف الإسرائيليين لمحطات الكهرباء والمدارس والمستشفيات والمنازل في لبنان. أزعم أن معظم قيادات (الحركة الإسلامية) في العالم (يفهمون) الغرب لأن معظمهم درس هناك وتلقى تدريبه العلمي في جامعات ومعاهد ومختبرات وحتى مصانع الغرب للحديد والصلب والصناعات الثقيلة. فالدكتور حسن الترابي يتكلم الإنجليزية والفرنسية وتلقى دراساته العليا في فرنسا وأصبح بعد ذلك عميدا لكلية الحقوق في جامعة الخرطوم. والدكتور نجم الدين اربكان مهندس يتقن اللغة الألمانية لأنه تلقى تعليمه في المانيا وتخصص في مكائن الديزل وكان - لذا - وزيرا للصناعة في بلده تركيا. وراشد الغنوشي يتقن الفرنسية لأنه درس لفترة في فرنسا الفلسفة وأكمل بعد ذلك تعليمه في جامعة دمشق. وسيد قطب رحمه الله حصل على الماجستير في الإدارة التربوية من جامعة أمريكية في الولايات المتحدة ويتكلم ويقرأ الإنجليزية وكتب كتابا (أمريكا التي رأيت) عن الحياة هناك. وعباسي مدني من قيادات الحركة الإسلامية في الجزائر يتحدث ويكتب الفرنسية. وأنور إبراهيم - فك الله أسره وأعانه على ظلمته وكيدهم - كان يتلقى تعليمه في الولايات المتحدة وكان زميلنا في الاتحاد العالمي للطلبة المسلمين وكان من خلال محاضراته وكلماته - مذ كان طالبا - عميق الفهم للغرب ومنظوماته الفكرية وآلياته السياسية. وغيرهم وغيرهم كثير.
    ويخطئ من يظن أن قيادات التنظيمات الإسلامية في العالم هم من طلبة العلوم الشرعية المشبعين بالثقافة الشرعية والذين يعانون من صدمة ثقافية caltaral shock في تعاملهم مع الغرب ولذا يعاودونه ويحرضون الناس عليه في المساجد والمنتديات. هذا غير صحيح. بل أزيد فأقول بأن معظم قيادات التنظيمات الإسلامية في العالم لم يتلقوا تعليما (شرعيا) وأن معظمهم تلقوا تعليما (علمانيا) بعيد عن الدين وأجوائه تماما لا بل إن تعمق بعضهم في الفلسفة - كعلم - كاد أن يورد بعضهم - في مرحلة من المراحل - إلى الشك والإلحاد. نقول ذلك لكي نبرهن للقارئ بأن قيادات التنظيمات الإسلامية في العالم - وخاصة في الأقطار المركزية احتكوا احتكاكا جيدا بلغات الغرب وثقافاته ومعاهده وجامعاته ولذا من السطحية اتهام البعض لهم بأنهم (لا يفهمون الغرب) بل إنهم يفهمون الغرب ويتكلمون بلسانه (الإنجليزي - الفرنسي - الألماني) ويدركون الأبعاد الجيو-سياسية لاستراتيجيات الغرب في العالم الإسلامي وما يترتب عليها من أوضاع.
     

مشاركة هذه الصفحة