أنا وحدي من يدرك الحقيقة .. وحدي فقط .. أيها البلَهاء ..

الكاتب : الصلاحي   المشاهدات : 445   الردود : 0    ‏2003-06-08
      مشاركة رقم : 1    ‏2003-06-08
  1. الصلاحي

    الصلاحي مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2001-07-20
    المشاركات:
    16,868
    الإعجاب :
    3
    أنا وحدي من يدرك الحقيقة .. وحدي فقط .. أيها البلَهاء ..
    هيا يا قوم .. تعالوا ..
    أنا أملك الحقيقة .. كل الحقيقة ..
    هيا .. ها أفتح ذراعيّ لكم ..
    ها أناديكم ..
    هل تريدون أن تعرفوها .. ؟؟؟
    افتحوا عيونكم جيدا" و انظروني ..

    لونها :
    لا لون لها .. بل هي كل الألوان .. رمادية أحيانا" .. ترابية أخرى .. أو بلون أحداقكم حين تلوذون بصمت اليأس بعد العجز .. أو بلون الموت الأسود يهوّم كالطاعون فوق طرقاتكم الأليفة .. أو بلون التخمة تملأ عجائزكم حتى تعجزون عن الوقوف .. أو بلون السماء حين تمطر عليكم غبارا" و ديدانا" و كوابيس ..

    رائحتها :
    لا رائحة لها .. بل هي كل الروائح .. رائحة الفل الأبيض قبل أن يصبح بلاستيكيا" .. رائحة العشق قبل أن يصبح مجرد قطرات من سوائل مقززة .. رائحة رمال صحارينا قبل أن تندلق نفطا" و سخاما" و أوساخا .. رائحة الكتب القديمة قبل أن تحرقوها بألف نار و ألف بركان .. رائحة شيخوختكم حين تفقدون الرغبة في كل شيء , رائحة القبلة قبل أن تكرهون , تكرهون ..
    ( كم تكرهون ..؟؟؟ )

    شكلها :
    لا شكل لها .. بل هي كل الأشكال .. شكل الدمعة تطفر من عين وادعة .. شكل الحزن يسافر في حكايات مساءاتكم .. شكل بسماتكم الماكرة حين تشعرون بانتصار مؤقت .. شكل وجوهكم حين تعتصرون و تستنجدون و ترتعشون و تصرخون , شكل قهقهاتكم العابثة حين تلتذّون بملمس اللحم البشري ينسحق تحت أقدامكم العارية ..
    ألا تلتذّون ..؟؟

    مكانها :
    لامكان لها .. بل هي كل الأمكنة .. هناك .. حيث تهرمون و تهرمون .. تصبحون قطعة من قماش الموت الأبيض .. هناك حيث تذهب ذاكرتكم , و بهاء نضارتكم , و حمرة خدودكم , و أسماءكم , و تواريخ ميلادكم , و شواهد قبوركم , و قوة فتوتكم , و أفكاركم , و كبرياءكم , و سماوات أحلامكم .

    ألم تعرفوها بعد ..؟؟
    غريب ..
    الحقيقة أيها المغفلون ..
    أن لا حقيقة .. لا حقيقة على الإطلاق ..

    أليس الله حقيقة ..؟؟
    ساذج ...
    هي حقيقتك وحدك ..

    أليست الجنة حقيقة ..؟؟
    غبي ..
    هل زرتها قبلا" ..؟؟

    أليست الروح حقيقة ..؟؟
    تافه ..
    هل ( ذقتها ) يوما" ..؟؟

    لكني أشعر بها ..
    اخرس ..
    أنا من سيعلّمك ..

    باسم العلم .. و العلماء ...
    باسم الأدب و الأدباء ..
    باسم الفلسفة و الفلاسفة ..
    باسم الفكر و المفكرين ..
    أنا وحدي من سيعلمك ..

    فاصمت ..

    لكن ..
    انظر أيها المغرور ..
    تجاوزت حدّك و غلوت في قدرك ..
    أتسكتني و تصادر حقي في التفكير ..؟؟
    لا ..
    سأفكر رغما" عنك , و سأحدثك أنا عن الحقيقة ..:)

    ما حقيقة الأشياء ..؟؟
    هل نسبح في عالم هلامي مائع لا حقيقة صلبة تضمّ أشتاته و تضبط أشكاله ..؟؟
    هل الظواهر حقيقة أم وهم ..؟؟
    هل توجد حقيقة مستقلة عن الوعي البشري ...؟؟
    ما الفرق بين ( حقيقتي ) و ( حقيقتك )..؟؟
    أثمة تناقض بين الحقائق ..؟؟

    نحتاج أولا" إلى ضبط المصطلحات :
    الحقيقة الموضوعية :
    هي المضمونات الفكرية المستقلة عن الوعي البشري , و التي يوجد لها في الوجود الخارجي ما يؤيدها و يثبتها .
    ما معنى هذا ( الهراء ) ..؟؟ ...:)
    اجمع زوايا أي شكل مثلثي على وجه الأرض ستحصل على نتيجة واحدة و هي 180 ْ .
    حسن ..
    هل هذه النتيجة تتوقف على الوعي البشري بها , أم أنها كامنة في المثلّث ذاته ...؟؟
    إن كان الجواب هو أن الوعي البشري هو لوحده ما يجعل من هذه النتيجة صحيحة فلا توجد حقائق موضوعية هنا .
    أما إن كان الجواب أن هذه النتيجة كامنة في الشكل الهندسي ذاته ( و هو المثلث هنا ) دون الحاجة إلى فكر بشري يكتشفها , فهي إذا" حقيقة موضوعية .
    أجمع العلماء و الفلاسفة الماديين و غيرهم ( باستثناء طائفة من المثاليين ) أن الحقيقة الموضوعية موجودة دوما" , و هي مستقلة عن الوعي البشري بها و ليست بحاجة إلى الفكر لتظهر للوجود.

    الحقيقة المطلقة :
    هي الحقيقة الموضوعية نفسها و التي أمكن للفكر البشري أن يحيط بها كليا" بكل مقدماتها و نتائجها و فروعها و أصولها و قيودها و أشراطها بحيث أصبحت ( مسلّمة ) يمكن أن يكون الفكر بعدها في مأمن من أن يعيد النظر فيها .
    و بهذا المعنى فإن اعترافك بوجود الحقيقة المطلقة يتضمّن أصلا" إقرارك بوجود الحقيقة الموضوعية أولا" .
    بالطبع فإننا نملك بلا شك قليلا" من الحقائق المطلقة بهذا المعنى , فـ 1+1= 2 , و محيط المربع يساوي مجموع أضلاعه الأربعة , و موسكو عاصمة روسيا ....
    و رغم أن هذه الحقائق تافهة و ( سخيفة ) نسبيا" إلا أنها تعطينا سبيلا" لاستشفاف الحقيقة المطلقة الكامنة وراءها , و هي دليل أن معارفنا النسبية تمد جذورها في الحقيقة المطلقة الشاملة الموجودة بذاتها و بسكل مستقل عنا تماما" .
    المشكلة التي تبرز هنا أن معظم ( حقائقنا ) هي حقائق نسبية جدا" , و النسبية تعني أنها مرتبطة بشروط و ظروف معينة قد تتغير لاحقا" مما ينسف هذه الحقائق أو يقلل من بداهتها .
    و بما أن الوعي الإنساني محدود بأبعاد معينة و ظروف ( حسية ) خاصة فإن المشكلة تزداد تعقيدا" عندما نحاول تلمّس الحقيقة المطلقة الكامنة وراء الظواهر المختلفة .
    إذا" كيف أعرف أنها موجودة بالفعل و ليست مجرد وهم أو خيال ..؟؟
    يرى ( أنجلز ) و رفاقه أنك لكي تراها عليك أن تفرّق بين فكر الإنسان الفرد المحدود , و الفكر البشري العام باعتباره مطلقا" كاملا" , أي فكر البشرية جمعاء . و أن الحقيقة المطلقة تكتشف بتراكم الحقائق النسبية فوق بعضها البعض تدريجيا" خلال المسيرة البشرية اللامتناهية .
    نعم , ببساطة عليك أن تؤجّل الكشف عنها فلا حقائق مطلقة الآن , ربما ستأتي بعد ملايين أو مليارات السنين ( بما أن الكائن البشري خالد ) عندما يتوصّل الفكر الإنساني العام إلى حل كل التناقضات بين المظاهر و إلى فهم المادة و تصرفاتها بشكل دقيق .

    لكن .. بالله عليكم اقرؤوا هذه العبارة التي أوردها الفيلسوف ( ديتزجن ) في كتابه ( رحلات ) , و هو بالمناسبة مادي صميم مغرق في ماديته :
    ( إن الحقيقة المطلقة يمكن أن تُرى و تُسمع و تُحس وتُشم و تُلمس و طبعا" أن تُعرف أيضا" , لكنها لا تندمج بصورة كلية مع معارفنا النسبية .
    فمن المفروغ منه أن لا تستفد موضوعها , و أن الفنان يبقى متخلفا" تماما" عن نموذجه الذي كوّنه في داخله , و هكذا , فكيف يمكن للوحة أن تتطابق مع النموذج ؟؟ لا يمكن ذلك إلا بصورة تقريبية .
    من أين نعرف إذا" أنه توجد طبيعة شاملة لامحدودة و مطلقة وراء ظواهر الطبيعة و خلف الحقائق النسبية المشروطة ..؟؟ من أين تأتي هذه المعرفة ..؟
    إنها فطرية فينا ..
    إنها تعطى لنا مع الشعور ..) .

    يا إلهي ..
    كأن هذا الرجل خلع جبة المادية و ارتدى جبتك يا ابن عربي ..


    لا توجد في أي من العلوم حقيقة موضوعية مطلقة. كل الحقائق العلمية مشروطة ونسبية. حتّى المثلث الذي تربينا على أن مجموع زواياه هو 180 يمكن أن يكون هذا المجموع أكثر أو أقل من ذلك عندما نترك الفضاء ثنائي الأبعاد. ) .
    سأحاول أن أشرّح عبارتك المكتنزة هذه ...:)
    لا توجد في أي من العلوم حقيقة موضوعية مطلقة ... كل الحقائق العلمية مشروطة نسبية ..
    أتفق .. و أختلف ..:)
    دعني أحكي لك حكاية صغيرة ...

    1 + 1 = 2
    أليس كذلك ؟؟
    كنت أظن أن المعادلة السابقة حقيقة بديهية لا تحتاج إلى طول تفكير ( رغم جهلي المطبق بحساب الأرقام ) , و الطامة الكبرى أني أجريت كل معاملاتي المالية طوال حياتي , على أساس هذه المعادلة المشؤومة , حتى كان يوم :
    اندفع صديقي إلى مكتبي كالإعصار , يرغي و يزبد كما هي عادته دائما" , أمسك ورقة وقلما" وبدأ يخربش طلاسم غير مفهومة , و صديقي هذا بالمناسبة ظريف لطيف طيب القلب و هو مهووس بالأرقام والمعادلات الرياضية , يتأملها كعاشق يتيه في عيون حبيبته , و يناجيها مناجاة الأم الرءوم لطفلها المدلل .

    ألقيت نظرة فاحصة على خربشاته و طلاسمه , فلم يراودني أدنى شك أن الرجل عاودته نوبة الأرقام و حمى المعادلات .
    نظرت إليه نظرة المستنجد أسأله تفسيرا" , فتنهد بعمق , وقال :
    ماذا لو أن 1 +1=3 ؟؟؟
    وقع علي هذا النبأ كالصاعقة , فالخطب جلل .
    سألته : هل تغيرت قوانين الرياضيات فجأة ؟؟
    أجاب : لا .
    - وهل هذه المعادلة الجديدة لها ما يثبتها في الواقع أو الممارسة ؟؟
    - لا .
    - وهل تملك دليلا" عليها ..؟
    - لا .
    - وهل هناك أدنى مؤشر أو موجه يدعوني لأن أعتقد أنها قد تكون صحيحة ؟؟
    - لا .
    قلت له , وقد بدأت أستعيد توازني :
    حسن , فما الأمر إذا" ؟؟؟
    قال : كل الحكاية أني طرحت بعض الأسئلة على نفسي , و بدأت أتساءل حول صحة المعادلات البديهية التي أسسنا عليها علوم الرياضيات , ماذا لو كانت خاطئة ؟؟ ماذا لو أن الصفر لا يساوي العدم , و أن الواحد الصحيح يساوي اثنان , و أن اللانهاية العددية لها نهاية ؟؟ ألا تعتقد أن هذه البديهيات قد لا تكون كذلك ؟؟
    قلت له :

    صديقي , لاشيء من العدم , أنت لا تستطيع أنت تبني أفكارك أو نظرياتك دون أساس بديهي لا يحتمل الخطأ , و إلا كانت نتائجك ملأى باحتمالات الفشل , و أنت لا تستطيع أن تنسف كل الحقائق التي اعتمدها العقل البشري منذ بدء التفكير الإنساني , فهذه حقائق ثابتة لا يعتريها الشك ولا يطرأ عليها التغير .
    احلم كما تشاء , والعب بأرقامك هذه كما تهوى , و حاول أن تثبت أوهامك و أمانيك . لكن التفكير المنطقي يوجب علي أن أؤمن أن هذه البديهيات صحيحة وحقيقية تماما" , ولن يخرج الواقع أبدا" عن مسار هذه الحقائق .
    أنت حر في أن تعمل على إثبات بطلانها , لكنك لا تستطيع أن تطالبني تصديق أنها باطلة إلا بعد أن تثبت لي ذلك بالدليل القطعي العلمي المدعوم بالشواهد والبراهين .
    و لا أعتقد انك ستفعل ذلك يوما" .
    خرج صديقي من مكتبي حانقا" عازما" على إثبات صحة رأيه , وهو إلى اليوم لا يزال يحاول .
    وأنا إلى اليوم لا أزال موقنا" أن 1+1=2 .


    هل الحقيقة موجودة بدون وجود وعي ..؟؟ تتساءل مستنكراً يا دوريمي ..
    و أقول .. نعم .. نعم ... نعم ..
    هي مستقلّة عن وعينا تماماً .. مستقلّة عن أبعاد وجودنا .. مستقلّة عن حسّنا النسبي .. متمرّدة عن القوانين التي نحاول أن نقيدّها بها ..

    الحجر موجود ..؟؟؟
    نعم .. هو موجود بغضّ النظر إن كنت لا تراه أو تحسّ قسوته أو خشونته أو صلابته .. هو موجود بذاته و في ذاته و لذاته ( أين أنتَ يا فخته ..؟؟ ) ..

    و تقول يا دوريمي :
    (لا يكف الكثيرون عن القول إن قدرات الإنسان وحواسه محدودة ولا يستطيع بها إدراك الحقائق المطلقة ولكنهم يستخدمون نفس هذه القدرات المحدودة لمحاولة إثبات وجود هذه الحقائق فيقولون إننا نحسها أو إنها فطرية، أو ليست هذه الأحاسيس والفطرة جزء من قدرات وإمكانيات الإنسان المحدودة !! ) .

    أوه .. التناقض ليس هنا يا عزيزي ..
    التناقض عندما تفترض أن الفطرة أو الإحساس جزء من قدرات الإنسان المحدودة ...
    التناقض عندما تنفي وجود أبعاد أخرى للوعي البشري ..
    التناقض عندما لا ترى من الإنسان إلا وعيه العقلي البحت المحصور في القوانين الفيزيائية , و تتناسى قوة البصيرة أو الروح المتمردة على أي قانون أو فيزياء ..
    التناقض عندما تفترض أن إدراك الشيء لا يتمّ إلا برؤيته أو لمسه أو تذوقه أو شمّه .. و لا تطرح على نفسك السؤال التالي :
    أنا رأيت ... فهل عرفت ..؟؟

    مع أطيب التمنيات ..






    منقول
     

مشاركة هذه الصفحة