من نوادر محبّي الكتب.

الكاتب : أبوحسن الشّافعي   المشاهدات : 640   الردود : 4    ‏2003-06-09
      مشاركة رقم : 1    ‏2003-06-09
  1. أبوحسن الشّافعي

    أبوحسن الشّافعي عضو نشيط

    التسجيل :
    ‏2002-12-07
    المشاركات:
    344
    الإعجاب :
    0
    حفلت تراجم الأئمّة بنوادر حول علاقتهم بالكتاب,وقد كان أسلافنا -على اختلاف مشاربهم-محتفين بالكتاب مدركين لأهمّيّته.
    أمّا اليوم فمن الأسى المتتابع ,ما تجده من قطيعة بين قومنا-على اختلاف مدارسهم-وبين الكتاب.
    للأديب الفلسطيني المبدع الراحل جبرا إبراهيم جبرا كلمة كان يرددها,فيقول:
    (إنّ المثقّف العربي يقرأ في العام كتاباً,ويتحدّث عنه عاماً!!)
    وهذا الأديب من العشّاق للكتاب,الجامعين له,المكثرين الاطّلاع في سعة قلّ أن تجدها في من هم على شاكلته من الروائيين.
    وقد سجّل شيئاً من ذلك في كتابه الجميل(معايشة النمرة),وقد ذكر فيه -حسب ما أذكر-قصصاً عجيبة لبعض الذين لقيهم من القرّاء العرب,المتابعين لانتاجه,ومن أغربها وأكثرها طرافة,ما ذكره عن أحد المعجبين به في بلد عربي,إذ طلب منه هذا القارىء-عندما علم أنّه أمام جبرا-أن يرسل له بعض كتبه,وذكر له أنّه حصل على أكثر كتبه سرقةً من أحد المكتبات العامة في بلده,لأنّه لم يقدر على شراءها!!!!
    ويذكر أحمد بهاء الدين في كتابه (اهتمامات عربيّة)نقلاً عن طه حسين:
    أنّ أحد العلماء الجزائريين,كان جمّاعة للكتب عاشقاً لها ,زار هذا العالم مصر وكان يذهب إلى دار الكتب المعروفة,وفي أحد الأيّام وهو يطالع أحد الكتب,نادى العامل في الدار وقال له:
    امكث بجانبي..فقد أحببت هذا الكتاب وأخشى أن أسرقه!!!!
    ومن أعجب ما قرات قريباً,ما ذكره العلاّمة الفذ المرحوم محمود الطّناحي في ترجمته لشيخه الأستاذ العلاّمة محمّد رشاد عبدالمطّلب,عالم المخطوطات الشّهير,إذ ذكر الطّناحي أنّ الشيخ من شدّة حرصه على اقتناء الكتب كان يمر على المطابع,كل أسبوع ليأخذ ملزمة ملزمة من كل ما يطبع,وكأنّه لا يصبر حتى يتم طبع الكتاب!!!!(1)
    ويذكر الشيخ محمد الرشيد في كتابه عن الإمام عبدالفتّاح أبو غدّة رحمه الله,أنّ الإمام سُئل في لقاء مع الإذاعة عن عد الكتب في مكتبته,وكان الإمام رحمه الله يجيب أنّها مكتبة طالب علم,وبعد اصرار المذيع قال الإمام:
    عدّتها عشرون ألف مجلّد!!!
    وإن لم تخنّي الذاكرة ,أنّ الرشيد ذكر أنّ اللقاء تمّ عام 1399هـ,فانظر إلى همّة هذا الإمام,فقد عاش بعد ذلك اللقاء قرابة السبعة عشر عاماً,جمع فيها من الكتب والمجلّدات ما الله أعلم بعدّة كتبه عند وفاته رحمه الله.
    والناظر في كتب هذا الإمام الجليل ,يرى سعة الإطّلاع العجيبة وعلو الهمّة,وأذكر أنّي قرأت له في أحد تعليقاته -لعلّها على قواعد في علوم الحديث-أنّه توقّف يوماً عند إحالة على لسان الميزان أو الميزان(الشك منّي),في كتاب يحقّقه,وكان في رحلة في السّودان,فقرأ اللسان كاملاًفي عشرين يوماً!!!!ليقف على النص!!!
    ويذكرون عن العقّاد كبر مكتبته,وغزو الكتب لكل جزء في بيته حتّى المطبخ والنوافذ!!!!
    وعندما توفّي العلاّمة السعودي أحمد عبدالغفور عطّار رحمه الله,كانت مكتبته تحوي عشرين ألف مجلّد!!
    ونفس العدد أو اكثر ,ذُكر عن مكتبة شيخ المحقّقين العلاّمة عبدالسّلام هارون رحمه الله!!
    وانظر ترجمتهما في تكملة الأعلام للأستاذ محمّد خير رمضان يوسف.
    أمّا مكتبة شيخ العربيّة وإمامها أبي فهر محمود محمّد شاكر رحمه الله ,فأشهر من نار على علم,وقد ذكر رحمه الله في (رسالة في الطريق إلى ثقافتنا)أنّه قرأ تراث العرب بكل مجالاته حتّى كتب الكيمياء والهيئة وغيرها من أنواع المجالات الغريبة.
    ويذكرون عنه أنّه قرأ لسان العرب كاملاً وهو في الثّانويّة العامّة!!(2)

    ويذكر ابنه عنه أنّه أحبّ بيان الإمام الشّافعي,فقرأ (الأم)سبع مرّات!!
    وقصص هذا الإمام مع الكتاب كثيرة,أسأل الله أن ييسّر للكتابة عنه,وفاء منّا لفضل هذا الرجل الفذ.
    وأخبرني شيخي وأستاذي الأديب العلاّمة المطّلع سيدي أبو عمرو محمّد بن حامد الأحمري (3)-متّعه الله بالصّحة والعافية-عن أخ زار العلاّمة أبا تراب الظّاهري رحمه الله,أنّ كتب الشّيخ امتلأت بها الدار,حتّى جوانب الدرج لم تسلم من ذلك!!!
    وكانوا يقولون عن مكتبة الأستاذ أبي الأعلى المودودي رحمه الله:
    أنّها مكتبة حوت بيتاً,وليس بيتاً حوى مكتبة!!!!

    وإلى لقاء قريب مع محبّي الكتب.بإذن الله تعالى.
    ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
    1-مقالات الطّناحي 1/84 ط دار البشائر.
    2-م.س 2/604.
    3-ولهذا الشيخ الجهبذ قصص عجيبة مع الكتب,والجالس معه يحسب أنّ مامن كتاب على وجه الأرض إلا والأستاذ مطّلع عليه,لما يلمسه منه من سعة الإطّلاع ومعرفة الكتب,ولو كنت في حلٍّ لأتحفت القارىء الكريم بعجائب عن هذا الرجل الفذ ,ولعلّ الله ييسّر للكتابة عنه والتعريف به قياماً منّي بحق هذا الرجل العظيم عليّ,لما أفادني به وعلّمني وربّاني ,أسعد الله أوقاته وحفظه وبارك في علمه وعمله.
     
  2.   مشاركة رقم : 2    ‏2003-06-11
  3. أبوحسن الشّافعي

    أبوحسن الشّافعي عضو نشيط

    التسجيل :
    ‏2002-12-07
    المشاركات:
    344
    الإعجاب :
    0
    كان العقّاد يقول إنّ قراءتك الكتاب الواحد ثلاث مرّات خير لك من قراءة ثلاثة كتب.
    وأخبار أهل العلم في قراءتهم الكتاب مرّات عدة تمتلىء بها كتب التراجم ,لتعكس صفحة مشرقة لعلاقة هذه الأمّة بالكتاب.
    فالإمام المزني رحمه الله-صاحب الإمام الشافعي-قرأ الرسالة لشيخه (خمسمائة)مرّة!!!(1)
    والإمام ابن التبّان رحمه الله يدرس المدوّنة ألف مرّة!!
    ويحدّث الإمام أبوبكر الأبهري رحمه الله عن نفسه فيقول:
    (قرأت مختصر ابن عبدالحكم خمس مئة مرّة,والأسديّة خمساً وسبعين مرّة,والموطّأ خمساً واربعين مرّة,ومختصر البرقي سبعين مرّة,والمبسوط ثلاثين مرّة)!!!
    ويذكرون عن الحافظ برهان الدين الحلبي رحمه الله أنّه قرأ البخاري أكثر من ستّين مرّة,ومسلماً نحو العشرين !!!(2)
    وسمعت الشيخ محمد أحمد الراشد يقول أنّه يجزم أنّه قرأ الجزء الأوّل من وحي القلم عشرين مرّة(3)
    وحدّثني شيخنا أبوعمرو أنّه سمع الشاعر غازي القصيبي في لقاء إذاعي يقول: إذا أتممت قراءة العقد الفريد,أعيد قراءته مرّة أخرى!!!
    ومن يقرأ للقصيبي يرى حلاوة اللغة وروعة البيان.
    ويصف القاضي الجرجاني لذّة انفراده بالكتاب قائلاً:
    [poet font="Simplified Arabic,4,black,normal,normal" bkcolor="transparent" bkimage="" border="none,4,gray" type=0 line=200% align=center use=ex length=0 char="" num="0,black" filter=""]
    ما تطعّمت لذّة العيش حتى=صرت للبيت والكتاب جليساً
    ليس شيٌ عندي أعزّ من العلـ=ـم فما أبتغي سواه انيساً
    إنّما الذل في مخالطة النّا=سِ فدعهم وعش عزيزاً رئيساً
    [/poet](4)
    ودع عنك البيت الأخير وخذ ما قبله!!
    ويطالع الإمام ابن الجوزي رحمه الله أكثر من عشرين ألف مجلّد وهو بعد في الطلب(طلب العلم)!!(5)
    وكان ابن الخيّاط النحوي يدرس في الطريق,فيسقط أحياناً في جرف أو تصدمه دابّة!!(6)
    وسبب موت الإمام ثعلب النحوي أنّه كان يطالع كتاباً في الطريق,وكان حينها مصاباً بالصمم,فصدمته فرس فألقته في هوّة فأخرج منها كالمختلط,وحمل إلى داره وهو يتأوّه من شدّة الألم,ومات ثاني يوم رحمه الله.(7)
    وأذكر أنّي قرأت في مجلّة العربي-قبل أكثر من اثنتي عشرة سنة-عن أحد شعراء الإسكندريّة نهاية القرن التاسع عشر,أنّه اشترى بالمهر المعد لزواجه,كتباً ورجع إلى أبيه يحمل الكتب بدلاً من العروس!!!
    ويذكرون عن المستشرقة الألمانيّة الكبيرة آنا ماري شيمل-رحلت عن عالمنا شهر يناير 2003-أنّها لم تقتنِ التلفزيون في حياتها قط,وكان بيتها(محشوّاً)بآلاف الكتب!!(8)
    ولنا فرصة أخرى-إن شاء المولى سبحانه-مع محبّي الكتب.
    ___________________________________
    1-في اللغة والأدب دراسات وبحوث,العلاّمة محمود الطّناحي رحمه الله 1/285,ط1 ,2002,دار الغرب الإسلامي.
    2-انظر هذا الخبر وما قبله وأخبار أخرى في كتاب الإمام عبدالفتّاح ابو غدة رحمه الله (صفحات من صبر العلماء)ص197-199(هامش),ط6, 1421هـ,دار البشائر.
    وما أحرى طالب العلم بقراءة هذا الكتاب العظيم.
    3-في تسجيل له يترجم لنفسه,وهذا الرجل ممّن رزق أسلوباً جميلاً خلاّباً,وبصيرة نافذة في طرح المواضيع الدعوية,ولو خلا من العصبيّة الحزبيّة لكان آية في هذا الزمان.
    4-صفحات من صبر العلماء,ص256-257.
    5-قيمة الزمن عند العلماء,للإمام عبدالفتاح أبي غدة,ص62,ط5
    ,1410هـ,دار البشائر.
    6-ن.م ص45.
    7-ن.م ص41.
    8-العربي ,العدد 535,ربيع الأوّل 1424هـ,ص111.
     
  4.   مشاركة رقم : 3    ‏2003-08-24
  5. أبوحسن الشّافعي

    أبوحسن الشّافعي عضو نشيط

    التسجيل :
    ‏2002-12-07
    المشاركات:
    344
    الإعجاب :
    0
    دفعاً لأحبّتنا إلى عالم الكتب.
    ولمن كان عنده من أخبار محبيها, ليتحفنا مشكوراً.
    ذكر جهاد فاضل -الناقد اللبناني المعروف-في كتابه عن نزار قباني أنّه التقى الشاعر الفلسطيني المثقّف محمود درويش؛ فذكر له درويش أنّه عجب من نزار لا يحوي بيته مكتبة متكاملة!! وتساءل :
    أنّى لشاعر الشعر وبينه وبين الكتاب خصومة؟!!!
    وأنا أذكر القصّة بالمعنى.
    وأنصح محبّي نزار أن يقرأوا كتاب فاضل, ليروا أي شاعر كان, وأي إنسان كان !!
    وجهاد فاضل ليس من الإسلاميين, فليطمأنّ الذين قد تكون عندهم (حساسية) من الإسلاميين!!
     
  6.   مشاركة رقم : 4    ‏2003-08-24
  7. درهم جباري

    درهم جباري مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2001-07-16
    المشاركات:
    6,860
    الإعجاب :
    1
    وخير جليس في الأنام كتاب ..

    أحسن الله إليك أخي الحبيب / رياض ..

    فقد أثريتنا بهذه المعلومات الغزيرة عن جهابذة العلم وعشاق الكتاب ..

    جزاك الله خيرا ، الدكتور محمود الطناحي رحمه الله كان رجلا تفخر به العربية ويعتز به البيان

    ولم أر من يشبهه بإسلوبه الرصين سوى الأستاذ كمال النجمي رحمه الله و الدكتور محمد رجب البيومي أطال الله في عمره ..

    لك مني خالص المحبة .
     
  8.   مشاركة رقم : 5    ‏2003-08-29
  9. أبوحسن الشّافعي

    أبوحسن الشّافعي عضو نشيط

    التسجيل :
    ‏2002-12-07
    المشاركات:
    344
    الإعجاب :
    0
    أستاذنا الفاضل
    شكر الله لك هذه الزيارة بحروفك التي أملك لها احتراماً ووداً كبيرين.
    نعم, كان الطناحي صوتاً مخلصاً غيوراً, رحمه الله وجزاه عن العربيّة خيراً.
    وكان ما يميّزه -إلى إسلوبه الرائع-هو خلقه الكريم, وأدبه الجم مع مخالفيه .
    ولم أرَ هذه الرجل العظيم غاضباً -بشكل غريب-إلا في رده على سخافات حسين احمد امين التي انتهك بها الصدق والأمانة في كلامه عن شيخ الطناحي أبي فهر رحمه الله.
    وهاهو الطناحي قد رحل عنّا, وقبله شيخه, وتبعهم صف من العمالقة:
    إبراهيم السامرّائي, أبوتراب الظاهري, محمد شكري عيّاد ...وأخيراً عبدالله الطيّب وإحسان عبّاس.....ونحن نتوجّه إلى الله سبحانه أن يخلف على أمتنا
    الخلف الصالح , يعيد للأمة مجدها, ويحفظ للعربيّة حرمتها, أمام هجمات المفسدين ...........اللهم آمين.
     

مشاركة هذه الصفحة